صفحات الثقافة

الحياة الطيبة: من سؤال الفلسفة إلى أزمة الحداثة/  هيفاء الحسن

حين تسلّمت جوديث بتلر جائزة أدورنو عام 2012 استهلت كلمتها بمقولة أدورنو «لا وجود لحياة جيدة في ظل حياة زائفة» لتطرح سؤالها: هل ما زال بوسعنا الحديث عن «الحياة الطيبة» في عالم تسوده الهيمنة واللامساواة والعنف البنيوي، في عالم يُنظر فيه إلى حياة الملايين من البشر بأنها حيوات لا قيمة لها، حيوات لا تستحق الحداد أو الحسرة؟يجدر القول إن هذه المداخلة لم تكن مجرد ملاحظة عابرة، بل تعكس مساراً طويلاً في تاريخ الفلسفة الغربية. ففي الأخلاق الأرسطية كانت أسئلة مثل أي حياة ينبغي أن أعيش؟ أو كيف أعيش حياة سعيدة؟ تحتل موقعاً مركزياً في النقاش الفلسفي. غير أن الفلسفة الحديثة، منذ نهاية القرن الثامن عشر، دفعت هذه الأسئلة إلى الهامش، بحجة أن المجتمعات الحديثة التعددية تحتوي على تصورات متباينة ومتضاربة أحياناً للحياة الطيبة، ولذلك ينبغي ترك هذا السؤال لحرية الأفراد دون صياغة تصور معياري جامع.ومع هذا «التذويت» لمسألة الحياة الطيبة، ظهرت فكرة مختزلة عن السعادة باعتبارها مجرد شعور بالفرح خلال لحظات معينة أو فترات زمنية محدودة. هذا المفهوم الذاتي للحياة الطيبة يدّعي ببساطة أن ما هو جيد للفرد يعتمد على ميوله ورغباته، أياً كان محتواها.

ولا يمكن للفلسفة أن تقول أكثر من ذلك حول الحياة الجيدة.منذ إيمانويل كانط فيلسوف الأخلاق بدأت الفلسفة تركّز على قضايا الأخلاق والبحث عن مبدأ نهائي للإلزام الأخلاقي وابتعدت تدريجياً عن قضايا أسلوب الحياة الفردي والسعادة الشخصية. هكذا أصبح مفهوم العدالة، الذي ينتمي إلى مجال الأخلاق Moralität مركزياً وذلك باعتبارها مبادئ كونية وإجراءات محايدة تضمن المساواة والحرية للذوات القانونية. وهُمش مفهوم الحياة الطيبة الذي ينتمي إلى مجال الايتيقا Ethik.تعد نظرية جون رولز في العدالة 1971المثال النموذجي لهذا التحول: فهي تتبع تعميماً صارماً حول الأفعال التي تمس مصالح الآخرين، ولا تُعنى مطلقاً بميول الأشخاص أو رغباتهم أو تصوراتهم عن الحياة الجيدة، إنها تنشغل فقط في تحديد ما يجب فعله بوصفه واجباً عاماً. العدالة هنا إجرائية، تحدد القواعد التي تتيح التعايش، لكنها عمومية ومحايدة تجاه القيم المتنافسة في المجتمعات التعددية وصامتة تقريباً إزاء سؤال المعنى والتجارب الحية للأفراد.تعرض هذا التحول لانتقادات متزايدة منذ ثمانينات القرن الماضي، إذ إن الاقتصار على العلاقات التعاقدية بدا عاجزاً عن استيعاب أبعاد أساسية للحياة الإنسانية مثل الحب والرعاية، أو مراعاة الفروق الفردية والاختلافات السياقية. وقد حاول عدد من الفلاسفة المعاصرين إعادة طرح سؤال الحياة الطيبة أو على الأقل تقييد الحياد المعياري للعدالة، عبر لفت الانتباه من «الآخر العام» إلى «الآخر الملموس». في هذا الإطار جاءت محاولة مارثا نوسباوم لإعادة سؤال الحياة الطيبة إلى مركز النقاش وذلك عبر ما سمته نهج القدرات أو مقاربة القدرات Capabilities Approach.

هذا النهج لا يكتفي بالحقوق الشكلية أو الحريات السلبية، بل يسأل: ما الذي يُمكّن الناس فعلاً من مباشرة ما هم قادرون على فعله، ومن أن يكونوا ما هم مهيّأون لأن يكونوه؟ ومن هنا تميّز نوسباوم بين القدرات الأساسية مثل القدرة على التعلم أو التعبير، والقدرات الداخلية التي تتطور عبر التربية والتنشئة كالخيال النقدي أو مهارة الخطاب، والقدرات المركبة التي لا تتحقق إلا بوجود شروط اجتماعية وسياسية ملائمة، مثل التعليم العام أو المشاركة السياسية. فالعدالة عندها تقاس بمدى تمكّن الأفراد واقعياً من ممارسة حقوقهم. ورغم أن القانون قد يكفل للجميع الحق في التعليم أو التنقل أو المشاركة السياسية، فإن السؤال الحاسم يبقى: هل يستطيع الفقير أو صاحب الإعاقة مثلاً ممارسة هذا الحق كما يمارسه غيره، أم أنه يحتاج إلى موارد وشروط إضافية لتمكينه من ذلك، وإلا ظل الحق مجرداً من مضمونه؟ومع ذلك، تبقى هذه المقاربة على الرغم من أهميتها، أقرب إلى إطار معياري للتوزيع العادل للقدرات، ولا تلامس بُعد التجربة الحية أو الطبيعة المتغيّرة للعلاقة بين الذات والعالم. وهو ما يظل مفتوحاً أمام مقاربات أخرى أكثر حساسية للتجربة الفردية وللشبكات الاجتماعية والعاطفية التي تشكل معنى الحياة الطيبة.

من هنا بالتحديد ينطلق الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هَرتموت روزا في أطروحته المركزية في كتابه الرنين: سوسيولوجيا العلاقة مع العالم. إذ يرى روزا أن الحداثة المتأخرة خصخصت سؤال «الحياة الطيبة»، بحيث لم يعد هناك تصور عام ملزم لماهية العيش الجيد، وجرى، عوضاً عن ذلك، استبداله بمجموعة من الحقوق الأساسية تضمن استقلالية الأفراد في تقرير أنماط حياتهم. حيث يعمل المال والقانون كوسيطين أساسيين لضمان هذه الاستقلالية. غير أن هذا التطور أفرز نتيجتين إشكاليتين: الأول، انشغال الأفراد بشكل متزايد بتأمين الموارد وتحسينها، على افتراض أن وفرتها تعني بالضرورة حياة أفضل. والثاني هو غياب معايير واضحة تساعدنا على التمييز بين الشروط الاجتماعية التي تُمكّن حياة ناجحة وتلك التي تُقوّضها.

ومن هذا البعد النقدي تحديداً ينطلق روزا إلى تشخيص العلل البنيوية للحداثة المتأخرة التي لا تكتفي بإقصاء سؤال الحياة الطيبة، بل تضيف اليه بعداً سوسيولوجياً جديداً ألا وهو التسارع. إذ يرى روزا أن أبرز ما يميز المجتمعات الحديثة هو ما يسميه «الاستقرار الديناميكي» die dynamische Stabilisierung. أي أن المجتمع يعتمد منهجياً وبنيوياً على النمو المستمر من أجل إعادة إنتاج نفسه والحفاظ على الوضع المؤسسي الراهن. لا تختبر قوى التسارع كقوة تحرر، بل كضغط استعبادي، يقود إلى اغتراب الذات الحديثة على مستويات متعددة حيث تتحول الطبيعة، والآخرون، وحتى الذات نفسها، إلى مجرد موارد ينبغي إدارتها والسيطرة عليها. لكن الحل كما يراه روزا لا يكمن في التباطؤ، بل بإعادة التفكير في علاقتنا بالعالم، ومن هنا يقترح مفهوم الرنين Resonanz .

الرنين، عنده، هو النقيض المباشر للاغتراب ففي حين يعني الاغتراب صمت العالم أمام الذات، فإن الرنين يقوم على علاقة تجاوب متبادل يتأثر فيها الطرفان: الذات والعالم. من هنا لا تعتمد الحياة الطيبة على مقدار ما نملك من موارد، بل على نوعية العلاقة بالعالم، أي كيف نختبر العالم كذوات، وكيف نتخذ موقعنا إزاءه. فالرنين ليس صدى أجوف ولا شعوراً مؤقتاً، بل نمط من أنماط الوجود في العالم، علاقة يكون فيها الإنسان والعالم في حوار حيّ ومتبادل، يتأثر كل منهما بالآخر ويتحوّل عبره. لذلك يمكن للحزن أو الوحدة، بل وحتى الألم، أن تكون بوابة إلى تجربة رنين، كما يحدث حين يلمسنا عمل فني أو فيلم نذرف الدموع عند مشاهدته لكنه في الوقت نفسه يجعلنا نشعر بعمق الاتصال مع ما حولنا.

يوضح روزا أن الرنين يتجسد عبر ثلاث محاور أساسية: المحور الأفقي الذي يظهر في علاقاتنا بالآخرين ضمن الأسرة أو الصداقة أو السياسة. والمحور الرأسي الذي يربطنا بما هو متعالٍ أو أسمى: في الدين أو الفن أو الطبيعة والتاريخ، حيث نشعر بأن العالم يتجاوزنا ويخاطبنا. وإلى جانب ذلك هناك المحور القطري الذي يظهر في الممارسات اليومية والعمل والمدرسة والهوايات، عندما تتحول من وظائف روتينية إلى خبرات ذات معنى. ويمكن النظر إلى هذه المحاور مجتمعة بوصفها أبعاداً اجتماعية ووجودية ومادية للرنين. والحياة الجيدة تتطلب رسوخ هذه المحاور، غير أن بنية الحداثة القائمة على التسارع والنمو والتنافسية تحمل في طياتها دائماً خطر تقويضها.إحدى خصائص الرنين الجوهرية أنه لا يمكن التحكم فيه. فلا يمكن فرضه أو مراكمة خبراته كما نفعل مع الموارد. بل إن محاولة السيطرة عليه أو زيادته تؤدي إلى زواله. مثل من يحاول أن يستعيد أثر أغنيته المفضلة عبر تكرار الاستماع إليها، لكنه مع الوقت يفقد الصلة بها، وتغدو الموسيقى بلا أثر. إن الرنين يحدث فقط حين ننفتح على العالم ونسمح له بأن يفاجئنا ويغيرنا، لا حين نخطط له أو نحاول إخضاعه.

رغم مساهمة روزا المهمة في إعادة طرح سؤال الحياة الطيبة، غير أن مفهوم الرنين يظل محاطاً بعدد من الإشكالات. فباتساعه المفرط يبدو أحياناً وكأنه مفهوم مركزي قادر على تفسير كل شيء ما لم يُضبط بإطار معياري واضح. كما أن روزا ينطلق بالأساس في تشخيصه، كما يعترف هو نفسه، من شروط التشيؤ في المجتمعات الرأسمالية الغربية الحديثة، مما يثير التساؤل حول قابلية تعميمه على سياقات تاريخية وثقافية أخرى، أم أنه يعكس بالأساس أزمات «العالم الأول». وهو تساؤل يزداد إلحاحاً حين نتأمل مجتمعات تعيش تحت ثقل الاستبداد أو الحروب أو الفقر الممنهج، حيث يغدو سؤال «الحياة الطيبة» مرتبطاً لا فقط بعلاقة الذات بالعالم، بل بحق البقاء نفسه، وبصراع يومي من أجل الكرامة والاعتراف. ويضاف إلى ذلك أن البعد السياسي عنده يظل غير محدّد بما يكفي، فهو يقر باقتران الرنين بالقوة ويقترح جعل الرنين بوصلة معيارية في قضايا مثل التعليم والعمل والسياسة البيئية، لكنه لا يقدّم أجندة سياسية أو مؤسسية متكاملة توضح كيف تُهيّأ أو تُقوّض شروط الرنين. وهذا ما يجعل المفهوم عرضة لأن يستخدم خطابياً في صيغ فضفاضة أو حتى شعبوية تشيّد تجارب رنين جمعية باسم الانسجام، فيما تقوم عملياً على تضييق الاختلاف وإقصاء المختلفين.

كما أن علاقة الرنين بديناميات القوّة والهيمنة لم تحكم صياغتها، إذ يمكن للمؤسسات والأسواق والتمييز الاجتماعي أن تولّد انسداداً للرنين أو تعيد توزيعه بشكل غير متكافئ، مما يجعل الحديث عن حياة طيبة متعذّراً من دون تحليل صريح لهذه البنى.إن كان روزا يذكرنا بأن الحياة الطيبة لا تختزل في تكديس الموارد ولا في عدالة إجرائية باردة، وأن الرنين هو البديل عن الاغتراب الذي ينهش الإنسان الحديث ويفتت روحه، فإنه يظل صامتاً إزاء سؤال القيمة والاعتراف الذي تطرحه بتلر: أي الحيوات تُرى وتُسمع وأيّها تُدفع إلى الصمت والنسيان؟ فكيف نتحدث عن حياة طيبة بينما تُقصى ملايين الحيوات من أبسط حقوقها في البقاء والاعتراف، قبل أن تحرم ـبلغة روزاـ من حقها في الدخول في علاقات الرنين تحت وطأة البنى السياسية والاقتصادية المهيمنة؟ عند هذه النقطة يتبدى أن الحياة الطيبة ليست ترفاً نظرياً، بل أفقاً حياً يتقاطع فيه التفلسف مع السياسة، ويكشف الفارق الحاسم بين وجود باهت، وحياة تُعاش بحق.

كاتبة سورية

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى