إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 22 نيسان 2026

تابع مكونات الملف اتبع الرابط التالي:

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

تحديث 22 نيسان 2026

صراع الجبابرة: حرب البراغماتية الفظّة مع الأيديولوجيا الشرسة/ موفق نيربية

بعد مفاوضات أوّليّة لاهثة لـ21 ساعة متواصلة في إسلام أباد، خرج جي دي فانس ليعطي انطباعاً متشائماً بمستقبل السلام، ما أغضب الإيرانيين الذين قالوا عكس ذلك. بعد ذلك بأقل من يومين صرّح فانس نفسه، بأن المفاوضات كانت منتجة نسبياً، بعد أن قالت رويترز أيضاً، إن نسبة عالية من الخلافات قد تمّت تسويتها. يمثّل ذلك التعارض صراع عقليّتين حول مفهوم التفاوض في كلّ من إدارة ترامب، وإدارة الملالي مع الحرس الثوري.

كان دونالد ترامب صاحب برنامج تلفزيوني اسمه «المتدرّب». يدرِّب فيه رجال الأعمال الجدد، ويدفعهم إلى إتقان التنافس. وهو بدوره، في حياته العقارية والسياسية، كان قد خضع لتدريب ودروس من محامٍ نيويوركي اسمه روي كوهن. كان هذا في خمسينيات القرن العشرين أقرب مساعد للسيناتور مكارثي، صاحب الملاحقات والتحقيقات سيّئة الصيت في إرهاب النخب الفنية والثقافية والسياسية الليبرالية/اليسارية الأمريكية. تعرّف في ما بعد على ترامب الشاب وابتدأت بينهما مسيرة طويلة حتى منتصف الثمانينيات، عند وفاته. وقد اشتهرت تلك القواعد الستّ في» إدارة المواقف والأشخاص والسيطرة عليهم»، وشكّلت قلب نظريّته «التربوية» التي نقلها إلى متدرّبه:

أولّها كان ألّا يعتذر ولا يعترف بالخطأ إطلاقاً، وأن «حَذارِ من الندم». وثانيها أن يهاجم دائماً، وبقوة أكبر من هجوم الخصم، مع التصعيد اللجوج لإدارة المواقف والأشخاص والسيطرة عليهم. وثالثها اعتبار النظام القانوني سلاحاً فعّالاً في الخصومة لا ملاذاً لتحقيق العدالة، وقد دخل ترامب بالفعل في أكثر من 3500 دعوى قضائية في حياته العملية. وكان رابعها التلاعب بوسائل الإعلام بلا هوادة، ومن ذلك رشّ الاتّهامات الجريئة، لأنّها كثيراً ما لا تُدحض، وقد استخدم ترامب هذا الأسلوب في معاركه أيام ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي واستمرّ. خامسها استخدام الترهيب والتخويف كدرع وكسيف، وقد ابتدأ ترامب قديماً واستمرّ حديثاً في استخدام اليسار والشيوعية كفزّاعة، وأبدع لاحقاً باستخدام المهاجرين والمسلمين والجريمة والمخدّرات لذلك الهدف، ومن «الدولة العميقة» كما يفعل الشعبويون عادةً. بالطبع يمكن إضافة المبالغة دائماً سلباً وإيجاباً، خصوصاً عندما تكون الحقيقة شيئاً مختلفاً تماماً. كذلك دغدغة ميول المستَهدَف وطبيعته الخاصة، أو تضخيم وتصنيع الأخطار المحدقة به وتيئيسه من إمكانية النهوض من حفرته، وتهوين المصائب أو تلوينها، إلخ، مع خصائص أخرى في سمات المقاولة والمناورات، أو التلاعبات التي تحدث أثناءها، ويمكن نقلها مباشرة إلى عالم إدارة السياسات.

البراغماتية ليست سيّئة بشكل مطلق في حالتها العادية، لكنها تنحدر أحياناً إلى «تبرير كلّ ما يُجدي منفعةً» أو إلى مسعى متوحّش وراء السلطة والمردود. وفي حين أن الأيديولوجيا أساساً نسق من المفاهيم والأفكار، يحتوي على تفسير للعالم وتصوّر للمستقبل، لكنّه غالباً ما يُستخدم بذاته لتبرير وترتيب برامج وتصوّرات لتحقيق ذاك التصوّر، ويبالغ أصحابه في وسائلهم بغية النجاح في الحفاظ على السلطة/القوة أو الوصول إليها. فهي إذن على قرابة بالبراغماتية من ذلك المدخل العملي، تبلغ مبلغاً أسمى وأخطر حين تأتي من جهة العقيدة أو الدين.

في إيران ونظام الملالي فيها يحدث ذلك، وبشراسة وعنف:

فمن يستطيع التمييز ما بين سياسات الهيمنة القوميّة، التي صبغت عهد الشاه مثلاً (ومفهوم شرطي المنطقة!)، وتلك التي تَخَلّقت تماماً خلال عامين من انتصار الثورة الإسلامية، التي وعدت بحكم الشعب وبالحرية والحريات عام 1979، ومالت تدريجياً إلى جعل الحاكم المطلق نائباً عن الإمام الغائب المعصوم، قائد الأمة الإسلامية ومدبّر شؤونها. وباعتبار كون الراحل حسن نصرالله أبرز ممثّل لذلك النظام ومعبّرٍ عنه من ناحية السياسة الإقليمية، يمكن الاستشهاد بما باعترافاته الفخورة، حين كان يصف نفسه كفرد في ولاية الفقيه، أو جنديٍّ في صفوف قوّاتها. نُقل عنه أن الهدف الأسمى أن يسود ذلك النظام في كل ديار الإسلام، وأنّ نظام الولى الفقيه يسمو على الدستور (اللبناني هنا)، مثلما أن دولته هي «دولة القانون» ولا غضاضة، تزايد ذلك الميل إلى التعبير ذاته في العقد الثاني من هذا القرن، حين أصبح الحفاظ على نظام الأسد الهمّ الأوّل لحكومة المرشد الأعلى والحرس الثوري وحزب الله.

أصبح التمدّد الخارجي وبناء «محور المقاومة» في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، وتعزيزه بتوسّعات جديدة تبدأ بالتفجّرات والتفجيرات سياسة أكثر وضوحاً مع الزمن، تعبر الجسر من الأيديولوجيا الثورية؛ التي لا تتطوّر صناعتها إلّا بالتصدير؛ إلى براغماتية نزعة الهيمنة بسهولة، ومن دون تردّد.

دفع ذلك التوجّه بالكثير من أهل المنطقة إلى الاتجاه الآخر، الذي لم يدخلوه عبر التاريخ الحديث. فلم يعد مستهجناً، بالدرجة نفسها على الأقل، أن يضعف ولو نسبياً ذلك الصوت العربي المدافع عادة وأصولاً عن أهل غزّة تحت الضربات النارية المدمّرة لإسرائيل؛ والصوت اللبناني، ومعه العربي أيضاً، أمام تدمير الجيش الإسرائيلي للبنان في طريقه، وهو يضرب حزب الله، ذلك الحزب الذي يحتاج البلد والدولة بشكل مصيري إلى نزع سلاحه «المقاوم»، لذلك ليس من السهولة تلمّس ردود الفعل الملتبسة وشدّتها في المنطقة حالياً، حيث يتحارب بالشراسة التي رأيناها تحالف البراغماتية الأمريكية مع الأيديولجيا الإيرانية التي تتفتّح براغماتيّتها المتفهّمة لسياسات عدوّها، ويواجه الشرق الأوسط مصيراً مجهولاً تختلط فيه آلام ولادة مسخ جديد غير محدّد الملامح بعد.

قد تساهم «مخرجات السلام» القادم حين تتبلور، في إبراز بعض هذه الملامح بشكل أوّلي، لكنّ هذا لا يمنع هنا استنطاق الصورة القائمة وهي ما تزال مجهولة عملياً. يعتمد الأمر على ما يمكن أنه أصبح أقرب إلى النتائج الفعلية، وأهمّها تراجع قوة ونفوذ النظام الإيراني في كلّ المجالات، وتغيير مهم في سياسات دول الخليج، خصوصاً ما يتعلّق بالانتقال من الحالة السلبية في الحقل الدفاعي إلى أخرى إيجابية وواثقة، يكون لها فيها دور مهم لاحق وأساسيّ في الدفاع عن نفسها وفرض احترامها بقوة، على الرغم من المرور بمرحلة انتقالية صعبة أوجبتها عمليات قصف البنية التحتية، وعلى الأخص في مجال الصناعات النفطية، الأمر الذي سوف يدفع بدوره إلى تصليب العزيمة على تنويع أشكال الاقتصاد الوطني وتحويلها، بما يعزّز الميل الموجود أساساً في السعودية والإمارات وغيرهما، بل ربّما يساعد جيداً على تصويب ذلك الميل بناءً على التجربة الكبيرة الراهنة. تلك الثقة بالنفس ربّما تساعد أيضاً على مزج التنمية السياسية والاجتماعية بالاقتصادية، وتكون الرفاهية في العيش أكثر ارتباطاً مع الحداثة الشاملة.

لا بدّ أيضاً أن يتأثّر المسار السياسي للعراق، لتتقدّم قليلاً القوى التي أضعفتها الهيمنة الإيرانية وتتراجع – أيضاً قليلاً- تلك التي دعمتها وزرعت فيها عوامل الغطرسة والضرب بسيف وسمعة غيرها من وراء الحدود. وسيحدث مثل ذلك في اليمن، لو استطاع تجنّب عثراته المستمرة في طريق وحدته ووحدة شعبه، واتفقت قوى الجزيرة العربية الرئيسية على سياسة واحدة توافقية هناك.

ربّما يكون لبنان من أهم الرابحين بين تلك الأطراف بعد خيبته طويلة الأمد، على الرغم من أن انعكاس التراجع الإيراني سوف يأخذ وقته حتى يصل إلى حزب الله وسلاحه، السدّ المانع لاستعادة الدولة ميزاتها الأساسية… يحتاج ذلك أيضاً إلى حكمة اللبنانيين، التي تستطيع إنتاج حتى ما هو أفضل وأكثر حداثة – نسبياً- من اتفاق الطائف. هنا قد يزدوج العاملان: التراجع الإيراني والسلام الإسرائيلي، بمقدار ما يستطيع العرب والعالم أن يفرض من العقلانية على إسرائيل، وذلك ليس سهلاً أبداً.

يبقى المكان الأكثر استعصاءً على رسم الملامح هو سوريا، حيث تفرض تراجيديا التحوّل، الذي حدث في ظروف مختلفة تماماً عام 2024 ومع سماته المتناقضة، تعاملاً دقيقاً واستعادةً لقوة الشعب وقواه. ولن يكون ممكناً توحيد البلاد إلّا باللامركزية المعقولة، ولا «دسترة» الدولة وتحديثها إلّا بفرض تراجع القوى «الرجعية»، من قبل نهضة سياسية وشعبية تظهر بعد ما يشبه انقراضاً أوجده ورعاه استبداد نظام الأسدين المديد، وأعطاه شكله ومضمونه، وتلك مسائل لا يمكن المغامرة بقراءة فنجانها بعد.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————-

 “الخط الأصفر” من لبنان إلى سوريا: الجنوبان تحت نار إسرائيل/ بتول يزبك

الأربعاء 2026/04/22

في الجنوب اللبنانيّ، تتحرّك إسرائيل بوصفها قوّة تعيد تعريف الأرض وحدودها ووظيفتها السّياسيّة والأمنيّة. “الخطّ الأصفر” ليس تفصيلًا عسكريًّا في خطة “إسرائيل الكُبرى”، ولا مجرّد تسميةٍ ميدانيّةٍ للتداول. إنّه عنوان مرحلة كاملة.

هذه المرّة، لا تدور المسألة حول شريط حدوديّ ضيّق أو نقاطٍ متنازعٍ عليها. المسألة تتعلّق بمشروعٍ إسرائيليٍّ أوسع، يمتدّ من جنوب لبنان إلى الجنوب السّوريّ، ويقوم على وصل الساحات، وتوحيد المنطق الأمنيّ، وفرض حزامٍ عازلٍ طويلٍ ومفتوحٍ على التوسّع. هكذا يُمكننا فهم “الخطّ الأصفر”: إنّه خطّ دفاعٍ متقدّم، وخطّ نارٍ حرّة، وخطّ انطلاقٍ لعمليّاتٍ لاحقة، في آنٍ معًا.

منذ أن تحدّث بنيامين نتنياهو، في مقابلةٍ تلفزيونيّةٍ، عن “إسرائيل الكبرى”، عارضًا خريطةً قال إنّها تمثّلها، ومعبّرًا عن تأييده هذه الفكرة بوصفها “رسالةً تاريخيّةً وروحيّةً”، لم يعد ممكنًا فصل الخطاب الإسرائيليّ عن السّلوك الميدانيّ. فالمناخ الحاكم في إسرائيل اليوم، بما فيه من تطرّفٍ دينيٍّ وقوميّ، وبما يعتمل داخله من أزمات نتنياهو الشخصيّة والائتلافيّة، يدفع نحو مزيدٍ من الذهاب إلى الأمام، مستفيدًا من توازناتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ يراها مؤاتية. إنّه مُخطّطٌ يريد إعادة تشكيل الطبيعة نفسها: الأرض، والبيئة، والحيّز البشريّ. وهذا ما ظهر في غزّة بفظاعةٍ كاملة، ويظهر اليوم، بدرجاتٍ مختلفة، في جنوب لبنان، وجنوب سوريا، كما في الضفّة الغربيّة حيث يتقدّم الضمّ الزاحف، وتتمدّد المصادرات، وتتّسع أدوات الخنق والإخضاع.

جنوبٌ على قياس الأمن الإسرائيليّ

في بيروت، ينشغل أركان الحكم بالنقاش حول “التفاوض المباشر” أو “غير المباشر” مع واشنطن. وعلى الأرض، ترسم إسرائيل وقائعها بصبر. وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس قدّم، عمليًّا، تصوّرًا واضحًا لما يمكن تسميته “مثلّث السَّيطرة” في لبنان، مقسّمًا البلد إلى ثلاث طبقاتٍ أمنيّةٍ متفاوتة الوظائف، لكنّها تصبّ كلّها في هدفٍ واحد: إعادة ترتيب لبنان الجنوبيّ على قياس الأمن الإسرائيليّ.

الطبقة الأولى هي منطقة العشرة كيلومترات، أي “الخطّ الأصفر”. هنا تسعى إسرائيل إلى تحويل هذا العمق إلى مساحةٍ محرّمةٍ على اللبنانيّين أنفسهم: منع عودة السكّان، إبقاء قرى الحافّة الأماميّة خرابًا دائمًا، وفرض منطقةٍ عازلةٍ تحت عنوان “العمق الاستراتيجيّ”. في هذه المساحة، تصبح السّيادة اللبنانيّة نصًّا بلا أثر.

الطبقة الثانية هي “المجال الأمنيّ” حتّى الليطاني. المطلوب هنا نزع السلاح، وإخضاع المنطقة لمراقبةٍ جوّيّةٍ وتقنيّةٍ مستمرّة، بحيث يصير أيّ تحرّكٍ قابلًا للتوصيف الإسرائيليّ باعتباره “تهديدًا”، وأيّ هدفٍ قابلًا للضرب. والأخطر أنّ الدولة اللبنانيّة تُوضَع في موقع المكلّف بالتنفيذ، وتُحاسَب إن قصّرت، فيما تحتفظ إسرائيل بحقّ التدخّل المباشر بالنار.

أمّا الطبقة الثالثة، فهي بقيّة لبنان، حيث تريد تل أبيب نقل عبء الصدام إلى الداخل اللبنانيّ نفسه، عبر وضع ملفّ “تفكيك سلاح حزب الله” كاملًا في عهدة الدولة. والمعنى السياسيّ هنا بالغ الخطورة: إمّا أن تتحوّل الدولة إلى أداة تنفيذٍ لشروط إسرائيل، وإمّا أن يبقى الجنوب تحت الاحتلال والضغط العسكريّ المفتوح، مع احتفاظ تل أبيب بحقّ الضرب ساعة تشاء.

تسميةٌ تكشف المعنى

في حديثه لـِ “المدن”، يضع الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني، الإصبع على دلالة التسمية نفسها. يقول جوني: “أُطلقت تسمية “الخطّ الأصفر” في جنوب لبنان، ويبدو أنّ هذه التسمية لم تُعتمد عبثًا، بل جرى اختيارها عمدًا لربطها بمفهوم “الخطّ الأصفر” في غزّة. وإلّا، لماذا اختير هذا الاسم تحديدًا؟ من هنا، يبدو أنّ المقصود هو إسقاط المفهوم نفسه على الحالة اللبنانيّة”.

بهذا المعنى، لا تبدو التسمية تفصيلًا لغويًّا، بل مفتاحًا سياسيًّا وعسكريًّا لفهم ما تريده إسرائيل. فالاسم مستعارٌ من تجربةٍ سابقة، والمفهوم يُنقل من ساحةٍ إلى أخرى، والمنطق نفسه يُعاد إنتاجه: خطّ انسحابٍ يتحوّل إلى خطّ أمنيّ، ومنطقةٌ مؤقّتةٌ تتحوّل إلى مجالٍ دائمٍ للنار والضبط والسيطرة.ويشرح جوني هذا التحوّل بالاستناد إلى ما جرى في غزّة: “في غزّة، كان الخطّ الأصفر يُفترض أن يكون خطّ انسحابٍ للمرحلة الأولى وفق التفاهم بين حركة حماس والجيش الإسرائيليّ. غير أنّه بعد تنفيذ الانسحاب في المرحلة الأولى، ومن دون استكمال متابعة التفاهم، عاد الإسرائيليّ إلى خرق الاتفاقات، كما حصل أيضًا في لبنان في العام 2024”.

ويضيف: “وبالتالي، تحوّل الخطّ الأصفر في غزّة، وفق ما أعلنه رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زمير، إلى خطّ حدودٍ أمنيّةٍ لإسرائيل. ومع هذا التحوّل، نشأت منطقةٌ واقعةٌ بين الحدود السياسيّة والحدود الأمنيّة، وجرت معاملتها بوصفها منطقةً عازلةً، بل ومنطقة نيرانٍ حرّةٍ أو منطقة إطلاق نارٍ حرّ. أي إنّ كلّ ما يتحرّك أو يوجد ضمن هذه المنطقة يصبح عرضةً للاستهداف بحجّة ارتباطه أو اقترابه من المحيط الإسرائيليّ”.

ثمّ يصل جوني إلى الخلاصة الأهمّ: “أمّا النقطة الثالثة، فهي أنّ الإسرائيليّ، بحسب هذا الفهم، ينظر إلى الخطّ الأصفر على أنّه خطّ دفاع، ولم يعد مجرّد خطّ انسحاب. فهو خطّ دفاعيٌّ محصّن، ومهيّأ أيضًا لأن يكون نقطة انطلاقٍ لعمليّاتٍ هجوميّةٍ إذا تقرّر توسيع العمليّات أو التوغّل أو الانتقال إلى هجماتٍ جديدة. ومن الواضح أنّ إسرائيل أرادت نقل هذا الفهم إلى لبنان من خلال اعتمادها التسمية نفسها: الخطّ الأصفر”.

التقدّم بالتقسيط

في قراءته للمشهد اللبنانيّ، يلفت جوني إلى أنّ إسرائيل لم تُنجز بعد هذا الخطّ بوصفه شريطًا متّصلًا ومكتملًا، لكنّها تعمل على تثبيته بالتدرّج، ومن دون تفجيرٍ شاملٍ لوقف إطلاق النار. يقول: “لكنّ الخطّ الأصفر في لبنان غير موجودٍ عمليًّا على الأرض بالشكل نفسه الموجود في غزّة. لماذا؟ لأنّ الوضع الميدانيّ، بعد وقف إطلاق النار، ما زال مختلفًا. فهناك مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيليّ وقوّات الاحتلال، لكنّها لا تشكّل حتّى الآن حزامًا متّصلًا أو شريطًا متكاملًا أو منطقةً مكتملة البنية، بل لا تزال تحتاج إلى عمليّات تمشيطٍ وتثبيت”.

ويتابع: “وهنا يُطرح السؤال: هل يمكن أن تعود إسرائيل إلى القتال في لبنان لهذا السبب وحده؟ أم أنّها تعتبر أنّ وقف إطلاق النار يحقّق أهدافها؟ الجواب هو: لا، فهي ترى أنّها ما زالت تحتفظ بحرّيّة التدخّل والعمل العسكريّ، ولذلك تحاول الاستفادة من هذا الهامش، عبر تكتيكٍ يقوم على التوسّع التدريجيّ والتفجير الموضعيّ وعمليّات التمشيط بوتيرةٍ بطيئةٍ نسبيًّا، حتّى لا يظهر الأمر وكأنّه انهيارٌ كاملٌ لوقف إطلاق النار، مع السعي في الوقت نفسه إلى استكمال السَّيطرة على هذه المنطقة”.

هذه المقاربة تُفسّر السلوك الإسرائيليّ الحاليّ بدقّة: تثبيتٌ بطيء، تفجيرٌ موضعيّ، توسيعٌ متدرّج، وتجنّبٌ متعمّدٌ للخطوة التي تُسقط المشهد كلّه دفعةً واحدة. أي إنّ تل أبيب تعمل على استهلاك وقف إطلاق النار ميدانيًّا، من داخل نصّه ومن خارجه في الوقت نفسه.

ويقدّم جوني مثالًا بالغ الدلالة على صعوبة استكمال هذا المسار: “وخصوصًا، كما قال أفيخاي أدرعي، فإنّ المنطقة التي يُفترض أن يشملها الخطّ الأصفر نظريًّا لا تزال غير مكتملةٍ ميدانيًّا. وقد سبق أن أشرتُ إلى أنّ الخطّ الأصفر الذي أُعلن عنه وتحدّثوا عنه يمرّ عبر قلعة الشقيف وزوطر وأرنون. وهذه المنطقة ليست كلّها واقعةً تحت السَّيطرة الإسرائيليّة. والوصول إليها وفرض السَّيطرة عليها يحتاج إلى عملٍ عسكريٍّ كبير، لأنّه يتطلّب تنفيذ الخريطة التي يجري الحديث عنها”.

ويضيف: “بمعنى آخر، يمكن لإسرائيل أن تواصل العمل داخل بعض المناطق، عبر التفتيش وعمليّاتٍ محدودةٍ وتكتيكاتٍ ميدانيّة، من دون أن يبدو الأمر وكأنّه تنفيذٌ كاملٌ لخطّةٍ واسعة. لكنّ السَّيطرة على قلعة الشقيف كما ترد في الخريطة تبقى مسألةً أكبر بكثير، وتتطلّب تصعيدًا واضحًا. وهذا، بطبيعة الحال، قد ينسف وقف إطلاق النار ويفجّر الوضع من جديد. لذلك يبقى السؤال: كيف ستتعامل إسرائيل مع هذه المعضلة؟”.

خطٌّ يمتدّ إلى الجنوب السوريّ

القراءة الأخطر في كلام جوني تتعلّق بالامتداد الجغرافيّ لهذا الخطّ. فالمسألة، في نظره، لا تتوقّف عند قرى الجنوب اللبنانيّ، بل تتّصل مباشرةً بالوجود الإسرائيليّ في سوريا وبمحاولة ربط المنطقتين العازلتين في مسارٍ استراتيجيٍّ واحد. يقول: “هناك أيضًا نقطةٌ أخرى تتعلّق بالامتداد الجغرافيّ للخطّ الأصفر، إذ يبدو أنّه يمتدّ من لبنان باتّجاه سوريا تقريبًا. وهذا صحيحٌ إلى حدٍّ بعيد”.

هذا الامتداد لا يعبّر فقط عن طموحٍ جغرافيّ، بل عن رؤيةٍ أمنيّةٍ إسرائيليّةٍ موحّدة للساحتين اللبنانيّة والسوريّة. ومن هنا يلفت جوني إلى عنصرٍ أساسيٍّ في المشهد الميدانيّ: الغموض المحيط بمواقع مقاتلي “حزب الله” بعد وقف إطلاق النار. يقول: “وهنا تبرز مسألةٌ ثانيةٌ مهمّة: نحن اليوم لا نملك صورةً واضحةً عن مواقع مقاتلي حزب الله. فقد كانوا في حالة اشتباك، ولا سيّما في بنت جبيل، ثمّ فجأةً دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. فأين أصبح هؤلاء المقاتلون؟ وأين مواقعهم الآن؟ هذا سؤالٌ أساسيّ، لأنّ فهم الموقف الإسرائيليّ لاحقًا يرتبط بمعرفة ما إذا كانوا ما زالوا موجودين في الداخل، أم أعادوا التموضع، أم انسحبوا. فالمعطيات الميدانيّة ليست واضحةً، خصوصًا أنّ الاشتباك توقّف بشكلٍ مفاجئ، ولا أعتقد أنّ انسحابهم أو تراجعهم جرى بطريقةٍ ظاهرةٍ أو مكتملة”.

ثمّ يوسّع الدائرة أكثر: “أمّا بالنسبة إلى المفاوضات، فينبغي أوّلًا الإشارة إلى أمرٍ لافتٍ في هذه المنطقة العازلة والخطّ السفليّ، وهو أنّها تتّصل أيضًا بالوجود الإسرائيليّ في سوريا، أي بالاحتلال الإسرائيليّ من الجهة الشرقيّة. والأهمّ من ذلك أنّ هناك، وفق الخريطة المطروحة، تغلغلًا عميقًا في منطقة الحدود الشرقيّة للسلسلة الجبليّة الشرقيّة، بما يمنح إسرائيل قدرةً على التحكّم، إلى حدٍّ ما، بمساحةٍ واسعةٍ من البقاع الغربيّ، وربّما حتّى أجزاءٍ من البقاع الأوسط”.

ويحسم المعنى الاستراتيجيّ لهذه الصورة بقوله: “ومن الناحية العمليّة، فإنّ هذا القسم من المنطقة العازلة يتيح لإسرائيل ربط المنطقة العازلة في جنوب لبنان بالمنطقة العازلة في جنوب سوريا. وهذه نقطةٌ استراتيجيّةٌ بالغة الأهمّيّة”.

هنا، يتجاوز “الخطّ الأصفر” كونه ملفًّا لبنانيًّا صرفًا. إنّه جزءٌ من إعادة ترتيب المجال الحدوديّ الممتدّ بين لبنان وسوريا تحت إشراف النار الإسرائيليّة، وبهدف إنتاج وقائعٍ قابلةٍ للتحويل لاحقًا إلى حقائق تفاوضيّة وسياسيّة.

مأزق لبنان: دولتان في دولة

في الداخل اللبنانيّ، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا لأنّ المقاربة نفسها منقسمة بين منطقين متناقضين. يقول جوني: “أمّا في ما يخصّ المفاوضات، فيمكن القول إنّنا أمام نموذجين متناقضين في لبنان: النموذج الأوّل هو نموذج التفاوض والدبلوماسيّة، الذي تمثّله الدولة والحكومة ومؤسّساتها الرسميّة. والنموذج الثاني هو نموذج المواجهة العسكريّة”.

ويضيف: “صحيحٌ أنّ النموذجين يتفاعلان مع القضيّة نفسها، وهي الاحتلال الإسرائيليّ، لكنّهما متناقضان تمامًا في المقاربة والرؤية”.

هذا التناقض ليس تفصيلًا سياسيًّا داخليًّا، بل مأزقًا بنيويًّا ينعكس مباشرةً على قدرة لبنان على التعامل مع المشروع الإسرائيليّ. ويشرح جوني عمق هذا الانقسام بقوله: “أوّلًا، هناك تباينٌ جذريٌّ بين رؤية السّلطة اللبنانيّة ورؤية حزب الله. فالسّلطة تعتبر أنّ ما جرى هو في جانبٍ منه حرب الآخرين على أرض لبنان، ومن هذا المنطلق تختلف مقاربتها بالكامل لمفهوم التفاوض، ولمفهوم السّيادة، ولمعنى استعادة الأرض. أمّا حزب الله، فيفهم المسألة على أنّها تحريرٌ للأرض بالقوّة العسكريّة”.

ثمّ يتوقّف عند الفارق الدقيق بين “التحرير” و”التحرّر”، وهو فارقٌ يصيب جوهر السجال اللبنانيّ: “في المقابل، لا ترى الدولة أنّ القضيّة هي قضيّة “تحرير” بالمعنى العسكريّ المباشر، بل تعتبرها أقرب إلى مسألة تحرّر. وهذا فارقٌ مهمٌّ جدًّا. فحين تتحدّث الدولة عن “التحرّر”، فهي قد تعني التحرّر من الارتباك في الملفّات، أو التحرّر من تشابك الصراعات اللبنانيّة والإقليميّة، أو تحييد لبنان عن الانعكاسات المترتّبة على هذه الصراعات”.

ويختم جوني: “بمعنى آخر، الدولة لا تنظر إلى المسألة فقط بوصفها استعادة أرضٍ بالقوّة، بل بوصفها أيضًا محاولةً لتخليص لبنان من ورطةٍ كبرى يعيش داخلها. فنحن، في النهاية، عالقون في مأزقٍ كبير، وهذه هي المشكلة الأساسيّة”.

ما تفرضه إسرائيل قبل التفاوض

هذا كلّه يعني أنّ إسرائيل تتحرّك على أساسٍ واضح: فرض الوقائع أوّلًا، ثمّ الذهاب إلى التفاوض لاحقًا. الاجتماعات المعلنة في واشنطن، والحديث عن استكمال اللقاءات بين سفيري لبنان وإسرائيل، لا يغيّران جوهر المسار. تلّ أبيب تريد أنّ تصل إلى أيّ طاولةٍ وقد أنجزت ما تستطيع فرضه بالنار، وبالوقت، وبالخراب، وبالفراغ الذي تخلّفه خلفها.

هنا تحديدًا تكتسب المعركة على “الخطّ الأصفر” معناها الكامل. إنّها معركة على تعريف الحدود، وعلى وظيفة الجنوب، وعلى موقع الدولة اللبنانيّة نفسها. ففي اللحظة التي يتحوّل فيها هذا الخطّ إلى أمرٍ واقع، تكون إسرائيل قد انتزعت من لبنان أكثر من أرض: تكون قد انتزعت حقّه في تعريف أرضه وحدودها وشروط استعادتها.

“الخطّ الأصفر” هو الاسم الأوضح لهذه المرحلة: خطّ قضمٍ متدرّج، وخطّ ربطٍ بين جنوب لبنان والجنوب السوريّ، وخطّ اختبارٍ لقدرة لبنان على منع تحويل المؤقّت إلى دائم

المدن

————————-

 لبنان بين منطق الاستنزاف وحدود التسوية/ صهيب جوهر

2026.04.22

في هذه المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، لا تبدو المعركة محكومة فقط بتوازنات القوة العسكرية، بل بإدارة معقدة لعامل الوقت، الذي تحوّل إلى أداة ضغط موازية لا تقل أهمية عن الصواريخ والحصار. الضبابية التي تكتنف المشهد ليست مجرد نتيجة لتضارب المواقف، بل تعبير عن استراتيجية متعمدة من الطرفين: إيران تتقن لعبة الغموض والمراوغة، في حين يميل دونالد ترامب إلى اندفاع سياسي حاد ومتقلّب، ما يجعل التنبؤ بمسار الأحداث أمراً بالغ الصعوبة. في هذا السياق، يتحول الصراع إلى اختبار قدرة على التحمّل أكثر منه سباقاً نحو الحسم، حيث يسعى كل طرف إلى دفع الآخر نحو لحظة الانكسار الأولى، ولو عبر استنزاف طويل النفس.

ضمن هذه المعادلة، يبرز لبنان بوصفه ساحة وظيفية في قلب الاشتباك، لا مجرد متلقٍ لتداعياته. فوجوده في صلب الحسابات التفاوضية يعكس موقعه كأداة ضغط متبادلة، وهو ما أشار إليه الوسيط الباكستاني بوضوح، حين اعتبر أن الملف اللبناني يشكّل أحد مفاتيح التفاوض الأساسية بين الطرفين. هذا الواقع لا يضع لبنان فقط في موقع هش، بل يجعله عرضة لإعادة تعريف دوره قسراً، من دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها إلى ساحة تُدار فيها توازنات الآخرين. فكل تصعيد أو تهدئة في الجنوب لم يعد مرتبطاً بالقرار المحلي، بل بمسار تفاوضي أوسع يتجاوز بيروت إلى طهران وواشنطن.

التحول الأبرز في أدوات الصراع تمثل في انتقال طهران من الاعتماد على الورقة النووية إلى توظيف مضيق هرمز كوسيلة ضغط مركزية. هذا التحول يعكس فهماً إيرانياً لطبيعة التأثير، إذ إن التحكم بشريان الطاقة العالمي يمنحها قدرة على التأثير في الاقتصاد الدولي، وبالتالي على القرار السياسي في واشنطن وحلفائها. ومع كل تهديد بإغلاق المضيق، ترتفع

كلفة الحرب على الغرب، ليس فقط من زاوية الطاقة، بل من زاوية الاستقرار المالي العالمي. إلا أن هذه الورقة، على قوتها، ليست بلا حدود، إذ إن استخدامها المفرط قد يستدعي رداً دولياً أوسع، أو يدفع القوى الكبرى إلى تسريع البحث عن بدائل استراتيجية تقلّص من أهميتها على المدى المتوسط.

في المقابل، تدرك واشنطن أن المواجهة المباشرة لا تكفي لتحقيق أهدافها، فتعتمد استراتيجية استنزاف مضادة تقوم على خنق الاقتصاد الإيراني تدريجياً، عبر تشديد الحصار البحري وتوسيع نطاق العمليات ضد صادرات النفط، بما في ذلك استهداف ما يُعرف بـ«أسطول الظل». هذا النهج لا يهدف فقط إلى تقليص الموارد المالية لطهران، بل إلى ضرب شبكاتها الالتفافية، وإيصال رسالة بأن أي محاولة للالتفاف على العقوبات ستُواجه بتصعيد نوعي. لكن هذه الاستراتيجية بدورها تنطوي على مخاطر، إذ إن طول أمد الحرب قد ينعكس سلباً على الداخل الأميركي، حيث تتزايد مؤشرات التململ الشعبي، وتتسع هوامش الانقسام داخل النخب السياسية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتراجع نسب التأييد للحرب.

المفارقة أن كلا الطرفين يدرك أن الوقت لا يعمل بالكامل لصالحه، ومع ذلك يواصل الاستثمار فيه كأداة ضغط. فإيران، رغم خسائرها الاقتصادية الضخمة، تراهن على قدرتها على الصمود وعلى هشاشة البيئة السياسية الأميركية، في حين تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي المستمر سيؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف بنية النظام الإيراني من الداخل. هذه المعادلة تجعل الصراع أقرب إلى حرب استنزاف مركّبة، حيث لا يكون النصر فيها حاسماً أو سريعاً، بل نتيجة تراكمات بطيئة قد تستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تتبلور.

في هذا السياق، يصبح لبنان أكثر من مجرد ساحة جانبية، بل عقدة مركزية في مسار التفاوض. تمسك إيران بنفوذها فيه يُقابل بإصرار أميركي–إسرائيلي على تقليص هذا النفوذ أو إعادة صياغته، ما يجعل أي تهدئة في الجنوب مرتبطة مباشرة بمسار التفاهمات الأوسع. محاولة واشنطن فصل المسارين اللبناني والإيراني لم تنجح بالكامل، لأن طهران ترى في لبنان امتداداً استراتيجياً لنفوذها، وتستخدمه ضمن معادلة الردع الشاملة، حيث يشكّل وجود «حزب الله» جزءاً من توازن إقليمي أوسع، لا مجرد لاعب محلي.

في المقابل، تسعى إسرائيل إلى استثمار هذا الواقع لإعادة رسم قواعد الاشتباك ميدانياً، عبر فرض وقائع جديدة في الجنوب، سواء من خلال توسيع نطاق العمليات أو عبر تثبيت مناطق عازلة غير معلنة. هذا السلوك يعكس محاولة إسرائيلية لتحويل أي وقف إطلاق نار إلى فرصة لإعادة ترتيب البيئة الأمنية بما يخدم مصالحها على المدى الطويل، حتى لو بقي ذلك تحت سقف تفاهمات هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة.

النتيجة أن أي تهدئة قائمة لا يمكن قراءتها إلا بوصفها هدنة مؤقتة ضمن مسار أطول من الصراع، لا نهاية له في الأفق القريب. فالمواجهة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول ملفات تقنية كالسلاح أو الحدود، بل حول إعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة، وتحديد من يمتلك القدرة على فرض قواعد اللعبة. وفي ظل غياب اتفاق واضح على الأثمان والتنازلات، يبقى المشهد مفتوحاً على استمرار لعبة كسر الإرادات، حيث لا منتصر سريعاً، بل استنزاف متبادل يتراكم بصمت، ولبنان في قلبه، يدفع كلفة كونه ورقة تفاوض أكثر منه دولة قادرة على فرض موقعها أو حماية هامشها السيادي.

تلفزيون سوريا

——————————

أبعد من التفاوض صراع بين رؤيتين/ رفيق خوري

22 أبريل ,2026

لا جديد في الخلاف على معنى النصر والهزيمة بعد كل حرب بين “حزب الله” وإسرائيل منذ حرب 2006، بصرف النظر عن الوقائع القاسية والمشاهد المؤلمة. حتى الجدل حول أبوة وقف النار الموقت في لبنان، فإنه ليس مجرد تناقض في الروايات بل تعبير عن صراع بين رؤيتين لحاضر لبنان ومستقبله. رؤية فك الارتباط بين لبنان وإيران بدعم من الرئيس دونالد ترامب لجهة ترتيب التسوية بين لبنان وإسرائيل في معزل عن حرب “حزب الله” دفاعًا عن إيران في الحرب الأميركية – الإسرائيلية وعلى حساب سلاحه ودوره العسكري. ورؤية الربط الكامل بين لبنان وإيران، واعتبار وقف النار هنا جزءًا من وقف النار هناك، وبالتالي ورقة في لعبة التفاوض الكبيرة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، وعلى أساس أن “محور المقاومة وإيران كيان واحد في الحرب” کما قال رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف.

ولا مهمة تتقدم اليوم على العمل لإخراج الوطن الصغير من واقع الاحتلال الإسرائيلي الذي تجدد بعد حرب “إسناد غزة” وتوسع بعد “إسناد إيران” على يد “الحزب” بمشاركة الحرس الثوري. ولا بداية جديدة لهذه المهمة قبل وضع نهاية لإجبار لبنان على القيام بدور عسكري في الصراع مع إسرائيل وفي حماية الجمهورية الإسلامية ومشروعها الإقليمي أكبر من إمكانات العرب جميعًا ومعهم إيران ومحور المقاومة التابع لها. والخيار الوحيد أمام الدولة هو التفاوض بوساطة أميركية من دون تردد ولا توقف أمام “التخوين والتهجم” كما تعهد الرئيس جوزاف عون.

ومن الطبيعي طرح أسئلة عدة في البلد عما يضمن التوصل إلى الانسحاب الإسرائيلي في ظل تجربة التفاوض الفلسطيني مع نتنياهو بعد “أوسلو” وتجربة سوريا الجديدة في التفاوض معه بعدما أضاف إلى احتلال الجولان احتلال المنطقة العازلة بموجب اتفاق فك الإرتباط بالجولان عام 1974 المدعوم أميركيًا. صحيح أنه ليس من المؤكد أن يقود التفاوض إلى كل ما يطلبه لبنان. لكن الصحيح أيضًا والواقع المؤكد أن سلاح “حماس” قاد إلى تدمير غزة وإعادة احتلالها، وسلاح “حزب الله” قاد إلى احتلال إسرائيل لجزء مهم من الجنوب مع تفريغ 55 قرية فيه من الأهالي وإنشاء منطقة عازلة ضمن “الخط الأصفر” على طريقة غزة.

والمجال قصير جدًا أمام الجميع خلال هدنة الأيام العشرة. فالمطلوب الأميركي من السلطة أن تقوم بخطوات عملية في امتحان سحب السلاح من “الحزب” كما سحب السلاح الثقيل من “حماس والجهاد الإسلامي”. و “التأسيس” الإسرائيلي لمنطقه عازلة لا أحد يعرف كم تدوم ليس عاملًا مساعدًا للدولة في ضمان حصرية السلاح بمقدار ما يعطي مشروعية للسلاح.

وخطاب “حزب الله” يزيد في تعقيد الأمور. فهو يصر من جهة على الاحتفاظ بالسلاح وربط قرار الحرب والسلم في لبنان به وعمليًا بإيران من دون حساب لما تكبده البلد من دمار وضحايا وتهجير، بحجة أن المهم هو عجز العدو عن القضاء على “الحزب ومحور المقاومة”. وهو يحذر وربما يهدد، من جهة ثانية، من أن التفاوض المباشر “انتحار” للسلطة الحالية، وأن السلام مع إسرائيل يعني دفع البلاد إلى فتنة داخلية خطيرة. حتى مشروع “بيروت آمنة وخالية من السلاح”، فإنه في نظر رافضي التفاوض تهديد لهم، في حين تسعى أكثرية اللبنانيين إلى “لبنان آمن وخالٍ من السلاح”.

و”الحديث عن الحلوى لا يجعل الفم حلوًا” كما يقول مثل روسي. كذلك الحديث عن النصر في حرب ملتبسة لا أحد يعرف متى تعود وماذا بعد الحرب.

*نقلاً عن “نداء الوطن”.

———————————

خيارات لبنان الصعبة في مواجهة العدوان الإسرائيلي… مفاوضات واشنطن واتفاق وقف إطلاق النار

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

21 ابريل 2026

بعد نحو عشرة أيام من التوصل إلى وقفٍ مؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم 16 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى هدنة أيضاً في لبنان مدتها عشرة أيام، دخلت حيز التنفيذ في اليوم التالي. وكان يفترض، بحسب الاتفاق الأصلي لوقف إطلاق النار مع إيران، الذي جرى التوصل إليه أن يشمل لبنان. لكن إسرائيل والولايات المتحدة تنصّلتا من هذا البند في الاتفاق الذي أعلنه رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، وأصرّتا على فصل مسار الحرب في لبنان عن إيران. ولهذا الغرض أعلنت واشنطن، على إثرها، إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، عُقدت جلستها الأولى على مستوى السفراء في مبنى وزارة الخارجية الأميركية قبل يومين من إعلان الهدنة بين حزب الله وإسرائيل، فبدا اتفاق وقف إطلاق النار كأنه نتاج تلك المفاوضات.

لبنان وحرب إيران

بعد يومين من العدوان المشترك الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، الذي أسفر يومه الأول عن اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إلى جانب عدة قيادات أمنية وعسكرية، انضم حزب الله إلى مسار الحرب، بإطلاق دفعة من الصواريخ من جنوب لبنان في اتجاه موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي جنوب حيفا، فجر 2 آذار/ مارس 2026. وقد تبنّى الحزب الهجوم في بيانٍ مكتوب، ووضعه في إطار الثأر لاغتيال خامنئي “ودفاعاً عن لبنان وشعبه”. وقد شكّل الهجوم أول عملية إطلاق صواريخ ينفذها الحزب ضد إسرائيل في 15 شهراً، على الرغم من الهجمات الإسرائيلية المتواصلة ضده طوال تلك الفترة. وعلى الرغم من أن انضمام الحزب إلى مسار الحرب بدا كأنه جاء تضامناً مع إيران بعد الهجوم عليها ومقتل قيادتها، فإن الحزب استغل تلك الحرب أيضاً لتغيير المعادلة التي حاولت إسرائيل فرضها بعد اتفاق وقف العمليات القتالية بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. وقد عمدت إسرائيل خلال تلك الفترة إلى خرقٍ منهجيٍّ لوقف إطلاق النار من طرف واحد؛ إذ نفّذت مئات الهجمات ضد مواقع وأهداف للحزب، أسفرت عن مقتل نحو 500 من عناصره وقياداته الميدانية، بمن فيهم هيثم علي الطبطبائي، رئيس أركان الحزب، وعضو مجلسه الجهادي. وأعلن الحزب تقيّده بوقف إطلاق النار، ووجد نفسه مقيّداً باعتبارات داخلية لبنانية، فضلًا عن تأثره بالضربات القوية التي تلقاها خلال حرب “إسناد غزّة”، ومحاولته الحفاظ على ما تبقى من قوته العسكرية والمعنوية، وربما ترميمها أيضاً، بعد مقتل أبرز قياداته السياسية والعسكرية والأمنية، وفي مقدمها أمينه العام السابق، حسن نصر الله.

في وقتٍ كانت إسرائيل تستهدف فيه قدرات حزب الله العسكرية وعناصره البشرية، من دون رد، كانت تضغط، إلى جانب الولايات المتحدة، على رئيس الجمهورية، جوزاف عون، والحكومة التي جرى تشكيلها برئاسة نواف سلام مطلع عام 2025، في اتجاه دفع الجيش اللبناني إلى الانخراط في عملية نزع سلاح الحزب، وصولاً إلى قرار الحكومة حظر جناحه العسكري أخيراً. ففي جلسة عقدتها الحكومة في 7 آب/ أغسطس 2025، قرّرت الموافقة على بنود مقترح قدمه المبعوث الأميركي، توماس برّاك، لتثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الذي تم التوصل إليه في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، يتضمن جدولاً زمنيّاً لنزع سلاح الحزب.

حاولت الحكومة تجنيب لبنان الدخول في حرب جديدة، فسارعت بعد ساعات قليلة من الهجوم الذي شنه حزب الله على إسرائيل في 2 آذار/ مارس 2026، إلى عقد جلسة برئاسة عون، وأصدرت قراراً شدّد على رفض الحكومة اللبنانية أيّ عمل عسكري ينطلق من أراضيها، مع التأكيد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيدها. وقد نصّ القرار أيضاً على الحظر الفوري لنشاطات الحزب الأمنية والعسكرية. وكان الرئيس عون استبق اجتماع الحكومة، باعتبار ما قام به حزب الله عملاً “غير مسؤول”، لأنه يعرّض لبنان لخطر الانجرار إلى الصراع الإقليمي، وهو ما ذهب إليه أيضاً رئيس الحكومة اللبنانية، الذي تعهّد “بحماية الشعب اللبناني”.

الرد الإسرائيلي

استمرت إسرائيل في اعتداءاتها، على الرغم من اتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، واستغلت الهجمات التي شنها حزب الله لتطلق عدواناً واسع النطاق على لبنان، حشدت له نحو خمس فرق عسكرية، وحدّدت له هدفاً واضحاً، احتلال المنطقة الواقعة بين الحدود ونهر الليطاني وإخراج الحزب منها نهائيّاً. وكانت إسرائيل هدّدت مراراً بأنه إذا لم تتولَّ الحكومة اللبنانية نزع سلاح الحزب وإخراجه من منطقة جنوب الليطاني ستنفّذ هي هذه المهمة.

لجأت إسرائيل، التي فوجئت بأداء حزب الله واحتفاظه بقدرات قتالية عالية، على الرغم من الضربات التي تلقاها خلال أكثر من عامين من القتال، إلى تكرار نموذج غزّة في لبنان؛ فأعلنت مناطق كاملة جنوب الليطاني غير مأهولة، وهجّرت أكثر من مليون لبناني منها، بعد أن سوّت قرى لبنانية بأكملها بالأرض. وقد شمل القصف الضاحية الجنوبية لبيروت، والبقاع، ومناطق أخرى من البلاد، واستهدف كل ما يمتّ إلى الحزب بصلة، من مؤسسات مالية واجتماعية وتعليمية.

في 9 آذار/ مارس 2026، عرض الرئيس عون مبادرة لوقف الحرب، تقوم على وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار باعتباره مدخلاً أساسيّاً لأيّ تسوية، يترافق مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود الدولية؛ بما يتيح بسط سلطة الدولة في الجنوب، ومعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، في مقابل الدخول في مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل، برعاية دولية، من أجل التوصل إلى ترتيبات أمنية دائمة، وإنهاء حالة الصراع بين الطرفين. لكن إسرائيل تجاهلت العرض اللبناني، وأصرّت على مواصلة الحرب لتحقيق أهدافها. فحينما تُطلق المبادرات، متضمنةً تنازلاتٍ من دون مقابل مضمون من منطلق ضعف، فإن الطرف القوي يتجاهلها منتظراً تنازلاتٍ أكبر لاحقاً. لقد كانت إسرائيل تتمنّى إجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان، فأصبحت تُعرض عليها من دون أن تطلب، فلا تكلّف نفسها عناء الردّ على العرض.

وبرزت في بعض وسائل الإعلام اللبنانية خلال الحرب مواقف صريحة، لا تكتفي بتحميل حزب الله المسؤولية الكاملة عن الحرب، ولا بعدم تحميل إسرائيل وخروقها أي مسؤوليةٍ عن عدوانها، بل تتجاوز هذا إلى الدعوة إلى التطبيع الكامل معها، وحتى التحالف معها. لقد عبرت هذه المواقف، ليس فقط عن خلاف سياسي حول انضمام الحزب إلى الحرب في بداية آذار/ مارس، بل تجاوزت الخلاف إلى عداء عميق سياسي ونفسي وثقافي، وإلى خطابات ومواقف عرفها لبنان خلال الحرب الأهلية، ولم يعد يُعبَّر عنها بهذه الصراحة منذ ذلك الحين.

وبعد 45 يوماً من المواجهات العنيفة مع حزب الله، فشلت إسرائيل في احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني، إلى أن اضطرّت أخيراً، تحت ضغط أميركي، إلى القبول بوقف إطلاق النار مع الاحتفاظ بحزام أمني (سمته “الخط الأصفر” كما في غزّة)، والبدء بمفاوضات مباشرة مع حكومة لبنان، هدفها فصل مسار الحرب فيه عن إيران؛ وبما يفضي إلى اتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل في إطار سعي ترامب إلى توسيع مسار الاتفاقات الإبراهيمية التي عقدها في ولايته الأولى، وجعل لبنان أول المنضمّين إليها في ولايته الثانية.

مفاوضات واشنطن

مثّل اللقاء الذي جرى على مستوى السفيرين، في واشنطن في 14 نيسان/ أبريل 2026، أول مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان منذ المفاوضات التي عقدت عام 1993 في إطار مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط. وقبيل إعلان ترامب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، نشرت وزارة الخارجية الأميركية النص الكامل لمذكرة التفاهم التي توصل إليها وفدا لبنان وإسرائيل، وتضمّنت تفاهماتٍ أوليةً تقضي بوقف الأعمال القتالية اعتباراً من 16 نيسان/ أبريل 2026، “لتهيئة الظروف لإطلاق مفاوضات سلام بين الطرفين”. ونصّت كذلك على احتفاظ إسرائيل بما وصفته “حقّها في اتخاذ ما تراه ضرورياً من تدابير للدفاع عن النفس في مواجهة أي تهديدات وشيكة أو قائمة”، مع “التزامها بعدم تنفيذ عمليات عسكرية هجومية داخل الأراضي اللبنانية، سواء برًا أو جوًا أو بحرًا، بما يشمل الأهداف المدنية والعسكرية والحكومية”. وأفادت المذكّرة بأنه بدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، “وبدعم دولي، ستتخذ حكومة لبنان خطوات جادة لمنع حزب الله وجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية الأخرى في الأراضي اللبنانية من شنّ أيّ هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية”.

بعد صدور مذكرة وزارة الخارجية الأميركية، أعلن ترمب عن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان مدته عشرة أيام، وقال، في منشور على منصّة تروث سوشال، إنه وجّه نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين، “للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق سلام دائم”. وفي منشور لاحق، قال إنه سيدعو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس عون إلى البيت الأبيض لإجراء “أول محادثات جادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983″، في إشارة إلى المفاوضات التي أسفرت عن توقيع “اتفاق 17 أيار 1983” بين إسرائيل ولبنان، وسقط نتيجة رفضٍ سوري ومعارضة قوى سياسية لبنانية عديدة ووازنة له؛ فقد عُدّ اتفاقَ إذعان ناجماً عن الاحتلال الإسرائيلي المباشر للبنان بما فيه العاصمة بيروت.

رفض حزب الله نتائج مفاوضات واشنطن، وعدها بمنزلة تنازلاتٍ مجانيةٍ لإسرائيل، وأكد أن أيّ تهدئة لا ينبغي أن تمنح إسرائيل “حرية الحركة” داخل الأراضي اللبنانية، مشدداً على أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يبرر “حقّ المقاومة”. وعلى الرغم من التزام الحزب بوقف إطلاق النار، فإنه اعتبر أنه نتيجة صمود مقاتليه في الجنوب، والضغط الذي مارسته إيران على الولايات المتحدة بإغلاقها مضيق هرمز، وليس أمراً انتزعته مفاوضات الحكومة المباشرة مع إسرائيل؛ وهو ما يوضح حجم الهوّة التي تفصل بين مواقف الأطراف اللبنانية من الصراع.

الخطط الإسرائيلية في الجنوب

لم يمنع إعلان ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال القتالية في لبنان، والذي تسبب في جدل كبير داخل إسرائيل، في ضوء معارضة واسعة لوقف الحرب قبل تحقيق أهدافها. وعلى الرغم من ترحيب نتنياهو بالاتفاق، بوصفه فرصة دبلوماسية للتوصل إلى “اتفاق سلام تاريخي”، فإنه شدّد على أن العمليات العسكرية لم تحقق كلّ أهدافها بعد، مؤكّداً استمرار الجهود الرامية إلى تفكيك حزب الله، وذلك على الرغم من دخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ. وأشار أيضًا إلى أن “تحقيق تقدم ملموس يظل مرهوناً بنزع سلاح حزب الله، وهو هدف لم يتحقّق”. وبناء عليه، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، في 18 نيسان/ أبريل، إنشاء خط ترسيم يُعرف بـ “الخط الأصفر” في جنوب لبنان، على غرار الخط المعتمد في قطاع غزّة، مشيراً إلى عزمه على تنفيذ ضرباتٍ ضد عناصر يُشتبه في اقترابهم من هذا الخط. ويعكس هذا الطرح تفسيراً إسرائيليّاً مختلفاً لوقف إطلاق النار، يمنح إسرائيل حرية الفعل ضد الحزب، وتوجّهاً لإعادة تشكيل البيئة الأمنية الحدودية عبر استنساخ نموذج غزّة، بما يحمله ذلك من أبعاد تتجاوز الإطار العسكري إلى التأثير في البنية السكانية في جنوب لبنان؛ إذ ظهرت تقارير إعلامية تتحدث عن توجه إسرائيل إلى إجراء تغييرات ديموغرافية واسعة في المنطقة. ويستهدف هذا التصور نحو 55 بلدة وقرية تقع ضمن شريط أمني يراوح عمقه بين أربعة وعشرة كيلومترات على طول الحدود، مُنِع سكانُها من العودة إليها. إضافةً إلى هذا، يرتبط هذا التوجه برؤية أمنية أوسع، تستند إلى تصريحات أطلقها نتنياهو بشأن إقامة منطقة عازلة تمتد من جنوب لبنان إلى حوض اليرموك في سورية؛ بما يحقق ترابطاً جغرافيّاً للمناطق السورية واللبنانية الحدودية التي تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وتترافق هذه السياسة مع عمليات تهجير قسري في اتجاه شمال نهر الليطاني، ضمن مسار تصاعدي سبق أن طُرح فيه تثبيت السيطرة جنوب النهر، مع إمكانية الانتقال لاحقًا نحو ما يُعرف بخط الزهراني.

تنفيذاً لذلك، وعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، مستهدفة تدمير المنازل في عدة مناطق، لمنع سكانها من العودة إليها. وقد برّر الجيش الإسرائيلي هذه العمليات باقتراب مقاتلين من مناطق تمركز قواته، معتبرًا ذلك “تهديداً وشيكاً”، مؤكداً أن إجراءات “الدفاع عن النفس وإزالة التهديدات الفورية” لا تقيّدها ترتيبات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها بموجب مذكرة التفاهم التي نشرتها الخارجية الأميركية؛ ما يجعل هذه الهدنة لا تختلف جوهريّاً عن اتفاق 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، إذ تتضمن بنوداً فضفاضة تُتيح لإسرائيل تفسيرها بما يخدم توجّهاتها، وخرقها متى شاءت، مع تأكيد إسرائيلي بأن الجيش سيبقى في المناطق التي احتلها بجنوب لبنان، خلال فترة وقف إطلاق النار، وأن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني ستكون “محظورة على عناصر حزب الله”. ومن المعلوم في هذا السياق أن إسرائيل تعتبر جزءاً كبيراً من سكان الجنوب عناصر في الحزب؛ ما يعكس هدفها المتمثّل في استمرار السيطرة على مساحات واسعة من مناطق جنوب الليطاني.

خاتمة

يواجه لبنان، في ظل الضغوط الأميركية الرامية إلى إلحاقه بمسارات الاتفاقات الإبراهيمية والمطامع الإسرائيلية في منطقة نفوذ في جنوب لبنان، وضعاً صعباً، يضعه أمام خيارين: استمرار العدوان الإسرائيلي عليه بحجّة تفكيك البنية التحتية لحزب الله ونزع سلاحه، ودخوله في حرب أهلية بضغط أميركي – إسرائيلي لنزع سلاح الحزب بالقوة. وهذا الوضع يجعل الحاجة إلى حوار وطني لبناني اليوم أشد إلحاحاً من أي وقت مضى، لتفويت الفرصة على إسرائيل لضرب القوى اللبنانية بعضها ببعض، مع ضرورة الإقرار بأن الحزب يواجه محدودية في القدرة على التمسّك المطلق بسلاحه في ظل الضغوط الداخلية والدولية المتزايدة عليه وعلى الحكومة أيضاً؛ وهو أمر يدركه الحزب الذي أكد أنه “منفتح على التعاون مع الدولة في لبنان لفتح صفحة جديدة”، على أساس تحقيق “السيادة الوطنية ومنع الفتنة”.

————————-

مفاوضات في انتظار مفاجآت/ أرنست خوري

22 ابريل 2026

أما وقد وضعت السلطة اللبنانية إنهاء الحرب والقتل والتدمير والتهجير والاحتلال الإسرائيلي هدفاً يجدر فعل أي شيء في سبيل تحقيقه، فإنها قرّرت التخلي عن خيار الاستسلام للحتمية الإيرانية. ويدرك المسؤولون في بيروت أكثر من غيرهم أن حظوظ تحقيق أهدافهم من التفاوض مع إسرائيل بوساطة أميركية من موقعهم الضعيف قليلة، إنما ليست معدومة، ولكنهم يعرفون أكثر أن الخيار الآخر لا يحقق إلا استمرار الحرب والمذبحة وخسارة مزيد من الأرض والبشر والدمار الشامل. وبداية المغامرة التفاوضية لم تكن بذلك السوء، ذلك أن الهدنة نتيجة أولى تُحسب لمصلحة السلطة اللبنانية وإن لم يتأخر حزب الله في سرقة الفضل فيها لإهدائه إلى إيران. ثم تبيّن أن شروط إسرائيل التفاوضية وأوامر ترامب ليست مُنزلة، وأنه يمكن كسرها، وقد رفض جوزاف عون إشراك بنيامين نتنياهو في الاتصال الهاتفي الذي أجراه معه ماركو روبيو يوم الخميس الماضي، ولم تبدأ الحكومة محادثاتها التحضيرية من موقع المستسلم شكلاً، فباشرتها بين السفيرة اللبنانية لدى واشنطن والسفير الإسرائيلي هناك، وسيكون الوفد اللبناني إلى المفاوضات المباشرة، إن تم الاتفاق على شروطها وجدول أعمالها في المحادثات التحضيرية التي تجري جولتها الثانية غداً في واشنطن، برئاسة سفير سابق اسمُه سيمون كرم، لا وزير حتى، بينما كانت تل أبيب تشترط أن تحصل اللقاءات بين وزير إسرائيلي سابق هو رون دريمر والرئيس اللبناني جوزاف عون شخصياً، لكي تكون الإهانة كاملة في الشكل. في هذه الغضون، صرّح ترامب الأسبوع الماضي بأن لقاء عون ونتنياهو سيحصل في غضون أيام في البيت الأبيض، لكن هذا لا يبدو في طريقه إلى أن يحدث قريباً أيضاً. هذه تبقى شكليات إنما مهمّة، لأنها توحي بالنهج الذي قد يحكم سير المفاوضات المباشرة.

في خيار الذهاب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، تنهي بيروت عقوداً من تلزيم ملف لبنان لإيران في مفاوضاتها مع أميركا وفاءً لنظريتي لبنان ــ الورقة والساحة. بذلك، تقدّم لتل أبيب عرضاً بسيطاً ينصّ على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف القصف، لينتشر الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الحكومية في كل الجنوب ولتترك مهمة نزع سلاح حزب الله لمؤسسات الدولة اللبنانية والقيادات السياسية بأفضل السبل من دون تفجير حرب أهلية قد تقسّم الجيش وربما يخرج منها الحزب الذي يتفاخر بأنه إيراني الولاء والتمويل والتسليح والعقيدة، أكبر المنتصرين. عرض لبناني يبدو للوهلة الأولى ساذجاً ولكن نقطة قوته تكمن في إدراك حكام إسرائيل أنّ قضاءهم على حزب الله يتطلب منهم احتلال أكثر من نصف مساحة لبنان، كل الجنوب وكل بيروت وضواحيها وكل البقاع، والبقاء هناك لسنوات، وتكبّد خسائر هائلة، أو انتظار سقوط النظام الإيراني وترك الحزب ينتهي ببطء، ولكن هذا البطء يُقاس كذلك بالسنوات ولا تُبنى عليه استراتيجية حكومات.

هل السلطة اللبنانية في ظروفها الحالية التعيسة جاهزة للتفاوض مع إسرائيل ومن خلفها أميركا؟ الجواب السلبي بديهي، ولكن بيروت قد تفاجئنا إيجاباً بأدائها وقد تساعدها عوامل قد تظهر خلال سير المفاوضات؛ أولاً لأن لا خيار آخر أمام الحكومة اللبنانية بعدما جرّبت الاحتمال الإيراني عقوداً، وهو لا يعدنا إلا بمزيدٍ من البؤس والحروب وخسارة الأرض. ثانياً إن شخصية المفاوضين وكاريزماهم ومدى تحضيرهم ملفاتهم عوامل مهمة في أي مفاوضات. وفي هذا الجانب، من يدري، قد تفاجئنا السلطة اللبنانية في أدائها، هي التي تضم حكومتها ثلاثة رجال كانوا لسنوات مفاوضين ودبلوماسيين بشهرة عالمية، نواف سلام وطارق متري وغسّان سلامة. ثالثاً، أن تلتفّ عواصم عالمية وازنة خلف لبنان في المفاوضات تعباً من إجرام إسرائيلي متفلّت ولكسر الخلل الفاضح في ميزان القوة الإسرائيلي ــ الأميركي مع لبنان. رابعاً أن يُنتج التفاوض الأميركي الإيراني تخلّياً من إيران عن حلفائها في المنطقة، وهو ما من شأنه التأثير على حزب الله وعلى سير المفاوضات. خامساً أن تُسهم الضغوط الأميركية الداخلية على ترامب مثل الخسارة الكبيرة المتوقعة لمرشحيه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (3 نوفمبر/ تشرين الثاني) في تكوين قناعة لديه بأن تعديلاً في سياسته الخارجية مثل إغلاق الجبهة الإسرائيلية مع لبنان وإرساء اتفاق هناك، قد يخدم مصلحته. سادساً أن تظهر بجعة سوداء ما خلال سير المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية على شكل تغيير سياسي جذري في إسرائيل وتغُّير غير مرجّح لكنه غير مستحيل في المزاج الحربي للرأي العام هناك. سابعاً أن تحصل معجزة من نوع دعم عربي فعلي للبنان خلال المفاوضات تقوّي موقعه وتعزز موقفه. جميعها احتمالات ضعيفة لكنها غير مستحيلة، عزاء الآملين بحصولها أنه ولو فشلت المفاوضات، لن يحصل أسوأ من هذا الحاصل من دونها.

——————————

================

تحديث 21 نيسان 2026

———————————

 سوريا من الممانعة إلى الحياد: ما الذي تغير؟/ عمر قدور

الثلاثاء 2026/04/21

في جلسة حوارية، ضمن منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، قال الشرع إن الاعتراف بأحقية إسرائيل بالجولان يخالف حقوق الشعب السوري. وفي الوقت نفسه أشار الرئيس الانتقالي إلى أن سوريا تسعى إلى التوصل لاتفاق أمني جديد بما يضمن انسحاب إسرائيل إلى خطوط العام 1974، في إطار مقاربة تعتمد على الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات. وبالتزامن مع تصريح الشرع، ضمن المنتدى نفسه، نوّه المبعوث الأميركي توم باراك بعدم انخراط دمشق في الصراع الدائر في المنطقة، وأشار إلى أن الجبهة السورية لم تشهد إطلاق أي صاروخ باتجاه إسرائيل منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. وأكد باراك أن الوقت قد حان لاستئناف المحادثات بين سوريا وإسرائيل، وتوقّع إمكانية الوصول إلى تطبيع بين الطرفين يسبق الاتفاق بين إسرائيل ولبنان.

لا يُستبعد أن تكون تصريحات المبعوث باراك متفائلة بخصوص التطبيع بين سوريا وإسرائيل، لكن التفاؤل الزائد يستند إلى تصريحات للسلطة الجديدة منذ استلامها، تنص على رغبتها في السلام، وتطالب فيها باتفاق أمني تنسحب بموجبه القوات الإسرائيلية إلى خط الهدنة للعام 1974. الجولان مؤجَّل، حسب التصريحات ذاتها، إذ لا حديث عن مصيره النهائي، وإشارة الشرع الأخيرة إلى حق السوريين به من الإشارات النادرة التي لا يُعرَف ما إذا كانت ستُترجم سياسياً وكيف.

من المؤكد أن سوريا غادرت حلف الممانعة، ومن المؤكد أن نسبة ساحقة من السوريين كانت تتوق إلى مغادرته. الحديث عن نسبة أكبر من أنصار السلطة الحالية، لأن شعارات الممانعة التي تاجر بها الحكم البائد دفعت نسبة ساحقة إلى الكفر بالقضية وبشعارات يدرك كثر أنها زائفة. ذلك لا يعني تلقائياً الانتقال إلى الطرف المقابل، أي إلى فصم العلاقة الثقافية والوجدانية مع الأراضي السورية المحتلة، ومع القضية الفلسطينية أيضاً.

فقط الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية تجعل الكابوس الإسرائيلي ماثلاً، ولولاها لم تكن ثمة مناسبة للحديث عن جبهة باردة في الأصل منذ ما يزيد عن نصف قرن. مع ذلك، لم تؤدِّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة إلى إعادة التفكير في هذا الكابوس، وبقي مطلب السلطة وكثير من السوريين هو العودة إلى ما كان عليه الحال قبل نصف قرن. وقد لا يجافي الصواب القول إنه مطلب فيه استسهال ذهني أولاً، لعدم تجشّم التفكير في اقتراح جديد مبني على معطيات جديدة، وفيه ادّعاء لواقعية يبدو أن زمنها انقضى؛ أي أنها لم تعد واقعية حقاً.

تحت المعلَن، وقد اعتاد السوريون على طبقات من القول، تكمن النظرة التبسيطية التالية: يبقى الجولان مؤجّلاً إلى أمد غير مسمّى، وتُعقد اتفاقية أمنية جديدة، مطوَّرة عن اتفاقية الهدنة للعام 1974، بحيث تكون فعلياً أكبر من اتفاق أمني وأقل من اتفاق سلام شامل. الأرض شأن ثانوي في المقايضة، والطرف الذي يتوسّل السلام حقاً هو الطرف السوري الضعيف إلى حد لا يملك فيه أية ورقة من أوراق التفاوض التي تحضر عادةً على الطاولة بين جانبين. نشير باختصار إلى أن تل أبيب تخلّت منذ حوالى ثلاثة عقود عن مبدأ الأرض مقابل السلام، لتعتمد مبدأ السلام مقابل السلام، وأغلب الظن أنها انقلبت على الثاني منهما بعدما اختبرت فائض القوة العسكرية والتكنولوجية.

من المعلوم أن علاقة السلطة الجديدة بالفصائل الفلسطينية قد انتهت، بعد أن كان الحكم السابق يستغل وجودها كرسالة لتل أبيب. وما يتكرر طرحه يشير إلى اعتماد الحياد بدلاً من الممانعة، والمأمول وفق هذا الطرح أن يكون الاتفاق مع إسرائيل تكريساً لتحييد سوريا عن المسارين الآخرين، اللبناني والفلسطيني، على الضد تماماً من السياسة السابقة حيث كان الأسد يتشبّث بوحدة المسارات، لأنها ورقة القوة الوحيدة في التفاوض مع تل أبيب.

ما يعوَّل عليه اليوم هو أن تلقى فكرة الحياد حماسة لدى الأميركيين وباقي القوى الفاعلة دولياً وإقليمياً، كي تضغط هذه القوى مجتمعة على تل أبيب لتوقيع اتفاق توافق فيه على الحياد السوري، وتتعهد بعدم المساس به. ذلك يقتضي أن ترى القوى الفاعلة في الحياد السوري مصلحة لها، وقد تعزز هذا الطموح مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان، خصوصاً ما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز وأزمة إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية، والسيناريوهات السورية المتفائلة بشأن الاستفادة منها.

ثمة سيناريوهات تُطرح لتصدير النفط من الخليج عبر الأراضي السورية، وصولاً إلى الساحل السوري والتركي، ومن المستغرب أن تغيب الموانئ الأخرى على المتوسط، وألا تشترط إسرائيل الحصول على حصة من شبكة التصدير المأمولة. يظهر الانتقال من مضيق هرمز إلى البديل المطروح سهلاً جداً، حسب السيناريوهات المطروحة ومنها ما يتبرّع به توم باراك. لكن تكاليف البنية التحتية الخاصة بالأنابيب والموانئ ليست بالقليلة إطلاقاً، والمدة اللازمة لبناء هذه الشبكة إجمالاً تُحسب بالسنوات.

ونفترض أن يعلم الراغبون في إنشاء الشبكة والقادرون على تمويلها بالمخططات الأوروبية، حيث هناك تفاهم بين دول الاتحاد الأوروبي على تقليص شديد لاستهلاك النفط والغاز، يقارب الصفر في بعض البلدان، بحلول العام 2035. والاتجاه إلى الاستغناء عن النفط اشتد مع الأزمة الحالية، حيث أعلنت الحكومة الفرنسية عن نيتها تسريع العملية، ليتم الاستغناء الكلي عن العديد من الاستخدامات بحلول العام 2030.

الإشارة إلى سيناريوهات متفائلة ليس بقصد مواجهتها بأخرى متشائمة، فالأهم هي الوقائع التي لا تسند التفاؤل، وصدور تصريحات عن مسؤول أميركي من مرتبة باراك، أو حتى عن ترامب نفسه، لا يُكسبها صدقية ما لم توضع في التنفيذ. أي أن العودة إلى الواقع تعيد طرح السؤال عن أوراق القوة التي ستفاوض بها السلطة إسرائيل، مع الأخذ بالحسبان وجود نتنياهو غير المتحمّس لإبرام أي اتفاق مع دمشق، ويرى التدخل الإسرائيلي في سوريا إلى حد كبير من منظور التنافس الإقليمي مع أنقرة، وتقليم الأظافر الإيرانية في المنطقة قد يشعل التنافس بينهما لوراثتها.

لقد تغيرت السلطة في دمشق، وتغيّر التموضع؛ من حلف الممانعة إلى الحياد ومغازلة دول الاتفاقيات الإبراهيمية. لكن في التغيرات أيضاً أن الضعف السوري لم يكن مكشوفاً إلى هذه الدرجة من قبل، ولم تكن آفاق ترميمه عسكرياً مغلقة كما هي الآن. ولا يمكن، على سبيل المثال، ادّعاء أن قوة سوريا في ضعفها، على النحو الذي كان يُقال في لبنان، إذا لم نأخذ في الحسبان فشل المقولة لبنانياً. سوريا أضعف من أن يكون لها مشروع جاد للحياد، ومن أن تستطيع إقناع الآخرين به، وقد تعمّدنا في الاستهلال الإشارةَ إلى المرحلة الانتقالية لأنها تؤخذ في حسبان العديد من القوى، ولو أن لتوم باراك رأي سلبي فيما يتعلق باستحقاق شعوب المنطقة للديموقراطية!

المدن

———————————–

من الجولان إلى حقل قانا.. هكذا توظف إسرائيل تضاريس سوريا ولبنان عسكريا

تكتسب المناطق التي حددها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”الخط الأصفر” في الجنوبين السوري واللبناني أهمية عسكرية وإستراتيجية فائقة، تتجاوز مجرد التمركز الميداني إلى محاولة فرض واقع أمني جديد يعتمد على التفوق الجغرافي والتقني.

ووفقا لتقرير بثته الجزيرة للصحفي محمود الكن، فإن هذا الخط يمثل “منطقة دفاع متقدمة” تسعى إسرائيل من خلالها لمنع أي هجمات محتملة.

قمة جبل الشيخ

وتتمحور الأهمية العسكرية في السيطرة الكاملة على جبل الشيخ من جهتيه السورية واللبنانية، إذ يوفر – باعتباره النقطة الأعلى في المنطقة بارتفاع 2800 متر – ميزة “الكشف الجغرافي الواسع” لمساحات شاسعة تشمل:

    العاصمة السورية دمشق: تقع على بعد 40 كيلومترا فقط.

    العمق اللبناني: كشف سهل البقاع وجنوب لبنان، بالإضافة إلى شمال إسرائيل، حيث يمنح هذا الارتفاع القوات المسيطرة أفضلية نارية وقدرة على رصد التحركات دون عوائق جغرافية.

السيطرة على جبل الشيخ من جهتيه السورية واللبنانية تمنح تفوقا عسكريا في المنطقة (الجزيرة)

التمركز الميداني في سوريا ولبنان

    في سوريا: يمتد الخط الأصفر من ملتقى الحدود الأردنية بالجولان المحتل وصولا إلى جبل الشيخ، بمساحة تتجاوز 23 ألف هكتار، وهي المنطقة التي كانت تشغلها قوات الأمم المتحدة لفض الاشتباك.

ومنذ عام 1967 تحتل إسرائيل معظم مساحة الجولان، واستغلت الوضع في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد فاحتلت المنطقة السورية العازلة، وأعلنت انهيار اتفاقية فض الاشتباك بين الجانبين لعام 1974.

    في لبنان: يمتد الخط الأصفر على طول الشريط الحدودي بعمق يصل إلى 10 كيلومترات وبمساحة تزيد على 65 ألف هكتار، وصولا إلى البحر المتوسط.

الرصد الإلكتروني والأفضلية التقنية

ولا تتوقف الأهمية عند التضاريس الجبلية، بل تمتد إلى الساحل، إذ يصل الخط إلى “حقل قانا” للغاز في البحر، حيث يسعى جيش الاحتلال لتحويل المنطقة إلى مركز تقني متقدم.

إعلان

ويُعد هذا الموقع مثاليا لنصب منظومات الرادارات ومحطات التنصت وأنظمة الإنذار المبكر وأبراج الاتصالات. وتمنح هذه التجهيزات الاحتلال قدرة فائقة على:

    رصد حركة الطيران والتشويش الإلكتروني.

    تتبع تحركات القوات العسكرية قبل وصولها إلى القوات الإسرائيلية.

وبهذا المخطط، تسعى إسرائيل لتحويل التضاريس الطبيعية في سوريا ولبنان إلى جدار حماية، وأدوات رصد وإنذار متقدمة تمنحها الأفضلية والتفوق الميداني في أي مواجهة مستقبلية.

ومساء الخميس، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقف إطلاق النار في لبنان لمدة 10 أيام بعد محادثات وصفها بالممتازة مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ونتنياهو، داعيا الجانبين للحضور إلى البيت الأبيض لإجراء “أولى المحادثات الجادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983”.

المصدر: الجزيرة

———————————

خريطة إسرائيلية تثير الجدل.. “خط الدفاع الأمامي” يمتد إلى الحدود البحرية اللبنانية

في التاسع عشر من أبريل/نيسان الجاري، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة قال إنها تظهر انتشار قواته على نطاق ما سماه بـ”خط الدفاع الأمامي” في جنوب لبنان، بهدف منع أي تهديد مباشر على بلدات الشمال، وهو ما تسميه إسرائيل “الخط الأصفر”.

غير أن ما لفت انتباه رواد العالم الافتراضي هو أن هذه الخريطة لم تقتصر على اليابسة، بل امتد “الخط” فيها إلى الساحل، وصولا إلى حقل قانا للغاز في البحر المتوسط، حيث يسعى جيش الاحتلال بحسب الانتقادات المتداولة- لتحويل المنطقة إلى مركز تقني متقدم. هذا التفصيل أثار كثيرا من التساؤلات حول مدى امتداد هذا “الخط الأحمر” في البحر المتوسط.

فقد علق مغردون بالقول إن الخريطة تظهر لأول مرة منطقة حمراء داخل البحر، وإن التمعن فيها يكشف أن هذه المنطقة تشمل حقول غاز لبنانية تسعى إسرائيل إلى الاستيلاء عليها.

وأشار آخرون إلى أن الحد البحري لهذه المنطقة يشمل حقل قانا للغاز، الذي ضمنت حقوق التنقيب فيه لصالح بيروت بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، التي وقعت برعاية أمريكية عام 2022.

من الجولان إلى حقل قانا.. هكذا توظف إسرائيل تضاريس سوريا ولبنان عسكريا

وانطلاقا من ذلك، رأى ناشطون أن دخول المنطقة الحمراء إلى البحر وضمها حقول غاز لبنانية يعني أن القضية تتجاوز ما تسميه إسرائيل “دفاعا أماميا”، معتبرين أن العبث بثروات الدول سيفتح بابا لتصعيد أخطر في المنطقة بأكملها، وأن السيادة ليست “لعبة خرائط”.

طون آخرون أن الحروب تدور في جوهرها حول الطاقة وخطوط التجارة، مشيرين إلى أن حقلي قانا وكاريش كليهما يقعان ضمن المجال اللبناني، تماما كما هو الحال -وفق تعبير بعضهم- مع الأرض الممتدة حتى حيفا، مع التأكيد على أن ما عدا ذلك هو أرض فلسطين المحتلة، وأنه “لا وجود لبلد اسمه إسرائيل” بحسب خطابهم السياسي.

ومع اتساع الجدل على منصات التواصل، قال وزير الطاقة اللبناني جو صدي في تصريح لوكالة رويترز الاثنين إن الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي، والتي تظهر “منطقة الدفاع البحري المتقدم” الممتدة من الساحل اللبناني إلى البحر، لا تؤثر على الحدود البحرية المتفق عليها بين الجانبين عام 2022.

إعلان

وأضاف الوزير أن هذه الخريطة -من وجهة نظر قانونية- لا تغير شيئا من الحقائق التي أرساها اتفاق ترسيم الحدود البحرية، مؤكدا أن الاتفاق لا يزال ساريا ولا يوجد أي تعديل أو تغيير رسمي عليه.

ويذكر أن الرئيس اللبناني السابق ميشال عون كان قد دعا عام 2022 شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية إلى الإسراع في عمليات التنقيب في البلوك رقم 9 في البحر المتوسط، “تعويضا عن الوقت الذي ضاع” خلال المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية.

وأوضح مكتب الرئاسة آنذاك أن عون استقبل وفدا من الشركة بعد توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها بينهما، عقب سنوات من المفاوضات التي جرت بوساطة أمريكية.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي + وكالات

—————————————

صراحة توم برّاك ومنطق القوة/ جمانة فرحات

21 ابريل 2026

يتسم رجال دونالد ترامب الذين يحيطون به في واشنطن أو الذين يوزعهم حول العالم في مكافآت لهم بأنهم شديدو الصراحة التي تصل في أحيان كثيرة إلى حد الوقاحة. السفير الأميركي لدى لتركيا، والمبعوث الخاص إلى سورية، توم براك أحد هؤلاء.

مشاركته في إحدى جلسات منتدى أنطاليا الدبلوماسي تستحق المتابعة. هو لم يكشف أي أسرار فعلياً باستثناء بعض ما يتعلق باتفاق وقف النار بين لبنان وحزب الله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وإشارته إلى أن إسرائيل حصلت على “اتفاق جانبي من إدارة جو بايدن يومها يقول: بالمناسبة، وفق تقديركم الخاص، إذا اعتقدتم أن سيادتكم تتعرض للتهديد، فأنتم غير ملزمين بهذا الاتفاق ويمكنكم فعل ما تريدون”. وهو للمناسبة، الأمر نفسه الذي يطبقه ترامب في غزة، إذ يترك لإسرائيل فعل ما تشاء منذ وقف إطلاق النار ويتكرر الأمر نفسه في لبنان، لكن برّاك لن يعترف، بينما ينشغل في الدفاع عن سياسات رئيسه، أن الأخير يمنح أيضاً تفويضاً مفتوحاً لإسرائيل ويسمح بتوقيع اتفاقات مع استثناءات تقود في النهاية إلى تفريغها من مضمونها.

تحدث برّاك في مداخلته حول مواضيع المنطقة كما هي، معبراً بشكل فج عن مضمون السياسة الأميركية المستندة إلى إباحة القوة وتجاهل كل ما يمكن أن يمت بصلة لما تبقى من قواعد للنظام الدولي.

الجملة الأكثر صدقاً التي قالها في إطار حديث عن إسرائيل وما تفعله في سورية، مفادها بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو “لا يهتم بأي حدود ولا بالخطوط، ولا بخط 1967، ولا بخط 1974، ولا حتى بخط 8 ديسمبر” (يوم سقوط نظام الأسد)، متذرعاً طبعاً بـ7 أكتوبر. أقرّ برّاك بأنه منذ يوم 8 ديسمبر/كانون الأول (2024) لم تطلق سورية “رصاصة واحدة” تجاه إسرائيل “بل العكس شرح بما يشبه الأسى كيف “قال الرئيس (أحمد) الشرع مراراً وتكراراً إنه لا توجد مشاكل مع إسرائيل”. لكن كل ذلك لا يستدعي أي انتقاد للسلوك الإسرائيلي. ويبدو الأمر مفهوماً من وجهة نظر براك، الذي سبق أن تلا علينا محاضرته بأنه لا يوجد شرق أوسط بل قبائل وقرى ودول قومية أنشأتها اتفاقية سايكس بيكو.

يخبرناً برّاك مراراً وتكراراً “أن المنطقة لا تحترم أو تفهم إلا منطق القوة”، وأنه “إذا أظهرت ضعفاً، فسوف تكون في موقف دفاعي/متراجع”. وبالنسبة له “لا يهم من يحكم أو كيف يحكم، المهم أن يكون قوياً”، وفي ذلك يبدو برّاك تلميذاً نجيباً في مدرسة ترامب الذي يريد أن “يركّع” من يختارها من الدول بمنطق البلطجة العسكرية.

ولعل مما يمكن التوقف عنده في حديث برّاك أيضاً حالة الاشمئزاز/السخرية التي بدا أنها اعترته بينما كان يشير إلى أن “تجارب الربيع العربي” قد تلاشت، مؤكداً أن الأنظمة القوية  فقط هي التي نجحت في المنطقة. ومن هذا المنطلق يمكن تصور كيف بدا أقل ميلاً لاحتمال تهور إسرائيلي مع تركيا على قاعدة أن الأخيرة “ليس دولة يمكن العبث معها” بعد التصويب الإسرائيلي عليها ووصفها بأنها “إيران الجديدة”، مكرساً مرة إضافية القناعة بأن منطق القوة هو المتحكم الأول بالسياسات.

العربي الجديد

—————————————————

تفكيك الإرهاب”.. كيف استطاعت “الضربات الاستباقية” شل قدرة الخلايا على تقويض الاستقرار؟/ فؤاد الوادي

 أبريل 21, 2026

في خطوة كبيرة، تم إحباط مخطط تخريبي خطير تقف خلفه خلية إرهابية مرتبطة بميليشيا “حزب الله“، وذلك من خلال عملية أمنية مشتركة نفذها الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، وفق ما أفاد مصدر أمني في وزارة الداخلية لـ”صحيفة الثورة السورية”، اليوم الأحد 19 نيسان.

وأوضح المصدر أن الخلية كانت تعتزم إطلاق صواريخ إلى خارج الحدود، بهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي وإثارة الفوضى في المنطقة، مؤكدا عدم ارتباطها بالخلية التي تم تفكيكها أمس.

وتأتي هذه العملية في سياق سلسلة من الإجراءات الأمنية التي أعلنتها وزارة الداخلية سابقا ضد خلايا مرتبطة بـ”حزب الله”، إذ نفذت وحدات من الوزارة، أمس السبت، عملية أمنية منفصلة أسفرت عن تفكيك خلية إرهابية كانت تنشط في عدد من القرى والبلدات، وذلك في إطار الجهود المستمرة لملاحقة التنظيمات الإرهابية وإحباط مخططاتها.

وأكد مصدر أمني أن الخلية الإرهابية التي ألقي القبض على أفرادها ترتبط بشكل مباشر بخلية تابعة لميليشيا “حزب الله”، كانت الجهات المختصة قد فككتها في ريف دمشق بتاريخ 11 نيسان الجاري، أثناء تخطيطها لاستهداف الحاخام ميخائيل حوري في العاصمة.

كما ضبطت الوحدات الأمنية خلال العملية أسلحة حربية متنوعة، وقنابل، ومعدات عسكرية، إضافة إلى جعب وذخائر مختلفة، إلى جانب كميات من المواد المتفجرة والصواعق كانت معدة للاستخدام في تنفيذ مخططات إرهابية.

وفككت وحدات من وزارة الداخلية، في عملية أمنية مركبة، السبت، خلية إرهابية نشطة كانت تنتشر في عدد من القرى والبلدات، وألقت القبض على خمسة من عناصرها.

وبينت المعطيات الأولية، وفق ما أوضحته الوزارة، أن أفراد الخلية متورطون في أعمال تفخيخ وإعداد عبوات ناسفة وتجهيز ألغام متفجرة، وأنهم تلقوا تدريبات تخصصية خارج البلاد على يد جهات خبيرة في صناعة المتفجرات، بهدف تنفيذ أعمال تخريبية تستهدف الأمن والاستقرار، منها محاولتهم زرع عبوة ناسفة أمام منزل إحدى الشخصيات الدينية في محيط الكنيسة المريمية بمنطقة باب توما، وذلك في 11 من الشهر الجاري.

وفي ما وراء الخبر، يمكن على الفور ملاحظة الاستراتيجية الاستباقية التي تنتهجها الدولة لشل الإرهاب وحماية نجاحاتها وطموحاتها التنموية في النهوض والتعافي، كما يمكن، بالتوازي، إدراك أن منظومة الإرهاب، بكل أركانها أفرادا وأطرافا وكيانات، وحتى دولا، لا تزال فاعلة ونشيطة داخل الجغرافيا السورية، وهو ما يعزى إلى جملة من الأسباب والدوافع التي تتقاطع جميعها عند حقيقة واحدة، وهي السعي المتواصل لتلك المنظومة إلى ضرب ركائز الاستقرار والأمن والتعافي في الدولة الجديدة.

استتباب الأمن شرط بناء الدولة

وأكد الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور عبد الرحمن الحاج لـ”الثورة السورية” أنه لا يمكن، في هذه المرحلة الانتقالية، تحقيق الاستقرار السياسي وإطلاق عجلة التنمية من دون تحقيق الأمن، وهذه قاعدة أساسية للانتقال السياسي وبناء مقومات الدولة ومؤسساتها، وإذا فشلت الدولة في إرساء الأمن، فقد تعود البلاد إلى المربع الأول أو تنزلق نحو فوضى طويلة الأمد.

وقال الدكتور الحاج إن استتباب الأمن شرط بناء الدولة، لذلك فإن تفكيك المجموعات الإرهابية الخارجة عن القانون ضرورة وليس خيارا، وعليه فإن القبض على هذه الخلية الإرهابية يحمل في طياته الكثير من الرسائل للداخل والخارج، ولعل أهمها أن الدولة حاضرة وقادرة وتقوم بمهامها وواجباتها في حفظ أمن المواطنين وتعزيز حالة الاستقرار، عبر استراتيجيات استباقية لحماية الأمن والاستقرار وصون مكتسبات الدولة.

وتصر منظومة الإرهاب على إبقاء سوريا في حالة دائمة من التوتر واللا استقرار، بهدف التأثير على مسار التعافي والنهوض، وعرقلة جهود الدولة في هذا السياق، وإيصال رسالة إلى دول العالم بأن سوريا لا تزال خارج أجندات وحسابات التنمية والاستثمار، كونها بعيدة كل البعد عن الاستقرار السياسي والأمني الذي يشكل الأرضية اللازمة للاستقرار الاقتصادي والتنموي.

وفي هذا الإطار، يتابع الباحث السياسي حديثه بالقول: “إن هناك من يجدون في الاستقرار تهديدا لنفوذهم الذي صعد في الحرب، وهؤلاء المتضررون من سقوط النظام البائد لديهم أساسا شبكات وخلايا استفادت من غياب مؤسسات الدولة، سواء كانت على شكل جماعات مسلحة، أو مهربين، أو حتى شبكات فساد عابرة للحدود، وهي ترى في مؤسسات الدولة الجديدة والقانون عائقا أمام مصالحها، لكن الأخطر بينها هو الشبكات المرتبطة بميليشيا “حزب الله” وفلول النظام، لأن هؤلاء يهدفون إلى تقويض استقرار المرحلة الانتقالية وجر سوريا إلى الصراع في لبنان”.

وبطبيعة الحال، لا يمكن قراءة المحاولات المتواصلة لتلك الخلايا الإرهابية لضرب مقومات الاستقرار إلا في سياق مخططات تستهدف تشويه صورة الدولة الجديدة، ووضع العصي في عجلة النجاحات التي حققتها خلال عام ونصف العام، وهو ما لم تستطع دول كثيرة مرت بالمأساة نفسها، أو حتى أقل منها بكثير، أن تحققه خلال سنوات طويلة.

تقويض شعور المواطن بالعودة إلى الحياة الطبيعية

تبقى محاربة الإرهاب ضرورة مهمة وأساسية، ليس لتثبيت مشهد الاستقرار فحسب، بل لحماية النجاحات والطموحات التي تسعى دمشق إلى تحقيقها خلال المرحلة المقبلة، في ضوء التحولات والمتغيرات التي لا تزال تعصف بالمنطقة، ولا سيما أن سوريا نجحت في النأي بنفسها عنها، والتحول إلى حالة جاذبة وفرصة كبيرة لكل من يريد الاستثمار فيها.

ويسلط الدكتور الحاج الضوء على أهداف تلك الخلايا، التي تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة لتصل إلى أبعاد سياسية واجتماعية حساسة، خاصة في سياق الظروف الانتقالية الراهنة. فمن جهة، فإن محاولات الإرهابيين الذين تم القبض عليهم، أو الذين ألقي القبض عليهم سابقا، استهداف شخصيات أو أماكن أو رموز دينية واجتماعية في مناطق ذات تكوين طائفي متنوع، مثل منطقة باب توما والكنيسة المريمية، يحمل دلالات استراتيجية خطيرة، منها ضرب التعايش الاجتماعي للأهالي في تلك المناطق، وإثارة الفتنة الطائفية، وهز صورة “الأمان” في قلب العاصمة، وزعزعة الثقة الشعبية في المسار الانتقالي، وتقويض شعور المواطن بالعودة إلى الحياة الطبيعية.

كما يراد من تلك المحاولات، التي تستهدف دور عبادة أو شخصيات دينية، استجلاب تغطية إعلامية دولية واسعة، وإرسال رسائل سياسية إلى المجتمع الدولي لإحراج الدولة وتصويرها على أنها عاجزة عن توفير الحماية للأقليات أو للمراكز الدينية الحساسة.

ورأى الدكتور الحاج أن خضوع الخلية التي تم تفكيكها والقبض على أفرادها بالأمس لتدريبات تخصصية خارج البلاد، من جهات خبيرة، ينقل الملف من إرهاب محلي معزول إلى ظاهرة “حرب الوكلاء”، وهذا يعني أن تهديد الإرهاب مرتبط بوضع دول الجوار، وبالنسبة إلى هذه الخلية فهو مرتبط ببقاء “حزب الله” طرف قوة مسلحة في لبنان، لا يخضع لقرارات الدولة اللبنانية، بل يسعى إلى تحقيق مصالح دولة إيران.

وختم الباحث السياسي الدكتور عبد الرحمن الحاج حديثه لـ”الثورة السورية” بالقول: “إن تفكيك تلك الخلية، والإعلان عن المعطيات والمعلومات التي ساهمت في القبض على أفرادها، يجسد حالة من الشفافية الأمنية التي تقدمها الدولة عبر أجهزتها الأمنية، خصوصا أنه تم إفشال العملية قبل وقوعها، ما يعزز صورة الجهاز الأمني بوصفه جهازا يقظا وكفوءا ومسيطرا، وهو أمر حيوي جدا في مرحلة بناء الدولة”.

محاولات بائسة للإرهاب لضرب الاستقرار

وفي السادس من آذار الماضي، تمكنت مديرية الأمن الداخلي في مدينة طرطوس، بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب، من إلقاء القبض على المدعوين علي زهير إدريس، وعمار مدين يوسف، وموسى مظهر ميا، وذلك بعد ثبوت تورطهم في التخطيط والتحضير لأعمال إرهابية تستهدف أمن المحافظة وسلامة مواطنيها.

وأوضحت وزارة الداخلية، في منشور عبر قناتها على تلغرام، أن عملية القبض على المتورطين جاءت استنادا إلى معلومات استخبارية دقيقة أكدت أن المدعو علي يتزعم مجموعة إرهابية تتبع لفلول النظام البائد، وقد خضع لدورات تدريبية في إحدى الدول المجاورة على تصنيع العبوات الناسفة والمواد المتفجرة، قبل أن يتسلل عائدا إلى المحافظة بقصد تنفيذ مخططاته التخريبية.

وفي الأول من شباط الماضي، أكدت وزارة الداخلية أن وحداتها الأمنية في محافظة ريف دمشق نفذت، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، سلسلة من العمليات الدقيقة والمحكمة استهدفت خلية إرهابية متورطة في تنفيذ عدة اعتداءات طالت منطقة المزة ومطارها العسكري، وأسفرت هذه العمليات عن تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على جميع أفرادها.

وقالت الوزارة في بيان لها إن هذه العمليات جاءت عقب رصد وتتبع ميدانيين مستمرين لمناطق انطلاق الصواريخ في كل من منطقتي داريا وكفر سوسة، حيث أفضت الجهود الأمنية إلى تحديد هوية أحد منفذي الاعتداءات الإرهابية ومراقبته بدقة، وصولا إلى الكشف عن باقي أفراد الخلية، وعلى إثر ذلك نفذت عدة مداهمات أمنية ألقي القبض خلالها على جميع المتورطين، وضبط عدد من الطائرات المسيرة التي كانت مجهزة للاستخدام في أعمال إرهابية.

وفي الخامس والعشرين من كانون الأول الماضي، نفذت وحدات الأمن الداخلي في محافظة حلب، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، عملية نوعية في المحافظة استهدفت وكرا لخلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش، بعد متابعة دقيقة لعناصرها خلال الفترة الماضية.

وأوضح قائد الأمن الداخلي في محافظة حلب، العقيد محمد عبد الغني، أن العملية أسفرت عن تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على ثلاثة من أفرادها، وضبط أسلحة وذخائر ومواد معدة لاستخدامها في أعمال إرهابية تهدف إلى زعزعة أمن المواطنين واستقرار المحافظة.

وقبل ذلك بيومين، أعلنت وزارة الداخلية تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم “داعش” والقبض على أفرادها، وذلك خلال عملية أمنية محكمة في منطقة داريا بريف دمشق.

وقالت الداخلية إن وحداتها نفذت، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، عملية أمنية محكمة في منطقة داريا استهدفت وكرا لتنظيم “داعش” الإرهابي، بعد تحريات ومعلومات استخبارية دقيقة ومتابعة مستمرة لتحركات عناصره خلال الأسابيع الماضية، وأسفرت العملية عن تفكيك الخلية الإرهابية بالكامل، وإلقاء القبض على متزعمها، إضافة إلى ستة من أفرادها، وضبط أسلحة وذخائر متنوعة بحوزتهم كانت معدة لاستخدامها في أنشطتهم الإرهابية.

وفي أواخر تشرين الأول من العام الماضي، ألقت وحدات الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب، القبض على خلية إرهابية كانت تخطط لاغتيال ناشطين إعلاميين وشخصيات بارزة، بهدف زعزعة الأمن والاستقرار داخل المحافظة.

وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إن التحقيقات الأولية أظهرت تورط المدعو رامي مخلوف في دعم وتمويل الخلية، إلى جانب جهات خارجية تسعى إلى بث الفوضى، فيما تتواصل التحقيقات تمهيدا لإحالة أفرادها إلى إدارة مكافحة الإرهاب.

وسبق ذلك، في الشهر نفسه، أن أعلنت وزارة الداخلية عن تفكيك خلية إرهابية تنتمي إلى تنظيم “داعش” كانت تنشط في إحدى المناطق الشمالية من محافظة ريف دمشق، في عملية أمنية نفذها جهاز الاستخبارات العامة بالتعاون مع قيادة الأمن الداخلي بالمحافظة، وأسفرت عن القبض على أحد أفرادها، والقضاء على اثنين آخرين، ومصادرة أسلحة وذخائر.

وأوضحت وزارة الداخلية أن العملية أسفرت عن تفكيك الخلية الإرهابية بالكامل، حيث ألقي القبض على أحد أفرادها، بينما تم القضاء على اثنين آخرين حاول أحدهما تفجير حزامه الناسف أثناء الاشتباك، إضافة إلى العثور في مكان وجود الخلية على عدد من الأسلحة الفردية والذخائر المتنوعة وحزام ناسف معد للتفجير.

الثورة السورية

———————————

 دمشق: اعتقال شبّان توعدّوا إسرائيل بحرب نصرة لفلسطين

محمد الشيخ

الاثنين 2026/04/20

كشف مصدر مطلع لـ”المدن”، عن اعتقال الأمن السوري عدداً من الشبان من ريف دمشق الغربي، بسبب ظهورهم في مقطع مصور توعدوا خلاله بفتح جبهة حرب في الجنوب السوري ضد إسرائيل، في حال عدم تراجع الأخيرة عن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.

العلاقة مع حزب الله

وأوضح المصدر أن الاعتقالات جرت خلال الأيام، وطاولت 6 شبان ينحدرون من مدينة زاكية في ريف دمشق الغربي، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن الحدود مع الجولان السوري المحتل، وذلك قبل أن يتم الإفراج عن بعضهم بعد خضوعهم للتحقيق.

وتحدث أحد المفرج عنهم لـ”المدن”، شريطة عدم الكشف عن هويته، عن تفاصيل التحقيقات التي خضع لها، حيث قال إن أسئلة المحققين تركّزت حول علاقتهم المحتملة بجهات خارجية تموّلهم، لا سيما إيران وحزب الله اللبناني، من أجل إحداث فوضى في البلاد.

وأوضح أن الإفراج عنه جاء بعد نفيه تّهم ارتباطه بجهات خارجية “تهدف لزعزعة أمن البلاد”، إضافة إلى تعهده بتسليم سلاحه الذي ظهر فيه مع عدد من الشبان المسلحين.

وقبل أسبوعين، توعّد نحو 20 شاباً مسلحاً خلال ظهورهم مقطع مصور، بـ”إشعال” جبهة الجنوب السوري، رداً على إقرار إسرائيل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.

مظاهرات سورية

وكان آلاف السوريين قد خرجوا في محافظات سورية عدة، رفضاً لإقرار الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) قانون إعدام أسرى فلسطينيين، ورددوا هتافات منددة بالقرار الإسرائيلي، وأخرى داعمة للأسرى الفلسطينيين وقطاع غزة.

ورفع المشاركون أعلام سوريا وفلسطين، ولافتات تطالب بإلغاء القانون، وأكدوا استمرارهم في التظاهر، كما شاركت في المظاهرات مخيمات فلسطينية في سوريا، بينها مخيم اليرموك في دمشق، والنيرب في حلب، والرمل في اللاذقية.

———————————

==================

تحديث 20 نيسان 2026

———————————

المنطقة العازلة!.. إسرائيل تباشر استراتيجيتها الجغرافية في الجنوب سوريا/ أحمد الكناني

سوريا على حافة الحرب الإقليمية: حياد رسمي وتوغل إسرائيلي متصاعد في الجنوب

2026-04-20

لم تكن سوريا منذ اندلاع الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، بمنأى عن طبيعة الأحداث الجارية في المنطقة، إذ تتشارك في حدودها الجغرافية مع كل من العراق ولبنان، اللتين دخلتا بشكل مباشر في الحرب الإقليمية، كما تتقاسم مع دول الجوار آثار الحرب من النواحي الاقتصادية والسياسية، ما يجعلها تسير على حافة هاوية الحرب العسكرية.

حافظت دمشق على سياستها في تحييد نفسها عن الصراع، بالنظر إلى أنها خرجت منهكة بعد سنوات الثورة، وتعمل على العديد الملفات الداخلية، والاقتصادية بالكاد قادرة على إنجازها، على الرغم من رغبة واشنطن الضمنية في أن تتدخل سوريا في لبنان لتطويق عناصر حزب الله وتضييق الخناق عليهم، إلا أن دمشق لم تتخذ أي خطوات ملموسة في هذا الاتجاه.

بات من الواضح أن واشنطن تتفهم الأسباب التي دفعت سوريا إلى اتخاذ موقف الحياد السياسي والإقليمي، على اعتبار عدم قدرتها من الناحية العسكرية على دعم أي جبهة في هذه الحرب، إضافة إلى أنها غير مهيأة لأي سيناريو عسكري قد يكون ضدها، وهو ما قد تكون له عواقب وخيمة، إلا أن ذلك بالنسبة لإسرائيل يقرأ من منظور مختلف، من حيث استغلال الفرصة لمتابعة توسيع نفوذها الجغرافي على حساب دولة هشة مثقلة بمشاكلها.

جنوب خارج السيطرة

تعي الإدارة السورية الجديدة أنها ليست بعيدة عن المشروع الإسرائيلي الشامل في المنطقة، الذي يمتد من فلسطين مروراً بلبنان وصولاً إلى سوريا، حيث يبدو أن إسرائيل تعمل على إعادة تشكيل الجغرافيا وفقاً لرؤيتها العسكرية، بهدف تحويل الشمال الإسرائيلي إلى منطقة عازلة آمنة بالنسبة لها.

من الملاحظ أن إسرائيل استخدمت قواعدها العسكرية في جبل الشيخ السورية كنقطة انطلاق لعملياتها العسكرية في لبنان، ما يعني أن هذه النقطة تعتبر قاعدة انطلاق متقدمة وليست مجرد نقطة دفاعية استراتيجية، وبالتالي، يمكن القول إن أجزاء من ريف دمشق الغربي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية الفعلية، وذلك خارج إطار أي مفاوضات مستقبلية أو جارية بين الحين والآخر.

كذلك الحال في القنيطرة ودرعا، حيث وسعت إسرائيل من توغلاتها، وتمركزت مؤخراً في أكثر النقاط الاستراتيجية في المنطقة، خاصة في سدي المنطرة بريف القنيطرة، وحوض اليرموك في ريف درعا الغربي.

أما محافظة السويداء، لا تزال إسرائيل تحت الوصاية الإسرائيلية، ويمنع على القوات الحكومية الاقتراب منها، حتى في ظل انشغال إسرائيل بحربها على لبنان، إذ قصف الجيش الإسرائيلي بنى تحتية للجيش السوري جنوبًا في 20 مارس الماضي، على خلفية اشتباكات متقطعة مع الميليشيات المسيطرة على المحافظة.

مشروع الغلاف الإسرائيلي

عادت التصريحات الإسرائيلية لتعلق على مسار العمليات العسكرية في لبنان، والمؤكدة على قضية التقسيم وإنشاء مناطق جغرافية عازلة في سوريا ولبنان وفلسطين، وآخرها ما صرح به ستة مسؤولين عسكريين ودفاعيين إسرائيليين لوكالة “رويترز” إلى أن إنشاء “مناطق عازلة” في غزة وسوريا ولبنان يعكس تحولًا في استراتيجية إسرائيل الأمنية، خاصة بعد هجوم حماس في أكتوبر 2023.

وتتطابق هذه الاستراتيجية مع تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أكد في وقت سابق نيته إنشاء “منطقة عازلة” منزوعة السلاح تمتد من العاصمة دمشق إلى مناطق جبل الشيخ في ريف دمشق الغربي ومناطق أخرى.

وتشير المعطيات الجغرافية لمناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي في ريف دمشق الغربي، ومسار التوغلات في ريفي القنيطرة ودرعا، إلى أن إسرائيل فرضت غلافاً أمنياً على حدودها الشمالية مع سوريا، وإن كان ذلك بشكل غير رسمي. إذ تتنقل الدوريات العسكرية الإسرائيلية من جبل الشيخ نزولاً عبر ريفي القنيطرة ودرعا دون أي رادع، كما تسيطر بشكل كامل على قرار محافظة السويداء، والتي أصبحت منطقة مدنية مأهولة تحت سلطة عسكرية لما يُسمى “قوات الحرس الوطني”، والتي تتغنى بانتمائها لإسرائيل، وعليه، بدأت تل أبيب في رسم خطوط الغلاف الأمني في الدول المجاورة لها.

مفاوضات غير واضحة

عاد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، للحديث عن المفاوضات المعطلة مع إسرائيل منذ يناير الماضي، وإفشال تل أبيب لجهود الوساطة الأميركية، حيث نوه الوزير تمسك بلاده بقرار فض الاشتباك الدولي لعام 1974 كركيزة أساسية في أي مفاوضات بين الطرفين.

لكن التصريحات تختلف عن الواقع العملي. فقد بات واضحًا أن إسرائيل لن تنسحب من جبل الشيخ، ولا يوجد أي مؤشرات على انسحاب إسرائيل من القاعدة العسكرية المنشأة هناك، كما أن مسار التوغلات العسكرية في القنيطرة ودرعا لا تشي بخطوات إيجابية من الجانب الإسرائيلي خاصة في ظل مسلسل الاعتداء اليومي المتكرر على المدنيين، والأمر كما هو في محافظة السويداء، والتي تحرص إسرائيل على إخراجها من معادلة الحكومة المركزية، ما يعني أن المفاوضات المشتركة حتى اللحظة لا تزال بدون جدوى.

وكانت تسريبات صادرة عن اجتماعات يناير العام الجري أشارت إلى مشروع محتمل بوساطة أميركية لتحويل المنطقة الجنوبية إلى منطقة تبادل تجاري مشتركة بين سوريا وإسرائيل، وهو ما لم تعلق عليه القيادة السورية حتى الآن، ولكن هذا يعني أن دمشق باتت تدرك أن إسرائيل ستحتفظ بأوراقها في الجنوب السوري، سواء للضغط على دمشق، أو للاستفادة منها. فيما جرى تأجيل الحديث عن السويداء باعتبارها ورقة سياسية يمكن لإسرائيل في أي وقت استخدامها للضغط على دمشق.

اقتباس: “بين حيادٍ سوريٍّ تفرضه الهشاشة، وتمددٍ إسرائيليٍّ تفرضه القوة، يُعاد رسم الجنوب السوري كمنطقة نفوذ مفتوحة، حيث تتحول الجغرافيا من حدود ثابتة إلى أوراق ضغط في لعبة إقليمية لا تعترف بالفراغ”.

———————————

 الشّرع: الجولان مُحتلّ واعتراف ترامب باطل/ منهل باريش*

2026-04-20

على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسيّ، قدّم الرئيس السوريّ أحمد الشرع مقاربة سياسيّة دقيقة لملفّ الجولان والعلاقة مع إسرائيل تقوم على الجمع بين مستويَين متوازيين: التشديد على أنّ الجولان أرض سوريّة محتلّة لا يملك أحد حقّ التنازل عنها، مقابل الانفتاح على ترتيبات أمنيّة مرحليّة إذا كانت تقود إلى خفض التصعيد وإعادة إسرائيل إلى خطوط عام 1974.

بهذه المعادلة، بدا الشرع حريصاً على رسم حدٍّ فاصل بين ما يمكن قبوله بوصفه إجراءً أمنيّاً مؤقّتاً، وبين أيّ مسار قد يُفهم باعتباره تسليماً بالأمر الواقع الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه في الجولان.

في هذا السياق، لم يكن وصف الشرع اعتراف الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان بأنّه “باطل” تكراراً للموقف السوريّ التقليديّ أو استعادةً لعبارة قانونيّة مألوفة، بل حمل دلالة سياسيّة مباشرة تتّصل بسقف التفاوض نفسه. الرسالة هنا أنّ الإدارة السوريّة الانتقاليّة يمكن أن تتعامل مع وقائع أمنيّة وضغوط ميدانيّة معقّدة، لكنّها لا تستطيع أن تمنح شرعيّة سياسيّة لضمّ الجولان ولا أن تقبل بتحويل أيّ تهدئة أو تنسيق محدود إلى مدخل للاعتراف بالسيادة الإسرائيليّة على أرض لا يزال المجتمع الدوليّ يعدّها أرضاً سوريّة محتلّة.

باريس: تنسيق أمنيّ لا تسوية سياسيّة

من هذه الزاوية، يمكن فهم الدلالة الضمنيّة لتصريحات الشرع في ما يتعلّق بالاجتماع المغلق الذي عُقد في باريس في 6 كانون الثاني 2026، بوساطة أميركيّة، وحضره مبعوث الرئيس ترامب ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، إلى جانب مسؤولين سوريّين وإسرائيليّين. عقب ذلك الاجتماع، أُعلن التوافق على إنشاء آليّة اتّصال وتنسيق في ملفّات الأمن والاستخبارات وبعض القضايا التجاريّة.

أشار الشرع إلى أنّ اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 صمد لأكثر من خمسين عاماً، قبل أن تتجاوزه إسرائيل

لكنّ خطاب الشرع، كما بدا في أنطاليا، يوحي بأنّ دمشق لا تريد لهذا المسار أن يُقرأ على أنّه اتّفاق سياسي، أو أن يُسوَّق باعتباره بداية تسوية استراتيجيّة أو تحوّلاً في موقفها من إسرائيل أو من الجولان. بمعنى أدقّ، لا يبدو الرجل بصدد نفي وجود اتّصالات أمنيّة، بل يسعى إلى نزع أيّ معنى سياسيّ نهائيّ عنها.

هنا تتّضح المعادلة التي يحاول الشرع تثبيتها: لا اعتراف بسقوط الحقّ السوريّ في الجولان، ولا رفض مطلقاً لمسار تفاوضيّ أمنيّ إذا كان هدفه منع الانفجار وإعادة ضبط الحدود. وهي معادلة تجمع بين خطاب سياديّ مبدئيّ وخطاب براغماتيّ فرضته الوقائع التي تعيشها سوريا بعد سنوات الحرب الطويلة. لا تملك الدولة التي خرجت منهكة من صراع داخليّ مدمِّر ترفَ الانخراط في مواجهة جديدة، لكنّها، في الوقت نفسه، لا تستطيع سياسيّاً ولا وطنيّاً القبول بإعادة تعريف الجولان بوصفه قضيّة منتهية أو قابلة للشطب بفعل موازين القوّة.

في شرحه للمسار التفاوضيّ، أشار الشرع إلى أنّ اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974 صمد لأكثر من خمسين عاماً، قبل أن تتجاوزه إسرائيل بعد سقوط النظام في 8 كانون الأوّل 2024. هذا التوصيف مهمّ لأنّه يكشف أنّ دمشق لا تطرح التفاوض بوصفه صفقة نهائيّة، بل بوصفه مساراً مرحليّاً من درجتين: الأولى أمنيّة هدفها انسحاب إسرائيل إلى خطوط 1974 ووضع قواعد جديدة تضمن الالتزام بالاتّفاق وتمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة، والثانية سياسيّة طويلة الأمد تتّصل بالقضيّة الأصليّة، أي قضيّة الجولان نفسه.

الجولان

يحاول الشرع بذلك فصل الضرورات الأمنيّة الآنيّة عن الثوابت السياديّة، بحيث لا تتحوّل الحاجة إلى الاستقرار إلى مدخل للتفريط.

على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسيّ، قدّم الرئيس السوريّ أحمد الشرع مقاربة سياسيّة دقيقة لملفّ الجولان والعلاقة مع إسرائيل

هشاشة الجنوب وحدود التّفاوض

في حديثه إلى وكالة الأناضول، قدّم الشرع صورة لسوريا بوصفها دولة تريد الخروج من منطق الحرب إلى منطق الاستقرار، وتبحث عن حلول عبر الحوار والدبلوماسيّة بدلاً من الانخراط في صراعات جديدة. ليست هذه الصورة تفصيلاً خطابيّاً، بل تعكس أولويّة سوريّة واضحة: تحقيق حدّ أدنى من التهدئة يسمح بإعادة ترتيب الداخل، والانصراف إلى الإعمار واستعادة المؤسّسات بعد أربعة عشر عاماً من الاستنزاف.

إلّا أنّ هذه المقاربة، كما يعرضها الشرع نفسه، تصطدم بعقبة أساسيّة تتمثّل في السلوك الإسرائيليّ على الأرض. بينما تتحدّث دمشق عن الاستقرار، تواصل إسرائيل، بحسب الرواية السوريّة، استهداف مواقع داخل سوريا وتوسيع تحرّكاتها العسكريّة في المناطق المحاذية للجولان المحتلّ، بما يضعف الشروط اللازمة لأيّ مسار تفاوضيّ قابل للحياة.

لا ينفصل هذا المسار الأمنيّ، في أحد أبعاده، عن هشاشة الجنوب السوريّ، بما في ذلك ما يجري في السويداء. لا يتحدّد التفاوض على ترتيبات أمنيّة مع إسرائيل بمستوى الاتّصالات المباشرة أو غير المباشرة فقط، بل وبقدرة الدولة السوريّة على ضبط بيئتها الجنوبيّة ومنع تحوّل التوتّرات المحليّة إلى مدخل لتدخّلات أوسع أو إلى ذريعة لإعادة إنتاج الوقائع الأمنيّة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها.

من هذه الزاوية، تبدو السويداء جزءاً من المشهد الضاغط على أيّ تفاهم محتمل، لا باعتبارها ملفّاً منفصلاً، بل بوصفها عنصراً من عناصر هشاشة الجنوب كلّه.

إقرأ أيضاً: من قال إنّ سوريا ولدت مع حافظ الأسد؟

من هنا لا تكمن أهميّة تصريحات الشرع فقط في تأكيده أنّ الجولان أرض سوريّة محتلّة، ولا في وصفه قرار ترامب الصادر في 25 آذار 2019 بأنّه باطل، بل وفي محاولته رسم حدود المناورة السوريّة في المرحلة الراهنة. يريد أن يبعث برسالة مزدوجة: سوريا لا تريد حرباً جديدة، لكنّها لا تقبل أن يتحوّل البحث عن التهدئة إلى غطاء سياسيّ لشرعنة الاحتلال.

* كاتب سوريّ

أساس ميديا،

—————————————

لبنان يرفض أي تدخل لـ”حزب الله” في سوريا

أدانت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية، ما وصفتها بـ”المحاولات الهادفة إلى زعزعة الاستقرار والإضرار بالانتظام العام في سوريا، التي كشفتها وزارة الداخلية السورية في 19 من نيسان”.

وأكدت الخارجية اللبنانية في بيان صادر اليوم، الاثنين 20 نيسان، على تضامنها مع سوريا، ورفضها المطلق لضلوع أيّ من اللبنانيّين في الإساءة لأمن سوريا وسلامة أراضيها.

وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت أمس، الأحد 19 نيسان، إحباط ما قالت إنه مخطط “تخريبي” في محافظة القنيطرة، تقف خلفه خلية مرتبطة بـ”حزب الله”، كان يهدف إلى تنفيذ هجوم صاروخي وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وقالت قيادة الأمن الداخلي في القنيطرة، إن العملية نُفذت بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، وجاءت بعد متابعة ورصد “دقيق” لتحركات أشخاص مشتبه بهم، دون تحديد الفترة الزمنية للعملية.

وبحسب البيان، عمد أفراد الخلية إلى تجهيز وسيلة نقل مدنية بطريقة مموّهة، لإخفاء معدات مخصصة لإطلاق الصواريخ، في محاولة لتنفيذ هجوم مباغت، قبل أن تتمكن القوى الأمنية من ضبط الآلية والمعدات قبل استخدامها.

وأضافت الوزارة أن الوحدات الأمنية صادرت عددًا من الصواريخ ومنصات إطلاقها، قالت إنها كانت معدّة ومخبأة “بطريقة احترافية” داخل المركبة، بهدف استخدامها في تنفيذ “أعمال عدائية”.

وأشارت إلى إلقاء القبض على شخصين قالت إنهما من أفراد الخلية، على خلفية تورطهما في أنشطة تمس أمن المنطقة، في حين لا يزال شخص ثالث متواريًا عن الأنظار، مع استمرار عمليات البحث لإلقاء القبض عليه.

ولم يوضح البيان طبيعة الأهداف المحتملة للهجوم أو المواقع التي كانت ستُستهدف، كما لم يقدم تفاصيل إضافية حول ارتباط الموقوفين بالجهة المذكورة أو مسار حصولهم على هذه المعدات.

وقالت الوزارة إن التحقيقات مستمرة لكشف كامل ملابسات القضية، تمهيدًا لإحالة الموقوفين إلى القضاء المختص.

“حزب الله” ينفي

نفى “حزب الله” اللبناني، ما أسماها “الادعاءات والاتهامات الكاذبة والمفبركة الصادرة عن وزارة الداخلية السورية، حول ارتباطه بالخلية التي تم القبض عليها في سوريا”.

وشدد الحزب في بيان على ما وصفه “بالإعلان المتكرر بعدم تواجده داخل الأراضي السورية، وعدم قيامه بأي نشاط مهما كان شكله ونوعه”.

وأعرب عن رفضه “للاتهامات السورية جملة وتفصيلًا، معربًا عن استغرابه من الإصرار المتكرر على زجّ اسمه في كل حادثة أمنية داخل سوريا”.

وأشار إلى أن “الاتهامات المتكررة، تعطي انطباعًا بمحاولة مبرمجة لتحميله مسؤولية أي حدث، بهدف تشويه صورة المقاومة ودورها الأساسي والوحيد وهو مواجهة العدو الإسرائيلي دفاعًا عن لبنان وشعبه”، وفق قوله.

اتهامات سابقة

لم تكن حادثة الأمس، الأولى التي توجه من خلالها وزارة الداخلية السورية، أصابع الاتهام لـ”حزب الله” بالوقوف وراءها، فقد سبقها حوادث أخرى كان منها إحباط هجوم  يستهدف العاصمة دمشق في 11 من نيسان الحالي.

وأعلنت الداخلية السورية حينها، أن التحقيقات الأولية كشفت عن ارتباط الخلية بـ“حزب الله”، مشيرة إلى أن أفرادها تلقوا تدريبات عسكرية خارج البلاد، تضمنت مهارات زرع العبوات الناسفة.

وقالت الوزارة، إن العملية جاءت بعد متابعة أمنية “دقيقة” لتحركات وصفتها بالمشبوهة داخل العاصمة، دون تحديد الإطار الزمني للعملية.

وبحسب البيان، تمكنت الوحدات المختصة من رصد امرأة قالت إنها تنتمي إلى الخلية، في أثناء محاولتها زرع عبوة ناسفة أمام منزل إحدى الشخصيات الدينية، في محيط الكنيسة المريمية بمنطقة باب توما في دمشق.

ونقل ناشطون مقربون من الحكومة ووسائل إعلام عن مصدر رسمي أن الهدف من الهجوم كان الحاخام ميخائيل حوري في دمشق، دون صدور تأكيد مستقل لهذه المعلومات حتى الآن.

وأضافت الوزارة أن القوى الأمنية تمكنت من تفكيك العبوة الناسفة قبل انفجارها، مشيرة إلى أن العملية لم تسفر عن وقوع إصابات أو أضرار مادية، في حين جرى إلقاء القبض على خمسة أشخاص قالت إنهم يشكلون كامل أفراد الخلية.

كما سبق أن اتهمت وزارة الداخلية السورية الحزب اللبناني، الذي كان يقيم تحالفًا مع نظام الأسد، ويملك ذراعًا عسكريًا ضمن ما يعرف بمحور المقاومة المرتبط بإيران، بالوقوف وراء استهداف منطقة المزة في دمشق في بدايات العام الحالي وأواخر العام الماضي.

وذكرت الوزارة حينها، أن التحقيقات الأولية مع المقبوض عليهم، بيّنت ارتباطهم بجهات خارجية، وأن مصدر الصواريخ ومنصات الإطلاق التي استخدموها في تنفيذ الاعتداءات، إضافة إلى الطائرات المسيرة التي ضُبطت، تعود إلى “حزب الله” اللبناني.

ودائمًا ما كان ينفي “حزب الله” علاقته بأي عمليات أمنية في سوريا، ويؤكد على حرصه على وحدة سوريا واستقرارها، بحسب البيانات الصادة عنه.

———————————

 ماذا تعني مفاوضات لبنان وإسرائيل لسوريا؟/ محمود علوش

2026.04.20

دخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية من أجل إنهاء الحرب والدفع باتجاه تحقيق سلام بين لبنان وإسرائيل، لكنَّ السلام بحد ذاته مثار تساؤل كبير، ليس لأنه هدف صعب المنال -وهو كذلك بالفعل– بل لأن تبني إسرائيل لهذا المطلب لا ينسجم مع نزعتها التوسعية في دول الجوار.

مع ذلك، فإن دوافع ترامب تبدو أقل أهمية في الواقع من الأهداف التي يسعى إليها نتنياهو في لبنان، حيث تُواجه إسرائيل معضلة مزمنة في إنهاء حالة “حزب الله” ونزع سلاحه، وحتى لو واصلت هذه الحرب لفترة طويلة، فإن قدرتها على تحقيق هذا الهدف تبقى غير واقعية.

ولأنّ نتنياهو يُدرك جيداً أن انخراط الدولة اللبنانية في مفاوضات مع إسرائيل من أجل السلام لن يؤدي إلى السلام، بل إلى اقتتال أهلي لبناني وصدام مُسلح بين الدولة و”حزب الله”، فإن دوافع نتنياهو الحقيقية في لبنان تُصبح أكثر وضوحاً.

وحتى لو قدَّم نتنياهو انخراط الدولة اللبنانية في جهود نزع سلاح “حزب الله” على أنه وسيلة للتخلص من هذا السلاح، فإن النتائج المترتبة على حرب أهلية لبنانية هي هدف إسرائيلي بحد ذاته وليست نتيجة عرضية، فمثل هذه الحرب ستُوجد وضعاً مناسباً لإسرائيل لإضعاف ما تبقى من الدولة اللبنانية على نحو أكبر، وتشريع هذا الوضع كمُبرّر لها لاحتلال أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني بذريعة حماية نفسها من الفوضى الخارجة عن السيطرة في لبنان.

عند الحديث عن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ومخاطر انزلاق لبنان إلى حرب أهلية -وهي مخاطر حقيقية بالفعل- فإن الأمر لا يتعلق بطبيعة الحال بلبنان وإسرائيل فقط، بل يشمل سوريا أيضاً التي ستتأثر بمسارات هذه المفاوضات وبمسارات الوضع الداخلي في لبنان بمعزل عن أشكالها ومآلاتها.

إنّ أكثر ما يُقلق سوريا في لبنان في هذه المرحلة هو احتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، فمثل هذا الانزلاق لن تقتصر تداعياته الأمنية على حدود لبنان، بل قد يهدّد بتقويض الاستقرار الأمني في سوريا أيضاً، علاوة على ذلك، لا تُخفي إسرائيل أهدافها التوسعية في لبنان وسوريا على حد سواء.

وقد تحدث نتنياهو مؤخراً عن إنشاء إسرائيل، لأول مرة، منطقة آمنة على طول حدود لبنان تمتد إلى اليرموك في سوريا، وهنا تزداد مشروعية القلق السوري من مساعي إسرائيل لتكريس وضع احتلالي طويل الأمد في جنوب لبنان بحيث يدفعها إلى إنشاء وضع مشابه على الحدود مع سوريا أيضاً.

كانت سوريا قد دخلت بالفعل في مسار تفاوضي مع إسرائيل للتوصل إلى اتفاقية أمنية تُعيد الوضع على الحدود إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، لكن هذه المفاوضات لم تُؤدِ إلى نتائج حتى الآن، ويرجع السبب في ذلك إلى حقيقتين: الأولى أن إسرائيل دخلت في مفاوضات مع سوريا كنتيجة للضغط الأميركي، كما هو الحال مع لبنان أيضاً، وليس كنتيجة لرغبتها في التوصل إلى اتفاق؛ والثانية -وهي الأخطر- أن إسرائيل لم تتخلَّ عن أهدافها التوسعية في جنوب سوريا.

وعليه، فإن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية سيكون لها ارتدادات كبيرة على المسار التفاوضي بين سوريا وإسرائيل، إما لجهة أن نجاحها -وهو مُستبعد- سيُعطي زخماً جديداً لفرض التوصل إلى اتفاق أمني سوري-إسرائيلي، أو لجهة تداعياتها على الداخل اللبناني، وهو الأكثر ترجيحاً.

أدى تورّط “حزب الله” في الحرب من أجل دعم إيران إلى تعميق مأزق الدولة اللبنانية مع إسرائيل، حيث دفعها إلى التفاوض معها في لحظة ضعف كبيرة، لكن الذهاب إلى المفاوضات بمعزل عن التنسيق مع سوريا -والذي لا يظهر أنه قائم بالفعل- سيزيد من ضعف الموقف اللبناني أولاً، وسيُضعف كذلك موقف سوريا في المفاوضات مع إسرائيل.

إن أكثر ما تأمله دمشق هو أن تؤدي المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى اتفاق يقطع الطريق على خطط إسرائيل التوسعية في جنوب لبنان ولا يؤدي إلى وضع داخلي لبناني عالي المخاطر عليها، لكن تجربتها التفاوضية مع إسرائيل لا تُعزز هذه الآمال على أية حال.

كذلك، فإن قدرة الولايات المتحدة على ضمان نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تبدو مثار شك، فما تزال العلاقات اللبنانية السورية الجديدة تمر في فترة بناء واختبار الثقة، لكن الخيارات الاستراتيجية لا تحتمل غياباً أو ضعفاً في تنسيق الموقف بين البلدين في العلاقة مع إسرائيل، فمثل هذا التنسيق لا يُعزز موقف البلدين فحسب في لعبة التفاوض، بل يُساعد لبنان وسوريا على الاستعداد جيداً للمخاطر المُحتملة المترتبة على فشل المسارات التفاوضية وعلى ارتداداتها على الداخل اللبناني.

———————————

الجيش الإسرائيلي يفجر حقل ألغام في الجولان وسماع دوي في القنيطرة

انفجار عنيف في القنيطرة عقب تفجير حقل ألغام داخل الجولان المحتل

2026-04-20

أفاد مراسلون بأن الجيش الإسرائيلي أقدم، اليوم الاثنين، على تفجير حقل ألغام داخل الجولان المحتل على الحدود مع سوريا، ما تسبب بسماع دوي انفجار قوي في مختلف مناطق محافظة القنيطرة.

وبحسب المراسل، فإن الانفجار كان عنيفاً وامتد صداه ليشمل معظم أنحاء القنيطرة، دون ورود معلومات فورية عن حجم الأضرار أو طبيعة التفجير بشكل تفصيلي.

وفي سياق متصل، كانت قوة عسكرية إسرائيلية قد اعتقلت اليوم مدنيَّين اثنين من قرية بريقة القديمة بريف القنيطرة، عقب توغلها داخل القرية.

وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” في القنيطرة أن قوة إسرائيلية مؤلفة من عدة آليات توغلت بعد منتصف الليل داخل القرية، حيث جرى اعتقال شابين دون سن الثامنة عشرة، قبل اقتيادهما إلى جهة مجهولة، دون توضيح أسباب الاعتقال حتى الآن.

كما شهدت المنطقة خلال اليومين الماضيين تحركات عسكرية مماثلة، إذ توغلت قوة إسرائيلية باتجاه قرية العجرف ونصبت حاجزاً مؤقتاً عند مفرق القرية، فيما أقامت قوة أخرى حاجزاً مماثلاً في قرية الصمدانية الشرقية، دون تسجيل حالات اعتقال.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية في مناطق من ريف القنيطرة والجنوب السوري، والتي تتضمن توغلات محدودة وإقامة حواجز مؤقتة بين الحين والآخر.

—————————————-

 توغلات إسرائيلة مكثفة واعتقالات جنوب سوريا

القنيطرة – نور الحسن

الاثنين 2026/04/20

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم الاثنين، بقوة عسكرية مؤلفة من 16 آلية بينها دبابات، انطلقت من قاعدة العدنانية ومدينة القنيطرة المهدمة، باتجاه قرى المشيرفة والعجرف وأم العظام. وتمركزت إحدى الدبابات فوق سد المنطرة، أكبر السدود المائية في المنطقة.

وفي سياق متصل، دخلت ثلاث سيارات محمّلة بالجنود أحد المنازل القريبة من السد، برفقة مولدة كهرباء ومعدات إنارة. كما أنشأت قوات الاحتلال حاجزين مؤقتين، الأول على الطريق الواصل بين قريتي أم باطنة والمشيرفة، والثاني على مدخل قرية العجرف. وبعد ساعات، انسحبت القوة العسكرية باتجاه القواعد الإسرائيلية المستحدثة، فيما بقيت قوة أخرى متمركزة داخل المنزل القريب من السد، ما أثار مخاوف الأهالي من تأثير ذلك على حركة السير ورعي الأغنام في المنطقة.

وشهدت القرى المحيطة بسد المنطرة تحركات مكثفة لآليات الاحتلال خلال الساعات الماضية، وسط حالة من الترقب والقلق بين السكان.

وفي تطور آخر، داهمت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد منتصف ليل الأحد/الاثنين، قرية بريقة، حيث اعتقلت شابين واقتادتهما إلى الجولان المحتل، قبل أن يتم الإفراج عنهما ظهر اليوم.

بالتوازي، سُمع دوي انفجارات قوية في محافظة القنيطرة، ناجمة عن تفجير حقول ألغام داخل الأراضي المحتلة، بالقرب من السياج الإسرائيلي خلف قاعدة العدنانية في ريف القنيطرة الأوسط.

وخلال الساعات الـ48 الماضية، توغلت قوات الاحتلال باتجاه تل أحمر الشرقي، حيث قامت بوضع ثلاث غرف مسبقة الصنع، إلى جانب انتشار عدد من الجنود ودبابة، وسط ترجيحات بإنشاء قاعدة عسكرية جديدة في المنطقة. كما سُجل تحليق مكثف للطيران الحربي وطائرات الاستطلاع منذ ساعات الصباح الأولى لهذا اليوم.

——————————-

==================

تحديث 19 نيسان 2026

———————————

لماذا تنظر إسرائيل إلى تركيا باعتبارها “إيران الجديدة”؟/ رامي الأمين

2026-04-17

قبل فترة ليست بعيدة، غير وزير خارجية تركيا هاكان فيدان صورة “بروفايل” حسابه على موقع أكس. وضع صورة لخريطة العالم تتقدمها خريطة تركيا وهي تبدو كأنها تغطي على دول الشرق الأوسط مجتمعة.

رأى كثيرون في تلك الصورة انعكاسا للطموحات التركية التوسعية في المنطقة، وحنينها إلى السلطنة العثمانية. ولكن بعيدا عن الصورة، هناك مؤشرات كثيرة على تمدد الدور التركي في الشرق الأوسط، خصوصا مع إضعاف إيران وأذرعها في الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يشكّل قلقاً جديدا لإسرائيل.

وعبّر رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، نافتالي بينيت، بوضوح عن هذا القلق، عندما حذر في تصريحات تعود إلى شهر فبراير الماضي من أن “تركيا هي إيران الجديدة”، شارحا أن “تركيا اكتسبت مع قطر نفوذا في سوريا، وتسعيان لامتلاك النفوذ في أماكن أخرى وفي كل مكان في المنطقة”، ووصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان بأنه “داهية وخطير، ويسعى لتطويق إسرائيل”.

يرى سونر كاغابتاي، الباحث المتخصص في الشؤون التركية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن تركيا وإسرائيل في حالة تنافس استراتيجي. ففي سوريا، ترى أنقرة أن إسرائيل تهدد مصالحها الجوهرية من خلال علاقتها مع الدروز وقوات سوريا الديمقراطية، وهي الجهود التي تبدو وكأنها تعرقل مركزية الدولة السورية.

في المقابل، يشرح كاغابتاي، ترى إسرائيل أن أنقرة، عبر دعمها لحركة حماس التي تعتبرها إسرائيل منظمة إرهابية، وبسبب موقف تركيا في غزة، تشكل جبهة تهدد أمنها القومي.

هناك اصطفافات أكبر تتشكل في الشرق الأوسط، تتأثر بالتنافس التركي الإسرائيلي في شرق المتوسط، وقد تزيد من هذه الاصطفافات تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية. لذا، يعتقد كاغابتاي أن هناك تحالفين يتشكلان في المنطقة، يمتدان من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، ويضم كل حلف: قوة نووية، ملكية خليجية ثرية، قوة من بلاد الشام، وقوة في شرق المتوسط. وبشكل محدد، هذه التحالفات هي: باكستان، السعودية، مصر، وتركيا من جهة، وإسرائيل والهند، الإمارات، واليونان من جهة أخرى.

وهكذا، يتابع كاغابتاي شرح التحالفات، أن المنطقة أصبحت تشمل لأول مرة شرق المتوسط وجنوب آسيا معا. ويضيف قوله: “أعتقد أنه يمكن أيضا إضافة القرن الأفريقي إلى هذا المشهد، حيث يظهر هذا التنافس الآن بوضوح في أماكن مثل الصومال، عندما تدعم تركيا وإسرائيل أطرافا متصارعة”. لذا، “أعتقد أننا بحاجة للاستعداد، ليس فقط للتنافس التركي الإسرائيلي، بل لظهور هذين التحالفين المكونين من أربع دول، حيث تجلب هذه الأطراف قدرات مختلفة لتحالفاتها”.

لا يرى مؤسس معهد “جسور” للدراسات محمد سرميني ملامح هذا التوسع التركي من بوابة “الردع النووي” التقليدي الذي قد توفره علاقة أنقرة بإسلام آباد فقط، بل برأيه تعمل تركيا على تشكيل “ردع تقني” في مقابل إسرائيل، فرضته الصناعات الدفاعية التركية. فبينما كانت إيران في حربها مع إسرائيل تعتمد على الإغراق الصاروخي للدفاعات الجوية الاسرائيلية، تدخل تركيا نادي الصواريخ الفرط صوتية عبر شركة “روكيتسان”، وهو سلاح يصفه سرميني في مقابلة مع “الحرة” بأنه “رادع جدا لإسرائيل” بعد أن أثبتت هذه التقنية فاعليتها في حروب 2025.

يستبعد سرميني أن يكون هناك مجال لتوظيف السلاح النووي في أي مواجهة محتملة مع إسرائيل، لأن الأمر يخضع لاعتبارات سياسية معقدة، فروسيا رغم أنها تمتلك السلاح النووي، لم تستخدمه في المواجهة مع أوكرانيا. ومن الناحية التقنية، فإن التصنيع الدفاع التركي متقدم، كما يشرح سرميني، خاصة في مجال تصنيع الطائرات المسيرة، “فقد حافظت شركة بايكار على صدارة الشركات المصدرة للطائرات المسيرة، كما أن تركيا لديها تحالف مع أوكرانيا ويمكن لها أن تطور تقنياتها من خلال كييف”.

لكن القلق الإسرائيلي الحقيقي لا ينبع فقط من الصواريخ، بل من “دبلوماسية الطاقة” التي تتبعها أنقرة، كما يشرح سرميني، إذ نجحت تركيا في تفكيك “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي صُمم خصيصاً لعزلها، واستطاعت تحييد مصر وجذبها نحو خيارات استراتيجية بعيدة عن “الابتزاز الإسرائيلي”. وبحسب سرميني، فإن تحويل إسطنبول وسوريا إلى مراكز لتجميع وتصدير الغاز لأوروبا يضرب الاقتصاد الإسرائيلي في مقتل، ويجعل من مشروع “طريق التوابل” المرتكز على ميناء حيفا مجرد حلم متعثر أمام نفوذ تركيا في البحر الأحمر وتحالفاتها في السودان والصومال.

أدت ردّ الفعل الإسرائيلي على هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنته حماس، إلى تحييد وإضعاف العديد من أذرع إيران في المنطقة، خصوصاً حركة “حماس” و”حزب الله” في لبنان. وعليه، يبرز تساؤل حول مدى استعداد أنقرة لـ”تبنّي” وكلاء إيران السابقين، او خلق أذرع لها على غرار إيران في المنطقة. هنا تبرز الرؤية التركية التي تفضل، بحسب سرميني، العمل مع “الدول” لا “المنظمات”. فرغم الحماية الدبلوماسية التي قد تبديها أنقرة لطهران في مرحلة ما بعد علي خامنئي، فإنها، كما يوضح سرميني، تتعامل مع “نظام أمر واقع” وليست في وارد تبني سياسات طائفية، تذهب بعيدا نحو دعم جماعات إيرانية.

كما أن دعم وتقوية “حزب الله” اللبناني قد يضر بعلاقة تركيا مع إدارة ترامب وهذا غير مرغوب بالنسبة لأنقرة. بل إن الرهان التركي يتجه نحو “تطوير قوة الجيش السوري” ليكون هو خط الدفاع الأول، وهو ما ظهر في الوساطة التركية لربط دمشق بكييف في تعاون دفاعي وتدريب الجيش السوري وتوفير الدعم له كما حصل في زيارة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي الأخيرة إلى دمشق.

هذا النهج يجعل من تركيا “إيران جديدة” ولكن برداء “شرعي”، فهي لا تسلح ميليشيا لتقويض دولة، بل تعيد صياغة الدول المحيطة بإسرائيل لتكون عقبة أمام طموحات تل أبيب، وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي الوجودي: فمواجهة “دولة” تمتلك الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات الدولية أصعب بكثير من مواجهة إيران معزولة، وتعاني من تراجع بنيتها العسكرية بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية القاسية.

وبحسب سرميني، فقد وظفت تركيا دبلوماسيتها منذ سنوات في إحباط خطط إسرائيل الإقليمية، واستطاعت التأثير على إدارة ترامب فيما يبدو من أجل تأطير الحرب الحالية وعدم تدحرجها باتجاه تفكيك الدولة الإيرانية كما كانت ترغب إسرائيل، لأن تفكك إيران يضر بالأمن القومي التركي.

يحضر العامل الشخصي أيضاً في تسعير التنافس الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل، كما يلاحظ كاغابتاي في حديثه مع “الحرة”، فكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس أردوغان يكنّان كراهية سياسية شديدة لبعضهما البعض، مما يجعل من الصعب جداً على تركيا وإسرائيل التوصل إلى لغة مشتركة هذه الأيام. ومع ذلك، يعتقد كاغابتاي أن هناك حلاً يكمن في امتلاك كلا القائدين علاقات جيدة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ يمكن للرئيس ترامب فرض حالة من “التهدئة” بين البلدين، بحسب كاغابتاي، “عبر إبلاغ تركيا بأن غزة تقع ضمن منطقة نفوذ إسرائيل، وإبلاغ إسرائيل بأن سوريا تقع ضمن منطقة نفوذ تركيا”. وهذا قد يكون، برأي الباحث التركي-الأميركي، “مخرجاً من هذا المأزق”.

الحرة”

———————————

عن اتفاق أمني قادم بين سورية وإسرائيل/ أحمد مظهر سعدو

19 ابريل 2026

بالرغم من الحرب الكبرى المنشغلة فيها إسرائيل والولايات المتحدة مع إيران، بالرغم منها والهدنة، واحتمالات، لكن المفاوضات السورية الإسرائيلية، المتقطعة، والمتوقفة منذ مدة، والممتنعة إسرائيل فيها على الوصول فيها وعبرها إلى خواتيمها المفترض أن تفضي إلى انسحابات إسرائيلية من المنطقة العازلة التي دخلتها قوات الاحتلال منذ سقوط نظام بشّار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون أول 2024، إذ ما زال الاشتغال الأميركي يسير ضغطاً على إسرائيل، وهو موجود ومتحرّك إيجاباً، بحسب تصريحات أخيرة لمسؤول رفيع المستوى في الخارجية السورية. وهو ما يوحي بأن ما تفعله إسرائيل من عدوان مستمر لا ينقطع ولا يتوقّف، ومن تعدّيات متواصلة على المواطنين السوريين ضمن المنطقة العازلة وما حولها، ومن ثم الاستمرار في عملية القضم الجديد للأراضي السورية، هو بمثابة إجراءاتٍ تبتغي منها إسرائيل المزيد من الضغط الميداني المباشر على طريق إعادة إنتاج الاتفاق الأمني الجديد مع سورية، من الممكن هذه المرّة أن يكون مستثمراً إسرائيليّاً بشكل أكيد، جرّاء استغلال نتائج الحرب، وكذلك العربدة الإسرائيلية المستمرّة في المنطقة، وفائض القوة التي باتت تمتلكها إسرائيل في مجمل المنطقة العربية والشرق الأوسط أيضاً، بعد حربها على إيران وكذلك لبنان، وقبل ذلك حرب الإبادة التي اركبتها ضد الشعب العربي الفلسطيني في قطاع غزّة والضفة الغربية.

يبدو أن ما يجري تسريبه ويرشح من هنا أوهناك على طول المدى، لا يبرح أن يكون محاولاتٍ للوصول إلى عودة المفاوضات بين الجانبين، السوري والإسرائيلي، المنقطعة حاليّاً، ويبدو أن هذا سوف يكون قريباً، لكنه من الممكن أن يكون بشروط إسرائيلية أشد وأصعب، بل أكثر إحراجاً للحكومة السورية، التي باتت في حالة من الضرورة القصوى لبسط هيمنتها على كامل التراب السوري، وإعادة صياغة الواقع السوري الداخلي، وفق متطلبات المرحلة المقبلة، ووحدة سورية أرضاً وشعباً، توطئة لعملية البناء وإعادة الإعمار في سورية، التي باتت تكلف ما ينوف عن 600 مليار دولار، بحسب تقديرات أممية وبحثية، بعد أن تم تهديم البنية التحتية على يد الاستبداد الأسدي، بما نسبته أكثر من 65% من تلك البنية التحتية المشار إليها، وسط صمت دولي، وإشاحة في الوجه عن أي احتمالات قريبة لعقد مؤتمر عالمي دولي لإعادة إعمار سورية. ويبدو أن عدم الاهتمام الدولي بمؤتمر كهذا يستند إلى حالة من انشغالات العالم كله بما هو أهم عندهم، إذ لا يمكن أن يتحمل الشعب السوري، وليس في مقدوره أصلاً تبعات أو إمكانات البناء وإعادة الإعمار ضمن الجغرافيا السورية في ظل إرث اقتصادي سوري نهبته سلطة آل الآسد.

أمام هذا المشهد الصعب، هناك تحديات كبرى تقع على كاهل الحكومة السورية الجديدة نحو ذلك، وعلى هدي سياقاته ومتغيراته، فليس بإمكان الحكومة السورية القبول اليوم بأي اتفاق أمني وفق الشروط التعجيزية للإسرائيليين، كما أنه ليس بإمكانها المضي في ديناميات إعادة البناء والإعمار، من دون الانتهاء من حالة البرزخ الحالي التي تنوس بين واقع اللاسلم واللاحرب مع إسرائيل، في وقت تشهد فيه المعطيات والتغيرات الدراماتيكية في المنطقة كلها، وبدعم أميركي (ترامبي) لامحدود للكيان الإسرائيلي، يعد فيه نتنياهو نفسه والمحيط الإقليمي بأنه بصدد إنتاج شرق أوسط جديد على قدّه ومقاسه، ووفق سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، وهي التي تقونن حالة إعدام الأسرى الفلسطينيين، وسط صمت مطبق من العالم على جملة الجرائم التي ترتكبها حكومة نتنياهو في الإقليم.

من هنا، أمام الحكومة السورية اليوم صعوبات وتحدّيات داخلية وخارجية كثيرة، لا يبدو أنها ستكون سهلة عليها، ولا هي قادرة على تخطيها بسلام وسلاسة في القريب العاجل، ومن ثم، يمكن أن يكون هناك اتفاق أمني مع إسرائيل يعيد تحديث اتفاق فض الاشتباك الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974، وفق شروط إسرائيلية ستكون مجحفة، من الصعب قبولها ضمن حالة من الانتفاخ الإسرائيلي والعنجهية المفرطة، وفائض القوة التي بات بين أيديها، وضمن إدراك إسرائيلي مفاده بأن لا خيار أمام السوريين سوى التوقيع على اتفاق أمني جديد، يترك لسورية المجال متاحاً لإعادة البناء والإعمار على أسس جديدة، وقد يترك هذا آثاراً سلبية على مدى عقود، ضمن أجواء عدم الإمكانية للتوصل إلى أي اتفاق سلام دائم مع سورية، في ظل امتناع إسرائيل كليّاً عن الخوض في موضوع عودة هضبة الجولان المحتلة من الإسرائيليين منذ حرب 5 حزيران 1967.

وإذا كان الاتفاق الأمني المزمع بين إسرائيل وسورية قادماً لا محالة، فإن شروطه لا بد أن تكون أسهل على السوريين هذه المرّة، حتى تسير الأمور باتجاه التوقيع والإنجاز من دون حرج من حكومة دمشق، وإلا فإن مآلات هذا ستكون غاية في الصعوبة؛ إذ ما زالت إسرائيل تستثمر بنتائج الحرب الكبرى، وما زالت تضغط داخليّاً على الحكومة السورية، عبر اللعب بورقة محافظة السويداء والطائفة الدرزية، وهذا موضوع لن تتركه إسرائيل أبداً ورقة جاهزة وحاضرة وممسكة بها أيما إمساك، وهي، في الواقع، تقض مضجع كل السوريين، بعد أن عجزت حكومة دمشق عن الوصول إلى حلولٍ على مساراتها في جبل العرب والجنوب، وبعد أن غابت عمليّاً عن أية حوارات جدّية داخلية مع نخب السويداء ومجتمعها، قد تنهي إشكالية محافظة السويداء وتعيد الوطن السوري موحّداً، وتقطع الطريق على الانفصاليين، كما لا يبدو أن إسرائيل سوف تتخلّى عن هذه الورقة القوية في يدها، ولم تنتح حكومة دمشق أية مسارات عملية لاختطاف هذه الورقة من يد إسرائيل، وتحويلها إلى مسألة وطنية سورية بامتياز، لا بد من العمل عليها حثيثاً وسريعاً قبل فوات الأوان، ومن ثم منع إسرائيل من استغلالها أو استثمارها كما تريد وتبتغي.

العربي الجديد

———————————–

دمشق على حافة اتفاق… هل يولد السلام من رحم التعقيد؟/ عالية منصور

18 أبريل 2026

على هامش مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي بنسخته الخامسة، والمنعقد حالياً في تركيا، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، في حوار، أن سوريا تعمل للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل. وقال الشرع إن العمل جارٍ اليوم للتوصل إلى اتفاق يضمن انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وعودتها إلى خطوط 1974. وأكد أن دمشق قد تنخرط في مفاوضات طويلة الأمد لحل قضية الجولان المحتلة، في حال نجاح الوصول إلى اتفاق.

موقف الشرع ليس جديداً، فقد أعلن مراراً عن رؤيته ورغبته في عدم الدخول في صراع مع أي من دول الجوار، بما في ذلك إسرائيل، كما انخرطت دمشق في مفاوضات مباشرة معها برعاية أميركية.

وعلى هامش المؤتمر نفسه، أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى دمشق، توم باراك، أن سوريا لم تطلق أي صاروخ باتجاه إسرائيل، وأنها “تؤدي عملاً رائعاً” في مجالات الحوار والتعاون الدبلوماسي في المنطقة. وفيما اعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يكترث بالخطوط، لا حدود 1967 ولا 1974 ولا خط 8 ديسمبر، أكد أن سوريا تصرفت بعقلانية بعدم انخراطها في الصراع الدائر، مشيراً إلى أن الوقت قد حان لاستئناف المحادثات بين سوريا وإسرائيل، وأنه “قد نصل إلى اتفاق حتى قبل لبنان”.

تحويل سوريا إلى بيئة آمنة بعد حرب استمرت 14 عاماً ليس بالأمر السهل. فقد حوّل نظام الأسد البلاد إلى ساحة تتلاعب بها الدول، وأدخل ميليشيات موالية لإيران، إضافة إلى تدمير أجهزة الدولة الأمنية وتحويلها إلى أدوات لإرهاب السوريين وقتلهم بدلاً من حماية أمنهم وأمن البلاد. كما أدت الثورة- بسبب ما تعرضت له من عنف من قبل النظام وحلفائه، وتخاذل دولي أحياناً وتنافس أحياناً أخرى- إلى ظهور مئات الفصائل. كما أن ترتيب هذه الفوضى وبناء مؤسسات أمنية على أسس وطنية أمر لن يتم بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت ليس بالقصير.

مسألة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حُلّت مبدئياً، لكن ملف السويداء ما زال مجمداً. وقد بدأ العمل على بناء جيش وأجهزة أمنية، إلا أن سلاح بعض الميليشيات والعشائر لا يزال متفلتاً، كما تحقق الانسحاب الأميركي. لكن التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل لا يزال عالقاً بسبب تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ورغم أن العمل جارٍ اليوم على إعادة ترتيب الوضع الداخلي أمنياً، وقد حققت الحكومة تقدماً لا بأس به، خصوصاً في موضوع حماية الحدود ومحاربة “داعش”، فإن الاتفاق الأمني مع إسرائيل يبقى أولوية لتحقيق الاستقرار. فإسرائيل لا تكتفي باحتلال أراضٍ سورية وانتهاك السيادة، بل تحاول أيضاً استغلال ملفات داخلية عدة لمنع الوصول إلى استقرار حقيقي. ولو كان الأمر يتعلق بمصلحة إسرائيل كدولة، لا بمصلحة نتنياهو وحده، لكان ما قاله باراك دافعاً للمضي قدماً نحو اتفاق أمني.

المرحلة الانتقالية في سوريا لا تشبه نظيراتها في الدول الأخرى التي مرت بتجارب مشابهة. فالعين قد ترى جزءاً من حجم الدمار الذي تسبب به الأسد، لكن المرء بحاجة إلى التمعن والبحث المعمّق ليدرك حجم الفساد الذي خلّفه داخل المؤسسات، والانقسام في المجتمع. والقول إن الثورة ورثت دولة مهترئة بالكامل ليس مبالغة.

لقد أعلن الشرع مراراً عن رؤيته الاقتصادية، وأكد أن سوريا لن تكون مصدر تهديد لأحد. لكن اللافت هو حجم التضارب في الرؤى داخل دوائر السلطة، لا سيما في الصفين الثاني والثالث. فالمسألة لا تتعلق بحرية الرأي بقدر ما تتعلق بالمسؤولية. من يسعَ ليكون جزءاً من السلطة، في هذه المرحلة أو غيرها، عليه أن يعمل وفق رؤية واستراتيجية واضحة أعلنها رئيس هذه السلطة. أما أسلوب “كلٌّ يغني على ليلاه”، على الطريقة اللبنانية، فقد تتجاوز انعكاساته حدود سوريا، ويتحول إلى عائق حقيقي.

أيّ سوريا نريد؟ قال الشرع: “إن سوريا ستشبه ماضيها العريق، معتمدة على إرثها الحضاري في بناء مستقبلها”. وطالب السوريون بسوريا التي تشبههم بتنوعهم واختلافاتهم، وهو المحور الذي يجب أن نتمسك به في وجه دعاة الأحادية سواء انتموا للسلطة أم لسواها.

———————————

الانسحاب الأميركي: تحول استراتيجي في مقاربة واشنطن تجاه سوريا/ أغيد أبو زايد

أبريل 19, 2026

في أقل من عام ونصف العام على الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، شهدت سوريا تحولات سياسية وعسكرية في إطار إعادة البلاد إلى الحالة الطبيعية ودورها الفاعل على الساحة الإقليمية، من خلال التركيز على استعادة السيادة وترتيب الوضع الداخلي، والعمل على تجاوز آثار الحرب والحفاظ على وحدة البلاد، إلى جانب تعزيز الحضور الدولي.

وقد أدت الحرب على مدار نحو 14 عاما إلى تعدد مراكز النفوذ الداخلي والخارجي، وتفكك جزئي في بنية الدولة السورية، إثر سياسات النظام المخلوع وتحالفاته الخارجية، إذ حول سوريا إلى عنصر عدم استقرار في المنطقة من خلال جلب الميليشيات الأجنبية وتمركزها على الأراضي السورية، وجعلها منطلقا لعمليات تهريب المخدرات والأسلحة إلى دول الجوار والعالم، ناهيك عن استقطاب الإرهاب ليكون شماعة لاستهداف الثورة التي انطلقت لإسقاطه.

وتمكنت الإدارة السورية الجديدة من كسب ثقة المجتمع الدولي خلال وقت قياسي، بالنظر إلى إرث النظام المخلوع وما كان عليه الحال قبل سقوطه، في حين حققت دمشق عددا من الإنجازات على الصعيدين الداخلي والخارجي، أبرزها إسقاط مخطط التقسيم في الجزيرة السورية، وإعادة الاندماج في النظام الدولي، وصولا إلى الانسحاب الأميركي الكامل من الأراضي السورية قبل أيام.

حدث مفصلي

بعد سنوات من الوجود العسكري الأميركي في سوريا، سلم الجيش الأميركي آخر قواعده العسكرية إلى الجيش العربي السوري يوم الخميس الفائت، حيث شهد مساء الأربعاء الماضي مغادرة عشرات الشاحنات الأميركية، وعلى متنها معدات عسكرية، من قاعدة قسرك الاستراتيجية. وأعلنت وزارة الدفاع السورية أن الجيش تسلم قاعدة قسرك الجوية بريف محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد، عقب انسحاب القوات الأميركية منها، في خطوة تنهي الوجود العسكري المباشر للجيش الأميركي في سوريا.

وتقع قاعدة قسرك على الطريق الدولي (M4) بين مدينتي تل تمر والقامشلي، واستخدمتها قوات التحالف الدولي منطلقا لدوريات راقبت تحركات تنظيم “داعش”. وجاء هذا الانسحاب بعد خطوات مماثلة من قواعد أخرى في البلاد، حيث تسلم الجيش السوري في شباط الفائت قاعدة الشدادي من القوات الأميركية، التي كانت تعد أكبر القواعد في شمال شرقي سوريا. وفي الشهر ذاته أخلت القوات الأميركية قاعدة “التنف” عند مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية، وتولى حرس الحدود السوري الإشراف عليها، بينما سلم الجيش الأميركي في 16 آذار الماضي قاعدة رميلان بريف محافظة الحسكة. وكانت الولايات المتحدة قد أخلت مواقع أخرى في الجزيرة السورية، أبرزها حقلا العمر وكونيكو وقاعدة تل البيادر في منتصف العام الماضي.

بدورها، أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين اكتمال عملية تسليم المواقع العسكرية التي كانت تحت سيطرة القوات الأميركية في سوريا إلى الحكومة السورية، موضحة في بيان أن استعادة السيادة على هذه المناطق، بما في ذلك الشمال الشرقي والمناطق الحدودية، تمثل ثمرة جهود الحكومة السورية المتواصلة لتوحيد البلاد في إطار دولة واحدة.

وأكد البيان أن عملية تسليم المواقع تمت بتنسيق عال بين الحكومتين السورية والأميركية، مشيرا إلى أن هذا الإنجاز يعكس تطور العلاقة بين البلدين منذ اللقاء الذي جمع الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في تشرين الثاني 2025. وفيما يتعلق بالعملية العسكرية، اعتبرت الخارجية السورية أن تسليم المواقع يمثل استكمالا طبيعيا لعملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن البنية الوطنية، ما يعزز قدرة الدولة على تحمل مسؤولياتها في مكافحة الإرهاب ومواجهة التهديدات الإقليمية.

وأضاف البيان أن الحكومة السورية تعتبر أن قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا جاء نتيجة تغير الظروف التي كانت قد استدعت الوجود العسكري الأميركي، في وقت كانت فيه جهود مكافحة تنظيم “داعش” في أوجها، واليوم ترى الحكومة أنها قادرة على قيادة عمليات مكافحة الإرهاب بالتعاون مع المجتمع الدولي.

وانضمت سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” في تشرين الثاني 2025، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في اتخاذ واشنطن قرار الانسحاب من سوريا، على اعتبار أن الجيش السوري قادر على ملاحقة خلايا “داعش” في البلاد، خاصة بعد إنهاء وجود قوى عسكرية خارج منظومة الدولة السورية.

تحول نوعي في المقاربة الأميركية

يشير القرار الأميركي بالانسحاب الكامل من سوريا إلى أن واشنطن ترى أن الجيش السوري بات قادرا على تولي زمام الأمور في البلاد، وأنها تتجه نحو الاستقرار، خاصة بعد التوصل إلى اتفاق مع “قسد” والبدء فعليا في تنفيذه، حيث وصل إلى مراحل متقدمة.

إذ اعتبر الباحث في قضايا الدولة والأمن الاستراتيجي العميد الركن مصطفى الفرحات، أن الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا، إذا ما تأكد وتبلور بشكل نهائي، يمثل تحولا نوعيا في مقاربة واشنطن للملف السوري، ويعكس انتقالا من مرحلة الإدارة المباشرة للميدان إلى مرحلة إدارة التوازنات عن بعد.

وأضاف الفرحات في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن “هذا الانسحاب لا ينبغي قراءته على أنه خروج من المشهد حقيقة، بل إعادة تموضع مدروسة تهدف إلى تقليل الكلفة العسكرية المباشرة مقابل الحفاظ على أدوات التأثير غير المباشر، سواء عبر الشركاء المحليين أو عبر النفوذ السياسي والاقتصادي”.

وبحسب الباحث، فإن هذا التطور “يحمل دلالات سيادية مهمة، إذ يفتح الباب أمام استعادة الدولة لمجمل أدوارها على أراضيها، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على ملء الفراغ الأمني بكفاءة ومنع أي ارتدادات سلبية”.

وأوضح الفرحات أن ذلك يعزى إلى “التحول في الأولويات الدولية، حيث تعيد الولايات المتحدة اليوم تركيز استراتيجيتها نحو مواجهة صعود الصين باعتباره التحدي الأكبر على المدى الطويل، وهو ما يدفعها إلى تقليص انخراطها في ساحات لم تعد تمثل أولوية قصوى. إضافة إلى أن إعادة توزيع الموارد في ظل التوترات الإقليمية والتصعيد المستمر مع إيران، وما يرتبط به من تهديدات لأمن الطاقة والممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، يفرض على واشنطن إعادة نشر قواتها في مناطق أكثر حساسية وتأثيرا”.

كما أن تغير طبيعة التهديدات، إذ لم يعد تنظيم “داعش” كيانا مسيطرا على الأرض، بل تحول إلى خلايا متناثرة، يقلل من الحاجة إلى وجود عسكري كثيف ويعزز الاعتماد على أدوات أمنية واستخباراتية أكثر مرونة، وفق الفرحات.

ما دور دمشق؟

إلى جانب التغيرات الإقليمية والدولية، فإن الحكومة السورية لعبت دورا هاما في دفع واشنطن إلى اتخاذ قرار الانسحاب الكامل من الأراضي السورية وتسليم قواعدها إلى الجيش العربي السوري، ويعد ذلك تطورا بارزا وتحولا استراتيجيا في مرحلة ما بعد التحرير.

وقال الباحث العسكري والاستراتيجي رشيد حوراني إن دمشق قدمت نفسها على أنها عامل ضامن للأمن الإقليمي والدولي من خلال محاربة نفوذ إيران في سوريا ومحاربة تنظيم “داعش”، إلى جانب هيكلة الأجهزة الأمنية بما يتناسب مع الظروف المحيطة بتشكيل الدولة وتطويرها فكرا وممارسة.

وأضاف حوراني في حديث لصحيفة “الثورة السورية”: “على الرغم من الموجات التي يتعالى صوتها وتشير إلى تقصير الحكومة، إلا أن أداءها خلال الفترة السابقة كان جيدا قياسا بما ورثته من نظام الأسد من بنى الدولة المتهالكة ماديا وإداريا، وما لحق بها بسبب العقوبات المفروضة على سوريا بسبب الكبتاغون، كما أنها تتميز بنزولها عند مطالب الناس والتراجع عن العديد من القرارات التي رفضها الشارع”.

وتتفق في ذلك الناشطة السياسية ميديا حمدوش، إذ ترى أن “دمشق لعبت دورا حاسما ليس فقط ميدانيا، بل أيضا على المستوى الدبلوماسي، في تهيئة الظروف التي دفعت نحو الانسحاب الأميركي”. وأوضحت أنه خلال فترة قصيرة نجحت الدولة السورية في إعادة تقديم نفسها أمام المجتمع الدولي طرفا يسعى إلى علاقات مستقرة وآمنة، بعيدا عن منطق الصدام المفتوح، وهو ما عزز منسوب الثقة لدى عدد من القوى الإقليمية والدولية.

وهذا التحول، في الخطاب والممارسة، وفق حمدوش، ترافق مع انفتاح سياسي محسوب، وإعادة تفعيل قنوات التواصل، ما ساهم في ترسيخ صورة الدولة بوصفها جهة يمكن التعامل معها شريكا مسؤولا، خاصة في الملفات الحساسة كالأمن ومكافحة الإرهاب.

وقالت: “بالتوازي، فرضت الدولة حضورها على الأرض، سواء عبر استعادة السيطرة أو من خلال التقدم نحو مناطق نفوذ “قسد”، ما قلص من فعالية الأدوات التي اعتمدت عليها واشنطن. ومع تراجع جدوى الاعتماد على قوى محلية غير مستقرة، برزت الدولة السورية خيارا أكثر تماسكا وقدرة على ضمان الاستقرار”، بحسب حديث حمدوش لصحيفة “الثورة السورية”.

وبهذا المعنى، لم يكن دور دمشق محصورا في الداخل، بل امتد إلى إعادة صياغة موقعها خارجيا دولة تبحث عن الشراكات المتوازنة والاستقرار طويل الأمد، ما جعل الانسحاب الأميركي أقرب إلى نتيجة منطقية لتحول أوسع في ميزان الثقة والمصالح.

ويقف خلف الانسحاب الأميركي العديد من العوامل، وفق حوراني، أبرزها “سقوط نظام الأسد الذي كانت كل جولات تفاوضه مع “قسد” على أساس صفري، بينما منحت الحكومة السورية الكرد جميع مطالبهم وسارت في مسار الاندماج الكامل ل”قسد” مع الدولة الوليدة. كما أن الأجهزة الأمنية والعسكرية الجديدة أثبتت قدرتها على مواجهة تنظيم “داعش”، السبب الرئيس لتشكيل “قسد” ودعمها أميركيا”.

الجيش السوري قادر على سد الفراغ

حول قدرة الجيش السوري على شغل مكان القوات الأميركية في مكافحة الإرهاب، قال الباحث في قضايا الدولة والأمن الاستراتيجي العميد الركن مصطفى الفرحات إن “الجيش السوري، من حيث المبدأ، يمتلك خبرة قتالية واسعة راكمها خلال سنوات طويلة من الحرب، خصوصا في مواجهة تنظيمات غير تقليدية مثل “داعش”. وهذه الخبرة تمنحه قدرة حقيقية على التعامل مع التهديدات الميدانية، خاصة فيما يتعلق بالعمليات البرية والسيطرة على الأرض”.

وأضاف: “التحدي لا يكمن فقط في المواجهة المباشرة، بل في طبيعة الحرب الحالية ضد الإرهاب، التي تعتمد بشكل أساسي على التفوق الاستخباراتي، والمراقبة الجوية الدقيقة، وسرعة الاستجابة للتهديدات المتحركة. وهنا تحديدا تظهر الفجوة التي كانت تسدها القدرات الأميركية، سواء من حيث التكنولوجيا أو البنية الاستخباراتية المتقدمة”.

لكن الجيش السوري قادر على سد هذا الفراغ تدريجيا، بشرط توافر أكثر من عنصر، من بينها تعزيز القدرات الاستخباراتية لمواكبة نمط الخلايا النائمة، وتنظيم العلاقة مع القوى المحلية المحيطة أيضا مثل “قسد”، باعتبارها جزءا من الدولة السورية، لضمان عدم حدوث فراغ أمني، ولا سيما أنها تمتلك معلومات كثيرة عن التنظيم، بحسب الفرحات.

وأكدت وزارة الخارجية والمغتربين، في بيانها تعقيبا على الانسحاب الأميركي من سوريا، “الالتزام الثابت بمكافحة تنظيم “داعش” وضمان عدم وجود ملاذات آمنة له في الأراضي السورية. وستواصل تكثيف العمليات العسكرية ضد التنظيم في جميع المناطق التي يهددها”، داعية “الولايات المتحدة والدول الأعضاء في التحالف الدولي إلى الانضمام إلى دعم جهود الجمهورية العربية السورية في مكافحة الإرهاب، بما يسهم في حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة”.

ويضاف الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا إلى إنجازات حققتها دمشق في وقت قياسي، إذ قالت الناشطة السياسية ميديا حمدوش إن الحكومة حققت بعض التقدم ضمن فترة قصيرة نسبيا لا تتجاوز عاما ونصف العام، خاصة على مستوى عمل وزارتي الخارجية والداخلية، موضحة أنه على المستوى الدبلوماسي هناك تحسن في الحضور وإعادة فتح قنوات التواصل، وأمنيا تم تحقيق درجة من الاستقرار في عدة مناطق، وهو أمر أساسي في مرحلة ما بعد التغيير.

أخيرا، فإن ما تحقق من إنجازات في مرحلة ما بعد التحرير يعد خطوات أولية في مسار إعادة بناء الدولة السورية واستعادة السيادة والحفاظ عليها، حيث لم يعد هناك وجود أجنبي على الأراضي السورية، بينما استعادت الحكومة كل الموارد ومقدرات البلاد، الأمر الذي سيساهم في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية في المرحلة المقبلة، وهو ما يجب على الحكومة السورية وضعه في سلم أولوياتها لتثبيت الإنجازات والبناء عليها.

الثورة السورية

———————————

ما الفرق بين الاتفاق الأمني والتسوية السياسية الشاملة في العلاقات الدولية؟/ علي إسماعيل

أبريل 19, 2026

في 3 كانون الأول 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا طرحته مصر يدعو “إسرائيل” إلى الانسحاب من هضبة الجولان السوري، باعتبار احتلالها وضمها للمنطقة “عملا غير قانوني”، وينص القرار المعتمد، الذي صوتت 123 دولة لصالحه، على أن احتلال “إسرائيل” لهضبة الجولان وضمها يتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981.

وأكد المسؤولون السوريون في الإدارة السورية الجديدة مرارا التمسك بالحقوق السورية، معتمدين على المواجهة الدبلوماسية، باعتبارها الأنجع لاسترداد ما سلبه الاحتلال “الإسرائيلي” في ضوء القانون الدولي والمراجع الأممية.

وحقق العمل الدبلوماسي السوري نجاحا نوعيا في ملف الاحتلال “الإسرائيلي”، بحسب الخارجية السورية، التي اعتبرت أن زيادة عدد الدول التي صوتت لصالح القرار الأممي الأخير تظهر حجم الدعم لسوريا الجديدة وتمسكها بالجولان المحتل.

وانعكس إصرار القيادة السورية على التمسك بالحقوق السورية واتخاذ الدبلوماسية خيارا استراتيجيا في استردادها بشكل واضح في كلام الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات منتدى أنطاليا في دورته الخامسة، المنعقد في تركيا تحت شعار “التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل”، في 17 نيسان الجاري.

وأكد الرئيس الشرع بطلان اعتراف أي دولة بأحقية “إسرائيل” بالجولان السوري، وقال: “هذا حق للشعب السوري، ويمكن لدولة ما أن تتخلى عن جزء من أراضيها إن وافق شعبها، لكنها لا تستطيع أن تعترف بأحقية “إسرائيل” بأراضي الآخرين”، مشيدا بالقرار الأممي الأخير الذي أكد أن الجولان أرض سورية بامتياز وتحتلها “إسرائيل”.

ولفت الرئيس الشرع إلى أن “إسرائيل” تخرق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وأن العمل جار على الوصول إلى اتفاق أمني يضمن انسحابها من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط النظام المخلوع، ووضع قواعد جديدة إما تعيد العمل باتفاق فض الاشتباك أو تفضي إلى إبرام اتفاق جديد يضمن أمن الطرفين، لافتا إلى أنه إن نجح الوصول إلى اتفاق، فقد يتم الانتقال لاحقا إلى مفاوضات طويلة الأمد لحل موضوع الجولان المحتل.

ولا يزال الدور الأميركي، الذي يعمل على دعم الحكومة السورية الجديدة في مساعيها لترسيخ الأمن والاستقرار على المستويين الداخلي والإقليمي، يحافظ على زخمه، حيث وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير أميركا في أنقرة، توماس باراك، خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا، التعامل السوري مع الاستفزازات “الإسرائيلية” بأنه تعامل حكيم، وقال إن سوريا أعلنت مرارا استعدادها للتفاوض.

وتسعى الولايات المتحدة، في مقاربتها، إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي في سوريا لتكون ضمن الفواعل الإقليمية الجديدة والرئيسية في المنطقة، وهذا الاستقرار، بحسب العديد من المحللين، لا يتم إلا عن طريق وقف الانتهاكات “الإسرائيلية” عبر اتفاقات واضحة تضمن لها مخاوفها.

ويعبر المسؤولون الأميركيون عن مساعيهم لتحويل أي اتفاق مبدئي بين سوريا و”إسرائيل” إلى خارطة طريق تنتهي بتسوية سياسية شاملة، فما تعريفات الاتفاقات الأمنية في العلاقات الدولية؟ وما الفرق بينها وبين التسويات السياسية الشاملة؟

التعريفات الأكاديمية للاتفاق الأمني

لا يوجد تعريف أكاديمي صارم لمصطلح الاتفاق الأمني، باعتبار أنه نتيجة طبيعية لاتفاق سياسي أو معاهدة سلام بين طرفين متنازعين، غير أن هذا المصطلح، بحسب مجلة الدراسات الفلسطينية للكاتب مهند عبد الحميد، الذي استقر على ما يسمى “التنسيق الأمني” بين “إسرائيل” وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية الناشئة، هو اختراع أوجده “اتفاق أوسلو”.

ويعرف التنسيق الأمني الفلسطيني – “الإسرائيلي” بأنه تعاون رسمي بين أجهزة الأمن التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية وبين قوات الأمن “الإسرائيلية”، نشأ بعد توقيع اتفاقيات أوسلو بين عامي 1993 و1995، ويشمل التنسيق تبادل المعلومات الأمنية، ومنع تنفيذ العمليات المسلحة، وضبط التحركات العسكرية والأمنية في مناطق الضفة الغربية.

وبحسب مراجع الطرفين الفلسطيني و”الإسرائيلي”، يهدف التنسيق الأمني إلى منع تنفيذ عمليات مسلحة ضد “إسرائيل” من داخل مناطق السلطة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول التحركات والنشاطات الأمنية، والتنسيق حول التحركات الأمنية في المناطق المشتركة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي في مناطق السلطة الفلسطينية.

وأيضا استخدم المفهوم عقب توقيع معاهدة السلام المصرية – “الإسرائيلية” في واشنطن في 26 آذار 1979، بعد اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978، حيث تتضمن معاهدة السلام نصا يطلق عليه “آلية الأنشطة المتفق عليها”، التي تسمح لمصر و”إسرائيل” بتغيير ترتيبات القوات المصرية في سيناء دون الاضطرار إلى إعادة النظر رسميا في المعاهدة نفسها.

وقد سمحت “إسرائيل” لمصر بنشر قوات وسط وشرق سيناء بسبب المخاوف الأمنية المتبادلة، كوجود جماعات مسلحة في هذه المناطق، ويتم تنسيق هذه التعديلات من خلال القوة المتعددة الجنسيات.

ولذلك يعرف الاتفاق الأمني المحدود بين الدول، بحسب الأحداث الدولية، وخاصة في المنطقة العربية، بأنه تفاهم أمني على ملفات محددة، يكون عادة مكتوبا، لكنه أقل شأنا من المعاهدة الشاملة، ويهدف إلى معالجة وضع خاص في وقت محدد دون الوصول إلى مرحلة اتفاقية السلام النهائية أو ما يعرف بالتسوية السياسية الشاملة.

وفي سوريا، وبحسب محللين، فإن الأوضاع أكثر تعقيدا، ولذلك فإن المقاربة السورية لأي تقارب سوري – “إسرائيلي” يجب أن تأخذ في الاعتبار الخطوط السورية الحمراء، وضمان عدم استمرار الانتهاكات “الإسرائيلية”، لذلك أكد الرئيس الشرع على جواب الشرط الجازم والحازم بالانتقال إلى مفاوضات طويلة الأمد لحل موضوع الجولان المحتل في حال نجح الوصول إلى اتفاق أمني.

وفي هذا السياق، يقول المحلل والباحث السياسي ميلاد مالك الأطرش، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن ملف الجولان السوري المحتل يعود إلى واجهة النقاش الآن في خضم تحولات إقليمية متسارعة، لكن هذه المرة ضمن مقاربة أكثر واقعية، تقوم على الفصل بين ما هو ممكن الآن وما هو مؤجل إلى طاولة المفاوضات، حيث إن تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، التي شدد فيها على بطلان أي اعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان، بالتوازي مع الحديث عن إمكان التوصل إلى “اتفاق أمني”، تكشف عن استراتيجية مزدوجة تقوم على تثبيت الشرعية القانونية من جهة، وإدارة الواقع الميداني من جهة أخرى.

ويضيف أنه حين تؤكد دمشق أن الجولان “أرض سورية محتلة”، فهي لا تعيد إنتاج خطاب سياسي تقليدي، إنما تستند إلى منظومة قانونية دولية تقودها الأمم المتحدة، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 497، الذي اعتبر ضم الجولان لاغيا ولا أثر قانونيا له، وهذا التمسك لا يهدف إلى الحسم الفوري، بل إلى رسم خط أحمر، وأي مسار تفاوضي مستقبلي يجب أن ينطلق من اعتبار الجولان أرضا محتلة، لا منطقة متنازعا عليها، وهنا تكمن نقطة الانطلاق لكل ما يلحق.

ويقول الباحث الأطرش إن الاتفاق الأمني هو بمثابة أداة لاحتواء الصراع وخيار واقعي ومرحلي، حيث إن هذا النوع من الاتفاقات لا يهدف إلى حل النزاع، بل إلى ضبطه ومنع انفجاره، وملامحه واضحة من وجهة نظري وتتمحور حول انسحاب القوات إلى خطوط 1974، وإعادة تنظيم الانتشار العسكري، ووضع قواعد اشتباك جديدة، وتعزيز دور قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، لكن جوهره يبقى واضحا، وهو إدارة الصراع دون المساس بجذوره، فهو لا يتناول السيادة، ولا يحسم قضية الجولان، بل يجمدها ضمن إطار أمني قابل للاستمرار.

المعاهدة والتسوية السياسية الشاملة

بحسب مراجع القانون الدولي العام لمحمد يوسف علوان، فإن المعاهدة الدولية أو الاتفاقية الدولية هي توافق إرادة شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي على إحداث آثار قانونية معينة طبقا لقواعد القانون الدولي، وقد أخذت لجنة القانون الدولي الأممية بهذا المعنى الواسع للمعاهدة في المشروع الذي أعدته لقانون المعاهدات.

وعرفت الفقرة الأولى من المادة الثانية من اتفاقية فيينا المعاهدة بأنها الاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة، والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان أو أكثر، ومهما كانت تسميته الخاصة. وينطبق مصطلح الاتفاقية كذلك على أية معاهدة تعد أداة منشئة لمنظمة دولية، وعلى أية معاهدة تعتمد في نطاق منظمة دولية، مع عدم الإخلال بأية قواعد خاصة بالمنظمة.

ويشير المحامي علي غنوم في مقالاته إلى استخدام مصطلح “معاهدة” للإشارة إلى المسائل ذات الخطورة التي تتطلب اتفاقيات أكثر جدية، ومن الأمثلة النموذجية للصكوك الدولية المسماة “معاهدات” معاهدات السلام، ومعاهدات الحدود، ومعاهدات ترسيم الحدود، ومعاهدات تسليم المجرمين، ومعاهدات الصداقة والتجارة والتعاون، وقد انخفض استخدام مصطلح “معاهدة” في الإشارة إلى الصكوك الدولية بشكل كبير في العقود الأخيرة لصالح مصطلحات أخرى.

والاتفاقية، بوصفها مصطلحا أوسع، تشمل المعاهدات، حيث تعبر عن الاتفاقيات التي تبرمها الدول في غير الشؤون السياسية، بالإضافة إلى اتفاقات غير ملزمة مثل المذكرات، وتبادل الرسائل، والبيانات المشتركة، وتهدف الاتفاقيات إلى تعزيز التعاون الدولي في مجالات محددة دون إنشاء التزامات قانونية صارمة.

وتمر المعاهدة بالعديد من المراحل، هي المفاوضات، ثم التحرير، والتوقيع، والتسجيل والنشر، والتصديق، وهذه المسارات ليست إلزامية، ولكن أهم مسارين هما صياغة المعاهدة والتصديق، الذي يعبر عن تصرف قانوني داخلي، بمقتضاه تعلن الدولة قبولها بصفة رسمية ونهائية للمعاهدة التي وقعها ممثلوها. وأيضا إن التفاوض في الاتفاقية يكون أعلى مستوى تمثيلي للدول فيه هو وزير الخارجية، بينما في المعاهدة يصل إلى مستويات أعلى بحسب دستور كل دولة.

وهنا يرى الباحث الأطرش أن التسوية السياسية الشاملة، أو ما تسمى المعاهدة، هي مسار مختلف جذريا، فهي لا تكتفي بوقف التوتر، بل تعالج القضايا الجوهرية، وهي السيادة على الأرض، والاعتراف المتبادل، والترتيبات الأمنية الدائمة، والعلاقات السياسية والاقتصادية، وهذا النوع من التسويات يحتاج وقتا طويلا، ورعاية دولية، وتوازنات إقليمية معقدة. وبهذا المعنى، يتم التعامل مع الجولان ليس ملفا للحل الفوري، بل بوصفه ورقة تفاوضية ثقيلة ترحل إلى مرحلة لاحقة، فقبل التفاوض على الأرض، يجب أولا تثبيت خطوطها ميدانيا.

ويضيف أن “هذه المقاربة تعني عمليا فصل المسار الأمني عن السياسي، وتأجيل القضايا السيادية، وبناء مسار تدريجي يبدأ بالتهدئة وينتهي نظريا بالتسوية، ولكن التجارب السابقة تشير إلى أن هذا “التأجيل” قد يطول، وربما يتحول إلى حالة دائمة”.

خارطة الطريق الأميركية

لا تخفي الولايات المتحدة حرصها على ترسيخ الاستقرار في سوريا، معتبرة أن دمشق تعد الآن منطلق استقرار في المنطقة، وهذا الاستقرار يجب أن يستدام من خلال ضمان استقرار الحدود مع “إسرائيل”.

وعبر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك عن هذه المقاربة بقوله إن سوريا، تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، “لم تطلق رصاصة واحدة على “إسرائيل”، بل على العكس”، مضيفا: “لقد قالوا مرارا وتكرارا إننا مستعدون للحوار”، وأضاف: “رهاني أننا سنتوصل إلى اتفاق عدم اعتداء وتطبيع مع سوريا قبل لبنان”.

وأشار إلى ما وصفه باستعداد دمشق الدائم للانخراط في العملية، وقال: “لقد أظهر السوريون قدرا هائلا من الصبر”، وأضاف أنه “لا يوجد أي هدف” للمواجهة مع “إسرائيل”، كما نوه إلى تعقيد البيئة الإقليمية، قائلا: “نحن نتعامل مع خمس دول على خمسة حدود وبحرين”.

وبحسب ديفيد شينكر، في معهد واشنطن ومدير “برنامج ليندا وتوني روبين” حول السياسة العربية، والذي شغل سابقا منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، فإن الولايات المتحدة تعمل على لجم “إسرائيل” ومنعها من تصعيد الأوضاع في الجنوب السوري، وهو ما بدا واضحا بانتقاد واشنطن، أوائل كانون الأول من العام الماضي، العمليات العسكرية “الإسرائيلية” في جنوب سوريا، فبعد أن أسفرت غارة “إسرائيلية” في 28 تشرين الثاني من العام الماضي عن استشهاد ثلاثة عشر سوريا، وجه الرئيس الأميركي تحذيرا إلى “إسرائيل” في منشور على منصة “تروث سوشيال” من القيام بأي أنشطة قد “تتعارض مع مسار تطور سوريا إلى دولة مزدهرة”.

وأيضا في تموز من العام الماضي، وعقب قصف وزارة الدفاع السورية ومناطق حيوية، اتهم كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو “بالتسرع في اتخاذ القرارات”، وقال أحد مسؤولي البيت الأبيض، مشتكيا: “إنه يقصف كل شيء باستمرار، وقد يقوض ذلك ما يحاول ترامب إنجازه”.

وفي هذا السياق، يقول الباحث الأطرش لصحيفة “الثورة السورية” إن التصريحات التي أدلى بها المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا تنسجم مع نهج الولايات المتحدة التقليدي، الذي يفضل إدارة الأزمات بدل حلها فورا، فالمقاربة الأميركية تقوم على مراحل: خفض التصعيد عبر اتفاقات أمنية، وبناء إجراءات ثقة، وإطلاق مفاوضات سياسية لاحقا، لكن الأولوية لديها تبقى واضحة، وهي ضمان الاستقرار وأمن “إسرائيل” قبل أي نقاش حول السيادة أو الانسحاب النهائي، وهذا يفسر التقاطع الجزئي مع الطرح السوري، فكلا الطرفين يقبل بالاتفاق الأمني، لكن لأسباب مختلفة.

ويضيف أن هناك توازنا دقيقا بين ثلاث مقاربات، تبدأ من سوريا التي تريد تثبيت الشرعية القانونية ورفض الأمر الواقع، وثانيها الولايات المتحدة التي تريد تثبيت الاستقرار ومنع التصعيد، وأخيرا “إسرائيل” التي تسعى إلى ضمان الأمن مع الحفاظ على المكاسب الميدانية، وهذا التوازن يفرض حلا وسطا، وهو اتفاق أمني الآن، وتسوية سياسية لاحقا.

ويتابع: ما يطرح اليوم لا يشير إلى نهاية الصراع على الجولان، بل إلى إعادة تنظيمه ضمن مراحل، فالاتفاق الأمني، إن تحقق، سيكون بمثابة إطفاء للحريق، لكنه لا يعيد بناء المشهد بالكامل، ولكن في تاريخ الصراعات، كثيرا ما تبدأ الحلول بإجراءات مؤقتة، لكنها تنتهي كحدود دائمة، والجولان، مرة أخرى، يقف عند هذه النقطة الفاصلة بين الممكن الآن والمؤجل إلى “أجل غير مسمى”.

———————————

 لبنان بعد 43 عاماً.. هل يُعاد إنتاج نموذج 17 أيار اللبناني – الإسرائيلي؟/سمير صالحة

2026.04.18

يفصل بين 17 أيار 1983 و17 نيسان 2026 نحو 43 عامًا. خلال هذه الفترة، لم يتغيّر جوهر معادلة التوازنات في لبنان، لكن الذي تبدّل فعليًا هو موقع “الفيتو” الذي يحكم أي تسوية لبنانية–إسرائيلية محتملة: من فيتو إقليمي خارجي قادته سوريا الأسد قبل أربعة عقود، إلى فيتو داخلي مركّب يتداخل فيه السياسي بالعسكري، مع حضور إيراني فاعل عبر حزب الله.

لم يعد السؤال اليوم مرتبطًا فقط بإمكانية الوصول إلى تسوية، بل بما إذا كان لبنان يمتلك أصلًا القدرة على إنتاج “قرار تسوية” مستقل في ظل هذا التشابك الداخلي–الخارجي المعقّد.

في هذا السياق، تبرز جملة من التساؤلات: هل تغيّرت البيئة بما يكفي لإعادة إنتاج تسوية من هذا النوع؟ وهل يمكن فصل أي مسار لبناني–إسرائيلي عن التحولات الإقليمية التي أعادت رسم موازين القوى خلال العقود الماضية؟ وهل يكفي تراجع أدوار بعض القوى الإقليمية لفتح نافذة اتفاق جديد، أم أن العقبة باتت أكثر ارتباطًا بالبنية الداخلية اللبنانية نفسها؟ وأين يقف حزب الله اليوم: كقوة ردع ذات امتدادات إقليمية، أم كجزء من معادلة داخلية ترسم حدود أي تسوية ممكنة؟

ما بين تجربة 17 أيار 1983 والواقع اللبناني في 2026، لم يعد السؤال فقط لماذا فشل الاتفاق، بل ما إذا كانت الشروط البنيوية تسمح أصلًا بإعادة إنتاج صيغة مختلفة، أم أن مركز التعطيل انتقل من الخارج إلى الداخل بشكل أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

لم يكن اتفاق 17 أيار 1983 مجرد محطة تفاوض بين لبنان وإسرائيل، بل جاء في سياق انهيار داخلي واسع بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وفي ظل إعادة تشكّل موازين القوى في الإقليم. ولم تكن الإشكالية في النص بقدر ما كانت في الفرضية الأساسية: هل يمكن إنتاج تسوية ثنائية في بيئة إقليمية لم تحسم بعد موقفها من العلاقة مع إسرائيل؟

حاول الاتفاق تحويل واقع عسكري وأمني مضطرب إلى صيغة سياسية مستقرة، لكنه اصطدم منذ البداية ببيئة لا تسمح بتحويل النصوص إلى وقائع. كانت الدولة اللبنانية مفككة مؤسساتيًا، في حين كان النظام السوري لاعبًا إقليميًا حاضرًا ميدانيًا داخل لبنان، ما جعل أي اتفاق لا يمر عبر دمشق، أو لا يراعي توازناتها، اتفاقًا بلا قابلية للحياة.

بمعنى آخر، انطلق الاتفاق من افتراض دولة قادرة على اتخاذ قرار سيادي وتنفيذه، بينما كان الواقع عكس ذلك: انقسام داخلي حاد، وقوى مسلحة تهدد، ونفوذ خارجي مباشر. لذلك سقط الاتفاق عند أول اختبار جدي بين النص وموازين القوة.

الصورة اليوم مختلفة في الشكل، لكنها أكثر تعقيدًا في الجوهر. لم يعد اللاعب السوري حاضرًا، لكن غيابه لم يُنتج فراغًا بقدر ما أعاد توزيع أدوات النفوذ الإقليمي. تتقدّم إيران في هذا المشهد، وهي تحاول تثبيت نفوذها عبر حلفائها المحليين، وعلى رأسهم حزب الله، الذي انتقل من تنظيم ناشئ في الثمانينيات إلى فاعل مركزي في المعادلة اللبنانية.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر انخراطًا في محاولة إعادة صياغة المسار، بالتنسيق مع إسرائيل، مع ميل أوضح نحو تحقيق نتائج سياسية ملموسة بدل الاكتفاء بإدارة الصراع. غير أن هذا المسار يبقى مرهونًا بقدرة الخارج على فرض بيئة تنفيذ، لا مجرد إنتاج اتفاق على الورق.

من هنا، فإن القول إن المعادلة اليوم “أسهل” مما كانت عليه قبل عقود فيه كثير من التبسيط. الواقع أن التعقيد انتقل من تعدد مراكز التأثير الخارجي إلى تشابك الداخل اللبناني نفسه، على خط تل أبيب–طهران، مصحوبًا بسؤال لا يتعلق بمن يعطّل من الخارج، بل بمن يمتلك القدرة في الداخل على الاستفادة من الدعم الأميركي–الإقليمي لتسجيل اختراق حقيقي على طريق التسوية.

وفي هذا الإطار، يبرز حزب الله كفاعل لا يمكن تجاوزه، ليس فقط بوصفه قوة عسكرية، بل كجزء من بنية سياسية داخلية ومن معادلة ردع إقليمية في الوقت نفسه. غير أن هذا الدور، رغم ثقله، لا يعني امتلاك الحزب قدرة تعطيل مطلقة كما في مراحل سابقة، بل يضعه أمام معادلة مختلفة تتعلق بموقعه داخل أي تسوية محتملة، لا خارجها فقط.

إذا كان اتفاق 17 أيار 1983 قد فشل لأنه حاول القفز مباشرة إلى تسوية شاملة في بيئة غير ناضجة، فإن أي مقاربة واقعية اليوم تبدو أقرب إلى منطق التدرّج: خطوات متتابعة تبدأ بخفض التصعيد، ثم تثبيت الاستقرار، ثم فتح مسار سياسي طويل الأمد. وهو ما يُلزم الأصوات المعارضة في الداخل اللبناني بتبنّي هذه الصيغة أو تقديم بديل يُخرج البلاد من ورطتها.

من هنا تبرز فكرة أكثر استراتيجية من مجرد “خارطة طريق”، تقوم على أن أي تسوية محتملة في لبنان ليست نتاج تفاوض ثنائي تقليدي، بل نتيجة توازن مركّب بين الداخل والخارج، حيث لا يكفي الاتفاق بين الدول، بل يجب أن تتوافر بيئة داخلية قادرة على حمله وإبقائه حيًا.

في هذا السياق، تصبح الإشكالية أعمق من مجرد صياغة اتفاق، لتصل إلى سؤال جوهري: من يملك القدرة على تقديم الحلول الحقيقية؟

تعمل المعادلات الأميركية الجديدة بمنطق الإملاء المباشر، كما نتابع، وهي لا تتحرك في منطقة وسطى تتقاطع فيها مصالح وحسابات القوى المحلية مع امتداداتها الإقليمية والدولية، كما كان الوضع قبل 43 عامًا.

وبالتالي، فإن أزمة لبنان اليوم ليست، كما كانت في السابق، في غياب المبادرات، بل في غياب مركز قرار قادر على تحويل أي مبادرة إلى مسار إلزامي فاعل، وهو الفراغ الذي يسعى ترامب إلى الاستفادة منه.

التحول الأهم بين 1983 و2026 لا يتعلق فقط بمضمون الاتفاقات، بل بطبيعة النظام الإقليمي–الدولي نفسه، حيث تتجه المفاوضات المحتملة إلى الجمع بين تشدد في الشروط ومرونة في آليات التنفيذ، بما يسمح بإنتاج نتائج تدريجية بدل صدمات نهائية.

يبدو المشهد اليوم في لبنان محكومًا بثنائية النجاح أو الفشل، وليس بمساحات وسطية عنوانها الاستقرار الجزئي كمدخل لإدارة الصراع، لا لإنهائه الفوري.

القوة لا تُقاس اليوم فقط بالقدرة على المواجهة، بل بالقدرة على تحويل موازين الصراع إلى مسارات تفاوض قابلة للحياة.

تلفزيون سوريا

——————————-

مفاوضات لبنان وإسرائيل بين 1983 و2026/ إبراهيم حميدي

اليوم التوازن الداخلي تغير والتوازن الإقليمي تغير

18 أبريل 2026

ليست المرة الأولى التي تُجرى فيها مفاوضات بين لبنان وإسرائيل. لكن في كل مرة تطرح فيها، تعكس توازنات مختلفة، داخلية وإقليمية. سياقات مفاوضات 2026 تختلف عن 1982 و1983.

ما الفرق بين المفاوضات الحالية وتلك التي جرت قبل 42 سنة؟ في 1982، اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان وصولا إلى بيروت. أخرجت “منظمة التحرير الفلسطينية”، وبقي الجيش السوري الذي دخل في 1976. لم يكن هناك دور كبير لـ”حزب الله” الذي تأسس بقرار طهران وتسهيل دمشق في يونيو/حزيران 1982. بدا لبعض القوى أن الميزان يسمح بمسار سياسي جديد. فتحت القيادة الإسرائيلية ومناحيم بيغن وآرييل شارون مع الرئيس المنتخب بشير الجميل في 1982 قنوات اتصال سرية لترتيب توقيع اتفاق سلام.

اغتيل بشير الجميل في 14 سبتمبر/أيلول 1982، وانتخب شقيقه أمين رئيسا. تغير الاتجاه. فتح طريق بيروت–دمشق. اختبر مسار التفاوض مع تل أبيب وصولا إلى “اتفاق 17 أيار” 1983 برعاية أميركية. سقط الاتفاق بتحالف داخلي وتدخل سوري أعقبته “انتفاضة” برز فيها دور نبيه بري ووليد جنبلاط. تثبّتت الوصاية السورية واتسع دور “حزب الله” على حساب “حركة أمل” وحلفاء دمشق السابقين، وصولا إلى اغتيال رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005. وفي أبريل/نيسان 2005 خرجت سوريا وتعاظمت وصاية “الحزب” وإيران في لبنان وسوريا والإقليم، خصوصا بعد 2011.

بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، المشهد مختلف في لبنان وسوريا وإيران. تغير اللاعبون والملاعب وانقلبت التوازنات. “سوريا الجديدة” أغلقت- بعد سقوط الأسد- حدودها أمام تدفق السلاح لـ”حزب الله” واختارت مسارا مختلفا. دعم الرئيس أحمد الشرع علاقة مؤسساتية بين الدولتين، وانخرط في مقاربة دبلوماسية لمعالجة الخلافات مع إسرائيل، للوصول إلى ترتيبات أمنية وانسحابات من أراض احتلتها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

نفوذ إيران في أضعف حالاته في الخارج، والضربات باتت في البيت الداخلي وليس أمصار النفوذ، والنظام عار أمام الضربات الجوية في 2025 وبداية 2026. و”حزب الله” محاصر والتوازنات الداخلية تغيرت. لم يرد على الضربات والاغتيالات. دخل لبنان منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في هدنة هشة سمحت باستمرار الغارات دون رد من “الحزب”، إلى أن قرر الثأر لاغتيال “المرشد” علي خامنئي نهاية فبراير/شباط الماضي.

التحول الأهم الذي جاء لانعكاس تغير الموازين أنه لأول مرة منذ عقود، هناك رئيس لبناني ورئيس وزراء لبناني لم يتم اختيارهما ولم تأت “كلمة السر” عليهما من دمشق أو طهران أو “حزب الله”. الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام أعادا الاعتبار لمؤسسات الدولة، بدعم عربي واضح، خصوصا في ملف خطة الجيش لنزع سلاح “حزب الله”، و”حصر السلاح”.

حاولت طهران الإيحاء بأن وقف النار في إيران لن يتم دون وقف نار في لبنان. كانت تحاول نسخ تجارب سورية عندما كانت “دمشق-الأسد” تقبض على “ورقة” المفاوضات اللبنانية ضمن مساوماتها مع أميركا وإسرائيل وما عرف وقتذاك بـ”وحدة المسارين” أو “وحدة المصير والمسار”. التوازنات الراهنة لا تسمح بنسخها. أعلن وقف للنار مؤقت لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل، نتيجة لمفاوضات مباشرة برعاية أميركية في واشنطن وبعد اتصالات من ترمب وكل من عون ونتنياهو. لكن هذا لا يعني أبدا عدم التداخل بين الملفين. الوسطاء عملوا على الربط بين المسار اللبناني والمسار الإيراني. لم يعد ضمنيا، بل أصبح جزءا من بنود التنازل وليس شروط التفاوض.

المفاوضات الجارية بين إيران وأميركا لا تقتصر على الملف النووي واليورانيوم المخصب والصواريخ الباليستية، بل تشمل بشكل صريح ملف “وكلاء إيران” في المنطقة، وفي مقدمهم “حزب الله”. وفي هذا السياق، ذهب ترمب إلى أبعد من ذلك، بإعلانه أن طهران أبدت استعدادا للتخلي عن “حزب الله”. بصرف النظر عن دقة هذا التصريح أو حدوده، فإنه يعكس اتجاه النقاش.

لم يعد “الحزب” ملفا لبنانيا صرفا، إنه جزء من التنازلات المطلوبة من “إيران الجديدة” ومن الصفقة الكبرى مع طهران ما بعد علي خامنئي. وإذا أفضت المفاوضات إلى تفاهم على “دور الوكلاء”، قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف دور “حزب الله”، وبالتالي أمام ترتيبات جديدة على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، وحدود سوريا مع إسرائيل ولبنان. أما إذا فشلت، فسيبقى لبنان ساحة مفتوحة، وستكون هدنة 2026 استراحة بين جولات.

مفاوضات بيروت–تل أبيب في 2026، صارت أمرا واقعا، قرار نجاحها أو “اغتيالها” ليس في لبنان وحده. كما في السابق قبل 43 سنة. القرار موزع، لكن مع فارق أساسي. الثقل في بيروت. لم يعد في دمشق-الأسد ولا طهران-خامنئي.

في 1983 سقط “اتفاق 17 أيار” لأنه لم يعكس التوازن الحقيقي. اليوم التوازن الداخلي تغير والتوازن الإقليمي تغير. توازنات تعبّد طريق المفاوضات والتفاهمات، ولاتخلو من التحديات.

المجلة

—————————————-

فيدان: لا يمكن دمج إسرائيل في الإقليم ما دامت تقوم على التمدد والاحتلال والقتل/ عبد الحميد صيام

 قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال جلسة حوار مفتوح في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الخامس، السبت، إن الدبلوماسية تبقى الأسلوب الأمثل لحل النزاعات، سواء في الشرق الأوسط أو منطقة البلقان أو أوكرانيا أو في القارة الأفريقية.

وقال إن النظام الدولي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية، ممثلاً في منظومة الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن، قد تعرض لهزة في التسعينيات عند تفكك الاتحاد السوفييتي، مشيرا إلى أن الوقت الآن مناسب لبناء نظام دولي جديد يتسم بالحكمة، ويكون أكثر تمثيلاً لعالم اليوم.

لكن الوزير التركي استثنى إسرائيل من قاعدة حل النزاعات بالحوار والدبلوماسية، لأنها تقوم على التوسع والاحتلال والقهر والقتل. وأكد أن هذه الدولة تعمل على ضمان أمنها على حساب أمن الآخرين، فتحتل الأرض وتطرد السكان وتخوض حرب إبادة في غزة. وأضاف قائلا “إنها تسعى الآن لتتمدد أكثر إلى لبنان وسوريا بحجة الأمن”.

وأوضح فيدان: “إذا أرادت إسرائيل أن تضمن أمنها، فما عليها إلا أن تسمح للآخرين بأن يستمتعوا بسيادتهم واستقلالهم ووحدة أراضيهم وحريتهم، والامتناع عن استخدام القوة ضدهم”. وقال إن التهديدات الإسرائيلية أصبحت تؤثر ليس فقط على الأمن الإقليمي، بل على الأمن العالمي، كما هو الحال في الحرب على إيران.

وأشار الوزير التركي خلال الجلسة إلى أن أوروبا بدأت تباعد نفسها عن السياسات الإسرائيلية، بينما لم ينضج مثل هذا الموقف في الولايات المتحدة، والطريق إليه ما زال طويلاً. وقال إن حرب الإبادة على غزة كانت بمثابة صرخة إنذار لتوقظ الجميع، وإن حجة الأمن والدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب لم تعد مقبولة لدى الكثير من دول العالم، وهم يتابعون ما يقوم به المستوطنون من عنف وهجمات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، حتى إن بعض الدول فرضت عقوبات على هؤلاء المستوطنين.

وعن خطة السلام لغزة، قال فيدان إن المرحلة الأولى منها لم يتم تنفيذها بشكل جيد؛ فلا القتل توقف في غزة، ولا المساعدات الإنسانية تصل بكميات كافية، “وما زلنا نقيم الأوضاع قبل الدخول في المرحلة الثانية. وعلى إسرائيل أولاً أن تنفذ التزاماتها، حتى إنها ما زالت تمنع دخول البيوت المؤقتة والمعدات الطبية”.

وعن أوكرانيا، قال الوزير التركي إن بلاده على اتصال بطرفي النزاع، روسيا وأوكرانيا، وإنها تتفهم وجهات النظر، وتحاول أن تتواصل مع الطرفين وتشجعهما على الحوار ووقف إطلاق النار. وقال إن بلاده ستهتم بالملف الأوكراني بعد وقف القتال في إيران والخليج. وأثنى على دور باكستان في القيام بدور الوساطة بين واشنطن وطهران، والتي أدت إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، متمنياً أن يتوصل الطرفان إلى اتفاقية سلام قريباً.

—————————–

==================

تحديث 18 نيسان 2026

———————————

 تركيا وسوريا والخطط الإسرائيلية المؤجلة في سوريا/ محمود سمير الرنتيسي

2026.04.18

قبل ثلاثة أيام تقريبا تناول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الملف السوري في إطار تقييم واسع لعدد من التطورات الإقليمية في المنطقة من بينها الحرب الدائرة مع إيران وسياسات الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة ومستقبل حلف الناتو وغيرها من القضايا.

تحدث فيدان عن عدد من النصائح لسوريا ومن بينها أن يكون أسلوب الحكم في سوريا شاملا لجميع فئات السكان وهو يقصد بهذا ضرورة اندماج قوات سوريا الديمقراطية في بنية الدولة ضمن خريطة طريق واضحة وهو يوحي بدعم تركيا لانضمام قسد في مؤسسات الدولة السورية. ونظرا لارتباط موضوع قسد بالأمن التركي بما هو معروف خلال العشر سنوات الماضية من انخراط تركيا في عدة عمليات عسكرية شمالي سوريا فإن تركيا تضع نفسها في هذه العملية بمنزلة المتابع بأهمية شديدة لهذا الملف. ومن الواضح من كلام فيدان الذي بدا مرتاحا من تطورات هذا المسار أن تركيا منخرطة بشكل مباشر مع الطرف السوري في متابعة هذا الأمر إذ أشار إلى أنهم شاركوا كل المعلومات اللازمة حول هذا الأمر بشكل تفصيلي مع المسؤولين السوريين مشيرا إلى أن لديهم تقييماتهم الأمنية الخاصة لكن الأهم هو كيف ينظر السوريون إلى هذه القضية وكيف يحددون أولوياتها.

وفيما يتعلق بملف السويداء فإن تركيا تنظر بعين الحذر إلى رغبة إسرائيل الواضحة في توظيف المنطقة لصالح سياساتها وفي هذا السياق تحدث هاكان فيدان عن استمرار حالة عدم اليقين في السويداء ولعل هذه رسالة من أنقرة توحي بتخوفاتها من تحول هذه المنطقة إلى منصة إسرائيلية داعيا السوريين للإسراع في إدارة هذه المنطقة، وهي رسالة أيضا لإسرائيل بأن أنقرة تتابع التحركات الإسرائيلية.

من زاوية أخرى كان لافتا حديث فيدان عن سياسات إسرائيل المؤجلة تجاه سوريا وأن تل أبيب حاليا لا تقوم بتنفيذ سياساتها في سوريا بسبب الحرب مع إيران وأن ذلك لا يعني أن إسرائيل تراجعت عن هذه السياسات ولذلك تعتقد تركيا أن إسرائيل تجهز لخطط في سوريا ويمكن أن تشمل هذه الخطط مناطق نفوذ أو عمليات عسكرية أو ضربات أو غير ذلك.

وكأن حديث هاكان فيدان المرتبط بالترتيبات الداخلية في سوريا يرتبط أيضا باستباق أي مشاريع إسرائيلية تجاه سوريا وبالتالي من المتوقع أن تقدم أنقرة نفسها شريكا بدرجة أكبر مع دمشق في المرحلة القادمة للمساهمة في منع الخطط الإسرائيلية من التحقق في سوريا.

تشير التقييمات للسياسة التركية من خلال تحليل حديث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن تركيا تتعامل مع سوريا كجار ولكن في الوقت نفسه تشير الهواجس المتزايدة في تركيا من السياسات الإسرائيلية في المنطقة أن تركيا تنظر إلى سوريا ضمن بيئتها الأمنية المباشرة.

وفي هذا السياق قال وزير الخارجية هاكان فيدان، في إشارة إلى الخطاب المعادي لتركيا الصادر مؤخراً من إسرائيل: “نرى أن نتنياهو ليس وحده من يسعى إلى إعلان تركيا عدواً جديداً، بل أيضاً أولئك الموجودين في المعارضة”.

خطط التعاون التركي السوري

تبدو الآفاق مفتوحة للتعاون التركي السوري في قضايا عدة ولكن أبرز هذه القضايا هي القضية التي تشغل عواصم العالم كله اليوم وهي قضية الطاقة وأمن الطاقة وأمن إمدادات الطاقة، ولذلك فإن إعادة إحياء خطط قديمة لنقل الغاز القطري أو البترول السعودي إلى أوروبا عبر تركيا ومرورا بكل من سوريا والعراق اليوم والتي تم تأجيلها سابقا بسبب اندلاع ثورات الربيع العربي لا تبدو خططا خيالية بل هي بدائل باتت أكثر إلحاحا في ظل التعقيدات العسكرية والأمنية التي يشهدها العالم اليوم والمتوقعة غدا وخاصة في الممرات البحرية التقليدية للنفط والغاز مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب. كذلك الحال يتفق هذا مع خطط تركيا للتحول لدولة تجتمع فيها معظم خطوط الطاقة المتجهة إلى أوروبا سواء من شرق المتوسط أو من إيران وأذربيجان أو من روسيا وأخيرا من منطقة العراق والخليج.

من زاوية أخرى تحدث فيدان عن ملف إعادة الإعمار في سوريا وعودة السوريين وتدفق الاستثمارات ولعل ملف إعادة الإعمار وتجهيز البنية التحتية هو جزء من عملية أوسع تشمل الطاقة والتجارة وغيرها من المشاريع المشتركة.

وفي ذات الملف تحدث الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش مشاركته في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي عن نفس الملف في حوار مع وكالة الأناضول إذ أشار إلى أن سوريا تحولت من أزمة إلى فرص متنوعة وأن هناك محاولات للإشارة إلى هذه الفرص خلال زياراتنا المتكررة سواء إلى تركيا أو إلى دول أخرى. ومن الأمور التي ركز عليها الشرع أن هناك فرصا كبيرة للربط الإقليمي ما بين سوريا وتركيا فهي صلة الوصل ما بين الشرق والغرب.

وكذلك الحال فإن المدن الصناعية، تعد أحد أبعاد آفاق التعاون التركي السوري وهناك منطقة حرة الآن يجري العمل عليها لتكون منطقة حرة سورية تركية لنقل بعض الصناعات أو الاشتراك في صناعات محددة في منطقة إدلب (شمال غرب)، وهي على طرق رئيسية تربط ما بين إدلب واللاذقية (غرب) وحلب (شمال) ودمشق.

وفي سياق المشاريع الكبرى ذكر الشرع أن هناك أيضا مشاريع كثيرة عملنا عليها منها توسعة المطارات وكذلك ربط الموانئ والاستثمار فيها، وهناك شركات تركية تعمل بالبنية التحتية في إعادة بناء سوريا من جديد وإعادة البنية التحتية داخل سوريا.

ويأتي خطاب الشرع وفيدان مكملين لبعضهما البعض خاصة فيما يتعلق بالاندماج الاقتصادي اللوجيستي والأمني الطاقوي، وتقدم سوريا حاليا نفسها كفرصة للتعاون مع تركيا ودول أخرى، أيضا تنتقل اليوم سوريا من كونها عبئا وساحة صراع إلى بوابة وممر للتجارة والطاقة والمشاريع الصناعية مثل المطارات والموانيء ولكن مع ذلك تبقى إسرائيل بمشاريعها التوسعية تشكل هاجسا لكل من سوريا وتركيا. وعلى الأغلب أننا يمكن أن نستشرف بسهولة وجود انسجام وتكامل بين سوريا وتركيا في معظم الأبعاد الاستراتيجية للعلاقة في المراحل القادمة.

تلفزيون سوريا

———————————-

 الرئيس السوري: نبحث اتفاقاً جديداً مع إسرائيل يضمن انسحابها لحدود 1974

الرئيس السوري: اعتراف أي دولة بضم إسرائيل للجولان سيكون باطلاً

العربية.نت ووكالات

17 أبريل ,2026

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الجمعة، أن بلاده تبحث الآن اتفاقاً أمنياً جديداً مع إسرائيل يضمن انسحابها لحدود 1974، ووضع قواعد جديدة إما تعيد العمل باتفاق فض الاشتباك أو إبرام اتفاق جديد يضمن أمن الطرفين.

وأضاف الشرع أنه “إن نجح الوصول إلى اتفاق قد ننخرط في مفاوضات طويلة الأمد لحل موضوع الجولان المحتل”، لافتاً إلى أن اعتراف أي دولة بضم إسرائيل للجولان سيكون باطلاً.

وتحدث الشرع، عن تفاصيل المفاوضات مع إسرائيل بشأن التوصل إلى اتفاق أمني، وأكد أن سوريا اختارت طريق الدبلوماسية لتجنب تصاعد الصراع، رغم الصعوبات الناتجة عن استمرار التواجد الإسرائيلي على الأراضي السورية.

وقال الشرع في مقابلة مع وكالة “الأناضول” التركية الرسمية للأنباء، إن “سياسة سوريا بعد تعرضها إلى حرب كبيرة خلال 14 عاماً بمواجهتها مع النظام السابق، كانت تركز على التنمية والإعمار، وهذا الأمر يحتاج إلى نوع من الاستقرار”.

وأضاف أحمد الشرع أن “إسرائيل قابلت سوريا بوحشية كبيرة استهدفت كثيرا من المواقع السورية، وقامت بالاعتداء على الأراضي السورية واحتلال جزء من هذه الأراضي المحاذية للجولان المحتل أيضاً، فنحن اخترنا طريق الدبلوماسية، وإقناع المجتمع الدولي في المساعدة حتى لا تتأزم الأمور وتذهب إلى حالة من الصراع، خاصة بعد أن استُنزف الشعب السوري خلال الـ 14 سنة الماضية”.

وشدد الشرع قائلا: “نحن جادون بأن نحصل على نوع من الاتفاق الأمني (مع إسرائيل) يحافظ على استقرار المنطقة. وسوريا اليوم انتقلت من حالة أزمة وبدأت تتشكل الفكرة عند جميع الدول والنظر إليها على أنها حالة استقرار إقليمي ودولي”.

وأردف أنه “لا يعتقد أن المفاوضات (مع إسرائيل) وصلت إلى طريق مسدود، لكن تجري بصعوبة شديدة بسبب إصرار إسرائيل على التواجد على الأراضي السورية”.

وأفصح الرئيس الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا بدورته الخامسة المنعقد في تركيا تحت شعار “التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل” أن: “الظروف التي تعيشها المنطقة اليوم صعبة وتحتاج حلولاً استثنائية، وسوريا تتحمل المسؤوليات وتواجه التحديات بصلابة شعبها والمحبين من دول المنطقة”.

واسترسل يقول “الصراع في المنطقة ليس وليد اللحظة بل جذوره عميقة في التاريخ، وسوريا تبتعد عن خيارات الاصطفاف بجانب دولة ضد أخرى، وتسعى لأن تكون جسر وصل بين الدول الكبرى، ولها اليوم علاقات مثالية مع الولايات المتحدة ومع روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول المنطقة”.

وأشار الشرع إلى أن إدارته “ترسم تاريخاً جديداً لسوريا، هو الانتقال من أن تكون صندوق بريد للنزاعات إلى التحول إلى فرصة عظيمة للاستثمار المستدام”. مذكرا في الوقت ذاته أن “سوريا تعرضت لاعتداءات إيران في المرحلة السابقة، حيث دعمت النظام البائد بمواجهته للشعب السوري، ومع ذلك لم ننخرط في المواجهة بين إيران وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقبل الحرب دفعنا باتجاه عدم نشوبها بالأساس لأنها ستؤدي لانعكاسات خطيرة في المنطقة”.

كما لفت الشرع إلى أن “سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة، وحل المشاكل عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات”.

وبارك الرئيس السوري “جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيقاف الحرب الدائرة في لبنان”، معربا عن أمله بالانتقال إلى مرحلة إصلاح المسارات في المنطقة حتى لا تتكرر الحروب مرة أخرى.

وذكر الشرع أن “سوريا تعبت خلال السنوات الماضية وتعرض الشعب السوري لهجرة ونزوح وضربات بالسلاح الكيميائي وهناك دمار كبير، وتجنيبها اليوم الدخول في أي صراع هو المسار الطبيعي والصحيح”.

الجيش السوري يتسلم قاعدة عسكرية بعد انسحاب التحالف الدولي منها

سوريا سوريا والشرع الجيش السوري يتسلم قاعدة عسكرية بعد انسحاب التحالف الدولي منها

إلى ذلك صرح الرئيس السوري أنه يعمل على تنفيذ اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وجميع الأطراف تدفع باتجاه وحدة واستقرار الأراضي السورية، وشمال شرق سوريا خال من أي قواعد أجنبية اليوم.

وأكد أن سوريا اتخذت نهجاً لإعادة الإعمار من خلال تشجيع الاستثمار لتحسين الاقتصاد، وتحاول أن تعتمد على نفسها في المقام الأول، و”إذا أتت المساعدات فيجب ألا تكون مسيسة أو مشروطة بشروط معينة”.

ولفت الشرع إلى أن إدارته “أخرجت سوريا من حالة الصراع إلى بيئة آمنة ومستقرة تشكل فرصة استثمارية، كما أنها أنقذت المنطقة بمنع تمدد بعض الدول الإقليمية أو استخدام أراضيها كمنصة لانطلاق الهجمات وزعزعة استقرار المنطقة”.

——————————-

لماذا تهدد إسرائيل تركيا بعد إيران؟/ د. فيصل القاسم

لم يعد الحديث عن استهداف تركيا إسرائيلياً وأمريكياً مجرد نظرية مؤامرة، بل أصبح الكلام الآن فوق الطاولة وعلى لسان كبار المسؤولين الأتراك كوزير الخارجية حقان فيدان الذي قال بعظمة لسانه قبل أيام: “إن إسرائيل لا تستطيع أن تعيش من دون عدو خارجي مصطنع، ولهذا فهي ستعادي تركيا بعد الانتهاء من مواجهة إيران”. فهل تنظر إسرائيل لتركيا وإيران ككتلة حضارية واحدة، وليس كحضارتين عدوتين مختلفتين؟ قد يغيب عن ذهن الكثيرين أن إيران، وعلى مدى حوالي ألف عام كانت مجالاً حيوياً تركياً، وأن الدولتين متداخلتان ومترابطتان إلى حد مذهل على ضوء الدراسات التاريخية.

على مدار ما يقارب عشرة قرون متواصلة، خضعت إيران لحكم سلالات ذات أصول تركية، قبل أن تنتقل السلطة إلى أسرة بهلوية ذات جذور فارسية في عام 1925م، أي قبل مائة عام فقط. ويذكر موقع “تاريخ بوست” أن هذه الحقيقة التاريخية التي كثيراً ما تغيب عن الخطاب الشعبي وتُهمَّش في الروايات الرسمية، تكشف عن عمق العلاقة التي تربط الحضارتين التركية والإيرانية، وتعيد رسم صورة أكثر تعقيداً لمسار تشكّل الهوية الوطنية الإيرانية عبر العصور. فكيف حكم الأتراك إيران لهذه المدة الطويلة، وما الذي تركوه خلفهم؟

بدأت رحلة الحكم التركي لإيران مع الدولة الغزنوية في عام 962م، حين أسس سبكتكين دولةً إسلامية تركية اتخذت من غزنة في أفغانستان الحالية عاصمةً لها، وبلغت ذروتها في عهد السلطان محمود الغزنوي الذي اشتُهر بحملاته العسكرية الموسعة ورعايته للعلم والأدب. وعلى هذا الأساس المتين، جاءت الدولة السلجوقية (1037 – 1194م) لتُقيم أولى الإمبراطوريات التركية الكبرى التي نجحت في توحيد إيران وغرب آسيا ووسطها تحت سلطة مركزية راسخة، وكان طغرل بك مؤسسها، فيما بلغت أوج ازدهارها في عهد السلطان ملكشاه الأول الذي شهد عصره نهضة علمية وعمرانية واسعة. ثم جاءت الدولة الخوارزمية (1077 ـ 1231م) لتمد نفوذها التركي على مساحات شاسعة من إيران، غير أنها انهارت انهياراً مدوياً أمام موجة الغزو المغولي الجارف بقيادة جنكيز خان، لتطوي معها فصلاً من أكثر فصول التاريخ الإيراني حيويةً وتأثيراً.

ومع مطلع القرن الخامس عشر، أضاف تيمورلنك صفحة جديدة إلى هذا السجل التركي حين أسس دولته التيمورية (1370 ـ 1506م)، تلك السلالة التي جمعت في أصولها بين الإرث التركي والمغولي معاً، وسرعان ما انحازت إلى الثقافة التركية لتحكم إيران من سمرقند ثم هراة، وتجعل منهما منارتين للحضارة الإسلامية. وفي الحقبة ذاتها، اشتعل التنافس بين اتحادين قبليين تركمانيين على السيطرة؛ فقرا قويونلو أو “أصحاب الخرفان السود” (1375 ـ 1468م) حكموا إيران من تبريز وكانوا شيعيي المذهب، في حين نافسهم الآق قويونلو أو “أصحاب الخرفان البيض” الذين بسطوا نفوذهم على رقعة جغرافية أوسع تمتد من الأناضول إلى العراق وإيران وأذربيجان، وذاع صيت حاكمهم أوزون حسن في أرجاء المنطقة.

بيد أن الدولة الصفوية (1501 ـ 1736م) تبقى من أكثر الفصول التاريخية تعقيداً وإثارةً للجدل في آنٍ واحد؛ فمن ناحية، يُنسب إليها الفضل الأول في بناء الهوية الإيرانية الحديثة وترسيخ المذهب الجعفري الشيعي ديناً رسمياً للدولة، مما أعطى إيران طابعها المميز الذي لا يزال قائماً حتى اليوم. ومن ناحية أخرى، تعود أصول الصفويين ونخبتهم العسكرية المعروفة بالقزلباش إلى قبائل تركية أذربيجانية خالصة. وقد دخل الصفويون في صراع مسلح مطوّل ومرير مع الخلافة العثمانية السنية، فكانت المعارك الدامية بين الدولتين التركيتين تُعيد رسم خرائط المنطقة مرة بعد مرة. وعقب أفول نجم الصفويين، أسس نادر شاه الدولة الأفشارية (1736 ـ 1796م) منتسباً إلى قبيلة أفشار التركية الأوغوزية، قبل أن يُسدل القاجاريون (1796 ـ 1925م) الستار نهائياً على هذا المسلسل الطويل، بوصفهم آخر السلالات ذات الأصول التركية التي تربّعت على عرش إيران.

انتهى هذا التسلسل التاريخي المتواصل حين أطاح رضا شاه بهلوي، في انقلاب عسكري حظي بدعم بريطاني واضح، بآخر شاهات القاجار عام 1925م، ليُعيد الحكم لأول مرة منذ نحو ألف عام إلى سلالة ذات جذور فارسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القرون الطويلة لم تخلُ من فترات حكم غير تركية، إذ شهدت إيران الحكم المغولي في عهد الإيلخانات، فضلاً عن الدولة الزندية القصيرة في القرن الثامن عشر التي كانت ذات أصول لورية إيرانية.

ثمة مفارقة لافتة تطبع هذه الحقبة الطويلة وتجعلها فريدة في التاريخ؛ فرغم أن الحكام كانوا أتراكاً في أصولهم العرقية وقوتهم العسكرية، إلا أنهم تبنّوا اللغة والثقافة الفارسية أدواتٍ للإدارة والأدب والفن والشعر، فيما بات يُعرف في أدبيات التاريخ بـ”التقاليد التركو-فارسية”. وقد أفرز هذا التمازج الحضاري الفريد تأثيراً متبادلاً عميقاً لا يزال ماثلاً في اللغة والثقافة التركية حتى اليوم، من المفردات المشتركة إلى الموروث الأدبي والفني المتشابك.

لم تنتهِ الحكاية مع سقوط القاجاريين وقيام الدولة البهلوية؛ إذ تشكّل الشعوب والقوميات التركية حتى اليوم نحو ربع إجمالي سكان إيران، يتوزعون بين الأذريين والتركمان وأتراك خراسان والقشقاي وأتراك الخلج والأفشار وسواهم، منقسمين دينياً بين المذهب السني الحنفي والمذهب الشيعي الجعفري. وثمة من يرى أن النفوذ التركي الأذري لا يزال فاعلاً وحاضراً في مفاصل الدولة الإيرانية حتى في عصرنا الراهن؛ فالمرشد الإيراني السابق علي خامنئي ينتمي وفق مصادر عدة إلى أصول تركية أذرية، وكان يتحدث التركية بطلاقة إلى جانب الفارسية والعربية. كما ينتسب الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان إلى القومية التركية الأذرية، مما يجعل الحضور التركي في قمة الهرم السياسي الإيراني حقيقة راهنة لا مجرد ذكرى تاريخية.

يكشف هذا الإرث التاريخي المتشعّب في نهاية المطاف أن العلاقة بين الأتراك والإيرانيين ليست مجرد جوار جغرافي أو تشابك مصالح آني، بل هي شراكة حضارية متجذرة امتدت لآلاف السنين، نسجت بين الشعبين روابط ثقافية ولغوية وإنسانية لا تمحوها الحدود السياسية ولا تُخفيها الروايات الرسمية. وفي ظل الهيمنة الفارسية التي تبدو ظاهرياً على المشهد الإيراني اليوم، يظل الإرث التركي حاضراً في عروق هذا البلد العريق، شاهداً صامتاً على ألف عام من التاريخ المشترك.

هل يا ترى كان الرئيس الأمريكي ترامب إذاً يمزح عندما لوّح قبل أيام بمحو الحضارة الفارسية، أم أنه كان يعي ما يقول؟ وإذا كانت الحضارتان التركية والفارسية قد ظلّتا متداخلتين على مدى قرون كما رأينا، فهل يمكن أن نفهم من ذلك أن واشنطن وتل أبيب بدأتا تنظران إلى طهران وأنقرة بمنظار واحد، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية التي بدأت تمتد من إيران إلى تركيا، والتصريحات الأمريكية التي استهدفت الحضارة الفارسية مؤخراً بشكل صارخ؟

٭ كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

———————————

هل مِن سبيل لكسر حالة الاستعصاء في السويداء؟/ حسان شمس

السبت 18 أبريل 2026

إذا كان أهالي جبل العرب معنيّين حقّاً بكسر هذا الاستعصاء الذي وضعهم فيه الشيخ حكمت الهجري ورهطه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فليس أمامهم إلا الاستعجال في حجز تذكرة لهُ على أول طائرة متجهة إلى فنزويلا، وقَطْع كل المخالب المرتبطة مع الإسرائيليين، ثمّ صياغة خطاب وطني سوري يكون مقدّمةً لتشكيل معارضة لإسقاط نظام الرئيس أحمد الشرع (الجولاني سابقاً)، متى لاحت الفرصة، ووضع بقية السوريين أمام مسؤوليتهم في هذا الشأن.

بمجرّد أن يتم إيجاد مخرج، كالسابق ذكره، على وسائل التواصل، تنهال الشتائم والاستنكارات من جماعة “باشان” ومَن يشدّ على مشدّهم، من كل حدبٍ وصوب. يُستثنى من ذلك بعض الأصوات العاقلة هناك التي تتلقّف العرض وتطلب عرضَ إستراتيجية مقبولة للأهالي، مع وعد بالسير بها إذا ما كانت تصل بهم إلى برّ الأمان وتعيد حق دم أهل ضحايا المجازر التي ارتكبها بحقّهم نظام أحمد الشرع، وجبر الأضرار الناتجة عن التهجير وحرق القرى وما رافقها من جرائم حرب وانتهاكات.

لكن سرعان ما يأتي الجواب بأنّ ذلك قد لا يرضي أهالي الشهداء، ولا يعيد إليهم حقّهم في دماء أهلهم.

أسئلة تبحث عن إجابات

السؤالان اللذان يعودان ليطرحا نفسيهما، بإلحاح، في ظلّ انعدام أيّ خيار عملي أو طرح واقعي، عدا المقامرة أو الرهان على إسرائيل غير المستند إلى أي حيثية هما: هل أهالي السويداء، حقّاً، والمُتسيّدون على قرارهم فيها على وجه التحديد، على بَيّنةٍ مما يريدون من الأصل؟

وهل من الحكمة بمكان أن يؤول قرار محافظة إلى أهالي الضحايا المفجوعين، عن حقّ، وترك مصير طائفة بأكملها تتقاذفها الانفعالات والعواطف؟

هذا السؤالان تتبعهما تساؤلات عدة عما إذا كان الدروز، مع كل الاحترام لوجعهم ومعاناتهم، أول من يتعرّضون لحرب استئصال مع ما تخلّلها من جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، ويخسرون الشهداء وتُرتكَب بحقهم الفظائع والأهوال؟

وهل المطلوب إعادة الأموات ووضع ذلك الشرط غير المحقَّق، في مقابل السَير بحرب بسوس أخرى لأربعين عاماً مُقبِلة؟

الآن، وبعد أن سبق السيف العذل، وتجاوز ما حصل أكثر السيناريوهات التي يمكن تصوّرها بؤساً وقتامةً، ليس من المقبول، في أي حال من الأحوال، أن يزايد أحدٌ ممن يتحمّلون كل المسؤولية عن إيصال الأمور إلى هذا الوضع الكارثي، ويضع الجميع تحت أمر واقع.

لقد بُحَّت أصوات كثيرين جرّاء تحذيرهم من مغبّة الانزلاق إلى هذا الوضع، الذي يجعل مستقبل أهالي السويداء والدروز، برمّته، على كفّ عفريت، ويضعهم أمام خيارين أحلاهما مقصلة وأخطر من الآخر: إما “أبو محمد الجولاني”، أو حَطب في معارك إسرائيل ومشاريعها، ووضع الدروز، تالياً، في مواجهة مع تاريخهم وعمقهم العربي والإسلامي.

ألم تحِن لحظة الحقيقة؟

وبعد، والكلام موجّه إلى الشيخ الهجري ومن يسيرون في ركبه، بعد أن أضاعوا على السويداء ودروز سوريا فرصةً تاريخيةً، ليس من هو أجدر بها منهم، في قيادة مشروع وطني سوري لإسقاط حُكم أحمد الشرع السَلَفي: ألم يكن حريّاً بكم على الأقل الالتفاف على الشرع ونظامه، وتطويق ما يمكن من أضراره، ريثما يحين وقت التخلص منه، بدلاً من تقديم هدية له ولنظامه لا يحلمان بمثلها، عبر شدّ العصب السُنّي حوله؟ لماذا تمّت إراحته من عبء وتبعات ما تفعله إسرائيل في الجنوب السوري؟ ألم يكن عليه وعلى نظامه وحدهما حملهما؟ لماذا إلباس ثوب العار والشنار هذا لأهلهم الدروز والتسبّب في وصمهم بالخيانة والعمالة لإسرائيل؟

ألم تحِن لحظة الحقيقة والوقوف أمام ضمائرهم، قبل أيّ أحد آخر، للتراجع عن المسار الانحداري المُهلك الذي دفعوا طائفتهم إليه؟

ألم تحِن لحظة التنحّي عن أيّ دور اجتماعي أو سياسي وإتاحة الفرصة لـ”ساحة الكرامة” لاستعادة صفتها ورونقها بعد أن نزعت عنها صور بنيامين نتنياهو وأعلام دولته كل ما ارتبط باسمها، ريثما يحين الوقت لوضع أنفسهم بتصرّف قضاء عادل ونزيه، يعاونهم في ذلك بعض دروز إسرائيل ممن أمعنوا في توريطهم وبيعهم الأوهام بقبض الريح، تحت غطاء المساعدات الإنسانية و”حفظ الإخوان”، الذي آل إلى توريط فعلي لإخوانهم، وتالياً وضعهم وجهاً لوجه أمام تاريخهم، قبل أيّ أحد آخر، وجرّهم إلى لعبة أمم، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأكبر من قدرتهم على حمل تبعاتها ولا ينبغي لهم، من الأصل، فعل ذلك؟

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف2

رصيف 22

——————————————

فيدان مهاجماً إسرائيل: تسعى لمكاسب إقليمية واحتلال أراضٍ

18 ابريل 2026 

اتهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إسرائيل اليوم السبت، باستغلال الحرب في المنطقة ذريعة “لاحتلال مزيد من الأراضي”، معتبراً أنّ عليها أن تدرك أن السبيل الوحيد للعيش بسلام في المنطقة هو السماح للدول الأخرى بالتمتع بأمنها وسلامة أراضيها وحريتها، وعدم استخدام القوة ضدها. وقال فيدان خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة، إن “إسرائيل لا تسعى لضمان أمنها، بل تريد مزيداً من الأراضي. وتستخدم حكومة (بنيامين) نتنياهو الأمن ذريعة لاحتلال مزيد من الأراضي”.

واعتبر وزير الخارجية التركي أن إسرائيل، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية التي تحتلها، باتت تسعى لبسط سيطرتها على أراضٍ تابعة للبنان وسورية، مؤكداً أن “هذا احتلال وتوسع مستمر… يجب أن يتوقف”، ومشيراً إلى أن “إسرائيل زرعت في أذهان العالم وهماً من خلال إظهار أنها تسعى فقط لحفظ أمنها”. وعلى هامش المنتدى، التقى فيدان، أمس الجمعة، وزراء خارجية كل من باكستان، والسعودية، ومصر، وتناول البحث القضايا الإقليمية، وخصوصاً الحرب في المنطقة.

وسُئل الوزير التركي اليوم عن فحوى هذه المباحثات، فشدد على حاجة الدول الإقليمية إلى التنسيق في ما بينها لمواجهة التحديات المشتركة. وقال: “حان الوقت لنا جميعاً لنوحد صفوفنا في شكل ناضج للغاية، ونتحمل مسؤولية مشاكلنا”، مشيراً مرة أخرى إلى إسرائيل باعتبارها الدولة الوحيدة التي تسعى لتحقيق مكاسب إقليمية. وتعليقاً على دور الدبلوماسية التركية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أوضح فيدان أن الحرب على ايران طغت على ما تبذله أنقرة من جهود، “ما أدى إلى تهميش الحرب الروسية الأوكرانية”.

وأكد ضرورة إعادة التركيز على هذا الملف بمجرد تراجع التوترات مع إيران، منبهاً إلى أن النزاع لا يزال مفتوحاً على التصعيد. وسبق أن استضافت تركيا جولات عدة من المفاوضات الروسية الأوكرانية. وحضر إلى منتدى أنطاليا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونظيره الأوكراني أندريه سيبيغا، للمشاركة في جلسات منفصلة.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد أكد الأربعاء، أن تركيا ليست أي دولة، ولا يمكن تهديدها أو تهديد رئيسها، ولا يجوز تفسير مواقفها المعتدلة ضعفاً. وجاءت تصريحات أردوغان رداً على تصريح لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، قال فيه إن “إسرائيل تحت قيادتي ستواصل القتال ضد نظام الإرهاب في إيران ووكلائه، خلافاً لأردوغان الذي يساعدهم بل ويذبح مواطنيه الأكراد”.

وفي ما يخص المواقف الإسرائيلية في المنطقة، قال أردوغان: “يجب أن يدرك الجميع أنه إذا كان للسلام أن يسود المنطقة، فسيكون ذلك رغماً عن الكيان الصهيوني، وإذا ما أُريد للاستقرار أن يتحقق فسيكون ذلك مجدداً رغماً عن الحكومة الإسرائيلية، التي يحركها وَهْم الأرض الموعودة، وإذا ما أُريد للسلام أن يحل على أرضنا، فسيكون كذلك رغماً عن إسرائيل، التي تربط أمنها بانعدام أمن الآخرين”.

ويغلب التوتر على العلاقات التركية الإسرائيلية، ولا سيما في ما يتعلق بحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والخلافات حول مستقبل سورية. وبلغت العلاقات بين البلدين توتراً شديداً عام 2010، عندما هاجمت القوات الإسرائيلية أسطولاً بحرياً كان يحاول كسر الحصار البحري الإسرائيلي على غزة، ما أدى إلى استشهاد تسعة نشطاء أتراك ومواطن أميركي.

(فرانس برس، العربي الجديد)

———————————

 طرق مقطوعة وعزل للقرى يهدد بتحويل القنيطرة إلى “ضفة غربية” سورية/ بيسان خلف

2026.04.18

منذ مطلع شهر نيسان الحالي، دخلت محافظة القنيطرة مرحلة جديدة من التضييق الميداني، مع شروع قوات الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق عدد من الطرق الحيوية، سواء الرئيسية أو الفرعية، في خطوة يصفها الأهالي بأنها “خنق تدريجي” لحياتهم اليومية، وجزء من سياسة أوسع تهدف إلى فرض واقع أمني وجغرافي جديد في الجنوب السوري.

هذا التصعيد لا يأتي بمعزل عن التحولات السياسية في المنطقة، ولا عن مسار المفاوضات التي طُرحت في الأشهر الماضية بين سوريا وإسرائيل بوساطة من الولايات المتحدة الأميركية، مما يطرح تساؤلات حول الأهداف الفعلية لإسرائيل من هذه الإجراءات، وانعكاساتها على السكان المحليين، الذين باتوا يعيشون واقعاً أقرب إلى العزل الجغرافي الكامل.

طرق مغلقة.. ومسافات تتضاعف

أفادت مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا بأنه منذ نهاية آذار ومطلع نيسان الحالي، أغلقت قوات الاحتلال الطريقَ الواصل بين قريتي الأصبِح وكودنة في ريف القنيطرة الجنوبي، وهو طريق حيوي كان يختصر حركة الأهالي بين القريتين. ومع إغلاقه، بات السكان مضطرين لقطع مسافة إضافية تصل إلى عشرة كيلومترات عبر بلدة الرفيد.

كما أغلقت القوات الإسرائيلية طريق رويحينة المؤدي إلى الأراضي الزراعية غرب القرية، فضلاً عن طريق أم العظام – رسم الشولي، باستخدام سواتر ترابية، قبل أن تعيد فتحه من جهة أم العظام – رسم الشولي فحسب، في ريف القنيطرة الأوسط.

وامتد الإغلاق ليشمل الطرق الزراعية الفرعية، مما أدى إلى تقييد حركة السكان وحرمانهم من التنقل بحرية، ولا سيما في المناطق القريبة من النقاط العسكرية الإسرائيلية، وفي مقدمتها محيط قرية أم العظام.

“كأننا نعيش في الضفة الغربية”

يصف أحمد الهزاع من قرية الأصبح وضعَ قطع الطرق في القنيطرة بـ”الضفة الغربية الجديدة”، ويقول في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: “الاحتلال اليوم يقطع أوصال المحافظة، وكحال الضفة الغربية لا نستطيع التحرك بشكل طبيعي بين القرى، ولا نعرف من أين يظهر جنود الاحتلال وسياراتهم بشكل مفاجئ.. لا نستغرب إذا باشروا ببناء مستوطنات”.

ويضيف: “كان الطريق من قرية الأصبح إلى كودنة يستغرق دقائق بالسيارة، أما اليوم فنحتاج إلى ساعة أو أكثر، ولا يقتصر الأمر على الطرق الرئيسية؛ حتى الطرق الفرعية داخل القرى قطعوا بعضها”.

ويرى أحمد الهزاع أن ممارسات إسرائيل تهدف إلى دفعهم خارج المحافظة تمهيداً لاحتلالها بالكامل، غير أنه يرفض هو وعائلته مغادرة قرية الأصبح رغم ما يعانونه من صعوبات في التنقل.

أما يسرى حلاق، المعلمة من قرية كودنة، فتقول لموقع تلفزيون سوريا: “كأننا نعيش في الضفة الغربية؛ حواجز غير معلنة، وطرق مغلقة، والتفافات طويلة، ودوريات إسرائيلية تسير بيننا”.

وتواجه يسرى صعوبات في الوصول إلى المدرسة بسبب إغلاق الطرق الفرعية، خاصة في ساعات الصباح وفي أثناء توغل الاحتلال أو تسييره الدوريات في المنطقة.

وتتحدث عن رحلة المعلمين والطلاب إلى المدرسة: “كل يوم أشبه بالكابوس.. لا نعلم أي طريق نسلك، إما أن نتأخر بسبب اختيار طريق طويل، أو لا نذهب أساساً”.

غلاء الأسعار.. نتيجة مباشرة للعزل

لم تقتصر تداعيات إغلاق الطرق على التنقل فحسب، بل امتدت إلى الجانب الاقتصادي، إذ أدّت صعوبةُ وصول المواد الغذائية بين القرى إلى غلاء ملحوظ في الأسعار، وفق ما أفاد به الأهالي.

يقول أحد أصحاب المحال التجارية في القحطانية: “تكلفة نقل البضائع والمواد الغذائية بين القرى ارتفعت بشكل كبير، والسائقون يرفضون الدخول إلى بعض المناطق بسبب طول الطريق وخطورته، وهذا ينعكس سلباً علينا وعلى الزبائن”.

ويؤكد آخرون ممن تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا، أن بعض السلع باتت تصل بشكل متقطع، مما يُعمّق حالة القلق لدى السكان، خاصة في ظل غياب بدائل حقيقية.

تحركات ميدانية مثيرة للقلق

بالتوازي مع إغلاق الطرق، رصد موقع تلفزيون سوريا تحركاتٍ عسكريةً إسرائيليةً لافتةً في المنطقة، حيث استقدمت قوات الاحتلال جرّافةً وثلاثَ شاحناتٍ محملةً بغرف مسبقة الصنع إلى منطقة تل الأحمر الشرقي في ريف القنيطرة الجنوبي.

وتشير التقديرات إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى إنشاء نقطة عسكرية جديدة، مما يُعزز الوجود الإسرائيلي في المنطقة، ويُعمّق مخاوف السكان من ترسيخ واقع عسكري دائم.

ماذا تستهدف إسرائيل؟

تكشف هذه التطورات عن أبعاد تتجاوز الجانب الأمني، ويرى الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية، خالد خليل، أن ما يجري في القنيطرة يأخذ طابعاً سياسياً واضحاً.

ويقول خليل في حديث لموقع تلفزيون سوريا: “الاحتلال الإسرائيلي يواصل اعتداءاته على الأراضي السورية، رغم التحولات التي شهدها مسار المفاوضات، خاصة بعد اجتماع باريس في السادس من يناير الماضي، الذي أشار إلى توجه نحو التهدئة”.

ويُضيف أن هذه الإجراءات تعكس سياسة اليمين المتطرف في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، “الذي يسعى إلى الهروب من أزماته الداخلية عبر تصعيد خارجي يُعيد تشكيل صورته في الداخل الإسرائيلي”.

ويلفت خليل إلى أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية شهدت تحولاً جوهرياً بعد أحداث السابع من أكتوبر، إذ باتت تعتمد على مبدأ “الأحزمة الآمنة”، أي إنشاء مناطق عازلة داخل أراضي الخصوم.

ويضيف: “إسرائيل تحاول نقل المعركة إلى أرض الخصم ومنع تكرار ما تعتبره كابوساً أمنياً. ما يحدث في جنوب سوريا يشبه ما يجري في جنوب لبنان، وهو جزء من هذه الاستراتيجية”.

ضغط سياسي على دمشق

ويرى خليل أن هذه الممارسات تهدف أيضاً إلى الضغط على دمشق وجرّها إلى مواجهة عسكرية، أو استخدام التصعيد ورقةً تفاوضية على أقل تقدير.

ويقول: “إسرائيل تحاول فرض واقع احتلالي كامل الأركان في الجنوب، عبر تقطيع أوصال المنطقة والتضييق على السكان، بما يشبه نموذج الضفة الغربية”.

وأشار خليل إلى مفارقة لافتة، إذ تأتي هذه الإجراءات في وقت كانت فيه مؤشرات على تقارب سوري إسرائيلي بدعم أمريكي، بعد أن أعلنت واشنطن أكثر من مرة دعمها لمسار المفاوضات، كما حذّرت بعض مراكز الدراسات الإسرائيلية من مغبة استمرار التصعيد، داعيةً إلى استثمار التوجهات البراغماتية في دمشق للتوصل إلى اتفاق أمني مستدام.

وبحسب خليل، فإن دمشق تمتلك العديد من الأوراق أولها الموقف الدولي الذي يرى في الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا مخالفة للقانون الدولي، ويدعم لمسار التفاوض.

كما تعتمد دمشق على الرصيد الجيوسياسي عبر انسجامها مع التواقفات والتحالفات الاقليمية والتقارب مع الإدارة الأميركية على حساب ازدياد الشرخ بين ترمب ونتنياهو فيما يخص الملف السوري.

———————————

==================

تحديث 17 نيسان 2026

———————————

 الرئيس السوري: نبحث اتفاقاً جديداً مع إسرائيل يضمن انسحابها لحدود 1974

الرئيس السوري: اعتراف أي دولة بضم إسرائيل للجولان سيكون باطلاً

17 أبريل ,2026

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الجمعة، أن بلاده تبحث الآن اتفاقاً أمنياً جديداً مع إسرائيل يضمن انسحابها لحدود 1974، ووضع قواعد جديدة إما تعيد العمل باتفاق فض الاشتباك أو إبرام اتفاق جديد يضمن أمن الطرفين.

وأضاف الشرع أنه “إن نجح الوصول إلى اتفاق قد ننخرط في مفاوضات طويلة الأمد لحل موضوع الجولان المحتل”، لافتاً إلى أن اعتراف أي دولة بضم إسرائيل للجولان سيكون باطلاً.

وتحدث الشرع، عن تفاصيل المفاوضات مع إسرائيل بشأن التوصل إلى اتفاق أمني، وأكد أن سوريا اختارت طريق الدبلوماسية لتجنب تصاعد الصراع، رغم الصعوبات الناتجة عن استمرار التواجد الإسرائيلي على الأراضي السورية.

وقال الشرع في مقابلة مع وكالة “الأناضول” التركية الرسمية للأنباء، إن “سياسة سوريا بعد تعرضها إلى حرب كبيرة خلال 14 عاماً بمواجهتها مع النظام السابق، كانت تركز على التنمية والإعمار، وهذا الأمر يحتاج إلى نوع من الاستقرار”.

وأضاف أحمد الشرع أن “إسرائيل قابلت سوريا بوحشية كبيرة استهدفت كثيرا من المواقع السورية، وقامت بالاعتداء على الأراضي السورية واحتلال جزء من هذه الأراضي المحاذية للجولان المحتل أيضاً، فنحن اخترنا طريق الدبلوماسية، وإقناع المجتمع الدولي في المساعدة حتى لا تتأزم الأمور وتذهب إلى حالة من الصراع، خاصة بعد أن استُنزف الشعب السوري خلال الـ 14 سنة الماضية”.

وشدد الشرع قائلا: “نحن جادون بأن نحصل على نوع من الاتفاق الأمني (مع إسرائيل) يحافظ على استقرار المنطقة. وسوريا اليوم انتقلت من حالة أزمة وبدأت تتشكل الفكرة عند جميع الدول والنظر إليها على أنها حالة استقرار إقليمي ودولي”.

وأردف أنه “لا يعتقد أن المفاوضات (مع إسرائيل) وصلت إلى طريق مسدود، لكن تجري بصعوبة شديدة بسبب إصرار إسرائيل على التواجد على الأراضي السورية”.

وأفصح الرئيس الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا بدورته الخامسة المنعقد في تركيا تحت شعار “التعامل مع حالات عدم اليقين عند رسم المستقبل” أن: “الظروف التي تعيشها المنطقة اليوم صعبة وتحتاج حلولاً استثنائية، وسوريا تتحمل المسؤوليات وتواجه التحديات بصلابة شعبها والمحبين من دول المنطقة”.

واسترسل يقول “الصراع في المنطقة ليس وليد اللحظة بل جذوره عميقة في التاريخ، وسوريا تبتعد عن خيارات الاصطفاف بجانب دولة ضد أخرى، وتسعى لأن تكون جسر وصل بين الدول الكبرى، ولها اليوم علاقات مثالية مع الولايات المتحدة ومع روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول المنطقة”.

وأشار الشرع إلى أن إدارته “ترسم تاريخاً جديداً لسوريا، هو الانتقال من أن تكون صندوق بريد للنزاعات إلى التحول إلى فرصة عظيمة للاستثمار المستدام”. مذكرا في الوقت ذاته أن “سوريا تعرضت لاعتداءات إيران في المرحلة السابقة، حيث دعمت النظام البائد بمواجهته للشعب السوري، ومع ذلك لم ننخرط في المواجهة بين إيران وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقبل الحرب دفعنا باتجاه عدم نشوبها بالأساس لأنها ستؤدي لانعكاسات خطيرة في المنطقة”.

كما لفت الشرع إلى أن “سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة، وحل المشاكل عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات”.

وبارك الرئيس السوري “جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيقاف الحرب الدائرة في لبنان”، معربا عن أمله بالانتقال إلى مرحلة إصلاح المسارات في المنطقة حتى لا تتكرر الحروب مرة أخرى.

وذكر الشرع أن “سوريا تعبت خلال السنوات الماضية وتعرض الشعب السوري لهجرة ونزوح وضربات بالسلاح الكيميائي وهناك دمار كبير، وتجنيبها اليوم الدخول في أي صراع هو المسار الطبيعي والصحيح”.

إلى ذلك صرح الرئيس السوري أنه يعمل على تنفيذ اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وجميع الأطراف تدفع باتجاه وحدة واستقرار الأراضي السورية، وشمال شرق سوريا خال من أي قواعد أجنبية اليوم.

وأكد أن سوريا اتخذت نهجاً لإعادة الإعمار من خلال تشجيع الاستثمار لتحسين الاقتصاد، وتحاول أن تعتمد على نفسها في المقام الأول، و”إذا أتت المساعدات فيجب ألا تكون مسيسة أو مشروطة بشروط معينة”.

ولفت الشرع إلى أن إدارته “أخرجت سوريا من حالة الصراع إلى بيئة آمنة ومستقرة تشكل فرصة استثمارية، كما أنها أنقذت المنطقة بمنع تمدد بعض الدول الإقليمية أو استخدام أراضيها كمنصة لانطلاق الهجمات وزعزعة استقرار المنطقة”.

————————————

 الشرع: إصرار إسرائيل على البقاء في سوريا يعقّد المفاوضات

الخميس 2026/04/16

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الخميس، إن إسرائيل قابلت بلاده “بوحشية” واحتلت جزءاً من الأراضي المحاذية للجولان المحتل، مشيراً إلى أن دمشق اختارت طريق الدبلوماسية وإقناع المجتمع الدولي بالمساعدة “حتى لا تتأزم الأمور”.

 وأضاف أن سوريا جادة في السعي للحصول على “اتفاق أمني” مع إسرائيل يحافظ على استقرار المنطقة، معتبراً أن المفاوضات لم تصل إلى طريق مسدود لكنها “تجري بصعوبة شديدة” بسبب إصرار إسرائيل على التواجد على الأراضي السورية.

سوريا تحولت لفرصة تاريخية

وفي لقاء خاص مع وكالة الأناضول التركية، خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، أكد الشرع أن سوريا “تحولت من حالة أزمة إلى فرصة تاريخية عظيمة جداً نحو الاستقرار والبناء والإعمار من جديد”.

وأضاف أن سوريا تمثل “ممراً آمناً وطريقاً بديلاً لإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد”، خصوصاً في ما يتعلق بالربط بين الخليج العربي وتركيا، مشيراً إلى وجود “فرص كبيرة للربط الإقليمي” بين البلدين.

شراكة مع تركيا

وفي معرض حديثه عن العلاقات السورية التركية، قال الشرع إن “تركيا كانت مناصرة لثورتنا طوال 14 عاماً ووقفت بجانب شعبنا المظلوم، وتجمعنا روابط تاريخية قديمة وجغرافية”. وأكد أن “الشراكة السورية التركية يُبنى عليها الكثير لمستقبل أمن المنطقة والعالم بأكمله”.

 وكان الرئيس الشرع قد وصل الخميس إلى تركيا للمشاركة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بدورته الخامسة، وهو اللقاء الثالث بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ توليه الحكم، بعد زيارتين سابقتين في شباط/فبراير ونيسان/إبريل 2025.

وفي تطور ميداني لافت، أعلن الشرع أن “آخر قاعدة أجنبية في شمال شرق سوريا خرجت اليوم”، مشيراً إلى أن عمليات الدمج بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والدولة السورية تجري حالياً، ووصف ذلك بأنه “إنجاز كبير لمصلحة سوريا”.

المدن

—————————–

 الشرع: نعمل للوصول لاتفاق مع إسرائيل والجولان أرض سورية

الجمعة 2026/04/17

قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن بلاده تعمل للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، لافتاً إلى أن شمال شرق سوريا أصبح خالياً من القواعد الأجنبية مع خروج آخر شاحنة أميركية، أمس الخميس.

جاء ذلك في تصريحات للشرع، اليوم الجمعة، في جلسة حوارية على هامش مشاركته في مؤتمر انطاليا الدبلوماسي بنسخته الخامسة، والمنعقد حالياً في تركيا.

الشرع: الجولان أرض سورية

وقال الشرع إن إسرائيل تخرق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، بينما “نعمل اليوم” على الوصول إلى اتفاق أمني يضمن انسحابها من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وعودتها إلى خطوط 1974.

وأوضح أن الاتفاق يتضمن إما وضع قواعد جديدة تعيد العمل باتفاق فض الاشتباك، أو إبرام اتفاق جديد يضمن أمن سوريا وإسرائيل، مؤكداً أن سوريا قد تنخرط في مفاوضات طويلة الأمد لحل قضية الجولان المحتل، في حال النجاح في الوصول إلى اتفاق.

وشدد على أن اعتراف أي دولة بأحقية إسرائيل بالجولان السوري المحتل “باطل”، وأن المجتمع الدولي يؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة من قبل إسرائيل، مؤكداً أنه لا يمكن لأي دولة أن تتنازل عن جزء من أراضيها دون موافقة شعبها صاحب الحق.

“نتمتع بعلاقات مثالية مع واشنطن وبكين”

وحول الوضع في المنطقة، قال الرئيس السوري إن الظروف التي تعيشها المنطقة اليوم صعبة وتحتاج حلولاً استثنائية، بينما سوريا تتحمل المسؤوليات وتواجه هذه التحديات بصلابة.

واعتبر الشرع أن الصراع في المنطقة ليس وليد اللحظة بل جذوره عميقة في التاريخ، مؤكداً أن سوريا الجديدة تبتعد عن خيارات الاصطفاف بجانب دولة ضد أخرى، وتسعى لأن تكون جسر وصل بين الدول الكبرى، مؤكداً أن دمشق تتمتع بعلاقات “مثالية” مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول المنطقة.

وقال الرئيس السوري: “نرسم تاريخاً جديداً لسوريا، هو الانتقال من أن تكون صندوق بريد للنزاعات إلى التحول إلى فرصة عظيمة للاستثمار المستدام”.

وأضاف أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة، وحل المشاكل عبر الحوار والدبلوماسية، والابتعاد عن الصراعات والنزاعات، مشدداً على أن ذلك هو المسار الصحيح بالنسبة لبلاده.

وتابع: “سوريا تعرضت لاعتداءات إيران في المرحلة السابقة، ودعمت النظام البائد بمواجهته للشعب السوري، ومع ذلك لم ننخرط في المواجهة بين إيران وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقبل الحرب دفعنا باتجاه عدم نشوبها بالأساس لأنها ستؤدي لانعكاسات خطيرة في المنطقة”.

الوضع الداخلي

وحول الوضع الداخلي، قال الشرع إن حكومته تعمل على تنفيذ اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة، وإن جميع الأطراف تدفع باتجاه وحدة واستقرار الأراضي السورية.

وأضاف أن آخر شاحنة أميركية خرجت، أمس الخميس، من الأراضي السورية، وأصبح شمال شرق سوريا خالي الآن من أي قواعد أجنبية، وذلك في إشارة لانسحاب القوات الأميركية من قاعدة “قسرك”.

وتابع: “أخرجنا سوريا من حالة الصراع إلى بيئة آمنة ومستقرة تشكل فرصة استثمارية، كما أنها أنقذت المنطقة بمنع تمدد بعض الدول الإقليمية أو استخدام أراضيها كمنصة لانطلاق الهجمات وزعزعة استقرار المنطقة”.

كما أكد أن سوريا باتت اليوم أكثر استقراراً وأماناً، وباتت محط أنظار العالم، خصوصاً في ما يتعلق بأمان سلاسل التوريد بين الشرق والغرب وإمدادات الطاقة، موضحاً ان سوريا بدأت تصدر بعض شحنات النفط العراقي، وأن الكثير من الدول تفكر بالربط الإقليمي لتصدير منتجاتها عن طريق الأراضي السورية، إضافة لوجود مشروع البحار الأربعة الذي تم الحديث عنه مؤخراً.

وأوضح أن موقع سوريا الاستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب، جعلها محطة لسلاسل توريد الطاقة، كما يمكن أن تكون محطة استثمارية مهمة في مجالات مختلفة.

————————————–

الشرع: المفاوضات مع إسرائيل لم تصل إلى طريق مسدود وتجرى بصعوبة بالغة

محمد كركص

17 ابريل 2026

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء الخميس، إن دمشق “جادة في الحصول على نوع من الاتفاق الأمني مع إسرائيل يحافظ على استقرار المنطقة”، مؤكدًا أن المفاوضات مع إسرائيل “لم تصل إلى طريق مسدود، لكنها تجرى بصعوبة شديدة بسبب إصرارها على الوجود على الأراضي السورية”.

وأشار الشرع خلال مقابلة مع وكالة الأناضول إلى أن “إسرائيل قابلت سورية بوحشية واحتلت جزءاً من الأراضي المحاذية للجولان المحتل”، مشددًا على أن بلاده اختارت “طريق الدبلوماسية وإقناع المجتمع الدولي بالمساعدة حتى لا تتأزم الأمور”.

وبشأن العلاقات السورية – التركية، قال إن تركيا وقفت إلى جانب الشعب السوري طوال سنوات الأزمة، وإن سورية تتجه نحو مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء. وأضاف: “تركيا كانت مناصرة لثورتنا طوال 14 عاماً، ووقفت بجانب شعبنا المظلوم، وتجمعنا روابط تاريخية قديمة وجغرافية”، معتبراً أن هذه الشراكة “يُبنى عليها الكثير لمستقبل أمن المنطقة والعالم بأكمله”.

وأوضح الرئيس السوري أن بلاده “تحولت من حالة أزمة إلى فرصة تاريخية عظيمة جداً نحو الاستقرار والبناء والإعمار من جديد”، لافتاً إلى أن سورية يمكن أن تمثل ممراً آمناً وطريقاً بديلاً لإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد، خصوصاً في ما يتعلق بالربط بين الخليج العربي وتركيا.

وفي سياق آخر، أعلن الرئيس السوري أن “آخر قاعدة أجنبية خرجت من شمال شرق سورية”، مشيراً إلى أن عمليات الدمج بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والدولة السورية مستمرة، واصفاً ذلك بأنه “إنجاز كبير لصالح سورية”. وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع زيارة الشرع إلى تركيا، حيث وصل اليوم الخميس للمشاركة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في دورته الخامسة. وكان قد شارك في الدورة الرابعة من المنتدى في 11 إبريل/نيسان 2025، حيث التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، إلى جانب عقد لقاءات مع عدد من الرؤساء والمسؤولين المشاركين.

————————-

 باراك:الشرع لا يريد حرباً مع إسرائيل ولم يطلق صاروخاً واحداً

الجمعة 2026/04/17

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إن الرئيس السوري أحمد الشرع لا يريد الدخول بحرب مع إسرائيل، مشدداً على أن الوقت قد حان للوصول إلى اتفاق بين سوريا وإسرائيل.

جاء ذلك في تصريحات للمبعوث الأميركي خلال مشاركته بمؤتمر انطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة في تركيا، اليوم الجمعة، والذي يشارك فيه الشرع، حيث التقى الأخير في مقر إقامته، باراك.

باراك: الشرع لم يطلق صاروخاً على إسرائيل

وقال باراك إن الشرع أكد أنه لا يريد الدخول في حرب مع إسرائيل ولم يُطلق صاروخاً من سوريا تجاه الأراضي الإسرائيلي، مشدداً أن الوقت قد حان لاستئناف المحادثات بين الجانبين للوصول إلى اتفاق أمني.

واعتبر أن سوريا تحلت بالذكاء بعدم الانخراط في معارك مع إسرائيل بعد هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وبشأن الوضع في لبنان، قال باراك إن الولايات المتحدة تسعى للوصول إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان بشأن نزع سلاح حزب الله، موضحاً أن اتفاق وقف النار بين الجانبين سيمر عبر مراحل “وعلينا أن نراجع نقاط الفشل في ‏اتفاق 2024”.

وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو ضغطا على إسرائيل، وأخبراها بأن الوقت قد حان ‏لوقف إطلاق النار مع لبنان.

لكن المبعوث الأميركي لفت إلى أن الوصول إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا قد يكون قبل الوصول إلى اتفاق مع لبنان.

القادمة العظماء

في غضون ذلك، أعلنت الرئاسة السورية عن لقاء جمع الشرع وباراك في مقر إقامة الرئيس السوري في انطاليا، وذلك على هامش مشاركة الرئيس السوري بالمؤتمر، وذلك بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة.

وقال باراك في منشور على “إكس”: “القادة العظماء يعرفون قدر بعضهم بعضاً حتى في أصعب الظروف لقد التمس الرئيس ترامب تلك الخصال في الرئيس الشرع حيث أثبتت الأيام صحة رؤيته في منح الثقة وإتاحة الفرص”.

—————————–

 “إسرائيل” واستراتيجية التمهيد النفسي.. قراءة في ما قبل الحرب/ عدي محمد الضاهر

2026.04.17

في تحليل سلوك الدول الحديثة، لم يعد من الممكن النظر إلى الحروب بوصفها أحداثاً عسكرية تبدأ فجأة، بل هي في جوهرها عمليات مركّبة تُبنى تدريجياً، ويشكّل البعد النفسي والإعلامي فيها مرحلة تأسيسية لا تقل أهمية عن التحضير العسكري نفسه. من هنا يمكن صياغة ما أسميه “نظرية التهيئة النفسية للصراع”، وهي تقوم على فكرة واضحة: قبل أن تبدأ أي حرب على الأرض، تبدأ أولاً في العقول والشارع عبر صناعة وعي جمعي يتقبلها ويبررها ويستوعبها.

هذه النظرية لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى مبدأ راسخ في علم النفس السياسي، وهو أن تكرار الفكرة يحولها من احتمال إلى قناعة. حين يتم ضخ خطاب إعلامي وسياسي متواصل حول تهديد قادم، يبدأ هذا التهديد بالترسخ في الوعي الجمعي، ويُعاد تشكيل إدراك الجمهور بحيث يصبح الصراع المتوقع أمراً طبيعياً بل وضرورياً. ومع مرور الوقت، لا تعود الحرب حدث صادم ، بل نتيجة منطقية لمسار تم التمهيد له بدقة.

تجارب من التاريخ السياسي

التاريخ الحديث يقدم أمثلة صريحة تؤكد هذه النظرية. قبل غزو العراق عام 2003، لم يكن القرار العسكري منفصلاً عن حملة نفسية وإعلامية ضخمة ركزت على خطر “أسلحة الدمار الشامل”. تم تكرار هذا الخطاب على أعلى المستويات السياسية والإعلامية، حتى أصبح جزءاً من قناعة عامة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي. وعندما وقعت الحرب، لم تُستقبل كحدث مفاجئ، بل كخطوة متوقعة تم إعداد العقول لها مسبقاً. لاحقاً، ومع انكشاف ضعف الأدلة، تبيّن بوضوح أن التهيئة النفسية كانت عنصراً حاسماً في تمرير القرار وتقبله على الصعيد الشعبي.

إذا انتقلنا إلى السياق الإسرائيلي، نجد أن هذا النمط يتكرر بشكل أوضح وأكثر استمرارية. في الصراع مع لبنان، وتحديداً مع حزب الله، سبقت المواجهات فترات طويلة من التصعيد الإعلامي والتأكيد على وجود تهديد متزايد. الخطاب لم يكن عفوياً، بل منظماً ومستمراً، يركز على خطر الصواريخ، وعلى ضرورة “الضربة الاستباقية”. وعندما وقعت المواجهة، كانت البيئة النفسية قد تم إعدادها، ليس فقط داخل المجتمع الإسرائيلي، بل أيضاً على مستوى التبرير الدولي.

الأمر ذاته ينطبق على العلاقة مع إيران، ولكن بصورة أوسع وأطول زمناً. لسنوات، تكرر الحديث عن “الخطر الإيراني” و”التهديد الوجودي” و”البرنامج النووي”. لم يكن هذا الخطاب مجرد توصيف سياسي، بل عملية تهيئة مستمرة، تهدف إلى ترسيخ فكرة أن المواجهة مع إيران ليست خياراً، بل حتمية. اليوم، ومع تصاعد أشكال المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبدو واضحاً أن ما يحدث لم ينشأ فجأة، بل هو نتيجة لمسار طويل من التمهيد النفسي والإعلامي. الصراع الذي نراه الآن هو تجسيد عملي لسنوات من بناء السردية.

نماذج جديدة ودروس مستخلصة

وفي المرحلة الحالية، يمكن ملاحظة أن النمط نفسه يُعاد إنتاجه في الخطاب المتعلق بتركيا. التصريحات التي تتحدث عن “صراع محتمل” أو “توتر متصاعد” ليست مجرد تحليلات عابرة، بل تدخل ضمن عملية أوسع تهدف إلى إدخال فكرة المواجهة إلى المجال الذهني العام. تكرار هذه الفكرة، حتى في غياب حرب فعلية، هو بحد ذاته مرحلة من مراحل التهيئة. وهذا يعني أن السيناريو لا يبدأ عند المواجهة، بل قبلها بكثير، في الإعلام والتصريحات والتسريبات.

كما يظهر هذا النمط أيضاً في الخطاب المرتبط بسوريا، حيث دأبت إسرائيل خلال السنوات الماضية على تكرار تصريحات تؤكد أنها مستعدة للتحرك عسكرياً في أي وقت، هذه التصريحات، التي صدرت عن مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين في مناسبات متعددة، لم تكن مجرد مواقف آنية، بل شكلت خطاباً متراكماً يهدف إلى تثبيت فكرة أن الساحة السورية هي جزء من معادلة الصراع المفتوح. ومع تكرار هذا الطرح، أصبح الحديث عن الضربات داخل سوريا أو عن احتمال توسع المواجهة أمراً متوقعاً، وليس استثنائياً، وهو ما يعكس بوضوح دور التهيئة النفسية في هذا السياق.

دور الإعلام في المعادلة

وفي قلب هذه العملية، يلعب الإعلام دوراً محورياً لا يمكن تجاهله، ليس فقط كأداة لنقل الخبر، بل كفاعل أساسي في تشكيل الوعي. فالإعلام، حين يكتفي بعرض التصريحات من دون تمحيص، أو يعيد إنتاج خطاب التهديد بشكل مكثف، قد يتحول من وسيلة توعية إلى أداة تضخيم. في المقابل، يمكن للإعلام المهني أن يؤدي دوراً معاكساً، من خلال تقديم سياق أعمق، وتحليل نقدي، وتفكيك الخطاب بدلاً من إعادة نشره. هنا يصبح الإعلام ساحة صراع بحد ذاته: إما أن يسهم في التهيئة النفسية من دون قصد، أو أن يرفع مستوى الوعي ويمنح الجمهور أدوات لفهم ما وراء الخطاب.

بناءً على هذه الأمثلة، يمكن القول بوضوح إن إسرائيل تعتمد بشكل منهجي على استراتيجية التهيئة النفسية قبل أي تصعيد عسكري. هذه ليست مجرد ملاحظة ظرفية، بل نمط متكرر يمكن تتبعه عبر الزمن. الترويج للتهديد، تضخيم المخاطر، خلق حالة من الترقب، ثم الانتقال إلى الفعل كلها خطوات تشكل تسلسلاً منطقياً ضمن هذه الاستراتيجية. التهيئة هنا تؤدي ثلاث وظائف أساسية: إعداد الداخل نفسياً لتقبّل كلفة الحرب، تهيئة البيئة الدولية لتفهّم أو تبرير الفعل، والضغط على الخصم عبر إدخاله في حالة استنزاف ذهني مستمر.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة من زاوية فلسفية أعمق: فإسرائيل لا تدير فقط حدودها وجيشها، بل تدير أيضاً إدراك مواطنيها والنظام الدولي ، فالقوة لم تعد تقاس فقط بما تملكه الدولة من سلاح، بل بقدرتها على تشكيل الحجة وتهيئة الظروف، بطبيعة الحال عندما تنجح الدولة في تعريف الخطر، فهي تقترب كثيراً من التحكم في رد الفعل من الطرف الآخر وحتى من الأطراف الأخرى وهنا تتحول سياسة ماقبل الحرب إلى إدارة للوعي، وليس مجرد تحضير عسكري للحرب ، ويصبح السؤال الحقيقي من الدولة ” ليس ماذا يحدث؟ بل كيف يُقدَّم ما يحدث؟” ومن الشارع ” كيف يمكننا أن ننتصر لسردية الدولة في ظل مايحدث ؟!

التعامل مع هذه الظاهرة

أما على مستوى الفرد، وخصوصاً في الشارع العربي، فإن التعامل مع هذا الواقع يتطلب وعياً نقدياً وسياسياً عالياً. فليس كل ما يُقال يُفهم كما هو، وليس كل ما يُنقل يُقصد به الإخبار فقط. القراءة الواعية تقتضي التمييز بين الخبر والتوجيه، بين التحليل والتعبئة، وبين نقل الواقع وصياغته لخدمة سردية معينة. فالمتلقي الذي يدرك آليات التهيئة النفسية يصبح أقل عرضة للانجرار خلفها، وأكثر قدرة على فهم ما يجري من دون أن يتحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من إعادة إنتاج خطاب يخدم خصمه.

وفي هذا السياق، تظهر أهمية الانتباه إلى طبيعة الخطاب المستخدم، لا سيما في لحظات التوتر. فرفع شعارات دينية أو استخدام لغة حادة تستهدف بيئة أكبر من تلك التي ينتمي إليها العدو قد يبدو تعبيراً عفوياً عن الغضب أو التضامن، لكنه يمنح الطرف الآخر مادة جاهزة لتعزيز روايته أمام العالم، كتصوير الصراع على أنه مواجهة بين “خير” و”شر”، أو بين “حضارة” و”تطرف”. وهنا تتحول بعض ردود الفعل غير المحسوبة إلى أدوات تخدم السردية المقابلة، بدل أن تواجهها. لذلك، فإن الوعي لا يقتصر على فهم ما يقال، بل يمتد إلى كيفية التعبير، لأن الكلمة في زمن الصراع قد تكون جزءاً من المعركة بقدر ما هي تعبير عنها.

في النهاية، تثبت “نظرية التهيئة النفسية للصراع” نفسها من خلال التكرار التاريخي. من العراق إلى لبنان، ومن إيران إلى سوريا ، وصولاً إلى الخطاب الحالي حول تركيا، نرى النمط ذاته يتكرر: حرب تبدأ في الإعلام، تصبح مقبولة في العقول وعلى مستوى التبريرات ثم تظهر على الأرض. وهذا ما يجعل فهم هذه النظرية ليس مجرد تأمل فكري، بل ضرورة لفهم كيف تُصنع الحروب قبل أن تُخاض، وكيف يمكن للعقل أن يكون أول ساحة صراع قبل أي جبهة أخرى.

تلفزيون سوريا

———————————

مصدر عسكري لـ “الترا سوريا”: الجيش السوري لن يتورط في الصراع الإقليمي/ محمد كساح

16 أبريل 2026

ترى مصادر عسكرية أن استمرار تنفيذ الجيش السوري لعملياته على الحدود السورية – اللبنانية بغرض تدمير أنفاق حزب الله، تزيد من احتمالية تصعيد الحزب ضد سوريا لاسيما وأن عمليات الجيش السوري تتزامن مع عملية جيش الاحتلال جنوبي لبنان، لكن ذلك لا يعني انخراط سوريا في الصراع، وهو ما تعتقد المصادر أنه رغبة إيرانية لتوسيع الحرب في دول الإقليم.

سوريا لن تدخل الحرب

وفي التفاصيل، كشفت مصادر عسكرية سورية لـ”ألترا سوريا” أن الجيش السوري “رفع الجاهزية على الحدود خاصة في المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية، وتوزعت تشكيلات تابعة للجيش في هذه المناطق بهدف رصد أي تحرك معادٍ من القوى والميليشيات المرتبطة بإيران والتعامل معها”.

وأكدت المصادر أن التصعيد بين هذه القوى والجيش السوري يعتبر مسألة محتملة بنسبة كبيرة، بسبب تفاقم الانتهاكات للحدود من جانب هذه الميليشيات والمسيرات التابعة لبعضها، لكن الجيش يعمل على أن يكون التصعيد منضبطاً قدر الإمكان دون التورط بالانخراط بالصراع الإقليمي الحالي.

وحول المسيرات التي سبق وهاجمت قواعد عسكرية على الأراضي السورية، أشارت المصادر إلى أن كل هذه المسيرات من إنتاج وتزويد إيراني، وبالتالي “هي بكل تأكيد لإحدى الميليشيات العاملة بالأوامر الإيرانية”.

هجمات عديدة متزامنة

وتعرضت الأراضي السورية نهاية آذار/مارس الماضي لهجمات متعددة من الأراضي اللبنانية والسورية على حد سواء. ويومها أعلنت وزارة الدفاع، اكتشاف نفق يربط بين الأراضي السورية واللبنانية في ريف حمص، كان يُستخدم في عمليات تهريب، مؤكدةً إغلاقه من قبل الجهات المختصة.

ويأتي ذلك عقب إعلان الوزارة، في وقت سابق من اليوم ذاته، إحباط محاولة تهريب كمية من حبوب الكبتاغون من الأراضي اللبنانية باتجاه منطقة جرود عسال الورد على الشريط الحدودي.

وسبق هذه الهجمات، تعرض نقاط تابعة له قرب بلدة سرغايا غرب دمشق لقصف مدفعي مصدره الأراضي اللبنانية، نُسب إلى “حزب الله” في 10 آذار/مارس الماضي وفقاً لما أعلنته هيئة العمليات في الجيش السوري.

وبالتوازي، تشهد الحدود السورية – العراقية حالة من الترقب والحذر، عقب هجمات عدة كان آخرها استهدفت قاعدة قسرك الأميركية في ريف الحسكة، بواسطة طائرات مسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية، دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية.

وتعرضت قاعدة التنف على الحدود السورية–العراقية–الأردنية، لهجوم مماثل، حيث أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري التصدي لطائرات مسيّرة حاولت استهداف القاعدة. وقالت الهيئة، في تصريح لوكالة “سانا”، إن الطائرات انطلقت من الأراضي العراقية، وتم التعامل معها قبل تحقيق أهدافها.

علاقات بمنهجية واضحة

وتعليقاً على ما سبق، يعزو المحلل السياسي درويش خليفة استمرار عمليات الجيش السوري في كشف وتدمير الأنفاق بمنطقة القصير إلى أن هذه المنطقة كانت في السابق (في الفترة الواقعة بين عامي 2023 وحتى لحظة سقوط النظام) الممر الذي يتم من خلاله تهريب الأسلحة والذخائر والكبتاغون باتجاه لبنان وبالعكس من لبنان نحو سوريا.

ويضيف خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن الجيش السوري اليوم مخوّل بحماية حدود بلاده ومنع أي تسريب أو تهريب للسلاح أو المخدرات لان استمرار عمليات التهريب سيشكل خطراً أمنياً داخلياً، إضافة لأنه يمكن أن يتسبب بأزمات خارجية من خلال انعكاسه بشكل سلبي على علاقة سوريا بدول الجوار.

لكن التركيز على ضبط الحدود وتجفيف منافذ التهريب لا يعني الدخول في صراع مع حزب الله أو القوى ما دون الحكومية في الدول المجاورة، وفقاً لما يضيفه خليفة، ويلاحظ في هذا المسار أن العلاقة بين دمشق وبيروت تسير وفق منهجية واضحة ومحددة تم الاتفاق عليها بين الطرفين عبر التفاهم على ملفات عدة يتم من خلالها إعادة بناء الثقة بين الحكومتين السورية واللبنانية.

ورغم أن بعض القوى غير الحكومية تحاول مشاغلة الجيش السوري على طول الحدود، إلا أن خليفة يستبعد حدوث اي تدخل سوري بلبنان أو أي تدخل حقيقي من هذه القوى ضمن الحدود السورية.

ويوضح خليفة أن سوريا حتى هذه اللحظة لا تبدي أي مواقف عدائية، بل تكتفي بمنع وصول المسيرات إلى الأراضي السورية وتضبط اي تحرك مشبوه عبر الحدود يحاول استهداف الداخل السوري، بالتوازي مع الرد على مصادر النيران.

الترا سوريا

————————————

حكومة الاحتلال تقر خطة خمسية لتوسيع الاستيطان في الجولان المحتل

17 أبريل 2026

أفادت تقارير عبرية بأن حكومة الاحتلال الإسرائيلي وافقت على خطة خمسية للفترة بين عامي 2026 و2030، تهدف إلى توسيع الاستيطان في هضبة الجولان المحتل، إلى جانب تحويل مستوطنة “كتسرين” إلى “أول مدينة” في شمال الأراضي المحتلة، في خطوة تستهدف تعزيز السيطرة الديموغرافية للاحتلال في المنطقة.

وبحسب التقارير، صادقت حكومة الاحتلال على خطة متعددة السنوات لتوسيع الاستيطان في الجولان المحتل، مشيرة إلى رصد ميزانية تُقدّر بنحو مليار شيكل (قرابة 334 مليون دولار)، مخصّصة لتطوير المستوطنات في الجولان المحتل و”كتسرين”.

وتهدف الخطة، وفقًا للإعلام العبري، إلى استقطاب نحو ثلاثة آلاف عائلة إلى الجولان المحتل، بينها 1,500 عائلة ستُوزّع على المستوطنات في المنطقة، إضافة إلى 1,500 عائلة في “كتسرين”، فضلًا عن مخطط لإنشاء 1,500 وحدة سكنية استيطانية جديدة.

وأشارت التقارير إلى أن المخصصات المالية ستُوزّع على أربعة محاور رئيسية، تشمل تعزيز البنية التحتية المحلية، وتوسيع الاستيطان السكني، ودعم محركات التشغيل، وتحسين الخدمات العامة، إلى جانب تخصيص نحو 70 مليون شيكل كحوافز للسلطات الاستيطانية المحلية في الجولان المحتل.

ويأتي هذا التوجه في سياق خطوات متسارعة لتعزيز الاستيطان الإسرائيلي في الجولان المحتل، عقب لقاء رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع رؤساء المستوطنات في المنطقة الأسبوع الماضي، حيث وصف الخطة بأنها “استراتيجية أوسع نطاقًا” تهدف إلى توسيع المشاريع وترسيخ الوجود الاستيطاني في الجولان المحتل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعاد التذكير مؤخرًا بأنه هو من اعترف خلال ولايته الأولى بـ”سيادة” إسرائيل على الجولان السوري المحتل، وذلك أثناء لقائه نتنياهو في واشنطن، وذلك في إشارة إلى توقيعه مرسومًا رئاسيًا يعترف بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان المحتل في آذار/مارس 2019.

وكان جيش الاحتلال قد صعد من عملياته في سوريا منذ 8 كانون الأول/ديمسبر 2024، عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، حيث أعلنت حكومة الاحتلال انهيار اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 حول الجولان، وعمدت إلى احتلال الجزء السوري من جبل الشيخ، فضلًا عن شن مئات الغارات الجوية على مواقع عسكرية، وتنفيذها توغلات يومية في عمق الأراضي السورية جنوب البلاد.

———————–

==================

تحديث 16 نيسان 2026

———————————

 كيف تستعدّ أنقرة لإسرائيل الجديدة؟/ سمير صالحة

2026-04-16

تنتظر منطقة الشرق الأوسط مرحلة تتجاوز حدود التوتّرات التقليديّة نحو إعادة صياغة أعمق لبنية النفوذ الإقليميّ. تبدو العلاقة التركيّة – الإسرائيليّة، التي كثيراً ما صُنّفت ظرفيّة، جزءاً من تحوّلات استراتيجيّة أوسع بعد انفجار الجبهة الإيرانيّة، ستمتدّ من سوريا إلى شرق المتوسّط وجنوب القوقاز، وستشمل ملفّات الطاقة والخطوط التجاريّة والممرّات البحريّة الحيويّة.

لم يعد السؤال متعلّقاً بطبيعة الخلاف بين أنقرة وتل أبيب، بل بكيفيّة إعادة توزيع مراكز القوّة داخل إقليم يتشكّل من جديد تتداخل فيه الحسابات السياسيّة والأمنيّة مع تلك الاقتصاديّة، وتتحوّل الساحات المحليّة إلى عِقد في شبكة نفوذ متشابكة. تدور الصراعات حول تثبيت المصالح لكن داخل خرائط آخذة في التشكّل تصبح فيها كلّ ساحة اختباراً لقدرة الفاعلين على فرض حضور طويل الأمد في نظام إقليميّ يجلس على فوهة بركان .

تبرز الولايات المتّحدة الأميركيّة في خلفيّة التصعيد المتزايد بين تركيا وإسرائيل، بوصفها لاعباً محوريّاً، محايداً حتّى الآن، لكنّه الأكثر قدرة على منع الانفجار وفرض تهدئة ثنائيّة بين طرفين تجمعهما الكثير من المصالح المشتركة والتفاصيل المتناقضة.

كيف ستتصرّف واشنطن؟

هل ما نشهده هو توتّر بين حليفين لواشنطن أم مؤشّر إلى تراجع قدرتها على ضبط هندسة الإقليم كما اعتادت في العقود الماضية؟ هل تتحرّك واشنطن لوقف التوتّر واحتواء التباعد الذي يتعارض مع مصالحها وحساباتها في المنطقة؟ كيف ستحافظ على شبكة تحالفاتها مع الجانبين من دون أن تنزلق إلى اصطفاف بين طرفين يفترض أنّهما ضمن منظومتها الاستراتيجيّة؟

يريد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أن يكون “صانع نظام” وليس “مدير اختلالات”. لكنّ مسألة إدارة التنافس أصبحت أكثر تعقيداً من احتوائه لأنّنا أمام مرحلة لا تُقاس فيها القوّة بقدرة طرف واحد على الحسم، بل بمدى قدرته على تثبيت موقعه داخل شبكة إقليميّة دائمة الحركة .

تستعدّ أنقرة لمواجهة السياسات الإسرائيليّة بأسلوب جديد مغاير لمنطق تدوير الزوايا وإدارة الأزمات منتقلةً إلى منطق أكثر تعقيداً

قد يستفيد الرئيس الأميركيّ من التوتّر بين أنقرة وتل أبيب، لكنّ اتّساع رقعة التوتّر والتصعيد قد يضرّ بحساباته عند انفلات زمام الأمور .لا يمكن هنا إغفال أنّ هذا المشهد لا يدور في فراغ، بل داخل بيئة تتداخل فيها أدوار قوى أخرى تعمل كمعدِّلات توازن غير معلنة، من روسيا التي تنظر إلى الشرق الأوسط كمساحة تقاطع نفوذ، إلى إيران التي تتعامل مع التصعيد التركيّ–الإسرائيليّ من زاوية إدارة الاشتباك غير المباشر، وصولاً إلى أطراف عربيّة باتت أكثر ارتباطاً بمعادلات الاستقرار الإقليميّ والطاقة.

اختبار مركّب

يجعل هذا التشابك من كلّ ساحة اختباراً مركّباً لا يُدار بمنطق طرفين فقط، بل بمنطق منظومة متعدّدة المستويات .لا يمكن فهم طبيعة التوتّر التركيّ – الإسرائيليّ الحاليّ بوصفه مواجهة ثنائيّة مركزها حسابات المصالح والنفوذ، بل هو نمط جديد أوسع من التنافس العلنيّ والمبطّن على النفوذ في ساحات متعدّدة وضمن مسار تراكميّ يعيد تعريف الكثير من المصطلحات المرتبطة بالتمدّد والتأثير، ويصل إلى تعارض مشاريع تكتّلات استراتيجيّة جديدة تتجاوز التباعد السياسيّ. يجعل هذا التشابك كلّ ساحة امتداداً للأخرى، فالجغرافيا لم تعد إطاراً ثابتاً، بل أصبحت فضاءً متحرّكاً يعيد إنتاج توازنات بمفاصل جديدة .

أنقرة

نحن أمام منظومة متداخلة من ساحات الاحتكاك التي تنتج تأثيرات متبادلة، حيث يمكن لأيّ تحرّك في ساحة واحدة أن يعيد تشكيل التوازن في ساحة أخرى، وهو ما يقود إلى رفع مستوى التعقيد الاستراتيجيّ في العلاقات التركيّة – الإسرائيليّة، ويجعل إدارة التنافس أقرب إلى “هندسة توازنات متحرّكة” لا إلى مواجهة روتينيّة قابلة للحسم أو الاحتواء السهل.

في المقاربة التركيّة الراهنة، لم يعد التوتّر مع إسرائيل يُفهم ضمن إطار الخلافات السياسيّة أو إدارة الملفّات الإقليميّة، بل ضمن سياق أوسع يتعلّق بإعادة تشكيل مفهوم الردع في بيئة إقليميّة غير مستقرّة.

قد يستفيد الرئيس الأميركيّ من التوتّر بين أنقرة وتل أبيب، لكنّ اتّساع رقعة التوتّر والتصعيد قد يضرّ بحساباته عند انفلات زمام الأمور

تحوّل في المقاربة التّركيّة

في هذا السياق، تكشف قراءة وزير الخارجيّة التركيّ هاكان فيدان للسياسات والممارسات الإسرائيليّة في العامين الأخيرين عن تحوّل في مقاربة أنقرة لسياسات إسرائيل من دولة خصم تقليديّة إلى فاعل يخلق اضطراباً ممتدّاً باتّجاه أكثر من جبهة:

– تل أبيب لم تعد تتحرّك ضمن نطاق الصراع الفلسطينيّ فقط، بل باتت فاعلاً إقليميّاً يوسّع نطاق عمليّاته ليشمل لبنان وسوريا وغزّة، فيمتدّ تأثيرها على أكثر من ساحة.

– لا ينتج السلوك الإسرائيليّ استقراراً، بل يؤدّي إلى زيادة هشاشة البيئة الإقليميّة ويفتح الباب أمام توسّع الصراعات بدل احتوائها.

– لا تتحرّك إسرائيل بمعزل عن الدعم البنيويّ الأميركيّ، وهو ما يجعل أيّ مواجهة معها ذات طابع دوليّ غير مباشر.

– ليست تركيا في موقع المواجهة المباشرة، بل في موقع “إدارة المخاطر” الناتجة عن هذا السلوك، وخصوصاً في سوريا وشرق المتوسّط حيث تتقاطع المصالح.

– هناك توجّه غير معلن نحو بلورة مقاربة يمكن وصفها بـ”عدم الانحياز المرن” ليست امتداداً تاريخيّاً لحركة عدم الانحياز الكلاسيكيّة، بل إعادة صياغة لها ضمن بيئة إقليميّة شديدة التشابك.

– رفض الانخراط الكامل في محاور صلبة، مقابل الحفاظ على قدرة الحركة في أكثر من ساحة في الوقت نفسه، بما يسمح لتركيا إدارة علاقاتها مع أطراف متناقضة من دون الوقوع في اصطفاف نهائيّ.

تقدّم اعتبارات الأمن الإقليميّ

تشكّل تصريحات الوزير فيدان انعكاساً لمرحلة إعادة تعريف المخاطر أكثر من كونها مواقف سياسيّة وحسب، حيث تتقدّم اعتبارات الأمن الإقليميّ على حساب الحسابات الثنائيّة التقليديّة. هذا ما يفسّر انتقال الخطاب التركيّ من النقد السياسيّ إلى لغة التحذير الاستراتيجيّ المبكر في مواجهة الممارسات الإسرائيليّة.

لا تتعامل تركيا مع إسرائيل كخصم مباشر في ساحة واحدة، بل كفاعل مؤثّر في بنية النظام الإقليميّ نفسه

ضمن هذا الإطار، تتحوّل أدوات تركيا من ردّ فعل إلى محاولة بناء قدرة على منع التغيّرات الجيوسياسيّة المفاجئة في محيطها الاستراتيجيّ.

لا يؤدّي هذا الواقع إلى زيادة التعقيد فقط، بل يفتح المجال أمام تفاعلات إقليميّة أكثر استقلاليّة، حيث تتحرّك القوى الإقليميّة ضمن هامش أوسع لإعادة تعريف أدوارها ونفوذها. هذا ما يُعتبر اليوم في طليعة أسباب التباعد التركيّ – الإسرائيليّ والتصعيد بينهما.

أيّ تغيير في ساحة المواجهة التركيّة – الإسرائيليّة لن يبقى محصوراً فيها، بل سينتقل تأثيره إلى بقيّة الساحات ضمن سلسلة من التفاعلات المتداخلة:

– تمثّل الساحة السوريّة نقطة ضغط مباشر على الأمن التركيّ.

– يمثّل شرق المتوسّط ساحة تنافس على النفوذ البحريّ والطاقة.

– يشكّل القوقاز هامش ارتداد للتوازنات الإقليميّة الأوسع .

أسلوب تركيّ جديد

تستعدّ أنقرة لمواجهة السياسات الإسرائيليّة بأسلوب جديد مغاير لمنطق تدوير الزوايا وإدارة الأزمات منتقلةً إلى منطق أكثر تعقيداً يقوم على:

– منع فرض وقائع ميدانيّة جديدة في مناطق النفوذ الحسّاسة.

– تعزيز القدرة على الردع المباشر.

– ضبط التوازنات الإقليميّة في إطار الاستعداد لسيناريوهات انزلاقها إلى مسارات صدام مفتوح.

نحن أمام نمط جديد في العلاقات بين البلدين لا يُدار بمنطق التوازن القلق كما في السابق

يُقاس الردع في التصوّر التركيّ الجديد بقدرة أنقرة على الاستعداد لأيّة حرب بمستوى الحؤول دونها نفسه، وبما تستطيع أن تفعله لمنع تل أبيب من فرض وقائع جيوسياسيّة جديدة عليها. لا يُنظر إلى إسرائيل كطرف إقليميّ تقليديّ، بل كفاعل يحاول إعادة إنتاج بيئات أمنيّة جديدة في أكثر من بقعة جيوسياسيّة تعني تركيا، مع الاستفادة من الفراغات الحاصلة وتداخل الأمن الإقليميّ مع الغطاء الدوليّ، خصوصاً الأميركيّ، وإعادة تعريف قواعد الاشتباك نفسها.

إقرأ أيضاً: الناتو بعد انسحاب ترامب؟

في هذا الإطار، لا تتعامل تركيا مع إسرائيل كخصم مباشر في ساحة واحدة، بل كفاعل مؤثّر في بنية النظام الإقليميّ نفسه .لم تعد المسألة تتعلّق بإمكانيّة المواجهة، بل بكيفيّة إدارة التنافس داخل نظام إقليميّ يتشكّل تحت الضغط، حيث تتحوّل القوّة من أداة حسم إلى أداة تموضع طويل الأمد. نحن أمام نمط جديد في العلاقات بين البلدين لا يُدار بمنطق التوازن القلق كما في السابق، بل بمنطق إعادة تشكيل قواعد الاشتباك نفسها داخل ساحات متعدّدة ومفتوحة.

أساس ميديا

———————————

 مشروع عسكري للاحتلال الإسرائيلي يتمدد داخل أراضي القنيطرة

القنيطرة – نور الحسن

في العاشر من تشرين الأول/ نوفمبر عام 2022، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مشروع عسكري أطلقت عليه اسم “سوفا 53” الذي تعني كلمة “سوفا” باللغة العربية “العاصفة”. ومنذ ذلك التاريخ، قامت قوات الاحتلال بإدخال جرافات وآليات ثقيلة ومعدات حفر من الجولان المحتل نحو الأراضي السورية، حيث بدأت عمليات واسعة لإزالة الألغام بمحاذاة الشريط الفاصل ترافقت مع أعمال حفر ورفع سواتر ترابية وإنشاء خنادق.

امتدت أعمال المشروع من غربي بلدة حضر شمال محافظة القنيطرة، وصولاً إلى غربي بلدة بريقة القديمة في ريف القنيطرة الأوسط، بطول 70 كيلومتراً حتى الآن. وقد أدى تنفيذ هذا المشروع إلى قضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي، تعود ملكية مئات الدونمات منها إلى سكان من أبناء محافظة القنيطرة.

مراسل المدن في محافظة القنيطرة وثق الأعمال داخل الأراضي السورية بمسافات متفاوتة ففي بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي وصل عرض التوغل إلى نحو 800 متر داخل الأراضي الزراعية، بينما تراوح في مناطق أخرى بين 200 و500 متر، شملت بلدات حضر، بريقة، بئر عجم، العشة، وكودنة.

السيطرة على تلال استراتيجية

كما سيطرت قوات الاحتلال خلال عمليات الحفر على عدد من التلال الاستراتيجية غرب بلدة بريقة بريف القنيطرة الأوسط، من بينها تلة عكاشة، في خطوة تعزز من وجودها العسكري في المنطقة. ولم تقتصر الأعمال على ذلك، بل أقدم جيش الاحتلال على تفجير عدد من الأبنية داخل القنيطرة القديمة، مبرراً ذلك بضرورات إنشاء الطريق العسكري المرتبط بالمشروع.

ويهدف مشروع “سوفا 53” إلى إنشاء طريق عسكري محصن، يترافق مع شبكة من الخنادق المتعرجة التي يزيد عرضها وعمقها على خمسة أمتار، وتمتد على طول خط التماس بين المناطق المذكورة. ويثير هذا المشروع مخاوف واسعة لدى السكان المحليين، في ظل ما يترافق معه من إجراءات ميدانية، تشمل إطلاق النار وعمليات اعتقال تستهدف أبناء المنطقة، ما يزيد من حدة التوتر ويهدد الواقع الإنساني والمعيشي في ريف القنيطرة.

المدن

———————————

المنطقة العازلة حتى جبل الشيخ.. إسرائيل تمهّد لربط جنوبَي سوريا ولبنان؟/ نادر حجاز

16 ابريل 2026

يتحوّل الواقع الميداني في لبنان إلى منحى خطير جدًا، ينطوي على مشاريع إسرائيلية لم تعد خافية، تهدف إلى إحداث تغيّرات استراتيجية وجغرافية كبرى تمسّ بشكل مباشر الكيان اللبناني وحدوده المعروفة.

ولا يقف الخطر عند حدود المنطقة العازلة التي يسعى الجيش الإسرائيلي إلى رسمها في جنوب الليطاني، وجعل قرى الحافة الأمامية فيها منزوعة السلاح، من بشر وحجر، وغير صالحة للسكن في ظل سياسة الأرض المحروقة وتفخيخ البلدات بأكملها، بل إن مخطط تل أبيب يذهب أبعد من ذلك، والعين على القطاع الشرقي.

توسّع نحو جبل الشيخ

أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير الموافقة على خطط لمواصلة الحرب في لبنان، قائلًا خلال زيارة إلى قوات الفرقة 162 في القطاع الغربي من جنوب لبنان: “صادقنا على خطط للاستمرار، سواء في لبنان أو في إيران”.

تأتي هذه التصريحات بعد ساعات من الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن. وبينما يطالب لبنان بوقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي المحتلة، ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبعد من ذلك، معلنًا: “أوعزتُ للجيش بالاستمرار في تعزيز المنطقة العازلة جنوب لبنان وتوسيعها شرقًا حتى جبل الشيخ”، مضيفًا أن “القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها العسكرية المكثفة ضد معاقل حزب الله، فيما بات الجيش على وشك السيطرة الكاملة على بلدة بنت جبيل الاستراتيجية”.

ويؤكد نتنياهو، للمرة الأولى بهذا الوضوح، نواياه التوسعية، مستغلًا الموقع الاستراتيجي لجبل الشيخ، الذي احتله بعد سقوط نظام بشار الأسد، ومصرّحًا بأنه لن ينسحب منه.

وما يستدعي التوقف مليًا هو توجيهه بتوسيع المنطقة العازلة باتجاه جبل الشيخ، وما تعنيه هذه الخطوة أمنيًا وجيوسياسيًا، في إطار سعيه لإعادة رسم خريطة المنطقة من جنوب لبنان وجنوب سوريا، وصولًا إلى ما يُعرف بـ”ممر داوود” باتجاه العراق، وهو مشروع ينذر بصدام على خط التنافس الأمني بين إسرائيل وتركيا.

العرقوب ووادي التيم

ومع حديث نتنياهو، تتجه الأنظار إلى المناطق الحدودية المقصودة، وعلى رأسها منطقة العرقوب عند سفح جبل الشيخ، وهي مجموعة من البلدات الواقعة في قضاء حاصبيا، ضمن الجانب الشرقي لمحافظة النبطية. وتتميّز هذه المنطقة بموقعها الاستراتيجي، وتُعدّ شبعا أكبر بلداتها، إلى جانب كفرشوبا، الهبارية، كفرحمام، راشيا الفخار، الماري، والفرديس. وتشكل هذه المنطقة معقلًا تاريخيًا للجماعة الإسلامية، وقد شهدت عمليات عسكرية خلال حرب إسناد غزة، لكنها حيّدت نفسها في الحرب الأخيرة، ولم تُوجَّه إليها إنذارات بالإخلاء، رغم تعرضها المتكرر للاستهدافات الإسرائيلية.

إلى جانب ذلك، تبرز منطقة وادي التيم، التي تُعدّ الموطن الأساسي لطائفة الموحدين الدروز، وتضمّ قضاءي حاصبيا وراشيا، وتمتد حتى مشارف طريق دمشق عند نقطة المصنع وجديدة يابوس.

فهل يمهّد نتنياهو لتعميق التوغّل البري نحو هذه المناطق أو أجزاء منها؟

إنزال “الألبينيست”

يُذكّر تصريح نتنياهو بعملية الإنزال الثلجي العابرة للحدود بين لبنان وسوريا، حيث نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية عبر جبل الشيخ من الجانب السوري إلى جنوب لبنان، وصفها بـ”نشاط عابر للحدود”. وأفاد بيان عسكري بأن “قوات وحدة الألبينيست، تحت قيادة لواء الجبال (810)، نفّذت العملية، التي تضمنت عبور عناصر عبر التسلق في الثلوج”.

ويتوقف الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب عند هذا التطور، قائلًا في حديث لـ”الترا صوت”: “لا أستبعد أن يكون هذا الإنزال الذي نفّذه الجيش الإسرائيلي من جبل الشيخ نزولًا نحو قرى القطاع الشرقي، تمهيدًا أو بروفة لعمليات لاحقة”.

ويطرح ملاعب سيناريو تنفيذ عملية التفاف من منطقة البقاع الغربي لفصل الجنوب عن البقاع، وفرض كماشة عسكرية على جنوب الليطاني.

وصل جنوبَي لبنان وسوريا

يتساءل ملاعب عمّا إذا كان ما يجري يمهّد لوصل الجنوبين السوري واللبناني والتحكم بطريق دمشق، معتبرًا أن إنذار طريق المصنع لم يكن صدفة قبل التدخل الأميركي لإعادة فتحه.

ويحذّر من دلالات هذه التطورات، مشيرًا إلى قرار نتنياهو تعيين الجنرال غسان عليان، الذي كان يرأس وحدة “كوغات”، منسقًا للتواصل مع الدروز في سوريا ولبنان، وتكليفه بإدارة “الملف الدرزي”.

ويضيف: “أخشى أن تكون مهمة عليان قد بدأت فعليًا”، لافتًا إلى التمدد الإسرائيلي في الجنوب السوري، واحتمال ربطه جغرافيًا بدروز السويداء مرورًا بجبل الشيخ وصولًا إلى راشيا وحاصبيا، ما يزيل أي عائق أمام السيطرة على منطقة العرقوب.

ويتابع: “نخشى عودة مشروع الحزام الدرزي، الذي رُفض سابقًا وواجهه سلطان باشا الأطرش وكمال جنبلاط”.

ويربط ملاعب هذه التطورات بمسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، وما إذا كانت ستمنح إسرائيل هامشًا أوسع لمواصلة عملياتها، وربما إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة.

وعود وقف النار

تتزايد التسريبات حول احتمال التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت في لبنان، لمدة أسبوع أو أسبوعين، مع محاولات كل طرف نسب هذا الإنجاز إليه، خصوصًا بعد انطلاق مفاوضات واشنطن.

وأفادت هيئة “البث الرسمية” الإسرائيلية بوجود اتصالات لوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، فيما طلبت الإدارة الأميركية من نتنياهو دراسة هدنة مؤقتة كخطوة حسن نية تجاه لبنان. كما نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” توقعات مسؤولين لبنانيين بقرب التوصل إلى اتفاق.

إلا أن نتنياهو تجاهل هذه الطروحات، ورفع سقف التصعيد بإعلانه توسيع الحزام الأمني، والسعي لحسم المعركة في بنت جبيل.

وفي السياق نفسه، أفادت صحيفة “معاريف” بأن نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب توافقا على منح إسرائيل مهلة زمنية لاستكمال عملياتها العسكرية في لبنان.

بالتوازي، عقد المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) اجتماعًا لبحث وقف مؤقت لإطلاق النار، لكنه انتهى من دون اتخاذ قرار، وفق ما ذكره موقع “أكسيوس”.

ألترا صوت

————————

==================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى