مقالات سينمائيةمنوعات

أيام الوثائقي السوري للمرة الأولى بدمشق: فرصة للبَوح/ واصل حميدة

الأربعاء 2025/09/24

في قلب أحياء دمشق القديمة، ومن داخل مقر مؤسسة مدنية في بيت حارة اليهود، انطلق للمرة الأولى العرض المحلي لبرنامج أيام الفيلم الوثائقي السوري / Syrian Doc Days داخل البلاد. المهرجان الذي يُقام بشكل سنوي في كوبنهاغن بتنظيم FINJAN وبدعم من المعهد الدنماركي للأفلام والمعهد الدنماركي في دمشق، نظم هذا العام عروضاً داخل سوريا.

الفعالية تنقل للمرة الأولى بعض أصوات المهرجان إلى الداخل السوري، محاولة خلق مساحة للتواصل بين المشاهدين وبين قصص السوريين في الشتات. عن أهمية هذا العرض، قالت ساشا أيوب، المنتجة السينمائية والمديرة التنفيذية لمؤسسة “Stories Film” المنظمة للفعالية، خلال حديث مع “المدن”: “عملنا مع القائمين على المهرجان منذ سنوات، وهذه السنة كانت لديهم رغبة بأن تصل عروضهم إلى الداخل السوري. نحن نريد أن نسلّط الضوء على حياة السوريين الذين غادروا، على قصصهم اليومية وما واجهوه من صعوبات، سواء بسبب التهجير أو الملاحقات الأمنية. العرض هنا ليس مجرد فيلم، بل محاولة لإعادة ربط الناس بالذاكرة المشتركة”.

تُضيف أيوب: “البرنامج مدروس بعناية. في كل فيلم، طبقات من الذاكرة والحنين، ومساحة للنظر إلى حياتنا من منظور مختلف. هذا ما نحتاجه داخل البلاد: مساحة نتأمل فيها، ونتحدث، وربما نفهم بعضنا البعض أفضل”.

“الصورة الخلفية”

افتتحت الفعالية مساء الاثنين بعرض فيلم “الصورة الخلفية” للمخرج خالد عبد الواحد، الذي يعيد قراءة الصورة كوثيقة حية تحمل أسماء ووجوهاً اختفت عن الأماكن العامة. يأخذنا عبد الواحد في رحلة وثائقية شخصية وعميقة، تجمع بين الماضي والحاضر، وتتخطى حدود الزمان والمكان.

أُنتج الفيلم العام 2023 بتعاون بين سوريا وألمانيا وقطر، ويستعرض رحلة الأب الذي وصل إلى ألمانيا الشرقية ضمن تبادل طلابي في العام 1956، مقابل رحلة ابنه اليوم كلاجئ طالب للجوء. يقول الفيلم أن الحرب الأهلية في سوريا فرّقت بين الأب والابن، لكنه يعيد لمّ شتاتهما ليخلق قصة واحدة متصلة، رثاء بصرياً لواقع محطّم، وشهادة على قوة الذاكرة وقدرتها على تجاوز المسافات والألم.

“قراصنة الحدود”

يُعرض فيلم «The Hackers of the Borders» للمخرج التونسي إسماعيل الشابي، الذي وثّق حياة اللاجئين السوريين في لبنان عبر ثلاث قصص متقاطعة لشخصيات حقيقية. نلتقي فادي، الشاب المثلي الذي يحلم بالهجرة إلى الغرب للعثور على الحرية والكرامة. وخيرية، الأم لسبعة أطفال والحامل بطفلها الثامن، التي تكافح لتأمين حياة كريمة لأبنائها. كما يركز الفيلم على مجموعة من المراهقين في مخيم شاتيلا، الذين يجدون في الفن والموسيقى ملاذهم الوحيد.

عن أهمية الفيلم قالت لميا سيدا، خريجة الفنون الجميلة والمنسقة في مؤسسة “Stories Film” لـ “المدن”: “وجود هذه الأفلام في دمشق يذكّرنا أن قصصنا ليست محصورة هنا. الفن يسمح لنا برؤية أنفسنا في عيون الآخرين، ويفتح باب الحوار مع المجتمعات التي احتضنت السوريين في الخارج”. وتوضح سيدا أن فعاليات من هذا النوع تخلق جسوراً بين الطبقات والتوجهات الفكرية: “نتعلم من بعضنا البعض، ونتشارك القصص التي تعكس تجاربنا المشتركة. الفن هنا ليس مجرد ترف؛ إنه فعل مقاومة وتواصل”.

“مَيسونَتي”

تختتم الفعالية اليوم الأربعاء بعرض فيلم “ميسونتي” للمخرجة بتول كربجها. عمل وثائقي صادق ومؤثر يغوص في أعماق الألم الشخصي الناتج عن مأساة جماعية. صدر الفيلم العام 2023 في هولندا ويمتد 55 دقيقة، ليحكي قصة الشابة بتول التي تستخدم السينما وسيلة لمواجهة حزن عائلتها الصامت على اختفاء شقيقتها ميسون التي في طريقها من سوريا إلى أوروبا عبر البحر العام 2014، حين انقلب قاربها. من أصل 712 شخصاً على متن القارب، تم إنقاذ 488، وانتشلت جثث 24، فيما بقي 200 في عداد المفقودين، بينهم ميسون. يكرم الفيلم الألم الذي تعيشه آلاف العائلات التي لم تحصل على إجابات نهائية حول مصير أحبائها.

وحصل فيلم “ميسونتي” على جوائز دولية، أبرزها جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير في مهرجان هولندي، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان أوروبي، ما يضيف بُعداً دولياً لتجربة عرضه في دمشق ويؤكد جودته الفنية وقدرته على لمس المشاهدين.

ويؤكد القائمون على الفعالية أن اختيار “بيت فارحي” لإقامة العروض لم يكن مصادفة. السقوف الخشبية والحجر القديم يضفيان بُعداً طقسياً على تجربة المشاهدة، فيتحول المشاهد من متلقٍ إلى شاهد حي في مساحة تتقاطع فيها الحكاية مع المكان والتاريخ. وتؤكد أيوب على أهداف الفعالية بالقول: “لم نأتِ لنسخ نموذج دولي، بل لإضفاء صلة مباشرة بين المشاهد والفيلم، بين من كتبوا عن الأزمة ومن عاشوها، وبين الذاكرة الحية والأرشيف المتحرك”.

في زمن تتناثر فيه الذاكرات وتتبدد المساحات العامة، تؤكد أمسيات مثل هذه أن الفن والسينما الوثائقية أدوات لمعالجة الذاكرة وإنتاج معنى مستمر، وأن المشهد الثقافي السوري، رغم الصعوبات، ما زال قادراً على أن يكون متنفساً للتأمل والمقاومة وإعادة البناء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى