هل تملك الشتيمة وظيفة سياسية؟/ نوار جبور

26 أغسطس 2025
في سوريا يبدو الأمر كذلك. فالقول المباشر حين يتعلق بالسياسة مُكلف، أما الشتم فمباح، يُمنح للناس بوصفه مساحة تنفيسية ملتبسة. هنا، الشتيمة ليست مجرد إهانة عابرة، بل مشاركة رمزية في السياسة، بطاقة عبور إلى فعل جماعي، حتى لو كان هشًا وعابرًا.
المدهش أن الانتصار الرمزي على نظام الأسد لم يُنتج شخصيات سياسية ولا مسارات تنظيمية واضحة، بل أنتج شخصيات انفعالية تتحرك فوق مسرح مفتوح للغضب والتهكم، حيث يصبح الشتم نفسه عرضًا جماعيًا، وكأنه نوع من الأداء السياسي الذي لا يحتاج إلى مشروع ولا إلى برنامج.
هذا التحوّل يذكّر بما وصفه ميخائيل باختين عن الكرنفال: انقلاب العالم رأسًا على عقب، حيث كل شيء مباح وتُسقط عن الناس أقنعتهم، وتصبح السخرية والعنف اللفظي نوعًا من المساواة المؤقتة. لكن عند باختين، الكرنفال لحظة محدودة الزمن، ينتهي ليعود النظام ويستعيد سلطته الصارمة. في سوريا، المؤقت صار دائمًا.
الكرنفالية لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى أسلوب يومي للوجود السياسي؛ حالة مفتوحة بلا نهاية، حيث حلّت الشتيمة محل السياسة نفسها، وصارت نمط عيش يتكرّس يومًا بعد يوم، حتى بدا أن السوريين يتعلمون السياسة من الشتيمة لا من النقاش العام أو الفعل المدني.
قد تُفهم الشتيمة كإزاحة للخوف وآلية لمواجهة القمع، لكنها في الواقع أكثر تعقيدًا. فالنظام لم يكتفِ بالسماح بها، بل شجّعها وتركها تكبر وتتمدّد. الجميع يشتم الجميع، والضجيج المتواصل يمنع أي خطاب سياسي متماسك من أن يتشكل أو يترسخ.
الشتيمة هنا تتحول إلى خطاب سلطوي مقنّع: المجتمع يستهلك نفسه في سباق شتائم لا نهاية له، بينما تظل السلطة جالسة فوق هذا الضجيج، محمية من أي مساءلة. ما يبدو كفعل مقاومة فردي أو جماعي، هو في الحقيقة إحدى أدوات إعادة إنتاج الهيمنة نفسها؛ أداة غير مكلفة تُبعد الناس عن التنظيم وعن بناء لغة سياسية مشتركة.
الشتيمة لم تتوقف عند السخرية من السلطة أو تفكيك رموزها، بل تحوّلت إلى انقلاب شامل على كل قيمة ممكنة. الكبير والصغير يتشاتمون، والوسائل الرقمية تحولت إلى مسرح مفتوح للانفعال. حتى النساء اللواتي كان يُفترض أن يُحطن بحماية رمزية في الثقافة الاجتماعية، أصبحن أكثر عرضة لتنمّر طائفي وذكوري وديني.
هكذا خرجت الكرنفالية من إطارها المقاوم لتصبح فوضى شاملة، تهشّم ليس فقط صورة الدولة، بل أيضًا القيم التي تحفظ نسيج المجتمع، وتحوّل الفضاء العام إلى مساحة مكشوفة بلا سقف ولا مرجعية سوى الضجيج.
هنا تكمن المفارقة: الشتيمة التي بدت وسيلة تحرر فردي، أصبحت وسيلة إلغاء جماعي. المجتمع يفرغ طاقته في وصمٍ متبادل، وتضيع إمكانية بناء فضاء عام يقوم على المحاججة أو الحِجاج العقلاني. لقد استقر منطق ثقافي جديد: لا رحمة، لا إنصات، لا محاولة لفهم الضحايا؛ بل شتيمة وتنكيل وسخرية. حتى الألم فقد قيمته الإنسانية، وتحول إلى مادة للفرجة والتسلية، كأن معاناة الآخرين لم تعد تستدعي تضامنًا، بل نوعًا من السخرية المريرة.
الأخطر أن الشتيمة ارتبطت بمقاطع التعذيب التي انتشرت على نطاق واسع. هذه المقاطع لم تعد مجرد شواهد على القمع، بل تحولت إلى وسيلة إثبات سياسي، وأرشيف متجدد للعنف يوظفه كل طرف ضد الآخر. بدل أن يُدان التعذيب بوصفه جريمة شاملة تُدين الفاعل أيًّا كان، صار الناس يحتفظون بأرشيف “الآخر العنيف” ليبنوا به خطابًا مضادًا. هنا تتحول الذاكرة إلى سلاح، ويتحول الألم إلى مادة لإعادة إنتاج خطاب الكراهية والانقسام.
التعذيب لم يعد أداة قمع صامتة، بل صار عرضًا كرنفاليًا يشارك فيه الجلاد والمتفرج معًا. التعليقات على المقاطع تكشف هذا البعد المريض: “صياحكم طرب”. العنف لم يعد مجرد فرجة، بل تحول إلى أغنية مشوّهة، إلى إيقاع جماعي يشارك فيه الجلاد والمشاهد، وتذوب فيه الحدود بين القامع والمقهور.
ترك المجتمع يتبارز بالشتائم والمقاطع ليس عجزًا من الدولة، بل نوعًا من الهشاشة المُدارة. تبدو السلطة غائبة عن الضبط، لكن هذا الغياب مقصود ومخطط له؛ إذ يوحي بالضعف، لكنه في جوهره استراتيجية لإبقاء الفضاء العام مشغولًا بصراعات أفقية متواصلة.
النتيجة أن السياسة تُستهلك كما تُستهلك الرحمة، وتذوب في ضوضاء لا تنتج معنى ولا أفق. ما كان يُفترض أن يكون انحرافًا عابرًا صار قاعدة يومية: الشتيمة والتنكيل والشماتة لم تعد استثناءً، بل أصبحت اللغة العامة للتفاعل، لغة مألوفة يُعاد تدويرها كل يوم.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن خلق قنوات سياسية حقيقية وسط هذا الضجيج المستمر؟ حتى الآن، يبدو الجواب مستحيلًا. السوريون يعيشون في كرنفال بلا نهاية؛ كرنفال بديل للعالم لكنه بديل يفضح الوحشية أكثر مما يفتح أفقًا للحرية.
السياسة استُبدلت بالشتيمة، والعنف صار القاعدة اليومية، وأي محاولة للخروج من هذه الحلقة تبدو محاصَرة منذ بدايتها. وما لم تُستعد لغة مشتركة تُتيح للناس إمكانية التلاقي على مشروع عام، سيبقى المجتمع غارقًا في دائرة استنزاف ذاتي، حيث يُعاد إنتاج القمع بأشكال جديدة كل يوم، فيما تظل السلطة بمنأى عن أي مواجهة حقيقية، محميةً بالفوضى نفسها التي صنعتها وأطلقتها.
الترا سوريا



