سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الصحافة السورية.. من “الخبز المحرّم” إلى عصر التحول الرقمي/ فرح درويش

الصحافة السورية.. من البداية إلى اليوم

2025-08-26

من بدايات الصحافة التي اعتُبرت “خبزاً محرّماً” لا يُداس، ومرورًا بفترة القمع التي أطفأت أصواتها، وصولًا إلى ولادة صحافة مستقلة بعد الثورة، تبقى القصة مفتوحة. فالصحافة السورية اليوم تقف على مفترق طرق: إمّا أن تستعيد دورها كمرآة نقدية صادقة، أو أن تبقى مرهونة لإيقاع السلطة.

وعرفت الصحافة السورية في بداياتها بمصداقيتها وحرصها على نشر المعرفة والحقيقة، كما عكست خلال فترة الخمسينيات تنوعًا فكريًا واسعًا، وفتحت نوافذ للنقاش وتبادل الآراء المختلفة دون خوف.

لكن هذا الازدهار لم يدم طويلًا؛ فمع استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، دخلت الصحافة نفق الصوت الواحد، لتغادر الصحف الخاصة الساحة، تاركة المجال للصحف الرسمية التي لم تكن سوى أبواق للسلطة. وفي عهد الأسد الأب ومن بعده الابن، ازدادت القيود الأمنية والرقابية، ليُسلب الصحفي دوره، وتتحول الصحافة إلى جهاز تعبوي، لا مرآة للمجتمع.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تغيّر المشهد كليًا، إذ ولدت من رحم الألم صحافة مستقلة تعتمد على صحافة المواطن، وتكسر احتكار السردية الرسمية، رغم القمع والاعتقالات وتفجير مقار الصحفيين.

وفي السياق ذاته، أجرى “963+” حوارًا خاصًا مع الأستاذ براء عثمان، أمين العلاقات الداخلية والخارجية لاتحاد الصحفيين السوريين، الذي قدّم رؤية الاتحاد لواقع الصحافة السورية بعد الثورة والتحديات التي تواجهها.

واقع الصحافة السورية اليوم

يقول عثمان: “شهدت سوريا بعد التحرر من نظام الأسد حركة صحفية كبيرة، مع تنامي دور الإعلام الرقمي وتنوع مصادر المعلومات مقارنة بالعقود السابقة. ومع ذلك، يواجه الصحفيون تحديات جسيمة أبرزها الأمن والاستقرار في بعض المناطق، إضافة إلى صعوبات الوصول إلى المعلومة والأزمات الاقتصادية التي أثرت على استدامة المؤسسات الإعلامية”.

وأضاف: “نضع تمكين الشباب في صلب أولوياتنا. نظمنا ورشًا مع طلاب كلية الإعلام في دمشق، وأخرى حول تحديات المرأة السورية في الإعلام، ووقّعنا مذكرات تفاهم بمجال التدريب، منها دورات في الصحافة الاستقصائية وأخلاقيات العمل الصحفي. ونستعد لدورات جديدة في الإعلام الإلكتروني وآليات التحرير والتصوير خلال أيلول القادم”.

وكشف عثمان عن مبادرات عدة، إذ وقع اتحاد الصحفيين السوريين اتفاقيات تعاون مع جهات مثل وحدة سراج للصحافة الاستقصائية ومؤسسة “ميديا موند” الفرنسية. كما يسعى الاتحاد لتوفير دعم قانوني للصحفيين وبيئة عمل أكثر أمانًا، معلقًا: “نؤمن أن المستقبل رقمي، لذلك نعمل على تطوير معايير الصحافة الإلكترونية، وإطلاق منصات رقمية مستقلة، إضافة إلى دراسة نماذج تمويل مستدامة”.

التدريب والتعاون الدولي

وأوضح عثمان أن الاتحاد لديه استراتيجية تدريبية سنوية تشمل الصحافة المتخصصة، وتقنيات المونتاج والتصوير، وإدارة وسائل التواصل الاجتماعي. كما يسعى لبناء شراكات مع جامعات سورية ومؤسسات دولية لاستضافة مدربين عالميين، قائلاً: “نشارك في المؤتمرات الإقليمية والدولية، ونصدر تقارير باللغتين العربية والإنجليزية لعرض التحديات والتجارب السورية”.

واختتم عثمان حديثه برسالة للصحفيين جاء فيها: “لا نعترف بالتاريخ الرسمي لعيد الصحافة لأنه ارتبط ببشار الأسد، لكن رسالتي للصحفيين: أنتم الحاملون لمشعل المهنة. استثمروا في أنفسكم، تعلموا باستمرار، وتمسّكوا بروح الصحافة النبيلة المتمثلة في الحقيقة والدقة والنزاهة. أما جمهورنا فنقول له: ثقتكم بالصحافة السورية غالية، ومعًا نستطيع بناء فضاء إعلاميًا حرًا ومسؤولًا يليق بسوريا التي حلمنا بها”.

الصحافة كفعل مقاومة

بدوره، قدّم الباحث الإعلامي حسين إبراهيم في حوار خاص مع “963+” قراءة شاملة لمسار الصحافة السورية، مبينًا أن الثورة كانت الحد الفاصل في الصحافة السورية، وأنتجت صحافة حقيقية تحكي أوجاع الناس ولا تعظم إنجازات السلطة.

وقال إبراهيم: “بدأت الصحافة السورية كفضاء معرفي طموح، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى أداة سلطوية. من ‘مجمع الفوائد’ عام 1851 إلى صحف الخمسينيات التي عكست تنوعًا فكريًا، ثم إلى مرحلة التأميم والرقابة بعد 1963، حيث أصبحت امتدادًا للسلطة. لكن الثورة أعادت تعريف الصحافة، لتولد صحافة مستقلة من رحم الألم”.

وأضاف أن الثورة السورية مثلت الحد الفاصل في تاريخ الصحافة، حيث تحولت العلاقة مع السلطة من تبعية إلى صراع وجود، دفع الصحفيون خلاله حياتهم ثمناً للكلمة، مشددًا على أن أمام الصحافة اليوم فرصة لتكون مرآة نقدية لا مرآة تجميلية.

وأشار إبراهيم إلى أن الصحافة السورية تمتلك فرصة لاستعادة المصداقية، شرط أن تبني عملها على التحقق الرقمي والشفافية التحريرية والاستقلال المالي.

وختم برسالة إلى الجيل الجديد من الصحفيين: “ابنوا صحافتكم على الشك لا على التسليم، وعلى التوثيق لا على الانفعال. استخدموا الذكاء الاصطناعي كأداة للتحليل، لا كبديل عن التفكير”.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى