سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

لماذا لا يرغب بعض السوريين بالعودة إلى وطنهم؟/ فاطمة عبود

2025.11.08

انتظر ملايين السوريين لحظة سقوط النظام البائد بوصفها نهايةً لعهد القهر والدمار، وبدايةً لاستعادة الوطن المفقود. غير أنَّ المفارقة التي تكشفها الوقائع الميدانية والاجتماعية هي أنَّ هذه اللحظة التاريخية لم تترافق مع موجة عارمة من العودة الطوعية إلى الداخل السوري، كما كان يُتوقَّع. فالسوريون الذين خرجوا قسراً بسبب الحرب لم يسارعوا إلى العودة رغم زوال النظام الذي كان يمثِّل، في نظر كثيرين، السبب المباشر لمعاناتهم. هذا التردُّد الجماعي ربَّما يعبِّر عن إدراكٍ عميقٍ لتعقيدات مرحلة ما بعد سقوط النظام، ويعكس وعياً جمعياً بأنَّ العائق الحقيقي أمام العودة هو غياب الشروط التي تجعل عودة السوريين آمنة وكريمة ومستدامة. فالوطن الذي خرج منه السوريون لم يتحوَّل بعدُ إلى فضاءٍ صالحٍ للحياة، من حيث البنية التحتية، ومن حيث الضمانات السياسية والأمنية والقانونية، ومن حيث فرص المعيشة الكريمة.

إنَّ أول ما يصطدم به أيُّ حديث عن العودة إلى سوريا هو واقع الدمار الشامل الذي خلَّفته الحرب، فقد تحولت مدن كاملة مثل: حلب وحمص ودير الزور إلى أطلالٍ مندثرة لا يوجد فيها ما يشير إلى الحياة. وبحسب تقديرات أولية صادرة عن منظمات دولية معنية بإعادة الإعمار، فإنَّ أكثر من نصف المساكن في سوريا تحتاج إلى ترميمٍ جزئي أو كامل، في حين دُمِّرت أحياء بكاملها تدميراً تاماً فكيف يمكن للاجئ أن يعود إلى بيته بعد خلوه من مقومات العيش البسيطة.

كما تتجلَّى المعضلة في النزاعات القانونية حول الملكية، فغياب السجلات الرسمية أو ضياعها نتيجة للدمار يجعل استعادة الممتلكات أمراً صعباً أو مستحيلاً في بعض الحالات. ناهيك عن البنية الخدمية المنهارة، فالكهرباء مقطوعة في معظم المناطق، وشبكات المياه والصرف الصحي معطَّلة، والمستشفيات والمدارس تعمل بطاقتها الدنيا. وكلُّ هذه الظروف تُنذر بتكريس دورة جديدة من المعاناة، وتجعل من فكرة العودة فعلاً بطولياً أكثر منها خياراً واقعياً.

وإذا تجاوز السوريُّ كلَّ ذلك فسيقف المشهد الأمني أمامه عائقاً جديداً، إذ لا زال الوضع الأمني في سوريا يتَّسم بقدرٍ كبير من الفوضى والسيولة نتج عنها عدد من المخاوف؛ أولها، الفلتان الأمني الناتج عن عدم فرض سيطرة الحكومة الانتقالية على كامل المناطق السورية. ثانيها، غياب العدالة الانتقالية التي تُعدُّ شرطاً أساسياً للمصالحة المجتمعية؛ إذ يخشى العائدون من عمليات انتقام أو تصفية حسابات محلية، في ظل غياب آلية قضائية شفافة تضمن حقوق الضحايا والجناة على حدٍّ سواء. وثالثها، ملف المعتقلين والمفقودين، الذي لم يُحسم بعدُ، وهو ملف يمسُّ ذاكرة السوريين وضميرهم، ويشكِّل جرحاً مفتوحاً في الوجدان الجمعي.

من دون شكٍّ، إنَّ المهمات الملقاة على الحكومة الانتقالية تحتاج إلى روية ووقت، فهذه الحكومة ما تزال في بدايات مسار طويل يتطلَّب وقتاً وجهداً لمواجهة التحديات العميقة المتراكمة عبر عقودـ ذلك أنَّ إرساء أسس دولة مدنية ديمقراطية بعد نصف قرن من الاستبداد لا يمكن أن يتحقق بسرعة، إذ يستلزم إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الثقة والمواطنة والعدالة. ومن الطبيعي أن تحتاج هذه المرحلة إلى زمن كافٍ لترسيخ الاستقرار واستعادة ثقة المواطنين، وهو ما يجعل كثيراً من اللاجئين يفضِّلون الانتظار قبل اتخاذ قرار العودة إلى وطن لم تتبلور فيه بعد ملامح النظام السياسي الجديد.

إلى جانب العوامل الداخلية، يبرز البعد الدولي بوصفه عنصراً حاسماً في تشكيل موقف السوريين من العودة، فما تزال الدول المضيفة — ولا سيما في أوروبا وتركيا ولبنان — تتعامل مع هذا الملف بمنتهى الحذر، مدركةً أن سقوط النظام لا يعني بالضرورة تحوّل سوريا إلى بلدٍ آمن ومستقر، مما يجعل المجتمع الدولي متردداً في إعلان البلاد آمنة للعودة، خشية أن تتحول عودة اللاجئين إلى مغامرة إنسانية محفوفة بالمخاطر. في المقابل، يعيش اللاجئون أنفسهم تحت ضغط متزايد من بعض الحكومات التي ترغب في تقليص أعباء اللجوء، ما يثير مخاوف حقيقية من أن تستخدم قضية العودة كورقة سياسية أو اقتصادية تفرض على اللاجئين قسراً، بعيداً عن مبدأ الطوعية. لهذا، يختار معظم السوريين التريث، مترقبين لحظة تتضح فيها ملامح الدولة الجديدة وتستعيد مؤسساتها الشرعية والقدرة على حماية مواطنيها.

وقد يكون أكثر ما تغيَّر خلال سنوات الحرب هو الجغرافيا الإنسانية للسوريين، فملايين اللاجئين، بعد أكثر من عقدٍ في المنفى، كوَّنوا حياة جديدة لم تعد مؤقتة. في تركيا ولبنان والأردن وأوروبا، فقد نشأت أجيال جديدة لم تعرف الوطن إلا من حكايات أهلها، هؤلاء الأطفال والشباب ينتمون اليوم إلى واقعٍ مختلف لغوياً وثقافياً وتعليمياً، ما يجعل فكرة العودة بالنسبة إليهم أقرب إلى رحلة نحو المجهول. كما حقق السوريون اللاجئون في منافيهم اندماجاً اجتماعياً واقتصادياً، فقد أسَّس كثير منهم أعمالاً، وألحقوا أبناءهم بالمدارس، وبدأوا يستعيدون شعور الاستقرار الذي حرموا منه طويلاً، والعودة في هذه الحالة تعني فقدان وطنٍ جديد تشكَّل في المنفى، بالإضافة إلى أنَّ المقارنة بين ما توفره بلدان اللجوء من تعليم ورعاية صحية وخدمات أساسية، وما هو متاح حالياً داخل سوريا، لا تصبُّ في مصلحة العودة.

ومن الناحية النفسية فإنَّ الوطن بالنسبة للسوريين الذين خرجوا قسراً من بلادهم ارتبط بالمخيلة الجماعية وبالذاكرة المثقلة بالدمار والفقد والخذلان، فكثيرون يخشون أن تكون العودة إلى سوريا بمنزلة مواجهةٍ مؤلمةٍ مع الماضي، وهذا يحتاج إلى شجاعةٍ نفسية قد لا يملكها الجميع.

إنّ السؤال “لماذا لا يعود السوريون؟” قد نستطيع الإجابة عنه بالعاطفة بعيداً عن التحليل الموضوعي للواقع القائم. فالسوري لا يرفض وطنه، بل يرفض العودة إلى الخوف، وإلى الفراغ، وإلى هشاشةٍ لم يتجاوزها بعد. وهنا يمكن أن نتحدث عن نضج مفهوم المواطنة عند السوريين المهجَّرين الذين وجدوا في المنافي حيزاً من الحرية يخشون ألا يجدوا مثله في وطنهم الجديد، فيكون إحجامهم عن العودة مطالبة بوطن يشعرون فيه بالمواطنة الحقيقية والأمن والاستقرار، وطن يليق بتضحياتهم التي قدموها فداء للحرية.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى