تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

بناء مؤسسات الدولة: معركة سوريا الأخطر/ أحمد الجابر

سوريا في مرحلة التحول: كيف تعيد الحكومة الانتقالية بناء الدولة بين العدالة والحوكمة ورفع العقوبات؟

2025-11-08

يشهد مفهوم إدارة مؤسسات الدولة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وفي عهد الحكومة الانتقالية تحوّلاً من النقاش النظري إلى مسار تدفعه وقائع وتصريحات رسمية وتصاعد اهتمام دولي مباشر. فقد أكدت الأمم المتحدة، في جلسات متعددة لمجلس الأمن خلال العامين الماضيين، أن أي انتقال سياسي فعلي يعتمد على قدرة السلطة الجديدة على بناء مؤسسات حيوية مستقلة، وعلى رأسها القضاء، وهيئات الرقابة، والإدارة المحلية، وربطت ذلك صراحة بإجراء انتخابات نزيهة وتأسيس بيئة قانونية صالحة لعمل مؤسسات الدولة من دون هيمنة أمنية.

وعلى الصعيد الدولي، أعادت مؤتمرات مخصّصة لسوريا — وفي مقدمتها اجتماعات بروكسل المخصّصة لدعم مستقبل سوريا — التأكيد على أن المساعدات والاستثمارات المستقبلية ستكون مشروطة بالشفافية، وتطبيق معايير الحوكمة، وإطلاق إصلاحات إدارية واضحة. وترافق ذلك مع استعداد متزايد لتقديم دعم فني للحكومة الانتقالية، خصوصاً في مجالات بناء القدرات الإدارية، وتطوير النظم الرقمية للحوكمة، وإعادة هيكلة القطاعات الخدمية الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة.

في الوقت نفسه، برزت قضية العقوبات كعامل حاسم في قدرة الحكومة الانتقالية على إدارة مؤسسات الدولة. فقد شهدت الأشهر الأخيرة نقاشاً دولياً واسعاً حول ضرورة مراجعة بعض العقوبات أو تخفيفها لتسهيل إعادة الإعمار، وتفعيل اقتصادات محلية منهارة، وتوفير الموارد اللازمة لإعادة الخدمات الأساسية. ورغم استمرار الجدل حول هذا الملف، إلا أن الاتجاه العام يسير نحو ربط رفع أو تعديل العقوبات بتحقيق تقدم فعلي في مسار الإصلاح والشفافية.

على المستوى الحقوقي، تزايدت الدعوات الرسمية لفتح آليات مساءلة حول الانتهاكات التي ارتُكبت خلال العقود الماضية ومنذ بداية الصراع، مع التشديد على أن العدالة الانتقالية جزء لا يتجزأ من عملية استعادة المؤسسات. ويرتّب هذا توتراً معقّداً أمام الحكومة الانتقالية: كيف يمكن محاسبة المتورطين في الجرائم والفساد، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الكفاءات الإدارية التي تحتاج إليها الدولة لإعادة تشغيل مؤسساتها؟

هذه التطورات — من التحذيرات الأممية، إلى المؤتمرات الدولية، إلى ملفات العقوبات والعدالة — تجتمع لتصوغ ملامح المشهد الذي ستواجهه الحكومة الانتقالية. فإدارة مؤسسات الدولة لن تُقاس بالوعود السياسية، بل بقدرتها على إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وبناء بنية مؤسساتية شفافة وقابلة للمساءلة، واستعادة ثقة المجتمع المحلي والدولي بقدرة الدولة السورية على النهوض من جديد.

إعادة بناء الدولة

يقول الكاتب والباحث السوري ضياء قدور لـ”963+” إن نجاح الحكومة الانتقالية في سوريا في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية والعدالة والكفاءة يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، مشيراً إلى أن العامل الأبرز يتمثل في رفع العقوبات الدولية مثل قانون قيصر، الذي يصفه بأنه ضرورة قصوى لتمكين التعافي الاقتصادي والخدمي.

ويشرح قدور في المحور الأول أهمية إعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والشفافية، موضحاً أن ذلك يتطلب وضع دستور جديد وسنّ قوانين صارمة لمكافحة الفساد، إضافة إلى تطبيق نظام الاستحقاق في التعيينات لضمان الكفاءة المهنية.

ويؤكد أن رقمنة الخدمات تسهم في تعزيز الشفافية والحد من البيروقراطية، مشدداً على ضرورة الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والصحة لتجنب أي شكل من أشكال الفوضى.

أما فيما يتعلق بـ التوازن بين المحاسبة ودمج الكفاءات كجزء من العدالة، فيشير قدور إلى ضرورة اعتماد نهج العدالة الانتقالية.

ويوضح أن هذا النهج يقوم على محاسبة قضائية للمتورطين في الانتهاكات الجسيمة والفساد الكبير، مقابل إنشاء آلية تدقيق دقيقة تسمح بالاحتفاظ بالكوادر الفنية والإدارية الكفؤة التي لم تتورط، وذلك لضمان استمرار عمل الدولة.

ويضيف ملاحظة لافتة مفادها أن الحكومة أنجزت بالفعل الكثير من الأعمال في مسار العدالة الانتقالية، إلا أنه لم يُعلن عنها بعد خشية تعثّر مسارها.

وفيما يخص المحور الثالث، دور المجتمع الدولي والمحلي، يوضح قدور أن المجتمع الدولي مطالب بتقديم الدعم الفني وبمراجعة العقوبات الاقتصادية أو رفعها، خصوصاً عقوبات قيصر، لتمكين الحكومة من تمويل الإصلاح وإعادة الإعمار.

كما يشير إلى أن المجتمع المدني يجب أن يعمل كهيئة رقابية مستقلة لضمان الشفافية، والمساهمة في صياغة السياسات، والقيام بدور جسر لاستعادة الثقة بين المواطن والدولة.

ويشدّد قدور على أن التحدي الأكبر يكمن في تمويل الإصلاحات، وفي الحاجة الملحّة لرفع العقوبات لتخفيف الضغط الاقتصادي الذي يهدد استقرار أي حكومة انتقالية.

ويضيف الباحث أن المعركة الحقيقية التي تخوضها الدولة السورية اليوم ليست معركة عسكرية أو أمنية في المقام الأول، بل معركة بناء الصمود المدني وتعزيز قدرة المجتمع على تقديم الخدمات الأساسية.

ويقول إن هذه المعركة تُقاس بقدرة الدولة والمجتمع على إضافة مقعد جديد للمدرسة وتجهيزه، وتأمين سرير جديد لمشفى أو مركز صحي، وزيادة ساعة كهرباء أو توفير مياه نظيفة للمنازل.

ويوضح قدور أن العنفوان الثوري الذي ما يزال يتمتع به الشعب السوري يظهر في تحويل المبادرات الشعبية إلى إنجازات ملموسة.

ويشير إلى أنه بعد سقوط النظام أو في مناطق سيطرة المعارضة، برزت مبادرات وحملات شعبية في إدلب وحمص ودمشق ودرعا لجمع التبرعات وتوجيهها مباشرة لتحسين الواقع الخدمي والتعليمي.

ويضرب مثالاً على ذلك بجهود الأهالي في إصلاح المدارس والبنى التحتية التعليمية المدمرة، وتشكيل لجان محلية لإدارة المياه والكهرباء. ويؤكد أن هذا الدور الشعبي يمثل “رأسمال الثقة الحقيقي” ويعزز شرعية البناء من الأسفل إلى الأعلى، مما يضع أساساً لحكم مستدام وشامل بغض النظر عن شكل الحكومة الانتقالية المستقبلية. ويختتم بالقول إن هذه الجهود تُعد الدليل الأوضح على أن القدرة على تقديم الخدمة هي مصدر الشرعية الأعمق.

القاعدة الشعبية أساس البناء

يقدّم عبدالرحمن ربوع، الناشط والباحث المقيم في القاهرة، رؤيته لسبل تمكّن الحكومة الانتقالية في سوريا من إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من الشفافية والعدالة والكفاءة، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات العامة وتجنب الفوضى الإدارية. ويؤكد ربوع لـ”963+” أن مؤسسات الدولة لا تُبنى من الأعلى، بل من الأسفل، انطلاقاً من الإدارات المحلية في كل قرية ومدينة ومحافظة، ومن المجالس المحلية المنتخبة.

ويشير إلى أن العملية تقوم على عمل جماعي تشاركي ينتظم فيه أشخاص أكفاء منتخبون من حاضنة شعبية تتعاون معهم، وتستجيب لخططهم، وتعينهم على تنفيذها.

ويضيف ربوع أن دور الحكومة الانتقالية يكمن في تهيئة الظروف لبناء مؤسسات الدولة وفق آلية الانتخاب الشعبي المباشر، معتبراً أن الشعب أدرى بمصالحه من الحكومة.

ويوضح أن الحكومة تنصت للشعب وتلبي احتياجاته، وحين تفشل تلجأ إليه ليختار من يقوده لتحقيق هذه المصالح. ويشدّد على أن هذه الآلية تجعل المسؤول حريصاً على إرضاء الشعب الذي اختاره لا المسؤول الأعلى الذي عيّنه، فيما يكون الشعب نفسه الرقيب والحسيب، ما يجعلها الآلية الأنسب لضمان الشفافية والعدالة والكفاءة.

ويرى أنه في الظرف الراهن يمكن البدء ببناء الإدارات المحلية على أساس الاختيار المباشر من الشعب، برعاية “الهيئة العليا للانتخابات” التي يجب تحصينها بقانون من مجلس النواب ومرسوم رئاسي لتكون جهة نزيهة ومستقلة تشرف على إعادة بناء المؤسسات المنتخبة.

وفي ما يتعلق بآليات تحقيق التوازن بين محاسبة المسؤولين عن الفساد والانتهاكات خلال عهد النظام السابق، وبين دمج الكفاءات الإدارية القائمة ضمن منظومة جديدة تخدم المصلحة الوطنية، يؤكد ربوع أن مسؤولي النظام السابق وموظفي الحكومات الماضية ليسوا جميعاً فاسدين.

ويشير إلى أن هناك كثيرين لم يرتكبوا جرائم أو مخالفات، بل كانوا موظفين وكفاءات يعملون ضمن اللوائح والقوانين، وكثيرون منهم مشهود لهم بالنزاهة والتفاني، وبعضهم شارك ودعم الثورة. ويضيف أن هؤلاء يمتلكون خبرة طويلة في العمل الإداري، وقد انخرط عدد منهم في الحكومة الانتقالية واستمروا في مواقعهم.

ويتابع قائلاً إن الفاسدين والمجرمين لا حاجة للدولة بهم، ويجب أن يدفعوا ثمن جرائمهم وأن يخرجوا من الحياة العامة. كما يشدد على أن دعم عملية العدالة الانتقالية بقوانينها ومؤسساتها سيُريح الجميع ويفتح الباب للسوريين للمشاركة البناءة.

ويؤكد كذلك ضرورة دعوة وتشجيع الكفاءات الوطنية المهاجرة على العودة للمساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن بعضهم عاد بالفعل، فيما الدولة بحاجة لعودة المزيد.

أما بشأن الدور المنتظر من المجتمع المدني والمجتمع الدولي لدعم الحكومة الانتقالية في إرساء مؤسسات حكم مستقرة وإعادة الثقة بين المواطن والدولة بعد الصراع، فيوضح ربوع أن المجتمع المدني هو الضمانة الوحيدة للنزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص وإعادة بناء الدولة.

ويقول إنه يجب فتح الأبواب بالكامل أمام العمل المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات ومبادرات، وتقنين ذلك بقوانين تحمي هذا العمل وتدعمه وتسهّل دوره، مشدداً على أن الدول لا تبنيها الحكومات بل المجتمعات نفسها هي التي تبني الدولة والحكومة معاً.

ويضيف أن المجتمع المدني هو الذي سيفرز المجالس المحلية والشعبية والمسؤولين في المراحل اللاحقة، وأن النشاط المدني يشكل بوابة لكل مواطن لديه ما يقدمه لبلده ومجتمعه. ويختم بالإشارة إلى أن المجتمع المدني يمثل مدرسة يتعلم فيها المواطن كيف يكون مسؤولاً نافعاً ونزيهاً.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى