تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

هل استهلك الشرع وحكومته رصيدهما الشعبي؟/ حسين عبد العزيز

17 ابريل 2026

قد يثير السؤال في عنوان المقال استهجان سوريين كثيرين ممّن يرون في الحكم الحالي تمثيلاً لهم على المستوى الطائفي، في وقت يراه آخرون، ممّن يرون في الحكم الحالي ابتعاداً عن روح الإجماع الوطني، سؤالاً مشروعاً. وبين هذه الفئة والأخرى المقابلة لها، بدأت تخرج أصوات جديدة من رحم التيار الأول تندّد بطبيعة النظام الحاكم الحالي على مستوى الاستئثار بالحكم، وعلى مستوى الفشل في الملفّات الأخرى. وطبيعة الانتقادات الشعبية لا تُظهر نقاط الضعف في المنظومة الحاكمة فحسب، بل تكشف أيضاً انقساماً عميقاً على المستوى الشعبي فيما يجب أن تكون عليه الدولة وعلاقتها بالمجتمع.

وضمن معاينة توجّهات الشعب السوري تجاه حكم الرئيس أحمد الشرع، ثمّة ثلاثة مواقف رئيسة. الأول، موقف القاعدة الشعبية لحكم الشرع، وهي في غالبيتها العظمى من السنّة. في الآونة الماضية، بدت هذه القاعدة غير منسجمة، ومنقسمة بين ثلاثة أقسام: قسم منسجم تماماً مع الحكم الحالي ومؤيّد لمواقفه وأفعاله كلّها، بغض النظر عن آراء الفئات الأخرى من الشعب السوري ومواقفها. وبالنسبة إلى هذا القسم انتهى التاريخ مع سقوط الأسد ووصول السنّة إلى الحكم، وما بعد ذلك مجرّد تفاصيل. وقسم ثانٍ متشدّد يرفض توجّهات الشرع الـ”تغريبية” ذات السمة الليبرالية، ويدعو إلى تطبيق المعايير الإسلامية بشكل صارخ، وهذا القسم هو الحاضنة التنظيمية للشرع وقوته العسكرية. وقسم ثالث أخذ ينأى بنفسه تدريجاً عن الحكم الحالي، وإن بقي راغباً في نجاح التجربة الثورية في الحكم، وهذا القسم هو الذي يركّز عليه المقال.

الموقف الثاني هو المهادن الذي يقبل الحكم الجديد ضمن ضرورات الإمكان التاريخي، أو القبول بالأمر الواقع، ولدى هذا الموقف رغبة شديدة أيضاً في نجاح التجربة، لأنّ فشلها سيؤدّي إلى خسائر كبيرة لهم (العلويين والأكراد). الموقف الثالث هو الرافض بشكل مطلق لحكم الشرع مهما كانت أفعاله إيجابية، وهذا الموقف بقي محصوراً في فئة صغيرة (تيار حكمت الهجري في السويداء). وهذه المواقف الرئيسة الثلاثة طبيعية وانعكاس للبنية الاجتماعية الدينية والطائفية في سورية، ولا جديد فيها، لكنّ الجديد ظهور أصوات من القاعدة الشعبية لحكم الشرع أخذت تندّد بآليات الحكم القائمة بعد نحو عام ونصف العام من الحكم الحالي.

تناولت الانتقادات مجالات عدة، فهناك أولاً سوء إدارة المؤسّسات لجهة طغيان فئة معيّنة على مفاصل إدارات الدولة، يغلب على تعيينها سمة الولاء لا سمة الكفاءة، إلى جانب سوء في اتخاذ بعض القرارات، وقد برز هذا في آليات عمل الوزارات والمديريات والمحافظات، وثمّة أمثلة عديدة على قرارات ارتجالية وتصريحات مستعجلة غير مدروسة لبعض الوزراء.

وهناك ثانياً، السياسات الاقتصادية، وخصوصاً خصخصة الاقتصاد مبكّراً، في ظلّ ضعف شديد للدولة ومؤسّساتها، وضعف شديد في قدراتها المالية، وقد ترتب على هذه الخصخصة ترك أسعار السلع الأساسية والكهرباء والمستشفيات لمنطق السوق، ما أدّى إلى ارتفاعها ارتفاعات جنونية لا تتناسب مع القدرات المالية للفرد السوري، الذي تُرك لمصيره الاقتصادي. ولم يكن قرار الخصخصة ناجماً عن دراسةٍ متأنّية، بقدر ما جاء ردّة فعل على عقود من السياسة الاشتراكية التي تعطي القطاع العام دوراً رئيساً في الاقتصاد الوطني. ومع أنّ سياسة الخصخصة هي الأنجع، بعدما ثبت فشل السياسات الاشتراكية للاقتصاد، فإنّ ذلك لا يعني التخلّي تماماً عن الاشتراكية، فكثير من الدول الأوروبية المتقدّمة تعتمد الاشتراكية إلى جانب الرأسمالية، لا سيّما في القطاعات الرئيسة للدولة. إنّ طريق الخصخصة في ضوء الواقع السوري المأزوم حالياً على كل الصعد، وفي ظلّ طبقات اجتماعية هشّة وأخرى تحت خطّ الفقر أخذت في الاتساع، يتطلّب الأخذ بالاعتبار ضرورة حماية هذه الطبقات الكثيرة العدد، وهو ما يبدو أنّه غير مُدرج ضمن سياسة “الدولة”. إضافة إلى هذا، هناك سياسة اقتصادية للمشاريع تنسجم مع توجّهات الفئة الحاكمة، أكثر ممّا تنسجم مع حاجات سورية الاقتصادية، وقد ارتفعت أصوات بين فئة رجال الأعمال تندّد بهذه السياسة.

ثالثاً، يأتي الانفلات الأمني والاعتقالات، فما تزال عمليات القتل والاعتقال العشوائي مستمرّة في سورية، تعلو أحياناً وتخفّ أحياناً أخرى، لكنّها ما تزال مستمرّة، ويكاد يكون من الصعب في هذه العمليات فصل ما هو شخصي عمّا هو وطني وقانوني. ورابعاً، النهج التسلطي، وهو نهج واضح في كلّ تفصيل سوري، إن كان على مستوى التعيينات، أو على مستوى إقصاء الأشخاص الناقدين، أو على مستوى الأشخاص ذوي الخبرات الدولية. وأهم عمليات الإقصاء تلك المتعلّقة بالطوائف الأخرى، فعلى الرغم من تراجع التهديد الأمني تجاه هذه الطوائف مقارنةً بالسنة الماضية، إلا أنّ الإقصاء الوظيفي ما يزال مستمرّاً. صحيح أنّ ثمّة حريات عالية في سورية، خصوصاً الحريات السياسية، لكن هذه الحريات مع غياب الدولة، أو عمليات بناء الدولة على أسس حديثة، تتحوّل إلى حرّيات سلبية أو إلى ليبرالية سياسية سلبية، كما هو الحال في لبنان، مقتصرةً على النقد والانتقاد، وهي بذلك حريات غير تراكمية، بمعنى أنّها لا تؤسّس مناخاً ليبرالياً حقيقياً ينعكس في منظّمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية ونقابات، تشكّل بمجملها أجساماً وسيطة تمارس دورها عاملَ ضغط على الدولة، وتجعل من الصوت الشعبي صوتاً منظّماً.

حالة الستاتيكو الاجتماعية (حالة الصمت الشعبي) ليست ناجمةً عن رضا، بقدر ما هي نوع من العطالة المستمرّة في الوعي الجمعي على إثر سقوط نظام الأسد، الحدث الكبير الذي ما يزال يهيمن على اللاشعور السياسي للشعب السوري، لكن هذه العطالة لن تستمرّ طويلاً إذا ما بقيت إدارة الدولة على حالها، الإدارة القائمة على الاستئثار بالسلطة وبالقرارات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى