سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عن فسحة الأمل السورية/ موفق نيربية

في جوابه على سؤال، أجاب ديفيد بتريوس الجنرال الأمريكي المتقاعد وقال: «إن فكرة الجلوس مع شخص كان يقاتل القوات التي تشرفت بقيادتها ليست جديدة عليّ، وقد تكررت في تجارب سابقة. وفي الواقع، سبق لي أن قبلت استسلام وزير الدفاع في نظام صدام حسين، خلال السنة الأولى لي في العراق، حين كنت في مدينة الموصل. ومع ذلك، فإن اللقاء الأخير كان يحمل طابعا سرياليا بحق. ما كان مشجعا للغاية هو الانطباع الذي تكوّن لدي عنه. بدا صاحب حضور، يتحدث بهدوء، ويتسم بالتفكير العميق والاتزان والاعتدال في الطرح. وقد صرّح بأن ما يسعى إلى تحقيقه في سوريا هو، في جوهره، ما كنت أطمح إليه حين كنت قائدا برتبة لواء مسؤولا عن محافظة نينوى، وعاصمتها الموصل، في بدايات عملي في العراق. صحيح أن سوريا تمثل نطاقا أوسع بكثير من مجرد محافظة عراقية، لكن ما سعيت إليه آنذاك هو ما يسعى هو إلى تحقيقه اليوم، وهذا كان باعثا على الأمل»…

ومثل بتريوس، تجتاح السوريين في الوطن والمنافي، هواجس قوية وخطرة حول حقيقة احتمال حلول الوحدة والسلام في بلادهم، وتواجههم أسئلة مريرة تتعلّق بإمكانية إعادة إعمار الدولة والإنسان والمجتمع، من دون تحقيق حكم القانون، وسيادته فوق الجميع، بعد أن أصبحت الحالة أقرب إلى الفوضى. وللأسف ما زالت القوى المهيمنة حتى الآن تهرب بوعيها إلى مقدّمة ابن خلدون، بحثاً عن العصبيات والهويّات حاملة النزعة العدوانية والنافرة النابذة، وعن «سوالف» الحروب وأمجاد فرضِ ما لم يعد ممكناً فرضه.

كذلك لا بدّ من تجديد البحث في الأسئلة التقليدية، حول سيادة القانون، وإعادة الإعمار، وما بينهما من روابط، أو إمكانيتهما: معاً أو كلاً منهما على حدة. لا يهدف هذا المقال إلى تلوين الأحلام، مع كلّ الحرص على أيّة بارقة أمل، لا يريد لها أحد أن تخبو وأن تتلاشى؛ بل إلى المراجعة وتلمّس الطريق أو بعض جوانبه.

إعادة البناء في سياق ما بعد النزاع، هي عملية شاملة تستهدف المجتمع الممزّق أيضاً، وتتعلق – إضافة إلى الموارد الهائلة لتمويلها- بسيادة القانون بعدة جوانب رئيسية:

أولّها أن تتعزّز ثقة المواطنين وإرادتهم، مع رجال الأعمال والاقتصاد، والشركات والدول الأجنبية. فإعادة بناء المؤسسات القانونية والقضائية، تساهم في استعادة ثقة المواطنين بالنظام، والتأكّد من سيادة القانون وحكمه يعطي الأمان للأطراف الأخرى المذكورة. من جهة أخرى، لا بدّ أن يشعر الناس بأن هناك جهة تحمي حقوقهم وتضمن العدالة.

تتطلب إعادة البناء تقوية المؤسسات الحكومية والقانونية، وأن تكون مستقلة وفعالة، مما يعزز من قدرة الدولة على تطبيق القوانين وحماية حقوق المواطنين. وهي تشمل وضع سياسات لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية. لا بدّ أن تركز جهود إعادة البناء على تطبيق القوانين بشكل عادل وفعال، فمن خلال إنشاء آليات وأدوات فعالة لإنفاذ القانون، يمكن للدولة ضمان عدم إفلات أي شخص من العقاب، وتعزيز شعور الأمان لدى المواطنين. إعادة البناء تتضمن أيضا جهود المصالحة والتسامح بين شرائح المجتمع المختلفة. كذلك، عندما يتم التعامل مع الآثار السلبية للنزاع، يمكن تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز الالتزام بالقانون. تترابط العدالة الانتقالية وترتيبات السلم الأهلي، وتعزّزان بعضهما بعضا في عملية المصالحة مع الماضي والتسامح مع ما يمكن من التئام جراحه.

ثانيا، لإعادة البناء الفعلية، يجب أن تتلقى الدولة الدعم من المجتمع الدولي، وأن سيادة القانون تزيد من إقبال ذلك المجتمع على تقديم المساعدات المالية والفنية، وهذا بدوره يمكن أن يساعد في إنشاء مؤسسات قانونية قوية تعزز سيادة القانون.

باختصار، يمكن أن تساهم جهود إعادة البناء في تعزيز حكم القانون في سوريا، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارا وعدلاً؛ لكنّ الأهمّ هو أن التأكّد من سيادة القانون واستقلال مؤسّساته هو أمر لازم عضوياً لإعادة الإعمار، لتكون صحيحة ومنهجية وعميقة ومثمرة. في مطلع العام الجاري، أصدر البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تقريراً بعنوان» اقتصاد مُدَمّر، وفقر طاغٍ، وتحدّيات على الطريق إلى التعافي الاجتماعي والاقتصادي»، أشار فيه إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة لسوريا:

أولّها استمرار سوريا بالنموّ على المعدّل الملاحظ في السنوات الأخيرة (1.3% سنوياً بين عامي 2018- 2024). وحيث تشير محاكاة النمو الاقتصادي إلى أنه إذا استمرت البلاد في النمو بالمعدل المتواضع هذا، فلن يعود ناتجها المحلي الإجمالي إلى مستويات عام 2010 حتى عام 2080، أي بعد ما يقرب من 55 عاما من الآن. يُبرز هذا التوقع الصارخ التحديات الاقتصادية الهائلة المُقبلة، والحاجة المُلحة إلى سياسات تُسرّع النمو، وتجذب الاستثمار، وتُعيد بناء البنية التحتية والصناعات الأساسية لتقصير الجدول الزمني للتعافي.

وثانيها، لو لم يكن الهدف استعادة الاقتصاد السوري إلى مستواه في عام 2010 فحسب، بل أيضا الوصول إلى الناتج المحلي الإجمالي، الذي كانت سوريا ستحققه لولا الصراع، لكان معدل النمو المطلوب مرتفعاً وربّما خرافياً. في سيناريو نظري بحت، لو نما الاقتصاد بمعدل سنوي متوسط قدره 10.3% فإن التعافي الكامل إلى مسار الناتج المحلي الإجمالي دون صراع سيستغرق 20 عاما.

وثالثها، استعادة مستوى الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010. هنا يشير سيناريو أكثر واقعية، وإن كان طموحا، إلى أنه إذا نما الاقتصاد السوري بمعدل سنوي متوسط خارق قدره 7.6%، فقد يعود إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 (بالأسعار الثابتة) في غضون عقد من الزمن. ومع ذلك، لا يأخذ هذا السيناريو في الاعتبار الخسائر الإضافية في الناتج المحلي الإجمالي، التي تكبدتها البلاد منذ عام 2010 بسبب استمرار الصراع. وحتى بهذه الوتيرة المتسارعة، ستظل البلاد تواجه طريقا طويلا لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو اللذين كان من الممكن تحقيقهما في غياب الحرب. تلك كلّها حسابات افتراضية، قد تنفع فقط لإدراك حجم المهمة المقبلة، وتجنّب الأوهام الزائفة.

حتى الآن، يبدو أن الحكومة الحالية تنتظر من أجل التعافي «الفزعات» المالية، أو « الصرر» بلغة أمهاتنا، لتوزّعها. لا يمكن الجزم بأنّ ذلك ما سيكون عليه الأمر، ولكن نتمنّى أن نتثبّت من أنه شيء أفضل نوعياً. واحتمال إعادة إحيائها وتشغيلها لأوليغارشيا الأسد يبعث على التشاؤم أيضاً. لم ينعكس مشهد ديفيد بتريوس في مقابلته المذكورة في مقدمة المقال مع أحمد الشرع على رؤيته للوضع، ورأى في توحيد السوريين تحدّياً بالغ الصعوبة مع ما جرى في الساحل وجبل الدروز ويمكن أن يجري مع شمال شرق البلاد، وكرّر مقارنته بتلك «النجاحات» التي حققها الأمريكيون في العراق، وقارنها حتّى بتجربة الموصل خصوصاً، حيث كان يقود الحملة.. لكنّه لم يقترب إطلاقاً من أسباب تلك الصعوبة في العجز عن التعامل مع أسس بناء الدول وتقدّمها.

وكادت كلمة الأمل الضرورية تصبح مبتذلة في تلك السياسات، إذ تمتزج بالمرارة المتجسّدة! وفي ردّه على سؤال آخر حول قدرة الشرع على توحيد السوريين، كان جواب ديفيد بتريوس أيضاً يتعلّق بالأمل، حين قال: «إن تحقيق هذا الهدف تحدٍّ بالغ الصعوبة، ويمكن رؤية مدى تعقيده على أرض الواقع. هناك عناصر في الشمال لا تزال ترتبط ارتباطا وثيقا بتركيا، والعلويون على الساحل، وبينهم بقايا النظام السابق، والدروز في الجنوب، فضلا عن قوات سوريا الديمقراطية، التي تتألف في معظمها من الأكراد السوريين في الشمال الشرقي، إلى جانب طيف واسع من المكونات الأخرى في هذا المشهد السوري المعقد للغاية. ومع ذلك، لا أرى أن الأمر مستحيل، لكنه بالغ الصعوبة كما كنا نقول، خلال حملة التعزيز في العراق، فالصعوبة لا تعني انعدام الأمل». كادت كلمة الأمل التي نحتاج إليها تصبح مبتذلة في تلك السياسات، إذ تمتزج بالمرارات المتجسّدة وكلّ هذا العبث!

كاتب سوري

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى