مدينتان منسيتان دير الزور ومقبرتها.. مدينتان منسيتان على الفرات/ يماني خلوف

لم يخطر ببال أحد في دير الزور أن تتحول حديقة جميلة إلى مقبرة يدفن الناس فيها أحبابهم
5 مارس 2025
مدينة أخرى
في جهة الشرق من سوريا تقع مدينة دير الزور، مدينة تستقّر على ضفّتي الفرات، كلُّ شيء فيها الآن قد أصبح قاتمًا تقريبًا، إذ كانت أحياؤها موطنًا لأعراق وثقافات كثيرة؛ فسكنها العرب (بنسبة ساحقة) إلى جانب الأكراد والتُركمان، وأثرى اندماجهم مع بعضهم البعض التنوع الاجتماعي والثقافي للمدينة، حيث امتازت بتراثها الشعبي الغنّي في فنونها وأغانيها وموسيقاها وعادات سكانها، ومع ذلك، فإن هذه الثقافة الغنية قد تعرّضت للتهديد بسبب ما عانت منه المدينة من ظروف مدمِّرة ومهلكة للحرث والنسل مؤخرًا، والتي عصفت بالمنطقة ككل.
قبل أن تتوسع دير الزور وتخرج من إطارها القديم، حيث كان أهلها يسكنون جميعًا تقريبًا في الدير العتيق، وهو الاسم القديم للمدينة كما يعرفه أهلها؛ اعتادوا آنذاك دفن موتاهم في موقعين رئيسيين: الأول مقبرة وسط المدينة، حيث كان يُدفن فيها غالبًا من يُعرفون بـ”الشرقيين”، والثاني مقبرة بجوار شركة الكهرباء، في موقع أصبح اليوم سوقًا شعبيًا يُعرف بسوق الهال، وكان يُدفن فيها غالبًا من يُعرفون بـ”الوسطيين”.
توسّعت المدينة في الظلّ ودون ضجيجٍ كعادتها توسعًا ضروريًا، وبمرور الوقت تم نقل المقبرة إلى موقعها الجديد في حي الشيخ ياسين، بجانب ما يعرفه أهل المدينة بتكية الراوي، وهكذا انتقلت مرة أخيرة واستقرّ موقع المقبرة الحالي منذ عام 1968، وحتى الآن، خلف جبلٍ صغيرٍ يقع على كتف المدينة.
مقبرة دير الزور الحالية ذات مساحةٍ كبيرةٍ، تبدو كمدينة للموتى موازية لأختها التي لازالت حيّة ربّما برغم كل ما عانته في السنوات الأخيرة. تمتد هذه المقبرة على مساحةٍ كبيرةٍ جدًا من الأراضي المتعرجة والمبسوطة، وتنتشر فيها قبور الموتى على شكل تجمّعات (مجنّات)، اعتاد الناس دفن موتاهم فيها، وتعني بلهجة أهل الدير المناطق المخصّصة للدفن، فكلّ عائلة كبيرة لديها موقع أو مكان مخصص في المقبرة يسمونه “مجنّة” خاصة فقط بأصحابها، وهو ما يعرفه جميع أهل المدينة جيدًا رجالهم ونساؤهم فلا مجال للتجاوز أو الخطأ في هذا الشأن فهو عرفٌ وأمر معلوم للجميع.
مقبرة دير الزور عالم واسع من التفاصيل المتناثرة ومساحة شاسعة يمكنك بسهولة قضاء نهارك كاملًا وأنت تتجول فيه، وفي كل المدينة دون استثناء، وإن كانت هناك حالة وفاة، ستجد أن الحيَّ بأكمله سيتضامن مع أهل المتوفّي، سترى بيوت الحي مفتوحة الأبواب، وقيام أهل الحي بشطف الأرصفة أمام منازلهم، وإخراج الكراسي وصفّها في الخارج لاستقبال المعزّين إلى حين نصب خيمة العزاء، واحدة للرجال ومثلها للنساء، والبعض منهم سيخرج مسجلًا للصوت فيرفع فيه صوت القرآن الكريم، ليعلن أنّ في هذا الحيّ قد توفي شخص ما، فكأن المصاب واحد، هذه الحميمية كمسلّمة ثابتة عند الجميع تميز أهل مدينة دير الزور حقًا.
عندما كانت رفات الموتى تُنقل من مقبرة إلى أخرى نتيجة لتغيّر موقعها من مكان إلى آخر، انتشرت بعض حكايا الناس التي رافقت عملية نقلهم لرفات موتاهم، والتي ربما يبدو بعضها صحيحًا، والحقيقة أن كثيرين منهم حمل رفات موتاه في أكياس بسيطة على وسائل نقل بسيطة كالدراجات، في رحلة أخيرة يطوف بها ببقايا من يحب في شوارع وحارات المدينة، وبعضهم من أخذ هذه الرفات الخاصة به وأبقاها يومًا كاملًا في منزله ليري هذا الغائب العزيز ما آلت إليه حال الأسرة والأحباب من بعده.
ليلة المحياة
في ليلة النصف من شعبان يبدأ أهل مدينة دير الزور بالاحتفال يهذه المناسبة الدينية بطريقة مميزة وخاصّة بهذه البقعة الصغيرة، ففي الجانب الديني منها لا تختلف هذه المدينة عن باقي مدن المسلمين بإحياء الليلة بتلاوة القرآن، والصلاة في المساجد والبيوت، وقراءة الموالد والتذكير بسنة نبينا الكريم (محمد صلى الله عليه وسلم)، وزيارة الأحبة وتوزيع الصدقات.
ليلة المحياة في دير الزور تناغمٌ فريد بين الروحانية والغيرية واللهو الطفولي البريء والحاد ربمّا، لكنه الصريح كصراحة دير الزور في تعبيرها عن نفسها في كل حالاتها، ليلة لن تجد لها مثيلًا على وجه الأرض.
في يوم المحياة قديمًا، كان الناس يذهبون إلى شاطئ الفرات يأخذون شموعهم فيضعونها على وجه الفرات الأخضر، على قطع من الخشب أو أيّ شيءٍ يمكن أن يحمله الماء، ويتركونها تمضي وحدها هكذا.. ثم يراقبونها بصمت وشغف الكريم من كسرته الأيّام، إلى أن تختفي محمّلة بأحلامهم وأمنياتهم بيوم أجمل من الذي مضى.
لم يعد هذا الطقس موجودًا عند أهل دير الزور الآن؛ حاله كحال تفاصيل كثيرة ذهبت بمرور الوقت، في هذا اليوم يذهب أكثر أهل المدينة إلى المقبرة الكبيرة نساءً ورجالًا، ويتوجّه الناس إلى قبور أحبائهم في المساء، وهذا التوجه ليس مجرد زيارة عابرة، بل هو تعبير عن الحب والاحترام للذين غادروا، حيث يقرؤون سورة الفاتحة على قبور موتاهم، وبعضهم يقرأ ما تيسر له من آيات القرآن الكريم في أجواء مفعمة بالروحانية .
في مكان محدد بالمجنّة الواحدة، يتجمّع أهلها حول قبر من مات حديثًا كما هي العادة، أو حسب مكانة ومنزلة الميت في نفوسهم، مع وجود حالات من الانفراد طبعًا بقبورٍ أخرى في المجنّة الواحدة، والتي تعني أصحابها بشكلٍ خاص ومباشر، يجلس النساء ممن هنّ أكبر سنًّا حول القبر المعين، وعادة ما يكون تحديد هذا الأمر خاصًّا بالنساء، فهن من يحددن أين يجب أن يكون التجمع “الأنسب”، إذ يقف الرجال والنساء الأصغر سنًا حول القبر فيتبادل الجميع أحاديث مقتضبة وربما مزاحًا خفيفًا، والكل معروف لا غرباء بينهم، والغريب في الأمر هو شكل التعارف وطريقته فيما يبدو وكأنه يحصل للمرة الأولى.
بعدها يتجمّع الرجال فيما بينهم من الكبير إلى الصغير في على شكل جماعة تتجهّز لزيارة العديد من الأقارب والمعارف في مجنّات أخرى من المقبرة الكبيرة، ليلقوا عليهم التحايا ويتلون الرحمات وقراءة الفاتحة على قبور موتاهم، وهو عُرفٌ أشبه ببروتوكولٍ متّبع ومتعارفٍ عليه بين ابناء المدينة، ففي هذا اليوم وهذه المناسبة الدينية والاجتماعية لا يمكن أن تنكفئ وحدك أو تظل وحيدًا.
تخبئ النسوة أكياسًا من النقود غالبها نقودًا معدنية وأكياسًا مليئةً بحلوى تشتهر بها مدينة دير الزور، حلوى مثل الكليجة والمعمول والغريبة، ليبدأ مشهد توافد البسطاء وأكثرهم من الأطفال مرارًا وتكرارًا على كل مجنات المقبرة ليحصلوا على ما يتصدق به أهل الموتى نساءً ورجالًا .
وحين تبدأ الشمس بالزوال تبدأ قصّة حياة أخرى لا مكان للموتى فيها، وكأنه فصل الموت يُطوى عند المساء، ليبدأ فصلٌ يصنعه الأطفال ولا أحد في كلّ المدينة يمكن أن ينازعهم فصلهم وسطوتهم هذه كائنًا من كان.
فصلٌ عنيفُ، جميلٌ، وانتصارٌ للحياة على جو الموت الذي ظلّ سيد المشهد لساعات طويلة مضت، أجل انتصار يٌشعل المدينة بأسرها “بالطقطاق”، والطقطاق اسم يطلقه الديريون على المفرقعات النارية، هنا تمامًا وفي هذه الساعات تحديدًا.
صوت المعركة
قبل يوم المحياة بأيام يبدأ الصغار بتجميع خرجياتهم لشراء الطقطاق، ورغم كلّ المحاولات بتحجيم هذا التقليد، والذي ربما يؤدي أحيانًا لاحتراق أماكن معينة في المدينة، أو إصابة بعض المارة أصابات تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، إلا أن أغلب سنوات المحياة مرّت بسلام دون أضرار فيما أعلم.
ما يفعله الصغار في هذه المناسبة ليس إرسال المفرقعات إلى السماء كما هو الهدف منها، إنما هو إعلان حرب حقيقية بين الحارة الواحدة أو حارة وأخرى، فالكلّ مجهّز بأنواع مختلفة من الأسلحة”، صورايخ عادية، وصواريخ تصفّر وأكثر فاعلية، وأنواعٌ عديدة من “البمبات”، وهي عبارة عن أصابع متفجرة مختلفة الأحجام والقوة، وحتى أنّ بعضها كـ”مبمة البطريق” مثلًا كما يسمونها قد تسبب حروقًا مؤلمة إذا لامست إحداها بشرة الإنسان، وسلاحٍ آخر هو عبارة عن ألعاب نارية صُممتْ بالأصل لتزيّن السماء بألوان زاهية، لكنها عند الصغار وفي المحياة تحديدًا تستخدم كسلاح فعال وموجّه ودقيق يسمّونه “خمس ألوان” وفي نسخة تالية أكثر تطورًا تسمى “سبع ألوان”.
وفيما يشبه حضرًا للتجوّل في المدينة تمضي ساعات وساعات من الحروب الطاحنة بين أمرائها الفرحين بها وبسعادة غامرةٍ لا يمكن تخيّلها على وجوه أصحابها، ستتمنى لو كانت كل حروب الأرض هكذا، بهذه السعادة وهذه الخسائر وهذه البراءة وهذا الشرف.
مقابر مؤقتة
تُشكّل الحرب، بآثارها المروعة، تجربة قاسية تؤثّر على جميع جوانب الحياة، ولا سيما في المجتمعات المتأثرة مباشرة بالعمليات العسكرية.
ومنذ بداية عام 2012 على وجه التقريب، تعرّضت العديد من المدن والقرى السورية لتدمير شامل وتهجير ممنهج، مما أدى إلى ظهور المقابر العشوائية والمؤقتة كحل بديل في مدينة دير الزور، كما هو الحال في مناطق سوريّة أخرى، وباتت الحاجة إلى دفن الموتى بطريقة آمنة وملحة تفرض نفسها، ما دفع الناس إلى التحايل على العادات والتقاليد الراسخة في دفن الموتى.
وعند النظر في الأسباب وراء ظهور المقابر العشوائية، نجد أن النزاع المسلّح الجاري قد خلق مناخًا من الفوضى وعدم الاستقرار، بحيث أصبح الوصول إلى المقابر التقليدية أمرًا مستحيلًا أو محفوفًا بالمخاطر؛ إذ كانت القذائفُ تتساقط على رؤوس الناسِّ، وكلّ المناطق تقريبًا غير آمنة، ولذا كان لزامًا البحث عن طرق بديلة لدفن الأحباب والأصحاب، حتى لو كان ذلك مع وجود هذه المخاوف.
من المثير للدهشة أن قضايا العادات والتقاليد باتت أمرًا ثانويًا في بلد كدير الزور، فهي بلدٌ يدور كل أهله تقريبًا في فلك هذه العادات ولا يمكن تجاوزها بحال من الأحوال قبل الآن، فقد قام كثيرون بالتخلّي عنها، مثل التحضير للجنائز وإقامة العزاء طيلة أيام الحزن.
في دير الزور، حديقة اسمها حديقة الشيخ ياسين، يعرفها أهل المدينة جيدًا، ولم يخطر يومًا ببال أحدهم أن تتحول هذه الحديقة الجميلة، والتي كانت مخصّصة للتنزه، إلى مقبرة يدفن الناس فيها أحبابهم وأصحابهم على عجل؛ لقد أضحى الدفن في المقابر المؤقتة هو الخيار الأسهل والأسرع نتيجة للحرب، حيث يمكن أن يتم هذا الإجراء في أيّ مكان، سواءً في الحدائق العامة أو الأراضي الفارغة، المهم أن تكون بعيدًا عن القصف.
لم تقتصر أثار الحرب على طريقة الدفن فحسب؛ بلْ تعدّت ذلك إلى التأثير على المشاعر والروح، أمام مشهد الجثث التي تُدفن بسرعة، فقد انزاح الحزن والألم ليترك مكانه لحسرة لا تنتهي، وذات يومٍ سيُصبح كل هذا الألم جزءًا من الذاكرة الجماعية للسوريين جميعًا ممن عانوا من ويلات القصف المتكرر، فهي كما يقول درويش: “كم كنت وحدك.. هي هجرة أخرى فلا تذهب تمامًا”.
مرّت الأيام وهم بجوار قبور أحبّائهم وأصحابهم في الحدائق أو في أيّ مكان أتيح لهم أن يدفنوا أصحابهم فيها، يزورنهم ويتحدثون إليهم بكل تفصيل كبير أو صغير يجري على الأرض وفي وقت يسمح لهم بذلك، لكن مضى وقت الرحيل مرة أخرى وربّما مرة أخيرة.
أخيرًا، لا بدّ من التأكيد على أنّ دير الزور ليست مجرد بقعة جغرافية صغيرة على خريطة العالم، بل هي كيان حيّ ينبض بالمعنى، وصدى لتجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان. فالمدن ليست تجمعات عمرانية فقط، بل تجسيد للذاكرة الجمعية لمن سكنوها وعاشوا بين أزقتها، وحملوا تاريخها على أكتافهم وفي صدورهم جيلاً بعد جيل. دير الزور، بهذا المعنى، رمزٌ للمقاومة ضد النسيان، حيث يصر سكانها على إعادة تعريف وجودهم في زمن العنف والفوضى. وتسليط الضوء عليها ليس مجرد فعل توثيقي، بل هو محاولة لإعادة الاعتبار للمدينة كحالة إنسانية متكاملة، تحتاج إلى مصالحة داخلية مع ذاتها، ومع بقية المدن السورية، لتستعيد مكانتها ليس فقط في الجغرافيا، بل في الوجدان والتاريخ.
قد يبدو هذا الآن أمرًا سابقًا لأوانه، أو أن مجرّد ذكره يعتبر قفزًا على مآسٍ كبيرةٍ أخرى و أكثر أهمية، ففي المدينة وغيرها من مدن سوريا ما هو أهم بكثير من قضية الإهمال المتعمد أو الحاصل نتيجة خطأ غير متعمّد، و لكنّ التذكير بالأخطاء القاتلة هو فعلًا ما تحتاج إليه البلاد بأسرها.
دير الزور ومقبرتها الكبيرة مدينتان منسيتان لسنوات وسنوات، ومعهما الفرات الراكض العاشق دائمًا لهذه الأرض، والذي لن يملّ من عمله هذا أبدًا. دير الزور جميلة بكل ما فيها.. شمسها ذهب وقمرها من تعب.. دير الزور مدينة تستحق الحياة والتذكّر.



