أوسعُ من ستين متراً مربّعاً: عن النشر والمنشورات في سوريا اليوم/ علاء الدين العالم

27-06-2025
ربما يكون سؤال الحريّات العامّة في سوريا، سؤالاً كبيراً ومتشعبّاً، ولكنّ متابعة مسار عمل قطاعاتٍ كالإعلام والقانون والأفعال الثقافية والاجتماعية كفيلٌ بالإضاءة على وضع الحريات وحقوق الأفراد، أينَ تتوفر مساحة أكبر للتأكيد عليها وانتزاع هوامشها؟ وأين تُقيّد ويتم المساس بها؟.
يعلم السوريون أنهم يشهدون لحظة فاصلة في تاريخهم، وبدقة أكثر، يعيشون لحظة تأسيس، لذلك فإن أي تهاون مع مسألة الحريات والحقوق اليوم، سيُؤسس لتقييدها لاحقاً على نحوٍ يصعب التراجع عنه، وقد يُؤسس ربما لقوننة هذا التقييد من قبل جهاز الدولة الجديدة. كونهما أكثر الوسائط ارتباطاً بمعايير الحرية، يقع النشر والكتابة موقع الحَكَم في رصد مسألة الحرية والمساس بها، وينظر إلى قوانين الكتابة والنشر في أي بلد على أنّها أبرز المؤشرات على مدى انفتاحه أو انغلاقه، لذلك سيقرأ هذا المقال أول نص قانوني أقرته الحكومة السورية الجديدة حول دور النشر السورية وشروط تأسيسها، وهل هو نص يُؤسس لمجال نشر حرّ ورحب، أم أنه خطوة أولى في إعادة تقييد النشر السوري الذي كان مقيداً لعقود في زمن البعث.
دور النشر السورية، نظرة إلى الخلف
عقبَ الاستقلال من الانتداب الفرنسي، وتحديداً عام 1948، دعت بلجيكا رئيس وزراء سوريا الأسبق خالد العظم للمشاركة كممثل عن سورية في المؤتمر الدولي حول النشر وحقوق المؤلفين. عاد العظم من بروكسل بقانون حماية الملكية الفكرية، وسنّ قانون الملكية الفكرية في سوريا، كما أقر رفع القيود الجمركية عن الكتب القادمة من لبنان ومصر بهدف تعزيز ثقافة القراءة في المجتمع السوري. زد على ذلك، أوصى العظم بعد تعيينه رئيساً للحكومة بتشكيل لجنة للإشراف على محتوى الكتب مع مراعاة عدم منع أي كتاب إلا في حال «تطاول محتواه على الدين والوطن». ساهمت هذه البيئة في تنشيط دور النشر والمنشورات، فقد شهدت الفترة بين 1948 ووصول البعث 1963 إنشاء أكثر من ستين جريدة وأكثر من خمس عشرة مجلة أسبوعية. كذلك تم رصد ما يقارب بين 300 و400 عنوان منشور في سورية حسب مصادر مختلفة.
قضى قرار مجلس الثورة عام 1963 على هذه الحركة النشطة للنشر. وقيّد البعث حرية النشر والكتابة، وأُغلقت عشرات دور النشر والصحف والمجلات الناشئة في سوريا في الستينيات والسبعينيات حسب المؤرخ هاشم عثمان المختص بتاريخ دور النشر والصحافة في سوريا. وبالطبع اقتصرت الصحافة على المطبوعات الرسمية الثلاث (تشرين، البعث، الثورة) وبعض الصحف الدورية التابعة لأحزاب الجبهة الوطنية. ومن جهة المطبوعات ودور النشر، قُيّدت هي الأخرى، ومن بقي منها عمل تحت رقابة البعث الشديدة. وبدت منشورات وزارة الثقافة، ولاحقاً المؤسسة العامة للكتاب واتحاد الكتّاب العرب، هي الممثل الأكبر والأول للنشر في سوريا في محاولة بعثية لتأميم قطاع النشر، ما ساهم في هجرة الناشرين والكتّاب إلى لبنان المعروفة بحرية النشر فيها ودور النشر العريقة.
إن احتكار أو «شبه احتكار» وزارة الثقافة للنشر في سوريا لعقود لا يعني أنها لم تقدم مطبوعات مهمة خلال هذه العقود، فهي كانت المنفذ شبه الوحيد للمترجمين والكتّاب السوريين، لذلك أنتجت الوزارة العديد من العناوين الفلسفية والفكرية والأدبية الهامة، وتمكنت مطبوعات الهيئة العامة للكتاب في سوريا من تقديم وترجمة العديد من المراجع لطلاب العلم والأدب في العالم العربي، لكن ماذا عن دور النشر الخاصة، وكيف عملت هذه الدور في عهد الأسدين؟
اتحاد (لـ) الناشرين السوريين أم اتحاد (عليهم)؟
في أيار (مايو) عام 2009 تأسس اتحاد الناشرين السوريين بموجب القانون رقم 14 للعام 2005 الذي أقره مجلس الشعب. وكانت المرة الأولى في عهد البعث التي يتم فيها تأسيس اتحاد للناشرين. إن قرار تأسيس الاتحاد الذي ظهر متأخراً جداً، لم يقدم جديداً على حقل النشر السوري، لأن الاتحاد الجديد لم يكن أفضل حالاً من اتحاد الكتّاب العرب الذي كان قد شكّل عصا الرقابة البعثية منذ تأسيسه في السبعين. ناهيك عن اشتعال الثورة بعد تأسيس اتحاد الناشرين بعامين ما ساهم في اختفاء ذكر هذا الاتحاد وتراجع دوره أمام انكفاء حالة النشر عامة. بعد السقوط، يعود الاتحاد للظهور، تحديداً بعد قرارات وزارة الإعلام في الحكومة السورية الجديدة، حول النشر والرقابة وآليات تأسيس دور النشر وعملها.
يُمكن تسمية الأشهر الأولى بعد السقوط بـ«شهور العسل» للناشر السوري، فللمرة الأولى منذ عقود، وجد الناشر السوري نفسه أمام مساحة حرية مفتوحة، ودون جهاز رقابي يتابع منشوراته ويدقق فيها، ودون نظام بيروقراطي يؤخر نشر الكتاب لأشهر أحياناً. لكن وفي الوقت الذي بدأت دور النشر تتهيأ لعمل حرّ ونشر غير محدود، وبدأت تفكر في طباعة كتبها الممنوعة على زمن النظام، ظهر تعميم من اتحاد الناشرين السوريين يخص النشر والناشرين السوريين. يطالب التعميم دور النشر بـ«استدراك ما فاتهم من إجراءات رقابية وموافقات مطلوبة لنشر كتبهم وتداولها بحسب القوانين النافذة في البلاد». كما جاء في التعميم ضرورة الحصول على موافقة وزارة الإعلام كشرط مسبق للنشر والتداول. وكما هي عادة حكومة دمشق الجديدة، عادت الوزارة لتوضح أنّ القرارات المنشورة لا تمس حرية الصحافة والنشر بعد أن عبّر الكثيرون عن مخاوفهم من عودة شبح الرقابة والحد من حركة النشر.
منذ أيام، أصدرت الوزارة قراراً جديداً حول القوانين الناظمة وآليات ترخيص دور النشر في سورية، جاء فيه عدة شروط، يُطالب أبرزها الراغب في تأسيس دار نشر أن يُودع في البنك المركزي مبلغ 1200 دولار، وأن يتوفر لإنشاء الدار عقار لا تقل مساحته عن 60 متراً، وشروط إجرائية أخرى، لكن هذين الشرطين تحديداً أثارا حفيظة العاملين في حقل النشر السوري، أولاً لضخامة مبلغ التسجيل قياساً بمتوسط مستوى الرواتب في سوريا، وثانياً بما يحمله شرط الحصول على عقار من تعقيدٍ يُخالف المسعى العام لترخيص دور النشر الحديثة عالمياً المتجه أكثر فأكثر للعمل عن بعد وتوفير المساحات. قبل كل ذلك، فإنّ القرار جاء معاكساً لتوضيح الوزارة حول دعمها للنشر وحريته! وبالطبع، بعد رد فعل الناشرين ونقدهم للقرار وضحت الوزارة أنها ستُعيد دراسة القرار حسب اتحاد الناشرين السوريين.
أحرق دُوره إلا نعشاً، تجارب نشر مُلهمة
أحرق سفنه إلا نعشاً هذا عنوان ديوان شعر لـ أحمد م أحمد، وأحمد هو شاعر سوري ومترجم صاحب دار أرواد للنشر التي أصدرت منذ تأسيسها عام 1994 أكثر من ألف عنوان، أرواد لم تتميز بكم عناوينها، بل بأنها إحدى دور النشر السورية القليلة القائمة خارج دمشق، في طرطوس تحديداً. أحمد يُقيم اليوم في الإمارات، والدار أصبحت مهجورة إلى حد ما حسب تصريحات أحمد في حوار منشور في موقع الجزيرة. نت، والذي يبدو أنه لن يُعيد تشغيل الدار في ظل ضبابية قوانين النشر الحالية. ليست دار أرواد وحدها من تقف هذا الموقف، هناك تجارب نشر مهمة وجبارة في حفاظها على النشر في ظل كل مشاكل القرصنة وضياع الحقوق من جهة، والرقابة البعثية وتبعات الحرب من جهة أخرى، من هذه الدور دار كنعان لسعيد البرغوثي، ودار أطلس التي تديرها سمر حداد، ودار ممدوح عدوان بإدارة مروان عدوان، ودار سرد لفايز علام، وغيرها الكثير. وفي بحث صغير عن هذه الدور وأصحابها ستظهر مدى الصعوبات والمعوقات والمستحيلات أمام إنشاء دار نشر في سوريا الأسد. بعض هذه الدور توقفت، وبعضها الآخر يعمل بالكاد، لذلك كان لزاماً على أي قرار يخص دور النشر أن يدعم هذه التجارب ويساعدها بالعودة إلى سوريا، وذلك عبر تدمير الهيكلية البعثية القديمة للنشر، وإعادة النظر في دَور اتحاد الناشرين السوريين، والعمل على تحويله إلى نقابة مستقلة تُساهم في دعم الناشرين وتحمي حقوقهم، لا إلى متابعتهم وعرقلة عملهم والرقابة عليه. وعلى القرارات الناظمة لعمل النشر في سوريا، أن تكون نتيجة نقاش مع الناشرين أنفسهم لا كما يجري الآن، إذ ظهرت القرارات ومن ثم نوقشت مع الناشرين، وذلك ما يبرر العبارة السوريالية التي تواجهك على موقع الناشرين السوريين هذه الأيام (بعد الاجتماع التشاوري للمكتب التنفيذي في وزارة الإعلام حول الآثار السلبية للشروط الجديدة… سيتم دراسة مطالب الاتحاد، والتي تُمثل مطالب الناشرين، فيما يخص شروط التراخيص بكل جدية في الوزارة خلال الأيام القادمة… وعليه فإن الاتحاد يرجو من الزملاء الناشرين عدم إجراء أي خطوة في هذا السياق).
في إطلالة سريعة على حوارات أصحاب دور النشر السالفة أو غيرها في سوريا، نجد كم المعاناة مع تأسيس دار نشر والحفاظ على استمراريتها في وقت انهار فيه الكتاب الورقي كما انهارت فيه البلد بأسرها، ونرى أيضاً محاولات النجاة لدى بعض الدور من خلال طباعة إصداراتها في الخارج، وكم كانت تلك الخطوة مكلفة لها، ويكفي التذكير بأن آخر معرض للكتاب العربي أقيم في سوريا كان معرض دمشق الدولي عام 2010، ودون ذلك كانت معارض محلية فقط، كل هذا يعني أننا اليوم في مرحلة حاسمة من عمل النشر ودور النشر والمطبوعات في سوريا، مرحلة لا تقبل الرمادية والميوعة في القرارات والقوانين الناظمة للنشر، فإما نشر حرّ له قوانين ناظمة ومساندة وانفتاح على طباعة كتب تشاكل تابوهات المجتمع، وإمّا دورة جديدة من الرقابة لكن بنكهة مختلفة.
أولى المقالات التي نشرتها هنا في الجمهورية بعد السقوط كانت عن كوميكس نسويّ صادر عن دار المحروسة في مصر، وفيه سألنا عن محاولات فاشلة لحذف النساء من التاريخ. وجاء ذلك جراء أولى التصريحات الذكورية التي ظهرت من حكومة دمشق آنذاك. وآخر اقتراح أرسلته إلى الجمهورية كان الكتابة عن كتاب حدثتني وقالت… لكل امرأة عباسية سيرتها وهو كتاب كوميكس أيضاً صادر عن دار المحروسة، وهذه الدار هي دار مصرية، تأسست عام 1986 كمركز أبحاث مستقل، ونشرت العديد من العناوين الروائية والفكرية، أصلية ومترجمة. توقفت الدار عن النشر إلى حين، لكنها عادت في السنوات الأخيرة إلى النشر مركّزة على كتب الكوميكس كوسيلة للوصول للقارئ المصري والعربي الجديد، إن تجربة المحروسة هذه قد تنطبق على أيٍّ من الدور السورية التي توقفت عن الإنتاج وعادت اليوم أو تفكر في العودة إلى العمل في حقل النشر السوري، ويمكن لأي من هذه الدور أن تقدم مشروعاً فكرياً ونهضوياً وتنويرياً كمشروع المحروسة اليوم، لكن قبل كل ذلك، يجب توفير المناخ الصحي والحرّ للنشر، وسنُّ قوانين تدعم الناشرين وتغريهم في العودة إلى سوريا لا بالهرب منها مجدداً.
موقع الجمهورية



