أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

من ترميم الجدران إلى ترميم الدولة: سوريا وسؤال إعادة الإعمار/ مسلم عبد طالاس

    29-07-2025

        إعادة الإعمار في سوريا عنوان قديم متجدد. لم يتوقف الحديث عنه منذ بداية الحرب. ورغم كثرة تناوله من أطراف متعددة، صحفيين وباحثين أكاديميين ومنظمات دولية وغيرها، ما يزال كثير من التشويش يحيط بالمفهوم، سواء من جهة دلالاته ومتطلبات إنجازه وما يرمي له، أو نتيجة خلطه مع مفاهيم أخرى. وهو ما قد يُعقد عملية إعادة الإعمار أو يشوش عليها ويحرفها عن مسارها لغايات معينة. وقد تكون تلك الغايات نبيلة وقد تكون خبيثة تهدف إلى عرقلة إعادة الإعمار أو توظيفها لمصلحة فئات سياسية أو محاسيب اقتصادية.

        توضيح المفهوم للناس ليس مسألة ثانوية، بل تمثّل ركيزة أساسية لنجاح واستدامة أي عملية إعادة إعمار. لكي يستطيع الأفراد أن يكونوا طرفاً فاعلاً في بناء مستقبلهم، لا مجرد متلقين للمساعدات.

        أولى النقاط التي يجب التوقف عندها تتعلق بالخلط بين خسائر الحرب وتكاليف إعادة الإعمار. فكثيراً ما يُطرح الحديث عن الدمار والخسائر اقتصادية بما في ذلك الفرص المهدورة، وتتراوح التقديرات حينها بين مئات المليارات من الدولارات وقد تتجاوز التريليون دولار. وهو ما يوحي بأن هذه هي المبالغ اللازمة لإعادة إعمار سوريا، وكأن إعادة الإعمار هي إعادة بناء ما تهدم كعملية هندسية، تتم من خلال اجتذاب أو استجداء مليارات الدولارات وإنفاقها بأقصى سرعة ممكنة، خلالها تستقر الأمور ويعيش الناس في بحبوحة اقتصادية.

        النقطة الثانية هي أبعادُ عملية الإعمار. متى تبدأ ومتى تنتهي وماذا تشمل. رغم أن البداية يمكن أن تُحدَّد بنهاية العمليات العسكرية على سبيل المثال، لكن النهاية غير واضحة. نظرياً يمكن القول إن مرحلة إعادة الإعمار قد انتهت عندما يعود الاقتصاد إلى حالة طبيعية مستقرة، يعني هذا استقرار التضخم، وانخفاض البطالة، وعودة النشاط التجاري، وقدرة الدولة على تمويل خدماتها الأساسية دون الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، مع استعادة الثقة في المؤسسات وتحسن مستويات المعيشة. إن إعادة الإعمار بعد الحرب هي عملية شاملة ومعقدة تهدف إلى استعادة الدول والمجتمعات المتضررة من النزاع. ولا تقتصر على عملية إعادة على البناء المادي (مثل الطرق والمباني)، بل تشمل أيضاً إصلاح الاقتصاد (خلق الوظائف، جذب الاستثمار)، وتعزيز أداء المؤسسات الحكومية (القضاء، الأمن)، ومعالجة القضايا الاجتماعية والنفسية (المصالحة، دعم المتضررين). هي تنطوي على إعادة تأسيس للمجتمع والدولة ككل والعلاقة بينهما، أي العقد الاجتماعي، إنها تحدٍ كبير، لكنها في الوقت نفسه تمثل فرصة لفتح الآفاق نحو مستقبل أفضل للمجتمع.

        لو حاولنا مقاربة الجانب الاقتصادي المادي في عملية إعادة الإعمار، ربما جاز القول بأن إعادة الإعمار تنتهي عندما يستعيد الاقتصاد مستواه ما قبل الحرب. طبعاً هذا غير ممكن لاختلاف الزمن وما يحمله ذلك من تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية على المستوى المحلي والدولي. لكن من أجل تصور أبعاد العملية؛ لنقبل مؤقتاً أن إعادة الإعمار تُنجز مع العودة إلى المستوى الاقتصادي قبل الحرب. هناك تقديرات بأن الناتج المحلي الإجمالي في العام 2010 كان حوالي 70 مليار دولار، وتقول التقديرات الأكثر تفاؤلاً الآن بأن الناتج المحلي الإجمالي هو حوالي 10 مليار دولار. أي أن على الاقتصاد السوري إنجاز زيادة في الناتج المحلي مقدارها 60 مليار دولار لكي يعود لمستوى عام 2010، وهنا فإن السؤال هو كم من (الأموال) الاستثمارات نحتاج، ما بين محلية وأجنبية، من أجل الوصول إلى هذا المستوى؟ وما هو الزمن اللازم؟

        تتوقف إجابة هذا السؤال على طبيعة العلاقة بين الاستثمار ونمو الناتج المحلي، ومعدل النمو المتوقع تحقيقه سنوياً، بافتراض ثبات معدل النمو وثبات العوامل الأخرى المؤثرة فيه. ما يعني أن نمو الناتج المحلي يتغير فقط مع تغير الاستثمار، وبعبارة أخرى فإن الاقتصاد ينمو بزيادة الاستثمار. تشير البيانات التاريخية لمختلف اقتصادات العالم إلى أن نسبة الاستثمار إلى الناتج سنوياً هي ما بين 3-5 إلى 1. أي أن إنجاز استثمار يتراوح ما بين 3 و5 دولار يُحقق زيادة في الناتج بمقدار 1 دولار سنوياً. إذا افترضنا أن النسبة في سوريا هي وسطياً 4 إلى 1، أي أن استثمار 4 دولار يحقق زيادة في الناتج 1 دولار سنوياً، فإننا نحتاج لاستثمار تراكمي مقداره:

        4 × 60 مليار = 240 مليار دولار.

        وبالنسبة لمعدلات النمو فإنه إذا افترضنا أربعة سيناريوهات لمعدلات النمو السنوي: 2 بالمئة و5 بالمئة و10 بالمئة و15 بالمئة.  فإن إنجاز عملية جَسر الفجوة تستغرق حوالي: 89 سنة و40 سنة و20 سنة و14 سنة، حسب كل سيناريو.

        إن تحليل الركام والفاتورة لا يكفي لفهم وتحليل إشكالية إعادة الإعمار السوري، بل ينبغي أن نطرح من جديد سؤالاً جوهرياً هو: لماذا انهارت سوريا بهذا الشكل؟

        من منظور الاقتصاد السياسي والمؤسسي، يرى دارون أسيموغلو في كتابه الشهير لماذا تفشل الأمم؟ أن الفرق بين الدول الناجحة والفاشلة لا يكمن في وفرة الموارد، بل في طبيعة المؤسسات. فالدول التي تُدار عبر مؤسسات شاملة (تضمينية) inclusive، تُتيح المشاركة وتمنع الاحتكار، تكون أكثر قدرة على تحقيق التنمية. أمّا الدول التي تُهيمن عليها مؤسسات استخلاصية، حيث تُحتكَر السلطة والثروة من قبل قلّة فيها، فمصيرها الفشل والانهيار. وتتلاقى هذه الرؤية مع تحليل دوغلاس نورث الذي يُميز بين «أنظمة الوصول المحدود» و«أنظمة الوصول المفتوح». يرى نورث أن كثيراً من الدول النامية، ومنها سوريا، تُدار ضمن نموذج الوصول المحدود، حيث تَحتكر النخب السياسية والاقتصادية الوصول إلى السلطة والموارد، وتُدار المؤسسات بما يخدم شبكات الامتياز وليس بما يخدم الصالح العام. في مثل هذه السياقات، تغيب التسويات السياسية الحقيقية، وتُستخدَم القوانين كأدوات للضبط لا للتنظيم، وهو ما يجعل أي مشروع إعمار، في غياب تغيير جذري في بنية الحكم، عرضة لإعادة إنتاج الديناميكيات نفسها التي قادت إلى الانهيار.

        في المقابل، يُقدم مشتاق خان مدخلاً واقعياً، أكثر مرونة. يرى خان أن الإصلاح المؤسسي لا يسبق الاستقرار السياسي، بل ينبثق منه. فالتحول لا يبدأ بإعادة بناء المؤسسات بشكل مثالي، بل من خلال «تسوية سياسية» تُعيد ترتيب موازين القوى المحلية، وتُنتج استقراراً أولياً يسمح بتدشين عملية بناء تدريجية. وفق هذا التصور، فإن أول شرط لأي إعمار حقيقي هو التوصل إلى اتفاق سياسي حقيقي وشامل. لا يكفي تغيير الوجوه أو رفع شعارات جديدة، بل المطلوب هو تغيير قواعد اللعبة نفسها: من حكم فوقي قائم على الامتيازات، إلى نظام تشاركي قائم على الشفافية والمسؤولية. من منطق الغلبة إلى منطق التعاقد.

        وفي هذا السياق، من المفيد أيضاً استحضار أطروحات داني رودريك، الذي يُشدّد على أن التنمية الاقتصادية لا تتحقق من خلال وصفات جاهزة أو حزم إصلاحات معيارية تُفرَض من الخارج، بل عبر سياسات صناعية مرنة تنبع من الواقع المحلي، وتتطور عبر التجربة والخطأ، وتستند إلى مشاركة القوى الفاعلة داخلياً. رودريك ينتقد الاعتقاد بأن «الحوكمة المثالية» أو المؤسسات المثالية هي شرط مسبق للنهوض، ويقترح بدلاً من ذلك نموذجاً عملياً للتطوير المؤسسي التدريجي، يقوم على بناء مؤسسات «جيدة بما يكفي» لبدء النمو، لا مثالية تعجز عن التحقق في الواقع.

        في حالة سوريا، يُشير هذا المدخل إلى أن إعادة الإعمار لا يجب أن تنطلق من خطط هندسية عملاقة أو تعهدات دولية ضخمة، بل من استراتيجية اقتصادية إنتاجية واضحة، تستهدف تحفيز القطاعات القادرة على توليد فرص عمل محلية، وتوفير الحماية والدعم للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع من خلال نتائج ملموسة. الإعمار، وفقاً لهذا المنطق، لا يكون بضخّ المال فقط، بل بخلق شروط مواتية للإنتاج والتوظيف، ضمن بيئة مؤسسية قابلة للتطور. وهذا يتطلب بالضرورة تسوية سياسية تسمح بتحقيق هذا النوع من التراكم التدريجي، وتمنح السياسات الاقتصادية الوقت والأرضية اللازمة للنمو.

        كل هذا يقودنا إلى خُلاصة مركزية: سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار، بل إلى إعادة تأسيس، إلى عقد اجتماعي جديد يُعيد توزيع السلطة، ويُعيد تعريف الدولة بوصفها خدمة لا غنيمة. الإعمار الحقيقي لا يبدأ بالإسمنت، بل بالعدالة. لا يُبنى بالرافعات، بل بالثقة العامة. ولهذا، فإن السؤال ليس: «كم تحتاج سوريا لإعادة الإعمار؟» بل: «أي سوريا نريد أن نُعيد إعمارها؟».

        وللإجابة على هذا السؤال، لا بد من تصور إعادة الإعمار كعملية سياسية واقتصادية متكاملة، لا كمشروع بنى تحتية فقط. فالانهيار الذي عاشته البلاد لم يكن دماراً مادياً فحسب، بل كان نتيجة نظام مؤسساتي مغلق احتكرَ السلطة والثروة، وقام على الامتيازات لا على الحقوق. ولذلك، فإن أي إعمار حقيقي يجب أن يبدأ من فتح المجال السياسي والاقتصادي تدريجياً أمام جميع المكونات المجتمعية، وتوسيع فرص المشاركة، وكسر الحلقة المغلقة التي منعت التداول والتوزيع العادل للموارد.

        وفي هذا الإطار، قد تمثّل اللامركزية الإدارية والسياسية مدخلاً عملياً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، خاصة في بلد خرج من حرب شديدةِ التَّفتُّتِ الجغرافي والانقسام المجتمعي. فالتمكين المحلي، عبر هيئات منتخبة وبلديات فاعلة، يمكن أن يوفّر استجابة أسرع لاحتياجات الناس، ويخلق بيئات مستقرة نسبياً قابلة لاستقبال مشاريع إعادة الإعمار. لا يعني ذلك تقسيم البلاد، بل إعادة توزيع عقلاني للصلاحيات يُعزز التماسك من القاعدة بدل فرضه من القمة.

        هذا يتطلب تسوية سياسية واسعة تُعيد تشكيل موازين القوى الداخلية، وتؤسِّس لقدرٍ من الاستقرار يُمكِّنُ من إطلاق إصلاحات مؤسسية تدريجية. فالمؤسسات الجديدة لا تُبنى دفعة واحدة ولا وفق قوالب مثالية، بل تنمو وتتطور بحسب قدرة السياق المحلي على التكيف معها، وحجم الحوافز التي تمنع العودة إلى أنماط الريع والفساد.

        بالموازاة، لا يمكن للاقتصاد السوري أن ينهض من خلال «التدفق المالي» فقط. ما تحتاجه البلاد هو سياسة إنتاجية فعّالة تخلق الوظائف وتُعيد الدورة الاقتصادية إلى الحياة، من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحديث البنية المهنية، وتحفيز القطاعات الصناعية والزراعية الواقعية – أي تلك التي تنسجم مع الموارد المحلية والقدرات المتاحة حالياً، وتُلبي الحاجات الأساسية للسوق المحلي، ويمكن تفعيلها سريعاً دون اعتماد مفرط على تمويل خارجي أو تكنولوجيا معقدة – وذلك ضمن بيئة تشجع التجريب وتراقب الأداء وتُعدل المسار باستمرار.

        القضية ليست مادية فقط. ليس مطلوباً أن نُعيد بناء كل مدرسة تهدّمت، بل أن نعيد التفكير في النظام التعليمي الذي يُناسب سوريا الجديدة. ربما خسرت سوريا 500 ألف مسكن على سبيل المثال، لكن هذا لا يعني بالضرورة إعادة بناء 500 ألف مسكن، بل بناء نموذج عمراني مختلف يستوعب الواقع الديموغرافي الجديد. لا يكفي أن تعود كل المشافي، بل أن يقام نظام صحي مستقل، عادل، ومموّل بشكل مستدام. وهذا ما لا تظهره الأرقام عادة، ولا تتناوله الخطابات السياسية والإعلامية إلا نادراً.

        ورغم أن السلطة السياسية قد تبدلت مؤخراً، فإن بنية الوصول المحدود لا تزال تحكم مفاصل الدولة، مع غياب واضح لأي تسوية وطنية شاملة أو إصلاح مؤسسي حقيقي. وهذا يعني أن مجرد تغيير النظام لا يكفي، ما لم يتبعه تغيير في قواعد اللعبة. سوريا اليوم، وبعد استلام هيئة تحرير الشام مقاليد الحكم، لا تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من الجاهزية المؤسسية. فجهازها الإداري مُفكَّك، وسوق العمل فيها شبه منهار، والنظام المصرفي معطّل أو خاضع لشبكات غير رسمية. والكفاءات، التي غادرت البلاد على مدى أكثر من عقد، لم تُظهِر رغبة جدية في العودة بعد، خاصة في ظل الغموض السياسي. أمّا الاقتصاد فلا يتحرك على قواعد العرض والطلب، بل على شبكات اقتصاد الحرب: التهريب، الريع، التحويلات، والاقتصاد الموازي. وربما الأهم من كل ما سبق، هو أن الإعمار يتطلب ثقة – وهي العملة النادرة في سوريا ما بعد الأسد – فالمجتمع السوري لا يزال منقسماً سياسياً ومجتمعياً وجغرافياً. هناك مناطق خرجت من الحرب مدمّرة بالكامل، لكن سكانها لا يشعرون بأنهم جزء من أي مشروع وطني موحّد. العودة الطوعية للاجئين لا تزال تسير ببطء السلحفاة، والمصالحة الاجتماعية لم تبدأ فعلياً.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى