تاريخسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

إبراهيم شاشو: عباءة الثورة على كتف المفتي: عن «والي حلب الشرعي»/ حسام جزماتي

11-11-2025

        لم يكتفِ مفتي حلب، الدكتور إبراهيم شاشو، بشكر مضيفيه في مدرسة الكلتاوية الشرعية والترحم على شيخها محمد النبهان، أثناء تكريمها له قبل أيام بحضور عدد من المسؤولين المحليين؛ بل قرر منحها ميزة الإعلان عن سرٍّ قال إنه لم يفصح عنه منذ حدوثه قبل ثلاثة عشر عاماً، يتعلق بسبب انخراطه في الثورة. وهو أنه ظل متحيراً في الوضع حتى أتاه الأمر بذلك من الرسول، صلى الله عليه وسلم، برؤيا جاءت في الحلم لرجل يعرفه، حملت التوجيه النبوي الرمزي لشاشو بارتداء العباءة.

        وقد سبق للشيخ أن قال إنه انحاز إلى الثورة، حين وصلت إلى باب بيته، بعد أن سيطرت فصائل «الجيش الحر» على الأحياء الشرقية من حلب في صيف العام 2012. مُصرحاً، بشكل غير مفهوم، أن تلك كانت «انطلاقتها». متجاهلاً أكثر من سنة ونصف كانت البلاد فيها تغلي فيما كان يتابع دراسته في كلية الشريعة بجامعة دمشق حتى حصل على شهادة الدكتوراه بمرتبة امتياز، ويدرّس في شقيقتها بجامعة حلب بعد أن حقق حلمه أخيراً.

        ولد شاشو، في عام 1978، لأسرة شعبية لا تنتمي إلى إحدى سلالات «العلماء» المعروفة، بالتضاد مع رغبته العارمة في أن يصبح شيخاً. مما دفعه إلى اقتطاع ما يُتاح من وقت عمله مع أبيه في دكان للأجبان والألبان، وهي مهنة رائجة في حيهم «جب القبة»، ليلتحق بدروس المشايخ في الجوامع والبيوت، ثم بالكليّة في العاصمة إذ لم يكن هناك سواها في ذلك الوقت، ليتخرج بتفوق ويتابع دراساته العليا إلى جانب عمله في المحاسبة التجارية للشركات.

        في حلب المحررة عمل في مجال القضاء في «مجلس القضاء الموحد» وفي «الهيئة الشرعية». ولم يُغادر المدينة إلا بعد اتفاق التهجير وسيطرة النظام السابق عليها في أواخر العام 2016. ليلعب في إدلب أدوراً أهم؛ مؤسساً كلية الشريعة والقانون بجامعتها وأول عميد لها، ثم وزيراً للعدل في الدورتين الأولى والثانية من «حكومة الإنقاذ السورية»، فوزيراً للأوقاف في الدورة الثالثة التي توافقت نهايتها مع تعرضه لمحاولة اغتيال، يظن أن وراءها داعش، أفقدته بصره، في مطلع العام 2021. ورغم ذلك ظلَّ عضواً في «المجلس الأعلى للإفتاء» وفي «المجلس الأعلى للقضاء». وفي العام 2024، حين كبرت الاحتجاجات ضد قائد «هيئة تحرير الشام»، المعروف وقتئذ بأبي محمد الجولاني، كلفه برئاسة «جهاز التفتيش القضائي» وعضوية «اللجنة العليا لديوان المظالم»، وهما هيكلان شكليان لمحاولة تطويقها.

        خلال أعوام قليلة قبل التحرير انشغل الشيخ بالتدريس في الجامعة والجوامع، والفتوى باختصاصه في المعاملات المالية المعاصرة والصيرفة الإسلامية، لا سيما عبر برنامج «درهم ودينار» الذي أطلقته «إذاعة الثورة» مصوراً، والفتاوى العامة من خلال تطبيق تلغرام الذي كان كثير الانتشار في تلك الأجواء. وفي مطلع العام 2025، مع توليه مهام مفتي حلب، وتكليفه بعمادة كلية الشريعة في جامعتها، وتحكمه الفعلي بمديرية أوقافها كما يقول عارفون؛ كتب في قناته على هذا التطبيق أنه راجع فتاواه القديمة فوجد أن بعضها قد تغيّر واقعها مما قد يُغيّر الفتوى، وأخرى لم يُفتِ بها أصلاً بل ربما تسللت عند سرقة حساب أحد المشرفين؛ فحذف كل الفتاوى السابقة!

        لكن الاستجابة لمتطلبات المرحلة الجديدة، ولرغبة حكومة «هيئة تحرير الشام» في ارتداء البزة وربطة العنق، كانت أسرع وأشمل من أن يستطيع شاشو، بكل المهام التي حملها، محو كل آثار المرحلة الماضية. فعلى سبيل المثال ما يزال حسابه يحتفظ بفتوى في الطريقة النقشبندية تقول إنها «كغيرها من فرق الصوفية لهم أوراد مبتدعة خاصة بهم، فضلاً عن مخالفتهم لمعتقد أهل السنة والجماعة لاسيما في مسائل الإيمان والتوسل والاستغاثة والاعتقاد بالشيوخ وتقديسهم وجعلهم وسطاء بين العبد وربه».

        والحال أن النقشبندية هي الطريقة المتوارثة للمدرسة الكلتاوية بدءاً من مؤسِّسها الشيخ محمد النبهان (1900 – 1974) الذي كان مدفوناً في داخلها حتى قامت فصائل، من بينها «جبهة النصرة»، بنبش ضريحه ونقل عظامه إلى موضع مجهول في مقبرة عامة لمنع التبرك بها، في مطلع العام 2015. وذلك بعد أن انتقلت المدرسة، شيوخاً وطلاباً، إلى مبنى مؤقت في الأحياء الغربية من حلب، هرباً من القصف العنيف للنظام على الأحياء الشرقية والمدينة القديمة، وتحاشياً لأن يُحسَب بقاؤها في مكانها انحيازاً إلى خياراته الثورية، هي التي اشتهرت بموقفها الرمادي مما جرى.

        والحق أن هذا لا يؤشّر فقط إلى مطواعية أكثر شرعيّي «هيئة تحرير الشام» لتحولات قيادتهم «البراغماتية» بل أيضاً، وفي العمق، إلى سيولة الميول السلفية التي انتشرت بين «الأنصار» (السوريين) بتأثير قطاعات من «المهاجرين» وبعض الدعاة الزائرين، مما جعل التراجع التدريجي عنها سهلاً. خاصة وأنها لم تتجاوز درجة السلفية الحركية (الإخوانية؛ الإصلاحية؛ الصحوية) في كثير من الحالات التي من بينها شرعيّ حلب الحالي.

        أمّا ما يشيع عن رغبة مركزية ممنهجة في نشر السلفية وإقصاء شيوخ الصوفية الأشاعرة فلا يعدو كونه مبالغات في قراءة حوادث محددة غير منظمة وتعميمها. والأرجح أن يكون رغبة من «الثوار/ المجاهدين» القادمين إلى الأوقاف في تنقيتها من رموز من أظهروا، سابقاً، تأييداً قوياً فادحاً لبشار الأسد ومباركة لأفعال جيشه الدموية. وبحكم طبيعة البنية المشيخية كان هؤلاء غالباً من الصوفية الأشاعرة التقليديين في النهاية. مع الانتباه إلى أن يكون ذلك في الحد الأدنى. وهو ما يتضح من تجربة أوقاف حلب، وربما أكثر في دمشق، ومن تعميم الوزارة على المديريات بألا تستقل بقرار فصل أحد المشايخ قبل الرجوع إليها.

        فمنذ استلامه مناصبه لم يرتكب شاشو مجزرة سلفية واسعة لفصل الخطباء والمدرّسين أو نقلهم. لكنه حين بدأ بخطبة الجمعة في بعض المساجد الكبرى في الأحياء الغربية لحلب ظلّ وفياً لمنظور الأحياء الشرقية من دون أن يتعمد. إذ يعرض لسامعيه ما عانته حلب الأخرى من قصف بالبراميل والصواريخ وما شهدته من مجازر، طالباً منهم أن يزوروها ولو لمرة واحدة فقط ليعاينوا آثار الدمار. ومن دون أن يرمي نهائياً إلى تكفيرهم فإنه يكرر استخدام مجاز أن «المجاهدين/الثوار» حرروهم من ظلمات الأسد إلى «نور الإسلام» وعدله. داعياً إياهم إلى أن يفتحوا صدورهم لإخوانهم ويحتلوا موقعهم المفترض في برنامج السلطة الجديدة كما يبدو، وهو الرجوع إلى «تجارتهم وصناعتهم وأعمالهم» ليُسهموا في بناء سورية المنشودة. كما يولي اهتماماً خاصاً بعودة الشيوخ الذين غادروا خلال عقود من التضييق وخاصة منذ الثمانينيات، لتعود حلب الشهباء مدينة العلم والعلماء والفقه والفقهاء والأدب والأدباء، كما يكرر القول.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى