العلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

العقوبات الأمريكية عن سوريا -مقالات مختارة- تحديث 16 كانون الأول 2025

——————————

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:

العقوبات الأمريكية عن سوريا وطرق رفعها

لمتابعة مكونات هذا الملف اتبع الرابط التالي:

الشرع و المقاتلين الأجانب و “داعش

————————————–

هجوم “داعش” في تدمر… ما تداعياته على التعاون السوري – الأميركي؟ -مقالات مختارة

————————–

فتش عن تنظيم الدولة.. أسباب وتداعيات تزايد الهجمات في ريفي إدلب وحلب/ أحمد العكلة

دمشق- خلال أقل من أسبوعين تعرّضت دوريات تابعة لقوات الأمن العام والجيش السوري والضابطة الجمركية لـ3 هجمات على الطريق الدولي دمشق/حلب، مما أدى لمقتل 7 عناصر وإصابة آخرين، واتهمت مصادر أمنية حكومية تنظيم الدولة الإسلامية بالمسؤولية عن ذلك.

واستهدف مسلحون، أول أمس الأحد، دورية “أمن الطرق” التابعة للأمن العام في معرة النعمان جنوب إدلب، ما أدى إلى مقتل 4 عناصر وإصابة آخر بجروح خطيرة نُقل على إثرها إلى المشفى لتلقي العلاج.

وقال مصدر أمني في أمن الطرق بمعرة النعمان للجزيرة نت، إن تنظيم الدولة هو المسؤول عن العمليات التي تستهدف عناصر تابعة للحكومة السورية، من مختلف قوى الأمن، وخصوصا أن التنظيم تبنّى جميع العمليات في الآونة الأخيرة.

وأضاف المصدر -الذي فضل عدم الكشف عن هويته- أن الهجوم كان عبر سيارة تُقلّ مسلحين أطلقوا النار على سيارتين لأمن الطرق، وقتلوا العناصر داخل مركباتهم، ثم لاذوا بالفرار.

“علاقة تخادمية”

وتابع المصدر “الاستخبارات السورية وقوات الأمن العام كثفوا عمليات تعقب عناصر تنظيم الدولة واعتقلوا العشرات وذلك بعد انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد التنظيم وذلك تحسبا لازدياد نشاطه”.

وقبل أسبوع، قُتل عنصران من الضابطة الجمركية التابعة لهيئة المنافذ البرية والبحرية نتيجة اعتداء مسلّح وقع في منطقة الزربة بريف حلب، كما أصيب عنصران آخران بجروح متفاوتة خلال الهجوم.

كما استهدفت -بداية الشهر الجاري- عناصر من وزارة الدفاع على جسر سراقب بريف إدلب الجنوبي، ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة آخر بجروح، كما وقع اعتداء على الدورية التي كانت مكلّفة بمرافقة شاحنة ترانزيت، بحسب مصادر أمنية. وكل هذه الاعتداءات -وفق المصدر الأمني- تبنّاها تنظيم الدولة في بيانات رسمية.

وفي تحليله للوضع الأمني في سوريا، يؤكد الباحث في الشؤون العسكرية، رشيد حوراني، أن العمليات التي يقوم بها تنظيم الدولة تجري في مناطق كان فيها سابقا. وبالتالي، يلعب العمل على تحسين الواقع الاجتماعي والتنموي دورا كبيرا في كبح محاولات التنظيم لتجنيد عملائه بتلك المناطق.

ومن جانب آخر، يظهر ذلك العلاقة التخادمية بين تنظيم الدولة من جهة، والمليشيات الإيرانية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) من جهة أخرى، إذ بقيت منطقة البادية وتدمر لسنوات طويلة مسرحا لعمليات بين الأطراف الثلاثة. واليوم، تجد هذه الأطراف، التي يمكن وصفها بالخاسرة، فرصة للتخادم بينها وضرب الحكومة السورية، والتشكيك بإمكانياتها أمام أميركا في محاربة تنظيم الدولة.

ويضيف حوراني للجزيرة نت، أن المنطقة الشرقية بشكل خاص تعد بيئة هشة ورخوة أمنيا لعدة أسباب، أبرزها:

    أنها ميدان عمل جديد لقوات الحكومة السورية.

    خبرة تنظيم الدولية بها، ومحاور التحرك فيها والتخفّي والتمويه داخلها، وتجنيده العديد من أبنائها.

ويدلل اعتقال القوات الأميركية لعدد من سكان تدمر بعد العملية على وجود معلومات عن متعاملين مع التنظيم في المنطقة.

ملاحقة فاعلة

أما في الشمال الغربي، فيعتبر حوراني أن الحملات التي قامت بها الحكومة السورية ناجحة، وتدل على امتلاكها معلومات عن تنظيم الدولة وتحركاته في المنطقة التي أُديرت من قبلها لفترة طويلة تمتد منذ 2017. ومع ذلك، تحتاج الحكومة لجهد أكبر في المناطق الجديدة، خاصة تلك التي لم يكن لها بها سابق عهد كالبادية.

وخلال الشهر الماضي، قالت وزارة الداخلية السورية -في بيان- إن وحداتها نفّذت عملية أمنية واسعة استهدفت خلايا تابعة لتنظيم الدولة في عدد من المحافظات. وأضافت الوزارة أن عملياتها، التي جرت بالتعاون مع جهاز المخابرات العامة ضد التنظيم، أدت لتفكيك عدة خلايا وإلقاء القبض على مطلوبين.

وتعتبر أكبر الاستهدافات التي نفّذها التنظيم تلك التي جرت في تدمر قبل أيام، حيث أكدت وزارة الداخلية أن شخصا ينتمي للتنظيم تسلّل -السبت الماضي- إلى موقع اجتماع ضم مسؤولين من قيادة الأمن السوري في البادية ووفد من التحالف الدولي، ثم أطلق النار على القوات المشتركة السورية الأميركية، ما أدى لمقتل جنديين أميركيين ومترجم وإصابة اثنين آخرين.

“نتائج معاكسة”

من جهته، يقول الباحث في العلاقات الدولية، فراس علاوي، للجزيرة نت، إن الاستهداف، مهما كانت الجهة التي تقف خلفه، يهدف بالدرجة الأولى إلى خلط الأوراق ومحاولة تغيير النظرة الأميركية تجاه الحكومة السورية، لا سيما في ظل مرحلة التقارب التي تمر بها العلاقات السورية الأميركية حاليا.

وأوضح أن الجهة المنفّذة، سواء كانت دولة، أو أجهزة مخابرات دولية، أو حتى فاعلا من دون مستوى الدولة كتنظيم مسلح، فإن الهدف يبقى واحدا، وهو إرباك المشهد السياسي والتأثير في مسار العلاقات بين واشنطن ودمشق.

وأضاف أن هناك احتمالا آخر يتمثل في أن يكون تنظيم مسلح هو من نفّذ العملية، وفي هذه الحالة يكون الهدف إظهار الحكومة السورية بموقف الضعف، خاصة في ظل خلافات وعداء سابق بين التنظيم والهيئة، مشيرا إلى أن العملية في جميع الأحوال كانت تسعى إلى خلط الأوراق.

لكن علاوي لفت إلى أن ما حدث جاء بنتائج معاكسة، إذ وقفت أميركا إلى جانب الحكومة السورية، وكان تصريح الرئيس دونالد ترامب واضحا، حيث أكد دعمه لها، وأبدى انزعاجه مما جرى، وتحدث بشكل مباشر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.

وبيّن أن هذه العملية، بدلا من أن تترك أثرا سلبيا، أسهمت في إحداث تأثير إيجابي على العلاقات الأميركية السورية، على الأقل على المدى القصير، متوقعا أن تشهد المرحلة المقبلة تنشيطا وزيادة في مستوى التفاعل والتعاون بين البلدين، خاصة في ملف مكافحة ما تصفه واشنطن بـ”الإرهاب”، والمقصود به تنظيم الدولة.

وختم الباحث علاوي، مشيرا إلى أن سرعة الموقف الأميركي والتصريح الواضح الصادر عن الإدارة الأميركية سَعَيا لمنع أي تأويلات أخرى قد تستغلها أطراف معارضة داخل أميركا، مثل الديمقراطيين المعارضين لإدارة ترامب، أو أطراف أخرى، للتشويش على مسار العلاقات الأميركية السورية.

يشار إلى أن جميع الاستهدافات التي تمت خلال الأسبوعين الماضيين كانت على طريق “إم 5” الواصل بين دمشق وحلب وتركّزت في ريفي حلب وإدلب الجنوبيين.

المصدر: الجزيرة

——————————————

من بونداي إلى تدمر… تحدي «داعش» العابر للحدود/ يوسف الديني

16 ديسمبر ,2025

في لحظة بدت عابرة على شاطئ سياحي هادئ في سيدني، تحوّل احتفال إلى مجزرة، وفي صحراء تدمر السورية سقط جنود أميركيون بنيران مهاجم واحد. جغرافياً لا يجمع بين الحدثين شيء، لكن استراتيجياً وفكرياً يجمعهما الكثير: عودة الإرهاب لا بوصفه تنظيماً مسيطراً على الأرض، بل بوصفه فكرة قاتلة عابرة للحدود، تتحرك عبر الأفراد، وتستثمر في «الذئاب المنفردة» أكثر مما تستثمر في الجيوش والرايات، وهي اليوم تستثمر في «عائلات مستذئبة» عطفاً على اشتراك الوالد والولد في هجوم أستراليا الدموي.

ما جرى في شاطئ بونداي لم يكن حدثاً مفاجئاً خارج السياق، بل حلقة مكررة في مسار تطرف طويل. فالمهاجم، نافيد أكرم، كان معروفاً لدى أجهزة الاستخبارات الأسترالية منذ عام 2019، حيث خضع لتحقيقات بسبب ارتباطه بدائرة متطرفة قريبة من تنظيم «داعش»، ثم صُنّف لاحقاً بوصفه «غير مهدد». هذا القرار – الذي بدا آنذاك مبرراً لدى السلطات الأسترالية – انكشف اليوم بوصفه أحد حدود الفهم الأمني القاصر للإرهاب الذي يطور من أدوات تجنيده واستقطابه، صحيح أن أكرم لم يكن عضواً تنظيمياً فاعلاً، ولم يكن يتحرك ضمن خلية عملياتية نشطة، لكنه كان منغمساً في ثقافة تنظيم «داعش»: الفكرة المسيطرة، والرمزيات، والسردية والولاء النفسي والعاطفي للعنف الفوضوي لصالح استراتيجية «إدارة التوحش».

هذه هي النقطة الجوهرية في تحوّلات «داعش» التي تبدو مفاجئة كل مرة لمن يتعامل معه باستخفاف أو يعتقد أنه قد انتهى، فالتنظيم الذي خسر «الخلافة» المزعومة في العراق وسوريا لم يضمحل أو يتلاش رغم تراجعه وأسر كثير من أنصاره، بل أعاد تعريف نفسه. عبر الابتعاد عن التموضع المكاني، وبناء «دولة متخيلة» يعيشها أتباعه ذهنياً ورقمياً. خلافة لا تحتاج إلى حدود، ولا إلى قيادة هرمية واضحة، ولا حتى إلى تواصل تنظيمي مباشر. يكفي أن يؤمن الفرد بالفكرة، وأن يستهلك خطابها، وأن يتشبع بثقافتها الدموية، ليصبح بمثابة مشروع منفذ محتمل.

الهجوم على القوات الأميركية في تدمر يعكس الوجه الآخر للمسألة ذاتها. حسب التحقيقات، نفذ الهجوم مسلح واحد متردد بين الانتماء لتنظيمات عدة استطاع التسلل ليس إلى فصيل أمني فحسب، بل إلى اجتماع مغلق، مستفيداً من الثغرات الأمنية وحالة التشابك الآيديولوجي ليقوم بعملية قتلت جنوداً أميركيين ومترجماً، وأسهمت في إرباك الحكومة السورية الجديدة، وإعادة طرح سؤال العلاقة بين الفكرة المسيطرة والتحولات.اللافت أن تنظيم «داعش»، بالتوازي مع توسعه الدموي في غرب أفريقيا – حيث يستعيد نماذج السيطرة والتمكين وإعادة الانتشار – لا يتخلى عن حضوره العالمي الذي يحافظ له على مزيد من الاستقطاب الرقمي والتجنيد، ومن هنا بات التنظيم ينوّع أدواته. في أفريقيا لديه مناطق سيطرة جغرافية، وفي أوروبا وأستراليا ومناطق متعددة من العالم، بمثابة دولة فكرة متطرفة مسيطرة و«ذئاب منفردة» تنتظر الفرصة. هذا التوزيع ليس عشوائياً، بل يعكس فهماً عميقاً لاختلاف البيئات الأمنية والاجتماعية. حيث يصعب التحرك التنظيمي الجماعي، ويسهل تحرك الفرد في ظل عدم معالجة ثقافة البيئات الخصبة لتمدد التنظيم، لا سيما على شبكات التواصل.

شبكة الإنترنت هي المسرح الحقيقي لهذا التحول. لم تعد منصات التواصل مجرد أدوات دعاية، بل تحولت إلى معسكرات تدريب رقمية كاملة: من إعادة تأطير الآيديولوجيا والمظلومية، إلى تطبيع العنف، إلى تقديم نماذج «بطولية» للقتل الفردي، وصولاً إلى الإيحاء بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة النفسية بعد العملية. في هذا الفضاء، لا يحتاج المجنَّد إلى لقاء، ولا إلى تعليمات مباشرة. يكفي أن يشعر بأنه جزء من سردية كبرى عالمية، وأن فعله – مهما بدا صغيراً – سيُقرأ بوصفه انتصاراً للتنظيم.

هنا تحديداً تتعثر المقاربات الأمنية القديمة. فمراقبة الأفراد، مهما بلغت دقتها، فإنها تظل فعلاً لاحقاً، وردّ فعل على إشارات قد لا تبدو خطرة في لحظتها. نافيد أكرم لم يكن «خطراً وشيكاً» وفق معايير 2019، لكنه كان بمثابة مشروع خطر مؤجل. والتطرف، بخلاف الإرهاب التنظيمي، لا يسير بخط مستقيم، بل يتقدم ويتراجع لأنه يتغذى على تحولات نفسية واجتماعية لا يمكن رصدها فقط عبر السجلات الأمنية.

معركة «الذئاب المنفردة» لا تُحسم بالرقابة وحدها، بل باستراتيجية استباقية شاملة تعالج الجذور لا الأعراض. المطلوب ليس فقط تعقّب الأفراد، بل تفكيك منظومة الاستقطاب ذاتها: الخطاب، والرموز، والسرديات، والبيئات الرقمية التي تمنح العنف معنى وهوية. فك الارتباط بين «داعش» وبين أي بيئة حاضنة لفكره – دينية كانت أو اجتماعية أو افتراضية – هو التحدي الحقيقي.

في هذا السياق، تبرز التجربة السعودية بوصفها نموذجاً ناضجاً ومختلفاً. فالمقاربة السعودية لم تختزل الإرهاب في البُعد الأمني، بل تعاملت معه بوصفه ظاهرة فكرية وثقافية ونفسية. من برامج مناقشة الفكرة والتنبه لخطرها على مستوى القيادة السياسية والمجتمع، إلى تجفيف منابع التمويل، إلى تفكيك الخطاب المتطرف، إلى الاستثمار في الوقاية المبكرة داخل الفضاء المجتمعي، وصولاً إلى المواجهة الرقمية المنظمة. هذه التجربة لا تدّعي الكمال، لكنها تقدم درساً مهماً: الإرهاب لا يُهزم فقط حين يقتل أفراده فحسب، بل حين يُفقد معناه وجاذبيته داخل المجتمعات.

العالم اليوم أمام لحظة مفصلية. «داعش» لم يعد عدواً بملامح واضحة يمكن الإشارة إليها، بل بات شبكة أفكار متنقلة، تستثمر في الهشاشة الفردية، وفي الفراغات السياسية، وفي الفوضى الرقمية. مواجهة هذا النمط تتطلب استراتيجية عالمية موحدة، لا تقوم فقط على تبادل المعلومات الأمنية، بل على تنسيق فكري وإعلامي وثقافي، ومن دون ذلك سيظل كل تجمع مزدحم، احتفالياً كان أو سياحياً، مساحة مفتوحة لفكرة قررت أن تجعل العالم ساحة تهديد دائمة.

* نقلا عن “الشرق الأوسط”

—————————————

سوريا الناجية تحارب التطرف/ عالية منصور

الحلول الأمنية عبر عقود لم تكن كافية لمعالجة مشكلة التطرف

16 ديسمبر 2025

ما كاد السوريون ينهون احتفالاتهم بمناسبة ذكرى مرور عام على تحرير سوريا من نظام الأسدين وهروب بشار الأسد، وتصويت مجلس النواب الأميركي على رفع “قانون قيصر”، حتى أطل الإرهاب برأسه مجددا، ليقوم مسلح هذه المرة بإطلاق النار بينما كان ضباط سوريون وأميركيون يجتمعون داخل مقر تابع للأمن السوري في مدينة تدمر.

أسفرت العملية عن مقتل 3 أميركيين، اثنين من أفراد الخدمة العسكرية الأميركية ومدني أميركي واحد يعمل كمترجم، وإصابة ثلاثة عسكريين، وعدد من عناصر الأمن السوري.

دمشق التي انضمت رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لواشنطن الشهر الماضي، صدر عن مسؤوليها استنكارات وإدانات واضحة، وإن بدا بعض التخبط الإعلامي في التعامل مع الأمر.

الشرع أبرق للرئيس الأميركي معزياً ومستنكراً. ترمب بدوره توعد بالرد على الهجوم، وأشار إلى أن الرئيس السوري “غاضب جداً” بسبب الهجوم، أي إنه لم يحمّل الدولة السورية أي مسؤولية مباشرة.

منذ سقوط نظام الأسد كان خطر “داعش” موجوداً، وإن كان منفذ العملية “ذئبا منفردا” أو يعمل بالتنسيق ويأتمر بأوامر قيادات “داعشية” عليا، فالأمر جرس إنذار لا يجوز أن يمر بالقضاء على المنفذ.

بعض الأصوات المقربة حديثاً من السلطة حاولت مراراً التقليل من خطر “داعش”، حتى خلقت وهماً لدى البعض بأن “داعش” اندثر، لكن الحقيقة أن “داعش” بنسخه المتعددة لا زال خطراً محدقاً في سوريا، كما خارجها. و”داعش” ليس تنظيماً فحسب بل فكر متطرف ينمو بسبب الخطاب المتطرف والتحريض المستمر، وزادت من حدته المجازر في غزة وقبلها في سوريا.

اليوم سوريا أمام مفترق خطير، الدولة الوليدة التي تحاول تثبيت تحالفاتها مع العالم وبناء دولة مواطنة (كما ذكر الشرع أكثر من مرة(، يجب أن تكون محاربة التطرف وبناء الأجهزة الأمنية بشكل احترافي على قائمة الأولويات. ولكن محاربة التطرف لا تتم فقط أمنياً، يجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة لدى الحكومة السورية، ولتشارك جميع الإدارات والوزارات في هذا العمل.

لقد انتهت الاحتفالات، وعلينا ان نبتعد قليلاً عن الإصغاء إلى فئة لا تعرف في العمل السياسي سوى التصفيق والمديح، آن الأوان لأن يشارك كل السوريين في بناء سوريا دولةً لجميع مواطنيها، دولة تنعم بالأمن والأمان بعد عقود من الرعب والقتل.

بعد وقوع هجوم تدمر الإرهابي، نشر مقطع لأحد منظري “حزب التحرير” يتهم الحكومة السورية ورئيسها بالخروج عن الإسلام إرضاء للغرب، هذا الخطاب التحريضي يجب أن يتوقف، إلغاء حفل مالك جندلي ما كان يجب أن يحصل، قضينا على الإرهابي الذي قام بالعملية لكن هناك من احتفل بها.

بعد دور الأجهزة الأمنية هناك دور كبير يجب أن تقوم به وزارة الإعلام كما وزارة الثقافة، بالتعاون مع كافة الوزارات لوقف كل ما من شأنه أن يتسبب أو يساهم في انتشار التطرف. التطرف ليس وجهة نظر والتحريض ليس حرية تعبير. ورشة إعادة كتابة مناهج التعليم يجب أن تبدأ، نحن أمام جيل لم يعرف سوى الحرب والفقر، وإعادة بنائه بحاجة لتكاتف الجميع.

الحلول الأمنية عبر عقود لم تكن كافية لمعالجة مشكلة التطرف، ونحن نبني سوريا الجديدة علينا الاستفادة من كل التجارب التي سبقتنا، وبناء دولة القانون والعدالة، وبناء دولة المواطنة، دولة لا يتفق فيها سوري على آخر بسبب عرقه أو دينه، دولة لا يُظلم فيها سوري بسبب عرقه أو دينه، دولة يقف فيها الجميع تحت سقف القانون، القانون نفسه، دولة يتم فيها ترسيخ مفهوم المواطنة بالممارسة وليس فقط بالكلام، هذه الدولة هي وحدها القادرة على اجتياز هذه المرحلة الحساسة.

————————————–

حادثة تدمر.. ما مدى تأثيرها على العلاقات السورية- الأميركية؟

ديسمبر 15, 2025    

بعد حادثة تدمر ودون الدخول في حيثيات التفاصيل، فإن الدوافع لهذه الحادثة غير واضحة بشكل جليّ، ولا يمكن التنبؤ بها، خصوصا أن الجاني لم يستهدف شخصا محدداً، بل استهدف القوات الأميركية والسورية في آن واحد، وهذا لا يمكن توصيفه إلا أنه عمل إرهابي.

لكن ما يمكن توجيه الأنظار إليه، هو هل فعلا هذه الحادثة ستؤثر على العلاقات السورية الأميركية؟ هل تقتطع أميركا علاقتها بسوريا؟ هل ستقوم واشنطن بعمل عسكري في سوريا؟ هل ستوقف واشنطن قرار إزالة قانون “قيصر”؟ هل فقد الرئيس أحمد الشرع والإدارة السورية الحالية مرحلة الثقة مع الإدارة الأميركية؟

ولأن المقارنات التاريخية تُنير ولا تُسقط، فمن المفيد تصويب المثال الأقرب الذي استُحضر كثيرً، فبالعودة إلى أقرب حادثة شبيهة بحادثة تدمر، فهي ما فعله رجل الأمن التركي، مع السفير الروسي، عام 2026، عندما قُتل السفير الروسي أندريه كارلوف في تركيا بالرصاص في يوم الاثنين 29 ديسمبر 2016، في هجوم مسلح وقع في أنقرة، بعد أن دخل رجل أمن تركي اسمه مولود الطنطاش – وهو شرطيّ تركي كان خارج الخدمة حينها – إلى القاعة باستخدام هويته كشرطي ما جعل الحضور والمنظمين يعتقدون أنه أحد الحراس الشخصيين لكارلوف، وفتح النار عليه، بينما كان يزور السفير الروسي معرضاً فنياً في العاصمة التركية أنقرة.

في اليوم التالي لعملية اغتيال السفير الروسي؛ اعتقلت السلطات التركية عددًا من أفراد أسرة الطنطاش في مقاطعة أيدين مسقط رأسه كما اعتقلت زميله في أنقرة قبل أن يُفرج عنهم في وقتٍ لاحقٍ. في المُقابل؛ أعلنَ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه من المقرر أن يصل فريق تحقيقٍ روسيّ إلى تركيا في 20 كانون الأول/ديسمبر للمساعدة في التحقيق.

أدانت العديد من الحكومات ورؤساء الدول الهجوم وقدموا تعازيهم لعائلة كارلوف وضحايا إطلاق النار الآخرين؛ وكذلك فعلوا للشعب الروسي. على الرغم من أن داعش لم تعلن مسؤوليتها عن الاغتيال؛ إلا أن مؤيديها احتفوا بما جرى.

رد الفعل الروسي، كان عبر المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: بأن الإرهاب، لن يمر … سنقاتلها بشكلٍ حاسمٍ»، فيمَا صرّح الرئيس فلاديمير بوتين بأنه يعتقد «أن الجريمة كانت بلا شك استفزازًا يهدفُ إلى إفساد تطبيع العلاقات الروسية التركية وإفساد عملية السلام السورية التي تدفعها روسيا وتركيا وإيران وغيرهم» كما أمر بتشديد الإجراءات الأمنية في السفارات الروسية في جميع أنحاء العالم؛ وذكر أنه «يتعيّن علينا أن نعرف من الذي يوجه «يد القاتل».

المغزى هنا ليس استنساخ الحالة، بل تثبيت قاعدة أن الدول الكبرى تميل إلى اعتبار الإرهاب محاولة لكسر اتجاه سياسي، فتتحاشى مكافأته بإلغاء ذلك الاتجاه.

حادثة تركيا توجهنا أيضا لحادثة مشابهة، وهي اغتيال الدبلوماسي إرنشت فوم راث على يدِ الطالب اليهودي هيرشل غرينزبان قائلًا: «لقد تحقّقت العدالة».

جميع هذه الحوادث هي من الناحية السياسية لا تصنف إلا تحت الإرهاب، لأن استهداف أشخاص تم استضافتهم تحت رعاية الدولة جريمة، لأنهم داخل الدولة المضيفة هم بحكم القانون الدولي (خاصة اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961) يتمتعون بحصانات وحماية كبيرة تضمن لهم أداء مهامهم بحرية، وتشمل هذه الحماية حرمة شخصهم ومقرهم ومكاتباتهم، إلا في حال عدم احترامهم لقوانين الدولة المضيفة، وإلا يمكن للدولة المضيفة إعلانهم “شخصًا غير مرغوب فيه” وطلب مغادرتهم فقط.

ولكن نعود للسؤال الجوهري، والذي فاضت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، واستغله المعارضون للحكومة السورية في الترويج له، هل ستتأثر العلاقات بين دمشق وواشنطن؟

قبل الإجابة على السؤال سنعرج على التصريحات التي صدرت من الطرفين، بداية كان بيان وزارة الخارجية السورية على لسان الوزير أسعد الشيباني، يقول: إن “سوريا تدين بشدة الهجوم الإرهابي الذي استهدف دورية لمكافحة الإرهاب مشتركة بين سوريا والولايات المتحدة بالقرب من تدمر”، مضيفًا: “نتقدم بتعازينا إلى عائلات الضحايا، وإلى الحكومة والشعب الأميركيين، ونتمنى للجرحى الشفاء العاجل”.

أما الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أول تعليق رسمي من واشنطن، نعى الضحايا الأميركيين، وقال في تصريح صحفي: “ننعي ثلاثة أميركيين عظماء فقدوا في كمين بسوريا”، مؤكدًا أن “الولايات المتحدة سترد على تنظيم الدولة، وإذا تعرضت قواتنا لهجوم آخر، سيكون الرد حتميًا”.

وتابع: “لقد أعرب الرئيس السوري أحمد الشرع عن غضبه الشديد واستيائه البالغ إزاء هذا الهجوم”، مشددا على أن الرد سيكون “حازما”.

بدوره، المتحدث باسم “البنتاغون”، شون بارنيل، قال إنه “لقي جنديان من الجيش الأميركي ومترجم مدني أميركي مصـرعهم وأصيب 3 آخرون اليوم في تدمر بسوريا، حيث وقع الهجوم أثناء قيام الجنود بعقد اجتماع رئيسي مع قادة محليين وكانت مهمتهم في إطار عمليات مكافحة تنظيم “داعـــش”.

وأضاف بارنيل، أنه سيتم حجب أسماء الجنود مع المعلومات التي تحدد هوية وحداتهم العسكرية لحين مرور 24 ساعة على إخطار أقاربهم المباشرين ويجري التحقيق حالياً في هذا الهجوم بشكل نشط.

كما قال توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، في منشور عبر منصة X (تويتر سابقًا):“أدين بشدة الكمين الإرهابي الجبان الذي استهدف دورية مشتركة أميركية – حكومية سورية في وسط سوريا”، مضيفًا: “ننعي بخسارة ثلاثة من أفراد الخدمة الأميركية وشخصاً مدنيًا، ونتمنى الشفاء العاجل للقوات السورية المصابة”. وأكد باراك: “سنظل ملتزمين بهزيمة الإرهاب مع شركائنا السوريين”.

المعطى الأكثر صلابة في قراءة الواقعة هو أن واشنطن –وفق بياناتها الأولية– تعاملت معها بوصفها هجومًا منسوبًا إلى تنظيم “داعش”، وقع أثناء “لقاء مع قادة محليين/مهمة ميدانية” في سياق عمليات مكافحة التنظيم، وأن المهاجم قُتل في المكان على يد قوات شريكة. هذه الصياغة في المنطق السياسي تثبيت للإطار: “هجوم إرهابي” على مهمة مشتركة، لا “صدام سياسي” بين حليفين طارئين.

من جملة هذه التصريحات يتبين أن واشنطن لا تزال تريد الحفاظ على العلاقة السورية – الأميركية، وأن الحادثة لن تؤثر بالشكل الذي تم تداوله إعلاميا على مجمل العلاقات التي نسجت بعد سقوط النظام المخلوع، بل إن مفاد التصريحات الأميركية، أن واشنطن تريد توثيق هذه العلاقة بشكل أقوى لمحاربة التنظيمات المتطرفة مع الدولة السورية، خصوصا بعد انضمام سوريا لـ”التحالف الدولي”.

أما من واشنطن، فكان تعليق الرئيس دونالد ترامب –وفق ما نقلته وكالات وصحف أميركية– شديد اللهجة تجاه “داعش”، مع تعهد بالرد إذا تكرر استهداف القوات الأميركية، بالتوازي مع تأكيدات من مسؤولين أميركيين على استمرار الالتزام بهزيمة الإرهاب مع الشركاء السوريين. إن اجتماع نبرة الردع مع خطاب “استمرار الشراكة” يوحي بأن الإدارة الأميركية تسعى إلى عزل الواقعة أمنيًا، وعدم منح منفذيها مكسبًا سياسيًا يتمثل في تسميم خط العلاقة.

ومن الجهة السورية، جاء موقف وزير الخارجية أسعد الشيباني متسقًا مع الإطار نفسه، إذ أدان الهجوم ووصفه بالإرهابي، وقدم التعازي للجانب الأميركي وتمنى الشفاء للجرحى، في رسالة سياسية تُقرأ بقدر ما تُقرأ أمنيًا: دمشق تريد أن تُسقط عن الحادثة صفة “الحرج السيادي”، وتمنع خصوم التقارب من تحويلها إلى “دليل اتهام” على الدولة الجديدة أو على أهليتها للشراكة.

لكن ومما لا يدع مجال للشك، فإن إرهاصات هذه الحادثة وتداعياتها سيكون على الشكل الأمني بشكل أوسع، فتحليل الرسائل السياسية والعسكرية الأميركية بعد الهجوم، يشي بمدى اقتراب واشنطن من تغيير قواعد الاشتباك أو توسيع نطاق الرد.

في هذا السياق، تبدو الأسئلة التي اجتاحت وسائل التواصل –من نوع “هل ستقطع أميركا علاقتها؟ هل ستشن حربًا؟ هل ستوقف مسار العقوبات؟”– مفهومة في مجتمعٍ خبر الانقلابات المفاجئة في المواقف الدولية، لكنها غالبًا تُبنى على منطق ثنائي تبسيطي: إمّا قطيعة وإمّا اندفاع، بينما السياسة الواقعية تُدار بموازين مصالح وتكاليف ورسائل. الحادثة، بحد ذاتها، لا تفرض تلقائيًا انقلابًا في استراتيجية واشنطن، لأن واشنطن ترى في الملف السوري –بحسب الخطاب المعلن– ساحةً لمطاردة خلايا التنظيم ومنع عودته، وهذا هدف لا يتحقق عبر تفكيك الشراكة الأمنية عند أول اختبار، بل عبر تشديدها وربطها بشروط وضمانات.

أيضا، إحدى الدلالات اللافتة بعد هجوم تدمر تمثلت في اتساع دائرة الإدانات العربية والدولية، بما يعكس رغبة إقليمية ودولية في منع التنظيمات المتطرفة من استعادة زمام المبادرة عبر “ضرب الشراكات” وإعادة إنتاج الفوضى. هذا النوع من الإدانات لا يغيّر وحده المعادلات الميدانية، لكنه يساهم في تثبيت سرديةٍ سياسية مفادها أن استهداف الدوريات المشتركة ليس شأناً ثنائياً بين دمشق وواشنطن فقط، بل تهديدٌ لمسار الاستقرار الناشئ في سوريا والمنطقة.

قطر دانت الهجوم رسمياً، واعتبرته عملاً إرهابياً استهدف دورية مشتركة قرب تدمر، مؤكدة موقفها الرافض للعنف والإرهاب “أياً كانت الدوافع”، وقدمت التعازي لسوريا والولايات المتحدة وتمنيات الشفاء للمصابين. والأردن بدوره أعلن إدانته للهجوم والتضامن مع الطرفين، وفق ما نقلته وسائل عن وكالة الأنباء الأردنية، في صيغة تُظهر حساسية عمّان تجاه أي تدهور أمني في الجغرافيا السورية بوصفه ارتداداً مباشراً على أمن الحدود والإقليم.

أما تركيا، فذهبت في بيانٍ رسمي لوزارة خارجيتها إلى توصيف الهجوم “اعتداءً إرهابياً” ضد القوات السورية والأميركية التي كانت تقوم بدورية قرب تدمر، وقدمت التعازي لحكومتي البلدين بوصفهما شريكين في “التحالف الدولي ضد داعش”، مؤكدة استمرار دعمها لجهود الحكومة السورية في تعزيز الاستقرار والأمن ومكافحة الإرهاب. وفي السياق العربي أيضاً، أعلنت البحرين إدانتها واستنكارها الشديدين للهجوم، مؤكدة التضامن مع سوريا والولايات المتحدة، ومجددة رفضها للإرهاب الهادف إلى زعزعة الأمن والاستقرار.

وعلى مستوى المنظمات، أدانت رابطة العالم الإسلامي الهجوم، ووصفت العملية بـ“الجريمة الإرهابية الغادرة”، وقدمت التعازي وأعلنت التضامن مع سوريا في مواجهة ما يهدد أمنها واستقرارها، في خطابٍ يندرج ضمن محاولات تجريد التنظيمات المتطرفة من أي غطاءٍ رمزي أو تبريري في المجال الديني العام.

مجمل هذه الإدانات لا تعني أن الطريق خالٍ من المطبات، لكنها توضح أن البيئة السياسية المحيطة بالحادثة تميل ــ حتى الآن ــ إلى عزل الهجوم بوصفه “فعل تخريب” يستهدف الشراكات، لا بوصفه سبباً لإنهائها. وهذه نقطة ثقيلة الوزن في لحظةٍ إقليمية تتنافس فيها السرديات: سردية بناء الدولة ومحاربة الإرهاب، وسردية الفوضى والفراغات التي لا يعيش عليها إلا المتطرفون.

بناءً على ذلك، فإن التأثير الأرجح لحادثة تدمر لن يظهر كقرارٍ دراماتيكي بقطع العلاقة كما يروج له على منصات التواصل الاجتماعي، إنما كتحولٍ تدريجي في “شروط العلاقة” عبر مزيد من التدقيق الأمني في مسارات الدوريات والاجتماعات الميدانية، تشديد آليات الفحص والتدقيق داخل الوحدات المحلية المشاركة، وربما توسيع هامش العمل الوقائي والاستخباري على حساب الطابع الرمزي للتنسيق المشترك. وفي المقابل، ستسعى دمشق إلى إثبات جدارتها كشريك قادر، لا عبر الخطاب فقط، بل عبر نتائج ميدانية من خلال تفكيك شبكات، ملاحقة خلايا، وإظهار أن الحادثة لم تُكسر بها هيبة الدولة ولا التزاماتها.

الخلاصة أن حادثة تدمر ليست “مفترق طرق” بقدر ما هي “حاجز أمان” إذا عُولجت الواقعة ضمن منطق الشراكة ضد تهديد مشترك، فقد تُستخدم لتعميق التنسيق وتحصينه؛ وإذا أُسيء التعامل معها داخليًا عبر التخوين والمزايدات، أو خارجيًا عبر تحميلها أكثر مما تحتمل، فقد تتحول إلى مدخل لإرباك مسارٍ سياسي لم يستقر بعد. وفي كل الأحوال، فإن التنظيمات المتطرفة –حين تضرب في نقاط الالتقاء– تراهن على شيء واحد: أن ينقلب الشركاء على بعضهم بدل أن ينقلبوا عليها.

الثورة السورية

———————————

قتلى أميركيون في تدمر: هجوم يفتح أسئلة أمنية وسياسية في لحظة مفصلية/ أغيد حجازي

14 ديسمبر 2025

في هجوم استهدف اجتماعًا ميدانيًا أعقب جولة مشتركة بين قوات أميركية وقوات أمنية سورية في مدينة تدمر وسط البلاد، قُتل جنديان أميركيان ومدني أميركي واحد، وأُصيب ثلاثة عسكريين أميركيين، فيما لم يتضح بعد ما إذا كان هناك ضحايا من الجانب السوري، باستثناء مطلق النار الذي جرى تحييده من قبل قوات الأمن السوري عقب اشتباكات معه.

وتُعدّ هذه الحادثة، التي سقط فيها قتلى أميركيون، الأولى من نوعها منذ تدخل التحالف الدولي في سوريا، وتطرح جملة من الأسئلة حول الأسباب والتداعيات وهوية منفذ الهجوم، كما أن توقيت الحادثة ومكانها لا يقلان أهمية عن مجريات الحدث نفسه.

مكان وتوقيت الهجوم

تُعدّ مدينة تدمر من المناطق التي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” سيطرته عليها مرتين بشكل كامل عامي 2015 و2016، قبل أن يقوم جيش النظام السابق بطرد التنظيم منها واستعادتها. ورغم ذلك، لا تزال البادية السورية عمومًا من المناطق التي ينشط فيها تنظيم الدولة.

وسبق، بعد سقوط نظام الأسد، أن نفذت قوات الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات السورية سلسلة عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش، شملت مداهمة أوكار للتنظيم واعتقال مجموعة من عناصره، إضافة إلى مصادرة أسلحة.

كما تضم مدينة تدمر مطارين عسكريين، هما مطار التيفور ومطار تدمر العسكري، إلى جانب مقر لأمن البادية، الذي يُعتقد أن الاجتماع المستهدف كان يُعقد داخله. وتُعدّ تدمر أيضًا نقطة وصل استراتيجية بين دمشق وحمص ودير الزور، وتكتسب أهمية إضافية لكونها نقطة استراتيجية لقاعدة التنف التي تسيطر عليها القوات الأميركية.

وجاءت العملية في توقيت بالغ الأهمية لعدة اعتبارات. أولًا، وقعت بعد نحو شهر من إعلان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، ما شكّل نكسة في مسار التعاون داخل التحالف، إذ إن الهجوم جاء عقب ثاني عملية مشتركة مع القوات الحكومية السورية بعد هذا الانضمام، وأسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين.

ثانيًا، جاءت العملية بعد أول إعلان رسمي لتنظيم داعش عن مهاجمة القوات الحكومية السورية جنوب شرقي إدلب، عند جسر بلدة سراقب، ما أدى إلى مقتل عسكري وإصابة آخر، وهي المرة الأولى التي يتبنى فيها التنظيم عملية ضد القوات الحكومية منذ سقوط النظام، بعد أن كانت عملياته موجّهة ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أو ضد الأقليات السورية، وفق بياناته.

ثالثًا، تزامنت العملية مع تصويت الكونغرس الأميركي على قانون إلغاء “قيصر”، وقبل تصويت مجلس الشيوخ، ما يفتح المجال أمام فرضية أن الهجوم قد يكون جاء في سياق محاولة عرقلة إلغاء القانون من قبل تنظيم الدولة.

رابعًا، جاءت العملية بعد نحو نصف شهر على عملية بيت جن، التي أدت إلى إصابة ستة جنود من قوات الاحتلال الإسرائيلي.

منفذ العملية

رغم وضوح الرواية الأميركية التي نسبت منفذ العملية إلى تنظيم داعش، فإن الرواية السورية بدت مربكة، وحملت تفسيرات متعددة. إذ لم يؤكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، في حديثه إلى “الإخبارية السورية”، ولم ينفِ في الوقت نفسه، انتماء منفذ الهجوم إلى تنظيم داعش، مكتفيًا بالقول إن المنفذ لا يملك أي ارتباط قيادي داخل الأمن الداخلي، ولا يُعد مرافقًا لقائد الأمن الداخلي في البادية.

وأوضح البابا أن التحقيقات لا تزال جارية للتأكد من صلة المنفذ بتنظيم الدولة أو حمله فكر التنظيم، كاشفًا عن وجود نحو خمسة آلاف عنصر أمن في البادية يخضعون لتقييمات أسبوعية، وتتخذ إجراءات دائمة بحقهم بناءً على تلك التقييمات.

ولفت إلى أن منفذ الهجوم صدر بحقه تقييم بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول يفيد باحتمال حمله أفكارًا تكفيرية أو متطرفة، مشيرًا إلى أنه كان من المقرر صدور قرار بحقه يوم الأحد، كونه أول يوم دوام رسمي في الأسبوع، إلا أن الهجوم وقع يوم السبت الذي يُعد يوم عطلة إدارية.

وفي السياق نفسه، نقلت “رويترز” عن ثلاثة مسؤولين سوريين قولهم إن الرجل الذي هاجم عسكريين سوريين وأميركيين في مدينة تدمر وسط البلاد كان عنصرًا في قوات الأمن السورية.

كما قالت وكالة فرانس برس، نقلًا عن مصدر أمني، إن منفذ الهجوم كان عنصرًا في جهاز الأمن العام، وعمل ضمن الجهاز التابع لوزارة الداخلية السورية منذ أكثر من عشرة أشهر، وشارك في مهام أمنية في أكثر من مدينة قبل نقله إلى تدمر. وأضاف المصدر أن “أكثر من 11 عنصرًا تابعًا للأمن العام جرى توقيفهم وإحالتهم إلى التحقيق فور وقوع الحادثة”.

بدورها، كشفت منصة “تأكد” عن هوية منفذ العملية، مشيرة إلى أن اسمه طارق صطوف الحمد، الملقب “أبو صطيف”، وأرفقت ذلك بصورة قالت إنها تعود له، فيما نشرت مجموعة من القنوات والمواقع الرسمية الصورة ذاتها على أنها صورة متداولة لمنفذ الهجوم.

ردود الفعل

جاءت ردود الفعل الأميركية إيجابية تجاه الحكومة السورية، بدءًا من رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب، وقيادة القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، ووزير الحرب الأميركي بيتر هيغسيث، وصولًا إلى المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، حيث أكدوا جميعًا استمرار محاربة الإرهاب بالتنسيق مع الحكومة السورية، مشددين على أن منفذ العملية ينتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية داعش.

وينسجم هذا الموقف مع السياسة الأميركية الداعمة للحكومة السورية، إذ يُعد تعزيز رواية اتهام داعش الخيار الأسلم بالنسبة لواشنطن، في ظل صعوبة توجيه اتهام مباشر لأن يكون منفذ العملية من عناصر الحكومة السورية، خاصة بعد التعاون الوثيق معها في ملفات أمنية وعسكرية واقتصادية، وبعد رفع العقوبات عن سوريا وعن الرئيس أحمد الشرع.

وبحسب مصادر محلية، نفذت قوات التحالف الدولي سلسلة اعتقالات في مدينة تدمر عقب العملية، طالت عددًا من عناصر الأمن الداخلي التابعين للحكومة السورية، من بينهم مسؤول الدراسات الأمنية في المدينة.

ومن بين ردود الفعل الأميركية المتوقعة، مراجعة البروتوكول والآلية المعتمدة في التعاون مع الحكومة السورية، ولا سيما من حيث مراجعة أسماء الأشخاص الذين يُعقد معهم الاجتماع أو يجري التعاون معهم. ففي حال ثبوت أن منفذ العملية عنصر في الأمن العام ولديه صلات بتنظيم داعش أو يحمل فكر التنظيم، فإن القوات الأميركية ستعيد تقييم الجهات والأشخاص الذين يجري التعاون معهم، بما في ذلك القوات السورية العاملة في الحراسة أو ضمن الدوائر المشاركة في التعاون.

أما في حال لم يكن المنفذ تابعًا لوزارة الداخلية وكان عنصرًا في تنظيم داعش، فإن ذلك يعني وجود خرق أمني وتسريب معلومات مكّن التنظيم من معرفة توقيت ومكان الاجتماع، وهو أيضاً يتطلب مراجعة في الآلية المتبعة.

وربما تعيد الولايات المتحدة الأميركية تعزيز اعتمادها على قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في محاربة تنظيم داعش، من دون التخلي عن التعاون مع الحكومة السورية، استنادًا إلى تجربة سابقة امتدت نحو عشر سنوات، لم تشهد خلالها حوادث مشابهة.

داخليًا، قد يُنظر إلى ما جرى في الولايات المتحدة باعتباره فرصة لمعارضي الرئيس ترامب وسياساته، ولا سيما من الحزب الديمقراطي، لتوجيه اتهامات له بسبب الانفتاح على سوريا. كما قد تصدر مواقف ناقدة من داخل المؤسسة الأمنية الأميركية، وخصوصًا من مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، التي تضم 18 جهاز استخبارات أميركي، وتترأسه تولسي غابارد، المعروفة بمعارضتها للسياسات التي تقضي بإرسال جنود أميركيين إلى الخارج، وخاصة إلى سوريا، ومعارضتها للانفتاح الذي يقوده ترامب على الحكومة السورية الجديدة.

ويُتوقع أن يشكل مقتل جنود أميركيين ضغطًا كبيرًا على ترامب وإدارته في كيفية التعامل مع الحادثة، نظرًا لحساسية هذا النوع من الأحداث أمام الرأي العام الأميركي، وصعوبة المرور عليه دون تداعيات سياسية وأمنية.

في المحصلة، تكشف حادثة تدمر عن هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا، وعن حجم التعقيد الذي يرافق إعادة دمج البلاد ضمن منظومة التحالفات الدولية، ولا سيما في الملف الأمني المرتبط بمحاربة تنظيم داعش. فالهجوم، بغضّ النظر عن هوية منفذه النهائية، يضع التعاون السوري–الأميركي أمام اختبار حقيقي، ويفتح الباب أمام مراجعات عميقة في آليات التنسيق وتبادل المعلومات، كما يعيد طرح أسئلة قديمة – جديدة حول اختراق المؤسسات الأمنية، وحدود السيطرة على البادية السورية.

وفي ظل تشابك العوامل السياسية والأمنية والتوقيت الحساس داخليًا وخارجيًا، تبقى تداعيات هذه الحادثة مفتوحة على احتمالات متعددة، لن تتضح ملامحها النهائية إلا مع ما ستسفر عنه التحقيقات، وكيف ستُترجم سياسيًا وأمنيًا في المرحلة المقبلة.

الترا سوريا

——————————

تطور غير مسبوق.. “داعش” يصعّد ردًا على انضمام دمشق لـ”التحالف الدولي”/ محمد كساح

15 ديسمبر 2025

جاء رد تنظيم الدولة “داعش” على انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ضمن سياق تصعيد غير مسبوق بدأ التنظيم أولى خطواته مع سقوط النظام البائد، فقد عاد الشأن السوري إلى أعداد مجلة “النبأ” التي يصدرها الإعلام المركزي للتنظيم منذ لحظة الإعلان عن هروب بشار الأسد، ثم توالت الافتتاحيات التي تواكب مجريات الملف السوري المتسارعة.

وأكبر الاستهدافات التي نفذها التنظيم جرت في تدمر قبل يومين، حيث أكدت وزارة الداخلية السورية في بيان، أن شخصًا ينتمي إلى “داعش” تسلل، يوم السبت الماضي، إلى موقع اجتماع ضم مسؤولين من قيادة الأمن السوري في البادية ووفد من التحالف الدولي، وذلك قبل أن يطلق النار على القوات المشتركة السورية- الأميركية، ما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم وإصابة اثنين آخرين.

سبقت هذه العملية ولحقتها أيضًا، عمليات اغتيال وتصفية في مناطق سورية عديدة، وفقاً لمصادر أهلية تحدثت لـ”ألترا سوريا”، لاسيما في محافظة إدلب التي تشهد وقوع حوادث استهداف لعناصر الجيش السوري على يد مسلحين تابعين لـ”داعش”، في حين يتخوف الأهالي من عودة نشاط التنظيم إلى المنطقة كرد دموي على انضمام سوريا للتحالف الدولي، خاصة وأن هذه التصفيات جرت عقب الإعلان عن هذه الخطوة الهامة.

إلى ذلك كشف مصدران عاملان في الاستخبارات السورية، خلال حديث لـ”ألترا سوريا”، عن رفع الجاهزية والاستعداد الكامل لقوات الأمن والاستخبارات السورية لتحييد الخلايا الداعشية التي تتم مراقبة عدد كبير منها في مخطط لجمع أكبر قدر من المعلومات عن النشاط الجديد للتنظيم عقب سقوط النظام.

وأكد المصدران أن هناك مؤشرات على تصاعد النشاطات الإرهابية لداعش عقب انضمام سوريا للتحالف الدولي، الأمر الذي يفسر تكرار حوادث الاغتيال والتصفية بحق عناصر الجيش السوري، ولفتا إلى وجود عناصر داعشية قيد الاحتجاز حيث تتواصل عمليات التحقيق معها لمعرفة عناصر الخلايا الداعشية المتوارية في عدد من المناطق السورية مثل الجنوب وريف دمشق وبعض البلدات الأخرى.

وحول الاستراتيجية التي تتبعها الاستخبارات وأجهزة الأمن المعنية لتحييد المخاطر المحتملة من التنظيم، أكد المصدران أنها تعتمد على استخدام كافة التقنيات من أجهزة تنصت وكاميرات مراقبة وطائرات مسيرة بهدف مراقبة أي نشاط مشبوه، مع تجميع بنك أهداف حول أماكن متوقعة لتمركز الخلايا التي تنتهج حاليًا أسلوب العمل السري والذئاب المنفردة.

وفيما ألمح المصدران إلى أن جهاز الاستخبارات السورية توقع إقدام ما تبقى من الخلايا الداعشية التي تعمل في الخفاء على التصعيد وممارسة عمليات الإرهاب بحق السوريين، أكدا أن الأجهزة المعنية تعمل على مكافحة أي نشاط سري ومعلن للتنظيم، سواء عبر استباق وإفشال العمليات الإرهابية قبيل وقوعها أو ملاحقة المجرمين المتورطين.

في نفس السياق، يمكن لآخر الأعداد الصادرة من مجلة النبأ الداعشية أن تخبر الكثير عن نية التنظيم وردود افعاله بعد انضمام سوريا للتحالف، حيث شنت المجلة في عدد الـ 521 هجومًا عنيفًا ضد الحكومة السورية تعليقًا على زيارة الرئيس الشرع لواشنطن وإعلان انضمام دمشق للتحالف.

خاطبت المجلة في افتتاحيتها المعنونة بـ”أتاتورك في واشنطن” “المقاتلين في الشام الذين زعمت أنهم فارقوا الجماعة وناهضوا مشروع الدولة الإسلامية، معتبرة أن الإعلان الخجول عن انضمام سوريا إلى التحالف لتصبح الشريك رقم ٩٠ هو مجرد ترسيم علني لخطوة كانت سرية، بينما تمثل التطور الأخطر في الخطاب الداعشي بنعت قوات الجيش السوري بـ”القوات المرتدة”.

وبدءًا من هذا العدد، تزدحم صفحات المجلة بأخبار التصفيات والعمليات التي نفذتها الخلايا الداعشية بحق الجيش السوري، الذي تكفره وتستحل دماء منتسبيه، مثل اغتيال عنصر من الجيش بهجوم مسلح في حماة، ووضع عبوة لاصقة على آلية لـ”الأمن الداخلي” ببلدة معربا ما أدى لتفجيرها، ومقتل عنصر للجيش السوري وإصابة عنصر آخر جراء استهدافهما بالرشاشات على جسر مدينة سراقب شرقي إدلب.

وفي الأثناء، تبنى التنظيم اغتيال المسؤول في دائرة القضاء والمحاكم، محمد جابر بكرو، عبر زرع وتفجير عبوة لاصقة أسفل مقعد سيارته ببلدة دير حسان شمالي إدلب.

وفي آخر الاستهدافات التي حملت بصمة داعش، اغتال مجهولون دورية أمن طرق تابعة لقوات الأمن الداخلي في منطقة معرة النعمان ما أدى إلى مقتل 4 عناصر. وقبل أسبوع وقع حادث مماثل في منطقة الزربة بريف حلب قتل من خلاله عنصران من الضابطة الجمركية السورية.

وأعلنت وكالة “سانا” اليوم الإثنين استهداف عنصرين من وزارة الدفاع قرب بلدة الغزاوية غرب حلب، ما أسفر عن إصابة أحدهما، وذلك من قبل مسلحين مجهولين على دراجة نارية.

———————

 وبدأت حرب تنظيم “داعش” على النظام السوري الجديد/ حسام جزماتي

2025.12.15

في العدد الأخير من صحيفته الرسمية صعّد تنظيم الدولة (داعش) خطابه ضد الحكم السوري الحالي في افتتاحية حملت عنواناً ساخراً هو: “ثورة حتى القصر”.

وفيها أكدت “النبأ” على ما سبق أن كررتْه من أن هذه الحكومة مرتدّة، لا تختلف عن نظام الأسد إن لم تكن “أكثر نفعاً وخدمة ورضوخاً لأميركا” منه، فقد تبيّن أن هدفها هو خلافته في الحكم لا إقامة “خلافة على منهاج النبوة”.

وأنها حرّرت سوريا ولكن من “حكم الإسلام”، الذي حاربه الجولاني مستعيناً بـ”شياطين الإنس والجن على هدم صرحه”، الذي كان يتمثل في دولة الخلافة الداعشية عند الصحيفة طبعاً، وصولاً إلى الانضمام للتحالف الدولي الذي يهدف إلى محاربتها، في حين يعِد “مجاهدون” من أبنائها، أهالي سوريا بـ”إعادتها إلى حضن الإسلام، وإلزامها عتبة العبودية لله”.

كان يمكن لهذه الافتتاحية أن تمرّ مرور الخطب، كسابقاتٍ لها لم تقترن لغتهن الغاضبة بعمل ضد الحكومة؛ لكن ما حدث، هذه المرّة، أنها ترافقت مع ما يبدو أنه إطلاق التنظيم عملياته في مناطق سيطرة الحكم، مستهدفاً عناصره من وزارتي الدفاع والداخلية أساساً، بعد أن اقتصر عمله داخل سوريا، خلال سنة ماضية كاملة تقريباً، على استهداف المنتسبين لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والمتعاونين معها، في شمال البلاد وشرقها.

ووفق وكالة “أعماق” الرسمية، يبدو أن العمليات بدأت في حماة، عندما استهدف “جنود الخلافة”، في يوم الخميس 27 تشرين الثاني الفائت، “مرشحاً عن النظام المرتد السابق، رفقة عنصر من النظام المرتد الجديد”، في حي التتان بالمدينة، ما أدى إلى مقتل الأوّل وإصابة الثاني.

وفي اليوم التالي هاجم آخرون عنصرين من “الجيش السوري المرتد”، في بلدة سراقب بمحافظة إدلب، بالأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى مقتل أحدهما وإصابة الآخر و”عاد المجاهدون إلى مواقعهم سالمين”.

وبعد عدة أيام استهدفوا “دورية للحكومة السورية المرتدة”، قرب بلدة الزربة في ريف حلب، بالأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى مقتل عنصرين وإصابة اثنين آخرين، وفي يوم الأحد 7 كانون الأول فجّروا عبوة لاصقة بآلية “الأمن الداخلي المرتد”، في بلدة معربا بريف دمشق، ما أدى إلى تضررها.

كذلك، في اليوم التالي فجّروا أخرى بسيارة مسؤول في “القضاء الكفري التابع للحكومة السورية المرتدة”، في بلدة دير حسان بريف إدلب، ما أدى إلى مقتله واحتراق سيارته.

ويشرح العدد الأخير من “النبأ”، أنّ المستهدف كان يشغل منصباً إدارياً في “القصر العدلي” التابع لوزارة العدل في مدينة حلب، مذكّراً بأنّ “هيئة الجولاني” تسلّمت الحكم قبل عام في غضون أيام، بـ”موجب اتفاق دولي إقليمي”، يقوم على رعاية “المصالح الأميركية واليهودية”، وفي مقدمتها محاربة “الإرهاب”.

ربما توحي العبارة الأخيرة أنّ “داعش” ترى نفسها، في المعركة الحالية، في موقع دفاعي، فعلى الرغم من أنّ العدوانية لا تنقص التنظيم بحال من الأحوال، إلا أنه يبدو أن وضعيته السورية الآن فرضت عليه تجنب خوض حرب مع قوات الحكومة السورية الجديدة، في ظل ضعف كبير يعانيه في مناطقها، مع استمرار قدراته على تنفيذ عمليات، بوتيرة ثابتة، ضد “قسد” في دير الزور والرقة والحسكة.

فمن المعروف أن بقايا “داعش” في سوريا مشت في شعبين، بحكم ظروف العمليات العسكرية الخارجة عن إرادتها وتعدد السلطات المحلية؛ أحدهما، وهو الأضعف والأكثر تخفياً، في مناطق “قسد”، وثانيهما على امتداد البادية السورية المفتوحة على عدة محافظات كانت تحت سيطرة نظام الأسد حتى سقوطه.

وكان من المألوف أن ينظر الباحثون في شؤون “داعش”، إلى هذا القسم على أنّه الأقوى والأشد خبرة والأكثر تنظيماً، ورغم أن ذلك صحيح إلا أنه يبقى نسبياً بطبيعة الحال، فقد لا يتجاوز العدد المئات وفق تقديرات لا يمكن تأكيدها، ولا سيما مع قدرة “الدواعش” المفترضة على عبور الحدود السورية العراقية الطويلة بالاتجاهين.

لكن توقف عمليات “داعش” البادية ضد “هيئة تحرير الشام” وحلفائها، فور سيطرتهم على المنطقة، لا بد وأن يحيل إلى ضعف الإمكانات ما دام العداء العقائدي مستمراً بل مستفحلاً.

وبالنسبة إلى “داعش”، التي تُعَدّ حسابات توازن القوى أقصى ما يمكن أن تبلغه من عقل، لا يبدو أن هناك سبباً آخر منعها عن استهداف خصمها اللدود سوى تعاظم قوته العسكرية، والأمنية في “المحرّر القديم” (الشمال السوري)، حيث تقيم بعض العائلات باتفاق أمان مضمر، وذلك في انتظار من التنظيم، الذي أضحى مشتتاً في منابته، لأن يرتّب صفوفه ليكون جاهزاً لمعركة ثأر يتشوق لخوضها.

إذاً ما الذي دفعه إلى تجاوز ذلك وفتح الاستهداف الذي سردنا معالمه أعلاه؟ الأرجح أن السبب ليس تحصيله مزيداً من القوة بل إصابته بالمزيد من الضعف.

ففي الأشهر الأخيرة، ربما تمهيداً لدخول الحكومة السورية في “التحالف الدولي” وإثباتاً لكفاءتها، دهمت قواتها عدداً غير مسبوق من المقار التي يشتبه بأنها تحوي “دواعش”، فقتلت بعضهم واعتقلت آخرين ووضعت يدها على كميات من الأسلحة.

ويبدو أنّ هذه العمليات أصابت هدفها في عدد من الحالات فدفعت التنظيم إلى أن يتخذ قراره بساعة الصفر قبل نضوجها المنتظر، ما دامت إعداداته معرّضة للانكشاف وعناصره للقتل والسجن قبل أن يتحرّكوا، بفعل شبكات الرصّاد (المخبرين وفق التعبير الجديد).

فكيف عندما تضاف إلى ذلك نتائج التعاون الأمني، وهو أبرز عناوين انضمام حكومة دمشق إلى “التحالف”، فيُطبق الطرفان، كفكّي كماشة، على خلايا التنظيم، التي لم تجد نفسها، في مواجهة ذلك، أمام خيار أفضل من فتح المعركة حتى لو شابهت الانتحار.

تلفزيون سوريا

————————–

 هجوم تدمر بلا توقيع: اختبار قاسٍ للأمن..ولشراكة مكافحة داعش/ مهيب الرفاعي

الثلاثاء 2025/12/16

يبرز الهجوم الذي استهدف دورية أميركية سورية مشتركة في مدينة تدمر في 13 كانون الأول 2025، في سياق عملياتي وسياسي معقّد، عدم اكتمال المرحلة الانتقالية الأمنية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لا سيما في ظل انخراط سوريا في تحالف دولي ضد تنظيم “داعش”، وهو التنظيم الأشرس في البادية السورية الممتدة.

 وبحسب المعلومات المتوفرة، كانت الدورية تُنفذ مهمة لمكافحة الإرهاب في وسط سوريا عندما تعرضت لإطلاق نار كثيف داخل فرع البادية (221) ، ما أسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني أميركي، وعنصرين من الأمن العام السوري، بالإضافة إلى عدد من الجرحى. وتمكنت قوات الأمن السوري من الاشتباك مع المهاجم وتحييده في الموقع، وقد نسب مسؤولون أميركيون الهجوم مبدئياً إلى مسلح منفرد مرتبط بتنظيم “داعش”، إلا أن التحقيقات لا تزال جارية ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسمياً عن الهجوم.

عنف إنتهازي

لا تقل طبيعة الهجوم أهمية عن نتائجه؛ فهو يحمل سمات عملية محدودة النطاق ومنخفضة التأثير، مصمّمة لاستغلال الثغرات الأمنية بدلاً من الإعلان عن عودة استراتيجية؛ في ظل غياب أي ادعاء رسمي، والاعتماد على فرد أو جهة فاعلة ذات شبكة محدودة، واختيار دورية مشتركة كهدف، إذ كلها تشير إلى تحول أوسع في تكتيكات داعش من عمليات مركزية مدفوعة إعلامياً إلى عنف انتهازي متأصل في بيئات متساهلة كالبادية السورية. ويكتسب هذا الحادث أهمية خاصة لأنه يمثل أول هجوم مُميت ضد القوات الأميركية في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، مما يدحض الافتراضات القائلة بأن مرحلة ما بعد النظام قد انعكست على بيئة تهديد أقل حدة؛ بل يكشف هذا الحادث عن واقع أمني قائم على التعاون ضد داعش، ولكنه لا يزال عرضة للاضطرابات غير المتكافئة، والسيطرة غير الكاملة على الأراضي، واستمرار وجود أنظمة متطرفة قادرة على العمل دون وجود تنظيم رسمي. وبهذا المعنى، ينبغي النظر إلى هجوم تدمر ليس كخرق معزول، بل كمؤشر على مدى هشاشة ساحة المعركة ضد داعش في سوريا، ومدى تنافسها وقدرتها على التكيف.

قراءة في المشهد

تنفي المعطيات الحالية ما جرى تداوله عن استخدام حزام ناسف أو تنفيذ تفجير انتحاري، مؤكدة أن العملية نُفّذت عبر إطلاق نار مباشر من مصدر مجهول داخل الفرع نفسه، ما يرفع مستوى الخطورة في تقييم البيئة الأمنية ويطرح تساؤلات جدية حول آليات الحماية والفرز الأمني داخل المقرات الحساسة في مناطق العمليات المشتركة؛ لا سميا وأن أفراد داعش يجيدون الاشتباكات المنفردة من مسافة صفر.

عقب الهجوم، غادر الرتل والقوة المشتركة مدينة تدمر باتجاه قاعدة التنف، بمرافقة جوية من طيران التحالف الدولي، في خطوة تعكس مستوى القلق الأمني العالي، وتندرج ضمن إجراءات احترازية تهدف إلى منع تكرار الاستهداف أو تطوره إلى مواجهة أوسع.

 وفي قراءة أعمق لأسباب الاختراق، يبرز عامل لا يقل أهمية، يتمثل في التغييب شبه الكامل لأبناء مدينة تدمر المعروفين بانخراطهم المبكر في الثورة السورية وعدائهم الصريح لتنظيم داعش، والذين يمتلكون معرفة دقيقة بالبنية الاجتماعية والشبكات المحلية المتعاونة مع التنظيم. إن إقصاء هؤلاء عن المعادلة الأمنية قد يكون ساهم في خلق فراغ معرفي وميداني، أتاح تسلل التهديد من داخل البيئة نفسها بدل أن يأتي من أطرافها.

على الرغم من أن هجوم تدمر لا يُمثل مواجهة بين دولتين، إلا أن تداعياته تتجاوز بكثير النطاق التكتيكي المباشر؛ ففي منطقة تتسم أصلاً بتداخل الوجود العسكري ( بقايا القاعدة الروسية في تدمر، بقايا خلايا إيران والحشد الشعبي، خلايا داعش، القوات الأميركية) وتفتت السيادة، وعدم استقرار مراحل ما بعد النزاع، حتى عمل عنف محدود قد يُؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

وأي رد فعل أميركي، لا سيما إذا اتخذ شكل ضربات مُستهدفة، أو مداهمات موسعة، أو تكثيف للمراقبة، يُنذر بخطر إشعال سلسلة من ردود الفعل بين الجهات المسلحة المحلية التي تعمل على مقربة جغرافية وسياسية. وقد تُفسر الميليشيات والتشكيلات القبَلية ووحدات الأمن شبه المُدمجة (من الفصائل المحلية التي تدير مدينة تدمر)  الرد ليس كإجراء لمكافحة الإرهاب، بل كإعادة ضبط لموازين القوى في وسط سوريا، مما يدفعها إلى اتخاذ مواقع استباقية، ورفع مستويات التأهب، أو اللجوء إلى العنف الانتهازي تحت غطاء انعدام الأمن المُعمم.

تحديات أمنية

يُفاقم الهجوم التحديات الهيكلية التي تواجه البنية الأمنية السورية في مرحلة ما بعد الأسد، كون سوريا انضمت برقم 90 ضمن التحالف ضد داعش. فقد سعت الإدارة الجديدة إلى توحيد المشهد الأمني ​​الذي تشكّل بفعل سنوات من الانهيار المؤسسي، وسلاسل القيادة المتوازية، والترتيبات الأمنية المحلية التي نشأت في غياب دولة فاعلة. كانت قد فعّلت الإدارة الجديدة دوريات ضد تنظيم داعش، لا سيما في الجنوب السوري ( ريف دمشق و درعا و القنيطرة)  وفي حمص القريبة من تدمر و صادرت أسلحة و ذخائر و اعتقلت أفراداً متطرفين، ولم تكن الدوريات المشتركة مجرد أدوات عملياتية، بل كانت بمثابة تمارين رمزية تهدف إلى إظهار التماسك والشراكة، وإعادة تأكيد السلطة المركزية تدريجياً.

 يُزعزع الهجوم على إحدى هذه الدوريات هذا المسار، ويكشف هشاشة آليات القيادة والسيطرة، لا سيما في المناطق البعيدة عن المركز،  حيث لا يزال الولاء وتدفق المعلومات الاستخباراتية والانضباط العملياتي غير متكافئ. 

والأخطر من ذلك، أنه يُهدد بتقويض الثقة بين القوات السورية وشركائها الغربيين، حيث يُعيد كل طرف تقييم موثوقية معلومات الطرف الآخر، واستعداده، وعمليات التدقيق الداخلي. بمرور الوقت، قد يترجم انعدام الثقة هذا إلى أطر تنسيق أكثر جموداً، وتقليص تبادل المعلومات، واللجوء إلى العمل الأحادي؛ وهي نتائج تُبطئ جهود تحقيق الاستقرار، وتُبقي المناطق الهشة أصلاً، مثل ريف حمص والصحراء المحيطة بها، في حالة انعدام أمن مُطوّلة.

وبعيداً عن سوريا نفسها، من المرجح أن يتردد صدى هذا الحادث في أطر مكافحة التطرف القائمة على المستوى الإقليمي؛  إذ أن غياب جهة معلِنة واضحة والاعتماد على أعمال عنف محدودة النطاق وقابلة للإنكار، يشكّل تحدياً لنماذج مكافحة الإرهاب التقليدية التي تعتمد على منظمات محددة، وهياكل قيادية، ونوايا صريحة في هذا المسار.

ونتيجة لذلك، قد يشعر الشركاء الدوليون بضرورة إعادة تقييم قواعد الاشتباك في سوريا، ومنهجيات الاستخبارات، وتتغير مفاهيم الدوريات. من المتوقع التحول نحو تدابير حماية القوات بشكل أكبر، وزيادة الاعتماد على المراقبة الجوية والقدرات عن بُعد، وتشديد القيود العملياتية على المهام المشتركة؛ وفي حين أن هذه التعديلات قد تقلل من المخاطر المباشرة على الأفراد، إلا أنها تنطوي على تكاليف طويلة الأجل منها انخفاض في الدوريات المشتركة، وتراجع في الاحتكاك المباشر ، وتزايد المسافة المادية والنفسية بين قوات الأمن الأميركية والمجتمعات التي تعمل فيها. ومن المفارقات، أن هذه التدابير قد تخلق الفراغات التي تزدهر فيها الأنظمة المتطرفة، مما يعزز حلقة انعدام الأمن التي يُفترض أن يتجاوزها التحول.

الانضمام إلى التحالف الدولي

تطور التعاون بين الولايات المتحدة والسلطات السورية في الحرب ضد داعش، إلى ترتيب عملي ذي دوافع أمنية، لا يتأثر بالتحالفات السياسية بقدر ما يتأثر بتقارب تصورات التهديد. ففي سياق ما بعد الأسد، ينظر كلا الجانبين إلى داعش لا كإزعاج متبقٍ، بل كخطر بنيوي مستمر متجذر في البادية السورية ومناطقها الحدودية وثغراتها المؤسسية لا سيما في ظل عدم وجود تدريب عسكري كافٍ ضمن بيئة عسكرية مؤسسية واضحة، وفق توجيه سياسي وأمني واضح؛ وفي ظل إبقاء بعض العناصر على عقلية الفصائل دون عقلية الدولة، مع وجود بعض العناصر المتطرفة التي لا يمكن التنبؤ بنواياها، الامر الذي يشكل تحدياً لواقع الدمج الأمني الذي حصل بعد يناير 2025.

 بالنسبة لواشنطن، يُؤطر استمرار المشاركة ضمن تفويض مكافحة الإرهاب الذي يهدف إلى منع داعش من إعادة بناء قدراتها العملياتية، أو تهديد القوات الأميركية، أو استخدام الأراضي السورية كمنصة لشن هجمات إقليمية ودولية.

أما بالنسبة لدمشق، فيخدم التعاون غرضين هما التعويض عن محدودية قدرات الدولة الانتقالية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والطيران، والحفاظ على الشرعية والمسؤولية الدوليتين في معالجة المخاوف الأمنية العالمية. وقد اتخذ هذا التعاون شكل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وآليات تجنب الاشتباك، وفي حالات مختارة، عمليات ميدانية منسقة أو متوازية مثل الدوريات المشتركة، لا سيما في وسط سوريا والبادية.

ومع ذلك، تبقى العلاقة هشة وذات طابع تبادلي. يُقيّد هذا التعاون انعدام ثقة متبادل عميق، واختلالات في موازين القوى والمعلومات بين سوريا وأمريكا، وخلافات سياسية عالقة حول السيادة والوجود الأميركي طويل الأمد ضمن تفاهمات دولية ( الوجود الروسي والتركي والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة). ونتيجةً لذلك، يعمل التعاون الأميركي السوري ضد داعش ضمن نطاق ضيق؛ فهو فعال بما يكفي لتفكيك الخلايا والحد من عودة التنظيم إلى مناطق معينة، ولكنه غير مؤسسي بما يكفي لضمان استدامته أو حمايته من الصدمات – كالهجمات التي لا تتبنى مسؤوليتها – والتي تكشف عن قصور التنسيق وعدم اكتمال النظام الأمني ​​السوري في مرحلة ما بعد الحرب.

توقيت حسّاس

من منظور استراتيجي، لا تكمن أهمية هجوم تدمر في أثره العسكري المباشر بقدر ما تكمن في دلالاته الرمزية التي يُثيرها في سوريا والمنطقة بأسرها؛ فتدْمر ليست مجرد موقع جغرافي على الخريطة، بل تحتل مكانة فريدة في الذاكرة الجماعية السورية والوعي الدولي، كموقع مُدرج على قائمة “اليونسكو” للتراث العالمي، ومسرح سابق لمحاولة تنظيم “داعش” تسخير الدمار الثقافي لأغراض أيديولوجية ونفسية، ومسرح سابق للقوات الروسية التي أعلنت النصر عام 2016 على تنظيم داعش في المدينة بالتنسيق مع نظام الاسد.

كان هدف داعش من الاستيلاء على تدمر وتدميرها في السابق هو إظهار قدرته على طمس التاريخ، وتحدي الأعراف العالمية، وفرض روايته الجهادية الخاصة؛ وبالتالي فإن أي هجوم في هذا المكان نفسه اليوم، حتى لو كان محدوداً، يُعيد فتح هذا الجرح الرمزي، وينقل رسالة قوية مفادها أن العنف المتطرف لا يزال قادراً على اختراق المواقع التي يُفترض أن تُجسّد التعافي والسيادة والحماية الدولية. عندما يقع هجوم كهذا خلال عملية أميركية سورية مشتركة، يتعمق البعد الرمزي أكثر، محولاً تدمر إلى ساحة تُختبر فيها ضمنياً مصداقية الترتيبات الأمنية لما بعد الأسد.

يحمل هذا الهجوم تبعات سياسية ملموسة. فهو يُشكك في افتراض أن المناطق المستعادة من داعش قد تحولت من مناطق متنازع عليها إلى مناطق آمنة تماماً، ويقوض روايات التقدم الحتمي في تحقيق الاستقرار. بالنسبة للسكان المحليين، يُعزز هذا الهجوم الشعور بالخطر المستمر وهشاشة سلطة الدولة ويعرضهم لخطر الانتقام من أطراف متباينة؛ أما بالنسبة للشركاء الدوليين، فيثير تساؤلات حول ما إذا كانت الانتصارات الرمزية على داعش قد اقترنت بسيطرة أمنية مستدامة. وبهذا المعنى، لا تُعد تدمر مجرد معلم ثقافي، بل مؤشراً على بيئة مكافحة الإرهاب الأوسع في المناطق الداخلية السورية.

تعقيدات دولية

وبعيداً عن الرمزية، يرسل الهجوم إشارات جيوسياسية تتجاوز حدود سوريا؛ لا سيما بعد يومين من رفع العقوبات عن البلاد، إذ سيخضع رد الولايات المتحدة، سواء كان متحفظاً أم حازماً، لتدقيق دقيق من قبل جهات إقليمية ودولية ذات مصالح متضاربة في سوريا ما بعد الأسد. وستقيّم روسيا ما إذا كانت واشنطن تعتزم تحويل التعاون في مكافحة داعش إلى دور أكثر حزماً قد يحد من نفوذ موسكو أو يعيد تشكيل الترتيبات الأمنية في وسط سوريا. وستقيّم إيران وبقايا ميليشياتها المتحالفة معها ما إذا كان تصاعد النشاط الأميركي يهدد حرية تنقلها السري ، أو ممراتها اللوجستية الخفية، أو نفوذها المحلي، مما قد يدفعها إلى اتخاذ أشكال غير مباشرة أو يمكن إنكارها من ردود الفعل. في غضون ذلك، ستنظر تركيا إلى الحادث من منظور أولوياتها في مكافحة الإرهاب ومخاوفها بشأن التواجد العسكري الأميركي طويل الأمد، بينما ستدرس دول الخليج تداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي، وآفاق الاستثمار، وجدوى إعادة دمج سوريا التدريجي في النظام العربي.

قد يؤدي اتخاذ الولايات المتحدة موقفاً عسكرياً أكثر حزماً رداً على هجوم تدمر إلى إعادة تنظيم دقيقة، ولكنها ذات عواقب وخيمة على أرض الواقع؛ فقد تعيد الجماعات المسلحة المحلية ضبط سلوكها لتجنب المواجهة، أو طلب الحماية، أو استغلال التوترات الناشئة بين القوى الكبرى. في المقابل، قد تختبر القوات الوكيلة المتحالفة مع إيران أو غيرها من القوى الإقليمية الحدود من خلال عمليات مضايقة أو إشارات منخفضة الحدة، بهدف رفع تكلفة التدخل الأميركي دون تجاوز عتبات تستدعي رداً مباشراً. وبهذه الطريقة، يُهدد هجوم واحد محدود بتغذية منظومة أوسع من الإشارات التنافسية، حيث لا يُستخدم العنف كوسيلة للسيطرة على الأراضي بقدر ما يُستخدم كأداة لتشكيل التصورات والردع والتأثير.

الإسناد والغموض والمخاطر المحتملة

إن أحد أهم جوانب هجوم تدمر ليس ما هو معروف، بل ما هو غائب بشكل لافت؛ إذ حتى الآن، لم يصدر أي بيان رسمي من تنظيم داعش أو أي تنظيم مسلح آخر يُعلن مسؤوليته عن العملية. إلا أن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أعلن أن منفذ الهجوم الذي استهدف دورية أمنية سورية-أميركية قرب تدمر لا يشغل أي موقع قيادي في الأمن الداخلي ولا يُعد مرافقاً للقيادة، مؤكّداً أن التحقيقات جارية لتحديد ما إذا كان مرتبطاً بتنظيم داعش أو متأثراً بفكره. وأوضح أن قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجّهت تحذيرات مسبقة لقوات التحالف حول احتمال وقوع هجوم، إلا أنها لم تُؤخذ بعين الاعتبار، مشيراً إلى أن الهجوم وقع عند مدخل مقر محصّن بعد انتهاء الجولة المشتركة؛ مع التأكيد على ان التحقيق يشمل فحص بياناته الرقمية وشبكة علاقاته، معلناً عن إجراءات بروتوكولية جديدة لتعزيز الأمن والتنسيق مع التحالف الدولي في البادية.

لم يصدر أي اعتراف عبر أي وكالة أو حساب مرتبط عادةً بوسائل الإعلام الجهادية، ولا أي رسائل شبه رسمية تُحاول تأطير الحادث ضمن سردية أيديولوجية أو استراتيجية أوسع. بدلاً من ذلك، جاءت جميع الأوصاف العلنية للهجوم حصراً من مصادر أمنية أميركية وسورية، والتي وصفت منفذ الهجوم بأنه مرتبط بتنظيم داعش أو مستوحى منه، بدلاً من وصفه بأنه عنصر يعمل لصالح تنظيم تبنى الهجوم علناً. هذا التمييز ليس مجرد اختلاف في المصطلحات. في بيئات مكافحة الإرهاب المعاصرة، يشكل الفرق بين عملية معلنة وعملية غير معلنة كيفية تفسير التهديدات وتحديد أولوياتها ومعالجتها.

عناصر منفردة

يمكن تفسير غياب إعلان المسؤولية جزئياً بالوضع الراهن لتنظيم داعش في وسط سوريا؛ فقد أدت سنوات من الضغط المتواصل إلى إضعاف قدرة التنظيم على القيادة والسيطرة بشكل كبير، تاركةً وراءها مشهداً مجزأً من خلايا صغيرة وشبكات مترابطة بشكل ضعيف، وعناصر منفردة أو شبه منفردة تعمل بدافع الانتماء الأيديولوجي بدلاً من التوجيه العملياتي المباشر. في مثل هذا السياق، غالباً ما تُنفذ الهجمات من قبل أفراد أو خلايا صغيرة تفتقر إلى الوسائل اللوجستية أو التواصلية أو التنظيمية اللازمة لإعلان المسؤولية، لا سيما عند مقتل المهاجم في موقع الهجوم. إن ضعف هياكل القيادة أو تشتتها، إلى جانب فقدان قنوات الإعلام الآمنة، يعني أن بعض العمليات تختفي ببساطة وسط ضجيج الأمن دون أن تُعتمد رسمياً، حتى لو كانت مستوحاة من عقيدة داعش أو رواياته.

وإلى جانب هذا التدهور، قد يعكس غياب إعلان المسؤولية أيضاً حسابات استراتيجية مدروسة. فبالنسبة لداعش أو أي فصيل او ميليشيا أخرى تحمل فكراً تكفيرياً او جهادياً، في مرحلته الحالية، يمكن أن يخدم عدم إعلان المسؤولية عن الهجوم أغراضاً متعددة. يقلل هذا من احتمالية شنّ هجمات انتقامية فورية ضد شبكات محددة، ويحافظ على قدر من الإنكار، ويتيح للجماعة مراقبة وتقييم الاستجابات الأمنية دون كشف البنية التحتية المتبقية. منذ عام 2022 على الأقل، اعتمد تنظيم داعش في البادية السورية بشكل متزايد على ما يمكن وصفه بـ “العمليات الصامتة” Lone Wolf، فيها أعمال عنف فردية تهدف إلى زعزعة استقرار قوات الأمن، واستكشافها، واستنزافها، بدلاً من إثارة ضجة دعائية. في هذا النموذج، يصبح الأثر النفسي والعملياتي للغموض لا يقل أهمية عن الهجوم نفسه.

والأهم من ذلك، أن حادثة تدمر تختلف أيضاً عن النمط العملياتي الكلاسيكي المرتبط تاريخياً بتنظيم داعش. فلم يكن هناك استخدام عبوة ناسفة مرتجلة محمولة على مركبة، ولا هجوم منسق متعدد الخلايا، ولا نشر دعائي فوري، ولا محاولة – على الأقل حتى الآن – لتصوير العملية كجزء من حملة أوسع. بدلاً من ذلك، يبدو الهجوم أقرب إلى كمين مُستهدف أو اشتباك داخلي، يستغل القرب ونقاط الضعف المؤقتة بدلاً من استخدام القوة الغاشمة. يثير هذا احتمال أن يكون منفذ الهجوم فرداً متأثراً بتنظيم داعش يعمل بشكل مستقل، أو مسلحاً محلياً مندمجاً ضمن منظومة قريبة من داعش دون توجيه مباشر من قيادة مركزية. في كلتا الحالتين، يُعقّد هذا الغموض العملياتي تصنيف التهديدات التقليدية.

ومن المفارقات أن غياب تبنّي الهجوم يجعل أثره أكثر زعزعة للاستقرار، إذ يبدّد وضوح المسؤولية ويُربك التقييمات الاستخباراتية، ويدفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع دائرة الشك بدل توجيهها نحو خصم محدد.

وفي هذا السياق، لا تقتصر الأسئلة على هوية المنفّذ، بل تمتد إلى احتمال وجود ثغرات في التدقيق الأمني أو الاستخبارات أو حتى اختراق داخلي، وهو ما يضعف الثقة بين الشركاء ويعطّل آليات التنسيق في العمليات المشتركة. فعلياً في نمط العمليات المشتركة، يؤدي تآكل الثقة إلى إضعاف التنسيق بين الشركاء، وهو ما يحمل تداعيات خطيرة على الجهاز الأمني الانتقالي في سوريا. فهجوم غير مُعلَن في قلب البادية يكشف استمرار قابلية الاختراق وحدود السيطرة في المناطق الهشة، ويغذّي انعدام الثقة والتشرذم المؤسسي في مرحلة تتطلب أعلى درجات التكامل.

في نهاية المطاف، يُحوّل غياب إعلان المسؤولية عن هجوم تدمر من حادث أمني منفصل إلى إنذار استراتيجي. فهو يُشير إلى مرحلة من الصراع لم يعد فيها العنف يُعلن عن نفسه، ويتم فيها التعتيم على تحديد المسؤول عنه عمداً، ويصبح الخط الفاصل بين الإرهاب المنظم والتطرف المنتشر أكثر ضبابية. في مثل هذه البيئة، لا يكمن الخطر الأكبر في حجم الهجمات الفردية، بل في قدرتها التراكمية على تقويض الثقة والتعاون والبنية الهشة للأمن في سوريا ما بعد الحرب.

المدن

———————————-

 هجوم تدمر إذ يشكل درع حماية لقسد..ويفرضها شريكة بمواجهة داعش

الثلاثاء 2025/12/16

بعيد سقوط النظام الأسدي لم تشهد سوريا مرحلة الاستقرار الحقيقي. ما زالت الكثير من المناطق خارج سيطرة الدولة، وسط هشاشة أمنية في المناطق التي تحت سيطرة الحكومة.

الهجوم الأخير في تدمر لم يكُن مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر سياسي واقتصادي على الهشاشة الأمنية لمؤسسات الدولة السورية، واستمرار الإرهاب كظاهرة كامنة في الفراغات الجغرافية والسياسية، كما أنه متجذر في أفكار المقاتلين الذين تنقلوا بين العديد من الفصائل خلال فترة الثورة. ما حدث يطرح أسئلة مركبة حول الدولة، التنظيمات المتطرفة، ودور الفاعلين المحليين والدوليين في إدارة الملف السوري.

البادية السورية: قلب الفراغ الأمني

البادية السورية تمثل منذ سنوات، الحلقة الأضعف في بنية السيطرة السورية. شاسعة المساحة، قليلة السكان، ومتداخلة النفوذ، مع غياب الإدارة المدنية الفاعلة. في هذا الفضاء، لا تحتاج التنظيمات المتطرفة إلى حاضنات اجتماعية تقليدية، فهي تستثمر في ضعف الدولة، وتفكك السلطة، وتضارب المرجعيات الأمنية.

الإرهاب هنا لا يعمل كجيش منظّم، بل كشبكة ظلّية مرنة، قادرة على التخفي، والضرب، ثم الاختفاء، مستفيدة من اقتصاد التهريب، وضعف المحاسبة، وتآكل الانضباط المؤسسي. هذا الواقع يعكس هشاشة البنية الأمنية، وغياب قدرة الدولة على فرض سيطرتها حتى على مناطق تعتبر “نقاط تماس استراتيجية”.

الاختراق من الداخل: مؤشرات أزمة الثقة

الأخطر في تدمر ليس الهجوم ذاته، بل طبيعة الاختراق الأمني الذي تكشفه المعطيات. عندما يصبح الزي الرسمي أحياناً غطاءً للعنف، تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع صامت. هذا النوع من الاختراق لا يمكن عزله كخلل فردي، بل هو انعكاس لأزمة ثقة عميقة داخل المؤسسات، وفشل في منظومات الفرز والرقابة والعقيدة الأمنية.

في هذه اللحظة، يتبدّل السؤال من “كيف تسلل المهاجمون؟” إلى كيف تآكلت الحدود بين الحامي والتهديد؟ فغياب الانضباط المؤسسي يجعل الدولة عرضة للزحف التدريجي للتنظيمات المتطرفة، ويؤكد أن الهجوم لم يكن حدثاً معزولاً بل نتيجة طبيعية لبيئة هشّة ومفتوحة.

الوجود الأميركي تحت الضغط

استهداف دورية مشتركة قرب تدمر حمل رسالة مباشرة إلى واشنطن: الوجود العسكري المحدود لا يضمن الحماية ولا الكلفة المحدودة. الشراكات المحلية، التي تعد حجر الزاوية في الاستراتيجية الأميركية بسوريا، تبدو عرضة للاختراق، ما يضع الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة: تشديد الانخراط الأمني، تقليص الحضور، أو الاكتفاء بردود فعل انتقائية لا تعالج جذور المشكلة.

في كل الحالات، يزداد عبء البقاء دون أفق سياسي واضح، خصوصاً في ظل هشاشة المؤسسات وغياب سلطة مركزية قادرة على إدارة الأزمة بفعالية.

تدمر: المدينة كرمز للخطر المتجدد

ليست تدمر مجرد موقع جغرافي؛ هي مدينة محمّلة بالرمزية التاريخية والسياسية، وشاهد حي على صعود تنظيم “داعش” وانكساره سابقاَ. عودة العنف إلى محيطها، ولو بشكل محدود، يحمل دلالة واضحة: التنظيمات المتطرّفة لم تعد بحاجة إلى السيطرة العلنية، بل يكفيها تقويض سردية “الاستقرار”، وإبقاء البلاد في حالة توتر دائم.

إنها عودة بلا رايات، لكنها أكثر خطورة لأنها تعكس قدرة الإرهاب على التكيف مع الفراغات السياسية والأمنية، وتحويل ضعف الدولة إلى عامل استمراريته.

استراتيجيات الردع المشترك

في أعقاب الحادث، انضم نحو 200 عنصر من قوات “مكافحة الإرهاب”، التي جرى تدريبها في الأردن، إلى غرفة عمليات مشتركة مع التحالف الدولي. القوة تتشكل من عناصر تابعة للحكومة السورية وأخرى من “قسد”، ضمن تنسيق أمني–عسكري محدود، على أن يبدأ انتشارها على محور دير الزور–تدمر.

يشير هذا التشكيل إلى مستوى متقدم من التنسيق الأمني غير المعلن، خصوصاً في ملف مكافحة الإرهاب في البادية. اختيار هذا المحور يعكس إدراكاً مشتركاً لخطورة المنطقة، الأكثر نشاطاً للخلايا الإرهابية، ويشير إلى أهمية وجود أدوات محلية مشتركة قبل أي تدخل خارجي واسع.

قسد ومعادلة الاستفادة

أعادت حادثة تدمر تثبيت معادلة شبه محسومة لدى الفاعلين الدوليين: أي عمل عسكري ضد “قسد” سيخلق فراغاً أمنياً مباشراً، ما سيؤدي إلى إعادة نشاط خلايا داعش بقوة، خصوصاً في البادية وعلى خطوط التماس الحساسة. بهذا تصبح “قسد” طرفاً محمياً ضمن الحسابات الأمنية الدولية، بوصفها حاجزاً مؤقتاً أمام الفوضى، وليس حلاً دائماَ.

في الوقت نفسه، بات التحالف الدولي ينظر بريبة متزايدة إلى بعض العناصر التابعة للحكومة السورية الجديدة، خصوصاً في ظل مؤشرات الاختراق الأمني وضعف إعادة الهيكلة المؤسسية وتضارب الولاءات. هذه الريبة لا تصل إلى حد القطيعة، لكنها تكفي لإعادة ترتيب الثقة، وتفضيل نماذج الشراكة المختلطة مع “قسد”، بدل الاعتماد الحصري على مؤسسات لم تكتمل بعد عملية الإصلاح البنيوي.

القامشلي: تفاوض صامت

بالتوازي، وصل وفد حكومي سوري في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، إلى مدينة القامشلي عبر معبر سيمالكا، في زيارة سرية للغاية، بهدف استكمال مسار الاندماج بين الحكومة “قسد”، ومتابعة تنفيذ بنود اتفاق 10 آذار/مارس 2025.

اختيار مسار الدخول غير التقليدي يعكس حساسية المرحلة، والخشية من تدخلات خارجية أو ضغوط سياسية قد تعرقل المفاوضات. كما تشير السرية إلى أن النقاشات المحتملة تتناول نقاطاً جوهرية وخلافية في ملف الاندماج، وأن أي تسريب مبكر قد يؤثر سلباً على النتائج. هذه الخطوة توحي بأن المسار التفاوضي مستمر، رغم التعقيدات، لكنه مرهون بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى خطوات تنفيذية ملموسة.

الإرهاب: عرض للأزمة وليس أصلها

حادثة تدمر تذكّر بأن الإرهاب في سوريا ليس أصل الأزمة، بل أحد أعراضها المستمرة. الدولة غير المتماسكة، المؤسسات المخترقة، الفراغات الجغرافية والسياسية، كلها عوامل تضمن استمرار العنف بأشكال جديدة، حتى مع تغيّر الأسماء والأساليب.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح المدن مثل تدمر عنواناً متجدّداً لهشاشة الدولة، وبيئة خصبة للإرهاب المستمر. ولا يمكن لأي استراتيجية أمنية أو عسكرية مؤقتة أن تحقق الاستقرار الدائم، ما لم تُعالج الجذور السياسية والمؤسساتية للأزمة.

الهجوم على تدمر ليس مجرد إنذار أمني، بل مؤشر سياسي على هشاشة الدولة السورية المستمرة بعد الحرب. الأحداث الأخيرة تؤكد أن الدولة غير المتماسكة، الفراغات الأمنية والمؤسسات المخترقة توفر بيئة مثالية لتكرار العنف، بينما تستفيد “قسد” من هذه المعادلة، ويعيد التحالف الدولي ترتيب حساباته الأمنية تجاه الحكومة الجديدة.

تدمر اليوم تمثل مرآة سوريا بعد الحرب: مكان رمزي، هش، معرض دائم للعنف، حيث لا يُقاس الاستقرار بعدد الجنود أو الدوريات، بل بقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية، واستعادة سيادة فعلية على كل شبر من الأرض.

المدن

————————–

هجوم “داعش” في تدمر… ما تداعياته على التعاون السوري – الأميركي؟/ صبحي فرنجية

يسلّط الضوء على ضعف القدرة الاستخباراتية للحكومة السورية

14 ديسمبر 2025

نفّذ تنظيم “داعش” هجوما من النقطة صفر على قوات مشتركة أميركية–سورية، السبت 13 ديسمبر/كانون الأول، عند “فرع البادية السورية 221” في تدمر. وأسفر الهجوم، بحسب بيان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، عن مقتل جنديين ومدني أميركي، وإصابة ثلاثة عسكريين.

وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، إن عنصرين من قوات الأمن الداخلي أُصيبا جراء الهجوم. وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن المهاجم “يملك أفكارا تكفيرية أو متطرفة”، وأنه كان هناك قرار “سيصدر يوم الأحد”، أي بعد الهجوم بيوم، بحقه، لافتا إلى تحقيقات تجري للتأكد من علاقته بتنظيم “داعش”.

وتعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بردٍّ انتقامي شديد ضد “داعش”، لكنه في الوقت نفسه لم يحمّل الحكومة السورية مسؤولية ما حدث، واكتفى بالإشارة إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع “غاضب للغاية” بسبب هذا الهجوم.

يأتي هذا الهجوم في وقت حرج وحساس، إذ إن خطوات إلغاء “قانون قيصر” الأميركي في مراحلها الأخيرة، والحكومة السورية تبذل جهدا كبيرا لبناء جسور الثقة بينها وبين قوات التحالف الدولي، إضافة إلى أن دمشق تحاول إثبات قدرتها على أن تكون الشريك البديل لـ”قسد” في عمليات مكافحة “داعش” والإرهاب. ليأتي هذا الهجوم كضربة للجهود السورية الهادفة إلى برهنة قدرتها على بناء تحالفات عسكرية وأمنية متينة مع القوى الفاعلة في مكافحة الإرهاب في سوريا.

ماذا يعني هجوم “داعش” في تدمر؟

الهجوم الذي نفذه “داعش” عبر عنصر تسلّل إلى صفوف الحكومة الجديدة، سيلقي بظلاله على عدة جوانب، منها ما هو داخلي يتعلق بالحكومة السورية، ومنها ما هو خارجي على مستوى التنسيق مع التحالف وطبيعته، وكذلك على مستوى الصورة العامة التي تحاول الحكومة السورية تصديرها للعالم. كما يشير الهجوم إلى انتقال “داعش” إلى مرحلة المبادرة بدل بقائه في حالة الكمون التخطيطي.

على المستوى الداخلي، يسلّط الهجوم الضوء على ضعف القدرة الاستخباراتية للحكومة السورية، وهو ضعف ليس مفاجئا في ظل نقص الكوادر والإمكانات، ووجود حالة عدم استقرار جغرافي تواجهها الحكومة. إذ إن وصول قدرة التنظيم على الاختراق إلى حد وجود عناصر له ضمن القوى التي ترافق وفدا للتحالف الدولي يعدّ أمرا بالغ الخطورة، ويحتاج إلى مراجعة مكثفة لآليات قبول المنتسبين الجدد إلى صفوف وزارتي الداخلية والدفاع في سوريا، وإلى دراسة أعمق لملفات المنتسبين فعليا والمتقدمين للانضمام إلى الوزارتين.

وعلى الرغم من أن امتداد هذا الضعف إلى حقل التنسيق بين جهاز الاستخبارات– الذي لا يملك ذراعا تنفيذية– ووزارة الداخلية بجناحيها المتمثلين في الأمن الداخلي وقوات مكافحة الإرهاب لا يمكن الجزم به، فإن وجود مثل هذا الخلل قد يقوّض وتيرة التسارع الحاصلة في تقوية العلاقة بين التحالف الدولي والحكومة السورية، خصوصا أن الجانب الأميركي حصر العلاقة بينه وبين وزارة الداخلية دون وزارة الدفاع، نظرا لعدم اكتمال هيكلية الأخيرة، وما زالت قوات التحالف ترى فيها شريكا غير مقنع، وسط مخاوف من تسرّب المعلومات منها.

داخليا أيضا، ستستغل أطراف كثيرة هذا الهجوم لتعزيز أوراقها التفاوضية مع الحكومة السورية، ولا سيما في سياق المفاوضات المستمرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكذلك بين الحكومة السورية وفصائل السويداء. ومن المرجح أن يُستخدم هذا الهجوم لمحاولة إقناع المجتمع الدولي بأن الحكومة السورية مخترقة وغير قادرة على أن تكون شريكا فعليا في ملفات كثيرة، أبرزها مكافحة الإرهاب.

على المستوى الخارجي، تحتاج الحكومة السورية إلى بذل جهد أكبر لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية، بما لا يسبب لها إشكاليات في مساعي كسب الثقة وتعزيز جسور العمليات المشتركة مع التحالف الدولي. فحتى اللحظة، ما زالت هناك مخاوف لدى عدد من دول التحالف من عدم قدرة الحكومة السورية على التشاركية الفاعلة في العمليات العسكرية، وترى هذه الدول أن الحكومة تواجه تحديات عديدة تشتت انتباهها، وتعاني من هشاشة في البنية العسكرية والاستخباراتية تسمح لعناصر من “داعش” بالتسلل إلى منظومتي الدفاع والداخلية، ما قد يؤدي إلى تسرّب معلومات حول العمليات المجدولة أو المنسقة بين الطرفين.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، في تصريح عقب الهجوم بساعات، إن عدد المنتسبين الجدد إلى صفوف الأمن الداخلي السوري في منطقة البادية تجاوز خمسة آلاف عنصر، وإن الوزارة تقوم بتقييم أسبوعي للأفراد. ويعكس هذا التصريح نوعا من الشفافية في التعاطي مع الحدث، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن الوزارة لا تزال في طور التقييم الداخلي وإعادة ترتيب الصفوف، وهو ما قد يعزز مخاوف الأطراف المتشككة من جاهزية الحكومة السورية للعمل الوثيق مع التحالف الدولي.

وفي الوقت نفسه، وبحسب معلومات “المجلة”، ترى واشنطن ودول أخرى فاعلة في التحالف الدولي أن مشاركة الدولة السورية مع التحالف مسألة جوهرية، وأن على دول التحالف بذل جهود لتمكين الحكومة السورية والأمن الداخلي بالإمكانات التدريبية والعسكرية والمعلوماتية اللازمة، لا سيما أن الحكومة السورية الجديدة حكومة ناشئة، وبنيتها العسكرية ومواردها البشرية تحتاج إلى دعم فاعل وحقيقي.

“داعش” يُظهر مرحلته الجديدة في سوريا

يشير الهجوم إلى أن “داعش” بدأ المرحلة الثانية من استراتيجيته في تقويض وزعزعة الثقة بالحكومة السورية الجديدة، وهي مرحلة الهجوم. فالتنظيم خلال الأشهر الماضية كان ينفذ عمليات فردية صغيرة، وتركّزت جهوده على شيطنة الحكومة، وتجنيد ومحاولة تجنيد عناصر جديدة، ونقل الخلايا ومخازن السلاح من مناطق تقليدية إلى أخرى جديدة. كما أن الخلية التي أُلقي القبض عليها من قبل الأمن الداخلي في أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في اللاذقية تعد مؤشرا على أن “داعش” بات يتموضع في مناطق متوترة أصلا، ما يمنحه فرصة لزعزعة جهود الاستقرار. ويبدو أن التنظيم دخل مرحلة الهجوم نتيجة التسارع غير المتوقع في مسار التوافق بين الحكومة السورية والغرب، بما في ذلك التحالف الدولي، وهو تسارع يشكل تهديدا وجوديا للتنظيم.

لطالما شكّلت البادية السورية نقطة ارتكاز لتنظيم “داعش”، فهي منطقة وعرة يصعب تمشيطها عسكريا، ومفتوحة على معاقل التنظيم زمن قوته، مثل دير الزور والميادين والبوكمال والحدود السورية–العراقية ومنطقة الحماد وتدمر، وصولا إلى تلول الصفا المطلة على السويداء. ويدرك التحالف الدولي أن السيطرة الكاملة على هذه المنطقة ومنع نشاط التنظيم فيها خلال عام واحد ليس أمرا سهلا على الحكومة السورية، لذلك ليس مستبعدا أن تؤدي أي هجمات ينفذها التنظيم ضد قوات الأمن الداخلي أو دوريات التحالف إلى إشكاليات جوهرية في العلاقة بين الطرفين، لا سيما أن الحكومة السورية عززت وجودها العسكري في تلك المنطقة ونفذت عدة عمليات قرب تلول الصفا لمنع التنظيم من استغلال التوتر القائم في السويداء.

تدرك الحكومة السورية التهديد الحقيقي الذي يشكله التنظيم عليها لعدة أسباب، فـ”داعش” يرى في الحكومة عدوا تقليديا يفهم منطقه واستراتيجياته، كما أن الفجوة الأمنية ونقص الكوادر يمثلان عاملين يمكن للتنظيم استغلالهما للتسلل إلى صفوف الحكومة واختراقها. وبحسب معلومات “المجلة”، تضع الحكومة السورية التنظيم على رأس قائمة الأطراف المعادية، وقد خصصت موارد بشرية استخباراتية وأمنية كبيرة لملاحقة خلاياه، كما ترى في الانضمام إلى التحالف الدولي ومشاركته عامل قوة لتعزيز قدراتها في مواجهة التنظيم.

إن الهجوم الذي نفذه تنظيم “داعش” من النقطة صفر على اجتماع كان يناقش آليات التنسيق للقضاء عليه، يمثل مؤشرا واضحا على حجم الخطر الذي يشكله التنظيم على مستقبل سوريا، وعلى جهود الحكومة السورية والمجتمع الدولي لترسيخ الاستقرار فيها. كما يشير إلى حاجة دمشق لبذل جهود أكبر في مراجعة سريعة وحقيقية لملفات المنتسبين إلى وزارتي الدفاع والداخلية، ووضع استراتيجيات وآليات انتساب مدروسة وصارمة لمنع تسلل عناصر التنظيم، إلى جانب تكثيف برامج التدريب للكوادر البشرية بالتعاون مع الدول الحليفة والتحالف الدولي، والتركيز في المرحلة الحالية على العناصر الكفؤة والمؤكد ولاؤها في قوات مكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية، دون إشراك عناصر جديدة إلى حين التحقق الكامل من خلفياتهم وعدم انتمائهم إلى التنظيم أو تعاطفهم معه.

المجلة

——————————–

 هجوم تدمر: علاقة دمشق وواشنطن المُعقدة تحت اختبار جديد

الاثنين 2025/12/15

قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن هجوم تدمر على القوات الأميركية، يمثل اختباراً لصورة الرئيس السوري أحمد الشرع كزعيم يسعى إلى تقديم نفسه شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار، كما يضع العلاقة المعقدة بين دمشق وواشنطن تحت اختبار جديد.

هشاشة الوضع الأمني

وقالت الصحيفة الأميركية إن الهجوم الذي نسبته السلطات السورية إلى عنصر مرتبط بـ”داعش”، كشف عن استمرار قدرة هذه الجماعة المسلحة على استغلال الثغرات الأمنية، وذلك على الرغم من تعهدات الحكومة الجديدة بمحاربته، كما سلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وتعقيد المشهد السياسي في البلاد.

واعتبرت أن الهجوم الذي أودى بحياة 3 أميركيين في مدينة تدمر وسط سوريا، يشكل تحدياً أمنياً وسياسياً بالغ الخطورة للرئيس الشرع.

وأضافت أن الهجوم الذي نسبته السلطات السورية إلى عنصر مرتبط بتنظيم “داعش”، كشف عن استمرار قدرة هذه الجماعة المسلحة على استغلال الثغرات الأمنية رغم تعهدات الحكومة الجديدة بمحاربته، كما سلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وتعقيد المشهد السياسي في البلاد.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت مقتل اثنين من جنودها ومترجم أميركي وإصابة 3 عسكريين، في هجوم شنه مسلح وصفته بالمنفرد من “داعش”، السبت الماضي، أثناء لقاء عسكريين أميركيين مع قيادات أمنية محلية قرب تدمر وسط سوريا.

ووفق وزارة الداخلية السورية، فإن المنفذ هو عنصر منتسب إلى الأمن الداخلي فرع البادية، وكان قد صدر بحقه تقييماً بأنه يحمل أفكاراً “تكفيرية ومتطرفة”، مضيفةً أنها أرسلت تحذيرات إلى التحالف الدولي من هجوم محتمل من قبل التنظيم. وأكدت أن المسلح المنفرد التابع للتنظيم تسلل إلى اجتماع بين القوات السورية ووفد من التحالف الدولي لمناقشة جهود مكافحة التطرف.

وعلى الرغم من نفي المسؤولين الأميركيين تفاصيل الاجتماع، فإنهم لم ينكروا تحذير سوريا المسبق من هجمات محتملة للتنظيم على القوات الأميركية.

مهمة شاقة أمام الشرع

ورأت “نيويورك تايمز” أن الشرع ظل يواجه، منذ وصوله إلى السلطة قبل عام، مهمة شاقة تتمثل في توحيد بلد أنهكته عقود من الحكم الاستبدادي وحرب أهلية مدمرة.

وأكدت أن العنف الطائفي والصدامات المتكررة مع المليشيات الكردية في الشمال الشرقي، ما زالت تعرقل محاولات الشرع وحكومته لإعادة بناء جيش موحد وإطلاق مسار نحو مصالحة وطنية، مضيفةً أن هجوم تدمر يُظهر أن التحدي الأمني لا يزال أحد أخطر العوائق أمام ترسيخ الاستقرار.

وقالت إن الهجوم يضع العلاقة المعقدة بين دمشق وواشنطن تحت اختبار جديد، إذ أن الولايات المتحدة، التي تحتفظ بنحو ألف جندي في سوريا ضمن التحالف الدولي ضد “داعش”، تجد نفسها أمام ضغوط داخلية متزايدة لإعادة النظر في وجودها العسكري، خصوصاً في ظل دعوات محتملة لتسريع الانسحاب.

ونقلت الصحيفة عن كولين كلارك، محلل شؤون مكافحة الإرهاب في مجموعة صوفان، وهي شركة استشارية عالمية في مجال الاستخبارات والأمن مقرها نيويورك، قوله إن الهجوم قد يشكل دافعا للرئيس دونالد ترامب لتسريع سحب القوات الأميركية من سوريا.

كما حذر محللون من أن أي انسحاب أميركي متسرع قد يخدم مصالح تنظيم “داعش”، الذي يسعى إلى توسيع هامش حركته واستعادة بعض نفوذه.

الخلافات مع “قسد”

ووفق الصحيفة، فإن الهجوم يُعيد تسليط الضوء على الخلافات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الحليف الأساسي لواشنطن في محاربة “داعش”، إذ أنه رغم توقيع اتفاق مبدئي لدمج هذه القوات في مؤسسات الدولة الجديدة، لكن التنفيذ لا يزال متعثراً، وسط تبادل اتهامات حول النوايا الحقيقية لكل طرف.

وتتهم دمشق، “قسد” باستخدام ملف مكافحة الإرهاب لتكريس سيطرتها على مناطق إستراتيجية وموارد نفطية حيوية.

إضعاف مسار الشرع

وقالت “نيويورك تايمز” إن الحادث يمثل اختبارا لصورة الشرع كزعيم يسعى إلى تقديم نفسه شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار.

وأوضحت أن الشرع عمل منذ توليه الحكم على تحسين علاقاته الخارجية، بما في ذلك مع الولايات المتحدة ودول عربية مجاورة، وانضم مؤخراً إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، لكن استمرار “الهجمات الإرهابية” يهدد بإضعاف هذا المسار، ويثير تساؤلات عن قدرة الحكومة الجديدة على فرض الأمن.

ويتعين على الرئيس السوري مواجهة كل هذه التحديات في الأيام المقبلة، في حين يتعامل مع مجموعة من الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية، كما سيحتاج أيضاً إلى إدارة أي تداعيات من الولايات المتحدة، حيث يحقق البنتاغون في إطلاق النار ويتعهد ترامب بالانتقام.

لكن مسؤولاً عسكرياً أميركياً، قلّل من احتمالات شن حملة قصف واسعة أو عمليات “كوماندوز” كبيرة ضد “داعش” في سوريا، مؤكداً الحاجة إلى اتباع نهج حذر لتجنب زعزعة الوضع السياسي الهش لحكومة الشرع.

المدن

————————–

داعش” يتبنى هجوما أودى بـ4 عناصر أمن سوريين

“حملة أمنية” بالتعاون مع التحالف الدولي لملاحقة خلايا التنظيم الإرهابي

الاثنين 15 ديسمبر 2025

بعث الرئيس السوري أحمد الشرع أمس الأحد رسالة تعزية إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب، معرباً عن “تضامن الجمهورية العربية السورية مع عائلات الضحايا”.

تبنّى تنظيم “داعش” الإرهابي اليوم الإثنين الهجوم الذي أودى بأربعة عناصر أمن في شمال غربي سوريا، وفق ما أورد موقع سايت المتخصص في رصد أخبار الجماعات المتطرفة اليوم.

ونقل الموقع بياناً للتنظيم جاء فيه “هاجم جنود الخلافة دورية للحكومة السورية المرتدة على طريق معرة النعمان أمس (الأحد) بالأسلحة الرشاشة”، مضيفاً “عاد المجاهدون إلى مواقعهم سالمين”.

وكانت وزارة الداخلية السورية أفادت في بيان عن مقتل “أربعة من عناصر إدارة أمن الطرق في وزارة الداخلية” وإصابة عنصر خامس “إثر استهداف تعرضت له إحدى الدوريات أثناء تنفيذ مهامها”، من دون أن تحدد هوية المهاجمين.

وأطلقت قوى الأمن السورية بالتعاون مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن حملة أمنية ضد خلايا تنظيم “داعش” النائمة أمس الأحد، بحسب ما أفاد مسؤول في وزارة الداخلية وكالة الصحافة الفرنسية غداة هجوم ضد القوات الأميركية في تدمر.

وأدى هجوم تدمر (وسط سوريا) أول من أمس السبت أدى إلى مقتل 3 أميركيين هم جنديان ومترجم مدني وإصابة عناصر من القوات الأميركية والسورية. ووصفت الحكومة السورية الهجوم بأنه “إرهابي”، بينما قالت واشنطن إن منفذه مسلح من تنظيم “داعش” قتل لاحقاً.

وتحدث المسؤول السوري الذي طلب عدم ذكر اسمه عن حملة أمنية جارية “في البادية السورية، بخاصة حول مدينة تدمر، لملاحقة خلايا تنظيم (داعش) النائمة بالتعاون مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة”. وأضاف أن الحملة أسفرت حتى الآن عن اعتقال 3 أشخاص يشتبه في ارتباطهم بهجوم السبت.

من جهته بعث الرئيس السوري أحمد الشرع أمس الأحد رسالة تعزية إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب، معرباً عن “تضامن الجمهورية العربية السورية مع عائلات الضحايا”.

وفي وقت سابق الأحد صرح المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا للتلفزيون الرسمي بأن منفذ الهجوم كان عضواً في قوات الأمن وكان من المقرر فصله الأحد بسبب حمله “أفكاراً تكفيرية أو متطرفة”.

وقال مصدر أمني إن السلطات “أوقفت أكثر من 11 عنصراً من الأمن العام وأحالتهم إلى التحقيق مباشرة بعد الحادثة”، في إطار توسيع التحقيقات لتحديد الملابسات وما إن كان هناك أي تقصير أو تنسيق داخلي. وأضاف أن “منفذ الهجوم كان عنصراً في الأمن العام منذ أكثر من 10 أشهر، وعمل مع الجهاز في أكثر من مدينة قبل أن ينقل إلى تدمر”.

وكان تنظيم “داعش” سيطر على مدينة تدمر عامي 2015 و2016 في سياق تمدده في البادية السورية، ودمر خلال تلك الفترة معالم أثرية بارزة ونفذ عمليات إعدام في حق مدنيين وعسكريين قبل أن يخسر المدينة بحلول 2019.

ترمب يتعهد الرد

هذه الحادثة هي الأولى من نوعها منذ أن أطاح تحالف فصائل معارضة نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي وأعاد إحياء علاقات البلاد مع الولايات المتحدة.

وفي واشنطن تعهد الرئيس الأميركي الرد على الهجوم، معتبراً أنه وقع في منطقة “شديدة الخطورة” ولا تخضع لسيطرة كاملة من السلطات السورية.

وأفاد مصدر في وزارة الدفاع السورية الأحد بأن القوات الأميركية “جاءت عن طريق البر من جهة قاعدة التنف العسكرية”. وأضاف “جال الوفد السوري – الأميركي المشترك في مدينة تدمر بداية، ثم توجهوا إلى مطار التيفور العسكري قبل أن يعودوا إلى مقر أمني في تدمر مرة أخرى”، حيث وقع الهجوم.

من جهته قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك إن الهجوم لن يؤدي إلا إلى “تعزيز” الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى “تمكين الشركاء السوريين القادرين مع دعم عملياتي أميركي محدود على مطاردة شبكات تنظيم “داعش” وحرمانها من الملاذ الآمن ومنع عودتها”.

في الأثناء أصدرت وزارة الداخلية السورية بياناً شددت فيه على أن “استمرار الاعتداءات الإرهابية يعكس أهمية خيار سوريا في الانخراط الدولي والاضطلاع بدور فاعل في مكافحة الإرهاب”.

وأعلنت وزارة الخارجية السورية أن الوزير أسعد الشيباني أجرى اتصالاً هاتفياً بنظيره الأميركي ماركو روبيو شدد فيه على أن الهجوم يعد “تحدياً جديداً في إطار مكافحة الإرهاب”، ومؤكداً “أهمية العمل جنباً إلى جنب” لتعزيز “الجهود المشتركة في هذا المجال”.

وقال مصدر أمني آخر إن “القوات الأميركية حالياً تنتشر فقط في مطار المزة العسكري في مناطق سيطرة الحكومة”، أما باقي المناطق التي وجدوا فيها، فكان “بغرض الزيارة فقط”.

ثغرات أمنية

تأتي هذه الحادثة في سياق مرحلة حساسة تشهدها سوريا منذ إطاحة النظام السابق قبل عام، والتي رافقها انهيار شبه كامل لأجهزة الأمن الداخلي والشرطة مع فرار أعداد كبيرة من عناصرها من مواقعهم ليلة سقوط حكم عائلة الأسد.

وأمام الفراغ الأمني الواسع فتحت السلطات الجديدة باب التطوع على نطاق واسع، مما أدى إلى انتساب آلاف العناصر خلال الأشهر الأولى في إطار إعادة تشكيل سريعة للمؤسسات الأمنية في مختلف المناطق وسط تحديات تتعلق بالتدقيق الأمني والخبرة.

وعملت السلطات على تشكيل جيش جديد يضم مقاتلين من فصائل حليفة كانت أعلنت حل نفسها بناءً على طلب رسمي في مسعى إلى توحيد البنية العسكرية والأمنية تحت سلطة مركزية واحدة.

وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك إن الهجوم يشكل “تذكيراً صارخاً بأن الإرهاب لا يزال تهديداً مستمراً”، مؤكداً أن عدداً محدوداً من القوات الأميركية لا يزال منتشراً في سوريا لاستكمال مهمة هزيمة تنظيم “داعش” ومنع عودته.

وعلى رغم انهيار سيطرته الواسعة لا تزال خلاياه تنشط بصورة متقطعة في الصحراء السورية، مستفيدة من اتساع الرقعة الجغرافية وصعوبة ضبطها.

وكانت دمشق انضمت رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” خلال زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن الشهر الماضي.

وتنتشر القوات الأميركية في سوريا بصورة رئيسة في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في شمال شرقي البلاد، إضافة إلى قاعدة التنف قرب الحدود مع الأردن، حيث تركز واشنطن حضورها العسكري على مكافحة التنظيم ودعم حلفائها المحليين.

————————————-

نيويورك تايمز: هجوم تدمر يربك حسابات القيادة السورية الجديدة

قالت صحيفة نيويورك تايمز إن الهجوم الذي أودى بحياة 3 أميركيين في مدينة تدمر وسط سوريا يشكل تحديا أمنيا وسياسيا بالغ الخطورة للرئيس السوري أحمد الشرع، في لحظة دقيقة تمر بها حكومته في مسارها لإعادة بناء الدولة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.

وأضافت أن الهجوم -الذي نسبته السلطات السورية إلى عنصر مرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية– كشف عن استمرار قدرة هذه الجماعة المسلحة على استغلال الثغرات الأمنية رغم تعهدات الحكومة الجديدة بمحاربته، كما سلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني وتعقيد المشهد السياسي في البلاد.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت مقتل اثنين من جنودها ومترجم أميركي وإصابة 3 عسكريين في هجوم شنه مسلح وصفته بالمنفرد من تنظيم الدولة، السبت، أثناء لقاء عسكريين أميركيين مع قيادات أمنية محلية قرب تدمر وسط سوريا.

وقالت الداخلية السورية إن المهاجم -وهو عنصر منتسب للأمن الداخلي في البادية السورية- كان قد صدر بحقه تقييم بأنه ربما تكون لديه “أفكار تكفيرية أو متطرفة”، وأكدت أن المسلح المنفرد التابع للتنظيم تسلل إلى اجتماع بين القوات السورية ووفد من التحالف الدولي لمناقشة جهود مكافحة التطرف.

ورغم نفي المسؤولين الأميركيين تفاصيل الاجتماع، فإنهم لم ينكروا تحذير سوريا المسبق من هجمات محتملة للتنظيم على القوات الأميركية.

وفي تحليلها الإخباري للحادث، أفادت نيويورك تايمز بأن الشرع ظل يواجه، منذ وصوله إلى السلطة قبل عام، مهمة شاقة تتمثل في توحيد بلد أنهكته عقود من الحكم الاستبدادي وحرب أهلية مدمرة.

وعلى الرغم من محاولات حكومته إعادة بناء جيش موحد وإطلاق مسار نحو مصالحة وطنية، فإن العنف الطائفي والصدامات المتكررة مع المليشيات الكردية في الشمال الشرقي، ما زالت تعرقل هذا الجهد. ويُظهر هجوم تدمر أن التحدي الأمني لا يزال أحد أخطر العوائق أمام ترسيخ الاستقرار، وفق التحليل.

وترى الصحيفة أن الهجوم يضع العلاقة المعقدة بين دمشق وواشنطن تحت اختبار جديد. فالولايات المتحدة، التي تحتفظ بنحو ألف جندي في سوريا ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، تجد نفسها أمام ضغوط داخلية متزايدة لإعادة النظر في وجودها العسكري، خاصة في ظل دعوات محتملة لتسريع الانسحاب.

ونقلت عن كولين كلارك محلل شؤون مكافحة الإرهاب في مجموعة صوفان -وهي شركة استشارية عالمية في مجال الاستخبارات والأمن مقرها نيويورك– القول إن الهجوم قد يشكل دافعا للرئيس دونالد ترامب لتسريع سحب القوات الأميركية من سوريا.

لكن محللين حذروا من أن أي انسحاب أميركي متسرع قد يخدم مصالح تنظيم الدولة، الذي يسعى إلى توسيع هامش حركته واستعادة بعض نفوذه.

في الوقت نفسه، يعيد الهجوم تسليط الضوء على الخلافات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الحليف الأساسي لواشنطن في محاربة تنظيم الدولة.

فرغم توقيع اتفاق مبدئي لدمج هذه القوات في مؤسسات الدولة الجديدة، فإن التنفيذ لا يزال متعثرا، وسط تبادل اتهامات حول النوايا الحقيقية لكل طرف. وتتهم دمشق “قسد” باستخدام ملف مكافحة الإرهاب لتكريس سيطرتها على مناطق إستراتيجية وموارد نفطية حيوية.

وعلى الصعيد الدولي، تقول الصحيفة الأميركية إن الحادث يمثل اختبارا لصورة الشرع كزعيم يسعى إلى تقديم نفسه شريكا موثوقا في مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار.

ولتحقيق هذا الهدف، يفيد التقرير الصحفي بأن الشرع عمل منذ توليه الحكم على تحسين علاقاته الخارجية، بما في ذلك مع الولايات المتحدة ودول عربية مجاورة، وانضم مؤخرا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة. غير أن استمرار “الهجمات الإرهابية” يهدد بإضعاف هذا المسار ويثير تساؤلات عن قدرة الحكومة الجديدة على فرض الأمن.

ويؤكد المحللون أنه يتعين على أحمد الشرع مواجهة كل هذه التحديات في الأيام المقبلة، بينما يتعامل مع مجموعة من الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية. وسيحتاج أيضا إلى إدارة أي تداعيات من الولايات المتحدة، حيث يحقق البنتاغون في إطلاق النار ويتعهد ترامب بالانتقام.

بيد أن مسؤولا عسكريا أميركيا -لم تكشف الصحيفة عن اسمه- قلل من احتمالات شن حملة قصف واسعة أو عمليات كوماندوز كبيرة ضد تنظيم الدولة في سوريا، مؤكدا الحاجة إلى اتباع نهج حذر لتجنب زعزعة الوضع السياسي الهش لحكومة الشرع.

المصدر: نيويورك تايمز

————————————

ترامب يعفي السوريين من الشعور بالحرج

هل لمنفذ هجوم تدمر علاقة بنظام الشرع؟

لارا سليم

 أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، السبت، أن منفذ الهجوم الذي تعرضت له اليوم قوات الأمن السورية وقوات أميركية قرب مدينة تدمر أثناء تنفيذ جولة ميدانية مشتركة، لا يملك أي ارتباط قيادي داخل الأمن الداخلي ولا يعد مرافقا للقيادة، مبينا أن التحقيقات جارية للتأكد من صلته بتنظيم داعش أو حمله لفكر التنظيم.

وأشار المتحدث باسم وزارة الداخلية إلى أن إجراءات التحقيق التي تم البدء بها تقوم على فحص البيانات الرقمية الخاصة بمنفذ الهجوم، والتأكد مما إذا كان يملك ارتباطا تنظيميا مباشرا مع داعش أم أنه فقط يحمل الفكر المتطرف، وأيضا التحقق من دائرة معارفه وأقربائه، لافتا إلى أنه سيكون هناك إجراءات بروتوكولية جديدة خاصة بالأمن والحماية والتحرك من قبل قيادة التحالف الدولي بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي في البادية.

من جانب آخر أعلن البنتاغون عن مقتل جنديين من الجيش الأميركي ومترجم مدني في هجوم شنه تنظيم الدولة الإسلامية يوم السبت في تدمر، سوريا، حيث كانوا يدعمون عمليات مكافحة الإرهاب.

وأفاد المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، بإصابة ثلاثة آخرين. وصرح وزير الدفاع، بيت هيغسيث، بأن القوات الشريكة قتلت المهاجم. وأكد ثلاثة مسؤولين محليين لوكالة رويترز أن المهاجم كان من قوات الأمن السورية.

وصرح متحدث باسم وزارة الداخلية السورية لقناة الإخبارية التلفزيونية السورية بأن المهاجم لم يكن يشغل منصبًا قياديًا في قوات الأمن. ولم يوضح ما إذا كان الرجل عضوًا صغيرًا.

تعرضت قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية لإطلاق نار يوم السبت أثناء قيامها بدورية في مدينة تدمر وسط سوريا، حسبما أفاد مسؤولان سوريان محليان لوكالة رويترز. وأفاد المسؤولان بوقوع إصابات.

كما أكدت القيادة المركزية الأمريكية لاحقًا أن القاتل ينتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي. وسيتم حجب هويات الجنود عن العامة لمدة 24 ساعة لإتاحة الفرصة للحكومة الأمريكية لإبلاغ عائلات الضحايا بشكل خاص.

عقب إعلان البنتاغون، كتب المبعوث الأميركي توم باراك: “أدين بشدة الكمين الإرهابي الجبان الذي استهدف دورية مشتركة أميركية-سورية في وسط سوريا. ننعي فقدان ثلاثة من أفراد القوات الأمريكية الشجعان والمدنيين، ونتمنى الشفاء العاجل للجنود السوريين المصابين في الهجوم. نؤكد التزامنا بهزيمة الإرهاب مع شركائنا السوريين”.

وكتب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث: “قتلنا الشخص المتوحش الذي نفذ هذا الهجوم على يد القوات الشريكة”. فليعلم الجميع، إذا استهدفتم أميركيين – في أي مكان في العالم – فستقضون ما تبقى من حياتكم القصيرة المليئة بالقلق، وأنتم تعلمون أن الولايات المتحدة ستطاردكم، وتجدكم، وتقتلكم بلا رحمة”.

كما تناول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهجوم قائلاً: “ننعي فقدان ثلاثة من الوطنيين الأمريكيين العظماء في سوريا، جنديان ومترجم مدني”. كما ندعو بالشفاء العاجل للجنود الثلاثة المصابين، الذين تأكدت سلامتهم.

وأضاف: “كان هذا هجومًا شنه تنظيم داعش على الولايات المتحدة وسوريا، في منطقة خطيرة من سوريا لا تخضع لسيطرتهم الكاملة. الرئيس السوري أحمد الشرع غاضب ومستاء للغاية من هذا الهجوم. وسيكون هناك رد حازم وقوي. شكرًا لاهتمامكم بهذا الأمر!”.

وجاءت تصريحات ترامب لتعفي النظام السوري من الشعور بأي حرج، حتى في حال أثبتت التحقيقات أن القاتل كان على علاقة ما بقوات الأمن السورية، خاصة أن المشهد الأمني في سوريا معقد للغاية ولا يمكن فهم بعض تفاصيلة بصورة واضحة.

———————————

 الشرع في رسالة تعزية لترامب: سوريا تتضامن مع عائلات الضحايا

الاثنين 2025/12/15

قالت الرئاسة السورية إن الرئيس أحمد الشرع أرسل رسالة تعزية إلى نظيره الأميركي دونالد ترامب بمقتل الجنود الأميركيين في هجوم تدمر، فيما أكد الأخير أن الولايات المتحدة ستلحق ضرراً بمنفذي الهجوم.

تضامن سوري

وقالت الرئاسة السورية في بيان، إن الشرع أكد خلال رسالته إلى ترامب تضامن سوريا مع عائلات الضحايا، مشدداً على إدانة بلاده لهذا الحادث المؤسف.

كما شدد الرئيس السوري على التزام دمشق بالحفاظ على الأمن والسلامة، وتعزيز الاستقرار في سوريا والمنطقة، وفق ما جاء في البيان.

في غضون ذلك، صرح الرئيس ترامب بأن الهجوم على القوات الأميركية في منطقة تدمر كان من تنظيم “داعش” وليس من الحكومة السورية.

وأشاد ترامب بالحكومة السورية والرئيس الشرع، مؤكداً بأنهما قاتلا إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة “الإرهاب”، ما يعكس التعاون المشترك بين البلدين لضمان الاستقرار في المنطقة.

وتعهد الرئيس الأميركي في تصريحاته، بـإلحاق “ضرر كبير”  بمنفذي الكمين قائلاً: “أستطيع أن أؤكد لكم، في سوريا، أن هناك ضرراً كبيراً سيلحق بمن ارتكبوا هذا الفعل”.

تفاصيل الهجوم

وقُتل جنديان أميركيان ومترجم يعمل مع القوات الأميركية إلى جانب جرح 3 جنود آخرين، السبت الماضي، وذلك خلال هجوم نفّذه مسلّح ضد جنود أميركيين وسوريين، وذلك خلال اجتماع وفد من التحالف الدولي مع مسؤولين سوريين في منطقة تدمر في ريف حمص، وسط سوريا.

وعقب الهجوم، أعرب وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني عن إدانة سوريا “الهجوم الإرهابي الذي استهدف دورية لمكافحة الإرهـاب مشتركة بين سوريا والولايات المتحدة بالقرب من تدمر”.

وعبّر الوزير السوري عن تعازي بلاده لعائلات الضحايا وللحكومة والشعب الأميركيين، معرباً عن تمنياته بالشفاء العاجل للجرحى.

ووفق المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، فقد “كانت هناك تحذيرات مسبقة من طرف قيادة الأمن الداخلي للقوات الشريكة في منطقة البادية”، مضيفاً في حديث للتلفزيون الرسمي أن “قوات التحالف الدولي لم تأخذ التحذيرات السورية باحتمال حصول خرق لداعش في الاعتبار”.

——————————————

دمشق تحقق في مقتل 3 أمريكيين… ومراقبون يستبعدون أي تأثير على علاقتها بواشنطن/ جانبلات شكاي

14 – ديسمبر – 2025

فذت السلطات السورية اعتقالات على خلفية حادثة قتل 3 أمريكيين بينهم جنديان، في تدمر، متوعدة بـ«الضرب بيد من حديد كل من يهدد أمن البلاد واستقرارها»، فيما استبعد مراقبون أن يؤثر ما حدث على تطور علاقات دمشق وواشنطن.

وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة أمريكيين، بينهم جنديان ومدني يعمل مترجما، إضافة إلى إصابة عناصر من القوات الأمريكية والسورية، حسب واشنطن ودمشق.

توسيع التحقيقات

وقالت وزارة الداخلية إنها ألقت القبض على خمسة أشخاص يشتبه في صلتهم بالهجوم.

وأكدت في بيان أن «استهداف مؤسسات الدولة لن يمر دون رد، وأن الأجهزة الأمنية تمتلك الجاهزية الكاملة والقدرة العالية على الضرب بيد من حديد كل من يهدد أمن البلاد واستقرارها، وملاحقة التنظيمات الإرهابية أينما وُجدت».

فيما قال مصدر أمني لوكالة «فرانس برس» إن «منفذ الهجوم كان عنصرا في الأمن العام منذ أكثر من عشرة أشهر، وعمل مع الجهاز في أكثر من مدينة قبل أن يُنقل إلى تدمر».

وأضاف أن السلطات «أوقفت أكثر من 11 عنصرا من الأمن العام وأحالتهم إلى التحقيق مباشرة بعد الحادثة»، في إطار توسيع التحقيقات لتحديد الملابسات وما إن كان هناك أي تقصير أو تنسيق داخلي.

مصدر أهلي من مدينة تدمر كشف لـ»القدس العربي» ملابسات ما حصل، إذ قال إن «القوات الأمريكية وبعد أن قامت بجولة ضمن آثار المدينة تعرضت للهجوم خلال اجتماع لها في مقر للأمن الداخلي، وأصوات الرصاص تم سماعها داخل المدينة».

المصدر الأهلي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، وهو من سكان المدينة العائدين بعد سقوط النظام إليها، قال إن العملية «جرت بالقرب من شارع الوادي في الأحياء الغربية للمدينة وضمن ما كان يعرف في زمن النظام السابق بفرع الأمن العسكري، وقد تمت إعادة تأهيله وتجهيزه ليصبح اليوم مقراً للأمن العام».

وأوضح أن «الجنود الأمريكيين كانوا قد تجولوا في المدينة الأثرية، واشتروا بعضاً من التحف الشرقية ثم اتجهوا إلى مركز الأمن العام لعقد اجتماع لهم مع المسؤولين المحليين، وهناك قام أحد عناصر الأمن السوري بإطلاق الرصاص الذي سمعنا صوته، على عناصر الحراسة حسب المعلومات المتداولة».

وكشف المصدر أن «قوات أمريكية وسورية مشتركة نفذت ليل السبت، بعد العاشرة ليلاً عمليات مداهمة لبعض المنازل القريبة من مقر الأمن العام حالياً، حيث جرت عملية استهداف الجنود الأمريكيين، وانتشرت آليات أمريكية وسورية وأغلقت الحي المستهدف، وتداول الأهالي عن اعتقال عدد من الشبان من دون الحديث عن ضبط أي نوع من الأسلحة، ومن دون التعرض للأهالي أو مضايقتهم».

الرواية الأمريكية

القيادة المركزية الأمريكية أعلنت من فلوريدا في بيان لها أنه قد نصب كمين مسلح من قبل تنظيم «الدولة» ضدّ أفراد أمريكيين في سوريا أدى إلى قُتل اثنين من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية ومدني أمريكي واحد، وأُصيب ثلاثة آخرون جراء الكمين، وتمّ الاشتباك مع المسلح وقتله.

فيما علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحادث بالقول: «كان هذا هجوم «داعش» على الولايات المتحدة وسوريا في جزء خطير جدا من سوريا لا تسيطر عليه بالكامل السلطات السورية، والرئيس أحمد الشرع غاضب ولديه انزعاج شديد من هذا الهجوم، وسيكون هناك انتقام خطير جدا».

كما وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا السفير توماس براك العملية بـ»الإرهابية».

تحذيرات سورية مسبقة

في حين أشار المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إلى أن «تقييما أمنيا صدر بحق المنفذ، في العاشر من الشهر الحالي، أشار إلى أنه قد يحمل أفكارا تكفيرية أو متطرفة»، موضحا أن قرارا كان من المفترض أن يصدر بحقه يوم الأحد.

وقال في تصريح للتلفزيون الرسمي إن «قيادة الأمن الداخلي في منطقة البادية تضم أكثر من خمسة آلاف عنصر، وتخضع لآلية تقييم أسبوعية يتم على أساسها اتخاذ إجراءات تنظيمية وأمنية عند الحاجة»، مؤكدا أن المنفذ «لا يشغل أي موقع قيادي» في الجهاز.

وبين أن «قيادة الأمن الداخلي كانت قد وجهت تحذيرات مسبقة للقوات الشريكة في التحالف الدولي حول معلومات أولية تشير إلى احتمال وقوع خرق أو هجمات من قبل تنظيم «داعش»، إلا أن هذه التحذيرات لم تؤخذ بالاعتبار»، مشيراً إلى أن الهجوم وقع عند مدخل مقر محصن تابع لقيادة الأمن الداخلي بعد انتهاء جولة مشتركة بين الجانبين.

وأضاف أن «التحالف الدولي أعلن أن هناك جنديين قتلا إضافة إلى مترجم، وهناك إصابتان من طرف قوات الأمن الداخلي السورية التي استطاعت تحييد المنفذ، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ليس له أي توصيف قيادي داخل الأمن الداخلي، ولا يصنف على أنه مرافق لقائد الأمن الداخلي، كما زعم بعض الأخبار غير الدقيقة».

وأشار إلى أن «إجراءات التحقيق التي تم البدء بها تقوم على فحص البيانات الرقمية الخاصة بمنفذ الهجوم، والتأكد مما إذا كان يملك ارتباطاً تنظيمياً مباشراً مع «داعش» أم أنه فقط يحمل الفكر المتطرف، وأيضاً التحقق من دائرة معارفه وأقربائه، لافتاً إلى أنه ستكون هناك إجراءات بروتوكولية جديدة خاصة بالأمن والحماية والتحرك من قبل قيادة التحالف الدولي بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي في البادية.

واستبعد الباحث المختص بالشؤون الأمريكية أيمن عبد النور أن تترك العملية آثارها المباشرة على تطور العلاقات بين دمشق وواشنطن رغم سعي جهات مختلفة لاستغلال الفرصة.

وقال في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن «الهجوم كان من المتوقع أن يحدث عند الاحتكاك بين فصائل من وزارة الدفاع السورية والقوات الأمريكية بشكل مباشر، على اعتبار أن هناك الكثيرين ممن استغلوا فتح باب التطوع، بعد انتصار الثورة فدخل الكثيرون من الأشخاص الذين لم تتم دراسة خلفياتهم أو معرفتهم بشكل دقيق».

وقال إن «عملية دراسة العناصر المتطوعة أمر في غاية الأهمية ولا يجب أن يتم حصر إعدادهم عقائديا ونفسيا وتدريبهم للتخلص من تلك الأفكار المتطرفة التي تعشعش في كثير من المناطق، في فترة أسبوعين فقط».

وأوضح أن توقعات سابقة لعدد من مراكز الدراسات كانت تشير إلى إمكانية حصول إشكالات أكبر بكثير، كما حصل مع الجنود الأمريكيين في أفغانستان نفسها عبر مجموعة متطرفة من طالبان كانت قد اخترقت الجيش الأمريكي، مشددا على أن الأمر ليس بالقضية السهلة والعناصر الجدد يحتاجون إلى فترة إعداد طويلة، مع ضرورة الانفتاح على كافة بنى المجتمع السوري من أجل إدخالهم في الجيش.

وذكر عبد النور أن الحدث تم استغلاله مباشرة من عدد من النواب الجمهوريين المحافظين، الذين بدأوا ينشرون رسائل ويوزعونها داعين إلى عقد جلسة لمناقشة الحريات الدينية وموضوع التطرف في بعض أجهزة الحكومة السورية بداية شهر كانون الثاني/ يناير المقبل، لكنه استبعد أن تؤثر العملية على تعليق إلغاء «قانون قيصر».

وقال: لن يكون هناك تأثير مباشر، لأن الحكومة الأمريكية بكل أجهزتها تسعى إلى الانخراط في عمل الكبير مع الجيش السوري من أجل محاربة تنظيم الدولة ولن يضيعوا هذه الفرصة، لكن سيكون هناك نقاش طويل وحاد داخل وزارة الدفاع بين الأجهزة التي تتعاون مع الأكراد وتعتبرهم قريبين وأصدقاء وحلفاء للولايات المتحدة، وما حصل قد قوّى هذا الفريق، مقابل الفريق الآخر الذي يريد أن يرى سوريا برأس واحد ووزارة دفاع قوية ويدعم الرئيس أحمد الشرع، وبالتالي فإن النقاش اليوم ليس سوريا أمريكيا، بل هو أمريكي داخلي.

كما اعتبر أن العملية ستدعم توجهاً داخل الإدارة السورية لمحاربة التطرف، وقال إن العملية ستقوي أوراق الشرع تجاه اتخاذ قرارات قوية ضد بعض القادة الذين تساهلوا في تدريب الجنود الجدد وتطوير أدائهم، وتدريبهم من أجل فك وحلحلة التطرف والفكر الجهادي الموجود في عقولهم.

فرقة لمكافحة الإرهاب

ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلى دول الخليج العربي سيهانوك ديبو تمنى أن «تكون العملية التي أودت بخسائر بالأرواح سبباً إضافياً في تعامل واقعي من جانب الحكومة المؤقتة مع اتفاق العاشر من آذار/ مارس، الموقع بين الرئيس الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي».

وأشار لـ« القدس العربي» إلى أن بقاء «قسد» قوة خبيرة وممتهنة بمحاربة التطرف والجماعات الارهابية بدعم من التحالف، وإدماجها ككتلة في وزارة الدفاع، بات مكسباً وطنياً سورياً يجب عدم التقليل من شأنه

وأمس الأحد، أصدر «مجلس سوريا الديمقراطية – مسد» بيانا أدان فيه بأشد العبارات الاعتداء الإرهابي الذي استهدف القوات الأمريكية في مدينة تدمر السورية، واعتبره عملاً إجرامياً جباناً يهدد أمن واستقرار سوريا والمنطقة، ويصب في خدمة قوى التطرف والفوضى.

وأعرب المجلس عن أسفه لإصابة عدد من عناصر الأمن العام والجنود الأمريكيين جراء تعرضهم لإطلاق نار في البادية السورية أثناء تأدية مهامهم.

لا تغيير في المشهد

الباحث والداعية الإسلامي محمد حبش تحدث عن خطورة وجود المتطرفين في صفوف الجيش وقوات الأمن السورية.

وقال في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إن العملية سيكون لها انعكاس على العلاقات السورية الأمريكية، لكن لا أعتقد أنها ستغير المشهد، مشيراً إلى أن الجانب الأخطر هو أن منفذ العملية ليس آخر المتطرفين الخطيرين الموجودين في قوى الأمن وفي الجيش، ومؤكداً أنه علينا أن نتوقع وجود آخرين هناك، وخصوصا أن هناك 298 منتسبا إلى قوى الأمن تطاردهم الدولة بعد ظهور نتائج التحقيقات في الساحل، وعدد مماثل أيضا في السويداء، ويجب أن نعلم أننا ما زلنا بعيدين عن إنتاج جيش وطني حقيقي.

ورأى حبش أن على الدولة أن تقوم بدور مباشر في التواصل مع الكوادر الوطنية العسكرية لبناء جيش وطني بعيد عن كل الثقافة التكفيرية.

تدمر تعود للحياة

ومنذ أن سقط النظام في كانون الأول /ديسمبر العام الماضي، بدأت الحياة تعود إلى المدينة التي تقع في قلب البادية السورية وتبعد عن العاصمة دمشق أقل من 250 كيلومتراً، وتحسنت الأوضاع فيها بشكل جيد، وتمت إعادة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء، حتى أن المدينة لا تعاني من التقنين الكهربائي كباقي المدن السورية.

المصدر الأهلي الذي تحدثت إليه «القدس العربي» أوضح أن عدد سكان المدينة كان يزيد عن 60 ألفا قبل الثورة، ولم يتبق فيها أي منهم في الأشهر الأولى من سيطرة تنظيم «داعش» عليها في أيار/ مايو 2015، إلى أن استعاد جيش النظام السيطرة على المدينة في آذار/ مارس 2016، أما حالياً فربما وصل عدد السكان إلى نحو 30 ألفا بعد أن كان هذا الرقم يتراوح بين 6 إلى 7 آلاف عند سقوط النظام قبل سنة، وبدأ أهل المدينة بالعودة إليها وترميم منازلهم مع الأخذ بعين الاعتبار أن نسبة الدمار شبه الكامل في المدينة تصل إلى أكثر من 30%.

وقال إن المحال التجارية عادت لتفتح أبوابها لكن من الناحية السياحية ما زالت الأوضاع سيئة وإن تراجعت كثيرا عمليات التنقيب والسرقة ضمن المدينة الأثرية أو في الأحياء السكنية بسبب فرض الأمن عليها بشكل مقبول، إلا أن الحركة السياحية ما زالت متواضعة لعدم وجود فنادق يمكن أن تستقبل المجموعات السياحية، لكننا صرنا نرى سياحاً أجانب بشكل يومي يزورون الآثار بسيارات خاصة وبعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة لعدة ساعات ثم يعودون إلى دمشق.

واكد المصدر الأهلي أن المقبرة الجماعية التي دفن فيها الذين تمت تصفيتهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في سجن تدمر العسكري بداية العقد الثامن من القرن الماضي على سفوح جبل عويمر شمال تدمر على بداية الطريق الدولي باتجاه مدينة دير الزور، لم يقترب منها أحد وما زالت الأوضاع على حالها هناك.

———————————

كيف سينعكس هجوم تدمر على علاقة حكومة الشرع بواشنطن؟

استنفار في المؤسسات العسكرية والأمنية السورية وإجراءات لـ «منع الاختراقات»

دمشق: سعاد جرَوس

16 ديسمبر 2025 م

جاء الهجوم الذي استهدف اجتماع مسؤولين من قيادة الأمن السوري مع وفد من قوات التحالف الدولي، السبت الماضي، في البادية السورية، في وقت بالغ الحساسية للحكم السوري، خصوصاً في ظل الأنباء عن انتماء المهاجم لتنظيم «داعش» برغم أنه من عناصر الأمن العام. وفيما اتجهت الأنظار إلى واشنطن لمتابعة تأثير الهجوم على موقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من السلطة في سوريا، قالت مصادر في دمشق إن الحادث الذي تسبب في مقتل ثلاثة أميركيين، سيسهم على الأرجح في تعزيز الدعم الأميركي للقوات الحكومية السورية، وليس العكس.

واستهدف هجوم السبت اجتماعاً ضم مسؤولين من قيادة الأمن السوري في البادية مع وفد من قوات التحالف الدولي. وقالت وزارة الداخلية السورية إن الاجتماع كان مخصصاً لبحث آليات مكافحة تنظيم «داعش»، عندما تسلل شخص تابع للتنظيم وأطلق النار على القوات المشتركة السورية – الأميركية.

وتحدثت مصادر سورية قريبة من الحكومة السورية، لـ«الشرق الأوسط»، عن حالة استنفار داخل المؤسسات العسكرية والأمنية السورية، وصدور تعليمات وإجراءات جديدة بهدف منع الاختراقات وضبط الجهازين الأمني والعسكري.

من جهته، يقول الباحث عبد الوهاب عاصي: «رغم أنّ تنظيم (داعش) كثف من أنشطته بعد الحادثة؛ حيث نفذ هجمات جنوب معرة النعمان، ونصب حواجز خاطفة في مناطق مختلفة بشمال سوريا بهدف إظهار ضعف الحكومة السورية أمام الولايات المتحدة في مواجهة تهديده، فإن تصريحات المسؤولين الأميركيين تُشير بوضوح إلى أن واشنطن ماضية بالشراكة مع دمشق ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم (داعش)».

وأشار عاصي إلى أنه وبخلاف المتوقع «قد تلجأ الولايات المتحدة لدعم الحكومة السورية لوجيستياً من أجل تنفيذ عمليات تمشيط في البادية وشمال سوريا، لملاحقة خلايا التنظيم، ويأتي ذلك في إطار توجه أميركي للاعتماد على الشركاء المحليين في منع عودة التنظيم».

من جانبه، استبعد السياسي والإعلامي أيمن عبد النور، حصول تداعيات سلبية لهجوم تدمر على العلاقات الأميركية – السورية، لأن الإدارة الأميركية «تدرك وجود صعوبات، وتعرف أن الجيش السوري ليس جاهزاً»، لا سيما وقد جرى ضم عشرات آلاف العناصر خلال فترة قياسية، دون توفر إمكانات لدراسة كل تلك العناصر وخلفياتها بدقة.

لذلك، يرى عبد النور أنه يمكن للإدارة الأميركية أن تتجه نحو «مساعدة الجيش السوري وتجهيزه بالإمكانات والتدريبات اللازمة، ليكون فاعلاً في التحالف الدولي». وأكد أن إدارة الرئيس ترمب «حريصة على أن يتم ذلك».

ويرى مروان عبد القادر، الباحث في مركز «عمران للدراسات الاستراتيجية»، أنه وبغض النظر عما إذا كان الاستهداف قد تم على يد عنصر لتنظيم «داعش»، أو أنه رد انتقامي فردي داخلي على التحولات الآيديولوجية التي أبدتها الحكومة السورية الجديدة، والتي قد لا تكون مقنعة لبعض المقاتلين ضمن قوى الجيش والأمن، فإن الحدث كشف عن التعقيدات التي نشأت في ظلها النواة الأولى لتلك القوات، في ظل الفراغين الأمني والعسكري اللذين خلفهما سقوط نظام بشار الأسد، وما تبعه من استقطابات مكثفة لمقاتلين لم يتسنَّ لقيادة الجيش والأمن أن تختبرهم، أو تتقصى خلفياتهم الآيديولوجية.

وفي كلتا الحالتين، يقول عبد القادر إن ذلك «يزيد من احتمالات وجود الخرق الأمني في صفوفهما بما يمكن التنظيم من امتلاك أوراق قوة تكمن في قدرته على تنفيذ عمليات نوعية ومن داخل الدولة نفسها، تستهدف مؤسساتها أو شخصياتها، ويزيد ذلك أيضاً من حالة الاضطراب وعدم اليقين بالاستقرار الأمني والمؤسساتي للدولة. وهذا يحتم على الدولة السورية في هذه المرحلة الحرجة، إعادة النظر والتقييم الموسع للكوادر البشرية المنتمية لوحدات الجيش وقوات الأمن، وأن تعيد رسم اتجاه البوصلة وتبني مؤسساتها العسكرية والأمنية بتراتبية خالية، مما قد ينخر جسدها، أو يتسبب في كارثة غير متنبئ بها تعيد الحالة السورية إلى الفوضى التي تفقد الإدارة تحكمها».

المشهد بعيون أميركية

يتحدث السياسي والإعلامي أيمن عبد النور عن تداعيات الهجوم الإرهابي على مستوى النقاش الداخلي ضمن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، مشيراً إلى «وجود كتلة تؤيد التحالف مع (قوات سوريا الديمقراطية)، وهي تقول إن هذا التحالف في محاربة (داعش) لم يتعرض خلال الفترة الماضية لأي حادث مثل هجوم تدمر، وإن التعامل مع الأكراد أفضل من التعامل مع حكومة الرئيس أحمد الشرع».

في المقابل، هناك كتلة أخرى مؤيدة للتحالف مع حكومة الشرع، ولضرورة أن يكون هناك رأس واحد في سوريا تتعامل معه إدارة الرئيس ترمب. ويرى الفريق الثاني أن حادثة تدمر تجربة يمكن تجاوزها والتوجه نحو تقوية الجيش السوري.

أما فيما يتعلق بتأثير التداعيات على الوضع الداخلي السوري، فيرى أيمن عبد النور أن هجوم تدمر سوف يقوي من موقف الرئيس السوري، لـ«الضرب بيد من حديد»، والتغيير في الإدارات والقيادات، ووضع قوانين جديدة صارمة «تضبط عمليه التطوع في الجيش».

يتفق مع هذا الرأي الباحث عبد الوهاب عاصي، الذي يرى أن «تزايد الهجمات سيترتب عليه رفع جاهزية أمنية وعسكرية»، مع احتمال أن «يكون لهذه الهجمات خطر أكبر إذا ترافقت مع تصعيد إسرائيلي جنوب البلاد، وهو ما تحاول الحكومة السورية تلافيه بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي لا تريد أي انهيار في السيطرة؛ بل تدعم فرض الاستقرار والاستمرار في تحقيق التسويات مع الأطراف المحلية مثل (قسد) والسويداء، والإقليمية مثل إسرائيل».

واستبعد عاصي أن يكون للحادث الأخير أي تأثير على تصويت مجلس الشيوخ، الأربعاء 19 ديسمبر (كانون الأول)، على مشروع قانون إلغاء عقوبات قيصر على سوريا، وقال: «لقد تم التوافق على النص بين أعضاء الحزبين قبل عرضه على مجلس النواب وتمريره لمجلس الشيوخ، وهو يتضمن أساساً التأكيد على دعم الحكومة في مواجهة الإرهاب و(داعش)، والحث على دمج (قسد) في منظومة الحكم».

الشرق الأوسط»،

———————–

دمشق: متابعة أمنية مكثفة للوضع في تدمر بعد هجوم «داعش»

تزايد في الهجمات خلال الفترة الأخيرة

دمشق: «الشرق الأوسط»

16 ديسمبر 2025 م

تابع وزير الداخلية السوري أنس خطّاب مع قائد «أمن البادية» وعدد من المسؤولين الامنيين، الوضع في تدمر عقب الهجوم الذي أوى بحياة جنديين ومترجم مدني، أميركيين، وشدد على «معالجة أي ثغرات في الأداء و تفعيل الجاهزية و الاستجابة لمواجهة تنظيم داعش»، وذلك مع تسجيل تزايد في الهجمات التي تستهدف قوى الأمن في الأيام الأخيرة… فيما أعلنت «الداخلية»، القبض على مجموعة، قالت إنها «متورطة في اعتداء على أمن الطرق والجمارك».

وأفادت وزارة الداخلية في بيان، بأن اجتماع خطاب، مع المسؤولين الأمنيين «كان بهدف الاطلاع على الوضع في المنطقة عقب الحادث الأخير في مدينة تدمر، وتقييم المخاطر القائمة لضمان استقرار المنطقة وحماية المواطنين».

ووقع الحادث في تدمر يوم السبت الماضي في أثناء اجتماع ضم مسؤولين من قادة الأمن في البادية، مع وفد من «قوات التحالف الدولي» لبحث آليات مكافحة تنظيم «داعش».

وفي الاجتماع الأمني الموسع، شدد وزير الداخلية السوري، «على تعزيز الجاهزية والتنسيق لمواجهة داعش بعد هجوم تدمر، واستعرض نتائج التحقيقات التي أجراها الفريق المكلف بمتابعة مجرياته، وناقش التوصيات الرامية إلى تعزيز كفاءة الوحدات الأمنية، ومعالجة أي ثغرات في الأداء»، مؤكداً على «التنسيق التام فيما بينها، و تفعيل الجاهزية الميدانية للفرق المختصة لضمان سرعة الاستجابة».

ونفذت القوى الأمنية، الأحد، عملية نوعية في مدينة تدمر، في ظلّ تزايد ملحوظ لهجمات «داعش» على عناصر ودوريات الأمن السوري خلال الأيام الأخيرة. وأعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، الثلاثاء، استهداف مجموعة قال إنها «متورطة في الاعتداء على دورية لأمن الطرق والجمارك». وأكد القبض على أفرادها.

وكان تنظيم «داعش»، أعلن الاثنين، تبنيه لهجوم وقع الأحد، وأسفر عن مقتل أربعة من عناصر الأمن في منطقة معرة النعمان بريف إدلب. وقال التنظيم الإرهابي في بيان، إنه نفذ الهجوم على عناصر الأمن التابعين للحكومة بالأسلحة الرشاشة، وإن «مقاتليه عادوا سالمين».

ويعد هذا هو الهجوم الثاني من نوعه خلال أقل من أسبوعين، حيث تعرضت دورية جمارك لكمين في 4 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أسفر عن مقتل عنصرين وإصابة اثنين آخرين في ريف حلب، وفق ما أعلنته «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية».

في سياق آخر انفجرت قنبلة في سيارة تابعة لوزارة الدفاع في مدينة البوكمال في دير الزور الثلاثاء، دون إصابات في حين عملت سيارات الدفاع المدني على إطفاء الحريق وفق ما قالته وسائل الإعلام الرسمي، فيما أفاد موقع «فرات بوست» المحلي، بأن السيارة كانت محملة بالذخيرة وحصل الانفجار في أثناء توقفها خلف «جامع المصطفى» وأعقب الانفجار اندلاع حريق من دون تسجيل إصابات.

الشرق الأوسط»

——————————–

ترامب: الشرع رجل قوي وما زلت أثق به

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استمرار ثقته بالرئيس السوري أحمد الشرع، واصفاً إياه بالرجل القوي.

جاء ذلك في معرض إجابته على سؤال أحد الصحافيين، مساء الاثنين، بشأن الهجوم الذي وقع السبت الفائت في سوريا وأدى إلى مقتل جنود أمريكيين.

وأوضح ترامب أن الشرع لا علاقة له بالهجوم الذي وقع قرب مدينة تدمر السورية.

وتابع قائلا: “هذه منطقة في سوريا لا يسيطرون عليها بشكل كامل. كان الأمر مفاجئاً، وهو (الشرع) حزين جداً حيال ذلك. إنه يعمل على الأمر، وأنا ما زلت أثق به وهو رجل قوي”.

ترامب أكد أن الهجوم مرتبط بتنظيم داعش الإرهابي، وأنهم سيوجهون ضربة قوية للتنظيم رداً على ذلك.

وفي معرض رده على سؤال حول سبب وجود قوات أمريكية في سوريا، قال ترامب: “لأننا نسعى لضمان السلام في الشرق الأوسط والحفاظ عليه”.

وأضاف: “هذه (سوريا) من أصعب المناطق الجغرافية في العالم، تخلصنا من بشار الأسد، وتخلصنا من آخرين كانوا سيئين للغاية وعرقلوا السلام في الشرق الأوسط”.

والسبت الفائت، أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” نقلا عن مصدر أمني دون تسميته، بـ”تعرض قوات أمن سورية وقوات أمريكية لإطلاق نار قرب مدينة تدمر أثناء تنفيذ جولة ميدانية مشتركة”.

فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أن الهجوم شنه تنظيم “داعش” وأسفر عن مقتل 3 أمريكيين؛ جنديان ومدني، وإصابة 3 عسكريين آخرين.

وعند سؤاله عن موعد بدء عمل قوة حفظ السلام الدولية في غزة، قال ترامب: “أعتقد أنها تعمل بالفعل بشكل أو بآخر، وهي تؤدي دورها بقوة كبيرة”.

وأكد ترامب أن المزيد من الدول ستشارك في قوة الاستقرار الدولية، قائلاً: “سيرسلون العدد الذي أريده من القوات”.

(الأناضول)

——————————-

 منفذ هجوم تدمر من الأمن السوري.. وجدل حول سبب وجوده بالمكان

السبت 2025/12/13

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نورالدين البابا إن الشخص الذي هاجم الجنود الأميركيين ينتمي إلى الأمن السوري، وصدر بحقه تقييماً في وقت سابق بأنه يحمل أفكاراً “تكفيرية”، وكان من المقرر، أن يصدر قرار بحبسه، غداً الأحد.

جاء ذلك في تصريحات للبابا للتلفزيون الرسمي السوري، اليوم السبت، حول الهجوم الذي استهدف حامية وفد أميركي في منطقة تدمر في ريف حمص وسط سوريا، ما أدى إلى مقتل جنديين أميركيين ومترجم وإصابة جنديين آخرين.

البابا: المهاجم لم يكن يشغل منصباً قيادياً

وقال البابا إن المهاجم لم يكن يشغل منصباَ قيادياً في قوات الأمن، مؤكداً أن جميع التقارير التي تتحدث خلاف ذلك هي “غير دقيقة”، فيما أشار إلى مقتل العنصر المنفذ للهجوم.

وأضاف المتحدث أن هناك تحذيرات مسبقة صدرت من طرف قيادة الأمن الداخلي للقوات الشريكة في منطقة البادية باحتمال حصول خرق أو هجمات متوقعة لـ”داعش”، لكن قوات التحالف الدولي لم تأخذ التحذيرات السورية باحتمال حصول خرق لـ”داعش” في الاعتبار.

وأوضح أن الهجوم وقع خلال جولة ميدانية بين قيادة التحالف الدولي في سوريا وقيادة الأمن الداخلي بالبادية، حيث بدأ المسلح المنتمي إلى “داعش”، وفقاً للبابا، بإطلاق النار عند باب أحد المقرات المحصنة في بادية تدمر، بعد دخول الشخصيات القيادية من الجانبين إلى داخل المقر.

من جانبها، نقلت وكالة “رويترز” عن ثلاثة مسؤولين سوريين، قولهم إن الرجل الذي هاجم عسكريين سوريين وأميركيين في مدينة تدمر وسط البلاد، كان عضواً في قوات الأمن السورية.

في غضون ذلك، نقلت “فوكس نيوز” عن مسؤول في “البنتاغون”، قوله إن الهجوم على الجنود الأميركيين وقع في منطقة خارجة عن سيطرة الحكومة السورية.

تساؤلات وجدل

وتطرح الحادثة مجموعة من التساؤلات المثيرة للجدل، خصوصاً بعد تأكيد البابا أن المنفذ هو عنصر أمن وكان يحمل أفكاراً متطرفة، فما الذي كان يفعله في جولة تضم ضباطاً أميركيين بارزين من التحالف؟

ويرجح كثيرون وجود فشل كبير في التدابير التي اتخذتها القوات الأمنية السورية في ترتيب حراسة الوفد الأميركي واجتماع بهذا المستوى. كما يطرح الهجوم تساؤلات حول الطريقة التي وصل فيها هذا العنصر المعروف مسبقاً بأفكاره المتطرفة، ومن سمح له بالوصول إلى بوابة الموقع المحصن الذي دخل إليه الضباط الأميركيون، مادامت كل هذه المعلومات كانت متوافرة لدى قيادة الأمن السوري، حيث كان يمكن بسهولة استبداله بعد اكتشاف ذلك عنه، بأحد العناصر الـ5 آلاف الذين تحدث البابا عن وجودهم  ضمن صفوف القوات الأمنية!

—————————–

==========================

جيش سوري أميركي ناعم/ شعبان عبود

16 ديسمبر 2025

على امتداد أكثر من عقد، شكّلت المنظمات السورية – الأميركية خط الدفاع السياسي والأخلاقي عن القضية السورية داخل العاصمة واشنطن. كانت تلك المنظمات، بمختلف توجهاتها وخلفيات أعضائها، بمثابة القلب النابض الذي أبقى الملف السوري حاضراً في مؤسسات صنع القرار الأميركية، وفي الكونغرس تحديداً، حين كاد العالم ينصرف عن المأساة السورية تحت وقع التحولات الدولية والإقليمية. فبينما كانت دول عديدة تعيد فتح خطوطها مع النظام السابق، كان السوريون الأميركيون يطرقون أبواب المكاتب التشريعية والدوائر المختصة من دون كلل، لشرح الجرائم والانتهاكات، والدفع نحو تشريعات تُحمّل المسؤولية لمرتكبيها.

لقانون قيصر، أحد أبرز قوانين العقوبات على النظام السوري السابق، قصة طويلة من الجهد والتراكم. صحيح أنّه قانون أميركي من حيث الصياغة والإقرار، لكنه وُلد من رحم العمل الدؤوب لسوريين أميركيين آمنوا بأن مساءلة الجناة واجب أخلاقي قبل أن يكون مهمة سياسية. ومع كل حملة ضغط أو جلسة استماع أو ورقة سياسات، كانت هذه المنظمات تنجح في منع سقوط القضية من الذاكرة الدولية. ورغم المنافسات الداخلية التي طبعت العلاقة بين بعضها، فإن تلك المنافسات ظلّت صحية طالما كان جوهرها العمل، والبحث عن طرق أكثر فاعلية للتأثير.

ومثل أي عمل عام، كان هناك من يسعى إلى الظهور أو يبالغ في تقدير دوره، لكن ذلك يبقى تفصيلاً صغيراً أمام الجهود الكبيرة التي بذلها معظم الناشطين والعاملين في هذا الحقل. هؤلاء الأشخاص، في غالبيتهم، ضحّوا بوقتهم واستقرارهم، واشتغلوا بصمت في كواليس السياسة الأميركية، واضعين نصب أعينهم خدمة بلدهم الأم ومساندة ضحاياه. وبعضهم استطاع بناء علاقات استراتيجية داخل مؤسسات حساسة، وهو ما منح المنظمات قدرةً على التأثير الفعلي وليس الرمزي فقط.

ومع التطورات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق، بدأ مشهد جديد يتشكّل في العلاقة بين دمشق وواشنطن. فمجرد بدء التواصل المباشر بين الإدارتين الأميركية والسورية برئاسة أحمد الشرع، وعودة قنوات الاتصال الدبلوماسية، جعل مسألة رفع العقوبات، بما فيها قانون قيصر، قضية وقت لا أكثر. كما دخلت عوامل إقليمية مؤثرة على الخط، إذ مارست السعودية وتركيا وقطر ضغوطاً واضحة من أجل تسريع رفع تلك العقوبات. وفي ظل هذه المعطيات، تراجع بطبيعة الحال الدور المباشر للمنظمات السورية الأميركية في ملف العقوبات تحديداً، لأن اللعبة انتقلت إلى مستوى حكومي – حكومي، وأصبحت ترتيبات رفع القيود الاقتصادية جزءاً من تفاهمات إقليمية ودولية واسعة.

غير أنّ هذا التحوّل لا يلغي قيمة ما أنجزته تلك المنظمات طوال السنوات الماضية، ولا يقلّل من دورها المستقبلي. فمع اقتراب سورية من مرحلة جديدة، تتجه فيها تدريجياً نحو الاستقرار وإعادة البناء، تتبدل المهام وتتغير الأولويات. ستنتقل هذه المنظمات من مرحلة الدفاع السياسي والحقوقي إلى مرحلة بناء الجسور: جسور بين المؤسسات السورية ونظيراتها الأميركية في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة، وجسور مع الشركات، والجامعات، ومراكز البحث، بما يخدم إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية. كما يتوقع أن تلعب دوراً مهماً في جذب الاستثمارات، وتحريك شبكات السوريين في الولايات المتحدة، وتحويل خبراتهم المتراكمة إلى رافعة للتنمية داخل سورية.

لم تكن المنظمات السورية الأميركية مجرّد مجموعات ضغط، بل كانت أشبه بجيش ناعم وأنيق في قلب واشنطن، جيش صنع فرقاً حقيقياً حين كان الصمت هو الخطر الأكبر. واليوم، وهي تدخل مرحلة جديدة، ما زال أمامها الكثير لتقدّمه لسورية وللجالية السورية في الولايات المتحدة، وربما يكون دورها القادم أكثر حساسية وأعمق أثراً من أي وقت مضى.

العربي الجديد

——————————-

ماذا يريد ترامب من سورية؟/ فاطمة ياسين

14 ديسمبر 2025

غالباً ما يتم انتخاب رؤساء الولايات المتحدة لاعتبارات داخلية تخص الشأن المباشر للمواطن الأميركي، كالضرائب والوظائف وأسعار الفائدة٬ ورغم ذلك يحرص كل رئيس أن يترك بصمة سياسية عالمية قبل رحليه عن البيت الأبيض، وقد يرسّخ لها أكثر من مسؤولٍ نشط ضمن إدارته، وتتعدّد مضامير الفاعلية السياسية الأميركية، لتشمل الكوكب كله، فمنذ بداية الثلث الأخير من القرن الماضي، كان الرؤساء يلهثون بشدة للحصول على غنيمة سياسية ذات بعد عالمي، قبل الوصول إلى خط النهاية، منهم من ينجح وبعضهم يفشل. وقد يدفع رئيس أميركي بأوراقٍ كثيرة لتحقيق اختراق مهم، فقد دعا الرئيس جيمي كارتر أنور السادات ومناحيم بيغن إلى منتجع كامب ديفيد وحشرهم فيه أسبوعين، لم يخرجا منه إلا بعد أن اتفقا. ونجح كارتر في الوقوف بين السادات وبيغن في البيت الأبيض، وبأيادٍ متصافحة ظهرت صورتهم الشهيرة. ونشط الرئيس الذي تلاه ريغان في مجال التوقيع على منع انتشار الأسلحة ذات الدمار الشامل، أو الحدّ منها، وساعده حال الاتحاد السوفييتي الذي بدأ يتحلّل، في تحقيق بعض الإنجازات في هذا المجال.

كان الشرق الأوسط من الملاعب المفضلة لدى رؤساء أميركا، حيث الصراع الطويل المعقد بين العرب وإسرائيل، وحاول كل رئيس أميركي أن يساهم في حلحلة المعضلة، وربما بذل الرئيس كلينتون جهوداً جبّارة كلفته أن يلتقي الأسد الأب مرّتين، الأولى في دمشق والثانية في جنيف قبيل انتهاء مهمّته. ولكن كلينتون خرج من البيت الأبيض من دون أن يحقق غايته. أراد أوباما أن يرسي علاقات دولية جديدة في المنطقة، فأبدى انفتاحاً كبيراً على المسلمين في خطابه الذي ألقاه أمام البرلمان التركي في إسطنبول، وزار بعدها القاهرة للغرض ذاته، ولم تؤدِّ تلك السياسة نجاحاً كبيراً، ولم تفلح في تغيير النظرة الغربية العامة نحو الإسلام، فيما حقق الرئيس ترامب في فترته الأولى اختراقاً غير مسبوق في وصوله إلى اتفاقيات إبراهيم التي وقَّعت فيها أربع دول عربية اتفاقيات سلام مع إسرائيل في بداية فصل جديد ومختلف في العلاقات العربية الإسرائيلية، والتي تحوّلت بعدها المعادلة من الأرض مقابل السلام إلى السلام مقابل السلام.

حين وصل ترامب إلى البيت الأبيض في فترته الثانية، كانت فصائل المعارضة المسلحة في سورية قد نجحت في الوصول إلى دمشق. وبعد تحالفات إقليمية مهمّة، ومعركة خاطفة، هرب إثرها بشار الأسد إلى موسكو، وانهار نظامه بشكل سريع، مخلفاً دماراً واسعاً وشاملاً، وظهر بدلاً منه في المقر الرئاسي وجهٌ شاب باسم وطموح، والأهم يتبنى منهجاً فكرياً مناقضاً للسابق، مستخدماً لغة مفهومة وواقعية، ولم يفرد عضلات وهمية أو يطلق وعوداً مستحيلة، وأوقف العلاقات مع إيران، الدولة المشاغبة التي يحذرها الجميع في المنطقة، وكانت سبباً في عدم استقرار طويل الأمد، وأعاد جدولة العلاقات مع روسيا على أسس جديدة ومختلفة، كما رمّم العلاقة مع لبنان ومجموعة دول الخليج، وأبدى رغبة في العيش بسلام والتفرّغ لبناء الاقتصاد المدمَّر. تلقف ترامب هذه البادرة، وأراد أن يستثمر سياسيّاً في الإدارة السورية الجديدة، فأحاطها برعاية، وعيّن لها مبعوثاً خاصاً يدأب على بث جو من التفاؤل. وبخطوات متلاحقة، أزال جميع العقوبات التي كانت مفروضة على سورية، وعلى مجموعة أشخاص في السلطة الجديدة، ما يعني إعطاء الفرصة كاملة لهذا العهد، لأن يخرج من حالة الفشل التي تركها النظام السابق. وهنا يريد ترامب أن يضيف نقطة سياسية لصالحه ضمن سجله الرئاسي في فترته الثانية، وهي مساعدة سورية على العودة إلى مكان الدولة الطبيعية، والصديقة غير المعادية للولايات المتحدة، وبعدها ينفع ما صنعه ليكون مادةً لإنجازٍ جديد يسوِّق له، لرسم صورة يمكن أن يحتفظ بها الشخص العادي عن رئيس أميركي بعد أن يرحل.

العربي الجديد

——————————–

+ المقاتلين الأجانب

هل حقاً المقاتلون الأجانب “ضرورة أمنية” في سوريا الجديدة؟/ جعفر مشهدية

الاثنين 15 ديسمبر 2025

فيما يراه البعض التحدي الأكبر أمام السوريين لتجاوز محنتهم الممتدة منذ آذار/ مارس 2011، ويقلّل آخرون من وزنه معتقدين أنه “أقل التحديات” التي تواجهها الإدارة الانتقالية، يحتفظ ملف المقاتلين الأجانب في سوريا بقدرته على تحديد علاقة سوريا ما بعد الأسد بالمجتمع الدولي من جهة، وبالعديد من المكونات المحلية من جهة أُخرى، فنجاح التعاطي مع هذا الملف قد يُسهّل نسج علاقات جيدة، داخلياً وخارجياً، لسوريا، شعباً وقيادةً، ربما لعقود.

لا يكاد يمرّ أسبوع إلا ويخرج تصريح جديد يتعلّق بملف المقاتلين الأجانب في سوريا، وتتراوح ردود الأفعال بين داعم لفكرة دمجهم في الجيش والمجتمع، ومعارض لبقائهم في سوريا. في حين تتحرّك، بين الهوامش، المفاوضات السياسية التي تبدأ بكل ما له علاقة برفع العقوبات عن سوريا، ولا تنتهي بضمان الاستقرار الداخلي. ومن جهتها، تسعى السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع إلى إظهار قدرتها على التعامل الفاعل مع هذا الملف لتحقيق مكاسب سياسية أكبر من ذلك، مستغلة علاقاتها مع هؤلاء المقاتلين، وحرص بلدان هؤلاء المقاتلين الأصلية لهم على بقائهم بعيداً منها.

وشهدت الآونة الأخيرة تطورات مهمة في هذا الخصوص، منها ما رأيناه على أرض الواقع، كالاشتباكات التي اندلعت مع الفرنسيين المهاجرين في إدلب، ومنها ما بقي مصيره محكوماً بالتداول الإعلامي بين النفي والتأكيد، كموضوع تسليم عدد من المقاتلين الأويغور للصين.

مناوشات حول الملف الحسّاس

خاضت قوات الأمن السورية في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، اشتباكات ضد متطرفين فرنسيين، بعد تطويقها لمخيمهم المعروف باسم “الغرباء” أو “مخيم الفرنسيين” في حارم بإدلب، عند الحدود التركية السورية، واتهام قائدهم الفرنسي السنغالي عمر ديابي الشهير بـ”عمر أومسن”، برفض تسليم نفسه على خلفية خطف فتاة من يد والدتها في مخيم فردان بريف إدلب.

كانت تلك أول مواجهة معلنة لسلطة أحمد الشرع ضد مقاتلين أجانب منذ وصولها إلى الحكم، ما دفع “أومسن” إلى نشر فيديو يتهم فيه قيادات هيئة تحرير الشام بالتنسيق مع السلطات الفرنسية للقضاء على المجاهدين الفرنسيين للتقرب من باريس. تبع ذلك حشد عسكري ومواجهات بين الطرفين، مع تجييش “أومسن” للمقاتلين الأجانب من قوميات مختلفة للوقوف في وجه السلطات الجديدة، التي تعمل على التخلص منهم بعد تمكنها من الحكم، الأمر الذي انتهى بهدنة رأى فيها البعض نجاحاً لسلطة الشرع بتفادي الأزمة، بينما رأى القسم الآخر أن الفصيل الفرنسي هو من انتصر في الصراع.

وفي منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، نقلت” فرانس برس”، عن مصدر حكومي سوري لم تكشف اسمه، قوله إن دمشق تعتزم تسليم مقاتلين من أقلية الأويغور المسلمة إلى الصين، وأضافت: “وفقاً لمصدر دبلوماسي في سوريا، تعتزم السلطة السورية تسليم الصين 400 مقاتل من الأويغور في الفترة المقبلة”، وذكر المصدر أن الملف سيُطرح خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بكين (التي جرت في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر)، مضيفاً أن دمشق تخطط “بناءً على طلب صيني، إلى تسليم المقاتلين على دفعات”. لكن مصدراً رسمياً في وزارة الخارجية السورية نفى لاحقاً هذه المعلومات، مؤكداً أن “لا صحة لما أوردته فرانس برس عن نية الحكومة تسليم مقاتلين إلى الصين”، بحسب ما نقلت وكالة سانا.

وتصاعد الحديث عن ملف المقاتلين الأجانب في سوريا بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع، مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر، لواشنطن، وقيام إدارة الرئيس دونالد ترامب بتعليق العقوبات على دمشق، بالتوازي مع قبول إدارة الشرع بانضمام الحكومة السورية للتحالف الدولي ضد داعش والإرهاب، وسادت فكرة في أوساط الإعلام تقول إن من ضمن قوائم المستهدفين بعمليات التحالف؛ شركاء الشرع السابقين، وهم الأجانب، وبخاصة المتمردين منهم.

“السلطة هي الفاعل لا الغرب”

ويقول الأكاديمي والإعلامي الدكتور أحمد الكناني، لرصيف22، إن “ملف المقاتلين الأجانب كان أحد الملفات الأساسية التي فرضتها الإدارة الأمريكية، لكن الرئيس الشرع استطاع، نظراً للظروف الأيدلوجية لهؤلاء المقاتلين، أن يقنع الإدارة الأمريكية بضرورة السيطرة عليهم ودمجهم في المجتمع السوري، وعدم اتخاذ نهج معادٍ للتخلّص منهم، وذلك لمخاوف متعلّقة بعدم الرغبة في انضمامهم لداعش، ولكي لا يكونوا خطراً على البلدان التي جاؤوا منها. وهذا يعني حصرهم ضمن البقعة الجغرافية السورية، وإعادة دمجهم سيكون الحل الأفضل، وهذا ما وافقت عليه واشنطن، وفق شروط تحد من نطاق عملهم في سوريا”.

ولا يعتقد الكناني أن لزيارة واشنطن دوراً في التعامل مع ملف المقاتلين الأجانب، لأن الإدارة الجديدة وضعت العديد من الضوابط في موضوع الأجانب، لا سيّما بـ”اعتقال من لم يلتزموا منهم بأوامر وزارة الدفاع السورية، أو الذين تورطوا في أية شبهات سياسية أو اقتصادية، كما حدث مع أبو دجانة التركستاني، إضافة إلى حادثة الاستعصاء في مخيم الفرنسيين في إدلب، التي تعاملت الحكومة فيها بحزم”، وذلك يعني أن “السلطات الانتقالية لديها الهوامش التي تتعامل فيها مع المقاتلين الأجانب تحت إطار الدولة السورية، وفي حال لم يتم الالتزام، فهناك الخيار العسكري، وهو جاهز”، على حد قوله.

“ضرورة أمنية داخلية”

أما الباحث في المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع “مسداد”، معتز السيد، فيرى أنه “خلال عام كامل لم يظهر من المقاتلين الأجانب أي مؤشر خطر يُحتّم على الحكومة التعامل بشكل مختلف مع هذا الملف”، مبرزاً أن “انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب وتعليق بعض العقوبات لا يعنيان تغيير مسار إدماج هؤلاء المقاتلين، بل يؤكد أن العملية تسير وفق خطة وزارة الدفاع المرسومة مسبقاً. وانضمام سوريا للتحالف ضد الإرهاب هو الوضع الطبيعي للحكومة المشكّلة من فصائل حاربت داعش والفصائل المتطرفة قبل تشكل التحالف الدولي أساساً”.

ويضيف السيد، لرصيف22: “دمج المقاتلين الأجانب في صفوف الجيش (السوري) يُعدّ ضرورة أمنية داخلية خالصة بالنسبة إلى الدولة السورية، إذ ترى فيه وسيلة لضبط هذا المكوّن ومنع تحوّله إلى قوة خارجة عن السيطرة. وحتى مع وجود اعتراضات أو تحفّظات دولية، من غير المرجح أن تتراجع الحكومة الحالية عن خطتها في احتوائهم، لأنها تعتبر أن القرار مرتبط بالسيادة الوطنية وبأمن المجتمع السوري أولاً وأخيراً”.

لا مشكلة مع المنضبطين منهم؟

لا يختلف عن ذلك الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، نوار شعبان، الذي يُبيّن، لرصيف22، أنه “بعد زيارة واشنطن، استمر التركستان جزءاً من وحدات الجيش. فمن الناحية التقنية، يعني هذا أن التحالف الدولي لا مشكلة لديه مع المقاتلين الأجانب المنضبطين المنضوين تحت سلطة المؤسسات العسكرية بإشراف مباشر. فملف الأجانب ليس ملفاً أمنياً فقط بل إنسانياً أيضاً، وهؤلاء المقاتلين لديهم عوائل وعليه لا يمكن التعامل مع الملف من ناحية أمنية فقط أو إنسانية فقط”.

“التجربة لم تفشل، والغرب داعم”

وتكرّر الحديث إعلامياً أخيراً عن تراجع المجموعة الغربية، وعلى رأسها واشنطن، عن قبول دمج الأجانب في سوريا، بعدما تسرّب عن مشاركتهم في أحداث العنف الطائفي في كل من الساحل والسويداء، مما يعكس فشل تجربة ضبطهم. وعن ذلك، يقول الكناني: “لا يمكن الحديث عن فشل أو نجاح فكرة وجود المقاتلين الأجانب، خصوصاً أن التجربة تحتاج إلى وقت، وهي بالكاد تجاوزت العام الآن، والمقاتلون موجودون بشكل محدود ومحصور عسكرياً وجغرافياً، ولم تُسجل أيُّ خروقات من قبلهم، باستثناء حادثة مخيم الفرنسيين”.

ويعقّب الكناني: “لم يتراجع أي طرف غربي عن دمج المقاتلين الأجانب، فهو ملف سوري، والجهود الأوروبية والأمريكية تعي أن الحل بوجود المقاتلين تحت رقابة الدولة السورية، ودمجهم ضمن المجتمع كي لا يعودوا إلى بلدانهم الأصلية، وتالياً، لا أعتقد أن ثمّة تصعيداً غربياً في هذا الملف أو رفضاً لفكرة الدمج، لأن هذا الأمر سيرتد سلباً على تلك دول”.

“مقاربات متغيّرة وشروط”

في المقابل، يؤكد الدبلوماسي السوري السابق، بشار الحاج علي، أن هذا الملف “يمثّل تحدياً داخلياً وخارجياً في الوقت ذاته، فداخلياً يولّد ضغطاً أمنياً واجتماعياً وقانونياً معقّداً، وخارجياً يؤثِّر في قدرة دمشق على توسيع علاقاتها الدولية بسبب القلق من أن يتحوّل هذا الملف إلى مصدر خطر عابر للحدود، وعليه إدارة واضحة وشفافة لهذا الملف تُعد عاملاً حاسماً في تخفيف الكلفة الدبلوماسية واستعادة الثقة مع الشركاء الدوليين”.

وعن مواقف الغرب من رفض أو قبول دمج المقاتلين الأجانب في هيكلية سوريا الجديدة، ينبّه الحاج علي، عبر رصيف22، إلى أن “المقاربات الغربية ليست ثابتة؛ هي محكومة بمخاوف الأمن القومي والاعتبارات السياسية الداخلية. قد تشهد بعض العواصم تشدّداً مرحلياً أو تراجعاً عن سياسات قائمة إذا تزايد الضغط الشعبي أو الاستخباراتي. لكن في الوقت ذاته، يوجد تيار واسع يدفع نحو حلول مؤسسية تشمل إعادة التأهيل والتقاضي والتعاون عبر الحدود”.

أما عن واشنطن، وما يُحكَى عن شروط تفرضها على دمشق في هذا الملف، فيُبين الحاج علي أنه “من الطبيعي أن تضع واشنطن أو غيرها شروطاً أمنية وقانونية قبل أي انفتاح موسّع تجاه دمشق، هذه الشروط غالباً تندرج ضمن أدوات التفاوض المرتبطة بتخفيف المخاطر”، والمهم برأيه هي “قدرة الإدارة السورية على تقديم آليات عملية ورقابة مقنعة تؤكد التزامها بالتنفيذ”.

“اقتناع مرتبط بالشفافية”

في غضون ذلك، يرى معتز السيد أن “الموقف الغربي شهد تحوّلاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة. فبعد أن كان إبعاد المقاتلين الأجانب شرطاً أساسياً لرفع العقوبات، وافقت واشنطن على خطة الدمج التي تبنتها الحكومة السورية، وهو ما أكده المبعوث الأمريكي توم باراك بحيث إن إبقاء هؤلاء داخل مشروع الدولة أقل خطورة من تركهم خارج السيطرة، هذا التراجع يعكس اقتناعاً غربياً بأن الدمج، مع ضمانات الشرع بالشفافية وعدم تهديد الدول الأخرى، هو الخيار الأكثر واقعية لضبط الملف ومنع انفلاته”.

المقاتلون الأجانب تحت السيطرة؟

ويصرّ شعبان على أن “العديد من الجيوش التي خرجت من نزاعات، تملك في قوامها كتلاً أجنبية. لكن الإشكالية تحدث عندما تفشل الدولة الناشئة في ضبطهم، والأويغور استمروا ضمن الجيش رغم انضمام سوريا إلى التحالف الدولي، إذاً بعض جوانب الملف بحاجة إلى تعامل حذر لتجنّب المشاكل الداخلية”.

وحول التطوّرات والتخبّطات في ملف المقاتلين الأجانب، يرى الكناني أنه لا يوجد رابط بين اشتباكات مخيم الفرنسيين وما يتم تداوله عن تسليم الأويغور إلى الصين. فالأول برأيه حدث جنائي استدعى تدخّل الدولة السورية. أما الثاني، فلا يعتقد بوجود مصلحة لأحد بالتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب من خلال إعادتهم، وما يهم الصين هو ألا يرتد هذا الملف عليها، وتصبح سوريا نطاق عمل ضد بكين، على حد وصفه.

“لا للتسليم، نعم للحزم”

يبدو تسليم المقاتلين الأجانب “مستبعداً تماماً” على ما يظنّ معتز السيد الذي يشير إلى أن “الحكومة نفت هذه المزاعم بشكل واضح، بخاصة أن هؤلاء يُظهرون ولاءً كاملاً للسلطة الحالية ولا يشكلون – في الوقت الراهن – خطراً داخلياً أو إقليمياً أو دولياً. أما ما جرى في ‘القرية الفرنسية’ في إدلب، فهو حادث أمني مرتبط بجريمة جنائية تمت معالجتها وفق القانون العسكري لوزارة الدفاع. وبحسب معلوماتي فإن قائد المجموعة المنفلتة سبق أن سُجن قبل مرحلة التحرير، والدولة ستتعامل مع أي طرف يتجاوز القانون بنفس الحزم، سواء كان من السوريين أو من المقاتلين الأجانب”.

ولا يربط الحاج علي بين انضمام سوريا إلى التحالف الدولي وبدء الاشتباك مع المقاتلين الأجانب، إذ يشرح: “الشراكات الدولية لا تعني تلقائياً مواجهة مباشرة معهم، لكنها تفرض اختباراً لمستوى ضبط الدولة لهذا الملف”. ويُردف بأن الاعتماد على المقاتلين الأجانب كـ”خبرات” داخل أي تحالف دولي أمر محفوف بالمخاطر ومقيّد بمعايير صارمة من الرقابة والمساءلة يصعب تحقيقها دون إعادة هيكلة طويلة ومعقّدة.

على النقيض تماماً، يستبعد الكناني احتمالات اندلاع اقتتال داخلي في حال فشل أو تعثّر ملف دمج المقاتلين الأجانب في الجيش السوري، موضحاً “لا أرى أن ملف المقاتلين الأجانب قد يتحوّل إلى اشتباك ضمن الجسم الواحد، فهم موجودون ضمن هيكلية الجيش بشكل مندمج وغير مؤثر على هيكليته”.

نجاح المسار هو المعيار

وفيما يتفق مع الكناني، يشدّد السيد: “أرى أن هذا الملف لن يواجه تعثراً، إذ تتوافر إرادة داخلية ودولية متقاطعة تدفع باتجاه دمج المقاتلين الأجانب وضبطهم ضمن إطار مؤسّسي منظَّم. هذا التوافق يعكس إدراكاً مشتركاً بأن الدمج هو الخيار الأكثر واقعية لتفادي مخاطر الانفلات والاحتمال الوحيد لانزلاق المشهد نحو مواجهة أو اقتتال مع هذه المكونات يكمن في حال تم إقصاؤهم أو تهميشهم، أو ممارسة ضغوط أمنية وسياسية عليهم خارج إطار الشراكة والاحتواء. لذلك فإن نجاح المسار الحالي يتوقّف على استمرار سياسة الإدماج، وضمان عدم تحويل هؤلاء إلى أطراف مهمَّشين قد يبحثون عن بدائل أكثر خطورة”.

البعد الجغرافي

وينبّه شعبان إلى البعد الجغرافي لحل أزمة المقاتلين الأجانب حيث يقول: “يبدو أن هناك أماكن محدّدة في شمال غرب سوريا تضم كُتلاً من الأجانب يتم التعامل معها بضوابط قانونية خارج المنظومة العسكرية”، مستدركاً بأنه “لو كان الفرنسيون مثلاً ضمن التشكيلات العسكرية لكنّا وجدناهم هناك. لكنهم ضمن الجغرافيا ويتم التعامل معهم بأسلوب حذر وفق هذا الأساس، فلا يمكن التعامل معهم بأسلوب أمني مباشر وإنما على خطوات. وفي النهاية، التعامل في هذا الملف يهدف إلى حل معضلة وليس خلق مشكلة”.

إسرائيل وملف المقاتلين الأجانب

وينفي الكناني وجود أي ارتباط بين إسرائيل وطبيعة حل ملف المقاتلين الأجانب في سوريا”، معقّباً “لدى إسرائيل أجندتها الاستعمارية الخاصة بها”.

شعبان هو الآخر يؤكد أنه “لا دخل لملف المقاتلين الأجانب بإسرائيل” التي تتضح أهدافها في سوريا في محاولة “خلق بُعد دفاعي في جغرافيات متقدِّمة، وهي سياسة تتبعها منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وهي تتذرّع بهذا الملف لكن الأساس خلق نقاط متقدِّمة إضافةً إلى موضوع مياه الحرمون وبالتالي الكلام الإسرائيلي عن ملف المقاتلين الأجانب هو إعلامي”.

في حين يستفيض السيد في شرح هذه الجزئية، قائلاً: “بالنسبة إلى إسرائيل، لا يتعلّق الموضوع بالمقاتلين الأجانب. فهي ترى أن أي وجود مسلَّح ضمن نطاق حدودها هو خطر عليها التعامل معه، والخلاف الحالي لا علاقة له أبداً بملف المقاتلين الأجانب لأنها تريد ببساطة منطقة أمنية عازلة في جنوب سوريا، لتفادي تكرار ما حدث في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وهي ترى أن الحكومة (السورية) الحالية غير قادرة على ضبط السلاح على حدودها الشمالية”.

ويُردف بأن “ما يضمن لسوريا الأمان حالياً هو توحيد الصف الداخلي والعلاقات الخارجية الجيدة مع الدول القادرة على الضغط على إسرائيل من أجل أن تتوقف عن انتهاكاتها والتراجع إلى حدود 1974″، في إشارة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك بين سوريا وإسرائيل.

أما الحاج علي، فيخشى أن يُستخدم وجود مجموعات مسلحة غير منضبطة قرب الحدود ذريعةً لتبرير الاعتداءات الهمجية للقوات الإسرائيلية على سوريا، مما قد يجعل هذا الملف أحد العوامل المؤثِّرة لاحقاً في أي مسار تهدئة أو تفاهمات أمنية. وهو يتمسّك بأن “ضبط الحدود والحد من السلاح غير الشرعي وتقديم مؤشرات جادة للسيطرة جميعها قد تفتح المجال لهوامش تفاهم محدودة، لكنها تبقى هشّة ومرتبطة بمستوى الثقة المتبادلة”.

حلول وبرامج تأهيل

وفي ما يتعلَّق بكيفية إدارة الملف داخلياً، دون خسارة الانفتاح الدولي، يقول الحاج علي إن “المعادلة تتطلَّب ضبطاً داخلياً حقيقياً وأدوات واضحة للمعالجة مثل برامج إعادة دمج الأفراد القابلين للعودة إلى المجتمع، على أن تكون مبنية على تفكيك مفهوم الجماعات، وإعادة تعريف الانتماء، والتأهيل الاجتماعي والمهني، إضافة إلى معالجة قضائية عادلة وشفافة، وتعاون استخباراتي وقضائي مع الدول المعنية”.

ويتابع الحاج علي: “في ما يتعلق بالمقاتلين الأجانب تحديداً، يمكن العمل على إعادتهم إلى بلدانهم ضمن ضمانات قانونية ملزمة، ومتابعات قضائية، مع دعم دولي مالي واجتماعي يخففان العبء عن الدولة السورية”، مؤكداً “هذا النهج يحقّق توازناً بين تعزيز الاستقرار الداخلي والحفاظ على الانفتاح مع المجتمع الدولي”.

بعد مرور عام على إسقاط نظام بشار الأسد ووسط كل ما يُشاع عن محاولات عبث إقليمية ودولية في الملف السوري سواء من بوابة تنظيم داعش أو بوابة “فلول” النظام الساقط، يتحوّل ملف المقاتلين الأجانب إلى هاجس سوري شعبي. فمن جهة، يرفض الشعب السوري بطبيعته التطرّف، ومن جهة أُخرى يخشى أن تلتهم البلاد نيران الاقتتالات الداخلية إذا ما اندلع صراع جديد بين معسكر المقاتلين السوريين ومعسكر المقاتلين الأجانب.

رصيف 22

———————————

 الشيوخ الأميركي ينهي النقاش حول مشروع موازنة الدفاع.. ما مصير “قانون قيصر”؟

2025.12.16

أنهى مجلس الشيوخ الأميركي تصويتاً إجرائياً يقضي بإنهاء النقاش حول مشروع قانون موازنة وزارة الدفاع الأميركية لعام 2026، في خطوة تمهد للتصويت النهائي على الموازنة التي تتضمن بنداً يقضي بإلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019”.

وقال “التحالف السوري الأميركي” إن تصويت مجلس الشيوخ بالأغلبية على إنهاء النقاش الإجرائي يفتح الطريق أمام التصويت النهائي على مشروع الموازنة، قبل إحالتها إلى مكتب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للتوقيع عليها ودخولها حيز النفاذ.

ماذا يعني التصويت الإجرائي؟

لا يعد التصويت الذي جرى في مجلس الشيوخ تصويتاً نهائياً على مضمون الموازنة، بل هو تصويت إجرائي يهدف إلى إغلاق باب النقاش، وهو شرط أساسي للانتقال إلى التصويت النهائي.

وبموجب النظام التشريعي الأميركي، فإن إقرار أي قانون اتحادي يمر بثلاث مراحل إلزامية:

    إقرار مجلس النواب.

    إقرار مجلس الشيوخ.

    توقيع الرئيس الأميركي أو تجاوز فيتو رئاسي محتمل.

وبالتالي، فإن تصويت مجلس الشيوخ النهائي المرتقب خلال الأيام المقبلة هو الخطوة الحاسمة قبل إحالة مشروع الموازنة إلى البيت الأبيض.

وجرى إدراج إلغاء “قانون قيصر” ضمن قانون موازنة الدفاع الوطني باعتباره تشريعاً ذا طابع أمني واستراتيجي، إذ درج الكونغرس الأميركي على ربط العقوبات والملفات الجيوسياسية الكبرى بقوانين الدفاع، لما توفره من سرعة في الإقرار وضمان تمرير تشريعات حساسة ضمن حزمة واحدة.

النواب الأميركي حسم المرحلة الأصعب

وكان مجلس النواب الأميركي قد صوت، في 11 كانون الأول الجاري، لصالح مشروع قانون موازنة الدفاع لعام 2026، بأغلبية 312 صوتاً مقابل 112، متضمناً ملحقاً ينص على إلغاء قانون قيصر إلغاءً غير مشروط.

ويعد تصويت مجلس النواب المرحلة التشريعية الأصعب نظراً لتوازنات الكتل السياسية، ما جعل هذا التصويت مؤشراً قوياً على وجود توافق سياسي واسع داخل الكونغرس، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حول إنهاء العمل بالعقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر”.

وخلال الجلسة، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، براين ماست، إن الكونغرس “سيزيل العقوبات عن سوريا التي فُرضت أساساً بسبب نظام بشار الأسد وتعذيبه لشعبه”، مضيفاً أن الولايات المتحدة “ستمنح سوريا فرصة للمضي قدماً في مستقبل ما بعد الأسد”.

ماذا يعني إلغاء “قانون قيصر”؟

بحسب النص التشريعي الكامل لمشروع الموازنة، تنص الفقرة (أ) على إلغاء جميع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر” لعام 2019.

في المقابل، تضع الفقرة (ب) آلية رقابية لاحقة، تُلزم الرئيس الأميركي بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس خلال فترة تمتد لأربع سنوات، تتضمن تقييماً غير سري، مع ملحق سري عند الحاجة، حول التزام الحكومة السورية بعدد من المعايير، أبرزها:

    مكافحة تنظيم داعش والتنظيمات المصنفة إرهابية.

    إبعاد المقاتلين الأجانب عن مواقع القرار.

    احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية.

    الامتناع عن أعمال عسكرية أحادية ضد دول الجوار.

    تنفيذ اتفاق 10 آذار 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية.

    مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

    ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

    مكافحة إنتاج وتهريب المخدرات، ولا سيما الكبتاغون.

كما تنص الفقرة (ج) على أن يقوم الرئيس الأميركي بإبلاغ الحكومة السورية رسمياً بنتائج هذه التقارير.

وأثار إدراج هذه الآلية جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت تشكل “آلية سناب باك” لإعادة فرض العقوبات تلقائياً، غير أن النص، وفق الصيغة المعتمدة، لا ينص على إعادة تلقائية للعقوبات، بل يكتفي بإطار رقابي يمنح الكونغرس صلاحية التدخل لاحقاً عبر تشريع جديد في حال الإخلال بالشروط.

شكل “قانون قيصر”، منذ إقراره عام 2019، أحد أبرز أدوات الضغط الأميركية على نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد،، لكنه انعكس أيضاً على الواقع المعيشي والاقتصادي للسوريين.

ومع سقوط الأسد أواخر عام 2024، بدأت مراجعة شاملة للسياسة العقابية، ترافقت مع تحركات دبلوماسية أميركية – سورية، ولقاءات مباشرة بين الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، والرئيس السوري، أحمد الشرع.

وخلال الأشهر الماضية، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص عامة خففت بعض القيود الاقتصادية، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد للإلغاء التشريعي الكامل.

وفي حال إقرار مشروع الموازنة في التصويت النهائي لمجلس الشيوخ، وتوقيعه من قبل الرئيس الأميركي، يصبح إلغاء “قانون قيصر” قانوناً نافذاً ودائماً قبل نهاية عام 2025، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة في الاقتصاد السوري، تقوم على إعادة الإعمار والانفتاح المالي والتجاري، بعد سنوات من العزلة والعقوبات.

—————————

سوريا دون “قيصر”.. اختبار السياسة ورحلة التعافي/ وسيم العدوي | محمد كاخي | أمير حقوق

منذ إقرار قانون “قيصر” عام 2019، شكّل هذا التشريع إحدى أبرز أدوات الضغط الأمريكي على النظام السوري السابق، مستهدفًا مؤسساته ومسؤوليه بتهم ارتكاب جرائم حرب، لكنه كان أيضًا مؤثرًا على المواطنين السوريين.

ومع سقوط النظام أواخر 2024، بدأت تتشكل بيئة سياسية جديدة دفعت نحو إعادة النظر في العقوبات، لتتحول القضية إلى محور نقاش واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها، وينتهي المطاف بالقانون ملغى بأغلبية أصوات مجلس النواب الأمريكي، ليمر بعدها إلى مجلس الشيوخ والرئيس الأمريكي، قبل نهاية العام.

بدأت مسيرة إلغاء القانون فعليًا في حزيران 2025، حين قدّم النائب “الجمهوري” جو ويلسون مشروع قانون لإلغاء “قيصر”، لتبدأ سلسلة من التحركات الدبلوماسية والسياسية، انتهت بموافقة مجلس النواب الأمريكي على الإلغاء الشامل ضمن قانون الدفاع الوطني للعام 2026، وسط جدل بين مؤيدين من الحزبين “الديمقراطي” و”الجمهوري” على حد سواء، يرون هذه الخطوة دعمًا للشعب السوري، وبعض المعارضين الذين حذروا من فقدان ما وصفوها بـ”أداة ضغط مهمة”.

يحاول هذا الملف توضيح الإجراءات القانونية لإلغاء القانون في أروقة السياسة الأمريكية، والمطالب من دمشق بالتوازي مع إلغاء القانون، وأثر ذلك سياسيًا واقتصاديًا في سوريا.

عقدة الكونجرس تنفرج

بعد مشروع السيناتور جو ويلسون، تكثفت اللقاءات بين الإدارة الأمريكية والحكومة السورية الانتقالية، وأعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دعمه للإلغاء، معتبرًا أن العقوبات فقدت جدواها بعد سقوط النظام السابق، وأصدر أوامر تنفيذية لتعليق أجزاء منها بانتظار قرار من الكونجرس بهذا الشأن.

في تشرين الثاني 2025، استقبل ترامب الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، بالبيت الأبيض، وأكد الطرفان أن رفع العقوبات شرط أساسي لإعادة الإعمار والاستقرار، وسارعت وزارة الخزانة الأمريكية بدورها إلى إصدار تراخيص عامة سمحت بمعاملات اقتصادية كانت محظورة، في خطوة اعتُبرت تمهيدًا للإلغاء النهائي.

إعادة إعمار سوريا من أبرز المهمات الصعبة بعد سقوط نظام الأسد – كانون الأول 2025 (LAURENCE GEAI/MYOP FOR LE MONDE)

إعادة إعمار سوريا من أبرز المهمات الصعبة بعد سقوط نظام الأسد – كانون الأول 2025 (LAURENCE GEAI/MYOP FOR LE MONDE)

عبر ميزانية “الدفاع”

لكن ذلك لم يكن كافيًا لإلغاء القانون، فقد أُدرجت عقوبات “قيصر” ضمن موازنة الدفاع الأمريكية (قانون الدفاع الوطني–NDAA) لأن الكونجرس عادة ما يربط التشريعات ذات الطابع الأمني أو الاستراتيجي بموازنة الدفاع، لضمان تمريرها بسرعة، ولإبراز أن العقوبات على سوريا لم تكن مجرد أداة اقتصادية بل جزءًا من السياسة الدفاعية والأمن القومي الأمريكي.

وقال الخبير القانوني في شؤون الكونجرس الأمريكي المحامي سمير صابونجي لعنب بلدي، إنه عندما أرادت الإدارة الأمريكية معاقبة النظام السوري السابق أعدّت مجموعة من العقوبات وأدرجتها تحت اسم “قيصر” ضمن مادة في قانون الدفاع الوطني الأمريكي، وعندما تم تشديد العقوبات أيضًا جرى ذلك بموجب مادة في القانون المذكور، لأن أسهل طريقة لإقرار قانون عقوبات مثل “قيصر” هي إدراجها في قانون أوسع يضم بنودًا ومواد عديدة مثل قانون الدفاع الأمريكي.

ولو أراد المشرّعون الأمريكيون إعداد عقوبات ضد النظام السوري، أو إلغاء للعقوبات، في قانون منفرد فهذا يتطلب جهودًا أكبر وستكون احتمالات التصويت على الفرض أو الإلغاء أقل من حالة إدراجه كمادة في قانون الدفاع الوطني، أوضح صابونجي، لأن قانون الدفاع عليه إجماع بشكل دائم، وسنويًا يوافق الكونجرس الأمريكي بشكل طبيعي على قانون الدفاع نظرًا إلى أهمية ميزانية وزارة الدفاع في الولايات المتحدة.

ويمثل النجاح في إدراج بند إلغاء قانون “قيصر” ضمن موازنة وزارة الدفاع الأمريكية دليلًا على رغبة من قبل مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين في إنجاح التصويت على هذا البند، وفقًا للخبير ذاته.

“صفر خلافات” في النواب الأمريكي

لساعات طويلة ناقش النواب قانون الدفاع الوطني الأمريكي ضمن جلسة مجلس النواب الأخيرة التي أقر فيها القانون، قال المحامي صابونجي، حيث طرحوا مواضيع متعددة، ولكن لم تكن هناك اعتراضات على إلغاء قانون “قيصر” بذاته، إذ يتضمن قانون الدفاع بنودًا كثيرة منها الميزانية وحجم الأموال التي سيتم صرفها على القضايا المتعلقة سواء بإسرائيل أو أوكرانيا أو تايوان، وغير ذلك من البنود التي تحتاج إلى نقاش.

ومن المؤكد وجود خلافات بالرأي بين “الديمقراطيين” و”الجمهوريين” حول الميزانية المطلوبة من قبل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ولذلك فإن الاعتراضات من الجانبين كانت منصبة على قضايا أخرى بعيدة عن “قيصر”، وغالبًا ما كانت النقاشات حول التسويات والتنازلات من الجانبين.

في حال عدم الالتزام

لا عودة لـ”قيصر”.. بل عقوبات ضد أفراد

برايان ماست رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، وهو “جمهوري” من ولاية فلوريدا الأمريكية، كان يعارض إلغاء قانون “قيصر” بطريقة غير مشروطة، ثم عدل عن موقفه هذا، وقال ضمن جلسة النواب الأمريكي، “إننا نلغي العقوبات عن سوريا حتى نعطيها فرصة لبناء مستقبل أفضل في حقبة بعد الأسد”.

ولكنه ذكر أيضًا أن الكونجرس الأمريكي يعطي الرئيس الأمريكي القدرة على فرض عقوبات ضد أفراد في سوريا، في حال قرر الرئيس أن ذلك سيكون لمصلحة الولايات المتحدة.

وأشار صابونجي إلى أن هذا الموقف من النائب ماست يتوافق مع موقف الرئيس ترامب بضرورة إعطاء فرصة لسوريا لإعادة بناء ما دمره الأسد، أي أنه غيّر موقفه السابق بشكل شبه كلي.

وكشف المحامي الأمريكي أنه لم يتم وضع بند ضمن قانون إلغاء “قيصر” ينص على “عودة عقوبات قيصر مجددًا (Snapback Provision) في حال فشلت سوريا في تطبيق أي من المعايير المطلوب منها الالتزام بها”، ولكن تم إعطاء المرونة للرئيس الامريكي بفرض عقوبات محدودة تستهدف أفرادًا بعينهم فقط.

الجلسة شهدت تصويتًا بالموافقة بالأغلبية من قبل الحزبين “الجمهوري” و”الديمقراطي” على قانون الدفاع الوطني الأمريكي ومن ضمنه إلغاء “قيصر”، وهو ما يرى فيه الخبير صابونجي تغييرًا في الكونجرس بعد موقف الإدارة الأمريكية الداعم لرفع القانون.

وبعد مرور قانون موازنة وزارة الدفاع (ومن ضمنه إلغاء عقوبات قيصر) في مجلس النواب، سيمر إلى مجلس الشيوخ، ومنه إلى البيت الأبيض لتوقيعه، قبل نهاية العام.

“قيصر” أمام الشيوخ الأمريكي

ذكّر المحامي سمير صابونجي بما حدث سابقًا منذ عدة أشهر عندما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي لمصلحة نسخة من قانون الدفاع الوطني، وكان من ضمنها بند لإلغاء قانون “قيصر” بشكل غير مشروط، موضحًا أن ما سيحدث حاليًا هو إجراء مصالحة بين هذه النسخة والنسخة التي صوّت لمصلحتها مجلس النواب، مؤكدًا وجود توافق كبير بين مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين على أن إجراء التصويت هو روتيني ومن غير المتوقع حدوث تعطيل أو تعديل.

ويتوقع الخبير الأمريكي أن يحدث تمرير سريع من قبل مجلس الشيوخ لقانون الدفاع في جلسته المقررة بداية الأسبوع المقبل، وعندها ستتم إحالة القانون إلى الرئيس الأمريكي الذي سيوقع عليه، وبعد ذلك يدخل القانون حيز التنفيذ، ويتوقع أيضًا أن يكون ذلك قبل عطلة عيد الميلاد نهاية الشهر الحالي.

وردًا على صلاحيات الرئيس الأمريكي بالاعتراض على القوانين، أشار صابونجي إلى أنه إذا وافق مجلسا النواب والشيوخ على قانون وتمت إحالته للرئيس الأمريكي يمكن له الاعتراض على القانون من خلال رفض توقيعه، وعندها يحال إلى الكونجرس فإذا لم يحصل القانون على ثلثي أصوات الكونجرس يفشل إقرار القانون.

ولكن في حالة قانون الدفاع، فإن عدد النواب الموافقين على القانون في مجلس النواب يبلغ 312 نائبًا أي 74% من العدد الكلي للنواب، وهذه النسبة تقارب الأغلبية المطلقة، وحتى لو اعترض الرئيس الأمريكي على القانون، سيتم تمريره لأنه حاصل على الأغلبية في مجلس النواب وسيحصل على الأغلبية في الكونجرس، ومن المستبعد جدًا أن يعترض الرئيس الأمريكي على قانون الدفاع الوطني وهذا أمر لم يحصل سابقًا.

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي أعضاء غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن – 11 تشرين الثاني 2025 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي أعضاء غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن – 11 تشرين الثاني 2025 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

واشنطن تراقب ودمشق مطالَبة بالإثبات

امتحان الأعوام الأربعة

إلغاء قانون “قيصر” ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل يعكس حالة من تموضع استراتيجي يعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ويعكس اعترافًا ضمنيًا بأن معادلات القوة والتحالفات قد تغيّرت.

وبينما تستعد سوريا لالتقاط أنفاسها بعد سنوات من العزلة، يبقى السؤال الأبرز: هل يحمل هذا التحول بداية إعادة دمج سوريا في المشهد السياسي العالمي، أم أنه مجرد خطوة تكتيكية في لعبة النفوذ الكبرى؟

تغيّر سياسة واشنطن لآليات الرقابة

الباحث في الشؤون العربية علي فوزي، يرى أن تصويت مجلس النواب الأمريكي بشأن قانون “قيصر”، يمثل تحولًا استراتيجيًا في مقاربة واشنطن للملف السوري، وتغير السياسة الأمريكية من العقوبات الشاملة نحو آليات رقابة وتقييم دوري، بما يسمح بإعادة إدماج سوريا تدريجيًا في محيطها السياسي والاقتصادي.

وأوضح فوزي، في حديث إلى عنب بلدي، أن رفع “قيصر” لن يعني انتهاء الضغوط، بل إعادة تنظيمها وفق منهج “المشروطية السياسية”، عبر تقارير تصدر كل 180 يومًا لمدة أربع سنوات.

ويمنح ذلك دمشق فرصة لتحسين صورتها خارجيًا وتخفيف عزلتها، لكنه في الوقت نفسه سيخضعها لاختبار علني في واشنطن وأوروبا حول مدى التزامها بالمعايير الأمنية والحقوقية المطروحة، وفق ما ذكره فوزي.

دعم لدمشق وتقليص للتوتر

الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، يعتبر أن التصويت يشكّل رسالة سياسية أمريكية تعكس توجهًا داعمًا للحكومة السورية وللاستقرار الإقليمي، في إطار ما يبدو أنه استراتيجية جديدة لإدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد في الشرق الأوسط.

ويشكّل إلغاء قانون “قيصر” خطوة مفصلية تفتح بابًا واسعًا أمام تغيّرات محتملة في الوضع السوري.

لكنه ليس حلًا سحريًا، وفق ما قاله الكاتب السياسي درويش خليفة، فـ”من جهة، يعيد الإلغاء جزءًا من الأمل للسوريين بإمكانية استعادة الاستقرار السياسي وتحريك النمو الاقتصادي، ومن جهة أخرى يضع البلاد أمام التزام ثقيل بضرورة إصلاحات داخلية عميقة تشمل مكافحة الفساد، وإعادة هيكلة مؤسسات الجيش والأمن والقضاء بما يضمن احترام حقوق الإنسان، والانفتاح على القوى المحلية لتوسيع المشاركة في الحياة السياسية”، بحسب ما قاله خليفة لعنب بلدي.

دوافع اقتصادية وأمنية وسياسية

بينما بدا قرار التصويت خطوة مفصلية في التحول الأمريكي تجاه دمشق، فإن فهم خلفياته يكشف أن الأمر لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل نتيجة تراكم اعتبارات معقدة وتشابك مصالح داخلية وخارجية.

ولم تتجه الإدارة الأمريكية نحو هذا المسار إلا بعد مراجعة شاملة لتداعيات استمرار العقوبات على مسار الاستقرار الإقليمي، وعلى موقع واشنطن نفسه في خريطة التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط، وفي هذا الإطار، تتقاطع عدة عوامل دفعت صناع القرار في واشنطن إلى إعادة حساباتهم وفتح الباب لنهج أكثر مرونة تجاه سوريا.

وحول الدوافع، أوضح الباحث في الشؤون العربية علي فوزي ثلاثة مسارات تقف خلف القرار الأمريكي:

    اعتبارات اقتصادية تتعلق برغبة واشنطن في فتح باب الإعمار وإحياء الاقتصاد السوري بما يخدم مصالح إقليمية ودولية.

    ضرورات أمنية تمنع ترك الساحة السورية لفراغ قد تستغله الجماعات المتطرفة أو قوى إقليمية منافسة.

    حسابات سياسية داخلية تميل لإعادة ضبط أعباء السياسة الخارجية، إلى جانب ضغوط أوروبية وتركية وخليجية لتحريك الملف السوري نحو تسوية جديدة.

استعادة التوازن السياسي

في حديثه إلى عنب بلدي، يرجح الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي أن رفع العقوبات عن دمشق يُنظر إليه كمدخل لاستعادة التوازن الاقتصادي والسياسي في سوريا، بما يسمح بإعادة انفتاح دولي عليها بعد سنوات من القيود التي فرضها قانون “قيصر” ومنع أي تعامل رسمي مع الحكومة السورية.

ويرى “الجمهوريون” أن تحقيق الاستقرار في المنطقة يمرّ عبر الملف السوري تحديدًا، ما دفعهم لدعم الإدارة الأمريكية في خطوة رفع العقوبات بعد أكثر من أربعة عقود من إجراءات العزل الاقتصادي، ويهدف هذا المسار إلى إعادة تنشيط العلاقات بين واشنطن ودمشق وتقليص نقاط التوتر بما يخدم الرؤية الأمريكية لمنطقة أكثر استقرارًا وأقل استنزافًا.

اختبار لدمشق

بحسب مسودة وثيقة أُعدت في إطار قانون تفويض الدفاع الوطني، فإن رفع القانون يتطلب مراجعة الوضع في سوريا كل 180 يومًا على مدى أربع سنوات، لضمان اتخاذ دمشق الإجراءات المناسبة.

وحددت المادة المجالات التي يجب على الحكومة السورية التقدم فيها، وهي:

    العمل مع الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم “الدولة” ومنع عودته.

    إبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة والأجهزة الأمنية.

    حماية الأقليات الدينية والعرقية وضمان تمثيلها بشكل عادل.

    الامتناع عن أي عمل عسكري غير مبرر ضد الدول المجاورة.

    تنفيذ اتفاق 10 من آذار (بين الحكومة السورية و”قسد”) بما في ذلك الإجراءات الأمنية والسياسية.

    مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب وأنشطة الانتشار.

    محاكمة الأفراد المسؤولين عن انتهاكات “جسيمة” لحقوق الإنسان، منذ 8 من كانون الأول 2024.

    اتخاذ خطوات يمكن التحقق منها لوقف إنتاج وتهريب المخدرات، بما في ذلك “الكبتاجون”.

ويرى الباحث في الشؤون العربية علي فوزي أن البنود التي حدّدتها مسودة القانون، تشكّل معايير رقابية واضحة قابلة للقياس، لكن تنفيذها، بحسب فوزي، يواجه جملة من التحديات، أبرزها:

    هشاشة المؤسسات الرسمية واستمرار نفوذ المجموعات المسلحة.

    الارتباطات الإقليمية لبعض القوى داخل سوريا، ما يعرقل إعادة هيكلة مراكز القرار.

    الفساد الاقتصادي واحتكار شبكات النفوذ لملفات الإعمار.

    انعدام الثقة بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والمكوّنات المحلية، مما يجعل اتفاق 10 من آذار بحاجة لضمانات دولية حقيقية.

وأشار فوزي إلى أن واشنطن ستنتقل من سياسة “المحاسبة عبر العقوبات” إلى “الإدارة عبر التقييم”، بينما ستتعامل أوروبا بتفاوت بين دول منفتحة على إعادة العلاقات تدريجيًا وأخرى ستربط أي خطوة بملفات حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.

واعتبر أن مجمل التحركات من شأنها إعادة صياغة المشهد السوري خارجيًا، بحيث تكون العودة التدريجية مشروطة بمدى التزام الحكومة السورية بخريطة المطالب الدولية.

ترتيب البيت الداخلي

أما الكاتب السياسي درويش خليفة، فيعتقد أن العامل الحاسم في رفع العقوبات نهائيًا، هو ترتيب البيت الداخلي، في ظل تشتت جغرافي ومجتمعي، وانتشار السلاح، وتعدد التدخلات الخارجية.

ويرجح أن ضبط هذه العناصر شرط أساسي لعودة مسار الدولة لتتقاطع فيها القوى المتحركة مع الطريق المؤدي إلى دمشق.

ربما تتباطأ الحكومة في تطبيق مطالب الولايات المتحدة، تحت ذرائع عدة، منها مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وضعف الإمكانات الذاتية، لكن هذا سيرتب عليها ضغوطًا متزايدة، وخاصة أن إصدار تقريرين سلبيين من الرئيس الأمريكي للكونجرس سيؤدي إلى تغير في العلاقة مع السلطات السورية، حسب تعبير خليفة.

انفتاح مشروط

بدوره، يعتقد الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي، أن الانفتاح الأمريكي مشروط بعدم إشعال المنطقة أو الدفع نحو صدامات، ولا سيما مع إسرائيل، إلى جانب ضمان عدم عودة الوجود الإيراني والميليشيات الموالية له إلى سوريا.

هذا التحول يُعدّ مؤشرًا على انتقال الدبلوماسية السورية نحو مقاربة أكثر انفتاحًا على الغرب، بعد أن كانت لسنوات مرتبطة بالمحور الشرقي، وبذلك تقترب دمشق اليوم من السياسات الغربية وتخرج من تصنيفات ومحاور الصراع التقليدية، قال علاوي.

ولا يتوقع علاوي حدوث مراجعات جوهرية للسياسات الجديدة، إذ يقتصر الدور الأمريكي على مراقبة الأوضاع الميدانية والتدخل عند أي خرق للتفاهمات.

وتراهن واشنطن على قدرة الحكومة السورية على تعزيز السيطرة داخل البلاد، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتهيئة مناخ يسمح بدخول الشركات والاستثمارات بما يخفف من أي تبعات مستقبلية محتملة، بحسب ما أوضح علاوي.

ما المطلوب من الحكومة السورية؟

رغم أن التصويت على رفع قانون “قيصر” شكّل تحولًا لافتًا في الموقف الأمريكي، فإن ذلك لا يعني أن الطريق بات مفتوحًا بلا شروط أمام دمشق.

فالإلغاء، حسب الباحث في الشؤون العربية علي فوزي، بقدر ما يمثل انفراجًا اقتصاديًا وسياسيًا، يأتي مقرونًا بتوقعات واضحة من واشنطن والمجتمع الدولي لضمان استقرار ما بعد العقوبات.

وبذلك، ينتقل العبء الآن إلى الجانب السوري، الذي يجد نفسه أمام مرحلة اختبار حقيقية تتطلب خطوات ملموسة لتعزيز الثقة، وتأكيد الجاهزية للانخراط في مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية والدولية.

الحكومة السورية أمام اختبار كبير، ونجاحها في تحويل التصويت الأمريكي إلى مكسب سياسي واقتصادي يعتمد على اتخاذ سلسلة خطوات عاجلة، بحسب فوزي، أبرزها:

    إطلاق عمليات ميدانية حقيقية ضد فلول تنظيم “الدولة”، وإتاحة تقارير موثوقة حول النتائج.

    إبعاد المقاتلين الأجانب من مواقع القرار وإعلان خطة تنفيذية واضحة بشأنهم.

    تطبيق اتفاق 10 من آذار مع “قسد” بصورة شفافة، بما يشمل الإجراءات الأمنية والسياسية المطلوبة.

    إصدار قرارات تضمن حماية الأقليات وتفعيل آليات شكاوى مستقلة.

    مكافحة الفساد وفتح عطاءات الإعمار بآليات شفافة وخاضعة لرقابة محلية ودولية.

    التحرك دبلوماسيًا لشرح خطة الاستجابة للشركاء في الكونجرس والعواصم الأوروبية.

ويخلص فوزي إلى أن القرار الأمريكي يفتح نافذة سياسية نادرة لسوريا، لكن استثمارها يتوقف على الإرادة الواقعية لدى دمشق، فالفرصة متاحة لإعادة بناء الدولة واقتصادها، أما تجاهل الشروط فسيعيد البلاد إلى دائرة الضغط والعقوبات بشكل أشد تنظيمًا.

“قيصر” والاقتصاد السوري

يُنتظر من الحكومة السورية تسريع إصدار التشريعات الاقتصادية، وتطوير بيئة عمل أكثر مرونة لجذب الشركات ورؤوس الأموال، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية لتهيئة الظروف الملائمة لإعادة الإعمار.

ومنذ أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية العقوبات على دمشق، تأثرت مختلف قطاعات الاقتصاد السوري بشكل كبير، ما جعل من مسألة رفع هذه العقوبات أو تعديلها موضوعًا بالغ الأهمية للمستقبل الاقتصادي للبلاد.

الحد من هيمنة السوق السوداء

قال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، في 16 من أيلول الماضي، إن الحوالات المالية إلى سوريا تمثل “شريان حياة” للاقتصاد السوري، وإن التحويلات من الإمارات العربية المتحدة وحدها تتراوح بين 700 و800 مليون دولار سنويًا.

وتوقع الحصرية نموًا “كبيرًا” في القطاع المصرفي السوري خلال السنوات الخمس المقبلة، وأن عدد المصارف سيصل إلى ما بين 30 و35 مصرفًا محليًا وأجنبيًا وعربيًا، وأكد أن سوريا ستمتلك حينها سياسة نقدية فعالة قادرة على تحقيق النمو واستقرار الأسعار، مع عودة واسعة للاستثمارات والمشاريع الكبرى.

الباحث الاقتصادي والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، يرى أن الانتقال لن يكون سريعًا، فالمصارف المراسلة ستتحرك بحذر نتيجة سياسات الحد من المخاطر وتكاليف إعادة فتح العلاقات الدولية، إلى جانب الحاجة الملحّة لتطوير أنظمة الامتثال مثل: اعرف عميلك (KYC) واعرف عملك (KYB).

ومع ذلك، أشار فيف إلى وجود اتجاه واضح نحو إعادة تفعيل القنوات الرسمية، مع مؤشرات على عودة استخدام نظام “سويفت” وتوسّع المنظومة الرقابية، ما يمهّد لانتقال تدريجي من الحوالات غير الرسمية إلى قنوات مؤسساتية أكثر شفافية.

ويذهب الدكتور في الاقتصاد عبد الحكيم المصري، في الاتجاه نفسه، ويرى أن رفع العقوبات سيمنح الجهاز المصرفي فرصة للاندماج مجددًا في البيئة المالية الإقليمية والدولية، بشرط أن ترافقه إصلاحات داخلية حقيقية.

ويشير المصري إلى أن تحديث البنية التحتية المصرفية، وتعزيز آليات التحقق من العملاء ومكافحة غسل الأموال، هي الخطوة الأولى نحو إعادة تفعيل القنوات الرسمية، ما يقلل تدريجيًا من الاعتماد على الحوالات غير المنظمة.

ويتقاطع ذلك مع تقدير الباحث والدكتور في الاقتصاد عبد المنعم حلبي، الذي اعتبر في حديثه إلى عنب بلدي أن رفع العقوبات يوفّر فرصة مهمة للجهاز المصرفي كي يعيد بناء مكانته، بشرط أن ترافقه إصلاحات جدية في البنية التقنية والقانونية، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال.

ويرى حلبي أن استقلالية مصرف سوريا المركزي ووضوح سياسته النقدية عنصران مهمان لاستعادة الثقة وتخفيف دور السوق السوداء، وأن أي تحول حقيقي يتطلب أيضًا تطوير الكوادر المصرفية وتحديث الأنظمة التشغيلية.

وبرأي الخبراء، فإن إنهاء هيمنة “السوق السوداء” لن يكون بضربة واحدة، لكنه مسار تدريجي يرتبط بمدى قدرة المؤسسات الرسمية على تقديم بدائل موثوقة وآمنة للمواطنين وللمتعاملين الماليين داخل البلاد وخارجها.

تأثير الإلغاء على قيمة الليرة السورية

ارتفعت قيمة الليرة السورية بعد تصويت مجلس النواب الأمريكي، في 10 من كانون الأول، بالأغلبية على مشروع قانون موازنة الدفاع، لكنها عاودت التراجع مجددًا مع افتتاح السوق في 13 من كانون الأول.

وأوضح المحلل والباحث الاقتصادي بنجامين فيف، أن رد الفعل الأول للسوق يرتبط عادة بالانطباعات الإيجابية، وهو ما يفسر الارتفاع السريع الذي سجلته الليرة مع تقدم التصويت الأمريكي باتجاه الإلغاء، لكن فيف يشير إلى أن هذا التحسن لا يمكن اعتباره مؤشرًا كافيًا على التعافي، إذ يبقى تأثيره مرهونًا بمدى قدرته على الاستمرار، وبوجود تدفقات مالية حقيقية عبر قنوات رسمية وسياسات نقدية موثوقة تدعم الاستقرار.

ويرى فيف أن تحسن الليرة، رغم فوائده في تخفيف التضخم المستورد وبث بعض الثقة في الأسواق، قد يحمل آثارًا جانبية إذا تجاوز حده الطبيعي، مثل تراجع القيمة المحلية للتحويلات الخارجية أو تأثر القدرة التنافسية للمنتجات السورية، لذلك، تبقى “الاستدامة” هي الاختبار الأهم، بحسب فيف، فغياب الثقة أو استمرار غياب التدفقات المنظمة قد يجعل التحسن مؤقتًا، ويعيد الأسواق إلى حالة القلق نفسها التي سبقت القرار، في وقت يبحث فيه المستثمرون عن استقرار يمكن توقعه بدلًا من القفزات المفاجئة.

تحسين الواقع المعيشي؟

مع الاتجاه نحو رفع العقوبات، يتساءل الشارع السوري حول الكيفية التي سينعكس بها ذلك على حياتهم اليومية، في ظل تدهور طويل أصاب مستويات الدخل والقدرة الشرائية.

يرى الباحث والدكتور في الاقتصاد عبد المنعم حلبي، أن التحسن المعيشي لن يتحقق بمجرد تخفيف القيود، بل يتطلب عامًا على الأقل من العمل المتواصل لإعادة تنشيط القدرات الإنتاجية المحلية، خصوصًا في القطاعات الزراعية والصناعات الغذائية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي.

ويشير حلبي في حديثه إلى عنب بلدي إلى أن الاستثمار في إنتاج القمح والشعير والزيتون، وتوسيع مشاريع الطاقة الجديدة، وإعادة تأهيل شبكات الاتصالات، يمكن أن يزيد الإيرادات العامة ويتيح خيارات استيراد أكثر توازنًا، بما يخفف الضغط على الأسعار ويحمي المنتجات المحلية في الوقت نفسه.

من جانبه، يربط الدكتور في الاقتصاد عبد الحكيم المصري، بين رفع العقوبات وبين قدرة المواطنين على تحسين مستوى معيشتهم من خلال خلق بيئة استثمارية أكثر نشاطًا، فمع عودة التحويلات عبر القنوات الرسمية وتراجع الاعتماد على السوق السوداء، يتوقع المصري انخفاض تكاليف التحويلات وسرعتها، ما ينعكس مباشرة على دخل الأسر.

كما يرى المصري أن دخول الشركات الجديدة وزيادة المنافسة سيؤثر على الأسعار نحو الانخفاض، بينما يسهم تشغيل اليد العاملة في رفع الدخل وتحريك السوق، وقد تكون إزالة “العقبة الخارجية”، المتمثلة بالعقوبات، الخطوة الأولى فقط، إلا أن تحسين الواقع المعيشي يتطلب استقرارًا داخليًا وتشريعات واضحة تشجع المستثمرين على العمل داخل البلاد، حتى تتحول هذه التوقعات الاقتصادية إلى تحسن ملموس يشعر به المواطن.

    السوريون متفائلون

    يتفاءل الشارع السوري بتحسن الواقع الاقتصادي في سوريا مع إلغاء العقوبات المفروضة بموجب قانون “قيصر”، وبحسب استطلاع إلكتروني أجرته عنب بلدي على موقعها الإلكتروني، يعتقد 54% من المصوتين الـ552 أن الواقع الاقتصادي في سوريا سيتحسن بشكل ملحوظ بعد رفع عقوبات “قيصر”.

    بينما يعتقد 27% بأن التحسن سيكون محدودًا بسبب الأزمات الداخلية التي لا تزال تعيشها سوريا، و20% فقط من المصوتين رأوا أن رفع العقوبات لن يؤثر أبدًا على الواقع الاقتصادي السوري.

من مذكرات تفاهم إلى مشاريع على الأرض

وثق مركز “كرم شعار للاستشارات” مذكرات تفاهم بقيمة لا تقل عن 25 مليار دولار أمريكي في 31 من تشرين الأول الماضي، وبلغ عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها سوريا منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول 2024 نحو 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات النقل الجوي والمواني والجسور والطاقة والصحة والتعليم والزراعة والإغاثة.

ومع تراجع العقبات الخارجية التي كان أبرزها قانون “قيصر”، تبدو مذكرات التفاهم الموقعة خلال الفترة الماضية أمام فرصة حقيقية للانتقال من الأدراج إلى التنفيذ الفعلي، بحسب ما يرى الدكتور في الاقتصاد عبد الحكيم المصري.

ومن المتوقع أن يفتح رفع القيود عن التحويلات المالية الطريق أمام بدء تنفيذ مشاريع متوقفة خلال أشهر قليلة، شرط استكمال المسار الإجرائي الذي يفرض على الحكومة السورية رفع تقارير دورية كل ستة أشهر لضمان الالتزام بالمعايير المطلوبة.

ويرى المصري أن هذه الرقابة تمنح المستثمرين درجة أعلى من الاطمئنان، بعد ما كانت العقوبات السبب المباشر في تجميد عدد كبير من الاتفاقيات.

لكن تحويل هذه المذكرات إلى مشاريع ناجزة يتطلب، وفق الباحث والدكتور في الاقتصاد عبد المنعم حلبي، إصلاحات أعمق داخل البيئة التشريعية والإدارية في سوريا، فغياب الشفافية وضعف الحوكمة كانا من أبرز الأسباب التي جعلت الاستثمار متوسط وطويل الأجل محفوفًا بالمخاطر.

ويرى حلبي أن تحسين بيئة الأعمال لن يتحقق دون مراجعة القوانين الناظمة، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية، وتطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، إضافة إلى تفعيل دور غرف التجارة والصناعة ومجالس الأعمال، مقابل تقليص الدور التنفيذي للحكومة مع بقاء دور إشرافي ورقابي وتخطيطي حكومي، معزز بصلاحيات واضحة للجان المختصة في مجلس الشعب القادم.

وبرأي حلبي، فإن نجاح هذه المنظومة شرط أساسي لانتقال مذكرات التفاهم من مرحلة التوقيع إلى واقع اقتصادي يمكن قياسه على الأرض.

عنب بلدي

———————–

من العقاب إلى الاحتواء: ماذا يعني إلغاء “قيصر” لمسار سوريا السياسي/ معاذ الحمد

إلغاء “قيصر”.. مسار أميركي جديد بين التحوّل المؤسسي واستمرار القيود

2025-12-15

يُنظر إلى إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن تشريع الدفاع بوصفه مؤشراً على تحوّل في مقاربة واشنطن للملف السوري، حيث بات مرتبطاً بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي، مع فتح نافذة سياسية واقتصادية أمام الحكومة السورية الانتقالية. وفي مقابل الحديث عن فرصة لتعزيز الشرعية وإعادة الإعمار، تبرز مقاربات تؤكد أن هذه الخطوة لا تغيّر توازنات القوى الإقليمية، ولا تلغي أدوات الرقابة والمساءلة، ولا تنهي التباينات الدولية حول مستقبل سوريا وملفاتها الشائكة.

تحوّل أميركي

في هذا السياق، أقرّ مجلس النواب الأميركي، الخميس الماضي، مشروع قانون إلغاء عقوبات “قيصر” المفروضة على سوريا، ضمن التصويت على تفويض الدفاع للعام الجديد، بعد مداولات عديدة وإعادة للتصويت مرتين، حيث صوّتت غالبية أعضاء المجلس لصالح مشروع القانون.

في قراءة أميركية لهذا التطور، تقول هبة القدسي، مديرة مكتب جريدة الشرق الأوسط في واشنطن، لـ”963+” إن إدراج إلغاء قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” ضمن قانون ميزانية الدفاع، يشكّل “دليلاً واضحاً على تحوّل جوهري في أولويات الكونغرس تجاه سوريا”، معتبرة أن هذا التطور يعكس رؤية جديدة لدمشق بوصفها “شريكاً محتملاً في مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار الإقليمي”، وليس دولة عدوة كما كان يُنظر إليها سابقاً.

وتوضح القدسي أن وضع الإلغاء ضمن ميزانية الدفاع، لا في تشريع منفصل، “يعكس قناعة متنامية داخل الكونغرس بأن الملف السوري بات جزءاً من الأمن القومي الأميركي، المرتبط بأمن إسرائيل ومحاربة تنظيم داعش، وليس مجرد أداة عقابية ذات طابع إنساني”.

وفي ما إذا كان هذا التحول مؤسسياً أم ظرفياً مرتبطاً بإدارة الرئيس دونالد ترامب، تقول القدسي إن “المؤشرات تدل على مزيج من العاملين”، مشيرة إلى أن الإلغاء جاء نتيجة جهود ديبلوماسية مكثفة من الحكومة السورية الانتقالية، مدعومة بالشتات السوري وضغوط إقليمية من حلفاء واشنطن، إلى جانب تعهّدات مباشرة من ترامب عقب لقائه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في مايو 2025، وإصداره أمراً تنفيذياً مؤقتاً في يونيو الماضي”.

وتضيف أن “التصويت الواسع داخل مجلس النواب، بدعم من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، يعكس توافقاً مؤسسياً يتجاوز الإدارة الحالية”، لافتة إلى أن الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون بعد انتخابات 2024 “يرى في إلغاء قيصر فرصة لإعادة توجيه الموارد الأميركية نحو تهديدات أكبر مثل الصين، مع الحفاظ على رقابة تشريعية صارمة”.

وفي مقابل هذه القراءة، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر، رئيس المركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث في بيروت، لـ”963+” إن إلغاء القانون “لن يؤثر على توازنات القوى الإقليمية”، لكنه سيسهم بشكل مباشر في “مساعدة سوريا على إعادة الإعمار واستعادة عافيتها الاقتصادية”.

رقابة مستمرة

وفي ما يتعلق بآليات الرقابة، تؤكد القدسي أن المراجعات الدورية كل 180 يوماً تُعد “أداة كلاسيكية للرقابة التشريعية تهدف إلى موازنة السلطات”، موضحة أن القانون يُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير تثبت التزام الحكومة السورية بمحاربة “داعش”، وحماية حقوق الأقليات، ومنع التجنيد الأجنبي، وعدم الانخراط في أعمال عسكرية غير مبررة ضد دول الجوار، بما فيها إسرائيل، مع إمكانية إعادة فرض عقوبات جزئية في حال الإخلال بهذه الشروط.

وترى القدسي أن هذه الآلية تمثل “مزيجاً من الضغط السياسي وضمان الالتزام”، معتبرة أنها تشكل “عصاً معلّقة” فوق الحكومة السورية الانتقالية لدفعها نحو الإصلاحات الداخلية والتفاهمات الأمنية، وفي الوقت نفسه أداة يضمن بها الكونغرس استمرارية السياسة الأميركية تجاه سوريا عبر الإدارات المقبلة.

وفي الشأن الإقليمي، تقول القدسي إن إلغاء قانون قيصر “يندرج ضمن استراتيجية احتواء ذكي تستهدف تقليص النفوذ الروسي والإيراني في سوريا”، خاصة في ظل محاولات موسكو الحفاظ على قواعدها العسكرية، وتراجع نفوذ طهران بعد سقوط النظام السابق، مشيرة إلى أن الدعم المالي الأميركي المرافق للإلغاء “يهدف إلى تعزيز الحكومة الانتقالية ومنع الانهيار الاقتصادي الذي قد يعيد إنتاج الفوضى والإرهاب”.

رهانات داخلية

وفي السياق الداخلي السوري، يقول سامر كعكرلي، سكرتير المكتب السياسي في حزب اليسار الديموقراطي السوري، لـ”963+” إن البيان القانوني المتعلق برفع العقوبات يشكّل “نصاً قصيراً لكنه يفتح نافذة مهمة لتعزيز شرعية الحكومة الانتقالية، داخلياً وخارجياً”، معتبراً أن هذه الخطوة تعبّر عن سعي الطبقة السياسية إلى استعادة أدوات الدولة وإعادة وضعها في حالة توازن داخل المنظومة الدولية.

ويوضح كعكرلي أن البعد الخارجي لرفع العقوبات يتمثل في “محاولة إثبات قدرة الدولة السورية على مواجهة التحديات، والتعامل معها كجزء من المجتمع الدولي”، لافتاً إلى أن تراجع النفوذ الروسي والإيراني، ولا سيما في قطاع النفط، يتيح هامشاً أوسع للسياسة الخارجية السورية لتكون “أكثر استقلالية أو أقل ارتباطاً بمصالح قوى خارجية”.

وعلى المستوى الداخلي، يرى كعكرلي أن تحسن مستوى المعيشة بعد عام على تشكيل الحكومة الانتقالية “قد يسهم في تعزيز شرعيتها الشعبية”، مؤكداً أن الانفتاح الاقتصادي يمكن أن يشكل مدخلاً للمطالبة بإصلاحات أوسع، تشمل رفع كفاءة الإدارة، وتحسين الخدمات، وإلغاء القيود التي فرضتها العقوبات، إلى جانب الالتزام بخطط اقتصادية واضحة، وتنشيط التبادل التجاري، وإطلاق برامج تدريبية، وتفعيل مؤسسات الرقابة.

وفي مقابل الرهانات الاقتصادية، حذر كعكرلي من تحديات مؤسسية قد تواجه الحكومة الانتقالية، أبرزها “خطر استبدال النفوذ الداخلي بنفوذ خارجي ناجم عن تدفق رؤوس الأموال من دون أطر رقابية قوية، ما قد يؤدي إلى نشوء مصالح جديدة ومستويات فساد مختلفة، إضافة إلى احتمالات الفوضى وضياع الحقوق القانونية في ظل غياب الخبرة المؤسسية، والضغوط الاجتماعية والسياسية المتزايدة”.

ويؤكد أن تدفق الاستثمارات “لا يصنع دولة بحد ذاته”، بل يجب أن يُستخدم كأداة لتحسين أداء المؤسسات، من خلال الاعتماد على كوادر أكاديمية ومحاسبية متخصصة، وتوزيع الموارد بشكل عادل، مشيراً إلى أن تزايد المطالب الشعبية بتحسين مستوى المعيشة سيشكل أحد أكبر التحديات في المرحلة المقبلة.

ويشدد كعكرلي على ضرورة أن تتجاوز الحكومة الانتقالية هذه التحديات عبر “اشتراط نقل التكنولوجيا مع الاستثمارات، وتطبيق مبادئ الحوكمة، وتعزيز الرقابة الإدارية، وإصلاح القطاع العام ليبقى خزان خبرة في مواجهة التوسع المتوقع للقطاع الخاص، ولا سيما الأجنبي”، مشدداً على ضرورة تفعيل الأدوات الرقابية والتشريعية فوراً باعتبارها “صمام أمان” أمام موجة عقود إعادة الإعمار المرتقبة.

وفي ما يتعلق بملف المحاسبة والعدالة الانتقالية، يؤكد كعكرلي أن رفع العقوبات يجب أن يكون مشروطاً بمعايير واضحة للمساءلة، محذراً من أن الانفتاح الاقتصادي قد يتحول إلى ذريعة لتجاوز هذا الملف تحت عناوين إعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات، إذا لم يُرفق بخطط شفافة ومؤسسية لمتابعة الجرائم.

وختم كعكرلي بالقول إن “رفع العقوبات القسرية ليس نهاية الطريق”، مؤكداً أن الحكومة الانتقالية المنشودة “ليست حكومة صفقات دولية، بل حكومة توزيع عادل للموارد على السوريين”.

وفي مقاربة موازية للمشهد الإقليمي، يقول العميد الركن الدكتور هشام جابر لـ”963+” إن أدوار القوى الإقليمية في الملف السوري ما تزال متباينة، مشيراً إلى أن “تركيا في موقع، والسعودية في موقع آخر، وإيران في موقع مختلف أيضاً”، مؤكداً أن لكل دولة مصالحها الخاصة في مسار الانتقال السياسي السوري، بين الدعم والعرقلة.

وحول المخاطر الإقليمية المحتملة لرفع العقوبات، يرى جابر أن التباين بين واشنطن وبعض العواصم الإقليمية “أمر حتمي”، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل شرق الفرات، ودور “قسد”، والوجود العسكري المتعدد داخل الأراضي السورية، إلا أنه يؤكد أن هذا التباين “لن ينعكس سلباً على مسار رفع العقوبات”.

ويختم جابر بالقول إن “الاختلافات الإقليمية والدولية ستستمر”، لكنها “لن تشكل عائقاً أمام تخفيف أو رفع العقوبات، طالما أن القرار الأميركي يسير في هذا الاتجاه”.

وكان قد أعرب النائب الأميركي جو ويلسون عن امتنانه لإقرار الإلغاء الكامل لقانون “قيصر”، معرباً عن تطلعه لإقراره سريعاً في مجلس الشيوخ ثم توقيعه من الرئيس الأميركي، مشيراً إلى أن الإلغاء جاء شاملاً ودون أي شروط بعد إزالة بند إعادة فرضه تلقائياً، وتحويل صلاحية فرض العقوبات إلى الرئيس الأميركي بحق أفراد بدلاً من القانون.

وبحسب وكالة “سانا” الرسمية، جاء هذا التطور عقب جهود ديبلوماسية مكثفة بذلتها الحكومة السورية والجالية السورية في الولايات المتحدة ومنظمات سورية أميركية، إضافة إلى مساندة دول شقيقة وصديقة، علماً أن “قانون قيصر” الصادر عام 2019 فرض عقوبات واسعة استهدفت أفراداً ومؤسسات مرتبطة بنظام بشار الأسد حتى الإطاحة به أواخر عام 2024.

+963

———————————

إلغاء قانون قيصر: كواليس الجهود السورية الأميركية/ أيهم الشيخ

14 ديسمبر 2025

يُعد تصويت الكونغرس الأميركي على إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” نقطة تحول حاسمة في تطور العلاقات بين واشنطن ودمشق، إذ يُجسد تغييرًا جذريًا في السياسة الأميركية تجاه سوريا بعد فترة طويلة من العزلة والعقوبات الصارمة.

لم يكن التقدم نحو إلغاء “قانون قيصر” قرارًا مفاجئًا أو منعزلًا، بل نتيجة لعملية سياسية وتشريعية معقدة، تجمعت فيها مساعٍ إقليمية ودولية قادتها بشكل أساسي المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، إلى جانب جهود دبلوماسية سورية مكثفة، ودور متزايد للجالية السورية في الولايات المتحدة.

وقد التقت هذه الجهود مع توجه داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يركز على تعزيز استقرار سوريا، ومنع عودتها إلى حالة الفوضى أو تحولها إلى ميدان للصراعات المفتوحة.

في حديث خاص لموقع “الترا سوريا”، كشف الدكتور سامر الصفدي، عضو المجلس السوري الأميركي للسلام والازدهار، عن الجهود الرئيسية التي بذلها اللوبي السوري الأميركي لإلغاء قانون قيصر في الكونغرس الأميركي.

وأوضح الصفدي أن هذه الجهود جاءت بعد سقوط النظام السابق، مشيرًا إلى مواجهة عقبات من لوبيات أخرى، بما في ذلك اللوبي الإسرائيلي “إيباك”، بالإضافة إلى معارضة محدودة من بعض السوريين المؤيدين للنظام البائد في الولايات المتحدة.

أجاب الصفدي على سؤال حول الجهود الرئيسية لإلغاء قانون قيصر، قائلًا إن اللوبي السوري الأميركي تفاعل مع عدد كبير من أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ لدفعهم نحو التصويت لرفع القانون.

وأضاف: “كان هذا التفاعل عبارة عن اجتماعات مستمرة منذ سقوط النظام البائد، بالإضافة إلى دعوات لأعضاء الكونغرس للقاء أبناء الجالية السورية لتوضيح ضرورة رفع قانون قيصر عن سوريا”.

وأكد أن هناك عقبات من مصادر أخرى، أبرزها اللوبي الإسرائيلي “إيباك”، وعدد قليل من السوريين في أمريكا الذين ما زالوا مؤيدين للنظام السابق، مشيرًا إلى أن هؤلاء فشلوا في محاولاتهم لعرقلة الإلغاء.

وفيما يتعلق بوجود شروط سرية أو غير معلنة لضمان تمرير الإلغاء في مجلس النواب، وكيف تحولت الشروط السابقة إلى توصيات غير ملزمة، نفى الصفدي وجود أي شروط سرية.

وقال: “لم يكن هناك أي شروط سرية لضمان تمرير الإلغاء في مجلس النواب، بل كانت عملية إقناع من خلال الجلوس مع أعضائنا ونوابنا في مجلس النواب وإقناعهم بأن رفع العقوبات أو إلغاء قانون قيصر يجب أن يكون غير مشروط”.

وأشار إلى أن الجلسات كانت طويلة، وأن الحكومة السورية الحالية لعبت دورًا كبيرًا في إقناع النواب، خاصة النائب براين ماست، الذي التقى الرئيس أحمد الشرع شخصيًا وقنعه بأهمية الرفع غير المشروط.

كما ساعدت الإدارة الأميركية، بما في ذلك الرئيس الأميركي والسفير تام باراك، في هذا الجهد، موضحًا أن الإقناع ركز على أن الرفع المشروط سيؤثر سلبًا على تحريك العجلة الاقتصادية ودخول الاستثمارات إلى سوريا، مما أدى إلى نجاح الجهود في رفع العقوبات بشكل غير مشروط.

أما بالنسبة لدور الجالية السورية في واشنطن في الضغط على النواب، وكيف سيساهم ذلك في تعزيز الدعم الأميركي لسوريا الجديدة، فأكد الصفدي أن الدور كان كبيرًا من خلال التفاعل مع النواب في مجلس النواب الأميركي.

وقال: “لن يتوقف هذا الدور حتى بعد رفع العقوبات، بل على العكس، سنستمر في العمل من أجل سوريا”.

وأوضح أن الجهود ستتحول الآن من دعم رفع العقوبات إلى دعم اقتصادي لسوريا من قبل الولايات المتحدة، من خلال الضغط على أعضاء الكونغرس لمساعدة سوريا اقتصاديًا، وفتح مجالات الاستثمار، ودعم الشركات الأميركية، وتسهيل أمورها في سوريا.

لم يكن إلغاء “قانون قيصر” تشريعًا مستقلًا، بل جرى تضمينه في حزمة تشريعية أوسع وأكثر أهمية، وهي “قانون تفويض الدفاع الوطني”، الذي يُعدّ إلزاميًا من أجل تمرير ميزانية وزارة الحرب الأميركية، الأمر الذي يفسر الدعم القوي الذي حظي به من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وفي تصريح خاص لموقع “الترا سوريا”، أكد خالد الصعيدي، العضو الاستشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار (SAAPP)، أن إلغاء قانون قيصر ضمن مسار إقرار قانون الدفاع الأميركي (NDAA) يمثل تحولًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا لسوريا.

وأوضح الصعيدي أن هذا الإجراء يخفف القيود التي كانت تعيق التعاملات التجارية والمالية، ويقلص مخاطر “العقوبات الثانوية” التي منعت الشركات والبنوك الأجنبية من العمل في السوق السورية.

يتمثل الأثر الاقتصادي المباشر لهذا الإلغاء في تحسن مناخ الأعمال وعودة تدريجية للتجارة الرسمية والتحويلات المصرفية، مما ينعكس إيجابًا على توافر العملات الأجنبية.

ومن المتوقع أن تكون قطاعات الطاقة والبناء من أوائل المستفيدين، من خلال مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية، مثل محطات الكهرباء، وشبكات النقل والإسكان.

على الصعيد النقدي، قد تشهد الليرة السورية تحسنًا نسبيًا أو استقرارًا مرحليًا نتيجة زيادة التدفقات المالية وانخفاض الاعتماد على السوق السوداء.

ومع ذلك، يبقى هذا الأثر محدودًا دون إصلاحات مالية ونقدية موازية، كما أشار الصعيدي.أما فيما يتعلق بجذب الاستثمارات العربية، ولا سيما السعودية، فإنها تمثل فرصة استراتيجية، خاصة في مجالات الطاقة، الإسكان، الزراعة، والمواد الإنشائية. وشدد الصعيدي على أهمية توفير ضمانات قانونية، آليات تحكيم دولي، وبيئة أعمال شفافة لضمان نجاح هذه الاستثمارات.

ويبقى التحدي الأبرز في الجانب الأمني والاستقرار، إذ إن أي استثمار أجنبي طويل الأجل مرتبط بشكل مباشر بوضوح المشهد الأمني، واستدامة الاستقرار، وقدرة الدولة على حماية المشاريع ورؤوس الأموال.

وختم الصعيدي بأن التعافي الاقتصادي الحقيقي لن يتحقق برفع العقوبات وحده، بل بتكامل الإصلاح الاقتصادي مع الاستقرار الأمني والمؤسساتي.

وفي حديث لموقع “الترا سوريا” كشف المستشار السياسي والاقتصادي الأميركي طارق نعمو عن التفاصيل الخفية وراء إلغاء “قانون قيصر” الذي فرض عقوبات قاسية على سوريا لسنوات.

وصف نعمو العملية بأنها “ثمرة جهود سياسية وتشريعية ممتدة، بدأت خارج قاعات الكونغرس وانتهت داخلها، بعد صراع معقد أدى إلى تحول جذري في نظرة الإدارة الأميركية إلى الواقع السوري الجديد”.

زيارة فكّت الجمود السياسي

أوضح نعمو أنه، بعد نيسان/ أبريل الماضي، وفي ظل تجميد شبه كامل للملف السوري في واشنطن، استفاد من علاقته الشخصية الوثيقة بعضو الكونغرس كوري ميلز – حيث يقيمان في الحي ذاته بولاية فلوريدا – ليفتح حوارًا مختلفًا.

لم يركز النقاش على العقوبات مباشرة، بل على أهمية رؤية التغييرات في سوريا ميدانيًا بعيدًا عن التقارير القديمة.

بناءً على ذلك، رافق نعمو النائب ميلز في رحلة إلى سوريا لم تكن رسمية بروتوكولية، بل استطلاعية سياسية تهدف إلى استيعاب التحولات العميقة التي شهدتها البلاد.

وبعد العودة، أثار ميلز داخل الإدارة الأميركية نقاشًا حاسمًا: هل يؤدي استمرار العقوبات إلى تحويل سوريا إلى نموذج فاشل مشابه للعراق أو ليبيا؟ أم أن الانخراط المدروس أفضل للمصالح الأميركية وأقل تكلفة؟

يقول نعمو: بدأ التغيير التدريجي في التوجه السياسي بواشنطن. من الخلاف الشديد إلى الإلغاء التام، مشيرًا إلى أن عملية إلغاء القانون لم تكن يسيرة، إذ استمرت المناقشات أشهرًا داخل الكونغرس وسط انقسام حاد في مجلس النواب.

ووفقًا للمستشار الأميركي فقد كان هناك تيار يرى في “قيصر” أداة ضغط أساسية، مقابل آخر اقتنع بأن القانون تحول إلى عقاب جماعي يؤثر على الشعب السوري أكثر من كونه آلية سياسية فعالة.

وتابع: “في الأسابيع الأخيرة قبل التصويت النهائي، مارست جهات إقليمية ولوبيات ضغوطًا قوية للحفاظ على القانون أو تمرير نسخة مشروطة تشمل آلية “سناب باك” لإعادة العقوبات تلقائيًا”.

لكن هذه المحاولات فشلت، يوضح نعمو، لأن الظروف تغيرت جذريًا: النظام السابق الذي استهدفه القانون لم يعد قائمًا، وسوريا دخلت مرحلة انتقالية جديدة، فاستمرار “قيصر” كان سيُعيق الاستقرار وجهود إعادة الإعمار، ما يتعارض مع المصالح الأميركية نفسها.

اختتم نعمو حديثه مؤكدًا أن المناقشات الختامية كانت حامية، لكن إرادة الأغلبية حسمت الأمر لصالح إلغاء كامل غير مشروط، مما يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين واشنطن ودمشق.

الترا سوريا

———————————

 “قيصر” يغادر.. فهل يمكن أن يعود؟/ أحمد مظهر سعدو

2025.12.13

تابع السوريون باهتمام بالغ التصويت على مسألة إلغاء “قانون قيصر” وهو الذي طالما ترك انعكاساته السلبية في الواقع الاقتصادي السوري، ومن ثم المعيشي، لكل السوريين بلا استثناء.

صحيح أن هذا القانون الأميركي بالأساس جاء في مواجهة نظام الإجرام الأسدي، ومن أجل محاصرته وكبح اشتغالاته الكبتاغونية، ومعاداته للإنسانية، واعتداءاته على شعبه بسلاح الكيماوي المحرم دولياً، إلا أنه ترك آثاره وذيوله السلبية على جملة الواقع السوري، وعلى كل حيوات الناس السوريين البسطاء، الذين عاشوا وعايشوا سنوات طويلة من القحط وقلة سبل العيش، والفوات المعيشي، وصولاً إلى حالة ونموذج الدولة الفاشلة اقتصادياً، في السنوات الأخيرة من عمر نظام الفاشيست الأسدي قبل 8 كانون أول 2024.

وعندما فر نظام بشار الأسد إلى موسكو، وسقط نظام الاستبداد، لم يعد من مبرر لا منطقياً ولا معقولياً أن يستمر ثقل “قانون قيصر” وكل العقوبات الأخرى كمعوق فعلي لعملية التنمية المزمعة في سوريا، بعد أن مضت سوريا في عملية البناء ومحاولات العمل حثيثاً على الاستقرار داخل أسوار الوطن السوري، وكان مطلباً شعبياً وحكومياً سورياً وكذلك من كل أصدقاء الشعب السوري، أن يتم رفع “قانون قيصر” من فوق كاهل الواقع السوري، ثم يعاد تأسيس العلاقة السورية الغربية ومنها الأميركية بالضرورة على أسس جديدة ومداميك بناء تقطع مع الماضي كلياً وتعيد بناء العلاقات بين سوريا والدول الأخرى وفق صيغة الاحترام المتبادل بين الدول، وعدم التعدي على الآخرين، والالتفات بشكل فعلي، إلى اشتغال حقيقي وجدي على حالة الاستقرار والبناء وإعادة سوريا إلى موقعها الأصلي في بناء نفسها، والتعاون مع كل الدول على طريقة وصيغة المنافع المتبادلة والمشتركة.

ونتيجة جهود دول صديقة وشقيقة للشعب السوري مثل المملكة العربية السعودية والدولة التركية، وكذلك دولة قطر الشقيقة، كان العمل ضمن السياسات الأميركية على الانتهاء من كل القوانين التي تثقل كاهل الشعب السوري ، ثم تنهي سنوات العذاب والقهر والحصار، والتوجه نحو الاستثمار في سوريا، والعمل ضمن مسارات إعادة الإعمار الأكثر ضرورة للسويين جميعاً ، ومن أجل عودة المهجرين قسراً إلى وطنهم مرة أخرى ، وكانت الخطوات جميعها توحي بأن التحرك كان جدياً على مسار الانتهاء من “قانون قيصر” حتى تم التصويت مؤخراً وإيجاباً عليه في مجلس النواب الأميركي، تهيئة لعملية إقراره من مجلس الشيوخ الأميركي، ثم توقيعه النهائي من قبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وهو ما يمكن توقعه بالفعل بعد أن مر بسلاسة وانسيابية في مجلس النواب الأميركي.

اليوم وقد تم ذلك، فإن كثيرا من المتابعات والمتطلبات باتت تقع على كاهل الحكومة السورية حتى لا يفكر الأميركان مرة أخرى بالعودة إلى صياغات جديدة لقانون “قيصر” وما يشبه “قيصر”، وحتى لا يتم تعويق مسارات التنمية في سوريا التي سبق وأعلن عنها مراراً وتكراراً وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، من أن عام 2026 سيكون عام التنمية السورية وإعادة البناء، وهو عمل تنموي واقتصادي مهم للغاية لا بد له من الاستمرار، دون معوقات جدية.

ويبدو أن بعض المعوقات مازالت مستمرة ومتتابعة، ومنها بالطبع إشكالية شمال شرقي سوريا، وعدم الوصول بعد إلى آلية تنفيذية تؤدي إلى تطبيق فعلي وملموس لاتفاق 10 آذار 2025، الموقع بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي.

إن التمنع من قبل “قسد” مازال مستمراً، فهي لا تريد تطبيق الاتفاق المذكور، ولا تود الاندماج الجدي والحقيقي داخل المؤسسة العسكرية السورية ومن ثم وزارة الدفاع السوري المركزية، ولا المدنية، إلا وفق شروطها التعجيزية، وخاصة ما يتعلق بموضوع إصرارها على مسألة اللامركزية السياسية، التي ستكون (كما يبدو) مدخلاً أساسياً وإجبارياً للفيدرالية والتقسيم، وهو موضوع دستوري لا يحق لأي فئة سورية فرضه على السوريين جميعاً دون عملية استفتاء ديمقراطية عليه.

كذلك فإن إصرار “قسد” على البقاء ككتلة عسكرية كبرى ووازنة ومتماسكة، دون الموافقة على الاندماج أو التفتيت، داخل أتون المؤسسة العسكرية السورية الرسمية، كل ذلك ومعه مسار كل ما يتعلق بالجنوب السوري، واستمرار مجموعة الهجري العسكرية بخطف محافظة السويداء، والتعلق بإسرائيل، وسياسات بنيامين نتنياهو، وعدم القبول بالتعاطي مع حكومة دمشق مما يخلق حالة من التشظي والانقسام، وخطورة ذلك على المستقبل والواقع السوري، حيث تلعب إسرائيل بهذه المسألة، وتريد المساومة عليها عبر مفاوضاتها المتقطعة مع دمشق، تعويقاً للتفاهم الأمني المزمع بين دمشق وإسرائيل.

كثير من التحديات في سوريا أمام الحكومة السورية، التي من الممكن أن يتكئ عليها الفاعل الاستراتيجي الأميركي والغربي عموماً في لحظة زمنية ما، وبالتالي الانزياح إلى حجج وذرائع كي تعود المسألة إلى المربع الأول في عودة العقوبات لا قدر الله. وهو ما لا يجب أن يكون، ولا أن يصير، إذ إنه يكفي سوريا 14 عاماً من الحصار والقمع والقتل وقلة الحيلة، وبالتالي يفترص أن تعمل الحكومة السورية الحالية على الخروج كلياً من عنق الزجاجة، وإعادة صياغة العلاقة مع الداخل وكذلك الخارج وفق مصلحة السوريين وربط أواصر القربى و الحوار والتواصل بين كل الفئات الأثنية والطائفية والأيديولوجية في الواقع السوري، ومن ثم عدم السماح لأي عملية تعدٍ على أي مكون من مكونات المجتمع السوري وإعادة العمل على صياغة العقد الاجتماعي السوري الوطني الجامع، الذي يتم تأسيسه على فكرة الوطنية السورية أولاً، وإعادة إنتاج دولة المواطنة، ولا غيرها يمكن أن يتقدم عليها، بعد أن غيبها نظام الاستبداد الأسدي عقوداً طويلة، عانى الشعب السوري فيها وطوال 54 عاماً من الفساد والإفساد، وخطف الوطن السوري، وإشاعة جو من الرعب والخوف وقمع الكلمة الحرة ، وكم الأفواه، وتفتيت الواقع السوري، حتى باتت سوريا في آخر سلم حقوق الإنسان عالمياً، بعد أن تم هدر إنسانية الإنسان السوري، وإلغاء السياسة من المجتمع على يد الإجرام الأسدي وحكم العصابة الطغيانية الأسدية.

تلفزيون سوريا

—————————

ماذا بعد إلغاء عقوبات قيصر؟/ رانيا مصطفى

15 ديسمبر 2025

في خطوة من المفترض أن تشكّل فرصةً ثمينةً، من المفترض أن يدخل السوريون العام الجديد (2026) وقد تخلّصوا من عقوبات قانون قيصر لحماية المدنيين لعام 2019، الذي يتيح معاقبة أفراد ومؤسّسات أجنبية تتعامل مع الكيانات السورية الخاضعة للعقوبات الأميركية؛ فبعد أن أقرَّ مجلس النواب الأميركي (10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري) قانون تفويض الدفاع الوطني، والمتضمّن إلغاء هذا القانون، من المتوقّع أن يصوّت عليه مجلس الشيوخ أيضاً بالإيجاب، وأن يوقِّعَه الرئيس دونالد ترامب قبل نهاية العام. وسيقود هذا الإلغاء إلى التخفيف من حالة عدم اليقين التي قيَّدت عمل المصارف والتجارة في سورية، ما سيسمح باندماج سورية دولياً، ويشجّع على الإقبال على الاستثمار في البلاد، ويسهّل حركة الأموال من وإلى سورية.

ورغم دورها المهم في إضعاف نظام الأسد، لم تحمِ عقوبات قيصر المدنيين، كما ينصّ عنوانها، وقد جاءت على خلفية صور قيصر المسرّبة لتعذيب آلاف الضحايا في الأفرع الأمنية السورية، ولم يتأثّر بها الأسد والدائرة المحيطة به مباشرة، لكنّها ضيَّقت دائرة المستفيدين بسبب ضيق الموارد، وهذا يمكن ملاحظته في معظم المراسيم والقرارات التي صدرت في السنوات الخمس الأخيرة من حكمه، وكانت تصبّ في مزيد من تركيز النهب بيد بشّار الأسد وزوجته (أسماء الأخرس)، وقاد ذلك إلى انصراف رجالات النظام إلى الاعتماد على ما يعرف باقتصاد الكبتاغون مورداً أساسياً للنظام والعائلة. في حين أن العقوبات الأميركية شملت مؤسّسات حكومية، ومنها البنك المركزي، وشملت كل من يتعامل مع تلك المؤسّسات المُعاقَبة من أفراد وشركات خارجية، ومنعت استيراد وتصدير النفط ومواد البناء. هذه العقوبات، إلى جانب سياسات النهب والاحتكار وغياب دور الدولة والتضييق على الصناعيين والتجّار لنهب ما في جيوبهم، التي كان يمارسها نظام الأسد على السوريين في مناطق سيطرته، قادت إلى المزيد من الإفقار وتفشّي الفساد وانتشار الاقتصاد الأسود. بالتالي؛ فعقوبات قيصر وباقي العقوبات الأميركية، لم تكن عقاباً للأسد بقدر ما كانت لها تبعات مُدمِّرة لكل بنية الدولة السورية ومؤسّساتها، فيما لم يقدّم الأسد وفريقه الاقتصادي خطّةً استثنائيةً وطنيةً لتجاوز الآثار المُدمِّرة لهذه العقوبات.

كانت عقوبات قيصر سياسيةً بامتياز لإحداث ضغوط على الأسد لتغيير سلوكه وفق مقتضيات المصالح الأميركية، وجاء إلغاءُ القانون من دون أثر رجعي في ما يتعلّق بعودة العمل به، لكنّه يضع شروطاً على السلطة الجديدة، ويتيح للرئيس الأميركي فرض عقوبات جديدة. وبالتالي؛ هو يُخضِع الحكم الجديد أكثر للتبعية الأميركية. معظم الشروط، وإن تلاقى بعضها مع مطالب للسوريين، إلّا أنّها تصبّ في المصلحة الأميركية، وواشنطن غير معنية بشروط الديمقراطية والنظر إلى مطالب الشعب. فقد عاد الأميركيون عبر نصّ إلغاء قيصر إلى ثمانية شروط، تتعلّق بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب الأمنية، وحماية وحقوق الأقليات وتمثيلها العادل، والامتناع عن الأعمال العسكرية غير المبرّرة (أميركياً) ضدّ دول الجوار، ومنها إسرائيل، وتنفيذ اتفاق 10 مارس (2025) سياسياً وأمنياً، ومكافحة غسيل الأموال والأنشطة المتعلّقة بالإرهاب، ومحاكمة المتورّطين بالانتهاكات المرتكبة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومكافحة المخدّرات واتخاذ خطوات ملموسة لوقف الإنتاج والتهريب. وسيكون الرئيس الأميركي مُكلَّفاً متابعةَ مدى التزام حكومة دمشق بالشروط وإطلاع الكونغرس عليها دورياً. والشروط الأميركية تمسّ سيادة الدولة السورية في ما يتعلّق بفرض عدم مواجهة إسرائيل، خاصّةً أن الأخيرة تحتلّ أجزاء من الجنوب، وتتوغّل في الأراضي وتخرّب الممتلكات وتعتقل السوريين، عدا عن دعمها لمطالب الانفصال في السويداء.

في كل الأحوال، أُلغي القانون الذي لطالما استخدمه الأسد شمّاعةً لعدم تبنّيه خططاً تنموية للنهوض بالبلاد، ولتبرير عجزه عن تقديم دعم للسوريين، فيما كان مستمرّاً في سياسات النهب والاحتكار حتّى هروبه، الأمر الذي قاد إلى انفضاض ما تبقّى له من حاضنة شعبية كانت تؤيّده، وتجويف المؤسّسات العسكرية والأمنية التي تحمل هذا النظام، وكان لهذا العامل دورٌ كبير في سقوطه وانسحاب (واختفاء) جيشه خلال معركة ردع العدوان. السلطات الجديدة تكرّر سياسات الأسد النيوليبرالية، ولكن بطريقة أكثر فظاظة، وقد ألغت الدعم عن السلع الأساسية، ورفعت أسعار الكهرباء من دون قدرة السوريين على الدفع، فيما يجري تجاوز مؤسّسات الدولة ووزاراتها بهيئات تتبع للرئيس فوراً، ومستقلة مالياً، مع غياب أيّ شفافية. ولا تزال البلاد مقسّمةً اقتصادياً بين أربع مناطق نفوذ بموازنات منفصلة، إذ لم تُدمَج مناطق إدلب وشمالي حلب مع دمشق اقتصادياً، ولا مالياً، مع استمرار التعامل بالليرة التركية والدولار في تلك المناطق. وبالتالي؛ لم تقدّم السلطة الانتقالية خطّةً طوال السنة الفائتة لإعادة الهيكلة المالية والمصرفية، ولم تضع خطّةً اقتصاديةً واضحةَ المعالم للنهوض استعداداً لاقتناص فرصة رفع العقوبات.

السلطة الجديدة شديدة الهشاشة، وتحكمها عطالة تمنعها من إعادة هيكلة نفسها باتجاه العمل المؤسّسي والدولتي. فبنيتها الفصائلية لا تسمح بذلك، لأنها قائمة على التوازنات الهشّة، التي في أساسها كانت توازنات الحكم في إدلب مع ضمّ فاعلين جُدد. والرئيس أحمد الشرع مضطر لإدارة هذه التوازنات حتى لا ينفجر الوضع الداخلي، فيمسك بالسلطة ويمركزها في يده، ويحاول الإمساك بالموارد كلّها عبر الاعتماد على قيادات ضمن هيئة تحرير الشام، وفي غالبيتهم تربطهم به صلات قرابة، ومنهم إخوته، فيما وزّع موارد الدولة بين قياداته العسكرية الذين أصبحوا مدراء في مؤسّسات الدولة، ويشترون الولاءات، ولكل منهم جهازُه الأمني الخاص، وما زالت تحكمهم العقلية المليشياوية.

في ظلّ هذا الوضع الهشّ، من الصعب أن يكون هناك جذب للاستثمارات، لكن إن سمح إلغاء عقوبات قيصر بتنفيذ بعض المشاريع، فسيكون تقاسمها غنيمةً بين الفاعلين هو الأساس، وضمن توازنات القوى ذاتها، مع البحث عن موارد جديدة، وقد يكون بعضها مرتبطاً بالفساد والتحكّم الأمني وغسيل الأموال. هذا سيجعل من الصعب أن يكون الشعب مستفيداً من رفع العقوبات، مع استمرار تصاعد الفساد والكسب غير المشروع، والتفكّك المناطقي في ظلّ محاولة كل منطقة، وليس السويداء فقط، إدارة شؤونها بسبب غياب دور الدولة وقدرتها على التخطيط المركزي.

العربي الجديد

——————————

ماذا بعد قيصر؟/ أحمد خضر أبو إسماعيل

لا شكّ أن ملف “قيصر” كان مسماراً متيناً في نعش نظام الأسد البائد. فالصورة المروّعة التي استطاع فريد المذهان، بالتعاون مع أسامة عثمان، نقلها إلى الإدارة الأميركية، جعلت النظام محاصراً بين فكي كماشة. لم يستطع إنكار الصور، ولم يملك الجرأة على الاعتراف بها، بعدما تجاوزت تلك الوثائق أسوار قلعته الأمنية لتغدو أضخم عملية تهريب في تاريخ القضية السورية، من حيث قيمتها المعنوية والمادية.

هذه الصور لم تفضح بنية العنف فحسب، بل جرّدت النظام من أي غطاء أخلاقي، ووضعت الأسد عارياً أمام العالم، ويداه ملطختان بدماء السوريين. وعلى هذا الأساس، فُرضت عقوبات قاسية على الدولة السورية عموماً، وعلى رموز النظام البائد خصوصاً، ما أدى إلى استنزافه اقتصادياً، وصولاً إلى انهياره خلال أحد عشر يوماً، بعد ثورة امتدت على مدار أربعة عشر عاماً.

الانهيار الاقتصادي.. الضربة القاضية للأنظمة الشمولية

في سرديات الطغاة، لا مكان لهموم المواطن، ولا اعتبار للأوضاع المعيشية المزرية التي يرزح تحتها. ولهذا، تأتي الأزمات الاقتصادية بوصفها كرة ثلج تتدحرج بلا توقف، تكبر على نحو مرعب، حتى تُسقط أعنف الأنظمة وأكثرها توحشاً عبر التاريخ.

اليوم، تقف الإدارة الجديدة في دمشق أمام درس تاريخي لا يحتمل التأويل. فالراعي الأميركي في المنطقة يمنحها فرصة حقيقية، وتبدو الولايات المتحدة وكأنها تقدم للعالم نموذجاً جديداً لحكم الجماعات الإسلامية. ويُعدّ الرئيس أحمد الشرع تجربة نادرة في هذا السياق؛ فمن سجون العراق إلى قصر الشعب في دمشق، حكاية رسمت واشنطن ملامحها بعناية فائقة.

بين الشرعية الدولية ووجع الناس

لكن، في مقابل هذه التحولات الكبرى، يبقى المواطن السوري رازحاً تحت أعباء التضخم، وانهيار العملة، وغلاء المعيشة. أما فكرة رفع العقوبات، سواء كانت مشروطة أم غير مشروطة، فهي خارج حسابات الطبقة المسحوقة التي تبحث عن الخبز والدواء قبل أي خطاب سياسي.

من هنا، تبدو الأولوية واضحة: على الإدارة في دمشق إعادة ترتيب البيت الداخلي قبل السعي المحموم لاكتساب الشرعية الدولية. فالتجربة السابقة لا تزال حاضرة، والعبرة قاسية: “حلفاء اليوم هم أعداء الغد”، والموقف الروسي من نظام الأسد البائد خير شاهد على ذلك.

الإنسان قبل الوطن

تقف سورية اليوم عند مفترق تاريخي حاسم: إما أن تنجح تجربة “الإسلاميين” في الحكم، وتثبت قدرتها على بناء دولة، وإما أن تسقط التجربة إلى الأبد. ويزداد هذا الاختبار تعقيداً في ظل انعدام البدائل الجدية من أصحاب المشاريع العلمانية والديمقراطية، نتيجة تصحّر سياسي عاشته البلاد على مدى نصف قرن.

إن بناء الشرعية لا يبدأ من المنابر الدولية، بل من الداخل. فبناء الإنسان السوري يجب أن يسبق أي مشروع سياسي أو دستوري. والاستقرار الاقتصادي هو المدخل الحقيقي لذلك، حتى إن السلم الأهلي ذاته يحمل في جوهره مضموناً مادياً ومعيشياً.

السلم الأهلي… صفقة العدالة لا المحاصصة

أبناء الثورة، من معتقلين، ومغيبين قسراً، ومنفيين في بلاد اللجوء، وعائلات الشهداء، يحتاجون إلى دولة تحتضن جراحهم، لا إلى خطابات عاطفية. يحتاجون إلى مؤسسات وقوانين تضمن حقهم في المواطنة، وتترجم تضحياتهم إلى عدالة وإنصاف. عندها فقط تستطيع السلطة السياسية أن تشتري السلم الأهلي، لا بالقوة ولا بالشعارات، بل بالحقوق.

أما الرهان على الاستقواء بالشرعية الدولية، وبناء عروش من الوهم على حساب تضحيات الشعب، والاستئثار بالسلطة، وتوزيع المناصب بوصفها “مكاسب ثورية” ضمن نظام محاصصة مقنّع، فليس سوى خطوة أخرى على طريق النهاية؛ نهاية لا يتمنى السوريون رؤيتها، بعد أن رحل “الأبد” وسُحق تحت أقدام الأحرار.

العربي الجديد

————————————

=======================

تحديث 13 كانون الأول 2025

———————————

 “قيصر” يغادر.. فهل يمكن أن يعود؟/ أحمد مظهر سعدو

2025.12.13

تابع السوريون باهتمام بالغ التصويت على مسألة إلغاء “قانون قيصر” وهو الذي طالما ترك انعكاساته السلبية في الواقع الاقتصادي السوري، ومن ثم المعيشي، لكل السوريين بلا استثناء.

صحيح أن هذا القانون الأميركي بالأساس جاء في مواجهة نظام الإجرام الأسدي، ومن أجل محاصرته وكبح اشتغالاته الكبتاغونية، ومعاداته للإنسانية، واعتداءاته على شعبه بسلاح الكيماوي المحرم دولياً، إلا أنه ترك آثاره وذيوله السلبية على جملة الواقع السوري، وعلى كل حيوات الناس السوريين البسطاء، الذين عاشوا وعايشوا سنوات طويلة من القحط وقلة سبل العيش، والفوات المعيشي، وصولاً إلى حالة ونموذج الدولة الفاشلة اقتصادياً، في السنوات الأخيرة من عمر نظام الفاشيست الأسدي قبل 8 كانون أول 2024.

وعندما فر نظام بشار الأسد إلى موسكو، وسقط نظام الاستبداد، لم يعد من مبرر لا منطقياً ولا معقولياً أن يستمر ثقل “قانون قيصر” وكل العقوبات الأخرى كمعوق فعلي لعملية التنمية المزمعة في سوريا، بعد أن مضت سوريا في عملية البناء ومحاولات العمل حثيثاً على الاستقرار داخل أسوار الوطن السوري، وكان مطلباً شعبياً وحكومياً سورياً وكذلك من كل أصدقاء الشعب السوري، أن يتم رفع “قانون قيصر” من فوق كاهل الواقع السوري، ثم يعاد تأسيس العلاقة السورية الغربية ومنها الأميركية بالضرورة على أسس جديدة ومداميك بناء تقطع مع الماضي كلياً وتعيد بناء العلاقات بين سوريا والدول الأخرى وفق صيغة الاحترام المتبادل بين الدول، وعدم التعدي على الآخرين، والالتفات بشكل فعلي، إلى اشتغال حقيقي وجدي على حالة الاستقرار والبناء وإعادة سوريا إلى موقعها الأصلي في بناء نفسها، والتعاون مع كل الدول على طريقة وصيغة المنافع المتبادلة والمشتركة.

ونتيجة جهود دول صديقة وشقيقة للشعب السوري مثل المملكة العربية السعودية والدولة التركية، وكذلك دولة قطر الشقيقة، كان العمل ضمن السياسات الأميركية على الانتهاء من كل القوانين التي تثقل كاهل الشعب السوري ، ثم تنهي سنوات العذاب والقهر والحصار، والتوجه نحو الاستثمار في سوريا، والعمل ضمن مسارات إعادة الإعمار الأكثر ضرورة للسويين جميعاً ، ومن أجل عودة المهجرين قسراً إلى وطنهم مرة أخرى ، وكانت الخطوات جميعها توحي بأن التحرك كان جدياً على مسار الانتهاء من “قانون قيصر” حتى تم التصويت مؤخراً وإيجاباً عليه في مجلس النواب الأميركي، تهيئة لعملية إقراره من مجلس الشيوخ الأميركي، ثم توقيعه النهائي من قبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وهو ما يمكن توقعه بالفعل بعد أن مر بسلاسة وانسيابية في مجلس النواب الأميركي.

اليوم وقد تم ذلك، فإن كثيرا من المتابعات والمتطلبات باتت تقع على كاهل الحكومة السورية حتى لا يفكر الأميركان مرة أخرى بالعودة إلى صياغات جديدة لقانون “قيصر” وما يشبه “قيصر”، وحتى لا يتم تعويق مسارات التنمية في سوريا التي سبق وأعلن عنها مراراً وتكراراً وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، من أن عام 2026 سيكون عام التنمية السورية وإعادة البناء، وهو عمل تنموي واقتصادي مهم للغاية لا بد له من الاستمرار، دون معوقات جدية.

ويبدو أن بعض المعوقات مازالت مستمرة ومتتابعة، ومنها بالطبع إشكالية شمال شرقي سوريا، وعدم الوصول بعد إلى آلية تنفيذية تؤدي إلى تطبيق فعلي وملموس لاتفاق 10 آذار 2025، الموقع بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي.

إن التمنع من قبل “قسد” مازال مستمراً، فهي لا تريد تطبيق الاتفاق المذكور، ولا تود الاندماج الجدي والحقيقي داخل المؤسسة العسكرية السورية ومن ثم وزارة الدفاع السوري المركزية، ولا المدنية، إلا وفق شروطها التعجيزية، وخاصة ما يتعلق بموضوع إصرارها على مسألة اللامركزية السياسية، التي ستكون (كما يبدو) مدخلاً أساسياً وإجبارياً للفيدرالية والتقسيم، وهو موضوع دستوري لا يحق لأي فئة سورية فرضه على السوريين جميعاً دون عملية استفتاء ديمقراطية عليه.

كذلك فإن إصرار “قسد” على البقاء ككتلة عسكرية كبرى ووازنة ومتماسكة، دون الموافقة على الاندماج أو التفتيت، داخل أتون المؤسسة العسكرية السورية الرسمية، كل ذلك ومعه مسار كل ما يتعلق بالجنوب السوري، واستمرار مجموعة الهجري العسكرية بخطف محافظة السويداء، والتعلق بإسرائيل، وسياسات بنيامين نتنياهو، وعدم القبول بالتعاطي مع حكومة دمشق مما يخلق حالة من التشظي والانقسام، وخطورة ذلك على المستقبل والواقع السوري، حيث تلعب إسرائيل بهذه المسألة، وتريد المساومة عليها عبر مفاوضاتها المتقطعة مع دمشق، تعويقاً للتفاهم الأمني المزمع بين دمشق وإسرائيل.

كثير من التحديات في سوريا أمام الحكومة السورية، التي من الممكن أن يتكئ عليها الفاعل الاستراتيجي الأميركي والغربي عموماً في لحظة زمنية ما، وبالتالي الانزياح إلى حجج وذرائع كي تعود المسألة إلى المربع الأول في عودة العقوبات لا قدر الله. وهو ما لا يجب أن يكون، ولا أن يصير، إذ إنه يكفي سوريا 14 عاماً من الحصار والقمع والقتل وقلة الحيلة، وبالتالي يفترص أن تعمل الحكومة السورية الحالية على الخروج كلياً من عنق الزجاجة، وإعادة صياغة العلاقة مع الداخل وكذلك الخارج وفق مصلحة السوريين وربط أواصر القربى و الحوار والتواصل بين كل الفئات الأثنية والطائفية والأيديولوجية في الواقع السوري، ومن ثم عدم السماح لأي عملية تعدٍ على أي مكون من مكونات المجتمع السوري وإعادة العمل على صياغة العقد الاجتماعي السوري الوطني الجامع، الذي يتم تأسيسه على فكرة الوطنية السورية أولاً، وإعادة إنتاج دولة المواطنة، ولا غيرها يمكن أن يتقدم عليها، بعد أن غيبها نظام الاستبداد الأسدي عقوداً طويلة، عانى الشعب السوري فيها وطوال 54 عاماً من الفساد والإفساد، وخطف الوطن السوري، وإشاعة جو من الرعب والخوف وقمع الكلمة الحرة ، وكم الأفواه، وتفتيت الواقع السوري، حتى باتت سوريا في آخر سلم حقوق الإنسان عالمياً، بعد أن تم هدر إنسانية الإنسان السوري، وإلغاء السياسة من المجتمع على يد الإجرام الأسدي وحكم العصابة الطغيانية الأسدية.

تلفزيون سوريا

———————————

=======================

تحديث 12 كانون الأول 2025

———————————

قانون قيصر” الأميركي ازاء سوريا… ما هو؟ ماذا يعني إلغاء عقوباته؟/ جوزيف ضاهر

بعد تصويت مجلس النواب الأميركي، ينتظر اقرار مجلس الشيوخ وموافقة الرئيس الأميركي

آخر تحديث 11 ديسمبر 2025

أقر مجلس النواب الأميركي في العاشر من ديسمبر/كانون الأول مشروع قانون دفاعي ضخم هو “قانون تفويض الدفاع الوطني” (NDAA)، الذي يجيز إنفاقا عسكريا قياسيا يبلغ 901 مليار دولار سنويا، ويتضمن كذلك إلغاء “قانون قيصر” لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019.

ويُعد هذا القانون من أبرز الإجراءات التي اتخذتها واشنطن ضد النظام السوري السابق وحلفائه، ولا سيما بسبب طبيعته الثانوية التي تتيح معاقبة أفراد ومؤسسات أجنبية تتعامل مع كيانات سورية خاضعة أصلا للعقوبات الأميركية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن خلال اجتماع في السعودية مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في مايو/أيار الماضي، عزمه رفع جميع العقوبات عن سوريا، فيما علقت إدارته العقوبات مؤقتا. غير أن إلغاء عقوبات “قيصر” بصورة دائمة لا يتم إلا من خلال تشريع يصدر عن الكونغرس.

ومن المتوقع أن يحظى مشروع قانون الدفاع بالموافقة النهائية قبل نهاية العام، بعد تصويت مجلس الشيوخ، ليوقعه الرئيس ترمب ويصبح نافذا. كما قُدم في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مشروع قانون آخر إلى الكونغرس لإلغاء “قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان لعام 2003″، وقانون حقوق الإنسان في سوريا لعام 2012، ومن المرجح أن يُبحث في مطلع العام المقبل.

ما هو “قانون قيصر”؟

يتيح “قانون قيصر” لعام 2019 معاقبة أي حكومة أو جهة خاصة تقدم دعما للنظام السوري السابق أو للكيانات المرتبطة به، أو تسهم في إعادة إعمار سوريا، إضافة إلى أي دعم يقدم لحكومتي روسيا وإيران في سوريا. ويخول القانون الرئيس الأميركي فرض عقوبات على أي شركة أو فرد يستثمر في قطاعات الطاقة أو الطيران أو البناء أو الهندسة في سوريا، وكذلك على من يقدم قروضا للنظام السابق (المادة 102).

كما فتح القانون الباب لاستهداف مصرف سوريا المركزي، بناء على تقرير من وزير الخزانة يحدد ما إذا كانت هناك “أسباب معقولة” للاعتقاد بأن المصرف مؤسسة مالية معنية أساسا بغسل الأموال (المادة 101). وفي ديسمبر 2020، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، أعلن البنك المركزي السوري على قائمة الأشخاص والكيانات المحظورة، رغم أنه كان محجوبا قانونيا أصلا بموجب الأمر التنفيذي رقم 13582 واللوائح الخاصة بالعقوبات السورية.

ويمنح القانون الرئيس الأميركي، بعد تسعين يوما من دخوله حيز التنفيذ، صلاحية تقييم “الجدوى والمخاطر والمتطلبات العملياتية للوسائل العسكرية وغير العسكرية لتعزيز حماية المدنيين داخل سوريا” (المادة 303).

ويختتم القانون بنصوص تتيح للرئيس تعليق العقوبات (المادة 401)، شرط احترام حقوق الإنسان الأساسية في سوريا وبدء مسار للمساءلة.

النتائج الاقتصادية المتوقعة لإلغاء “عقوبات قيصر”

في هذا السياق، يُرجح أن يسهم إلغاء “قانون قيصر” لعام 2019 في تهيئة ظروف أفضل لمسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في سوريا. فعلى الرغم من أن السلطات في دمشق وقّعت الكثير من الاتفاقيات الاقتصادية ومذكرات التفاهم مع شركات أجنبية، بلغت قيمتها نحو 28 مليار دولار منذ مطلع العام، فإن معظم هذه المشاريع بقي في إطار الإعلان ولم ينفذ فعليا. ومن شأن رفع العقوبات أن يسهل ويُسرع تنفيذ هذه المشاريع، كما من المرجح أن يشجع شبكات الأعمال والمال في الخارج، سواء من السوريين أو من المستثمرين الأجانب، على دخول السوق السورية بعدما كانوا مترددين بسبب تجميد العقوبات مؤقتا وخشيتهم من إعادة فرضها لاحقا.

وإلى جانب رفع عقوبات أخرى مفروضة على كيانات وأفراد وشركات، من المتوقع أن يؤدي إلغاء “قيصر” إلى تخفيف حالة الشك والارتباك التي كانت تقيد عمل المصارف والمصدرين وشركات النقل والتأمين عند التعامل مع سوريا. ما يعني أن القيود المفروضة على التبادل التجاري والمالي ستتراجع، وهو ما يفتح الباب أمام تعزيز اندماج سوريا اقتصاديا في محيطها الإقليمي والدولي. وسيُسهل ذلك أيضا عمليات استيراد السلع والخدمات الأساسية الضرورية لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، لا سيما في القطاعات المتضررة مثل الإسكان والبنية التحتية والخدمات العامة.

غير أن رفع العقوبات، وكما أشير في مقالات سابقة، لا يعني بالضرورة تجاوز التحديات البنيوية العميقة التي تعيق مسار التعافي الاقتصادي. فالمشكلات الهيكلية في الاقتصاد السوري ما تزال قائمة، بدءا من ضعف القطاعات الإنتاجية الأساسية كالزراعة والصناعة، ومرورا بانهيار منظومة الخدمات العامة، ووصولا إلى غياب الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد وتخصيص الإنفاق العام.

ومن دون اعتماد إصلاحات جذرية تضع تحسين ظروف المعيشة والعمل في صدارة الأولويات الوطنية، وتعيد بناء القطاعات الإنتاجية، وتؤسس لنظام حوكمة اقتصادية قائم على الكفاءة والنزاهة، فإن رفع العقوبات قد يتحول إلى فرصة ضائعة. بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج دوائر التهميش والتخلف، وتفاقم عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، نتيجة استمرار الفساد وتغييب المحاسبة واستبعاد فئات واسعة من المشاركة الاقتصادية.

هل هناك تهديد محتمل للسيادة السورية؟

رغم أن إلغاء “قانون قيصر” يُعد خطوة إيجابية تصب في مصلحة سوريا اقتصاديا وسياسيا، فإن ذلك لا يعني أن القرار جاء من دون شروط وضوابط صارمة. فمشروع قانون الدفاع الأميركي ينص بوضوح على أن الرئيس يحتفظ بحق إعادة فرض العقوبات متى رأى أن ذلك يخدم مصالح الأمن القومي الأميركي، كما يُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير دورية على مدى أربع سنوات، توضح التزام السلطات السورية بجملة من الشروط السياسية والأمنية.

وتتضمن هذه الشروط أن تستمر سوريا في محاربة تنظيم “داعش”، وتواصل انخراطها في التحالف الدولي ضد التنظيم، وأن تضمن حقوق الأقليات الدينية والإثنية، بما في ذلك تمثيلهم في مؤسسات الحكم. كما تُمنع السلطات السورية من القيام بأي عمليات عسكرية أحادية ضد دول الجوار، بما فيها إسرائيل، ويُشترط أن تظهر تقدما في تنفيذ الاتفاقات الأمنية الدولية. كذلك يجب أن لا تمول دمشق أو تؤوي أفرادا أو جماعات تُصنف على أنها تهدد الأمن القومي الأميركي أو أمن حلفاء واشنطن، وأن تتخذ خطوات عملية لإبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب العليا في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية. إضافة إلى ذلك، يُطلب من الحكومة السورية فتح تحقيقات رسمية، والمباشرة بمحاكمات بحق المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان منذ تاريخ 8 ديسمبر 2024، بما يشمل مرتكبي المجازر بحق الأقليات الدينية.

ومع أن المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان وضمان المساواة في الحقوق والتمثيل العادل للأقليات الدينية والإثنية عناصر إيجابية ونجاحات مهمة لأنصار سوريا أكثر ديمقراطية وشمولية، فإن هذه المتطلبات تقوّض السيادة الوطنية السورية بطرق مهدِّدة. وإلى جانب ذلك، فإنها تعزز الهيمنة السياسية لواشنطن على دمشق عبر فرض شروط تخدم مصالحها الجيوسياسية ومصالح حلفائها الإقليميين، ولا سيما إسرائيل. فالنصوص القانونية توكل إلى دمشق، بشكل غير مباشر، مهمة حماية أمن إسرائيل، على الرغم من استمرار الأخيرة في شن هجمات على الأراضي السورية، وارتكاب انتهاكات واحتلال مناطق من الجولان. كما يُحتمل أن تستغل هذه الشروط في تجديد المطالب الإسرائيلية بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، ضمن أي اتفاق محتمل لوقف الضربات أو تسوية الصراع على الجبهة الجنوبية.

إن الرسالة الأميركية واضحة، وتتلخص في أن رفع العقوبات وإنهاء العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة على سوريا مشروطان بقبول السلطات السورية توجيهات واشنطن، وضمان مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين. وبذلك، يتحول ملف العقوبات من أداة للضغط السياسي إلى أداة لإعادة صياغة شروط العلاقات الوطنية، وإعادة تشكيل موقع سوريا الإقليمي وفقا لمصالح خارجية قد لا تراعي بالضرورة أولويات الداخل السوري.

المجلة

———————————

 سوريا تسقط قيصر.. لحظة فاصلة بين ذاكرة التحرير وبداية الخروج من الحصار/ نوار شعبان

2025.12.12

في الذكرى التي يستعيد فيها السوريون تفاصيل يوم التحرير وسقوط منظومة الأسد وأعوانه، يتقاطع المشهد الوطني مع حدث دولي غير مسبوق. الكونغرس الأميركي يصوّت على إلغاء قانون قيصر، القانون الذي شكّل منذ عام 2019 أحد أكبر أنظمة العقوبات التي فُرضت على سوريا خلال سنوات النزاع. هذا القرار لا يعبّر فقط عن تحول في المزاج السياسي داخل واشنطن، بل يعكس إدراكًا دوليًا بأن سوريا الجديدة التي تشكّلت بعد ديسمبر 2024 تختلف جذريًا عن سوريا التي فُرض عليها هذا القانون قبل خمسة أعوام. هكذا يصبح إلغاء قيصر حدثًا سياسيًا واقتصاديًا في آن واحد، يتجاوز حدود القرار التشريعي ليعبّر عن تغيّر عميق في كيفية نظر العالم إلى الدولة السورية الجديدة.

لقد جاء قانون قيصر في مرحلة كان فيها النظام السابق محاصرًا داخليًا وخارجيًا، وكانت العقوبات تُقدَّم كأداة لردع الانتهاكات ومنع إعادة إنتاج شبكات الفساد والسلطة. لكن الواقع الذي عاشه السوريون كان أشد قسوة من النوايا المعلنة، فالعقوبات لم تتوقف عند رموز النظام السابق، بل امتدت آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، فأصيبت القطاعات الأساسية بالشلل، وارتفعت تكاليف المعيشة، وتوقفت مشاريع إعادة الإعمار، وتجنبت الشركات الدولية العمل في سوريا خوفًا من التعقيدات القانونية. وحتى الاستثناءات الإنسانية لم تمنع تعطّل تحويلات المغتربين أو أزمة تأمين المستلزمات الطبية أو ارتفاع أسعار المواد الغذائية نتيجة للقيود المصرفية التي فرضت عزلة خانقة على الاقتصاد السوري.

ومع سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024، تغيّر المشهد بالكامل. فالدولة الجديدة التي بدأت تتشكّل على أنقاض السلطة القديمة ليست امتدادًا لها، بل مشروع سياسي مختلف يحاول إعادة بناء المؤسسات، وإعادة ترتيب العلاقات الخارجية، وفتح صفحة مختلفة مع المجتمع الدولي. في هذا السياق، يصبح استمرار العقوبات سابقًا لا معنى له، لأنها صُممت للتعامل مع نظام لم يعد موجودًا. ومن هنا، فإن إلغاء القانون لا يمثل مكافأة سياسية بقدر ما يعكس فهمًا بأن أدوات الضغط القديمة لم تعد مناسبة لواقع مختلف، وأن سوريا الجديدة بحاجة إلى بيئة اقتصادية تستطيع من خلالها إعادة بناء الدولة المتهالكة.

قرار الكونغرس بإلغاء قيصر يحمل رسائل متعددة. أولها أن الولايات المتحدة باتت مستعدة للتعامل مع الحكومة السورية الجديدة باعتبارها شريك، وليس كيانًا خارج الشرعية الدولية. وثانيها أن المجتمع الدولي يرى أن فتح المجال الاقتصادي أمام سوريا سيُسهم في تعزيز الاستقرار الداخلي، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل استمرار القيود الخانقة التي أعاقت الصناعة والتجارة والمصارف طوال السنوات الماضية. ورسالته الثالثة أن البلاد لم تعد تُعامل كملف أمني مغلق، بل كدولة تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى دعم اقتصادي مدروس كي لا تنزلق إلى أزمات أعمق.

تأثير القرار لن يكون آنياً، لكنه سيكون ملموسًا في المدى القريب والمتوسط. فالمصارف الدولية ستبدأ بالتعامل بحذر أقل، والشركات ستعيد النظر في دخول السوق السورية، ومشاريع الإعمار ستستعيد إمكاناتها بعد أن كانت مجمّدة. وستتمكن الحكومة من فتح خطوط ائتمان جديدة، والتفاوض مع مؤسسات التمويل الدولية، وجذب استثمارات في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة. كما سيخف الضغط على سعر الصرف نتيجة لانفتاح القنوات المالية، وسيتمكن السوريون في الخارج من تحويل أموالهم بطرق أسرع وأقل كلفة. وحتى القطاعات الإنسانية ستستفيد من إزالة التعقيدات التي كانت تجعل استيراد المعدات الطبية أو إرسال الدعم اللوجستي عملية شديدة الصعوبة.

إن الرمزية التي يحملها القرار لا تقل أهمية عن أثره الاقتصادي. ففي اليوم الذي يستعيد فيه السوريون ذكرى تحرر بلادهم من النظام السابق، يفتح العالم أمامهم نافذة جديدة للخروج من الحصار. فالتحرير السياسي لا يكتمل إلا بتحرير الاقتصاد، وإلغاء قيصر يشكل أحد أهم مفاتيح هذا التحرير. إنه إعلان بأن سوريا ليست محكومة بالبقاء في هامش النظام الدولي، وأنها قادرة على استعادة مكانتها تدريجيًا إذا واصلت بناء مؤسساتها الجديدة ومنع إعادة إنتاج دوائر الفساد والسلطة التي كانت تحكمها لعقود.

ورغم ذلك، فإن رفع العقوبات لا يقدم حلولًا جاهزة، بل يمنح البلاد فرصة للعمل، وهي فرصة لا بد أن ترافقها إصلاحات داخلية، ومكافحة للفساد، وتثبيت للاستقرار الأمني، وبناء لثقة المستثمرين، وإعادة تنظيم الهياكل الاقتصادية. الطريق طويل، لكن ما تغيّر اليوم هو أن البلاد أصبحت قادرة على السير فيه بعدما أزيح عن كتفيها أحد أثقل الأحمال التي كبّلتها خلال السنوات الماضية.

إن لحظة إلغاء قيصر ليست مجرد خطوة تشريعية، بل هي محطة في سردية سوريا الجديدة، دولة تحاول الوقوف بعد سقوط طويل، وتعيد بناء علاقتها بالعالم، وتبدأ بفتح الأبواب التي أُغلقت في وجهها لسنوات.

وبين ذاكرة التحرير وقرار واشنطن، يتشكل فصل جديد من قصة البلاد، فصل عنوانه أن سوريا تتقدم نحو المستقبل لا بوصفها بلدًا محاصرًا، بل بلد يستعيد مكانه وحقه في أن يعيش ويُبنى من جديد.

تلفزيون سوريا

———————————

سُوريا تطوي صفحة َ«قانون قيصر»!

غيّر فريد ندى المذهان، الرئيس السابق لقلم الأدلة في الشرطة العسكرية في دمشق، تاريخ سوريا حين قرّر عام 2014، أن يخاطر بحياته، ويهرب إلى خارج البلاد حاملاً قرابة 45 ألف صورة التُقطت بين الأعوام 2011- 2013 لجثامين وفيّات، ماتَ أغلبهم تحت التعذيب في سجون نظام بشار الأسد، وهو ما صار الملفّ الأكثر شمولاً ودقةً للجرائم المهولة التي ارتكبها نظام بشار الأسد ضد السوريين الذين ثاروا ضد نظامه عام 2011.

تحت الاسم المستعار، قيصر، تواصلَ المساعد أول السابق في الجيش، مع معارضين سوريين ساهموا في تخفّيه، وفي دراسة وتصنيف وتحليل الصُور في مختبرات مؤسسات قانونية ومحاكم، فتمكن الآلاف من معرفة مصيرِ أقاربهم المعتقلين أو المختطفين قسراً، واستفادت منظماتُ حقوق الإنسان العالمية من هذه الوثائق في إعداد تقارير بشأن ظروف الاحتجاز في سوريا قُدّمت في محاكم لسوريين كانوا يعملون في أجهزة النظام السابق، واعتُقلوا بتهم التعذيب والخطف والقتل.

كلّفت قطر شركة محاماة في بريطانيا بتعيين مدّعين دوليين سابقين وخبراء في الأنثروبولوجيا الطبية نشروا تقريراً أكد في العام 2014 صحة الصور التي التقطها قيصر، وحسب تصريح أحدهم، البروفسور ديفيد، «تثبت هذه الصور وجود صناعة قتل لم نشهدها منذ الهولوكوست».

عُرض الملف، عام 2014، خَلف أبواب مغلقة أمام 11 وزير خارجية، وفتح المدعي العام في باريس بعدها تحقيقاً في جرائم الحرب التي مارسها نظام الأسد، ونجحت الجهات التي حافظت على سرّية «قيصر» في إيصال الملفّات إلى الكونغرس الأمريكي الذي أقرّ في عام 2016 «قانون قيصر لحماية المدنيين» الذي فَرض عقوبات على الكيانات التي تتعامل مع حكومة الأسد وأجهزتها العسكرية والاستخبارات، وتضمّن القانونُ عقوبات على النفط ومصادر الطاقة، وإعادة الإعمار.

أصبح القانون جزءًا من «قانون إقرار الدفاع الوطني» للسنة المالية 2020، وتم إلغاؤه في مجلس النواب أيضاً أول أمس الأربعاء، ضمن حزمة مشاريع القانون نفسه، وبعد إقرار مجلس الشيوخ والرئيس الأمريكي، المتوقعان خلال فترة قريبة، ستتحرر سوريا من أكبر قيدٍ على اقتصادها وعمرانها واجتماعها منذ بداية تاريخها كدولة حديثة.

شكّلت مخاطرة قيصر إنجازاً كبيراً أدى في النهاية لنشر الوعي العالمي حول الفظاعات التي تعرّض لها الشعب السوري، وكان إقرار قانون قيصر، في أمريكا، ذروةً لكفاح كبير شاركت فيه شخصيات وجهات ودول عربية وغربية، ويتوّج إلغاءُ مجلس النواب الأمريكي لهذا القانون، بدوره، ذروةً للملحمة السورية الطويلة التي انطلقت عام 2011، وسجّلت انتصارا هائلاً بإسقاط النظام في 8 كانون اول/ ديسمبر 2024، وها هي تعطي معنى سورياً وعربياً وعالمياً لهذه الملحمة الشعبية الكبيرة.

كَسرُ هذا القيد الكبير، هو مكافأة للسوريين على نضالهم الطويل، وهو ما سينعكس بالتأكيد على البلدان العربية المجاورة، والمحيط الإقليمي، الذي عانى، بسبب نظام الأسد، من استعصاء سياسي واقتصادي وتاريخي هائل. كان لافتاً، في هذا السياق، تعليق المذهان (قيصر) نفسه على الحدث، بقوله: «ها نحن اليوم، بفضل الله، نخطو نحو انفراج طال انتظارُه، وتُطوى صفحاتٌ مريرة أثقلت كاهل الجميع».

القدس العربي

———————————

سوريا نحو الاندماج بالاقتصاد العالمي بعد إلغاء الكونغرس الأمريكي «قانون قيصر»/ هبة محمد

عقب إلغاء مجلس النواب الأمريكي، «قانون قيصر» تمهيداً لرفعه نهائياً، والتخلص من العقوبات القاسية عليها، باتت سوريا، حسب ما قال محللون لـ»القدس العربي» أقرب للاندماج فعليا في النظام الاقتصادي العالمي، وتشغيل نظام التحويلات المالية، وتهيئة بيئة اقتصادية لتنفيذ الاتفاقيات والتفاهمات التي عقدتها مع دول وشركات عالمية للمشاركة في إعادة الإعمار، فضلا عن إمكانية استقطاب القروض.

قرار النواب الأمريكي

وأقرّ مجلس النواب الأمريكي، ليل الخميس، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي لعام 2026، متضمنا بندا يقضي بالإلغاء الكامل لـ»قانون قيصر» الذي فرض بموجبه أشد العقوبات على سوريا.

ويُعاد المشروع إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه قبل إحالته إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوقيع، حيث يدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية في خطوة من شأنها فتح الباب أمام مرحلة اقتصادية وسياسية جديدة في البلاد.

وجاء التصويت بأغلبية واسعة بلغت 312 صوتا مقابل 112 لتمرير مشروع ميزانية الدفاع بمبلغ قيمته 900 مليار دولار، تشمل زيارة رواتب العسكريين بنسبة 3.8% إضافة إلى تحسينات الإسكان والمرافق العسكرية، مع تعزيز إشراف الكونغرس على وزارة الحرب «البنتاغون» في حل وسط بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. واعترض عدد من النواب المحافظين لأن مشروع القانون لا يفعل المزيد لخفض الالتزامات الأمريكية في الخارج.

ويبدأ تفعيل القانون أول يناير/كانون الثاني 2026، مما يلغي «قانون قيصر» نهائيا، بعد سنوات من فرضه على سوريا، لتنهي بذلك إدارة ترامب جميع العقوبات الأمريكية على دمشق بعد إلغاء العقوبات الأخرى ورفعها من تصنيف الدول الداعمة للإرهاب.

العقوبات على سوريا خلال حكم الأسد

رئيس المجلس السوري الأمريكي، فاروق بلال، قال لـ «القدس العربي» إنه «خلال خمسة عقود من حكم الأسد البائد، أصبحت سوريا هدفا لسلسلة واسعة من العقوبات الأمريكية والغربية نتيجة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام، وسياساته العدوانية القائمة على دعم الإرهاب وتصدير الأزمات إلى دول الإقليم والعالم».

وزاد: «بعد سقوط النظام السوري وهروب بشار الأسد، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارا تاريخيا يقضي بإلغاء معظم العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، وذلك في إطار دعم الإدارة الأمريكية للحكومة السورية الجديدة، وإنهاء مرحلة طويلة من العزلة الاقتصادية والسياسية التي عاشتها البلاد».

قانون قيصر ظل حسب المتحدث «العقبة الأكبر»، نظرا لكون إلغائه «يحتاج إلى موافقة الكونغرس الأمريكي. ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام، بدأنا في المجلس السوري الأمريكي، وبدعم غير محدود من الجالية السورية في الولايات المتحدة، العمل على المطالبة بإلغاء هذا القانون. وقد تضافرت جهودنا مع جهود الحكومة السورية الجديدة حتى وصلنا إلى النسخة الأخيرة التي أقرّها مجلس النواب ضمن حزمة موازنة وزارة الدفاع لعام 2026، والتي تنص على إنهاء «قانون قيصر» بشكل كامل ومن دون أي شروط ملزمة».

المراحل المقبلة

النسخة النهائية، وفق بلال «سترفع إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليها الأسبوع المقبل، ثم تحال إلى الرئيس الأمريكي للتوقيع عليها كي تصبح قانونا نافذا، حيث توقع المتحدث «أن تكتمل هذه العملية قبل عطلة عيد الميلاد».

واعتبر المتحدث أن «إلغاء قانون قيصر سيساهم بشكل مباشر في تهيئة البيئة الاقتصادية المطلوبة لتنفيذ الاتفاقيات والتفاهمات التي عقدتها سوريا مع عدد من الدول والشركات العالمية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا. كما سيفتح الباب واسعاً أمام الاستثمارات الخارجية في مختلف القطاعات الحيوية».

وأشار إلى أن «الكرة الآن في ملعب الحكومة السورية الجديدة لاتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية مشجعة تعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، وتطلق مرحلة جديدة من النمو، والاستقرار، وإعادة البناء».

نقطة تحول

وتبدأ مرحلة جديدة في سوريا مع إلغاء قانون قيصر، حسب ما وصف الخبير الاقتصادي سمير سعيفان في حديثه مع «القدس العربي» حيث قال إن إلغاء القانون، الذي أقرّه مجلس النواب وينتظر موافقة مجلس الشيوخ «كتحصيل حاصل» ثم توقيع الرئيس ترامب، يمثل خطوة حاسمة تشبه «السقوط الثاني» بعد سقوط نظام الأسد. وأوضح أن هذه الخطوة تفتح الباب الثاني أمام سوريا للانطلاق مجددًا، بعد إسقاط النظام الذي فتح الباب الأول، وأصبحت سوريا بالتالي أمام مرحلة جديدة وتحديات كثيرة صعبة.

أهمية الإلغاء للنظام المالي والاقتصادي

ويضيف سعيفان أن لهذه الخطوة أهمية قصوى لأنها تمكن النظام البنكي السوري من العودة للعمل وربط سوريا ماليا بالعالم، وهو ما يفتح الباب أمام البنوك الخاصة كي تزيد رؤوس أموالها إلى جانب إصلاح بنوك القطاع الحكومي، مما يجعلها وعاء لإدارة الاستثمارات والمساعدات المالية، وأن تلعب الدور الأساسي في تمويل التنمية وتقديم بقية الخدمات أسوة ببلدان العالم، فبدون نظام ومؤسسات مالية ومصرفية حديثة لا يمكن للاستثمارات أن تأتي وتعمل في سورية، وأشار إلى أن غياب نظام مصرفي فعال يعيق أي نشاط اقتصادي، وأن تجربة العام الماضي، حين تم تجميد قانون قيصر لمدة ستة أشهر ثم تمديده، لم تحقق الكثير من المتغيرات، إذ تحسنت بعض الجوانب بينما تفاقمت أخرى، خصوصا الغلاء المعيشي.

النظام المصرفي والاستثمار: الطريق لإعادة الإعمار

وفي ضوء ذلك، يوضح سعيفان أن رفع العقوبات وإعادة تشغيل النظام البنكي والمالي في سورية يفتح المجال تدفق الاستثمارات والمساعدات والحصول على القروض، بما يمكن من إعادة إطلاق الاقتصاد السوري وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وهي عملية معقدة وتتطلب مبالغ هائلة، وقدّر البنك الدولي حجمها الأولي بأكثر من 200 مليار دولار، مع احتمال أن تكون المبالغ أعلى أو أقل.

لافتا إلى ان تنفيذ هذه الخطوات يمهد لإعادة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، ويحسن ظروف المقيمين في المخيمات بعد سنوات من المعاناة، ويعالج التأثيرات الكارثية على التعليم والثقافة والتكوين المهني والنفسي للسكان.

إعادة الإعمار والتنمية المجتمعية

وتعتبر هذه المرحلة وفق الخبير الاقتصادي السوري فرصة لإطلاق برامج شاملة لإعادة الإعمار المادي، التي تشمل البنية التحتية، والمساكن، والمدارس، والمستشفيات، والمباني الإدارية، فضلا عن التنمية المجتمعية، حيث قال: إن سقوط قانون قيصر يفتح الطريق أمام كل هذه الجوانب التي تحدثنا عنها والتي تحتاج اليوم إلى تحضير رؤية لكل منها، وأن يتم تشكيل ورش لدراسة ومناقشة هذه المسائل وإعداد برامج لإعادة اللاجئين والنازحين والمقيمين في الخيام، وبرامج أخرى لإطلاق الاقتصاد، ولتنظيم عملية إعادة الإعمار وما تحتاجه وكيف ومن أين نبدأ، حيث شهدنا من قبل مجرد مناقشات ثانوية لكن لم توضع برامج فعلية، ومن هنا تحتاج الحكومة إلى برامج كثيرة وإطلاق ورش لمناقشة كل جانب من هذه الجوانب وهو عبء كبير يتطلب من الحكومة والسلطة الانتقالية أن تكون أكثر انفتاحا بمشاركة خبرات واسعة جدا في هذا المناقشات وأن تعتمد على الكادر الكفء في إدارة هذه الجوانب المختلفة، وبنفس الوقت لا بدها لها أن تطلق عملية إعادة بناء وهي إعادة إعمار مادي للبنية التحتية والمساكن والمباني الإدارية والمستشفيات التي هدمت والبيوت التي تضررت والمدارس وغيرها».

كما أوضح سعيفان أن إلغاء قانون قيصر وتدفق المساعدات والاستثمارات يتيح للحكومة أن تطلق برامج لإعادة اللحمة للمجتمع السوري الذي تأذى بسبب الحرب وبسبب أحداث العام الجاري في الساحل والسويداء، كما يمكنها من إطلاق برامج لتطوير الكوادر الحكومية وبناء جيش محترف وجهاز شرطة وفق المعايير الدولية، وتطوير الهياكل المؤسسية لدولة وترسيخ العقلية المؤسسية لدى كوار الخدمة العامة، وهذه كلها أهداف حيوية لضمان الاستقرار المؤسسي والاجتماعي».

وشدد على أن البيئة الاستثمارية تتطلب الحد من الفساد إلى مستويات منخفضة، إذ ابتليت سورية بالفساد خلال العقود الماضية وتفشى كالسرطان في الجسم وأصبح مبرر مجتمعيًا، فإن ظل الفساد متفشيًا ومبرر اجتماعيًا، فلن تتدفق الاستثمارات بشكل فعّال، وستظل النتائج الاقتصادية محدودة.

أثر الإلغاء على حياة المواطن

وفيما يتعلق بحياة المواطن السوري اليومية، أكد سعيفان أن المواطن يشعر بالأثر الإيجابي لإلغاء قانون قيصر يبدأ، في ظل معدلات بطالة وفقر مرتفعة للغاية، أولا من خلال حصوله على فرصة عمل وراتب يضمن له حياة كريمة، . وعندما يحصل على خدمات تعليم جيدة وخدمات صحة جيدة وسكن جيد، ويبدأ المواطن يشعر بالنتائج الإيجابية لإلغاء قانون قيصر عندما يرى أن جهود إعادة بناء منزله قد بدأت، وفي سورية أكثر من 300 ألف منزل مدمر وأكثر من 700 ألف بيت متضرر، «وسيشعر المقيمون في المخيمات بالآثار الإيجابية لإلغاء قانون قيصر عندما يرى برامج محددة لمغادرتهم الخيام الى مساكن دائمة، سواء بعد عدة أشهر أو عام أو أكثر، وعدم ترك هذا الملف معلقا كما في الماضي. وأكد أن رفع العقوبات، جنبا إلى جنب مع تنفيذ الخطوات الاقتصادية والاجتماعية، سيمكن المواطن من ممارسة حريته وكرامته التي ثار من أجلها ودفع أثمان باهظة على مدى 14 عام، وأن يرى وطنه أخيرًا ينعم بالحريات العامة في التنظيم والتعبير والاعتقاد، وبما يمهّد لمرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في سوريا».

مكسب سياسي

في السياق ذاته، قال المحلل السياسي أحمد هواس إن إزالة «قانون قيصر» خطوة مهمة على اعتباره مكسبا سياسيا كبيرا للسوريين، خاصة أن هذا القانون فرض على النظام السوري السابق في عام 2019، لكنه بقي سيفا مسلطا على رقاب المواطنين.

وأوضح في حديثه مع «القدس العربي» أن السنوات التي تلت تحرير سوريا شهدت مجموعة من العقبات والتحديات أمام الدولة السورية، أبرزها العقوبات المفروضة من بعض الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1970، لكن أقسى هذه العقوبات كان «قانون قيصر» الذي منع التحويلات البنكية وأثر بشكل مباشر على الاقتصاد والطيران وحياة المواطن السوري اليومية.

انعكاسات الإلغاء

وفي ضوء ذلك، أشار هواس إلى أن إزالة «قانون قيصر» سينعكس إيجابا على سوريا من ناحيتين أساسيتين. أولا، من الناحية الاقتصادية، ويعني ذلك اندماج سوريا فعليا في النظام الاقتصادي العالمي، وتشغيل نظام التحويلات المالية، وإمكانية استقبال إيداعات بنكية في المصارف السورية من قبل الدول الداعمة.

وأضاف أن الخطوة ستتيح عقد مؤتمرات لإعادة بناء سوريا، ودخول شركات النفط والغاز والطاقة بشكل عام، وهو ما يعد مؤشرا إيجابيا يعزز استقرار الليرة السورية ويمنح الاقتصاد جرعة من الثقة المطلوبة لبدء مرحلة جديدة من التعافي والنمو.

الأبعاد السياسية

وعلى المستوى السياسي، أوضح هواس أن سوريا تعود بشكل طبيعي للاندماج في المجتمع الدولي والنظام العالمي، مما يرسل مجموعة من الإشارات المهمة، أبرزها رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في أن تكون سوريا دولة مستقرة.

وأشار إلى أن «هذا التوجه يعني أن أي جهود انفصالية، سواء من قبل «قسد» في الشمال الشرقي أو في الجنوب في منطقة السويداء، لن تثمر، مما يعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي على حد سواء».

واختتم حديثه بالقول إن إلغاء «قانون قيصر» يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، تشير إلى مستقبل أفضل، يمكن فيه للمواطنين والشركات والحكومة أن يتحركوا بحرية أكبر، وأن تبدأ البلاد حقا في استعادة مكانتها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، مع توفير مؤشرات قوية على تحسن البيئة الاستثمارية وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية في مستقبل سوريا.

القدس العربي

——————————

ماذا يعني إلغاء “قانون قيصر” لسوريا؟/ عمر كوش

لقطات من أداء الرئيس أحمد الشرع لصلاة الفجر في المسجد الأموي الكبير بدمشق في الذكرى الأولى لتحرير سوريا. الصور من سانا

الرئيس السوري أحمد الشرع في المسجد الأموي الكبير بدمشق في الذكرى الأولى لتحرير سوريا (المصدر: سانا)

يشكل تصويت الكونغرس الأميركي لصالح مشروع “قانون تفويض الدفاع الوطني” (NDAA) للسنة المالية 2026، خطوة هامة بالنسبة إلى سوريا والسوريين، كونه يتضمن بندا بإلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” (المعروف اختصارا بـ “قانون قيصر”)، الذي أنهك الاقتصاد السوري، وأثقل كاهل السوريين منذ أن فُرض في ديسمبر/ كانون الأول 2019.

وكان يهدف إلى الضغط على نظام الأسد البائد، كي يتوقف عن قتل المدنيين السوريين، وقضى بفرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وشكل ورقة ضغط مؤثرة في السياسة الأميركية تجاه هذا النظام وحلفائه.

جاء إلغاء القانون نتيجة تضافر جهود كبيرة، بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وتركيا، وقطر، إلى جانب الجهود الدبلوماسية السورية والجالية السورية في الولايات المتحدة. وتقاطعت هذه الجهود مع رغبة الرئيس ترامب في منح سوريا فرصة للاستقرار والنهوض، لذلك وضع ثقله السياسي من أجل بناء الإجماع المطلوب في الكونغرس، وسعيه إلى أن يكون الإلغاء كاملا، وليس جزئيا أو مشروطا، بغية إتاحة المجال أمام الشركات الأميركية والدولية للاستثمار في سوريا، دون الخوف من عودة فرضه من جديد.

لم يكن إلغاء “قانون قيصر” تشريعا مستقلا، بل جرى تضمينه في حزمة تشريعية أوسع وأكثر أهمية، وهي “قانون تفويض الدفاع الوطني”، الذي يعتبر “إلزاميا” من أجل تمرير ميزانية وزارة الحرب الأميركية، الأمر الذي يفسر الدعم القوي الذي حظي به من الحزبين؛ الجمهوري، والديمقراطي.

وبعد تصويت مجلس الشيوخ، سيحال إلى مجلس النواب للتصويت عليه، ثم يرسل إلى المكتب البيضاوي، كي يوقع عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فور وصوله إليه، حسبما أُعلن سابقا، ووقتها سيصبح قانونا نافذا.

أهمية الإلغاء

يعد إلغاء أو إزالة “قانون قيصر” خطوة هامة جدا؛ لأنه يشمل عقوبات ثانوية، عابرة للحدود، تطال جميع الأفراد الذين يتعاملون مع نظام الأسد، والكيانات الداعمة له، وخاصة الروسية والإيرانية، ويتضمن عقوبات واسعة على قطاعات حيوية، اقتصادية ومالية ومصرفية، تستهدف بشكل أساسي حظر التعامل مع النظام في مشاريع إعادة إعمار سوريا.

لذلك فإن إلغاءه يعد أمرا بالغ الأهمية من الناحية الاقتصادية والسياسية، كونه يفتح الباب للشروع في عملية إعادة الإعمار، وتأهيل البنى التحتية، وتحسين الوضع الاقتصادي المنهار، وتمكين سوريا من دمج قطاعها المالي في النظام المالي العالمي، ومن عودة ملايين النازحين واستقبال اللاجئين.

وستنعكس آثاره على ظروف حياة السوريين المعيشية، كونه سيفتح المجال أمام المستثمرين العرب والأجانب للاستثمار فيها، والسماح بتدفق الأموال الضخمة التي تتطلبها عمليات إعادة الإعمار، وخطط التنمية التي وضعتها الحكومة السورية، مما يساعد على تحفيز النمو الاقتصادي.

كما تكمن أهمية الإلغاء في انعكاس آثاره على تعزيز الاستقرار السياسي، والتعاون الإقليمي والدولي مع سوريا، إلى جانب تحسين الوضع الإنساني، عبر زيادة تدفق المساعدات الإنسانية للمدنيين السوريين المتضررين من تبعات سنوات الحرب المدمرة.

 شروط غير ملزمة

جاء الإلغاء شاملا ودون أي شروط، ولم يتضمن بندا للعودة التلقائية إليه، أي أن الإلغاء يعني رفع عقوبات قيصر نهائيا، مع تضمنه شروطا غير ملزمة، حيث يطلب من الإدارة الأميركية تقديم تقرير إلى الكونغرس في مدة لا تتجاوز الـ 90 يوما من تاريخ إقراره، ثم كل 180 يوما بعد ذلك على مدى أربع سنوات.

وأهم الطلبات أو “التمنيات”:

    اتخاذ الحكومة السورية إجراءات فعالة ملموسة لمحاربة “تنظيم الدولة”، والمجموعات الإرهابية الأخرى، والتعاون مع الولايات المتحدة، من أجل منع عودة التنظيم.

    ألا تقوم الحكومة بأي عمل عسكري أحادي الجانب ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل، وأن تواصل إحراز تقدم في إبرام اتفاقيات أمنية دولية.

    اتخاذ خطوات لإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة ومؤسسات الدولة والأمن.

    اتخاذ خطوات تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتسمح بالتمثيل العادل والمتكافئ في الحكومة، بما يشمل الوزارات والبرلمان.

    أن تقوم بإجراءات ملموسة وموثوقة لتنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025 الذي وقعه كل من الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سورية الديمقراطية مظلوم عبدي.

    القيام بخطوات فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وفقا للمعايير الدولية، ومكافحة إنتاج وتهريب المخدرات.

    أن تقوم الحكومة السورية بإجراءات من أجل ملاحقة قضائية فعالة لأولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويمنح نص الإلغاء الرئيس الأميركي صلاحية إعادة النظر في فرض عقوبات على أفراد إذا لم يتمكن من تقديم إفادة إيجابية خلال فترتين متتاليتين من التقارير المطلوبة، من دون إلزامه بذلك، ويشترط ألا تشمل العقوبات عمليات استيراد السلع.

 بارقة أمل

كان طبيعيا أن يخرج السوريون إلى ساحات مدنهم احتفالا بتصويت الكونغرس الأميركي بإلغاء “قانون قيصر”، لأنه يمنحهم  بارقة أمل بتحسين اقتصاد بلدهم، وتخفيف معاناتهم التي استمرت سنوات طويلة.

يظهر واقع الحال أن أكثر من 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، ويوجد نحو 10 ملايين سوري بحاجة ماسة إلى المساعدات. كما يتواجد أكثر من 2.5 مليون نازح في الداخل، بينهم 1.5 مليون ما زالوا يعيشون في مخيمات، أغلبها في الشمال السوري.

ويشير آخر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي إلى أن حوالي 12.9 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي أكثر من نصف السكان، بمن في ذلك 3.1 ملايين شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد.

وأدت الأزمة الاقتصادية الموروثة من نظام الأسد البائد إلى زيادة معدلات البطالة بين الشباب والنساء، حيث تتجاوز نسبة البطالة 50% في بعض المناطق، فيما يعتمد جزء كبير من السكان على الاقتصاد غير الرسمي، والمعاملات اليومية للبقاء على قيد الحياة.

بالنظر إلى أوضاع غالبية السوريين، فإنهم يأملون في أن تشكل إزالة “قانون قيصر” نقطة تحول حاسمة في مسار أوضاعهم المعيشية مع انطلاق عجلة نمو الاقتصاد السوري. وأن تشكل خطوة هامة باتجاه إعادة بناء مؤسسات وإدارات الدولة بعد سنوات من العقوبات التي كبلت مفاصلها المالية والإنتاجية.

ويمكن القول إن سوريا أضحت، بعد أكثر من عقد من القيود الاقتصادية والأزمات الكارثية، أمام فرصة حقيقية لاستعادة عافيتها ونموها.

التحديات

لا شك في أن إزالة “قانون قيصر” خطوه هامة، تعني الكثير بالنسبة إلى سوريا والسوريين، لكنها تتطلب اتخاذ خطوات من طرف الحكومة السورية، وذلك من أجل الاستفادة منها لتحسين أوضاع السوريين المعيشية، وجذب الاستثمارات والمستثمرين العرب والأجانب، أهمها:

    توفير بيئة قانونية مناسبة، من خلال قضاء مستقل وعادل ونزيه؛ لأن المستثمر يخشى من وقوع نزاعات، ومن أجل حلها لا بد من قضاء مستقل ومحاكم فعالة.

    تخطيط اقتصادي مدروس وسليم، واتخاذ إجراءات تشجع على الاستثمار بواسطة منح امتيازات مدروسة، وقوانين شفافية في منح العقود والإجراءات الاقتصادية، إلى جانب تخطيط اقتصادي متماسك وهادف.

    إصلاح شامل للإدارة المالية العامة، بما في ذلك النظام الضريبي والجمارك والقطاع المصرفي، وتحديث الاقتصاد السوري، الذي أنهكه تضخم القطاع العام على مدى عقود مديدة.

تبرز تحديات كثيرة أمام الحكومة السورية على مستوى بنية مؤسسات الدولة، وإرساء قواعد الحوكمة والشفافية، وتوجيه الموارد إلى القطاعات المدنية، وإصلاح الجهاز الإداري المنهك والمترهل، كي لا يقف عقبة أمام عملية إعادة الإعمار، خاصة أن البنك الدولي يشير، في تقرير أصدره في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقد بـ345 مليار دولار، منها 141 مليار دولار مخصصة لإعادة إعمار المؤسسات الحكومية والعامة، إضافة إلى إصلاح البنية التحتية الأساسية.

ويعد وجود مناطق خارج سيطرة الدولة في منطقتي الجزيرة السورية، والسويداء تحديا كبيرا أمام عملية إعادة الإعمار، على مستوى وطني شامل.

كما أن إسرائيل باعتداءاتها وتوغلاتها واحتلالها تشكل تحديدا كبيرا أمام استقرار سوريا وممكنات استفادتها من رفع عقوبات “قانون قيصر”، كونها تسهم في التأثير على الأمن الضروري جدا لتأمين ثقة المستثمرين، وزيادة مساهماتهم.

في مطلق الأحوال يفتح إلغاء “قانون قيصر” الأبواب أمام تعافي سوريا، عبر دخول الاستثمارات، وتدفق التحويلات المالية، والعودة إلى النظام المالي العالمي. والأهم أن كل ذلك سينعكس على حياة السوريين، سواء من جهة توفير فرص العمل والتشغيل، أو تحسين أوضاعهم المعيشية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

————————-

حقيقة الأهداف الأميركية في سوريا/ غازي دحمان

نفت وزارة الخارجية السورية وجود اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن إقامة قاعدة عسكرية أميركية في جنوب سوريا، ويبدو النفي ظاهريا صحيحا؛ ذلك أن وزارة الخارجية لطالما سكتت في السابق عن التعليق على القضايا التي قد تكون صحيحة، كما أن الوزارة التي يقودها الوزير الشيباني تعتبر شريكا أساسيا في صنع القرار السياسي، فيما يخص العلاقات الخارجية.

بيد أن ثمة مؤشرات عديدة على وجود نوع من التنسيق مع الجانب الأميركي، في المجال العسكري، ما يعني أن نفي الوزارة صحيح من زاوية معينة، وهي عدم وجود قاعدة بشكل صريح، لكن قد يتخذ هذا الوجود تسميات أخرى أو نمطا مختلفا لظروف وأسباب معينة.

إعادة انتشار

يمكن وضع التحرك العسكري الأميركي في سوريا في إطار إعادة انتشار، أو تموضع جديد ضمن الأراضي السورية، على اعتبار أن القوات الأميركية موجودة بالأصل في قواعد بشرق سوريا وفي “التنف”.

ومن ثم قد لا تضطر واشنطن إلى زيادة أصولها العسكرية في سوريا، وإنما إعادة تنظيم هذا الوجود بما يتناسب والتطورات الجديدة، المتمثلة بإعادة دمج قوات “قسد” ضمن هياكل الجيش السوري، وكذلك الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل، والمزمع توقيعه في مرحلة قريبة.

التمهيد لهذا الانتشار، جاء على لسان المبعوث الأميركي توماس براك الذي أكد على هامش زيارة الرئيس الشرع، واشنطن والتوقيع على اتفاق انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة ” تنظيم الدولة (داعش)”، أن سوريا باتت شريكا أساسيا للولايات المتحدة.

وكذلك تأكيد الرئيس السوري نفسه أثناء زيارته واشنطن، أن سوريا باتت حليفا جيوسياسيا للولايات المتحدة الأميركية، مع ما يتطلبه هذا التحالف من تنسيق أمني مشترك بين الطرفين.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تحركات أميركية في البادية السورية، ما يؤشر على وجود توجه أميركي يقضي بإعادة توزيع القوات الأميركية في سوريا ضمن نطاقات جديدة.

وقد أكدت الزيارات التي قام بها قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” الأدميرال براد كوبر إلى دمشق في سبتمبر/أيلول، وأكتوبر/تشرين الأول، وجود تفاهمات تخص الانتشار العسكري الأميركي.

كما زار وفد عسكري من التحالف الدولي للحرب على الإرهاب، مواقع عسكرية على أطراف البادية، مثل مطار “الضمير”، ومطار “السين”، وهي مناطق مفتوحة على البادية السورية، وتمتاز بقربها من العاصمة دمشق وجنوب سوريا. وبالتزامن وصلت طائرات ومدرعات أميركية إلى قاعدة “التنف”، ما يعكس توجها أميركيا لتعزيز الوجود الأميركي في المنطقة.

ويبدو أن منطقة ريف دمشق من جهاتها الأربع: البادية، وشرق لبنان، وجنوب سوريا، والغرب، هي الوجهة المقصودة للقوات الأميركية والتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وقد أجرت قوات التحالف عمليات إنزال في مناطق الضمير والقلمون مؤخرا، استهدفت خلايا نائمة لتنظيمات متشددة.

على ذلك، يبدو أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا قد يتخذ نمطا جديدا على شكل غرفة عمليات لإدارة الأمن ومكافحة الإرهاب، في إطار إعادة هيكلة الوجود الأميركي، تراعي التطورات الجديدة في الملف السوري، وتطوير واشنطن أهدافها على ضوء ذلك.

الأهداف الأميركية

إعادة الانتشار الأميركي في سوريا تفرضه جملة من الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية، تشكل دافعا قويا للحراك الأميركي الحالي:

أولا: إعادة تعريف الوجود الأميركي في المنطقة، فالحرب على “تنظيم الدولة” لم تعد كافية بحد ذاتها لتغطية هذا الوجود، نظرا لضعف هذا التنظيم، وبروز قوة محلية قادرة على ردعه.

فلا بد تاليا من إحداث تغيير في شكل هذا الوجود ومهمته، عبر بناء منظومة سياسية وأمنية جديدة على شكل مشروع إستراتيجي يتقاطع فيه الأمن بالسياسة والاقتصاد، وتحويل دور هذا الوجود من مجرد الحرب على تنظيم في طور الانهيار، إلى فاعل رئيسي في ضبط الديناميات التي تشهدها بلاد الشام، على وقع التغيرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة.

ثانيا: ضبط التفاعلات في منطقة بلاد الشام: يؤكد السياق العام للتحرك الأميركي وجود توجه إستراتيجي لدى القيادة العسكرية الأميركية يهدف إلى وضع خريطة بلاد الشام تحت القبضة الأميركية:

    الهدف الأول: التصدي للنفوذ الإيراني وسد المناطق الرخوة التي من الممكن العبور منها، فضلا عن إغلاق المنطقة في مواجهة مشاريع الصين المستقبلية، وإضعاف الوجود الروسي في سوريا.

    الهدف الثاني: مراقبة خطوط التماس بما يضمن توفر إنذار مبكر قبل حصول تطورات على نمط عملية طوفان الأقصى عام 2023، وذلك في إطار ترتيبات أميركية تهدف إلى الانتقال لمرحلة صنع السلام التي يسعى الرئيس ترامب إلى أن يصبح أحد أهم فاعليها.

    ثالثا: إدارة التوازنات وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، تدرك واشنطن أنها إزاء مشهد متحرك وقابل للتفجر في ظل صراعات ناشئة بين أطراف إقليمية تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها، مثل إسرائيل، وتركيا، مع وجود نسبة عالية من إمكانية حصول احتكاكات عنيفة بينهما في سوريا، وكذلك أطراف محلية على خلاف مع دمشق، مثل الكرد والدروز، وتسعى إلى تحقيق أهداف انفصالية، ومن ثم فإن الوجود الأميركي في سوريا من شأنه ضبط التفاعلات الجارية، وإعادة توجيهها ضمن أطر جديدة محلية وإقليمية.

وفي السياق ذاته، فإن التحرك الأميركي في سوريا يهدف إلى رسم قواعد تشكيل المشهد الإقليمي، بما يسمح لها بالتحكم في قواعد الاشتباك وإدارة التصعيد، وتوجيه أدوار الفاعلين في المرحلة المقبلة؛ بهدف إخراج المنطقة من دائرة الصراعات وتحويلها إلى قطب اقتصادي يَصب جزءا من عائداته في رصيد أميركا، من خلال انخراط شركاتها في البنى الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة، عبر مشاركتها في تشكيل طرق التجارة، وخطوط نقل الغاز، ومشاريع الإعمار.

ويساهم موقع سوريا الجغرافي في تشكيل الموقف الأميركي الجديد، إذ تغادر سوريا منطقة الإهمال الإستراتيجي في تفكير إدارة ترامب التي سبق أن وصف رئيسها سوريا بأرض الرمال والموت، لتصبح عقدة جغرافية تمتد من المتوسط إلى العراق، وتركيا، والأردن، وإسرائيل، وترتبط بمشاريع واشنطن الجيوسياسية والجيوقتصادية في المنطقة بشكل عضوي.

ومن ثم فإن استقرارها يمثل استثمارا مهما ضمن بنية المصالح الأميركية، ولذلك، نلحظ إلقاء أميركا بكامل ثقلها؛ للحفاظ على الأمن فيها، وتثبيت منظومتها الإستراتيجية الجديدة.

يتقاطع الاهتمام الأميركي مع توجه إقليمي يسعى إلى تثبيت الاستقرار في سوريا، والحفاظ على وحدة التراب، ولجم الاندفاعة الإسرائيلية التي تهدف إلى تفتيت سوريا بما يرتد سلبا على أمن دول المنطقة.

وتدرك الأطراف الإقليمية أن انخراط أميركا في الملف السوري، هو أفضل الحلول المتاحة لإخراج سوريا من دائرة الاحتمالات السيئة.

يتزامن ذلك مع رهان سوري بأن التشبيك الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة الأميركية سيمنح دمشق فرصة لبناء قدراتها الأمنية والعسكرية، والحصول على الموارد اللازمة لبناء مؤسسات أمنية فاعلة.

كما أن تحولها إلى لاعب فاعل وقادر على ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار على الأرض السورية، يستلزم دعما دوليا لا يمكن استجلابه إلا من خلال التفاهم مع الطرف الأميركي، الذي بدون شك يُعتبر الفاعل الأساسي الذي يتحكم بكامل خيوط اللعبة في المنطقة، بعد تراجع أدوار روسيا، والصين، وانخراط معظم اللاعبين الإقليميين ضمن المشروع الجيوسياسي لواشنطن.

قد يأخذ الوجود الأميركي في سوريا شكلا مختلفا عن النمط القائم على وجود قواعد عسكرية على الأرض، وثمة توقعات بأن يجري دمج خبراء أميركيين ضمن هياكل الجيش السوري، تحت مسمى تدريب القوات، والمساعدة على نجاح عمليات دمج الفصائل من خارج الجيش الحالي؛ “قسَد وفصائل السويداء”.

لكن المرجح أن تشهد المرحلة القادمة تكثيفا للإجراءات الأميركية الهادفة إلى إعادة هيكلة الوجود الأميركي في سوريا للتعامل مع المستجدات الطارئة، وترسيخ الترتيبات الأميركية في المنطقة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب سوري

الجزيرة

———————

مجلس النواب الأميركي يقر إلغاء “قانون قيصر” للعقوبات على سورية/ محمد البديوي و عبد الله البشير

11 ديسمبر 2025

أقرّ مجلس النواب الأميركي، ليل الأربعاء – الخميس، النسخة النهائية من مشروع قانون التفويض الدفاعي الوطني للعام المالي 2026، متضمنا مادة تنص على الإلغاء الكامل وغير المشروط لقانون “قيصر” الذي فرضت بموجبه عقوبات قاسية على سورية. ومن المقرر أن تتم إعادة مشروع القانون مرة أخرى إلى مجلس الشيوخ بعد تعديل بعض البنود على أن يتم التصويت عليه، ثم يرفع إلى مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع، حيث يدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية.

وجاء التصويت بأغلبية واسعة بلغت 312 صوتا مقابل 112 لتمرير مشروع ميزانية الدفاع بمبلغ قيمته 900 مليار دولار، تشمل زيارة رواتب العسكريين بنسبة 3.8% إضافة إلى تحسينات الإسكان والمرافق العسكرية، مع تعزيز إشراف الكونغرس على وزارة الحرب “البنتاغون” في حل وسط بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. واعترض عدد من النواب المحافظين لأن مشروع القانون لا يفعل المزيد لخفض الالتزامات الأميركية في الخارج.

وكان من المقرر أن يتم التصويت على القانون دون تعديلات على أن يرفع مباشرة إلى مكتب الرئيس، بدلا من إعادته إلى مجلس الشيوخ مرة أخرى، غير أن خلافات أعضاء مجلس النواب الأميركي الجمهوريين أدت إلى تعديل بعض البنود بعيدا عن قانون قيصر، رغم محاولات من بعض الأعضاء الداعمين لإسرائيل ربط إلغاء “قيصر” بشروط ملزمة للحكومة السورية.

ويبدأ تفعيل القانون أول يناير/كانون الثاني 2026، مما يلغي قانون قيصر نهائيا، بعد سنوات من فرضه على سورية، لتلغي بذلك إدارة ترامب جميع العقوبات الأميركية على دمشق بعد إلغاء العقوبات الأخرى ورفعها من تصنيف الدول الداعمة للإرهاب.

دمشق ترحب

من جانبها، رحّبت الخارجية السورية بالتصويت لصالح إلغاء القانون، معتبرة الخطوة “ناتجة عن انخراط دبلوماسي بنّاء قادته الحكومة السورية مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية”. وقالت الوزارة، في بيان، صدر اليوم، إن “هذا التطور يعد محطة محورية في إعادة بناء الثقة، وفتح مسار جديد للتعاون، ويمهّد لتعافي الاقتصاد في سورية بشكل أوسع، ويتيح عودة الفرص التي حُرم منها الشعب السوري لسنوات بسبب العقوبات، ويؤسس لمرحلة من التحسّن الملموس في حركة الاستيراد، وتوافر المواد الأساسية والمستلزمات الطبية، وتهيئة الظروف لمشاريع إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد الوطني”.

العربي الجديد،

———————————

 ما هي الشروط التي فُرضت على سوريا جراء إلغاء “قانون قيصر

الخميس 2025/12/11

صوّت مجلس النواب الأميركي لصالح مشروع قانون موازنة الدفاع لعام 2026، والذي تضمن ملحقاً ينص على إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019″، بواقع 312 صوتاً مقابل رفض 112 عضواً.

لكن التفاصيل الملحقة بالملحق، أثارت الجدل حول ما إذ تضمنت بنداً ينص على إعادة فرض العقوبات تلقائياً: “ميكانيزم سناب باك”.

تفاصيل القرار

ووفق ما جاء في النص التشريعي الكامل:

الفقرة (أ): يُلغى بموجب هذا القانون جميع العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019”.

الفقرة (ب): يقدم رئيس الولايات المتحدة في موعد لا يتجاوز 90 يوماً من تاريخ نفاذ القانون، ثم كل 180 يوماً، ولمدة 4 سنوات، تقريراً غير سري (مع ملحق سري عند الضرورة) إلى لجان: الشؤون الخارجية، والخدمات المالية، والشؤون القضائية، في مجلس النواب، وإلى لجنة العلاقات الخارجية، والمصارف، والإسكان، والشؤون الحضرية في مجلس الشيوخ.

ويتضمن التقرير إثبات الرئيس الأميركي ما إذ كانت الحكومة السورية قد التزمت بما يلي:

1- اتخاذ إجراءات ملموسة وحقيقية للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، بما في ذلك تنظيم القاعدة وفروعه، بالشراكة مع الولايات المتحدة، ومنع عودة ظهور داعش.

2- أزالت، أو اتخاذ خطوات لإزالة، المقاتلين الأجانب من المناصب القيادية في الحكومة السورية، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية.

3- احترام حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، والتمثيل العادل والمتوازن في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الوزارات والبرلمان.

4- لا تقوم بأعمال عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد الدول المجاورة، بما في ذلك إسرائيل، ومواصلة إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي عندما يكون ذلك مناسباً.

5- تتخذ خطوات حقيقية وموثوقة لتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بما في ذلك إجراءات دمج القوات الأمنية وتحقيق التمثيل السياسي.

6- اتخاذ إجراءات فعّالة لمكافحة غسيل الأموال، تمويل الإرهاب، تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ويتضمن البند (6)، أن تكون الإجراءات متوافقة مع المعايير الدولية، وألا تكون على علم بتمويل أو مساعدة (مالياً أو من خلال نقل الأسلحة)، أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعين للعقوبات، بما في ذلك المنظمات “الإرهابية” الأجنبية والمصنفين كإرهابيين عالميين، ممن يشكلون تهديداً للأمن القومي الأميركي، أو لحلفاء وشركاء الولايات المتحدة في المنطقة.

7- قيام الحكومة السورية بملاحقة قضائية نشطة للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بما في ذلك المسؤولين عن المجازر بحق الأقليات الدينية.

8- اتخاذ تتخذ خطوات قابلة للتحقق لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك “الكبتاغون”.

الفقرة (ج): يقوم رئيس الولايات المتحدة بإبلاغ الحكومة السورية بنتائج التقرير المطلوب بموجب الفقرة (ب).

عبد النور: العقوبات القطاعية انتهت

وما أثار الجدل حول وجود بند يعيد فرض عقوبات قيصر تلقائياً، هو ما جاء في الفقرة (د)، و “القاعدة العامة” الواردة في النص التشريعي برقم (1). وتنص الفقرة (د) على فرض العقوبات، بينما القاعدة العامة تخوّل الرئيس الأميركي بإعادة النظر في فرض عقوبات على أفراد بموجب الصلاحيات القائمة، في حال عجز عن تقديم التقرير وفقاً لما ورد من بنود في الفقرة (ب).

ويوضح السياسي السوري المقيم في واشنطن أيمن عبد النور، أن ما ورد معناه أن الكونغرس مخول بعقد جلسة بالتوافق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتقرير نوع العقوبات، لكنه أكد أن العقوبات القطاعية انتهت، مثل عقوبات “قيصر”، بينما إذ تم التوافق على فرض عقوبات جديدة، فإنها قد تستهدف افراداً أو مؤسسات، وبالتالي لن يؤثر ذلك على المستثمرين.

ويضيف عبد النور لـ”المدن”، أن المستثمر بوسعه أن يطمئن بأنه لن تكون هناك عقوبات قطاعية جديدة على سوريا، أو تطبيق “ميكانيزم سناب باك”، بعد إتمام إلغاء عقوبات قيصر بشكل نهائي، موضحاً أن مجلس الشيوخ سيصوت على الإلغاء الأسبوع المقبل، وسيقوم الرئيس الأميركي بالتوقيع عليه في نفس اليوم.

ويلفت السياسي السوري إلى أن الدور المقبل “وهو الأكبر”، يقع على عاتق الحكومة السورية، لترتيب كامل المناخ الاستثماري، وليس فقط الاقتصار على قانون الاستثمار، موضحاً أن توفير المناخ تطوير المحاكم، وسن قوانين تجارية ومالية، سياسات شفافة بالقوانين النقدية، وبنية تحتية متطورة، حوامل طاقة بأسعار مناسبة، بهدف جلب المستثمرين إلى سوريا.

—————————-

نهاية حقبة “قيصر”: كيف يقرأها الاقتصاديون في سوريا؟/ هيام علي

حاكم المصرف المركزي: سيعزز السيولة ويربط النظام المصرفي بالأسواق العالمية ومتخصصون: منعطف تاريخي

الخميس 11 ديسمبر 2025

بعد تصويت مجلس النواب، من المتوقع أن يصوت مجلس الشيوخ على مشروع قانون إلغاء قانون “قيصر” الأسبوع المقبل، ثم يقدم إلى الرئيس دونالد ترمب ليصادق عليه حتى يعد نافذاً.

أقر مجلس النواب الأميركي فجر اليوم الخميس مشروع قانون موازنة الدفاع الوطني للعام 2026، والذي يتضمن بنداً يلغي عقوبات قانون “قيصر” التي كانت مفروضة على سوريا منذ عام 2019.

وكان مجلسا الشيوخ والنواب أدرجا في نسخة توافقية من قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 بنداً لإلغاء عقوبات “قيصر” لعام 2019، وهي خطوة ينظر إليها على أنها أساس لإنعاش الاقتصاد وإطلاق عملية التنمية والبناء في بلد يحتاج إلى 216 مليار دولار لإعادة الإعمار وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي.

ويشترط بحسب الوثيقة، تقديم تقارير منتظمة من البيت الأبيض تثبت أن الحكومة السورية تحارب مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتحافظ على حقوق الأقليات الدينية والعرقية داخل البلاد، ولا تتخذ أية إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل.

وبعد تصويت مجلس النواب، من المتوقع أن يصوت مجلس الشيوخ على مشروع القانون الأسبوع المقبل، ثم يقدم إلى الرئيس دونالد ترمب ليصادق عليه وبعد ذلك يعد قانوناً نافذاً.

ويذكر أن ترمب أعلن عزمه رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، خلال اجتماعه الأول مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مايو (أيار) الماضي بالسعودية وعلقت إدارته العقوبات موقتاً، إلا أن رفع عقوبات “قيصر” الأكثر صرامة بصورة نهائية يستلزم صدور قانون من قبل الكونغرس.

يذكر أن الكونغرس كان أقر قانون “قيصر” خلال الـ11 من ديسمبر (كانون الأول) 2019 لمعاقبة أركان نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد على تهم تتعلق بجرائم حرب ضد المدنيين في سوريا.

حاكم المركزي السوري: إلغاء “قيصر” ذو مغذى اقتصادي مهم

حاكم مصرف سوريا المركزي عبدالقادر حصرية كتب عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” منشوراً قال فيه “يعد ’قانون قيصر‘ أحد أهم تشريعات العقوبات الجماعية”، معتبراً أن هذا الإلغاء ذو مغذى اقتصادي مهم.

 مشيراً إلى أن أهم جوانب فرض القانون وإلغائه هي تأثير عقوبات “قيصر” التي أدت إلى تقييد القنوات المصرفية الدولية ورفع كلف التحويلات، مما انعكس على قدرة المصرف في أداء دوره الكامل داخل الاقتصاد الوطني.

وتابع حصرية “ثانياً التحديات في السياسة النقدية، إذ برزت العقوبات صعوبات في إدارة الاحتياطات وتنظيم السيولة، والحد من التقلبات الحادة في سوق الصرف، إضافة إلى ضغوط تضخمية نتجت من اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد”.

وتابع “التحويلات والتجارة الخارجية، إذ شهدت التحويلات الواردة من الخارج ارتفاعاً في الكلفة واتجاهاً أكبر نحو القنوات غير الرسمية، وتأثرت التجارة الخارجية نتيجة محدودية التعاملات البنكية المراسلة”.

 ورأى حصرية أن رفع العقوبات يخلق فرص مهمة، إذ سيمثل أي تخفيف أو رفع للعقوبات فرصة للمضي قدماً في ربط النظام المصرفي بالأسواق المالية العالمية وتعزيز تدفق الاستثمارات، وتسهيل حركة التجارة والمدفوعات.

وعن الاستعداد للمرحلة المقبلة أكد حصرية أن المصرف سيعمل على تعزيز الإطار الرقابي وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، وتهيئة المصارف المحلية لعودة العلاقات مع البنوك المراسلة بما يضمن امتصاص التدفقات المالية المحتملة.

وعن تأثير إلغاء قانون “قيصر” على استقرار الليرة السورية، أوضح حصرية أن “المركزي السوري سيركز على تحسين إدارة السيولة وتطبيق أدوات نقدية أكثر فاعلية، وتوسيع استخدام القنوات الرسمية للتحويلات بهدف دعم استقرار سعر الصرف”.

وقدم حاكم مصرف سوريا المركزي الشكر إلى السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا، قائلاً “نتطلع إلى تعاون دولي يدعم إعادة تشغيل القنوات المصرفية، وتقديم مساعدات فنية لرفع كفاءة النظام المالي وتمكين الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من تخفيف القيود”، مؤكداً أن المصرف سيتابع دوره المحوري في تعزيز الاستقرار المالي وتسهيل التدفقات الاستثمارية، وتمكين عملية إعادة بناء الاقتصاد الوطني بما يضمن تحقيق النمو والتنمية المستدامة.

القطاع المصرفي السوري إلى ازدهار

مدير “فرنس بنك سوريا” نديم مجاعص أعرب عن تفاؤله بمستقبل الاقتصاد السوري، مؤكداً أن القطاع المصرفي إلى تطور وتوسع خصوصاً مع تنشيط نظام “سويفت” أمام البنوك السورية.

 مشيراً لـ”اندبندنت عربية” إلى أن الازدهار ينتظر القطاع المصرفي السوري كما ينتظر الاقتصاد والمجتمع السوري ككل، متوقعاً انضمام مزيد من المصارف الجديدة إليه، خصوصاً أن عملية إعادة الإعمار قادمة والاستثمارات التي ستضخ إلى سوريا كبيرة ومهمة وتحتاج إلى قطاع مصرفي واسع وكبير وقادر على استيعاب حاجاتها وتخديمها بصورة أمثل، وأكثر توافقاً مع الخدمات المصرفية الموجودة في العالم.

وأكد أن القطاع المصرفي السوري لاعب أساس في مواكبة النمو الاقتصادي المرجو والمتوقع، وبرأيه سوريا مقبلة على ثورة اقتصادية كبيرة، وعادة الدول يكون لديها مشكلة في جذب الاستثمارات وجذب الطلب، أما سوريا فإن القطاع المصرفي لديه تحدي مواكبة الطلب المقبل والمتوقع أن يكون أكبر من قدراته واستيعابه الأولي، إلا أنه أكد أن المصارف السورية الحالية قادرة على المواكبة، خصوصاً أن سياسات المصرف المركزي أصبحت أكثر قدرة على تلبية متطلبات العمل المصرفي ودفعه إلى الأمام.

مجاعص أوضح أن هناك رافعة سياسية دولية تدفع باتجاه بناء الاقتصاد السوري، وهذا ما يفسر اهتمام حكومات وشركات كبرى ومهمة من دول عديدة بالاستثمار والعمل في سوريا.

تحقيق التعافي الاقتصادي المطلوب لسوريا مرهون

من جانبه، اعتبر المتخصص الاقتصادي السوري إيهاب اسمندر أن ما حدث اليوم يمثل منعطفاً تاريخياً فعلياً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، فبموافقة الكونغرس على إلغاء عقوبات قانون قيصر ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني، يصبح الطريق مفتوحاً للتوقيع الرئاسي لإنهاء العمل بهذا القانون مع نهاية العام الحالي بحسب ما هو مفترض، وفي حال اكتمال الإجراءات ستتاح لسوريا فرص اقتصادية مهمة، بما في ذلك عودة المستثمرين الأجانب وتحريك رؤوس الأموال المتوقفة، وأعلن سابقاً عن جذب استثمارات بقيمة 28 مليار دولار خلال عام 2025 لكن تنفيذها كان يعترضه هذا العائق.

وتابع “أيضاً سيفتح الإلغاء الباب أمام تصدير النفط والغاز واستيراد المعدات الصناعية ويمهد لدمج سوريا في النظام المالي العالمي، مما يمكن المصرف المركزي من أداء مهامه الأساس وإعادة ربط البلاد بشبكة ’سويفت‘ للتحويلات المصرفية”.

المتخصص السوري أكد لـ”اندبندنت عربية” أن إلغاء قانون قيصر سيفسح المجال أمام بدء عملية إعادة الإعمار التي تحتاج إليها البلاد بشدة، والتي تقدر كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار، مستدركاً “لكن لا بد من الإشارة إلى أن تحقيق التعافي الاقتصادي المطلوب لسوريا مرهون بإصلاحات داخلية وتذليل تحديات أخرى، مثل تطوير البنية التحتية وبناء بيئة استثمارية سليمة ومستقرة”.

على الحكومة ترتيب البيت الداخلي

إلى ذلك قال المتخصص الاقتصادي عمار يوسف لـ”اندبندنت عربية” إن إلغاء قانون “قيصر” يعني أن سوريا باتت قادرة على إطلاق عملية إعادة الإعمار والبناء وكل مذكرات التفاهم الاستثمارية التي وقعت طوال هذا العام ستبدأ بالتحول إلى اتفاقات تمهيداً للشروع بالتنفيذ على أرض الواقع، فلم تعد هناك عقوبات تخيف الشركات والأموال ورجال الأعمال من دخول سوريا، والتحويلات المصرفية ستصبح متاحة وأيضاً التقنيات الحديثة والتكنولوجيا ستجد طريقها إلى سوريا من دون عوائق، بمعنى أن حتى الاستيراد سيتغير شكله من الآن فصاعداً ليتحول من سلع استهلاكية وكمالية وسيارات وغيرها إلى مستلزمات إنتاج وطاقة ومعدات تنقيب واستخراج النفط ومحطات توليد كهرباء وطائرات ومعدات بناء حديثة وغيرها”، معتبراً أن الكرة الآن أصبحت في ملعب الحكومة السورية التي عليها أن تدرك كيف تدير مرحلة ما بعد قيصر من خلال بناء مناخ استثماري متماسك وملبٍ لتطلعات المستثمرين والشركات، وإنجاز الأمور كافة التي يسأل ويطلبها المستثمر عند الدخول للعمل داخل بلد، مثل القضاء العادل والسريع وإنشاء غرف للتحكيم وتوفير القدر الكافي من المرونة والإجراءات الإدارية المبسطة والقوانين الواضحة غير القابلة للاجتهاد ونظام مصرفي متطور، كل ذلك وما يندرج تحت مسمى الأمن الاقتصادي الذي يجب أن يقترن بتوافر الأمن والاستقرار الداخلي.

متوقعاً أن تجذب سوريا استثمارات مهمة وكبيرة وبعضها سيكون على مستوى إقليمي ودولي وقطاع الطاقة خير مثال، إذ تمكن من استقطاب اهتمام كبرى الشركات في العالم والولايات المتحدة، وقبل أيام كان وفد من شركة “شيفرون” داخل سوريا وأعتقد وحسب المعلومات أنه جرى الاتفاق معها فعلاً على استثمار نفط وغاز الساحل، أيضاً كان هناك وفد من شركة “كونكو” ووفد آخر من وزارة الطاقة السعودية مع أربع شركات.

وأشار إلى أن كل ذلك يدخل ضمن ما يمكن أن نسميه مؤشرات إلى أن سوريا اليوم تعد قبلة الاستثمار، ولا أستبعد أن تتحول سوريا إلى مركز مالي عالمي وأيضاً معبر لخطوط النفط والغاز مع توافر كل الشروط لتحقيق ذلك بدءاً من الموقع التجاري والجغرافي، ومع حاجة الشركات ورجال الأعمال إلى وجهة استثمارية جديدة لأموالهم.

وأضاف “لقد انتهى زمن ’قيصر‘ وانتهت معه عقود من الحصار والعقوبات”، متمنياً أن تتمكن الحكومة السورية من ترتيب البيت الداخلي على أعلى مستوى أمام الاستثمارات والأعمال والأموال”.

وتوقع أن تتمكن سوريا من جذب مالا يقل عن 150 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة، كاستثمارات ستتوجه إلى مختلف القطاعات بما فيها البنى التحتية.

———————————

 هل يُشكّل قانون قيصر العقبة الوحيدة أمام إعادة إعمار سوريا؟/ باسل المحمد

2025.12.10

تزامناً مع إحياء السوريين الذكرى الأولى للتحرير وإسقاط النظام، برزت تطورات لافتة في واشنطن تتعلق باقتراب تصويت الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون قيصر، فقد كشف مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم عن مساعٍ متقدمة داخل الكونغرس لإجراء تصويت على موازنة وزارة الدفاع الأميركية، المتضمنة بنداً يقضي بإلغاء قانون قيصر، ووفق غانم من المقرر أن يجري التصويت يوم الأربعاء، 10 كانون الأول الجاري.

وفي السياق نفسه أكد مراسل وول ستريت جورنال جاريد مالسن عبر منصة “إكس” أن الكونغرس الأميركي “وافق للتو” على إلغاء العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر، وأضاف:” ستنشر الليلة الصيغة النهائية المضمنة في تعديل قانون تفويض الدفاع الوطني.

ورغم أهمية هذه الخطوة والجهود الدبلوماسية التي بُذلت في سبيلها وما رافقها من دعم عربي وإقليمي من حلفاء سوريا، إلا أن هذا التصريح يفتح في المقابل الباب لسؤال محوري: هل يكفي الإلغاء المرتقب لقانون قيصر لإطلاق عجلة إعادة الإعمار في سوريا، أم أن مسار الإعمار ما يزال مرتبطاً بعوامل وعقبات أخرى تتجاوز إطار العقوبات الأميركية؟

مؤسسات متهالكة

تشكل بنية مؤسسات الدولة واحداً من أعقد التحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة في مرحلة ما بعد التحرير، فسنوات الحرب الأربع عشرة، وما رافقها من تسخير شبه كامل لموارد الدولة لصالح آلة النظام العسكرية، وحرمان القطاعات المدنية من أبسط متطلبات التطوير، إضافة إلى العقوبات الأوروبية والأميركية التي عطّلت قدرة المؤسسات على مواكبة التحول العالمي، كلها عوامل أسهمت في إنتاج جهاز إداري منهك ومترهل تحول اليوم إلى عبء ثقيل على مسار إعادة الإعمار.

وفي هذا السياق كشف آخر تقرير صادر عن البنك الدولي في تشرين الأول الماضي، أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تقد بـ 345 مليار دولار، منها 141 مليار دولار مخصصة لإعادة إعمار المؤسسات الحكومية والعامة، إضافة إلى إصلاح البنية التحتية الأساسية (طرق، كهرباء، ماء، وشبكات حكومية).

ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن جذور هذا التدهور تعود إلى الحقبة السابقة، لكن المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ يوضح لموقع تلفزيون سوريا أن الحكومة الحالية لم تُطلق بعد برنامجاً فعلياً لإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، مضيفاً أن آليات التوظيف ما تزال ضعيفة بعد خروج عدد كبير من الموظفين لأسباب مختلفة، الأمر الذي زاد هشاشة البنية المؤسسية وأفقدها القدرة على قيادة عملية إعادة الإعمار.

هذا التشخيص يتقاطع مع الموقف الرسمي الذي عبّر عنه وزير المالية السوري محمد يسر برنية عقب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الرياض نيته رفع العقوبات عن سوريا.

وأكد برنية في تصريحات صحفية أن الحكومة تعمل على “إصلاح شامل لإدارة المالية العامة، بما في ذلك النظام الضريبي والجمارك والقطاع المصرفي”، ضمن جهد أوسع لتحديث اقتصاد أنهكه تضخم القطاع العام على مدى عقود. لكنه في المقابل شدد على أن رفع العقوبات ليس سوى الخطوة الأولى في مسار تعافٍ طويل.

اقرأ أيضاً

قيصر والشرع

هل ألغت واشنطن “قانون قيصر” فعلاً أم ما يزال سارياً قانونياً؟

ضعف الحوكمة والتشريعات

يمثل ضعف الحوكمة وغياب إطار تشريعي ورقابي ناضج أحد أبرز التحديات التي تقف أمام إطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، حتى في حال رفع العقوبات الأميركية بالكامل.

وتؤكد دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات أن أي خطة إعمار لن تحقق نتائجها ما لم تُبنَ على مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة وفاعلة تضمن نزاهة إنفاق الموارد ووصولها إلى مستحقيها، وتحول دون إعادة إنتاج شبكات الفساد والمحسوبية التي رسخها النظام المخلوع طوال عقود.

وتتقاطع هذه الدراسة مع رأي مدير الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي، محمد علاء غانم الذي قال في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا إن رفع قانون قيصر – المتوقع قريباً – لا يكفي وحده لجذب الاستثمارات وإطلاق الإعمار موضحاً: لرفع دخل المواطن وزيادة قيمة الصادرات وجذب الشركات الدولية، نحن بحاجة إلى تخطيط اقتصادي سليم، وبحاجة إلى قضاء نزيه وعادل، فالشركات الأجنبية تخشى دائماً من وقوع نزاعات، ولحل هذه النزاعات لا بدّ من قضاء مستقل ومحاكم فعّالة.

ويضيف غانم أن البيئة الاستثمارية لا تُبنى فقط عبر الامتيازات، بل عبر شفافية كاملة في منح العقود والإجراءات الاقتصادية، إلى جانب بنية تخطيط اقتصادي متماسكة، مؤكداً أن هذا كله لا يقل أهمية عن رفع قانون قيصر نفسه.

وتدعم مراكز الأبحاث الدولية هذا التقييم، إذ يحذّر تحليل صادر عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 31 تشرين الأول الماضي من أن مشاريع الإعمار قد تتعرض للاستحواذ من قبل قوى سياسية نافذة إذا لم تُعالج مظاهر ضعف الحوكمة.

ويشير التحليل إلى أن الفترة الأولى بعد التحرير شهدت طرح بعض الأصول الحكومية للخصخصة دون شفافية كافية حول هوية المشترين أو شروط الصفقات، مما أثار مخاوف جدّية من إعادة إنتاج نمط المحسوبية والفساد الذي طبع الاقتصاد السوري خلال عقود مضت.

تعدد مناطق السيطرة

يمثّل غياب سلطة سياسية موحّدة على كامل الجغرافيا السورية أحد أبرز التحديات التي تعيق إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار على مستوى وطني شامل، فإلى جانب العوائق الإدارية والاقتصادية، ما تزال سوريا عملياً بلداً مقسم السيطرة بين مناطق خاضعة للحكومة السورية، ومناطق تديرها قوات “قسد” شرق الفرات، إضافة إلى منطقة السويداء في الجنوب السوري.

هذا التشتت في النفوذ يصعّب بناء رؤية متماسكة للإعمار، ويحدّ من قدرة الحكومة على وضع سياسات وطنية موحّدة أو تنفيذ مشاريع كبرى تتطلب سلطة تنفيذية واحدة وإطاراً قانونياً متسقاً.

ويشير باحثون إلى أن انعدام الاستقرار السياسي الكامل يشكل في الوقت الراهن العائق الأكثر تأثيراً على قرارات التمويل الدولي؛ فالدول المانحة لا تزال تنظر إلى سوريا بوصفها ساحة انتقالية لم تُحسم ملامح نظام الحكم فيها بشكل نهائي، مما يقلل من استعدادها لضخ استثمارات أو تمويلات طويلة الأجل في بيئة تُوصف بأنها غير مستقرة وتفتقر إلى رؤية واضحة للمستقبل السياسي.

وفي هذا السياق يرى الباحث الأول في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي أنه لا يمكن التقليل من أثر قانون قيصر على مسار الإعمار، لكنه يبقى عاملاً من مجموعة عوامل أوسع تعرقل عملية إعادة البناء بطريقة تولّد الأمن والاستقرار.

 ويضيف الدسوقي في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أن أحد أهم الشروط الحاسمة لنجاح الإعمار هو استعادة سلاسل القيمة الوطنية المحرّكة للاقتصاد السوري، وهو أمر متعذّر في ظل وجود مساحات جغرافية واسعة ما تزال خارج سيطرة الحكومة، ما يجعل من الصعب إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية بصورة مترابطة أو استعادة الانتظام الطبيعي لحركة التجارة الداخلية.

إسرائيل وعرقلة الإعمار

يشكّل الدور الإسرائيلي أحد أكثر العوامل الخارجية تأثيراً على إمكانية انطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، ليس فقط من زاوية الاعتداءات العسكرية المتكررة، ومحاولة اللعب على وتر التنوع العرقي والطائفي في سوريا، بل من حيث انعكاس هذا السلوك على مستوى الاستقرار السياسي والاقتصادي المطلوب لبدء أي استثمار طويل الأمد.

 ورغم مرور عام على التحرير ما تزال إسرائيل تشنّ غارات مكثفة وتنفّذ توغلات داخل الأراضي السورية، تجاوز عددها أكثر من 1000 غارة و400 توغلاً منذ سقوط النظام، كان آخرها المجزرة التي وقعت في بلدة بيت جن بريف دمشق وراح ضحيتها العشرات.

وينعكس هذا الواقع الأمني المضطرب مباشرة على ثقة المستثمرين الخارجيين، كما يوضّح الباحث الاقتصادي يونس الكريم الذي يرى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي ونمط القصف المتكرر يجعل الشركات الدولية تتخوف من ضخ استثمارات كبيرة في سوريا، خشية أن تضغط إسرائيل على واشنطن لفرض عقوبات إضافية أو تمديد عقوبات قائمة في حال لم تستجب الحكومة السورية لشروط معينة تريد إسرائيل فرضها على سوريا.

ويشير الكريم إلى أن هذا العامل وحده كفيل بإبطاء مسار إعادة الإعمار، حتى لو رُفع قانون قيصر بالكامل.

على الجانب السياسي تدرك الحكومة السورية حجم هذا التحدي وهو ما عبّر عنه الرئيس أحمد الشرع خلال مشاركته في ندوة حوارية ضمن أعمال منتدى الدوحة 2025، حيث قال: نعمل مع الدول الفاعلة على مستوى العالم للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وجميع الدول تؤيد مطلبنا هذا. وهناك مفاوضات مع إسرائيل، والولايات المتحدة منخرطة معنا في هذه المفاوضات، والجميع يدعم حق سوريا في استعادة تلك الأراضي.

تلفزيون سوريا

————————-

تأثيرات إلغاء قانون قيصر على الواقعيين الاقتصادي والمعيشي للسوريين

كانون الأول 11, 2025

تتبادر إلى أذهان كثير من السوريين، وتزامناً مع تصويت مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون موازنة الدفاع التي تتضمن إلغاء “قانون قيصر”، أسئلة حول انعكاسات ونتائج هذا التصويت على واقعهم الاقتصادي.

وفي هذا الصدد، تحدث نقيب الاقتصاديين السوريين محمد البكور في مقابلة مع الإخبارية، الخميس 11 كانون الأول، عن الانعكاسات الاقتصادية المباشرة لإلغاء القانون على السوريين، ومدى تأثيره على حياتهم المعيشية.

وأشار البكور إلى أن تأثيرات إلغاء قانون قيصر والعقوبات المترتبة عليها، تشمل مجالات عدة، من بينها “تسهيل حصول البنك المركزي مستقبلاً على القطع الأجنبي وبكميات أكبر، وبالتالي رفع قدرته على التحكم بسعر الليرة وتثبيت هذا السعر”.

ونوه نقيب الاقتصاديين في هذا المجال، إلى أن “ما يحمي المواطن ويفيده، هو تثبيت سعر الليرة وحمايتها من التأرجح في سعرها، وهذا ما لا يمكن للبنك المركزي فعله دون وجود السيولة الكافية”.

تأثيرات على تأمين السلع

ومن جانب آخر، فإن من التأثيرات الإيجابية لإلغاء قانون قيصر، حسب بكور، هو أن الكثير من السلع والمواد “يصبح بالإمكان استيرادها، بعد أن كانت سابقاً محظورة، وفي حال وجودها في السوق السورية، فتكون مرتفعة السعر”.

وذكر نقيب الاقتصاديين، أن أهم ما يذكر في هذا المجال كذلك، فتح الباب أمام الكثير من المعامل والمصانع للانطلاق بشكل مباشر بعد أن انتفت معوقات استيراد المعدات المطلوبة بشكل كامل، و”التي كانت موجودة مسبقاً”.

وأضاف: “يمكن استيراد المعدات المطلوبة بشكل كامل.. وتأمين معامل حديثة مما يجعلها في قدرة أكبر على الإنتاج محلياً، وبتكلفة أقل، وتلبية حاجة المواطن من حيث الجودة ومن حيث السعر”.

إيجابيات على الاستثمار

وفيما يتعلق بتأثير رفع القانون على الاستثمار، يرى نقيب الاقتصاديين بأن هذا المحور هو من أهم التأثيرات الإيجابية، حيث كان قانون قيصر من معوقات جذب الأموال والاستثمار الخارجية.

ويبين البكور في ذات السياق، أن جذب الاستثمارات لا ينعكس فقط على ضخ الأموال وإعادة الإعمار، وإنما أيضاً على تشغيل اليد العاملة، وبالتالي “انخفاض نسب البطالة وارتفاع معدلات التشغيل، وهي بالضرورة تؤدي إلى تحسين الأجور”.

إدخال التقنيات الحديثة

وأخيراً أشار نقيب الاقتصاديين، إلى أن تأثيرات إلغاء قانون قيصر، تشمل التمكن من إدخال تقنيات حديثة، وفي مختلف القطاعات ومن بينها القطاع المالي، وهذا يعني بالضرورة “إعادة تأهيل الكوادر البشرية الموجودة في سوريا، وزيادة خبراتها”.

وصوت ‌‏مجلس النواب الأمريكي، الخميس 11 كانون الأول، بالأغلبية على مشروع قانون موازنة الدفاع التي تتضمن إلغاء “قانون قيصر” ضد سوريا.

وقال رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأمريكي محمد علاء غانم عبر حسابه في “إكس”، إن مجلس النواب أجاز مشروع موازنة وزارة الدفاع لعام 2026 وفيها مادة إلغاء قانون قيصر إلغاء غير مشروط بنتيجة تصويت 312 موافقاً و112 معترضاً.

وأضاف غانم: “بعد إجازته في النواب يتجه المشروع الآن لمجلس الشيوخ ليجري التصويت عليه الأسبوع المقبل ويرسل بعدها لمكتب الرئيس الأمريكي للتوقيع عليه”.

وأشار إلى أن تصويت النواب كان هو التصويت الأصعب وقد انتهينا منه ألف مبارك لسوريا ألف مبارك للسوريين 2026 بدون عقوبات”.

ويعد قانون قيصر، الذي أقره الكونغرس الأمريكي لحماية المدنيين السوريين في كانون الأول 2019، واحداً من أقسى العقوبات الاقتصادية والقانونية التي فرضت على نظام الأسد البائد بسبب جرائمه تجاه الشعب السوري.

المصدر: الإخبارية

———————————

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى