تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

خريطة العلاقات مع أوروبا بروافع سياسية.. ماذا يعني قرار نقل سوريا من الدول المغلقة إلى المفتوحة؟/ هبا أحمد

أبريل 7, 2026

تمضي الدول الأوروبية قدما في مسار دعم سوريا في مرحلتها الجديدة، وهي، إذ تراكم عوامل الدعم والمساندة في عملية إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد السوري، فإنها تستند أساسا إلى عوامل تراكمها الدولة السورية في سياق تعزيز الأمن والاستقرار وبناء شبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة وكبيرة، في سياق الانفتاح الذي رافق التحول السياسي في البلاد وصولا إلى تكريسه اليوم، حيث بدأت مفاعيله بالظهور تباعا، من خلال حركة استثمارية نشطة وداعمة لبناء سوريا الجديدة.

في هذا السياق، قال القائم بالأعمال الفرنسي في سوريا، جان باتيست فافر، عبر منصة “إكس”: “في إطار دعمها لإعادة إعمار واستقرار سوريا، تقدم فرنسا المساعدة للشركات الفرنسية الراغبة في العمل هناك”. وأضاف: “نشرت المديرية العامة للخزانة، في آذار، سياسة تمويل الصادرات الفرنسية لعام 2026، حيث انتقلت سوريا من فئة الدول المغلقة إلى فئة الدول المفتوحة للاستفادة من أدوات وزارة الاقتصاد والمالية. وبناء على ذلك، يمكن للشركات الفرنسية الراغبة في التمركز في سوريا الآن التقدم بطلب للحصول على صندوق الدراسات ومساعدة القطاع الخاص، كما يمكنها الاستفادة من ضمان ائتمان الصادرات بشرط وجود تمويل مشترك متعدد الأطراف”.

القرار الفرنسي بنقل سوريا من قائمة الدول المغلقة إلى قائمة الدول المفتوحة ينطوي على أبعاد سياسية واقتصادية معا، تتلخص في أن سوريا الجديدة تجاوزت، بإقرار المجتمع الدولي، الكثير من العقبات، وبات ينظر إليها كشريك محتمل في ملفات سياسية واقتصادية إقليمية ودولية، وبالتالي فإن دعمها يصب في صلب هذه الشراكة. كما أن القرار يعني أن الأرضية السورية باتت مهيأة أمنيا وسياسيا واقتصاديا لدخول شركات أجنبية والانخراط في الحراك الاستثماري لإعادة إعمار سوريا، وهذا ما استدعى بالضرورة اتخاذ مثل هذا القرار.

ويتيح هذا التصنيف إمكانية دعم مشاريع القطاع الخاص عبر برنامج دراسات وتمويل المشاريع، إلى جانب السماح بالعمل في سوريا في حال وجود تمويل مشترك من جهات دولية متعددة. وتشير المعطيات إلى أن فرنسا تتجه نحو انخراط محدود في ملف إعادة الإعمار، من دون تقديم تمويل مباشر أو واسع النطاق، مع الاكتفاء بدعم الدراسات والمشاريع الأولية.

عن الدور الفرنسي

منذ التحول السياسي الذي شهدته سوريا، بات واضحا توجه باريس نحو قيادة مبادرة دبلوماسية لدعم سوريا الجديدة ولعب دور محوري في منطقة الشرق الأوسط، إذ أبدت باريس دعما سريعا ونشطا للقيادة السورية الجديدة، مرتكزة على مساعي إعادة إعمار سوريا وحماية استقرارها. وتعزز هذا التوجه باستضافة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرئيس أحمد الشرع، في أول زيارة له إلى أوروبا العام الماضي، كما أوفدت باريس دبلوماسييها لإعادة افتتاح سفارتها في دمشق، المغلقة منذ 14 عاما، وزار وزير الخارجية جان نويل بارو العاصمة السورية، ليكون أول مسؤول أوروبي يخطو هذه الخطوة، إلى جانب تنظيم مؤتمرات لدعم سوريا في باريس.

وخلال زيارة الرئيس الشرع، قال: “الاستقرار في سوريا مهم للمنطقة بأكملها ولفرنسا”، معلنا التزامه بتطلعات الشعب السوري.

وفي كانون الثاني الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أن وزير الخارجية، جان نويل بارو، استقبل في باريس نظيره السوري، أسعد الشيباني، في لقاء تناول سبل تعميق العلاقات الثنائية بين البلدين دعما لمسار استقرار سوريا في مرحلتها الجديدة.

وفي بيان لها، قالت الخارجية الفرنسية إن اللقاء يأتي في سياق استمرارية التواصل السياسي بين الجانبين، عقب زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى دمشق في كانون الثاني 2025، وكذلك زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى باريس في نيسان من العام نفسه، في إطار تعزيز التعاون بين باريس ودمشق خلال المرحلة الانتقالية.

وأشاد الوزير الفرنسي بقرار سوريا الانضمام إلى “التحالف الدولي ضد داعش”، معربا عن ترحيبه بالعملية العسكرية التي نفذت ضد التنظيم في الثالث من كانون الثاني الماضي، والتي جرت بشكل مشترك مع المملكة المتحدة، وبالتنسيق مع السلطات السورية.

ويرى مراقبون أن فرنسا تحلم بالعودة إلى سوريا، في ظل سباق اقتصادي واضح مع ألمانيا وإيطاليا، إذ تعتبر باريس أن إعادة الإعمار فرصة استراتيجية للعودة السياسية والاقتصادية، إلى جانب مشاريع الطاقة والبنية التحتية، خاصة مع الاهتمام المتزايد بإعادة إحياء خطوط نقل الغاز والنفط التي تربط سوريا بأوروبا، مثل خط أنابيب الغاز العربي وخطوط النفط القادمة من العراق، ما يسهم في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي ويدعم الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة الإعمار.

وتمتلك فرنسا خبرة واسعة في تطوير البنية التحتية، وهو ما يمكنها من لعب دور رئيسي في تحديث الموانئ السورية مثل طرطوس واللاذقية، إضافة إلى تحسين شبكة الكهرباء عبر مشاريع الربط الإقليمي بين سوريا والدول المجاورة.

ووقعت شركة CMA CGM الفرنسية عقدا مدته 30 عاما مع الحكومة السورية، لتطوير وتشغيل “ميناء اللاذقية”، في خطوة اعتبرت مؤشرا واضحا على انخراط باريس المباشر في رسم ملامح المرحلة الاقتصادية المقبلة في سوريا.

تحول لافت

ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، أن إعلان المديرية العامة للخزانة الفرنسية نقل سوريا من فئة “الدول المغلقة” إلى فئة “الدول المفتوحة” في سياسة تمويل الصادرات لعام 2026 يشكل تحولا لافتا في المقاربة الفرنسية تجاه الملف السوري، وهو تحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياقين السياسي والاقتصادي معا.

وتقول الشياح في تصريح لـ “الثورة السورية”: “في السابق كانت سوريا تصنف ضمن “الدول المغلقة”، وهي فئة تشير إلى الدول التي يحظر على الشركات الاستفادة من أدوات الدعم الحكومي الفرنسي عند التصدير إليها، مثل القروض ومنح الضمانات والتأمينات، وذلك بسبب ارتفاع المخاطر السياسية والمالية، أو نتيجة العقوبات الدولية وعدم الاستقرار، أو بسبب عدم القدرة على السداد، وبسبب التزام فرنسا بمنظومة العقوبات الأوروبية والأميركية التي قيدت بشكل كبير أي انخراط اقتصادي مباشر. هذه العقوبات، سواء تلك الصادرة عن الاتحاد الأوروبي أو المرتبطة بتشريعات أميركية مثل قانون “قيصر”، استهدفت قطاعات حيوية كالمصارف والطاقة وإعادة الإعمار، ما جعل أي استثمار أجنبي محفوفا بمخاطر قانونية ومالية كبيرة”.

وبالتالي، فإن هذا التصنيف كان يعني عمليا عزل السوق السورية عن أي اهتمام اقتصادي فرنسي منظم، وتركها خارج دائرة التمويل والتأمين والاستثمار المدعوم. ووفقا للباحثة الاقتصادية، فإن قرار نقل سوريا إلى فئة “الدول المفتوحة” يعني أنه بإمكان الشركات الفرنسية الاستفادة من بعض الأدوات، مثل تمويل دراسات المشاريع وضمان ائتمان الصادرات، مع ضرورة وجود تمويل مشترك متعدد الأطراف. وبذلك، تحاول فرنسا تقليل المخاطر من دون التخلي عن فرصة الدخول إلى مرحلة إعادة الإعمار.

تراجع سياسة العزل الاقتصادي

توضح الدكتورة الشياح أن هذا التحول، سياسيا، يعكس إعادة تموضع فرنسية في الملف السوري. فمن جهة، يشير إلى تراجع نسبي في سياسة العزل الاقتصادي الصارم، ومن جهة أخرى، يعكس رغبة في الحفاظ على موطئ قدم في سوق يتوقع أن يشهد تنافسا دوليا متزايدا، خاصة من قبل قوى مثل روسيا والصين. كما يحمل القرار رسالة دبلوماسية مفادها أن الانخراط الاقتصادي يمكن أن يتقدم تدريجيا.

أما اقتصاديا، فيفتح هذا القرار الباب أمام عودة الاهتمام الاستثماري بالسوق السورية. فوجود ضمانات ائتمان الصادرات يقلل من مخاطر الشركات، ويشجعها على دراسة مشاريع في قطاعات حيوية كالبنية التحتية والطاقة والمياه. كما أن التمويل متعدد الأطراف قد يسهم في إدخال مؤسسات دولية إلى المشهد، بما يعزز فرص تنفيذ مشاريع أكثر استدامة وشفافية، مع ترجيح أن يتركز النشاط في قطاعات مثل الخدمات الفنية أو المشاريع ذات الطابع الإنساني والتنموي.

وعلى صعيد الداخل السوري، لفتت الدكتورة الشياح إلى أن هذا التحول قد ينعكس بشكل تدريجي على تحريك عجلة الاقتصاد، من خلال إطلاق مشاريع جديدة، وخلق فرص عمل، وتحريك قطاعات مثل البناء والخدمات، وتحسين بعض الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ونقل.

أداة تمويلية

ترى الدكتورة مادلين حاج خليل، المختصة في الاقتصاد المالي والنقدي، أن القرار الفرنسي الأخير حول سوريا ينظر إليه باعتباره أداة تمويلية دقيقة تدار بحذر مؤسسي عال، وتضع الاقتصاد السوري أمام اختبار جاهزيته الداخلية، مما يجعله محطة مهمة للتفكير في كيفية تحويل القرار إلى مكاسب تنموية حقيقية.

وتقول الدكتورة حاج خليل في تصريح لـ “الثورة السورية”: “لفهم جوهر هذا القرار، يجب أولا تحليل النظام الفرنسي لتمويل الصادرات وآليات عمله، إذ تعتمد فرنسا على شبكة مؤسسية متكاملة تضم شركة التأمين على الصادرات “Coface”، وبنك الاستثمار العام “Bpifrance”، وصندوق الدراسات والمساعدة القطاعية “FASEP”، وتصنف الدول وفق مخاطر الائتمان السياسي والاقتصادي إلى فئات مغلقة يتوقف فيها أي دعم رسمي، وفئات مفتوحة تتفاوت في مستوى الانكشاف والمخاطر.

والانتقال السوري إلى خانة “مفتوح” يعني عمليا أن الشركات الفرنسية لم تعد محظورة رسميا من التقدم بطلبات التمويل، مع وجود تمويل مشترك متعدد الأطراف، وربط المشاريع بدراسات جدوى معتمدة، وتطبيق معايير الحوكمة والشفافية الدولية.

ومن منظور اقتصادي كلي، تحمل هذا التصنيف جملة من الرسائل الهيكلية التي تستحق التوقف عندها. أولها أن التمويل سيكون موجها لا تلقائيا، فلن تتدفق السيولة الفرنسية بشكل عشوائي أو غير موجه، بل صممت الآلية لدعم مشاريع ذات أثر تنموي واضح وقابل للقياس، خاصة في قطاعات البنية التحتية المتضررة، وإدارة المياه، والطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية الخفيفة، والقطاع الزراعي ذي القيمة المضافة، وهي قطاعات تتقاطع مع الخبرات الفرنسية من جهة، ومع الأولويات الوطنية السورية من جهة أخرى، مما يخلق أساسا لشراكات قابلة للاستمرار.

وثاني هذه الرسائل يكمن في فلسفة تقاسم المخاطر كضمانة للاستدامة، فالتمويل المشترك متعدد الأطراف ليس تعقيدا بيروقراطيا، بل آلية دفاعية ضد التقلبات السياسية والمالية. فعندما يشارك صندوق أوروبي أو مؤسسة إنمائية دولية في تمويل مشروع، يرتفع مستوى الرقابة، وتطبق معايير الشفافية الدولية، وتقل احتمالية هدر الموارد أو تحويلها عن مساراتها التنموية. وهذا النموذج، وإن كان أبطأ في التنفيذ، فإنه أقل عرضة للصدمات الخارجية وأكثر قدرة على ضمان استمرارية المشاريع”.

تحويل الفرصة إلى مسار تنموي

وتوضح خليل أنه لتحويل هذه الفرصة إلى مسار تنموي فعلي، يمكن تصور مسار عملي يبدأ بإنشاء وحدة وطنية لتنسيق المشاريع المؤهلة، تعنى بإعداد حافظة مشاريع جاهزة تلبي معايير التمويل الدولي، مع تبسيط إجراءات الترخيص والاستيراد في قطاعات البنية التحتية والطاقة، وضمان وضوح الرسوم والجمارك، يلي ذلك إطلاق حوار مؤسسي مباشر بين غرف الصناعة والتجارة السورية والجهات الفرنسية المعنية.

ومع تقدم هذا المسار السابق الذكر، يغدو تطوير أطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص بقوانين واضحة لتوزيع المخاطر وضمانات العائد المعقول خطوة ضرورية، إلى جانب تعزيز قدرات البنوك المحلية في الامتثال الدولي وتمويل سلاسل التوريد المحلية، وإدماج معايير البيئة والمجتمع والحوكمة في المشاريع المستهدفة. وعلى المدى البعيد، يكتسب ربط التمويل الأجنبي بنقل التكنولوجيا والتدريب المهني أهمية قصوى، مع أولوية للمشاريع التي تدمج الكوادر السورية وتطور سلاسل القيمة المحلية، فضلا عن إنشاء صندوق ضمانات وطني تكميلي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومؤشر شفاف لمتابعة أثر الاستثمار الأجنبي على التشغيل والناتج المحلي.

وفي العام الماضي، بحثت وزارة السياحة سبل تعزيز التعاون في القطاع السياحي بين سوريا وفرنسا، خلال لقاء جمع وزير السياحة، مازن الصالحاني، مع القائم بأعمال السفارة الفرنسية في سوريا، جان باتيست فافر، في مقر الوزارة بدمشق.

وأكد الجانبان ضرورة تفعيل قنوات التعاون المشترك خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما في مجالات السياحة، والاستثمار السياحي، والتأهيل والتدريب السياحي، إضافة إلى التعاون الثقافي. كما جرى خلال اللقاء الحديث عن أهمية الاستفادة من الخبرة الفرنسية في مجالات الضيافة والتعليم السياحي، إضافة إلى ضرورة التعاون في تطوير المناهج العلمية، والأنظمة الإدارية، والتجهيزات، إلى جانب إحياء التعاون الثقافي والمتاحف، والاستفادة من التجربة الفرنسية باعتبارها إحدى الدول المتقدمة عالميا في مجال استقطاب السياح.

وبدأت السفارة الفرنسية مرحلة جديدة من العمل النشط والمتعدد المجالات في سوريا، بحسب ما قاله جان باتيست فافر خلال اللقاء، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية والتنموية، إضافة إلى السياحة. كما تحدث القائم بالأعمال عن تنظيم منتدى يضم أكثر من 40 شركة فرنسية مهتمة بالسوق السورية.

وشهدت العلاقات السورية – الفرنسية بعدا اقتصاديا مهما شمل عددا من القطاعات الاستراتيجية، إذ امتد التعاون قبل عام 2011 ليشمل قطاع النفط من خلال شركات مثل موريل وبروم وبتروكوبست العالمية المحدودة، وشركة توتال في قطاع الصناعات النفطية، وبيل في صناعة الأجبان، ولافارج في صناعة الأسمنت، إضافة إلى سي جي أم في الشحن البحري، إلى جانب مشاريع أخرى في مجال النقل والمواصلات والاتصالات والخدمات البريدية.

كما أن التعاون الصناعي برز في مجالات الهندسة والصرف الصحي والصناعات الزراعية، إلى جانب مشاريع الطاقة والغاز والكهرباء والسكك الحديدية، كما كانت الوكالة الفرنسية للتنمية تعمل على التمويل وتقديم الهبات والقروض، إلى جانب الخبرات التقنية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وإقامة مشاريع مشتركة بين القطاعين العام والخاص.

وبين عامي 2018 و2020، منحت فرنسا السوريين مساعدات إنسانية بقيمة 250 مليون يورو، إضافة إلى 850 مليون يورو كقروض لدعم بعض المشاريع التنموية. كما شهد التبادل التجاري بين البلدين نشاطا ملحوظا، إذ بلغ حجم الصادرات السورية إلى فرنسا 800 مليون يورو، بينما سجلت الصادرات الفرنسية إلى سوريا 600 مليون يورو، ما يعكس استمرار النشاط التجاري رغم التحديات الاقتصادية والسياسية.

إسبانيا تتقدم كشريك مستقبلي

وبالانتقال إلى ضفة أخرى، فمن المعلوم أن سنوات الحرب لم تلغ أهمية موقع سوريا الجيوستراتيجي، إذ بقي هذا الموقع على الدوام محط أنظار مختلف الدول، وعليه بنيت العلاقات ولا تزال، ولا سيما في المرحلة الراهنة حيث يعاد تشكيل العالم على خلفية الحرب “الإسرائيلية” الأميركية على إيران، وحيث تعيد سوريا صياغة دورها ومكانتها ومحوريتها، وتوسيع علاقاتها شرقا وغربا، وعلى نحو خاص مع دول الاتحاد الأوروبي.

ودولة بعد أخرى، تعيد سوريا وصل ما انقطع مع العالم، مستندة إلى دعم دولي وإقليمي كبير. وإذا كان الاتجاه الواضح نحو أوروبا هو اتجاه سياسي واقتصادي، فقد شهدت العلاقات بين سوريا والاتحاد الأوروبي نقلات نوعية وتحولات جذرية رسمت ملامح وآفاقا جديدة واعدة للتعاون والشراكة.

وتبرز في هذا السياق العلاقة مع إسبانيا، وكان لافتا ما صرح به وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بأن “سوريا تمثل أهمية للشرق الأوسط، والبحر الأبيض المتوسط، والمجتمع الدولي”. وتكمن أهمية سوريا لإسبانيا في كونها ركيزة للاستقرار الإقليمي، وتمثل شريكا ثقافيا وتاريخيا مهما في المنطقة، وبوابة للحوار في العالم العربي، إلى جانب التعاون في المجالات الأمنية.

وتكمن أهمية إسبانيا لسوريا في كونها شريكا أوروبيا فاعلا يدعم وحدة سوريا واستقرارها، مع التزام مدريد بدعم إعادة الإعمار، وتطوير العلاقات، والمساهمة في جهود السلام، إضافة إلى كونها جسر حوار مع الاتحاد الأوروبي.

ومن هنا يأتي قرار تشكيل مجلس الأعمال السوري – الإسباني، في إطار تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع مدريد، وبناء جسور تجارية مع العالم. وتضمن القرار، الذي أصدره وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، تعيين ماهر الصافي رئيسا للمجلس، وكل من عبد الرحمن مروان أورفه لي، ومؤتمن العبد لله، نائبين للرئيس، وباسل الخطيب مديرا تنفيذيا.

مسار العلاقة الإسبانية مع سوريا الجديدة

ومؤخرا، رحبت الحكومة الإسبانية بالإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد”. وقالت وزارة الخارجية الإسبانية، في بيان نشرته عبر موقعها الرسمي، إن هذه الخطوة تعد ركيزة أساسية نحو تحقيق الاستقرار في سوريا وإنهاء العنف، والتحرك الفعلي نحو وقف نهائي للأعمال القتالية بما يضمن توسيع نطاق وصول المساعدات الإنسانية.

وأكدت الوزارة التزام إسبانيا الراسخ بدعم انتقال سياسي سلمي وشامل، مشددة على ضرورة أن يحترم هذا المسار حقوق جميع السوريين احتراما كاملا، من دون استثناء أو تمييز، وبما يضمن انخراط جميع المكونات في بناء المستقبل.

وأشارت إلى أن العملية السياسية التي تستمع إلى جميع الأطراف، وتضمن المشاركة الفاعلة للمجتمع السوري بكافة أطيافه، هي وحدها الكفيلة بوضع أسس السلام الدائم، مشددة على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، معتبرة إياهما مبدأين أساسيين لإعادة إعمار البلاد وتحقيق الاستقرار الإقليمي، ولافتة، في الوقت ذاته، إلى أن إسبانيا ستواصل دعمها الكامل لجميع الجهود الدولية الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة بأسرها.

ومنذ التحول السياسي الذي شهدته البلاد في 8 كانون الأول 2024، انخرطت الحكومة الإسبانية سريعا في دعم سوريا الجديدة، وتم تعيين الدبلوماسي أنطونيو غونزاليس زافالا بيينا مبعوثا خاصا إلى سوريا، لدعم القائم بالأعمال وتعزيز السفارة الإسبانية، وأتى التعيين في “إطار الاستراتيجية لتعزيز الوجود الإسباني في دمشق لما تمثله سوريا من أهمية للشرق الأوسط”.

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إن بلاده والاتحاد الأوروبي يجب أن يوحدا جهودهما مع تركيا للوصول إلى سوريا مستقرة. وأكد ألباريس أن بلاده سيكون لديها تعاون استثنائي مع تركيا بشأن سوريا، مشددا على أن الدور التركي في سوريا والشرق الأوسط يحمل أهمية كبيرة، ويشكل موضع تقدير كبير لدى إسبانيا، لافتا إلى أن مدريد ترغب في دعم سوريا بتقديم المساعدات الإنسانية لضمان سلامة أراضيها وسيادتها وتلبية احتياجات شعب عانى كثيرا خلال العقد الأخير. كذلك شدد الوزير الإسباني على ضرورة احترام حقوق المرأة والأقليات الدينية والعرقية في سوريا، آملا تحقيق فترة انتقالية سلمية.

ورحبت الحكومة الإسبانية بإعلان تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا، الذي تم في 29 آذار من العام الماضي، واصفة الخطوة بالإيجابية والمهمة، التي من شأنها أن تمثل خطوة إلى الأمام نحو الوصول إلى سوريا سلمية وشاملة تضمن وحدة البلاد وسلامة أراضيها، مؤكدة التزام مدريد بمواصلة تقديم الدعم للشعب السوري، والاستمرار في التنسيق والتعاون الوثيق مع الشركاء الأوروبيين ودول المنطقة، بهدف المساهمة في استقرار سوريا وتعزيز السلام في الشرق الأوسط.

إعادة فتح السفارة الإسبانية

في العام الماضي، استقبل الرئيس أحمد الشرع ألباريس، الذي شارك في رفع علم بلاده فوق مقر سفارتها في دمشق، بعد نحو 13 عاما من تعليق مدريد أنشطتها الدبلوماسية في سوريا.

وأثناء ذلك، قال ألباريس: “يجب أن يعم السلام في سوريا، ويجب أن تكون سوريا مفتوحة لجميع الأطراف، ويجب احترام حقوق الجميع، بما في ذلك المرأة والأقليات العرقية والدينية”. وأضاف: “رفع العلم الإسباني هنا مرة أخرى هو دلالة على الأمل الذي لدينا في مستقبل سوريا، وعلى الالتزام الذي ننقله للشعب السوري من أجل مستقبل أفضل”.

وأكد القائم بأعمال سفارة إسبانيا في سوريا، فرانسيسكو خابيير بوغا يوبيس، أن العلاقات السورية الإسبانية تاريخية، مشيرا إلى أن مدريد ملتزمة بدعم الشعب السوري، وتعمل على استعادة حضورها الدبلوماسي والثقافي تدريجيا، بما يواكب مرحلة إعادة الإعمار.

وأوضح بوغا يوبيس أن سوريا تعد من أهم البلدان في المنطقة بالنسبة إلى إسبانيا من الناحية الثقافية، مشددا على وجود إرادة سياسية لدى حكومتي البلدين لإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه منذ عقود، وتطويرها في المرحلة المقبلة.

وكشف بوغا يوبيس عن خطط لإعادة افتتاح المركز الثقافي الإسباني “ثيرفانتس” في دمشق، الذي كان يشكل مرجعية ثقافية أساسية في العلاقات بين البلدين، وقال: “نعمل على إعادة افتتاح المركز في أقرب وقت ممكن، ونراه أداة مهمة للحوار الثقافي، ليس فقط في سوريا، بل في العالم العربي بأكمله”.

وأشار بوغا يوبيس إلى أن السفارة الإسبانية في دمشق لم تغلق أبوابها إطلاقا، بل استمرت في عملها خلال السنوات الصعبة. وأضاف: “إسبانيا لم ولن تترك الشعب السوري، ونسعى إلى توسيع حضورنا والعمل جنبا إلى جنب مع السلطات السورية لتحقيق تنمية حقيقية”، منوها إلى أن الحضور الدبلوماسي والسياسي والثقافي، والتعاون المشترك، يشكلان ركائز مهمة لإعادة بناء سوريا، وأن إسبانيا تعمل بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي لدفع عجلة التعاون في مختلف المجالات.

شراكة أمنية

في إطار حرص الجانبين السوري والإسباني على بناء شراكات استراتيجية فاعلة في المجال الأمني، وتوسيع آفاق التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، بحث وزير الداخلية السوري أنس خطاب مع المبعوث الإسباني أنطونيو غونزاليس سبل تعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب.

وبحث الجانبان سبل تعزيز مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى مناقشة آليات تبادل الخبرات في أنظمة الهجرة والجوازات، والتعاون في برامج تدريب قوى الأمن الداخلي، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق الرسمي بما يسهم في تحقيق أمن وسلامة البلدين.

ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن العلاقات السورية الإسبانية شهدت تطورا نوعيا بتشكيل مجلس الأعمال المشترك، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في تعزيز التعاون الاقتصادي، وفي ظل حراك دبلوماسي واستثماري يهدف إلى إعادة رسم خريطة التبادل التجاري والاستفادة من فرص إعادة الإعمار.

وقال الدكتور قوشجي في تصريح لـ”الثورة السورية”: يأتي قرار وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار بتشكيل مجلس الأعمال السوري الإسباني من الجانب السوري، على أن يتولى رئاسته رجل الأعمال ماهر الصافي، ليكون منصة مؤسسية تنظم وتوسع آفاق التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين، ضمن مساعي الحكومة السورية لبناء شراكات استراتيجية مع الدول الصديقة.

ولفت الخبير الاقتصادي والمصرفي إلى أنه، ورغم أن مرحلة إعادة الإعمار لا تزال في بداياتها، فإن إسبانيا تركز حضورها الاقتصادي في سوريا عبر محورين رئيسيين. الأول يتمثل في قطاع السياحة، حيث تبدي مدريد استعدادا واضحا لدعم هذا القطاع الحيوي، مستفيدة من خبرتها العالمية. فقد شهد نيسان 2025 لقاءات بين الجانبين لبحث إعادة تفعيل الاتفاقيات السياحية السابقة وتنظيم رحلات سياحية، في خطوة تعتبر بوابة طبيعية لجذب استثمارات أوسع في البنى التحتية الخدمية.

أما الثاني، ففي الإطار القانوني والحماية الاستثمارية، إذ توفر اتفاقية “تشجيع وحماية الاستثمارات” الموقعة بين البلدين بيئة قانونية آمنة للمستثمرين الإسبان، ما يشجع الشركات الإسبانية الكبرى المعروفة بخبرتها في مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة على دخول السوق السورية.

هيكل التبادل التجاري والفرص الواعدة

وحسب الدكتور قوشجي، تكشف البيانات التجارية الحديثة عن هيكل واضح للتبادل التجاري بين البلدين، حيث تركز الصادرات الإسبانية إلى سوريا على تلبية احتياجات السوق من المواد الأولية والمستلزمات الصناعية. وتشمل أبرز هذه الصادرات الصناعات الكيماوية كمواد الدباغة والصباغة بقيمة 5.30 مليون دولار عام 2023، والأسمدة بقيمة 2.51 مليون دولار، إلى جانب الصناعات الورقية بقيمة 6.01 مليون دولار، واللدائن والآلات، بالإضافة إلى مواد البناء كالملح والكبريت والجير والإسمنت، التي تشكل احتياجا حيويا لعمليات إعادة الإعمار.

وفي المقابل، لفت الخبير المصرفي إلى أن سوريا تمتلك فرصا كبيرة لتعزيز صادراتها إلى السوق الإسبانية، خاصة في المنتجات التي تشهد طلبا متزايدا. فزيت الزيتون البكر السوري، الذي استوردت منه إسبانيا 1.13 مليون يورو فقط في أيلول 2024، يمثل إمكانات نمو هائلة نظرا إلى كون إسبانيا مستوردا رئيسيا للزيوت النباتية. كما استوردت إسبانيا فوسفات الكالسيوم من سوريا بقيمة 1.23 مليون يورو في الفترة نفسها، وهو مادة خام مهمة للصناعات الكيماوية والزراعية الإسبانية. وتضم قائمة الصادرات السورية أيضا الخضروات المجهزة، والمكسرات، والبهارات.

ونوه الدكتور قوشجي إلى أن أهمية العلاقات الاقتصادية بين دمشق ومدريد تتجاوز حجم التبادل التجاري الحالي، لتصل إلى أبعاد استراتيجية واضحة. فبالنسبة إلى سوريا، تمثل إسبانيا بوابة رئيسية لدخول الأسواق الأوروبية والأميركية اللاتينية، كما أن خبرات الشركات الإسبانية في قطاعات البنية التحتية وإدارة المياه والطاقة المتجددة تؤهلها لتكون شريكا رئيسيا في مرحلة إعادة الإعمار. إضافة إلى ذلك، فإن وجود اتفاقية لحماية الاستثمارات يعزز الثقة لدى المستثمرين السوريين والدوليين.

أما بالنسبة إلى إسبانيا، فتشكل سوريا بوابة نحو أسواق إعادة الإعمار في الشرق الأوسط، وهو سوق واعد يحتاج إلى مختلف أنواع المواد والمعدات والخبرات الفنية. كما أن سوريا تعد مصدرا مهما لتأمين احتياجات إسبانيا من المواد الأولية، كزيت الزيتون عالي الجودة والفوسفات، مما يسهم في تنويع مصادر الاستيراد الإسبانية.

ويخلص الدكتور قوشجي إلى القول: “مع تشكيل مجلس الأعمال المشترك، تتجه الأنظار إلى قدرة هذه الآلية المؤسسية على ترجمة الإرادة السياسية والتعاون الدبلوماسي إلى مشاريع اقتصادية ملموسة. وتركز المرحلة الحالية على تهيئة المناخ المناسب عبر الاتفاقيات القانونية ودعم القطاعات الحيوية كالسياحة، تمهيدا لانطلاق شراكات أوسع في مرحلة إعادة الإعمار، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين ويعزز التعاون الاقتصادي في المنطقة”.

وتشهد العلاقات السياحية بين دمشق ومدريد تحركا نشطا لإعادة تفعيل السياحة، برز في مشاركة سوريا بفعاليات معرض “فيتور 2026”. وعلى هامش هذه المشاركة، تم توقيع مجموعة من الاتفاقيات بين مكاتب الشركات السياحية السورية المشاركة ونظيرتها من مكاتب السياحة الإسبانية، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بالسوق السياحي السوري، وتفتح آفاقا جديدة للتعاون المشترك في هذا القطاع الحيوي.

ويعد معرض “فيتور” واحدا من أبرز المعارض السياحية العالمية التي تقام سنويا، ويشكل منصة دولية حيوية لعرض الوجهات السياحية ومناقشة الأولويات الراهنة لصناعة السياحة. كما يهدف إلى تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والخاصة، وتبادل الخبرات في مجالات الترويج السياحي والتحول الرقمي، والارتقاء بجودة الخدمات السياحية المقدمة.

ووقعت الشركة السورية للاتصالات وشركة ميدوسا الإسبانية اتفاقية لإنزال أول كابل بحري يربط سوريا بشبكة الاتصالات العالمية، ويبلغ طول الكابل 8700 كيلومتر، وسيصل من البرتغال إلى سوريا عبر محافظة طرطوس لتأمين تغطية كامل الأراضي السورية بالإنترنت.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى