أقليات سوريا: حبة فريز فوق قالب كاتو!/ عمر قدور

الثلاثاء 2025/08/26
في السجال السوري المتفاقم، لا يخفي كثر من أنصار السلطة رؤيتهم لإسقاط الأسد بأنه انتصار للسنّة، وأنهم لن يفرّطوا به إلى الأبد، حيث لا يُرى حرجٌ في استخدام الأبد على النحو الذي استخدمه أنصار الأسد من قبل. مقابل هؤلاء تكاثرت الدعوات إلى فدرالية سورية، تعتمد على الانقسام الأهلي، وتحديداً في ما يخص الدروز والأكراد والعلويين. هكذا يكون مطلب اللامركزية على سبيل التخفُّف من الهيمنة السُنية، من دون توقّف عند ماهية الوطن ككل، ولا عند فكرة المواطنة التي تُغيَّب كلياً على مذبح الجماعات.
المسألة الطائفية في سوريا ليست بجديدة طبعاً، والمزاد حول فكرة “تحالف الأقليات” في سوريا يعلو ويهبط. هناك مَن يردّ المؤامرة الأقلوية إلى اللجنة العسكرية التي صار لها صيت واسع بفضل ما نقله باتريك سيل عن حافظ الأسد، وهناك من يروّج لكونها مؤامرة فرنسية في الأصل، من خلال إنشاء جيش الشرق الذي صار عماد الجيش السوري بعد الاستقلال. أما الفرضية الأبعد فيعود أصحابها إلى أكثر من قرن، إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية وإنشاء الكيان السوري الحديث بحدوده المعترف بها دولياً.
من المعلوم أن المواجهة بين الأسد والإخوان المسلمين في أواخر السبعينات دفعت بالمسألة الطائفية إلى الواجهة، لكن ظروفاً أخرى كان لها تأثير شديد الأهمية أيضاً، فبالتزامن كان المشروع القومي يفشل في العديد من بلدان المنطقة ومنها سوريا، ولن تتأخر التجارب اليسارية في الوصول إلى مآل محبِط تُوِّج بانهيار المعسكر الشيوعي عالمياً. قسم من القوميين واليساريين السابقين سيساهم في قراءة الفشل من خلال منظور يسهل أن يحيل إلى الطائفية، وإن قدَّمه أصحابه كتشريح يوحي بالعكس أحياناً.
هكذا استُرجعت بدايات الفكر القومي، ثم انتشاره، مع التركيز على دور الأقليات فيه. من هذا المنطلق، تكون الثورة العربية ضد العثمانيين مدفوعةً بالأقليات التي أرادت التخلص من السلطنة الإسلامية، في حين لم يكن البقاء تحت حكم السلطنة يؤرِّق الأكثرية العربية السنّية. على هذا النحو ستُفهَم مساهمة المسيحيين الأوائل في الفكر القومي العربي، وصولاً إلى رمزية ميشيل عفلق كمؤسِّس يُعدُّ الأشهر بين قادة حزب البعث. وهو تحليل لا يلتفت إلى تأثيرات الفكرة القومية الوافدة من الغرب إلى عموم المنطقة، وفي مركز السلطنة أولاً، ولا إلى أن انهيار السلطنة كان حدثاً تاريخياً غير منفصل عن انقضاء زمن الإمبراطوريات في العالم ككل.
في جهة اليسار واليسار القومي استرجع البعض تحليلاً لياسين الحافظ، ملخَّصُه أن تعثُّر مشروع الحداثة مردُّه إلى ريادة الأقليات فيه، وأن الحداثة لن تنجح في المنطقة ما لم تحمل لواءها الأكثريةُ العربية السنيّة. بهذا المعنى، كانت مشاريع الحداثة القومية ونظيرتها اليسارية محكومةً بالفشل لأنها على هامش المتن السنّي، وستبقى كذلك ما لم تتبنَّ الأكثرية مشروعَ التحديث. ثم ينبثق عن هذا الاختزال الفادح النظرُ إلى الأكثرية بوصفها كتلة منسجمة ذات طبيعة محافظة، وإلى الحداثة نفسها بوصفها ملجأً أقلويّاً من المحيط السنّي “المحافظ”!
لا ننسى أن انهيار التجربة الشيوعية رافقته مقولات من قبيل موت الأيديولوجيا ونهاية التاريخ، بل موت الحداثة بمعناها الأشمل. وهكذا لم يجد أصحاب التحليلات السابقة أنفسهم أمام تحدّي التفكير بمشروع جديد، على أنقاض المشاريع التي أخفقت. طرْحُ المسألة الوطنية من قبل البعض لم يكن بمثابة مشروع، إذا أخذناه مع المقدّمات السابقة التي تُرجِع فشل التحديث إلى صدوره عن الأقليات، إلا إذا كان المشروع الوطني المقصود مشروعاً سنياً، أو سنياً في المقام الأول ضمن تراتبية لن تتوقف عند التفاضل العددي.
السنوات إياها سيشيع فيها مفهوم السنّة-الأمة، والتوصيف بمثابة أمر واقع ثقافياً، فالمتن السنّي بقي هو الأمة حتى تحت حكمٍ يُحسب على الأقليات هنا أو هناك. أما أخْذ التوصيف إلى حقل السياسة بخفّة شديدة فهو يوصل، وقد أوصل حقاً، إلى ترجمة ذلك بأحقيّة السنّة بالسلطة حصراً، ومن منظور يحولهم عملياً إلى طائفة بخلاف موقعهم الثقافي التقليدي.
المشكلة، في المحصلة، هي في ركاكة المشروع الوطني كما كان يُطرح قبيل اندلاع الثورة في سوريا، بل هو أقل من مشروع إذا احتسبنا ذلك التركيز على الجماعات الأهلية. فالانتباه بمعظمه كان منصرفاً إلى الوطن لا المواطن، وإلى الجماعات لا إلى الأفراد، ما يغيِّب تلقائياً الحرية كمضمون له الأولوية في المسألة الوطنية؛ تحديداً الحريات الفردية التي لا تقوم مواطنة من دونها.
منطق الأكثرية والأقليات، كما هو رائج، يؤدي حتماً إلى تغليب الجماعات على الأفراد، ومن ثم قتْل السياسة بمفهومها المعاصر. فالسياسة في الدولة الحديثة تقوم على خيارات الأفراد الأحرار الذين ينتظمون في أحزاب ونقابات وجمعيات تكون مدخلاً لتشكيل غالبية سياسية (لا أهلية)، والانقلاب عليها لاحقاً وفق نظام تداولي. الغالبيات والأقليات الطائفية والإثنية لا تتغير عادة إلا بأعمال إبادة وتهجير واسعة النطاق، بخلاف الغالبية السياسية التي تتغير سلْماً.
تغليب الجماعات على الأفراد ضمن منطق الأكثرية والأقلية يطعن مبدأ المساواة التي هي في صلب المواطنة، وحتى منطق تمكين الجماعات الصغيرة يأتي لاحقاً على الحريات الفردية التي يُفترض أن تكون متساوية. والطريف أن بديهيات المواطنة يُنظر إليها على أنها مستحيلة التحقيق، في حين لا يُرى التناقض بين بناء الدولة الوطنية المزعومة ودحض مبدأ المواطنة، ولا يُرى كيف كانت تجارب إفراغ الدولة الوطنية من المواطنة تنتهي إلى الحروب الأهلية.
سوريا ليست مثقلة فقط بالصراع الدموي الذي أعقب اندلاع الثورة، هي مثقلة بقراءات لتاريخ الكيان السوري من منطلق التشكك في أدوار بعض السوريين منذ نشأة الكيان الحالي، رغم أن سوريا الحالية هي نتاج انهيار السلطنة، ثم تقسيم المشرق العربي، بإرادات دولية. التشكك، فوق تبنّيه نظرية المؤامرة، ينطوي على نكران حق المشاركة الفعّالة لمن هم خارج الأكثرية المذهبية، وهو ما وصل ببعض التحليلات إلى اعتبار مشروع الحداثة مؤامرة كانت تتسلل عبر “الأقليات”.
ثمة كتلة ضخمة اليوم تفكّر في حل موضوع “الأقليات” بمنحها حضوراً على سبيل الزينة أو الاستعراض، يمكن تشبيهه بحبة الفريز التي توضع فوق قالب من الكاتو، ما يستدرج سجالاً لا يهدأ حول حقوق الجماعات، بينما يغيب نهائياً النقاش حول حقوق المواطنة. التلازم بين تغييب هذا وحضور ذاك ليس عفوياً، لذا من المرجَّح استمرار السجال الطائفي السوري طالما بقي صالحاً لاستقطاب الذين يتخلّون طوعاً عن المطالبة بحقوقهم كمواطنين.
المدن



