العقلانية العربية: مآلات غير عقلانية؟/ حسام الدين محمد

أتذكر، في بداية مراهقتي، كتابا صادرا عن «دار دمشق» بعنوان «الماركسية: تفسير وتعريب» لإحسان مراش، وهو كاتب سوري ساهم في ترجمة أعمال لجورج لوكاش وغيره من المنظرين الماركسيين.
في أطروحته للتفسير والتعريب استشهد مراش بمقولة نسبها لكارل ماركس: «لقد كان العقل موجودا على الدوام، ولكن ليس دوما بشكل عقلاني».
مع إعلان نجاح الماركسية، أخيرا، في جعل العقل البشري، يفكر بشكل عقلاني، اجتهد مراش في كتابه على تقديم طرق لإخراج قارئه من صيغة التفكير بشكل غير عقلاني ممثلا بما اختزنه فكره من تقاليد الماضي، والدين، والأعراف الاجتماعية. باجتيازه تلك «المنطقة الحرجة» يتمكّن القارئ أخيرا من الخروج من إسار التفكير المثاليّ والدخول في مرحلة العقل.
لن تمرّ فترة طويلة على محاولة قلب الواقع على قدميه بعد أن كان واقفا على رأسه (كما كان يُقال في الأدبيات الماركسية)، عبر القطيعة مع الأفكار المثالية، المتمثلة بشكل رئيسي طبعا في المنظومات الدينية، حتى بدأت محاكمات «العقلانيين»، ونظرائهم في الصنعة، تتصّدع تحت ثقل الظواهر المعقّدة للسياسة والثقافة والاجتماع واشتباكاتها العجيبة.
الأنظمة التقدمية تلتهم التقدم!
على المستوى السياسي، تمثّلت أكبر المسائل الضاغطة على فكرة وصول التاريخ إلى ختامه العقلاني، عبر الماركسية بتكشّف وقائع الإبادة الفظيعة وأشكال القمع، الفائق في لاعقلانيته، كما جرى في عهدي الزعيمين السوفييتي والصينيّ ستالين وماو، ووجد صيغه المفجعة في ما فعله «الخمير الحمر» في كمبوديا، أو تحوّلها إلى نظم قمع متهافت على شكل ما حصل في رومانيا وألبانيا، وما حصل في بلداننا من خلافات دموية بين الشيوعيين على شاكلة ما جرى في اليمن الجنوبي، أو ما حصل من تغوّل الأنظمة «التقدمية» المدعومة من الاتحاد السوفييتي في صراعها مع الشيوعيين المحسوبين عليه، أو من قبيل تحالف الحزب الشيوعي اللبناني مع نظام صدام حسين في الوقت الذي كان فيه نظراؤهم الشيوعيون يعلّقون على كلاليب التعذيب، وهلم جرا.
كان الأمر، على مستوى اشتباك الثقافة بالسياسة، أكثر تعقيدا بكثير، من قبيل تراكب مزاعم التقدّم والاشتراكية والعقلانية مع ممارسات طائفية وعنصرية وقومية، على شاكلة هجوم مظليات «سرايا دفاع» النظام «الاشتراكي التقدمي» في ثمانينيات القرن الماضي، على المحجّبات لزجهن في التقدم عبر خلع حجاباتهن، أو عبر رفع شعارات مهددة بالقمع تحت مسمّى الاشتراكية (مثل: لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية ـ حافظ الأسد)، أو عبر مواقف أيديولوجية مثيرة للجدل من قبيل تبرير الاصطفاف مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، بدعوى أنها دولة يحكمها حزب اشتراكي المنزع، بينما تقود الفلسطينيين تنظيمات رجعية – إسلامية (كما فعل الماركسي التونسيّ العفيف الأخضر في القرن الماضي، قبل أن تصبح هذه الفكرة «ترندا» رائجا حاليا بين ماركسيين متقاعدين أو ليبراليين مستجدين).
عندما تحوّلت الماركسية إلى دين
في الفترة التي كان فيها الفكر «العقلاني» شديد الرواج، بالتزامن مع صعود كبير للفكر الشيوعي، فكك أحد الفاعلين النشيطين في الحركة الشيوعية، الفرنسي ريجيس دوبريه، مقولة ماركس عن تحوّل «الفكرة إلى قوة عندما تستولي على الجماهير»، معتبرا في كتابه «نقد العقل السياسي»، أنه ضمن «شروط القوة التي ينبغي أن تكتمل لفكرة من الأفكار كي تصبح هي نفسها قوة»، لا تنفصل البنى الفوقية عن التحتية، والمادة عن الفكر، ولا الشيء عن رمزه، ولا الواقع عن تصويره، ولا العمل عن القول. لاحظ دوبريه أيضا «الصلات الحميمة بين القدسي والدنيوي»، حيث «لا انفصال بين السحر والدين والأيديولوجيا»، وأن الإنسان يعود بشكل دائم إلى المعتقد الجماعي (الدين)، «لأنه لا يخرج منه»، وأن الأيديولوجيات الحديثة، وعلى رأسها الماركسية، هي «محاكاة للدين».
مع تفكك الاتحاد السوفييتي، وانحسار الموجة الشيوعية سياسيا، شهد الغرب حراكات جديدة ضمن اليسار ضمت المدافعين عن البيئة، والمدافعين عن الأقليات الدينية والإثنية والجنسية، والمعادين لتغوّل الرأسمالية العالمية، ولمنظريها من الليبراليين الجدد الذين روجوا لتخلّي الدولة عن دعم الطبقات الفقيرة، ولتخفيف الضرائب على الشركات وكبار الأغنياء. أما في المنطقة العربية فشهدنا مآلات أخرى من قبيل تحوّل بعض المنظمات الشيوعية إلى كيانات وظيفية تتحالف مع الولايات المتحدة والغرب، على شاكلة ما فعل حزب العمال الكردستاني، أو إلى تحالفها مع دول معادية لأمريكا، كما جرى مع اليساريين المتحالفين مع إيران، فيما هاجر الكثيرون من العقلانيين من صفوف الشيوعيين المنحسرين إلى صفوف الليبراليين الرمزيين (كما يعرّفهم عالم الاجتماع الفلسطيني – السوري ساري حنفي)، الذين يتأثرون بمقتلة الفلسطينيين، لكنهم يدعمون النظام السوري السابق لبشار الأسد، أو يحتج الغربيون منهم على مظاهر احتجاج الطلاب في الجامعات الغربية على المقتلة الفلسطينية لأنها تفقد بعض الطلاب اليهود «الإحساس بالأمان»، لكنهم لا ينتقدون العنف الفعلي الجاري والذي تمثّله الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة.
المتهم الرئيسي!
لم يقتصر هذا التحول، بعد انحسار الشيوعية سياسيا، على تبدّل التموضعات التنظيمية والتحالفات، بل شمل أيضا تبدلا في منطق التفسير نفسه. فبعدما كان الوعي، في الأدبيات الماركسية، نتاجا للبنى الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، برز في كثير من الكتابات العربية اللاحقة ميلٌ إلى قلب العلاقة: لم يعد التخلف والاستبداد والطائفية تُفهم بوصفها شروطا تنتج أنماطا مخصوصة من الوعي، بل غدا «العقل العربي»، أو «العقل الإسلامي» هو نفسه المتهم الرئيسي، وكأنه علة مستقلة تُفسّر الظواهر الاجتماعية بدل أن تكون، هي الأخرى، من نتائجها التاريخية. وهكذا انتقل بعض ورثة «العقلانية» من نقد المثالية إلى الوقوع في صورة محدثة منها، تستبدل مقولات البنية والطبقة والتاريخ بجوهر ذهني أو ثقافي يحمّل شعوبا كاملة مسؤولية عللٍ صنعتها الدولة والاستعمار والاقتصاد السياسي والعنف المؤسسي بقدر لا يقل عن أي ميراث فكري أو ديني، وبذلك لم يعد النقد موجّها إلى الشروط التي تُنتج الوعي، بقدر ما صار موجّها إلى الوعي نفسه بوصفه أصل العطب، الأمر الذي يسهّل تحميل المجتمعات مسؤولية مآزق صنعتها أيضا أجهزة الدولة، والهياكل الريعية، والعنف، والتدخلات الخارجية، وأنظمة التعليم والتديين والتطييف.
وربما كان أكثر وجوه هذا التحول دلالة أن بعض من خرجوا من عباءة التفسير الماركسي لم يغادروا نزعتهم إلى «العلة الكلية»، بل استبدلوا موضوعها فقط. فبعدما كانت البنية الاجتماعية والاقتصادية هي التي تفسّر الوعي، صار «العقل العربي»، أو «العقل الإسلامي» هو الذي يفسّر المجتمع والدولة والتاريخ. ولم يكن ذلك مجرد انتقال من الشيوعية إلى الليبرالية، بل من اختزالٍ إلى اختزالٍ آخر: من حتمية مادية تُهمِل الرمزي، إلى جوهرانية ثقافية تُهمِل التاريخ، وتحمّل الوعي وحده وزر خراب شاركت في صنعه السلطة والعنف والاستعمار والريع والمؤسسات الحديثة نفسها. يزداد هذا التصور إشكالية حين يُفصل «العقل» عن شروط تشكّله نفسها، فيُعامل كما لو كان كيانا قائما بذاته، لا صلة له بتاريخ الجسد الذي يحمله، ولا بالبيئات التي تكيّف ضمنها. فالعقل، بهذا المعنى، ليس جوهرا معلقا خارج الزمن، بل وظيفة لدماغ تشكّل عبر مسارات طويلة من التكيف مع شروط البقاء، ثم أعيد تشكيله، خلال آلاف السنين الأخيرة، عبر اللغة، والدين، والتنظيم الاجتماعي، ومؤسسات السلطة والمعرفة.
ومن ثم، فإن ردّ الظواهر الاجتماعية إلى «عقل» مفترض، من دون النظر إلى الشروط التي أنتجته وتعيد إنتاجه، لا يختلف كثيرا عن ردّها سابقا إلى بنية اقتصادية مجردة: في الحالتين، يجري اقتطاع عنصر واحد من شبكة معقدة، وتحميله ما لا يحتمل من القدرة التفسيرية.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
القدس العربي»



