تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

الأحزاب السياسية في سوريا.. أسئلة عن الغياب وشكل “النموذج” القادم/ سلمان عز الدين

22 أبريل 2026

بعد سنة وبضعة أشهر على سقوط النظام، لا تزال الأحزاب السورية شبه غائبة عن الحياة السياسية للبلاد. تأثيرها ضعيف في مجريات الأحداث، وأصواتها خافتة في ميادين النقاش العام. لم نلحظ حراكًا حقيقيًا واسعًا نحو تأسيس أحزاب جديدة، كما أن الأحزاب القائمة والقديمة لم تفعّل نشاطها، وإذا كان قرار الحل الرسمي قد طال أحزاب “الجبهة”، فإن أحزابًا أخرى مختلفة بدت وكأنها حلت نفسها بنفسها؟

وكان المتوقع خلاف ذلك تمامًا، إذ لطالما دار الحديث عن جوع السوريين للسياسة، وحنينهم إلى زمن ما قبل حكم البعث، يوم كانت البلاد تفور بالنشاط السياسي وحراك الأحزاب المتوزعة على كل الاتجاهات والمشارب الفكرية، وبالتالي فقد كانت الصورة الأقرب إلى منطق الأمور هي أن نشهد، إثر سقوط الأسد، طفرة في ميدان الأحزاب السياسية، كنوع من ردة الفعل والتعويض عن سنوات القحط المديد.

ويشير البعض إلى أن التأخر في إصدار قانون للأحزاب هو السبب الرئيس في عدم ظهور أحزاب جديدة، أو بدقة: عدم ظهور المزيد منها، وفي عدم تفعيل الأحزاب الموجودة أصلًا. ولكن السوريين لم ينتظروا قوانين ناظمة لحرية التعبير أو لحق التظاهر والاعتصام، فانطلقوا يعبرون عن مواقفهم بوسائل مختلفة. كذلك فالكثير من وسائل الإعلام لم تنتظر قانونًا للإعلام فشرعت بالعمل في الساحة السورية، وها هي الحكومة قد بدأت للتو في الترخيص لبعضها وحجب الرخص عن بعضها الآخر. فلماذا لم نشهد أمرًا مماثلًا في ما يتصل بالأحزاب؟

السلطة القائمة والتمكين

يعود الكاتب السياسي سليمان الشمر، في إجابته، إلى ظروف انطلاق الثورة السورية ضد نظام الأسد، فهذه الثورة لم يقدها حزب ولا تحالف أحزاب، ولم يدّع أحد ذلك، وعليه فإن الأحزاب المعارضة التي كانت قائمة وجدت نفسها لاحقة بالثورة، وليست محركًا لها ولا ضابطًا لإيقاعها، بل انخرط أعضاؤها في الحراك، كل في منطقته وحسب ظروفه.

وبعد سقوط النظام ــ يقول الشمر ــ احتكر أصحاب السلطة الجديدة القرار في حيزات السلطة والدولة كاملة، ولم يشاركوا أحدًا بدعوى أهمية الثقة المباشرة في المرحلة الانتقالية. ولقد اعتمدت هذه السلطة الغموض منهجًا، ولم يصدر عنها حتى الآن أي ملمح عن رؤيتها لسوريا المستقبلية، وكذلك تصريحات مسؤوليها عمومية، وأغلبها يتركز على اقتصاد السوق والاستثمار وغير ذلك، وهذا جعل الأفق السياسي غائمًا، وصعّب على القوى السياسية القديمة أو الجديدة عملية التموضع السياسي.

ويلاحظ الكاتب السياسي أن السلطة الجديدة لم تمارس قمعًا مباشرًا، لكنها أيضًا لم تشجع على الحراك السياسي، بل مارست تضييقًا ناعمًا ومتدرجًا، ولعل استبعادها لقانون أحزاب يعتبر أهم ملامح هذا التضييق، والقول إن عمل الأحزاب بدون قانون مدعاة للفوضى يشكل مقتلًا لتنظيم الحياة السياسية، الأمر الذي يستدعي السؤال عن ماهية المانع من إصدار قانون أحزاب تجنبًا للفوضى المتوهمة، أو السماح بتشكيل أحزاب تحت التأسيس ترخص حين صدور مثل هذا القانون، لأن السياسة هي تنمية وتعلم وتدريب وتجارب، وهذه لا توفرها إلا الأحزاب والعمل الحزبي.

لكن إذا كان الخوف من الفوضى هو مجرد ادعاء بلا سند من الواقع، كما يقول الشمر، فما السبب الحقيقي، برأيه، لامتناع السلطة عن إصدار قانون للأحزاب؟

يجيب: هناك مؤشرات على أن السلطة تسعى لتشكيل حزبها الخاص وتعمل عليه، مما يرجح أنها لن تطلق قانونًا للأحزاب حتى تتأكد من أن حزبها بات قادرًا على السيطرة على الحيز السياسي بشكل شبه كامل، ومن الدلائل على ذلك أن الهيئة السياسية التي تتبع وزارة الخارجية- وهذا غير مفهوم- قد استولت على كافة مقدرات الأحزاب الـ 20 التي كانت مرخصة (منها 10 كانت تشكل الجبهة الوطنية وفي قيادتها البعث الحاكم)، وهي مقدرات هائلة، ماليًا ومن حيث البنى المادية والوسائل.. ما يشير إلى أننا أمام محاولة تمكين للسلطة القائمة، حثيثة وممنهجة.

من جانبه، يرى د. إياد السيد، الطبيب والناشط المهتم بشؤون الثقافة السياسية، أن  “التسونامي” الذي اجتاح سوريا منذ ٢٠١١ مع ظهور التنسيقيات كنموذج عمل شبابي مجتمعي ثوري، قد تجاوز الأحزاب التي انقسمت -على قلتها كمًا وتأثيرًا- بين متلطية تحت عنف السلطة، أو مهرولة وراء الثورة.. فسقطت الأولى مع سقوط النظام الذي حاولت الدفاع عنه، وتلاشت الثانية مع تلاشي البنى السياسية التي تمخضت عن الحراك الثوري (المجلس الوطني والائتلاف).

ويقول السيد: إذا نحينا جانبًا احتمالية أن الأرضية الإسلامية للسلطة الحالية قد يجعلها كارهة لإصدار قانون للأحزاب لأن ذلك قد يكون مخالفًا لرأي ديني شرعي. فإنني أعتقد أن هناك محاولات غير رسمية لتشكيل أحزاب وهي بانتظار قانون لتقديم طلبات الترخيص. وقد يكون بعضها مباركًا من قبل السلطة الجديدة، أو بغض طرف منها، بهدف إعطائه فرصة للتمكن قبل صياغة القانون. ويجب أن يكون أحد هذه الأحزاب هو حزب السلطة في المستقبل، وبالتالي فإن إصدار قانون الأحزاب سوف يترافق مع احتفالية إشهار وترخيص هذا الحزب.

وبرأيه فإن تحول الفصائل إلى أحزاب سياسية هو أحد المخارج المعقولة للحالة الفصائلية.

المرض المقيم في الحياة السياسية

عرفت سوريا أحزابًا وتجمعات سياسية لعبت دورًا تاريخيًا وحظيت برمزية عالية في مجابهة النظام السابق، وذلك رغم تضييقه الشديد ومحاولته إعدام الحياة السياسية برمتها. وكان منتظرًا أن تنطلق هذه الأحزاب بقوة أكبر، وتتصدر المشهد إثر سقوط النظام. لماذا لم يحدث ذلك؟ هل استنفدت هذه الأحزاب طاقتها، وهل انتهت مشروعيتها الجماهيرية مع نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة؟

يعتقد د. إياد السيد أن الأحزاب الأكثر شهرة في مواجهة نظام الاستبداد السابق هي بعض الأحزاب الماركسية مثل “العمل” و”الشعب” و”العمال الثوري”، إضافة إلى أجنحة بعثية معارضة، والإخوان المسلمين.. وجميع هؤلاء يقفون على نقيض أيديولوجي من السلطة الحالية، بمن فيهم الأخوان الذين قد يمثلون تناقضًا ضمن الأيديولوجيا الواحدة.

وبالتالي ــ يتابع ــ كل هذا يجعل هذه القوى الحزبية في مواجهة صدامية في حال أعلنت عن نفسها مباشرة، وهي بحاجة فعلًا لقانون للأحزاب تستطيع من خلاله التحول إلى أحزاب مطلبية فقط خارج أي إطار أو صفة أيديولوجية.

أما الكاتب سليمان الشمر فيشير إلى أن الأحزاب القديمة وبعض الأحزاب الجديدة، التي تشكلت في السنوات الأخيرة للثورة في الخارج، حاولت أن تتقارب ببرامجها وتعزز من تقاطعاتها، لكن ذلك لم يعط نتائج لسببين. الأول: أن الحوارات أديرت بالعقلية الحزبية القديمة، التي لم تستطع أن تواكب التغيير العميق الذي  يفترض أن الثورة وتعقيدات الصراع السوري أحدثته في بنية الخطاب السياسي. والثاني: سيادة عقلية الأنا الحزبية والشخصية، المرض المقيم في النخب السورية، بحيث يسعى كل حزب أو شخصية لاستتباع الآخرين، لذلك وصل هذا الحراك خلال أشهر الى طريق شبه مسدود.

السياسة.. على مواقع التواصل

يترافق تراجع الظاهرة الحزبية مع صعود النقاش العام على مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك من يشير إلى أن هذا قد صار بديلًا عن الحياة الحزبية التقليدية. يقولون إن عصر الإعلام الجديد غيّر مفهوم الانخراط في الحياة السياسية، صار فرديًا أكثر ولم يعد حكرًا على الجماعات السياسية المنظمة على أرض الواقع. هل يمكن لهذا الرأي أن يكون تفسيرًا مقنعًا؟

يشدد د. إياد السيد على أن الأحزاب ليست هي الشكل الوحيد لممارسة السياسة. بل ربما لم يعد لها أي ضرورة. حيث أن كل ما يقدمه النشاط الحزبي سابقًا أصبح كله متوفرًا على وسائط التواصل الاجتماعي من حيث توجيه أو صناعة الرأي العام، أو  الاستبيانات، أو الدعوات للتظاهر والاعتصام، أو فضح ممارسات المسؤولين، أو التواصل مع المنظمات الدولية وإيصال الصوت خارج الحدود مما يجعل الأنظمة أقل جرأة على ارتكاب الجرائم بحق مواطنيها. يضاف إلى ذلك توافق أغلب النشطاء السياسيين على فكرة انتهاء زمن الأحزاب الأيديولوجية، والتركيز على مشكلات بعينها أو على برامج تنموية تقوم على التقانة والمعرفة وطرق نقل الصورة وتوثيقها، وليس على الأيديولوجيا والهيكلية الحزبية. وهذا ما يجعل جماعات الميديا الناشطة فعليًا على الأرض أكثر حضورًا من أي حزب لحل المشكلات المطلبية ودعم برامج التنمية.

ويضيف السيد: يُذكر أن جورج واشنطن لم يكن محبذًا الأحزاب لما فيها من آثار مؤلمة على نظام الحكم الأميركي، تتمثل بإضعاف الإرادة العامة وإثارة العداوات والشغب والفساد وفتح الأبواب للنفوذ الخارجي. طبعًا مع الأخذ بعين الاعتبار أنه في عصر جورج واشنطن لم يكن هناك أي تطور للميديا التي أصبحت تقوم بكل وظائف الحزب. ويتساءل: ترى، ما الذي يقدمه الحزب زيادة عن جماعات الميديا الضاغطة؟ ربما الشيء الوحيد ــ يجيب ــ هو ما يفرضه على أعضائه من ميثاقية في الالتزام والولاء. ولكن، هذا بحد ذاته قد يمثل صفة سيئة حين يصبح الحزب بديلًا عن الوطن، والولاء له أعلى من الولاء للوطن. أو قد تصبح صفة غير ذات معنى حين تكون الانشقاقات ضمن الحزب الواحد أسهل من شربة ماء.

يختلف سليمان الشمر مع وجهة النظر هذه، قائلًا إن تفسير هذا الضياع الحزبي، إن صح التعبير، بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد حلت محل العمل التنظيمي الحزبي، غير صائب ويجافي المنطق، فوسائل التواصل لاتبني سياسة، ذلك أن ناتجها فردي مؤقت، لايضبطه منهج محدد، ولايؤسس لعمل جماعي تضمنه وتحدده البرامج، فهي أقرب الى رؤى فردية تتعلق بحدث وبالتالي هي متبدلة باستمرار، وغالبًا ما تأخذ شكل رد فعل أكثر من أن تكون فعلًا، كما إنها لاتسهم إيجابًا في إعادة صياغة الرأي العام بل تشتته.

الأحزاب في ظل “الهويات الصغيرة”

يربط البعض بين العزوف النسبي عن الأحزاب وبين صعود الهويات الثانوية (الطائفية، الإثنية، العشائرية)، والتي صارت، وفق قولهم، تتصدر الميدان العام مزيحة الأحزاب والتجمعات الطوعية إلى الخلف.

ويؤكد سليمان الشمر أن السلطة اعتمدت وشجعت على التعامل مع الشعب السوري كمكونات وعشائر وطوائف ووجاهات، وليس كمجتمع مدني تسوده مفاهيم المواطنة المتساوية، فانتشر وساد الخطاب الشعبوي وشعاراته الأساسية “من يحرر يقرر”، و”لبت لبت” و”الفزعات”، وهذا يعقيق العمل السياسي ويطمس الحدود بين الحقل السياسي الذي يقوم على التنظيم والبرامج، وبين القاع الاجتماعي المسكون بهمومه المعاشية واليومية.

فيما يرى إياد السيد أن هذا سبب آخر للتخلي عن فكرة ضرورة الأحزاب للممارسة الديمقراطية أو ممارسة السياسة عمومًا. حيث أن أحد وظائف الحزب هو تحويل الناس من ولاءاتها غير الإرادية، من طائفية وعشائرية، إلى ولاءات إرادية واعية عابرة للطوائف والعشائر. ولكن ما هو حاصل أن الأحزاب في منطقتنا غالبًا ما تركب على هذه الولاءات ويصبح الحزب ممثلًا لطائفة أو عشيرة أو منطقة. وتغيب عن الحزب أهم صفاته وهو أنه يسعى للمصلحة العامة وليس لمصلحة فئة محددة. أما الحزب الشمولي القسري، كما كان في عهد الاستبداد الأسدي، فهو لم يستطع إلغاء هذه الهويات بدليل عودتها بهذه الحدة والسرعة بمجرد سقوط ذلك العهد.

ومع ذلك، يعتقد السيد أن عودة الناس إلى هوياتها الثانوية سببه غياب الدولة، وغياب القانون. وميل السلطة الجديدة إلى التعامل مع الوجهاء وأصحاب النفوذ العشائري والطائفي وليس مع النشطاء السياسيين.

أحزاب حاضرة.. غائبة

وإذ نتحدث عن انحسار وتراجع وشبه غياب للأحزاب، فنحن لا نتحدث عن غياب تام، وثمة أحزاب قليلة أعلنت عن نفسها. فكيف هو أداؤها وما هي طروحاتها وما تأثيرها الفعلي؟

يجيب السيد: هناك أحزاب قليلة تحاول استغلال الوقت الضائع لريثما يتم إصدار قانون أحزاب.. قد أعرف أسماء بعضها ولكني لا أعرف ما هي طروحاتها بالضبط. أما أداؤها فيبدو متواضعًا جدًا حسب ما هو ظاهر من غيابها التام عن الأحداث الهامة. ربما تكون منشغلة في تجنيد الأنصار فقط ولا تريد أن تدخل في أي مواجهات مع السلطة قبل صدور قانون يمنحها رخصة العمل.

أما سليمان الشمر فيختم بالقول: أعتقد أن المرحلة مرحلة مخاض سيكون عسيرًا، ومن الصعب التكهن بما سيرسي عليه، لكن من البديهيات أنه لن يكون هناك تعاف لمجتمع، ولا تقدم له ولا تنمية مستدامة، في ظل غياب للسياسة والأحزاب السياسية.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى