عبد الرحمن الشهبندر… في الملمّات تستحضر الأمم رموزها/ محمد أمين

14 سبتمبر 2025
في غمرة انشغال السوريين بالأوضاع الدامية في محافظة السويداء، التي فرض عليها التاريخ والجغرافيا، استدعت ذاكرة الكثيرين منهم واحدة من أكثر الشخصيات السورية وطنية وإخلاصاً: عبد الرحمن الشهبندر.
لم يكن الشهبندر، المولود في دمشق عام 1879، رجل سياسة عابراً في تاريخ سورية المعاصر، بل ربما كان الأكثر حضوراً فيه؛ فقد كان من “الآباء المؤسسين” للدولة السورية بمفهومها وحدودها الماثلة اليوم، والتي تحاول جهات داخلية وخارجية تغييرها لحساب مشروعات لاوطنية. درس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت وتخرج منها عام 1906، وكان من أوائل رجال السياسة السوريين الذين سعوا لاستقلال بلادهم عن الدولة العثمانية، متعاوناً مع البريطانيين والأميركيين لتحقيق هذه الغاية.
كان الشهبندر يؤمن بأن الاستقلال لا يتحقق فقط عبر التحرّر من الاحتلال، بل عبر بناء وعي وطني جامع، يرفض الانقسام ويؤمن بوحدة المصير. لذلك، لم يكن نشاطه مقتصراً على السياسة، بل امتد إلى الصحافة والتعليم والعمل الاجتماعي، حيث أسس صحفاً ومجلات وطنية، وشارك في تأسيس جمعيات ثقافية تهدف إلى تعزيز الهوية السورية والعربية. ولم يكن تأثير الشهبندر مقتصراً على النخب السياسية أو الثورية، بل امتد إلى عامة الناس، الذين وجدوا فيه صوتاً صادقاً يعبر عن آمالهم وآلامهم. فقد كان يحرص على التواصل المباشر مع الجماهير، من خلال الخطب العامة والمقالات الصحافية، التي كانت تُنشر في صحف دمشق وبيروت والقاهرة. وكان يرى أن بناء دولة مستقلة لا يكتمل إلا بترسيخ قيم العدالة والمواطنة، ونبذ الطائفية والانقسام، وهو ما جعله هدفاً دائماً للقوى الرجعية والمستفيدين من الفوضى.
خاض معارك سياسية كثيرة حتى تحقق له ما أراد في عام 1918، حيث ظهرت سورية لأول مرة دولة واحدة بحدود جغرافية شبه واضحة. كان الحلم دولة عربية واحدة للمشرق العربي كله، ولكن “لم يكن بالإمكان أفضل مما كان”. تولّى منصب أول وزير خارجية في تاريخ سورية المعاصر، في أول حكومة شكّلها الملك فيصل عام 1920 برئاسة هاشم الأتاسي.
قاوم الشهبندر الفرنسيين الذين دخلوا سورية محتلين في ذلك العام، فحُكم عليه بالسجن والنفي، وغادر إلى أوروبا حاملاً قضية بلاده معه، ثم عاد ليؤسس حزب “الشعب”. وكان له دور بارز في إشعال الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، إلى جانب سلطان باشا الأطرش، أبرز رجالات السويداء (جبل العرب)، بل من أبرز رجالات سورية الوطنيين قبل قرن. كتب البيان الأول للثورة، والذي قرأه الأطرش وخاطب به السوريين، كل السوريين “أحفاد العرب الأمجاد”، داعياً إياهم إلى حمل السلاح “في سبيل الحرية والاستقلال”، وتبديد “ظلام التحكم الأجنبي عن سماء بلادنا”.
يُوصف الشهبندر بأنه كان “عقل” تلك الثورة التي ما زالت حاضرة في ذهن السوريين وذاكرتهم، فهي محل تقدير واعتزاز لديهم، لأنها كانت المسمار الأخير في نعش محاولات فرنسا آنذاك تقسيم سورية إلى دويلات هشّة على أسس طائفية. اتصل الشهبندر بكل قادة الثورة ضد الفرنسيين في عموم سورية، وأبرزهم: عياش الحاج في دير الزور، وإبراهيم هنانو في إدلب، وفوزي القاوقجي في حماة. لكن الثورة لم تصمد طويلاً أمام الآلة العسكرية الفرنسية، فحكم الفرنسيون على الأطرش والشهبندر بالإعدام، فاضطرا إلى الخروج من جبل العرب إلى الأردن، ومنها غادر الشهبندر إلى العراق، لكنه طُرد منه، فاتجه إلى مصر حيث بقي هناك حتى عاد في 1937 بعد صدور عفو عنه، فاستُقبل استقبال الأبطال من الدمشقيين.
لم يتوقف نضال الشهبندر بعد عودته، بل استمر في دعوته إلى مواصلة الكفاح للحصول على استقلال كامل لسورية. هاجم اتفاقية عام 1936 وزعماء الكتلة الوطنية الذين وقّعوها مع فرنسا. كان خطيباً مفوّهاً، وكأنه “يقرأ من كتاب”، ملهماً، لديه القدرة على تثوير الشارع.
في السادس من يوليو/ تموز 1940، وبينما كان الشهبندر في عيادته بحي “الشعلان”، وسط دمشق، دخلت عليه مجموعة أشخاص، يتقدمهم أحمد عصاصة، بذريعة التطبب، وعندما همّ بمعاينة أحدهم باغته آخر برصاصة في الرأس أردته قتيلاً. اهتزت دمشق كلها لنبأ اغتيال “طبيب الأمة”، كما كان يحلو له وصف نفسه. واتُهم زعماء الكتلة الوطنية بتحريض متزمتين دينياً على اغتياله، متخذين من أفكاره التنويرية مدخلاً لاتهامه بـ”الكفر” والتخلص منه، بعد حملة تحريضية ضده في مساجد دمشق.
وجّه النائب العام حينها الاتهام إلى أربعة من زعماء الكتلة الوطنية بالوقوف وراء اغتيال الشهبندر، وهم: شكري القوتلي، جميل مردم بك، لطفي الحفّار، وسعد الله الجابري. فرّوا بعد ذلك إلى العراق، إلى أن غيّر المنفذون أقوالهم، فحُكم عليهم بالإعدام، ونُفذ الحكم في ساحة المرجة عام 1941، ونجا زعماء الكتلة.
دفن الدمشقيون عبد الرحمن الشهبندر بعد جنازة عظيمة ومهيبة في قبر محاذٍ لقبر صلاح الدين الأيوبي إلى الشمال من مسجد بني أمية الكبير، تقديراً واعترافاً بقيمته الوطنية. واليوم، يحمل ميدان واسع في قلب مدينة دمشق اسم عبد الرحمن الشهبندر، الذي ترك إرثاً وطنياً لا يُمحى، على السوريين استحضاره وتمثّل مبادئ الوطنية، وهم يخوضون اليوم معركة تحصين بلادهم ضد مشروعات لا وطنية هدفها تمزيق وتفتيت بلاد سالت من أجل وحدتها وحريتها دماء السوريين في ثورتين، الفاصل بينهما قرن كامل.
في الملمّات الكبرى، تستحضر الأمم العظيمة رموز التاريخ البعيد والقريب، لتعزيز الانتماء ونبذ الفرقة. لذا، حريّ بالسوريين استحضار إرث الأطرش والشهبندر في هذا المنعطف الحاسم الذي تمرّ به بلادهم، وهي تواجه تركة نظام الأسد البائد الثقيلة.
لقد مثّل الشهبندر نموذجاً فريداً للسياسي المثقف، والطبيب الوطني، والثائر العقلاني، الذي جمع بين الفكر والميدان، وبين الحلم والواقع، في زمن كانت فيه سورية تبحث عن ذاتها وسط ركام الاحتلال والتجزئة. واليوم، في ظل ما تمر به البلاد من تحديات وجودية، تبدو الحاجة ملحّة لاستعادة هذا النموذج، لا بوصفه ذكرى، بل منارة تهدي الطريق نحو وطن حرّ، موحّد، عادل.
دلالات
العربي الجديد



