“في مزاج للحب” (In the Mood for Love): إخراج وونغ كار واي (2001)

المرتبة الرابعة في قائمة نيويورك تايمز المتضمنة قائمة أفضل 100 فيلم في القرن الـ 21
«في مزاج الحب» لوونغ كار واي.. مرآة الحنين الذي لم يتحقق/ نسرين سيد أحمد
لندن – «القدس العربي» : بعد خمسة وعشرين عاما على صدوره، لا يزال «في مزاج الحب» In the Mood for Love، فيلم وونغ كار واي الشهير، يفيض بدفقه العاطفي، ويزداد سحراً مع مرور الأعوام. يمنحنا الفيلم هذا الفيض من المشاعر، ليس لأنه فيلم عن الحب، بل لأنه فيلم عن حلم الحب والرغبة فيه، عن الحب الذي لم يحدث ولم يتحقق، ولم يُعاش، ولكنه تسرب إلى الوجدان كالمطر، وسكن الأعماق كموسيقى لا نهاية لها.
في «في مزاج الحب» لا يتعامل كار واي مع السينما كحكي خطي أو سرد واضح، بل كأداة تأملية؛ أو صورة تتنفس، أو زمن يثقل ويسير رويداً كخطى الحبيبين المترددة، وحركة كاميرا تتلصص، كما لو كنا شهوداً على عاطفة لا تريد أن تُرى. في قلب هذه التجربة، تقف شخصيتان صامدتان في وجه الإغواء، تتبادلان الحذر والرغبة، دون أن تعبرا الجسر.
«سو لي تشن»، التي تؤدي دورها ماغي تشيونغ في رهافة وأناقة بالغة، ليست امرأة مكسورة رغم خيانة زوجها لها، بل امرأة تعرف بالضبط حجم ما تملكه وما تخشى فقده. خطواتها بطيئة، ووقع أقدامها لا صوت له، كما لو كانت محمولة على سحابة بيضاء، فساتينها ضيقة في أناقة وإغواء في آن، مشيتها محسوبة كإيقاع لحن قديم شجي. كل ظهور لها مشبع بجمال هادئ، متوتر، مشروط بوعيها الداخلي. إنها ليست ضحية، بل شاهدة، وربما متواطئة مع وحدتها. أما «تشو مو وون» الصحافي الذي يؤدي دوره توني ليونغ في جاذبية بالغة، فيظهر بملامح رجل يُفضّل الانسحاب على المواجهة، التأمل على التصريح، التلميح على المبادرة. رجل لا يبدو ضعيفاً رغم يقينه بأن زوجته تخونه، لكن هشاشته العاطفية تطفو كلما اقترب من سو، وكلما اختبر إمكانية الحب. هو ليس رومانسياُ تقليدياً، بل كائن يحتمي بالكلمات التي لا يقولها. حين يحاول هو وسو «تمثيل» حوارات الشريكين الخائنين، لا يبدو التمرين بريئا: فكل ما يفعلانه معاً، اللقاءات، السير في الأزقة في هونغ كونغ، الوقوف في المطر، هو فعل حب، لكنه مغلف بالخوف من اعتراف صريح. هذا الخوف، أو ما يمكن تسميته نبل عدم التصريح، لا ينبع من مجتمع محافظ فقط، بل من شخصيات اختارت بمحض إرادتها أن تؤجل، ألا تسمح للعاطفة بالاكتمال، كأن التوق هو الغاية، لا اللقاء. الفيلم لا يقدّم قصة حب، بل طقسا مستمراً من النداء والتراجع، من القرب المحسوب، من «الاحتمال» الذي يتحول إلى قدر.

وهنا تأتي الأغنية الإسبانية القديمة «Quizás, quizás, quizás»، والتي تتكرر في الفيلم كأنها روحه الخفية. وإذا حاولنا ترجمة عنوان الأغنية إلى العربية، فهو «ربما، ربما، ربما»، وذلك الإحساس بالاحتمالية، والتأرجح بين الفعل واللافعل، بين إخفاء المشاعر والتلميح بها، يتسلل إلى المشهد دون إعلان، ويجعل الأغنية تلامس وتراً لا يهدأ.
تقول الأغنية: «في كل مرة أسألك، متى؟ كيف؟ لماذا؟ تُجيب فقط: ربما… ربما… ربما…» الأغنية لا تجيب، بل تجلب المزيد من الحيرة. لا تصنع طمأنينة، بل تحبس المشاعر في دائرة مغلقة. وكأن سو وتشو عالقان في لحن لا يُختتم، في سؤال لا يُجاب، «ربما» ليست فقط كلمة ترددها الأغنية، بل هي جوهر الفيلم. إننا أمام حكاية تسكن المنطقة الرمادية بين الرغبة والفعل، بين الاعتراف والانسحاب.
حتى الصورة في الفيلم تقول «ربما»، الكاميرا تتوارى خلف الأبواب، تتلصص من زوايا غير متوقعة، تنقل لنا الشخصيات من خلال زجاج، أو مرآة، أو ظل. لا توجد لقطات مواجهة أو مباشرة. كار واي يعامل شخصياته كما يعامل الحنين: لا يمسكه، لا يصرّح به، بل يتركه ينساب. الوقت نفسه يُعامل ككائن مستقل، يتكرر، يُبطّأ، ويختزل في الإيماءة لا في الحدث. وربما لا يُفهم هذا الفيلم بالكامل إلا إذا رأيناه في سياقه الثقافي. ففي هونغ كونغ الستينيات، حيث تقع الأحداث، كانت الحياة اليومية مشبعة بالتقاليد، بالقيم التي تعلي الصمت على البوح، بالانضباط الاجتماعي، وبنظام جمالي صارم يعلي من شأن الكتمان ويخاف من التفجّر.
الشخصيات لا تسكن منازل فارهة، بل غرفاً ضيقة داخل بيوت مشتركة، حيث لا مجال للصوت العالي، ولا حتى للتنفس الكامل. إنهما يعيشان في مجتمع لا يسمح بالتجاوز، حيث يُصبح الإغواء مشروعاً داخلياُ أكثر من فعلٍ حسيٍ.
ووسط هذه الجغرافيا النفسية، تتحول العلاقة بين سو وتشو، إلى حقل من الرموز المكتومة: السيجارة التي لا تُشعل، اليد التي لا تُمد، الباب الذي لا يُفتح، النظرة التي لا تُكمل دورتها. هنا الحب لا يُعاش، بل يُفكّر فيه، يُتأمّل، يُتجنّب.. وربما لهذا يظل خالداً.
حين نصل إلى اللحظات الأخيرة، حيث يذهب تشو إلى معبد «أنغكور وات» في كمبوديا، لا نسمع منه اعترافاً، بل نراه يهمس بسرٍ في فجوة جدارية ثم يغلقها بالطين. الحب في هذا الفيلم لا يختبر نهايته، لأنه لم يُعاش، وإنما دُفن قبل أن يولد. نلاحظ أن المعبد فارغ، والصدى وحده هو ما يردّ على الحكاية، كأن الحب لم يكن سوى طيف، فكرة لم تجد جسداً. قد يرى البعض أن هذا الفيلم عن الحب الذي لم يكتمل. لكن الحقيقة أنه عن الحب الذي لم يُسمح له أن يبدأ. لا لأن الشروط منعت، بل لأن الشخصيتين اختارتا ألّا تسمحا، وتلك الإرادة، مهما بدت مؤلمة، هي التي تمنح الفيلم سحره، وعمقه الإنساني. ففي زمن يتعجل فيه الجميع، يقدّم كار واي في «في مزاج الحب» فيلماً عن «اللّاحدث»، عن الفعل الذي لم يقع لكنه هزّ الكيان. يجعلنا نصدق أن أعظم القصص هي التي لم تُروَ، وأن أكثر المشاعر صدقًا هي التي لم تُعلَن. بعد خمسة وعشرين عاماً على صدوره، لا نشاهد هذا الفيلم لنسترجع قصة حب، بل لنعيش مجددا حالة «الاستعداد للحب»، حالة الحذر، الحيرة، الرجفة الأولى. وربما، فقط ربما، لنجد مرآتنا بين خطوات سو في الممر، ونظرات تشو في الظل، وصوت تلك الأغنية التي لا تتعب من السؤال:
ربما… ربما… ربما.
لمشاهدة الفيلم اتبع أحد الروابط التالية
“في مزاج للحب” (In the Mood for Love): إخراج وونغ كار واي (2001)
“في مزاج للحب” (In the Mood for Love): إخراج وونغ كار واي (2001)
“في مزاج للحب” (In the Mood for Love): إخراج وونغ كار واي (2001)
لمعرفة المزيد عن الفيلم والمخرج والكاتب والكادر التمثيلي اتبع الرابط التالي



