سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

لماذا كلُّ آخرَ عدوٌّ؟/ أنور محمد

28 ابريل 2026

فلتذهبْ سورية إلى الجحيم إذا بقيت روح لصوصها حيَّة. كأنَّ هذا ما أراده لها مثقَّفوها وخزَنَتُها وكتَبَتُها و”سدنتُها” وتجَّارُها؛ لقد فرُّوا حين بدأت الحرب في 2011، بقي ولكن طعاماً للِّص. فلا قصيدة ولا لوحة ولا معزوفة ولا مسرحية. ولما انتخى الذي انتخى ليس إحساساً بالذنب أو بارتكابه الخطيئة تجاه سورية التي سُوِّيت أغلب مُدُنِها بالأرض، فجثث أبنائها كانت تتطاير وهي تشوى بنار القذائف والبراميل، صارَ يرثي حالها ويتعاطف من بعيد مع أهلها الذين لم يرحلوا، وكأنَّه يُكمِّل على ما بقي من حياة سورية، فينال من كبرياء ناسها وحجارتها.

ما الذي أصاب عقل سورية؟ عقل ناسها، كأنَّهم انشغلوا طوال سنوات الحرب بخلاصهم الذاتي، في إنقاذ جلدهم من قسوة العنف الذي حلَّ بسورية. ما الذي يجري لنا؛ علينا؟ لماذا يَهربُ مَنْ هَرَب، والذي بقي يُعيدنا إلى قول قابيل: “وهل أنا مسؤولٌ عن الحفاظ على أخي؟” نعم أنتَ مسؤولٌ يا قابيل، فاذهب إلى الفلاة وقبل أن تدفن أخاك: انحرْ نفسك؛ طهِّرْ نفسك.

أين المخزون المعرفي للمُثقفين الذين بدل أن يفرجونا تواضعهم العلمي؛ الأخلاقي، ذهبوا إلى الاستعلاء الحربي. رجل الدولة؛ رجل المسرح؛ رجل الفنون عموماً يحترم التعددية الفكرية، ويحميها، يحرسها حتى تعيش الدولة. في الواقع؛ ومدن سورية وهي تحترق في هذه الحرب؛ كان المُثقَّفُ المؤلِّفُ يمارسُ دور الإقطاعي القبلي فلا ننتقل من البداوة إلى الحضارة حتى لو كان أغلب السوريين ما يزالون بُداة، وهم في هذا الجحيم على مدار الدقيقة منذ بدأت الحرب.

المثقف السوري وإن كنتُ قاسياً ومتطرِّفاً لم يتدخَّل في الحرب، إنْ في الموالاة أو المعارضة، هو هربَ منها وعلى الضفاف، في المنافي الاختيارية حيث نفى نفسه، صار يبرِّئ ويخوِّن ويعطي صكوك غفران، صار “بطل” سورية. فيما الذين بقوا في الأراضي تحت الأنقاض فوق الخراب، انقضَّ عليهم لصوص الحرب. هناك أطرافٌ تتحارب، هناك أطرافٌ تُوغِرُ صدور المتحاربين، هناك أطراف تقتات على الحرب، هناك؛ هناك. ألا يحسُّ بالعار وهو يقتل من ائتمنوه على حياتهم. وإذا كانت الحياة تستحقُّ أن تُعاش فلِمَ هي حقٌّ له، فيما الموت ضروري للآخر، ولماذا كلُّ آخر هو عدوٌّ؟

سورية مُذْ صارت حاضرة؛ عقلها اشتغل بالفنون وبالفكر الرياضي والعلمي والاقتصادي، وهو- عقلها؛ في لا شعوره الثقافي ينتج نصه من شرط علاقته بالحياة والواقع والتاريخ. عقلٌ له نصُّه الذي يستمد قوَّته من المخزون الشعوري واللاشعوري السوري. ما الذي يريده المُثقفون من سورية والسوريين؟ وكأنَّ الفكر- التفكير فيما يجري علينا، لم يمر عليهم أو لا يعرفونه فيما نحن نستحقُّ كل هذا الموت.

مَنْ يُخلِّصنا من هذا الموت؟؟ وأنا أمشي في شوارع اللاذقية ودمشق وحلب وإدلب أرى آثار الموت التي خلَّفها الأسدُ، موتٌ يمرُّ من جانبي ومن فوقي ومن تحتي. عيشوا الموت. نعم عيشوا الموت. سنواتٌ وسنوات ولا من مثقَّف سوري ينتصر لهذه التي اسمها سورية. طبعاً هناك استثناءات. غير أنَّ أغلبيتهم انسحبوا من حياتها، وصاروا يرجمونها بأحجارهم، فهم مثل غيرهم يؤمنون كثيراً بحريَّة الكلام وحريَّة التفرُّج على الجحيم السوري. ماذا نفعل؟ في العُرف، وفي السِّلم عندما نرى جنازة تمرُّ أمامنا ينتخي الواحد منَّا ويهرول ويشيل “كتفاً”. في الحرب والجنازات لا عدَّ ولا عديد لها- جنازة سورية؛ لا نرى ومن المثقفين مَنْ يشيل كتفاً. أين الوحدة الاجتماعية للمثقفين السوريين الإقطاعيين منهم والمشاعيين، العلمانيين والقديسين الظافرين. أين خزَّاناتهم الساحرة التي فيها وجدانهم؛ وجدانهم الذي أقل ما يمكن أن يفعله- ألا يغتصب الحياة على أنَّها (له) وحده. فما يجري على سورية استثنائيٌّ ولم يكن متوقعاً: تُمحى الجغرافيا، تُقتل العصبية الوطنية، نُهجَّن، وتُميَّع هويتنا.

أين ولاءاتنا لسورية، ذاك المجتمع المتماسك المُتعصِّب لكرامته؟ أليست الكتابة الإبداعية تعبيراً عن ألمٍ ووجعٍ أو فرح، فيتوهَّج فيها العقل ليُعيد إلينا ما خسرناه، يُعيد إلينا قوَّتنا؟

لقد انقلب العالمُ على سورية، فأخذوا منها المدنية ورموها بالهمجية، وبالجمود والمتطرفين. وهنا نسأل: ماذا صنع المسرح؟ الرواية؟ اللوحة؟ الموسيقى؟ مقابل ما صنعه اللصوص؟ أليس اللصوص أكثر جرأة من المثقَّف؟ فهم في مسرحياتهم ورواياتهم وقصائدهم ينشرون دراما حقيقية: إنَّهم ممثلون ينهبون؛ يقتلون؛ يدمرون؛ يغتصبون جمهورهم وبقسوة مفرطة، وكأنَّ جرائمهم هذه تسمو بهم، فيما الآداب والفنون خاصة المسرح، يذهب إلى الحضور الإنساني على خشبته، وإن كان الحضور هو غياب؛ الغياب. لأنَّه إعادة إنتاج لِما استُهلك فيزيائياً من مكان وزمان. السوري في هذه الحرب التي ما تزال طبولها تُقرع كانت النصوص بأشكالها وأجناسها تلتهمه، تلتهم جسده وروحه التي انخرطت في الحرب، بما فيها نصوص اللصوص، فيما هي ما تزال تدَّعي أنَّها تشيدُ علاقات جمالية، علاقات تُحلِّلُ كلَّ حرام، وتُقبِّحُ كلَّ جمال، وتحملُ الخراب والجنون والرعب. فالموت السوري ما عاد مأساوياً حيث للموت سحرٌ في “التراجيديا” باعتباره استدعاء لينابيع الحياة. الموت للسوري صار عقاباً رهيباً لابدَّ منه.

نحنُ؛ وهذا ما أثبتته الحرب، شعبٌ مُضطهد عاطفياً، ويعيش فراغاً روحياً، وإلّا فلماذا نرى كل هذا العنف الجسدي واللفظي الذي يملأ الفضاء العام؟ ولماذا نبدو وكأننا غرباء وأعداء، التقوا الآن في ساحة معركة، ولم يكونوا دائماً في حي واحد وقرية واحدة؟ وما معنى هذا القمعِ والإبادةِ العنيفةِ لكلِّ مَنْ يُخالفنا أو يختلف معنا فيرمينا بالسيف؛ وأيضاً بالقلم

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى