العنف ضد المرأة.. انتهاك متجذّر يهدد المجتمعات/ روز هلال

في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة.. انتهاك متجذر يهدد المجتمعات
2025-11-29
في الوقت الذي يحيي فيه العالم اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، تتصاعد شهادات قانونيين وحقوقيين ليؤكدوا أن النساء ما زلن يخضن معركة يومية في مواجهة منظومات اجتماعية وقانونية لا تمنحهن الحماية الكافية، ويرى هؤلاء أن النساء، رغم ما يتعرضن له من أشكال متعددة من العنف، يواصلن إظهار قوة استثنائية وقدرة على المقاومة وصنع التحولات، مدعومات بجهود دولية عززت الوعي وفتحت المجال أمامهن للدفاع عن حقوقهن.
وفي المقابل، يحذر مختصون من أن القصور التشريعي في العديد من الدول، خاصة في المنطقة العربية، ما يزال يقف عائقاً أمام حماية فعلية وشاملة، في ظل تزايد أنماط العنف وتحوّلها إلى صور أكثر تعقيداً، بدءاً من العنف الأسري وصولاً إلى العنف الرقمي والاقتصادي والسياسي. وبين إصرار النساء على انتزاع حقوقهن، واستمرار الثغرات التي تسمح بتمدد الانتهاكات، يتجدد النقاش حول ضرورة التزام الدول بالاتفاقيات الدولية، وتطوير القوانين، وتعزيز الوعي المجتمعي، لضمان بيئة تُصان فيها كرامة المرأة ويُواجه فيها العنف بجميع أشكاله بجدية وحزم.
ويحتفل العالم في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، لتعزيز الوعي بأبعاد وتداعيات هذه الظاهرة عالمياً، وتكثيف الجهود المبذولة لحماية النساء والفتيات من جميع أشكال العنف. وعلى الرغم من أن العالم يحتفي بهذه المناسبة، إلا أن منظمات حقوقية وأممية حذرت بشأن خطورة أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً واستمرارية، إذ تُظهر البياناتُ الحديثة أنّه رغم الوصولِ إلى عام ألفين وخمسةٍ وعشرين، ما يزال نحو ثمانمئةٍ وأربعين مليونَ امرأة، يتعرّضن للعنف من شريكٍ أو عنفٍّ جنسي خلال حياتهن، وتُشير التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، إلى أنّ هذا الرقم شبهُ ثابتٍ منذ عام ألفين، على الرغم من تعدّد المبادرات والجهود الدولية المبذولة، للحد من هذه الظاهرة.
وأشارت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها أن أحد عشر في المئة من النساء حول العالم، اللاتي تبلغ أعمارهن خمسة عشر عاماً فأكثر، تعرّضن لعنفٍ جسدي أو جنسي من شريك، خلال الاثني عشر شهراً الماضية، ويُشير التقريرُ أيضاً إلى أن حوالي مئتين وثلاثةٍ وستين مليونَ امرأةٍ عانَين من عنفٍ جنسي، من أشخاصٍ غير الشريك، لكن الأرقام قد تكون أقلَّ من الواقع، بسبب وصمة العار والصمت.
إلى ذلك، حذرت منظمات الأمم المتحدة، من تقليل التمويل وقالت إن الدعم لبرامج الوقاية من العنف ضد المرأة يتراجع، في وقتٍ تزداد فيه المخاطرُ بسبب النزاعات والأزمات الإنسانية فيما أشار تقاريرُ مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة، إلى أن عدد النساء المقتولات، بما يُعرف بالـ “فيميسايد”، أو جرائم قتل النساء بسبب جنسهن يظل مرتفعًا، ويشكل العنفُ المتجذّرُ في العلاقات الزوجية والأسرة، أشدَّ صورِ العنف.
المرأة تصنع المعجزات رغم العنف
وفي هذا السياق، تؤكد المحامية والناشطة الحقوقية ندى حسين ملكي من شمال وشرق سوريا لـ”963+” أن النساء يبذلن جهوداً جبارة لمقاومة العنف والوقوف في وجه مجتمع ظالم وذكوري يمارس مختلف أشكال الانتهاكات بحق المرأة منذ القدم وحتى اليوم.
وتشير إلى أن دعم المنظمات الأممية والدولية ساهم في تعزيز وعي النساء وقدرتهن على الدفاع عن أنفسهن أمام العنف.
وتضيف ملكي أن “تجربة ثورة المرأة في الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تعد مثالاً بارزاً على قدرة النساء في صناعة القرار وصنع المعجزات في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية، وتؤكد أن المرأة أثبتت أنها ليست أقل فاعلية من الرجل بل قادرة على تقديم الأفضل”.
تطبيق الاتفاقيات الدولية ومحاسبة الدول المخالفة
وتشدد الناشطة الحقوقية على ضرورة اتخاذ إجراءات عملية للحد من العنف ضد النساء، لافتة إلى أن الإحصائيات الأممية ما تزال تسجل معدلات ثابتة للعنف.
وتؤكد على أهمية تطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المرأة على أرض الواقع، والتزام جميع الدول بها، إلى جانب تطوير الوعي المجتمعي لمواجهة الفكر الذكوري السائد في العديد من المجتمعات.
كما تطالب ملكي بضرورة مراقبة المجتمع الدولي لتنفيذ هذه الاتفاقيات ومحاسبة الدول التي تخرقها، حيث أن عدداً من الدول العربية لا تزال تمارس العنف ضد المرأة رغم توقيعها على تلك الاتفاقيات.
غياب القوانين يضاعف معاناة النساء
من جانبه، يؤكد المحامي والمحلل السياسي أمين محمد بشير، المقيم في بيروت، أن البلدان العربية ما زالت متأخرة في سنّ القوانين التي تحمي المرأة من مختلف أشكال العنف. فالعنف لم يعد مقتصراً على الجانب الجسدي فقط، بل تطوّر ليشمل أنماطاً جديدة مثل العنف الرقمي، والاقتصادي، والسياسي، وكلها أشكال حديثة تفرض تحديات إضافية على التشريعات.
وفي ظل غياب نصوص قانونية واضحة ومباشرة، تجد المرأة نفسها، بحسب بشير، مضطرة إلى اللجوء إلى مواد متفرقة في قانون العقوبات أو قوانين الملكية الفكرية، في محاولة للتحايل على المنظومة القانونية القائمة لتأمين الحماية، وهو ما يعكس قصوراً تشريعياً واضحاً.
ويضيف بشير لـ”963+” أن هذا القصور لا يقتصر على قوانين العنف، بل يمتد إلى القوانين التمييزية الأخرى، مثل قوانين الأجور والعمل، التي ما زالت تحمل في طياتها إجحافاً بحق المرأة. لذلك فإن موضوع التشريع بحاجة إلى تعديلات جذرية وشاملة، خصوصاً فيما يتعلق بالعنف، لضمان وجود منظومة قانونية متكاملة تعترف بجميع أشكال الانتهاكات وتتصدى لها بفعالية.
ورغم الجهود التي تبذلها منظمات المجتمع المدني في نشر الوعي والتثقيف حول قضايا العنف ضد المرأة، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى إصلاحات قانونية حقيقية. فالتشريعات هي الركيزة الأساسية التي يمكن أن تمنح المرأة حماية فعلية، وتضع حداً للثغرات التي يستغلها المعتدون. ومن هنا، فإن تطوير القوانين ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو ضرورة اجتماعية وسياسية لضمان العدالة والمساواة، وتعزيز دور المرأة في الحياة العامة بعيداً عن أشكال التمييز والعنف، بحسب بشير
ويبقى اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة محطةً للتأمل والمراجعة، وفرصةً لتجديد الالتزام بمسؤوليتنا الفردية والجماعية في مواجهة هذه الظاهرة التي تهدد كرامة الإنسان واستقرار المجتمعات. إن مكافحة العنف ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي مسار طويل يتطلب وعياً، تشريعات عادلة، وممارسات يومية تُرسّخ قيم الاحترام والمساواة. ولعل أسمى رسالة نخرج بها من هذا اليوم هي أن حماية المرأة ليست خياراً، بل واجب إنساني وأخلاقي يضمن مستقبلاً أكثر عدلاً وأماناً للجميع.
+963



