سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

تلك اللحظة/ يعرب العيسى

02 سبتمبر 2025

لا أحد يريد استعادة بشّار الأسد. الجميع يريد استعادة لحظة هروبه. في داخل الجميع رغبة سوريالية، بأن يهرب بشّار الأسد مرة ثانية، حتى لو كان ثمن ذلك عودته نصف ساعة أو بضع دقائق (عملياً لا أحد يستطيع احتماله أكثر من ذلك، ولو في حلم سوريالي). لا لأن التخلص منه كان مطلباً وحلماً شعبياً، ولا لأنه الخطوة الأولى والحصرية لأي تحرّك ممكن لسورية نحو الأمام أو الخلف، أو اليسار أو اليمين. ليس لهذا السبب وأمثاله فقط. بل لأنها ببساطة اللحظة التي انفتح فيها باب الأمل.

ولا بهجة تستطيع أن تملأ الإنسان أكثر من الأمل. وقد ملأتنا تلك البهجة (ربما باستثناء بضعة آلاف من الذين ضربتهم صاعقة الذعر)، وعبّر كل واحد منّا بطريقته عنها، فحشد البعض أدواته النقدية ومناقبه الوطنية في جعبة سهام، أمسك قوس الحرص وبدأ بتسديد سهامه على كل خطأ أملاً بتصحيحه. استمر بعضهم بعيش طزاجة اللحظة ذاتها، عبر غض الطرف عن أي خطأ مهما بلغت فداحته، وتبرير أي انتهاك، وإنكار ما هو واضح وضوح الشمس، تغليب قسمة النحن وهم، على قسمة الخطأ والصواب. عرف البعض أن هذه لحظة وليست الأبد، وأن الحياة الواقعية ستعود إلى طبيعتها القاسية سريعاً، وأن لحظات الفرح عابرة ونادرة واستثنائية، فتحفزوا للحظات القسوة، حتى أنهم استبقوها.

تدرّجنا على سلّم التعامل مع اللحظة الاستثنائية، وتباعدت درجاتنا، حتى ليصعب على كثيرين منّا الآن أن يفهموا ماذا يجري هناك، في الحارة التالية، ولماذا يفكر أهلها بتلك الطريقة. صار صعباً على عقولنا، استيعاب أي اختلاف عمّا يدور فيها، ولكن كان بكلمة أو حتى بنبرتها.

نبدو للآخرين مجموعة من المجانين المتحاربين الذين سيستأنفون قتالهم في أي لحظة، وفي أي ساحة، ولأي سبب. في الوقت الذي كان علينا أن نبدو معاكسين تماماً لهذه الصورة، فنحن مجموعة من الناس يتشاركون أثمن شيئين يمكن تشاركهما: الأمل والقرصة.

ليست هذه التباينات الحادة التي تفرّق بيننا، في حقيقتها، سوى درجاتٍ على سلم، أو خطواتٍ على درب، سبق بعضنا فيها الآخر بخطوة أو خطوتين. فهم بشكل عميق، ما معنى أن بشّار الأسد رحل، ومعنى أنه لن يعود، ومعنى الفرصة التي أتيحت لنا، وكيفية التقاطها.

كما كنّا دائماً، نحن موزّعون على خطوط تشع من نصف دائرة، أو على مخطط بياني متدرج، وكل منّا ينظر إلى يمينه فيرى جميع من يقفون هناك يشبهون ذاك الذي في آخر الصف، وينظرون يساراً فيرون الشيء نفسه، لا يميزون تدرج هؤلاء وأولئك. لذلك يبدو الجميع وكأنهما شخصان اثنان فقط. شخصان متناقضان حد الحرب.

هي لعنة النمذجة، التي تضع قوالب ثم تلقي بالناس عليها كيفما اتفق. تقص من أقدام هذا، وتمطّ ذاك، ليطابقوا القوالب العقلية الجاهزة.

لو بحثت عن تبرير لهذا التناقض الذي يحدث، بين لحظة البهجة والأمل التي انفجرت، وبين حالة اليأس شبه المعممة، وعلامات الخراب التي توشح كل شيء، لربما استسهلت الإجابة، وقلت إننا مجانين وأننا لا نستحق بلداً كهذا البلد، وأننا بالأصل خربون، فالطبيعي أن نخرب فرصتنا وبلدنا.

ولكن ألسنا خارجين من السجن للتو؟ أليس هذا حال السجين المفرج عنه في كل الأماكن والأزمنة؟ سيما وأن السجن الذي كنا فيه منذ عقود ترك سياطه على جلودنا، وحديد زنازينه على رؤوسنا، فكبّلها، وترك صدأ حوافه على حوافها.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى