زيارة أحمد الشرع لالمانيا وبريطانيا: سؤال الاقتصاد واللاجئين والحرب على الارهاب -مقالات مختارة-

————————
هل تغيّر موقف حكومة الشرع من ترحيل السوريين من ألمانيا؟
على هامش افتتاح القنصلية السورية في مدينة بون، جددت دمشق طلبها من برلين التأني في إعادة اللاجئين السوريين. واعتبر أسقف بارز في الكنيسة الكاثوليكية الألمانية أن إعادة اللاجئين السوريين في ظل الظروف الحالية غير واقعية.
قال محمد يعقوب العمر، مدير الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، لمجلة “فوكس” الألمانية: “نطلب من ألمانيا أن تتفهم وضع اللاجئين السوريين وأن تمنحنا مزيداً من الوقت لإعادة الإعمار”، حسب ما نقلت جريدة “دي فيلت” عن المجلة.
وحذّر المسؤول السوري من العواقب المحتملة في حال بدأت ألمانيا بترحيل أعداد كبيرة من اللاجئين إلى سوريا قريباً. وقال العمر: “إن عودة آلاف السوريين إلى سوريا في هذا التوقيت قد تُفاقم الأزمة الإنسانية، ما يعني اضطرار الكثيرين للعيش في مخيمات اللاجئين”.
وأضاف العمر أن الحكومة الانتقالية تعمل حالياً على إعادة الإعمار لكي تتمكن من استقبال مواطنيها العائدين. وقال لمجلة فوكس خلال افتتاح القنصلية العامة السورية في بون: “لطالما وقفت ألمانيا إلى جانب السوريين منذ اندلاع الحرب، ونحن نقدر ذلك”.
افتتاح القنصلية السورية في مدينة بون
كلام المسؤول السوري جاء خلال افتتاح القنصلية السورية في مدينة بون في غرب ألمانيا. وافتتح وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني الخميس (12 شباط/فبراير 2026) القنصلية السورية في مدينة بون، واصفاً الخطوة بأنها محطة مهمة من مسار العمل الدبلوماسي. وأكّد الوزير الشيباني، أن القنصلية ستكون بيتاً لكل سوري وجسراً لتعزيز التعاون والصداقة بين سوريا وألمانيا.
ولجأ نحو مليون سوري إلى ألمانيا في السنوات الأخيرة، ووصل الكثير منهم في الفترة 2015-2016.
منذ توليه منصبه في أيار/مايو الماضي، بدأ المستشار الحالي فريدريش ميرتس في تشديد سياسات الهجرة في ظل صعود اليمين المتطرف. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، دعا إلى إعادة لاجئين سوريين بحجة أن “الحرب الأهلية في سوريا قد انتهت”.
ونفذت ألمانيا عمليتي ترحيل بحق سوريين مدانيين بجرائم إلى بلدهما، منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
قبل ما يزيد قليلاً عن عام، صرح وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بأنه نظراً للوضع في سوريا، لا حاجة للعودة السريعة لمواطنيه من ألمانيا إلى وطنهم.
وبعد افتتاح القنصلية السورية في مدينة بون توجه الوزير الشيباني، إلى مدينة ميونيخ للمشاركة في مؤتمر ميونيخ للأمن. وعلى هامش المؤتمر التقى الجمعة (13 شباط/فبراير 2026) وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت. وبحث الجانبان خلال اللقاء ملفات الأمن والتنسيق المشترك، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون الثنائي وتطوير آليات العمل المشترك في المجالات الأمنية، وفقاً لما نشرته وزارة الخارجية عبر معرفاتها الرسمية.
وبحث الجانبان خلال اللقاء آفاق تعزيز التعاون الاقتصادي ودعم مشاريع التعافي وإعادة الإعمار، في إطار الجهود الرامية إلى تطوير الشراكات الدولية في مرحلة ما بعد الصراع، وفقاً لما نشرته وزارة الخارجية عبر معرفاتها الرسمية.
الكنيسة الكاثوليكية ترسم صورة قاتمة للوضع في سوريا
ومن جانبه، اعتبر رئيس لجنة الكنيسة-العالمية التابعة للأساقفة الكاثوليك الألمان، بيرترام ماير، المطالب بعودة جماعية لللاجئين السوريين، عقب زيارته للبلاد، إشكالية. وقال ماير في مقابلة مع وكالة الأنباء الكاثوليكية (KNA) يوم السبت، في ختام زيارته التي استمرت ثلاثة أيام، إن الوضع شديد التعقيد ولا يزال غير مستقر. وأضاف الأسقف الكاثوليكي أن العودة في ظل غياب الأمن والتعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، تبقى خياراً غير واقعي لكثير من الناس.
وأوضح بيرترام ماير أنه من أصل 1.5 مليون مسيحي، لم يبق منه في سوريا سوى ما بين 250 ألفاً و400 ألف مسيحي.
عنب بلدي
————————
رقمٌ أشعل برلين ودمشق: كيف حوّلت زيارة الشرع ملف اللاجئين إلى اختبار لميرتس وسوريا معاً؟/ علاء جمعة
لم تكن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى برلين في 30 آذار/مارس 2026 زيارة بروتوكولية عابرة، ولا مجرد محطة جديدة في طريق فك العزلة عن دمشق. فاللقاء الذي جمعه بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس بدا، في ظاهره، مناسبة للحديث عن إعادة الإعمار وفتح صفحة جديدة في العلاقات السورية الألمانية، لكنه انتهى إلى شيء آخر تماماً: جدل حاد حول مصير مئات الآلاف من السوريين في ألمانيا، وفوضى سياسية وإعلامية انفجرت بسبب رقم واحد هو «80 في المئة». ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: ماذا أراد الشرع من برلين؟ بل ماذا أراد ميرتس من هذه الزيارة: إعادة سوريا إلى الغرب، أم إعادة السورييت إلى سوريا؟
زيارة أكبر من ملف العودة
من الخطأ اختزال الزيارة كلها في ملف اللاجئين وحده. فبرلين أرادت أن تقول إنها مستعدة للانخراط في «تثبيت» سوريا الجديدة، ليس فقط سياسياً بل اقتصادياً أيضاً. الحكومة الألمانية أعلنت خلال الزيارة إنشاء قوة عمل مشتركة لتسريع التعاون، وربطت بين الاستقرار السياسي في سوريا والنمو الاقتصادي وإعادة الإعمار. كما تعهدت بتقديم أكثر من 200 مليون يورو خلال عام 2026، تشمل دعماً لمشاريع المياه وإعادة بناء المستشفيات، مع حديث واضح عن تحسين مناخ الاستثمار وتقديم خبرات وإصلاحات تساعد على جذب الشركات الألمانية. هكذا ظهرت الزيارة، في مستواها الأعمق، كمحاولة ألمانية لصياغة صفقة واسعة: دعم أوروبي اقتصادي وسياسي مقابل شراكة سورية في ملف الاستقرار والعودة.
ولذلك لم يكن حضور الشرع في برلين مجرد لقاء في المستشارية، بل تضمن أيضاً بعداً اقتصادياً مباشراً، من خلال المائدة الاقتصادية السورية الألمانية والرسائل التي صدرت عن الجانبين بشأن إعادة بناء البنية التحتية وفتح آفاق الاستثمار. وبرلين، التي أعادت فتح سفارتها في دمشق عام 2025 بعد انقطاع دام 13 عاماً، لم تكن تتحرك هنا بدافع إنساني فقط، بل بدافع استراتيجي أيضاً: سوريا المستقرة أقل كلفة من سوريا المنهارة، ودمشق التي ترتبط بمسار إعادة إعمار وتعاون اقتصادي أقل خطراً من سوريا المعزولة المفتوحة على الفوضى والتهريب وموجات النزوح الجديدة.
لكن هذه الصورة الواسعة تراجعت سريعاً إلى الخلف، بعدما ابتلعها ملف العودة، أو بالأحرى بعدما ابتلعها رقم العودة.
كيف وُلدت فوضى «80 في المئة»؟
في المؤتمر الصحافي المشترك، خرج الانطباع بأن نحو 80 في المئة من السوريين الموجودين في ألمانيا يمكن أن يعودوا إلى بلدهم خلال ثلاث سنوات. الرقم كان كافياً وحده لإشعال الساحة الألمانية. فهو لا يتعلق بعشرات الآلاف، بل بكتلة بشرية ضخمة ضمن واحدة من أكبر جماعات اللاجئين في البلاد. والأسوأ من الرقم نفسه أن معناه لم يكن واضحاً: هل هو هدف تتبناه الحكومة الألمانية؟ هل هو مجرد تقدير؟ أم أنه مجرد حديث سياسي غير منضبط خرج من جلسة ثم تسرب إلى الميكروفونات بصيغة ملتبسة؟
هنا بالتحديد تحولت الزيارة من حدث دبلوماسي إلى أزمة تواصل سياسي. فبعد الضجة الواسعة، عاد ميرتس في 31 آذار/مارس 2026 ليؤكد أن نسبة 80 في المئة لم تكن هدفاً ألمانياً رسمياً، بل رقماً طرحه الجانب السوري، وأن برلين «أخذت علماً به» فقط مع إدراكها لحجم التحدي. وبعد ذلك بيوم، انتقلت الحكومة الألمانية في خطابها من لغة الأرقام والنِّسب إلى لغة أكثر ضبابية، فتحدث المتحدث باسمها عن «عدد ملموس» أو «عدد كبير» من العائدين، وركز على أن المهم هو الإطار العام لا «من قال الرقم أولاً». هذا التراجع اللغوي لم يكن مجرد تصحيح شكلي، بل اعتراف ضمني بأن الرقم خرج أكبر من قدرة الحكومة على الدفاع عنه.
وبحسب إعادة البناء التي أثارتها التغطية الألمانية، فإن ما فجر الأزمة لم يكن فقط الجوهر، بل أيضاً الصياغة المرتبكة التي ظهر بها كلام ميرتس، ثم محاولات لاحقة لتوضيح المقصود. لكن النتيجة السياسية كانت قد وقعت بالفعل: الرقم صار في المجال العام، وبدأ يُقرأ في الداخل الألماني كوعْد كبير، وفي أوساط السوريين كرسالة تهديد، وفي دمشق كعبء دبلوماسي لا ضرورة له. وفي مثل هذه الملفات، لا يعود مهماً كثيراً من «قصد ماذا»، بل ما الذي فهمه الناس والفاعلون السياسيون من الكلام.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن يتسع الجدل بسرعة، وأن تأتي الانتقادات ليس فقط من المعارضة، بل أيضاً من خبراء الاقتصاد وسوق العمل ومن أصوات داخل الائتلاف الحاكم. فالأرقام الكبيرة قد تبدو جذابة في الخطاب السياسي، لكنها تتحول بسرعة إلى فخ إذا لم تكن مدعومة بخطة قانونية وأمنية واقتصادية قابلة للتنفيذ.
لماذا كان الرقم خطيراً على ميرتس؟
الخطر هنا لا يتعلق فقط بحقوق السوريين أو بحساسية الملف الإنساني، بل أيضاً بالسياسة الداخلية الألمانية نفسها. فميرتس وصل إلى الحكم بخطاب أكثر تشدداً في الهجرة، وفي ظل صعود مستمر لليمين المتطرف ممثلاً في حزب «البديل من أجل ألمانيا». وفي هذا المناخ، يغدو أي خطاب عن «العودة» مغرياً انتخابياً، لأنه يبعث برسالة مباشرة إلى جمهور قلق من الهجرة ومقتنع بأن مرحلة اللجوء الاستثنائي يجب أن تنتهي. لكن المعضلة أن رفع السقف سياسياً يعني رفع سقف التوقعات أيضاً: فإذا تحدث المستشار عن 80 في المئة خلال ثلاث سنوات، فسوف يُحاسب عليه لاحقاً وكأنه وعد سياسي، لا مجرد جملة ملتبسة في مؤتمر صحافي.
لهذا بدا ارتباك المستشارية مفهوماً. فهي من جهة تريد إثبات أن «زمن الحرب انتهى» وأن مبررات الحماية يجب أن تُعاد دراستها، لكنها من جهة أخرى تعرف أن تحويل هذا التصور إلى سياسة جماعية سريعة أمر شديد الصعوبة. ولذلك عادت الحكومة لتقول إن السوريين في ألمانيا ليسوا كتلة واحدة، بل مجموعة شديدة التباين: بعضهم اندمج، بعضهم يعمل، بعضهم تجنس، وبعضهم ما زال في أوضاع قانونية هشة، بينما تبقى فئة المدانين جنائياً ملفاً منفصلاً تحاول برلين تقديمه كأولوية أولى. وهذا التفريق يكشف أن الخطاب العام عن «عودة السوريين» يخفي وراءه في الحقيقة سياسة فرز معقدة، لا سياسة جماعية موحدة.
السوريون في ألمانيا ليسوا «ضيفاً مؤقتاً» فقط
الأرقام المتاحة تجعل أي حديث عن عودة جماعية سريعة أقرب إلى الشعار منه إلى الخطة. فبحسب أحدث بيانات استند إليها موقع Mediendienst Integration الإخباري من وزارة الداخلية الألمانية، كان يعيش في ألمانيا حتى 28 شباط/فبراير 2026 نحو 930.112 سوري. ومن بين هؤلاء كان نحو 713 ألفاً مصنفين كـ«باحثين عن الحماية» بنهاية 2024، بينما يملك آخرون إقامات لأسباب الدراسة أو العمل أو لمّ الشمل أو غير ذلك. كما أن العدد الإجمالي للسوريين تراجع قليلاً مقارنة بأيلول/سبتمبر 2025، ليس بسبب العودة فقط، بل أيضاً لأن كثيرين حصلوا على الجنسية الألمانية. أي أن جزءاً من الصورة التي يراها الرأي العام لم يعد دقيقاً: فالسوريون في ألمانيا اليوم ليسوا كلهم لاجئون بالمعنى القانوني نفسه، وليسوا جميعاً قابلين للإدراج تحت عنوان العودة.
بل إن التحول الأهم يتمثل في أن شريحة واسعة منهم دخلت بالفعل في قلب البنية الاقتصادية والاجتماعية الألمانية. فمعهد أبحاث سوق العمل والمهن IAB يبين أن معدلات العمل بين السوريين ترتفع بوضوح مع طول مدة الإقامة، وأن متوسط نسبة الاندماج في العمل يصل إلى 61 في المئة بعد سبع سنوات من الوصول. كما أن 62 في المئة من السوريين العاملين في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية يعملون في مهن تُصنف «أساسية للنظام العام»، وهي نسبة أعلى بكثير من مثيلتها بين الألمان. وهذا يعني أن النقاش لم يعد يدور فقط حول «عبء لجوء»، بل حول جماعة باتت جزءاً من تشغيل الاقتصاد اليومي والخدمات العامة.
وتزداد الصورة حساسية عند الانتقال من العموم إلى القطاعات. فمعهد الاقتصاد الألماني في كولونيا أكد قبل أيام أن أكثر من 260 ألف سوري كانوا يعملون في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية في آب/أغسطس 2025، وأن نحو 80 ألفاً منهم يعملون في مهن تعاني أصلاً نقصاً حاداً في العمالة. وتظهر الأهمية الخاصة للسوريين في النقل واللوجستيات والضيافة والخدمات الصحية. كما يشير المعهد إلى أن نحو 5.300 طبيب سوري كانوا يعملون كأطباء موظفين في ألمانيا ضمن فترة الدراسة التي اعتمدها، محذراً من أن عودتهم ستفاقم النقص في الرعاية الطبية. أما نقابة الأطباء الألمان فتُظهر أن عدد الأطباء السوريين الممارسين بلغ 7.042 في نهاية 2024، ما يجعلهم أكبر جنسية أجنبية داخل الجسم الطبي الألماني. هنا تحديداً ينهار الخط الفاصل بين «سياسة الهجرة» و«سياسة الدولة»: من يطالب بعودة واسعة، عليه أن يجيب أيضاً عن سؤال: من سيملأ الفراغ في المستشفيات ودور الرعاية وسلاسل النقل والخدمات؟
ولهذا لم يكن غريباً أن تخرج التحذيرات من خبراء الاقتصاد وسوق العمل بسرعة. فالمشكلة ليست فقط في احتمال خسارة اليد العاملة، بل في خسارة يد عاملة باتت مؤهلة أكثر بمرور الزمن، وبعضها انتقل من الأعمال الهامشية إلى وظائف تخصصية أو شبه تخصصية. بمعنى آخر، ألمانيا لا تناقش فقط خروج ناس، بل خروج خبرات استثمرت فيها اللغة والتأهيل والوقت.
دمشق تريد العائدين… لا المرحّلين
في المقابل، لا تبدو دمشق رافضة لعودة السوريين من حيث المبدأ، بل تعتبرها ضرورة وطنية واقتصادية. لكن الفارق جوهري بين منطق «العودة للمساهمة في إعادة البناء» ومنطق «الترحيل لتخفيف العبء عن ألمانيا». الشرع نفسه تحدث في برلين عن صيغة «هجرة دائرية» تتيح للسوريين، خصوصاً أصحاب الكفاءات، أن يشاركوا في إعادة بناء بلدهم من دون أن يخسروا الاستقرار الذي بنوه في ألمانيا. هذه الفكرة بحد ذاتها تقول الكثير: دمشق لا تتحدث هنا عن استقبال أفواج مرسلة دفعة واحدة، بل عن محاولة استعادة الطاقات والمهارات وربطها بمشروع إعادة الإعمار.
ولهذا جاء الرد السوري اللاحق حاداً وواضحاً. فبعد الجدل، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني رفض أي «محاولات للترحيل القسري»، مؤكداً أن السوريين في المهجر «موارد استراتيجية» لا عبء، وأن المطلوب هو تهيئة بيئة تسمح بعودة طوعية وآمنة وكريمه. وهذا الموقف يكشف أن دمشق، حتى وهي تسعى إلى إعادة مواطنيها، تدرك حساسية الظهور كطرف يطلب من ألمانيا ترحيل مئات الآلاف بسرعة، لأن ذلك قد يضرب صورتها الخارجية، ويصطدم بواقع داخلي لم يكتمل استقراره بعد. سوريا تريد أبناءها، نعم، لكنها تريدهم ضمن مسار إعادة بناء، لا ضمن صورة «شحن بشري» تُنتج هزة جديدة قد تدفع كثيرين إلى التفكير بالهجرة مرة أخرى، بحسب ما نشرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية.
فوق ذلك، ما زالت الحكومة الألمانية نفسها تربط أي عودة واسعة بمسائل لم تُحسم بعد: حماية الأقليات، الضمانات القانونية، مشاركة مختلف المكونات، وإتاحة الحيز السياسي والاجتماعي لكل الفئات. وقد شدد ميرتس علناً خلال الزيارة على ضرورة أن يكون «في سوريا الجديدة مكان لجميع السوريين» بغض النظر عن الدين أو الانتماء الإثني أو الجنس. وهذا مهم لأنه يعني أن برلين، في خطابها الرسمي، لا تستطيع أن تقول إن سوريا صارت جاهزة تماماً للعودة الجماعية، بينما تطالب في الوقت نفسه بإصلاحات وضمانات إضافية كشرط للاستقرار. هنا يظهر التناقض الذي جعل الجدل أكبر من مجرد سوء تفاهم لغوي: ألمانيا تريد أن تعتبر الحرب منتهية بما يكفي لبدء العودة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة اعتبار سوريا مكتملة التعافي.
العقدة القانونية التي لا يحلها خطاب سياسي
حتى لو افترضنا أن برلين قررت المضي أبعد في هذا المسار، فإن القانون نفسه يضع حدوداً واضحة. فالمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين BAMF يوضح أن سحب أو مراجعة صفة الحماية يتم عبر مسارات فردية، ويمكن الطعن فيه قضائياً. والأهم أن إسقاط الحماية لا يعني تلقائياً انتهاء الإقامة، لأن سلطات الأجانب هي التي تقرر لاحقاً ما إذا كان الشخص يستطيع البقاء على أساس قانوني آخر. وهذا يعني أن الطريق من شعار «العودة» إلى التنفيذ الإداري الفعلي طويل ومتعرج، ويمر عبر ملفات شخصية، ومحاكم، وسلطات محلية، واعتبارات عمل ودراسة وأسرة. أي أن السياسة تستطيع أن ترفع الشعارات، لكنها لا تستطيع تجاوز البنية القانونية بضربة واحدة.
لهذا يبدو أن ما قاله ميرتس في برلين كان، في أحد وجوهه، رسالة سياسية إلى الداخل أكثر مما كان برنامجاً تنفيذياً جاهزاً. لكنه في الوقت نفسه حمل مخاطرة كبيرة: إذ أرسل إشارة إلى السوريين بأن بقاءهم لم يعد مضموناً كما كان، من دون أن يقدم تصوراً عملياً متكاملاً لما بعد هذه الإشارة. وفي ملفات اللجوء، تكفي الإشارة أحياناً لتصنع خوفاً واسعاً، حتى لو تأخر القرار أو تبدل أو تعقد.
ماذا حققت الزيارة فعلاً؟
إذا أردنا تقييماً هادئاً للزيارة، فيمكن القول إنها نجحت دبلوماسياً وفشلت تواصلياً. نجحت لأن الشرع حصل من برلين على ما هو أهم من المجاملة: اعتراف سياسي عملي، دعم مالي، فتح قنوات اقتصادية، واندراج سوريا الجديدة في تصور ألماني أوسع للاستقرار وإعادة الإعمار. ونجحت أيضاً لأن ألمانيا أكدت أنها ترى في دمشق شريكاً لا يمكن تجاهله في ملفات الأمن الإقليمي والعودة وإعادة البناء. لكنها فشلت تواصلياً لأن اللحظة التي كان يفترض أن تُبرز هذا الاختراق تحولت إلى سجال ألماني داخلي حول «كم سيعود؟» و«من قال الرقم؟» و«هل هذه سياسة حكومية أم زلة لسان؟».
والأرجح أن هذا هو الدرس الأهم من الزيارة كلها: ملف السوريين في ألمانيا لم يعد مجرد ملف إنساني، لكنه لم يتحول أيضاً إلى ملف إداري بسيط يمكن حله برقم في مؤتمر صحافي. إنه اليوم ملف شديد الحساسية: حاجة سورية إلى الكفاءات والعائدين، وحاجة ألمانية إلى تقليل الضغط السياسي للهجرة من دون خسارة سوق العمل، وواقع قانوني وحقوقي يجعل أي خطوة جماعية واسعة محفوفة بالنزاع والمراجعة والطعن.
لهذا فإن زيارة الشرع إلى برلين لم تحسم سؤال العودة، بل كشفت تعقيده. لم تثبت أن مئات الآلاف من السوريين سيعودون قريباً، كما لم تثبت أنهم باقون جميعاً كما هم. ما فعلته فعلاً هو أنها نقلت النقاش من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى الصفقة الصعبة: كم تحتاج سوريا من أبنائها؟ وكم تستطيع ألمانيا أن تتخلى عنهم؟ وبين السؤالين، خرج رقم «80 في المئة» كأنه عنوان المرحلة، ثم تحوّل بسرعة إلى دليل على أن السياسة، حينتستعجل الكلام قبل الخطة، قد تربك الحليف والخصم والرأي العام معاً. وفي هذا المعنى، لم تكن أزمة الزيارة في أن ميرتس قال كثيراً أو أن الشرع قال قليلاً، بل في أن الطرفين اقتربا من أكثر الملفات حساسية قبل أن يتفقا على اللغة التي تشرحه.
القدس العربي
———————————-
العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد.. من برلين إلى لندن بدء مرحلة التموضع الجيواقتصادي/ علي إسماعيل
أبريل 2, 2026
عندما يبدأ الرئيس السوري أحمد الشرع زيارته إلى أوروبا في 30 آذار من ألمانيا، التي تعد القوة الاقتصادية الأولى في القارة، وثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، فإن الحديث عن الشؤون السياسية يتراجع إلى المرتبة الثانية.
وعندما يتحدث الرئيس الشرع بإسهاب عن الفرص الكبيرة لبرلين في سوريا، والتي تتجاوز 400 مليار دولار للمساهمة في إعادة الإعمار، فنحن نكون أمام استخدام مكثف للدبلوماسية الاقتصادية في توقيت حساس يعيش فيه العالم حالة من الاضطراب مع كل صاروخ أو مسيرة تضرب في مضيق هرمز، بحسب خبراء.
ونوعية التصريحات التي أطلقها الرئيس السوري في العاصمة الاقتصادية العالمية تأتي في سياق استثمار التغيرات العالمية الكبرى الجيوسياسية والاقتصادية، باعتبار سوريا ممرا بريا آمنا لسلاسل التوريد وإمدادات الطاقة، بشكل بديهي لا يحتاج إلى حروب لاكتشافه.
والعلاقة بين الاقتصاد والسياسة، واستثمار القائمين عليهما لهذين المفهومين من أجل تحقيق الأهداف المطلوبة، هي جوهر العمل في إطار العلاقات الدولية، بدءا من الدبلوماسية وليس انتهاء بالعمل العسكري.
وأبرز مثال على ذلك ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية في نيسان من عام 1988، عندما شنت عملية عسكرية في مضيق هرمز عرفت باسم “فرس النبي”، أسفرت عن تدمير سفن حربية إيرانية وإخراج منصات نفط إيرانية عن الخدمة، وكان الهدف منع إيران من التحكم بشريان العالم.
واستمر التوتر السياسي بين واشنطن وطهران حتى الوقت الراهن، وتصاعد إلى صدام عسكري مفتوح في 28 شباط الفائت، حيث أثر بشكل حاد على الاقتصاد العالمي، وغير خرائط النقل الاقتصادي وسلاسل التوريد العالمية التي كانت ثابتة لعقود.
وهذه الحوادث التي تنشأ عن التوترات السياسية ينتج عنها تحولات اقتصادية كبرى تجعل السؤال عن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، خاصة إذا كان ذلك في سبيل معرفة أسباب نشوء الأحداث العالمية الكبرى، في محاولة لتفاديها.
ومثال ذلك ما يعرف عالميا باسم “الكساد العظيم” عام 1929، الذي كان تأثيره مدمرا على كل الدول تقريبا، الفقيرة منها والغنية، حيث انخفض متوسط الدخل الفردي وعائدات الضرائب والأسعار والأرباح، وانخفضت التجارة الدولية بأكثر من 50 بالمئة، وارتفعت نسبة البطالة في بعض البلدان لتصل إلى 33 بالمئة، ويعد من أهم الأحداث الاقتصادية في القرن العشرين.
واختلف الباحثون حول أسباب نشوء هذه الأزمة الكبيرة، لكن نتج عن هذه الأزمة قيام الحكومة الأميركية في عام 1930 بفرض تعريفات جمركية حمائية على أكثر من 20,000 صنف مستورد، وعرفت باسم تعريفة “سموت هاولي”، وردت بعض الدول بفرض تعريفات انتقامية، مما زاد من تفاقم انهيار التجارة العالمية، حتى وصلت إلى القاع بحلول عام 1933.
العلاقة بين الاقتصاد والسياسة
العلاقة بين الاقتصاد والسياسة علاقة وثيقة وجدلية، فهما محركان لبعضهما، فالأطماع والتنافس من أجل البقاء والقوة هي محور الصراعات التي تحدث، لكن السؤال عن أيهما يسيطر على الآخر ظل من الأسئلة التي لم تستطع الدراسات والأبحاث الإجابة عنها بصورة حاسمة، باعتبار وجود علم يعرف بالاقتصاد السياسي، وأيضا وجود توجهات كبرى محددة بأطر قانونية وأيديولوجية تسمى بالسياسات الاقتصادية، حيث تحكم السياسة الاقتصاد من خلال عدة عوامل.
وهذه العوامل هي التي تحدد ماهية الاقتصاد أو السياسات الاقتصادية المتبعة وفقا للملكية والإنتاج وتوزيع الأرباح، وهنا تظهر تسميات الهوية الاقتصادية تبعا للسياسة، من الاقتصاد الاشتراكي وصولا إلى الرأسمالي.
ويعد كتاب “مبادئ الاقتصاد السياسي” من أهم كتب الاقتصاد والاقتصاد السياسي في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا عام 1848، لمؤلفه جون ستيوارت ميل، الذي يعد من أهم المفكرين الرواد في هذا الاتجاه، حيث يناقش الكتاب القضايا المعيارية مثل النظم المثالية للاقتصاد السياسي، ونقد النظم المقترحة مثل الشيوعية والاشتراكية.
والاقتصاد السياسي كمصطلح يوضح كيفية دراسة الإنتاج والتجارة وعلاقتهما بالقانون والعادات والحكومة، وبتوزيع الدخل القومي والثروة، ونشأ كنظام من الفلسفة الأخلاقية في القرن الثامن عشر، لاستكشاف إدارة ثروة الدول.
ويقول الباحث جمعة لهيب، رئيس قسم الدراسات والأبحاث في تيار المستقبل السوري، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “إن العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد تبرز كمحور مركزي يجمع بين التحديات الكبيرة والفرص الواعدة لإعادة بناء الدولة واستعادة السيادة الاقتصادية، وتؤكد النظرية الواقعية، عند هانز مورغنثاو وجون ميرشايمر، أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها، وأن الموارد الاقتصادية أداة أساسية للنفوذ السياسي، أما الليبرالية، عند جوزيف ناي وروبرت كيوهان، فترى في الاعتماد المتبادل فرصة لـ”السلام التجاري”، بينما يرى المنظور النقدي أن الاقتصاد بنية أساسية تحدد السياسة”. ويضيف: “يعني ذلك في سوريا أن الاستقرار السياسي شرط لجذب الاستثمارات، والتعافي الاقتصادي، وتعزيز الشرعية، وتقليل التوترات الداخلية”.
وحددت الدراسات والأبحاث، وخاصة الفلسفية المعنية بهذه العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة، ثلاثة اتجاهات أو مدارس، ويوردها الكاتب القطري محمد البهزاد في مقالته “جدلية الاقتصاد والسياسة”، باعتبار أن أولها المدرسة الحتمية الاقتصادية، ومن أبرز روادها كارل ماركس وفريدريك إنجلز، حيث يرون أن الاقتصاد هو الأساس أو البنية التحتية، بينما السياسة والقوانين والثقافة والعادات هي البنية الفوقية التي تتشكل تبعا له، ويقولون إنه عندما تتغير وسائل الإنتاج تتغير معها طبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية. وعلى سبيل المثال، فإن الثورة الصناعية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر غيرت الاقتصاد جذريا، ما دفع الأنظمة السياسية إلى تبني الديمقراطية الليبرالية تدريجيا.
أما الاتجاه الثاني فهو المدرسة الحتمية السياسية، وكان من أهم روادها نيكولو ميكافيلي، وتوماس هوبز، وكارل شميت، ويقولون إن السلطة السياسية هي المحرك الأساسي للتاريخ، وإن الدولة العتيدة يمكنها التحكم في الاقتصاد وتوجيهه وفق مصالحها واختياراتها، حيث إن الاقتصاد ليس إلا أداة في يد من يملك السلطة. ومن الأمثلة على هذا الاتجاه الصين، عندما فرض الحزب الشيوعي الصيني نموذجا هجينيا يجمع الاشتراكية والرأسمالية في اقتصاد واحد، وهو قرار سياسي أكثر منه اقتصاديا.
أما الاتجاه الثالث فهو المدرسة التفاعلية، ومضمونها أن الاقتصاد والسياسة مترابطان بشكل جدلي، حيث يؤثر كل منهما في الآخر، لكن التأثير نسبي ومتحول حسب السياق التاريخي. ففي الأوقات العادية، يقود الاقتصاد السياسة، لأن النمو والوظائف والاستثمار والخدمات هي أولويات الحكومات. أما في الأزمات الكبرى، فإن السياسة تفرض نفسها عبر قوانين الطوارئ والقرارات الاستثنائية، وكانت أزمة كورونا أبرز مثال على ذلك.
وفي هذا السياق يقول الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية الدكتور يحيى السيد عمر في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “يمكن القول إن السياسة والاقتصاد يشكلان ثنائية لا يمكن فصلها، وإن النجاح في إدارة العلاقة بينهما، كما يظهر من التجربة السورية الأخيرة، يعتمد على القدرة على الموازنة بين المصالح الداخلية والخارجية، وبين الضغط والمكافأة، وبين الثبات والانفتاح، وهو ما يحدد قدرة أي دولة على “أكل الكتف” في اللعبة الأوروبية الكبيرة”.
وعلى الرغم من اختلاف العلوم السياسية التي تدرس طبيعة السلطات العامة ووظائفها والعلاقات بينها وطرق الحكم المختلفة، والموضوعات التي يدرسها الاقتصاد، إلا أن الأحداث والوقائع التاريخية القريبة والبعيدة تثبت للباحثين مدى ارتباط السياسة بالاقتصاد، فكل قرار سياسي يحمل في طياته نتائج اقتصادية معينة، إلى درجة أن القرار السياسي ليس إلا تركيزا لمصالح اقتصادية معينة، وحتى قرارا الحرب والسلم لهما حساباتهما الاقتصادية، وكذلك إقامة علاقة خارجية مع دولة أجنبية لها حساباتها الاقتصادية أيضا.
ومع ازدياد تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، أصبح للاقتصاد صفة سياسية، فقد صار يهتم بالمشكلات السياسية والاجتماعية، وخاصة مشكلات العدالة الاجتماعية والرفاهية القومية، وأصبح من غير المتصور فصل الحياة الاقتصادية عن الحياة السياسية.
الدبلوماسية الاقتصادية: مفهوم واستخدامات ومجالات
تعرف الدبلوماسية الاقتصادية بأنها استخدام الدولة لمقدراتها الاقتصادية في التأثير على الدول الأخرى وتوجيه سلوكها السياسي في الاتجاه الذي يخدم المصلحة القومية لهذه الدولة.
وأحيانا تستخدم هذه الأداة من قبل الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة وفق اتجاهين: الأول الترغيب، أي منح المساعدات الاقتصادية للدول الموالية، أي التي تتماشى سياستها مع مصالح الدولة المانحة، مثل المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأميركية لدول مثل مصر وباكستان نظير خدمات تحقق مصالحها.
أما الاتجاه الثاني فهو الترهيب، ويعني منع المساعدات وفرض عقوبات على الدول المناوئة، أي الدول المناهضة والتي لا تتماشى سياساتها مع مطالب الدولة المانحة، مثل الحظر الأميركي على كوبا منذ تحولها إلى الشيوعية إثر انقلاب كاسترو عام 1959.
ووفق المركز الليبي للدراسات الاستراتيجية، تعد الدبلوماسية الاقتصادية من الأدوات الحديثة في العلاقات الدولية، حيث لم تعد الدبلوماسية مقتصرة على الجوانب السياسية فحسب، بل أصبحت وسيلة فعالة لتعزيز التنمية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، ودعم جهود إعادة الإعمار، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات.
وتمثل الدبلوماسية الاقتصادية إحدى الآليات المهمة لدعم وتحقيق التنمية المستدامة والحصول على الدعم الدولي المالي والفني، حيث تلعب السفارات والبعثات الدبلوماسية دورا محوريا في الترويج للفرص الاقتصادية وتحسين صورة الدولة في الخارج، لذلك ينظر إلى الدبلوماسية الاقتصادية على أنها أداة استراتيجية يمكن توظيفها بفاعلية لدعم وتحقيق التنمية المستدامة، غير أن نجاحها مرهون بتوافر الاستقرار السياسي، وتوحيد المؤسسات، ووضع استراتيجية وطنية واضحة تربط بين السياسة الخارجية والأهداف الاقتصادية للدولة.
وهنا يرى الباحث لهيب أنه في الدول الخارجة من الصراعات، مثل سوريا، تعد الدبلوماسية الاقتصادية أداة حيوية لكسر العزلة وإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، مع الحاجة إلى توازن يحافظ على السيادة. ويشير إلى أنه في الحالة السورية، شكل رفع الاتحاد الأوروبي لمعظم العقوبات الاقتصادية في أيار 2025، مع الإبقاء على الاستثناءات الأمنية، خطوة إيجابية مهمة تفتح الباب أمام تدفق المساعدات والاستثمارات المحتملة، واستئناف بعض الأنشطة الاقتصادية مثل تصدير النفط.
وفي دراسة نشرتها مجلة “الفكر القانوني والسياسي” العربية بعنوان “الدبلوماسية الاقتصادية أداة جديدة في السياسة الاقتصادية الدولية المعاصرة”، جاء أن الدبلوماسية الاقتصادية ظهرت اليوم كنمط مميز في الدبلوماسية المعاصرة والسياسة الدولية، بحكم أن العلاقات الاقتصادية الدولية صارت لصيقة بالعملية السياسية بدرجة أولى.
وتقول الدراسة إن “هذا النمط يظهر عندما تتعلق القضايا بمصالح ترغب الدول في الوصول إليها على حساب دول أخرى باستخدام أدوات ووسائل متعددة عن طريق فواعل حكومية وغير حكومية يقوم الطرف الأقوى باختيارها في إطار ناعم في عصر رقمي يتطلب استخدام الفطنة والذكاء في ذات الوقت، بما يصنع الفارق، إذ هو مهارة استخدام فن التفاوض بفعالية بغية تحقيق هذه الأهداف بطريقة تتماشى مع التغيرات الجيواقتصادية في عصر العولمة”.
وفي هذا السياق يقول الباحث الدكتور السيد عمر: “الدبلوماسية الاقتصادية باتت اليوم أداة أساسية في السياسة الخارجية للدول، وهذا المفهوم يشير إلى استخدام سوريا لسياساتها الدبلوماسية لتعزيز مصالحها الاقتصادية، سواء من خلال جذب الاستثمارات، أو تسهيل التجارة، أو الحصول على دعم لمشروعات استراتيجية، وتتعدد استخدامات الدبلوماسية الاقتصادية لتكون الوسيلة التي تربط بين القدرة السياسية والفاعلية الاقتصادية، بما يخدم أهداف دمشق على المستويين الداخلي والخارجي”.
ويضيف: “زيارة الرئيس السوري إلى ألمانيا وبريطانيا تمثل نموذجا واضحا للدبلوماسية الاقتصادية في العمل. وعلى الرغم من التعرض لسنوات طويلة من التحديات، جاءت هذه الزيارة لتعكس محاولة دمشق إعادة وضع نفسها على الخارطة الاقتصادية الدولية، حيث إن الهدف، باعتقادي، كان مزدوجا: من جهة تعزيز العلاقات السياسية مع أوروبا، وفي الوقت نفسه فتح أبواب للتعاون الاقتصادي والاستفادة من الخبرات الخارجية، إذ إن اللقاءات مع المسؤولين الألمان والبريطانيين ورجال الأعمال حملت رسالة واضحة، وهي أن سوريا تسعى إلى إيجاد شراكات اقتصادية وفق قواعد أكثر مرونة، مع التأكيد على جاهزيتها لتحسين بيئة الاستثمار وتوفير الضمانات المطلوبة للشركاء الأجانب”.
ومن الجدير ذكره أنه، وفقا لتقرير البنك الدولي الصادر في تشرين الأول 2025 حول تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار في سوريا (2011-2024)، تتراوح تكاليف إعادة الإعمار بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير محافظ “best estimate” يبلغ 216 مليار دولار، منها 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار لغير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.
ويعادل هذا الرقم نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2024، مع انكماش تراكمي تجاوز 50 بالمئة منذ 2010، ونمو متوقع متواضع بنسبة 1 بالمئة في 2025، حيث تبرز هذه الأرقام الحاجة الملحة إلى دبلوماسية اقتصادية نشطة، وتؤكد أن السياسة الخارجية يمكن أن تكون محركا قويا للتعافي إذا ربطت بالإصلاحات الداخلية.
زيارة الرئيس الشرع إلى أوروبا نموذجا
تعيش دول العالم لحظات صعبة مع توقف سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة بسبب التصعيد الإقليمي في نقطة دولية حساسة متمثلة في مضيق هرمز، ومن يستطيع تحويل المحن إلى منح واستثمار اللحظات المناسبة يكسب نقاطا استراتيجية كبرى كانت تحتاج وقتا أطول لتتحول من النظرية إلى التطبيق.
وسوريا التي تأثرت بالتصعيد الإقليمي بشكل محدود تعمل على تطويع ما تملكه من موقع جيوسياسي مميز وفرص استثمارية عديدة في لحظة مهمة ومع شركاء مناسبين، وباعتبار الأردن بوابة الخليج إلى بلاد الشام، فإن سوريا بوابة الخليج والأردن معا إلى أوروبا برا وبحرا، وأضف إلى هذه الدول العراق الذي يريد تصدير نفطه إلى أوروبا وتأمين سلاسل توريد باتجاهه.
ومن هذا المنطلق ينظر محللون سياسيون واقتصاديون إلى زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أوروبا على أنها زيارة تتخطى البروتوكول الدبلوماسي إلى التثبيت الفعلي لعوامل الجيوبوليتيك بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وهذا بدا واضحا من خلال الدبلوماسية الاقتصادية المكثفة التي استخدمها الرئيس الشرع مع المستشار الألماني.
وفي هذا السياق يقول الباحث لهيب: “إن زيارة الرئيس الشرع إلى برلين ثم إلى لندن تمثل نموذجا ناجحا وواعدا لهذه الجدلية، حيث تكون السياسة الخارجية في خدمة الاقتصاد، والعكس صحيح. وقد جاءت الزيارة بعد رفع معظم العقوبات الأوروبية، حيث إن أوروبا تريد أن تستفيد من الموقع الاستراتيجي السوري كممر طاقة بديل، في ظل تراجع النفوذ الإيراني والحرب الدائرة ضدها، بينما تستفيد سوريا من تنويع شركائها الدوليين”.
ويضيف الباحث لهيب: “الدبلوماسية السورية تؤكد نهجا متوازنا، يتمثل في الحفاظ على علاقات مع روسيا والدول العربية، خاصة الخليج، مع فتح أبواب التعاون مع الغرب، حيث سيعزز هذا التوازن الاستقلال الاقتصادي ويستفيد من الموقع الجيوسياسي لسوريا، كما تظهر زيارة برلين – لندن قدرة الدبلوماسية الاقتصادية السورية على تحويل الجدلية بين السياسة والاقتصاد إلى فرصة استراتيجية حقيقية، خاصة مع الاستمرار في الإصلاحات الداخلية الشاملة والحفاظ على التوازن الخارجي، فـ”الكتف الأوروبية” هنا جسر محتمل نحو تنمية مشتركة، شريطة أن تدار المصالح المتبادلة بذكاء واحترام متبادل”.
ويعد تقديم سوريا بوصفها واحدة من أكبر مشاريع إعادة الإعمار في القرن الحادي والعشرين أمام السوق الألمانية فرصة لا يمكن تفويتها بالنسبة إلى الأوروبيين، خاصة أنها مدعومة بمعلومة تقول إن تكلفة إعادة بناء سوريا تتجاوز 400 مليار دولار.
إن تشابك العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، بالترغيب الدبلوماسي والإطراء التاريخي، يعد إحدى أهم أدوات العمل السياسي العميق، وقد بدا ذلك مباشرة في كلام الرئيس الشرع للمستشار الألماني، إذ قال: “من استطاع أن يعيد النور إلى ألمانيا بعد عام 1945 يدرك قيمة هذه اللحظة التاريخية، نحن في ساعاتنا الصفرية وبحاجة إلى شريك يبني جسورا من النور فوق بحار من الظلام، وألمانيا بلا شك هي ذلك الشريك”.
وحول أهمية موقع سوريا في ملف الطاقة وسلاسل التوريد، قال الرئيس الشرع: “لا نحتاج إلى حرب حتى نكتشف أن سوريا ممر بري آمن لسلاسل التوريد وإمدادات الطاقة، إذ يجب أن تتنوع الطرق بشكل دائم، وأن يتوفر أكثر من خيار للعالم، وسوريا بموقعها الجغرافي تاريخيا هي صلة وصل بين الشرق والغرب”.
وفي هذا السياق يقول الباحث الدكتور السيد عمر: “تظهر زيارة الرئيس السوري إلى برلين ولندن أن السياسة والاقتصاد ليسا مجرد عنصرين منفصلين، بل هما محركان متداخلان لكل خطوة كبيرة أو صغيرة، فالسياسة الخارجية يمكن أن تعمل لصالح الاقتصاد، والاقتصاد بدوره يشكل ضغطا على السياسة لتوسيع آفاق التعاون، وبالتالي فإن العلاقة جدلية بينهما. وكما يتضح في هذا المثال الأوروبي، فإن سوريا اليوم تحاول استثمار هذه الديناميكية بحذر، مستفيدة من الانفتاح الأوروبي الجزئي، دون التنازل عن ثوابتها السياسية”.
وكان الرئيس الشرع قد أبلغ قادة خليجيين، عقب التصعيد الإقليمي، استعداد دمشق لفتح أراضيها ممرا بديلا للتجارة والطاقة، ونوقش الأمر مع الأردن لاستخدام الموانئ السورية لهذا الغرض، بحيث تصبح سوريا خيارا تفرضه الظروف الإقليمية ويرسخه الواقع الجيوسياسي في المنطقة، وشريكة في منظومة الطاقة الإقليمية وممرا آمنا لسلاسل التوريد التجاري بشكل عام، والطاقوي بشكل خاص.
الثورة السورية
—————————-
من المصانع المغلقة إلى مدن جديدة.. صفقة اقتصادية سورية–ألمانية تحل معضلة الهجرة / أسامة القاضي
2026.04.02
لطالما ارتكزت مقاربة ألمانيا لملف اللاجئين السوريين على المسؤولية الإنسانية. فمنذ عام 2015، استضافت البلاد واحدة من أكبر الجاليات السورية في العالم، حيث يقيم اليوم ما يقارب مليون سوري في ألمانيا.
لكن بعد ما يقارب عقداً من الزمن، تحوّل ما بدأ كاستجابة طارئة إلى تحدٍ اقتصادي وهيكلي طويل الأمد، سواء من الناحية المالية أو الاجتماعية.
تواصل ألمانيا إنفاق مليارات اليوروهات سنوياً على استضافة اللاجئين ودمجهم وتقديم الدعم الاجتماعي لهم. فقد بلغت التحويلات الفيدرالية إلى البلديات نحو 3.9 مليار يورو في عام 2023 وحده، في حين تتجاوز المدفوعات المباشرة لطالبي اللجوء 6 مليارات يورو سنوياً. ومع احتساب تكاليف السكن والتعليم والاندماج طويل الأمد، تُقدّر الكلفة الإجمالية بنحو 15 إلى 20 مليار يورو سنوياً.
وفي الوقت ذاته، تتشكل أزمة أخرى موازية، أقل وضوحاً ولكنها لا تقل أهمية.
تشهد ألمانيا موجة ملحوظة من إغلاق الشركات وتراجع النشاط الصناعي. ففي عام 2024 وحده، أُغلِق ما يقارب 196 ألف شركة، وهو رقم مرتفع تاريخياً، بينما سُجِّل في عام 2025 نحو 24 ألف حالة إفلاس. كما تواجه مئات آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة ضغوطاً متزايدة. وقد فقد القطاع الصناعي أكثر من 100 ألف وظيفة في عام 2024، مع استمرار التراجع.
هاتان الظاهرتان — ارتفاع كلفة الهجرة وتراجع القاعدة الصناعية — نادراً ما يتم ربطهما ببعض، رغم أن العلاقة بينهما واضحة من منظور اقتصادي.
لم يعد التحدي اليوم هو كيفية إدارة اللاجئين أو إنقاذ الشركات المتعثرة، بل كيفية تحويل هذين التحديين إلى فرصة واحدة متكاملة. وهنا تبرز فكرة الشراكة السورية–الألمانية كحل واقعي وعملي.
تستطيع الحكومة السورية تقديم منصة اقتصادية واسعة النطاق لنقل وتوسيع النشاط الصناعي الألماني، تقوم على تخصيص مليوني متر مربع في كل من ثلاث مناطق استراتيجية في سوريا: الجنوب، والوسط، والشمال.
ويتم تقسيم كل منطقة إلى مكونين متكاملين: مليون متر مربع مخصصة للتطوير الصناعي، تستضيف المصانع الألمانية وسلاسل التوريد والأنشطة الإنتاجية. ومليون متر مربع مخصصة للتطوير العمراني والاجتماعي، يتم تنفيذها وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، وتشمل مساكن للعائدين، ومشافي، ومدارس، ومراكز تجارية، وحدائق عامة، وملاعب رياضية، ومجمعات خدمية متكاملة.
يمكن أن تحمل هذه المناطق هوية اقتصادية ورمزية مميزة، مثل “مناطق إيرهارد الصناعية”، في إشارة إلى نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي، في حين يمكن تطوير المناطق السكنية كمجمعات حديثة بمعايير أوروبية تحت مسمى “المجمعات الألمانية–السورية”.
هذا المشروع لا يقتصر على نقل مصانع، بل يمثل إنشاء مدن اقتصادية متكاملة. بالنسبة للشركات الألمانية، وخاصة تلك التي أُغلقت أو فقدت قدرتها التنافسية داخل ألمانيا، يوفر هذا النموذج فرصة لإعادة الانطلاق. فتكاليف الإنتاج الأقل، والطلب المرتبط بإعادة الإعمار، والقرب من أسواق الشرق الأوسط، كلها عوامل تعيد الربحية والقدرة التنافسية.
أما بالنسبة لألمانيا، فهذا يمثل سياسة صناعية خارج الحدود. وبالنسبة لسوريا، فهو إعادة إعمار اقتصادية على نطاق واسع.
يضع هذا المقترح هدفاً واضحاً وقابلاً للقياس وهو توفير 200 ألف فرصة عمل خلال خمس سنوات.
الآلية بسيطة وتعكس منطق الاقتصاد الواقعي: كلما زاد عدد المصانع التي تُفتتح، زاد عدد الوظائف، وكلما زادت الوظائف، زادت جاذبية العودة الطوعية.
الهجرة تتبع الفرص، ومن دون وظائف، تصبح العودة غير واقعية، ومع توفر الوظائف، تصبح العودة خياراً عقلانياً وجاذباً.
حتى البداية المحدودة يمكن أن تُحدث أثراً كبيراً، فعودة طوعية بنسبة 5% فقط من السوريين في ألمانيا — أي نحو 40 إلى 50 ألف شخص — يمكن أن تشكل النواة البشرية لهذه المناطق الصناعية ومشاريع التدريب والإعمار، علما أن كل عامل هو معيل لأسرة من نحو ٤ أشخاص ، لذا فعودة ٤٠ ألف عامل بشكل طوعي بقصد العمل في الشركات الألمانية معناها عودة نحو ٢٠٠ الف سوري إلى موطنهم .
أما من الناحية المالية، فالمقارنة واضحة، تقوم ألمانيا اليوم بتمويل وجود اللاجئين السوريين واحتياجاتهم من خلال الإنفاق المستمر على الدعم الاجتماعي بمبلغ يتجاوز ١٠ مليار دولار، بينما يمكن إعادة توجيه جزء من هذا الإنفاق نحو استثمار إنتاجي في سوريا — في الصناعة والإسكان والتدريب — بما يخفف العبء المالي على المدى الطويل ويخلق عوائد اقتصادية.
وبحسب تقديرات متحفظة، يمكن أن يوفر هذا النهج على ألمانيا ما لا يقل عن 10 مليارات دولار خلال خمس سنوات، بالتوازي مع دعم التوسع الصناعي وتحقيق استقرار في ملف الهجرة.
هذه ليست مجرد عملية خفض للتكاليف، بل إعادة هيكلة استراتيجية للإنفاق العام، فبدلاً من تمويل الاعتماد طويل الأمد، تستثمر ألمانيا في إحياء قدراتها الصناعية عبر التوسع الخارجي ، وتنويع سلاسل التوريد، و دعم النمو المرتبط بإعادة الإعمار، وخلق حل مستدام للهجرة.
أما بالنسبة لسوريا، فالنتائج ستكون مدهشة وتغير وجه المشهد الاقتصادي السوري.
إن خلق 200 ألف وظيفة خلال خمس سنوات لا يعني فقط إعادة تشغيل الاقتصاد، بل يعني استعادة الثقة، وإعادة بناء الطبقة الوسطى، وإعادة ربط الإنسان السوري بوطنه.
وهذا هو العامل الحاسم، فاللاجئون لا يعودون إلى عدم الاستقرار، بل يعودون إلى الفرصة والكرامة والمستقبل.
إن بناء منظومة متكاملة تجمع بين الصناعة والتعليم المهني والتطوير العمراني عالي الجودة كفيل بخلق بيئة تجعل العودة ليست ممكنة فقط، بل مرغوبة.
ومع مرور الوقت، يمكن لهذا النموذج أن يعيد تشكيل معادلة الهجرة بالكامل، فبدلاً من كونها عبئاً دائماً على الموازنة الألمانية، تتحول إلى عملية انتقالية تُحل تدريجياً من خلال الاستثمار وخلق الوظائف.
لهذا، يمثل هذا المقترح نموذجاً حقيقياً لتحقيق مكاسب متبادلة، فهي من جهة تخفف ألمانيا الضغط المالي، وتعيد تنشيط صناعتها، وتحقق استقراراً في ملف الهجرة، ومن جهة أخرى تحصل سوريا على الاستثمار والوظائف وعودة أبنائها ضمن بيئة اقتصادية واجتماعية حديثة.
أما البديل، فهو واضح، فإذا لم يؤخذ بهذا المقترح معناها الاستمرار في تحمل التكاليف المتزايدة للاجئين السوريين في ألمانيا، مع تراجع القاعدة الصناعية الألمانية التي تجاوزت 200 ألف شركة أغلقت عام 2024 وأكثر من 20 ألف شركة ألمانية أفلست بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهذا المقترح يقدم طوق النجاة لتلك الشركات من خلال العمالة السورية وسخاء الحكومة السورية بتقديم الأراضي كمناطق صناعية وإعمار فضلاً عن الإعفاءات الضريبية.
لكن الفرصة أيضاً واضحة، وهي تحويل المصانع المغلقة إلى بدايات جديدة — هذه المرة في سوريا.
لم يعد السؤال ما إذا كان السوريون سيعودون، و السؤال الحقيقي هو: هل هناك إرادة ألمانية وترحيب سوري وتقبل هذه الحزمة لفائدة الطرفين؟.
تلفزيون سوريا
————————-
سوريا على عتبة الفينيق.. من برلين إلى ولادة الدولة الحديثة/ بشار الحاج علي
2026.04.01
حين يقف مسؤول سوري في برلين اليوم، لا تبدو المسألة زيارة عابرة، بل مواجهة صامتة مع سؤال ثقيل: كيف تنهض الدول بعد أن تنتهي الحروب؟ فهذه المدينة، التي كانت يوماً عنواناً للخراب الكامل بعد الحرب العالمية الثانية، لم تستعد مكانتها لأنها أعادت بناء ما تهدّم فقط، بل لأنها أعادت تعريف نفسها من جديد.
ليست المقارنة بين ألمانيا وسوريا رفاهية فكرية، ولا ادعاءً بتطابق التجربتين، بل محاولة لاستحضار نموذج تاريخي نجح في تحويل الهزيمة إلى فرصة لإعادة التأسيس. فالدول لا تنهض لأنها نجت من الحرب، بل لأنها امتلكت الجرأة لإعادة بناء ذاتها على أسس جديدة، قانونية وأخلاقية قبل أن تكون عمرانية أو اقتصادية. فالدول لا يُعاد بناؤها حين تتوقف الحرب، بل حين يتغيّر تعريف الدولة نفسها.
لقد أدركت ألمانيا، في لحظة مفصلية، أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالحجر، بل بالإنسان؛ فجاء الدستور ليؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والفصل الحقيقي بين السلطات. لم تكن هذه المبادئ شعارات مثالية، بل شروطاً عملية لضمان الاستقرار ومنع تكرار الانهيار. وهنا تحديداً يكمن جوهر الدرس الممكن: لا يمكن لأي مشروع إعادة إعمار في سوريا أن ينجح إذا لم يُبنَ على قاعدة الحقوق والحريات، باعتبارها البنية التحتية غير المرئية لأي تنمية مستدامة.
إن الانتقال من دولة الخوف إلى دولة القانون ليس مساراً تقنياً، بل تحوّل عميق في العلاقة بين المواطن والدولة.
فالمواطنة هنا لا تُختزل في الانتماء الجغرافي، بل تُعاد صياغتها بوصفها علاقة قائمة على المساواة الكاملة أمام القانون، دون تمييز أو إقصاء. وهذا ما يجعل فكرة «الدولة الجامعة» ليست مجرد تسوية سياسية، بل شرطاً وجودياً للاستقرار.
غير أن التجربة الألمانية لم تتوقف عند إعادة بناء النظام السياسي، بل ذهبت أبعد من ذلك في تأسيس نموذج تنموي متكامل، كان للتعليم فيه دور محوري؛ فالنظام المعروف بالتعليم المهني المزدوج لم يكن مجرد خيار تعليمي، بل ركيزة استراتيجية لربط المعرفة بسوق العمل، وتحويل الشباب من عبء اقتصادي إلى قوة إنتاجية فاعلة. وقد ساهم هذا النموذج في خلق طبقة وسطى واسعة، مستقرة اقتصادياً، وقادرة على حماية الديمقراطية من الانزلاق.
إن استلهام هذا النموذج في الحالة السورية لا يعني نسخه حرفياً، بل فهم روحه: الاستثمار في الإنسان المنتج، وتوجيه التعليم ليكون جزءاً من دورة الاقتصاد لا معزولاً عنها. فإعادة بناء سوريا لن تتحقق عبر النخب فقط، بل عبر ملايين الأيدي التي تحتاج إلى التأهيل والتمكين والانخراط في عملية الإنتاج.
إلى جانب ذلك، لعب التطور التقني في ألمانيا دوراً حاسماً في تسريع وتيرة النهوض؛ فالدولة التي خرجت مدمّرة أدركت مبكراً أن المستقبل لا يُبنى فقط على إعادة ما كان، بل على امتلاك أدوات الغد.
من هنا جاء التركيز على الابتكار، والصناعة المتقدمة، وربط البحث العلمي بالاقتصاد. وهذا يفتح أمام سوريا أفقاً مهماً: ألا تكتفي بإعادة بناء ما دُمّر، بل أن تقفز نحو نموذج اقتصادي جديد يستفيد من التكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والطاقات البشرية الشابة.
ولا يمكن تجاهل عامل الدعم الدولي، حيث شكّلت خطة مارشال رافعة اقتصادية مهمة لألمانيا. غير أن هذا الدعم ما كان ليؤتي ثماره لولا وجود بيئة قانونية شفافة، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة. وهذا يطرح تحدياً مباشراً أمام أي مسار سوري قادم: فالمساعدات وحدها لا تصنع نهضة، بل طريقة إدارتها ضمن إطار مؤسساتي رشيد.
لكن ربما كان الدرس الأعمق في التجربة الألمانية هو قدرتها على مواجهة ماضيها. لم يكن ذلك المسار سهلاً أو خالياً من التوتر، لكنه كان ضرورياً لبناء شرعية جديدة للدولة. فالمجتمعات التي لا تواجه ذاكرتها تبقى أسيرة لها. وفي الحالة السورية، تبدو هذه المسألة أكثر تعقيداً، لكنها في الوقت ذاته أكثر إلحاحاً؛ فالمصالحة لا تعني النسيان، بل الاعتراف والمساءلة وبناء سردية وطنية جامعة تتسع للجميع.
إن التحدي الحقيقي في الحالة السورية لا يكمن فقط في إعادة ترتيب المشهد السياسي، بل في تجاوز اللغة التي حكمته لسنوات. فالتصنيفات الجاهزة، مهما بدت مريحة، لا تصنع دولة، بل تعيد إنتاج الانقسام بأشكال مختلفة. لذلك، لا تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تعريف الاصطفافات بقدر ما تبرز ضرورة الانتقال إلى معيار أكثر صلابة: من يملك القدرة على الإسهام في بناء الدولة الحديثة.
في هذا السياق، يصبح من الضروري الابتعاد عن منطق الولاء بوصفه معياراً للفرص والمواقع، واستبداله بمنطق الكفاءة بوصفه أساساً لإدارة الشأن العام. فالدول لا تُدار بالاصطفافات بل بالخبرات، ولا تُبنى بالانتماءات الضيقة، بل بعقول قادرة على تحويل الموارد المحدودة إلى فرص حقيقية.
كما أن الإصرار على إعادة تدوير توصيفات إقصائية، أياً كان مصدرها، لا يفتح أفقاً سياسياً، بل يغلقه. فهذه اللغة، حتى عندما تصدر بنوايا مختلفة، تعيد إنتاج منطق الإلغاء ذاته الذي عانت منه الدولة والمجتمع معاً.
البديل ليس في تجاهل الاختلاف، بل في تنظيمه ضمن إطار قانوني عادل يضمن المشاركة دون أن يسمح بالاحتكار.
الوطنية، في هذا المعنى، لا تُقاس بحدة الخطاب ولا بصلابة المواقف، بل بمدى الاستعداد للقبول بالآخر شريكاً في المستقبل. إنها انتقال من فكرة الغلبة إلى فكرة الشراكة، ومن منطق الإقصاء إلى منطق الاندماج، حيث يصبح السؤال المركزي ليس: من ينتصر؟ بل: كيف تنتصر الدولة للجميع؟
وهنا يمكن قراءة زيارة برلين كفرصة لإعادة التفكير، لا فقط في العلاقات الدولية، بل في النموذج الذي نريد لسوريا أن تتبناه.
هل نريد إعادة إنتاج أنماط سابقة، أم نمتلك الشجاعة للذهاب نحو دولة حديثة تقوم على القانون، وتستثمر في الإنسان، وتستفيد من التجارب الناجحة دون أن تفقد خصوصيتها؟
سوريا، في صورتها الأعمق، ليست مجرد جغرافيا خرجت من حرب، بل مجتمع يقف على حافة إعادة تعريف ذاته. وكما في أسطورة الفينيق، فإن النهوض الحقيقي لا يكمن في العودة إلى ما كان، بل في القدرة على التحول إلى ما يجب أن يكون.
ويبقى السؤال مفتوحاً، ليس أمام السياسيين فقط، بل أمام المجتمع بكل مكوناته: هل نريد إعادة إعمار بلد، أم بناء دولة؟ وهل نملك الإرادة لنضع الإنسان، بحريته وكرامته، في قلب هذا المشروع؟
تلفزيون سوريا
————————–
أحمد الشرع… بين شرعيتين/ خيرالله خيرالله
تبنّي خطاب إقصائي أو تخويني تجاه شريحة واسعة من السوريين لا يخدم أي مشروع وطني جامع بل يعمّق الانقسامات ويهدد بإعادة إنتاج الصراع.
الاثنين 2026/04/06
ماذا عن الشرعية الداخلية
لدى الاستماع للرئيس أحمد الشرع، الذي قام بزيارة للندن أخيرا، يتحدث في “شاتام هاوس” (مركز أبحاث ودراسات عريق) عن الوضع الداخلي السوري، يتبين أنّ الرجل يسعى إلى اكتساب مزيد من الشرعية الدولية. الأكيد أنّ هذا من حقّه، لكن ماذا عن الشرعية الداخلية التي يحتاج إليها أي نظام سوري جديد في مرحلة ما بعد التخلّص من النظام العلوي الذي أسسه حافظ الأسد وتحكّم برقاب السوريين وأرزاقهم وحياتهم اليوميّة بين 1970 و2024؟
يركّز الشرع على أهمّية الشرعيّة الدولية والعلاقات التي باتت تمتلكها سوريا في المنطقة وخارجها من أجل تفادي الدخول في تفاصيل الوضع الداخلي المعقد. إنّه وضع يحتاج أول ما يحتاج إلى الاعتراف بوجود مجتمع سوري منفتح، خصوصا في المدن الكبيرة. ليس ما يشير إلى أن الفريق المحيط بالرئيس السوري قادر على التعاطي مع هذا المجتمع من منطلق مختلف كثيرا عن منطق الفكر الذي تحكّم بـ”هيئة تحرير الشام” والتنظيمات الأخرى التي حلّت مكان بشار الأسد من دمشق في الثامن من كانون الأوّل – ديسمبر 2024.
تطرّق الشرع في سياق إجابته عن الأسئلة المدروسة التي وجهت إليه إلى أمور عدّة من بينها ماضيه. أشار إلى الانفصال عن تنظيم “القاعدة” وإلى خلاف فكري مع هذا التنظيم منذ زمن طويل. كذلك، تطرّق إلى موضوع القواعد الروسيّة في سوريا. كان واقعيا في إشارته إلى الطابع التاريخي للعلاقة مع موسكو، لكنه خلص إلى أن المطروح مستقبلا تحوّل القاعدتين اللتين ما زال الروس فيهما إلى مركزي “تدريب” للجيش السوري.
المرحلة المقبلة تتطلب خطابا مسؤولا مختلفا يعترف بتعقيدات التجربة السورية ويبتعد عن الأحكام ذات الطابع التعميمي ويمهّد لعملية تعافٍ وطني حقيقية
ما لا يمكن تجاهله، بغض النظر عما يصدر عن أحمد الشرع، أنّ ما يطرحه بعض من يُسمّون بـ”الفاتحين الجدد” من الفصائل الإسلاميّة التي دخلت دمشق وأخرجت بشّار الأسد منها. هؤلاء، عند مهاجمتهم للسوريين المقيمين داخل المدن يركزون على سؤال واحد: “أين كنتم خلال الأربعة عشر عاما الماضية؟”. غالبا ما يترافق هذا السؤال مع اتهامات مباشرة لهؤلاء السوريين المظلومين بأنهم كانوا موالين للنظام السابق أو داعمين له، بل يُوصمون الآن بألقاب مثل “أيتام الأسد.” وما شابه ذلك.
يتجاهل هذا الطرح جملة من الحقائق الجوهرية التي ينبغي التوقف عندها بموضوعية. السوريون الذين بقوا داخل البلاد خلال تلك السنوات لم يكونوا في منأى عن القمع، بل عاشوا تحت مستويات قاسية من العنف والبطش والتهديد. اختبروا بشكل يومي ممارسات الانتهاك على الحواجز الأمنية، والرعب في أماكن العمل، والترهيب داخل المؤسسات التعليمية، إضافة إلى الاعتقال التعسفي ومصادرة الممتلكات. كان هؤلاء في كلّ وقت عرضة لوحشية ليس بعدها وحشية مارسها النظام الأقلّوي الذي لم يكن لديه من همّ سوى إخضاع المواطن السوري وإفهامه أنّه يتحكّم بحياته.
على الصعيد الاقتصادي، تعرض التجار والصناعيون داخل مناطق سيطرة النظام إلى ضغوط هائلة تمثلت في الابتزاز المنهجي والفساد القسري. فُرضت عليهم الإتاوات كشرط للاستمرار في أعمالهم وعدم التعرّض لحياتهم. ولم يكن ذلك خيارا بقدر ما كان وسيلة للبقاء في بيئة اقتصادية مفروضة على الناس. ينفي ذلك فكرة أن هؤلاء كانوا شركاء في الفساد كما يُروَّج غالبا.
أما التحدي الأكبر الذي واجه غالبية العائلات السورية، فتمثل في مصير أبنائهم عند بلوغ سن الخدمة العسكريّة الإلزامية. فقد وُضع الشبان وأهاليهم أمام خيارات قاسية بين دفع مبالغ مالية كبيرة أو الزج بهم في جبهات خطرة، أحيانا دون تجهيز أو تدريب كافٍ. في ظل هذه الظروف، اضطرت آلاف العائلات إلى بيع ممتلكاتها لتأمين الحماية لأبنائها، فيما خسر كثيرون حياتهم في سياقات تعكس حجم المأساة التي عاشها المجتمع.
الشرع يركّز على أهمّية الشرعيّة الدولية والعلاقات التي باتت تمتلكها سوريا في المنطقة وخارجها من أجل تفادي الدخول في تفاصيل الوضع الداخلي المعقد
في موازاة ذلك، لعب موظفو القطاع العام دورا محوريا في المحافظة على الحد الأدنى من استمرارية مؤسسات الدولة، على الرغم من هشاشتها. ساهمت هذه الفئة، إلى حد كبير، في منع الانهيار الكامل للبنية الإدارية للدولة، وهو دور لا يمكن إغفاله عند تقييم تلك المرحلة والدخول في مرحلة ما بعد عهدي الأسد الأب والأسد الإبن، اللذين ليسا سوى عهد واحد.
يمكن، في هذا السياق، إجراء مقارنة مع الفلسطينيين الذين بقوا وتشبثوا بأرضهم وزيتونتهم وهويتهم رغم كل الظروف الصعبة التي فرضها الكيان الإسرائيلي المتوحش، محافظين على الهوية الفلسطينية وتأمين الاستمرارية لها كقضية محقة لشعب مظلوم، فلولا هؤلاء لما بقي ما يسمى “حق العودة” الذي يتمسك به الفلسطينيون المقيمون خارج الأرض الفلسطينية. لا تهدف هذه المقاربة إلى المساواة بين وضع السوري ووضع الفلسطيني، الذي هجر من أرضه، بقدر ما تسلط الضوء على أهمية الصمود الداخلي كأحد أشكال المقاومة والبقاء. ما لا يمكن تجاهله في هذا المجال أنّ النظام السوري، بدعم من النظام الإيراني، سعى إلى تغيير ديموغرافي في سوريا على حساب الأكثريّة السنّية.
إن تبنّي خطاب إقصائي أو تخويني تجاه شريحة واسعة من السوريين لا يخدم أي مشروع وطني جامع، بل يعمّق الانقسامات ويهدد بإعادة إنتاج الصراع. إذا كانت أي سلطة جديدة تسعى فعلاً إلى توحيد السوريين، فإن أولى خطواتها ينبغي أن تكون ضبط الخطاب العام، ووضع حد للتحريض، والعمل بجدية على بناء مساحة مشتركة قائمة على الاعتراف المتبادل بالمعاناة والتضحيات.
في النهاية تتطلب المرحلة المقبلة خطابًا مسؤولًا مختلفا يعترف بتعقيدات التجربة السورية، ويبتعد عن الأحكام ذات الطابع التعميمي، ويمهّد لعملية تعافٍ وطني حقيقية. مثل هذا الخطاب المسؤول، بطابعه الحضاري الذي يأخذ في الاعتبار خصوصية المواطن بغض النظر عن منطقته وقوميته وديانته ومذهبه، هو البديل من الانزلاق في استقطاب جديد يعيد سوريا إلى المربع الأسدي الذي أنهى سوريا وأدخلها في أتون حرب أهلية لا تزال تعيش الآن أحد أهمّ فصولها.
إعلامي لبناني
العرب،
————————–
ملف اللاجئين السوريين بعد زيارة برلين: تشدد سياسي يسبق التحول القانوني/ يامن المغربي
3 أبريل 2026
بينما كانت وسائل الإعلام الألمانية والسورية تستعد لتغطية زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا، وسط إجراءات أمنية مشددة، كان آلاف اللاجئين السوريين في ألمانيا ينتظرون ما ستفسر عنه المحادثات بين دمشق وبرلين، إذ كان من المرجح أن يكون موضوع عودتهم إلى سوريا محورًا للنقاشات بين الطرفين.
جاءت زيارة الشرع بعد أيام قليلة على تصويت البرلمان الأوروبي في 26 آذار/ مارس الماضي على تفويض تنفيذي لإنشاء مراكز عودة في دول خارج الاتحاد لإبعاد اللاجئين المرفوضة طلباتهم أو غير المرغوب بهم، وهو ما يرفع نسب الترحيل إلى مستويات عالية، كما يسهّل سحب الحماية من الأشخاص ممن تعتبرهم السلطات الأوروبية المحلية يشكلون “تهديدًا للنظام العام”.
سرعان ما خرجت التصريحات الحكومية الألمانية من رأس الهرم، المستشار فريدريش ميرتس، والذي قال خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالشرع بأن 80% من اللاجئين السوريين قد يعودون إلى سوريا خلال ثلاث سنوات مقبلة، وهو ما فتح باب جدل طويل حول مستقبل اللاجئين السوريين.
غطاء سياسي لا قانوني.. حتى الآن
تصريحات المستشار الألماني أحدثت جدلًا واسعًا في ألمانيا، ما دفعه لإصدار بيان توضيحي بأن النسبة جاءت من الرئيس الشرع لا منه، وأنه يدرك حجم المهمة.
ومهما يكن مصدر التصريح، سواء كان ميرتس أم الشرع، فإن مضمون التصريح نفسه قد يعطي غطاءً سياسيًا قويًا باتجاه زيادة الضغط على اللاجئين للعودة بغض النظر عن إمكانيات سوريا الحالية لاستقبالهم، مع الدمار الهائل في البنى التحتية في البلاد، والأزمة الاقتصادية وضعف القوة الشرائية، بالتزامن مع حالة استقرار يعيشها اللاجئون في ألمانيا والممتدة لسنوات.
الخبير القانوني والمتخصّص في مجال حقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني قال، في حديث لـ “ألترا سوريا”، إن تصريحات ميرتس وحدها “لا تشكل غطاء قانونيًأ كافيًا لبدء ترحيل واسع للسوريين أو إسقاط الحماية عنهم بشكل جماعي، لكنها تشكّل غطاءً سياسيًا قويًا لتشديد السياسة الألمانية والأوروبية تجاه الملف، خصوصًا مع اقتراب بدء تطبيق تعديلات أوروبية جديدة على مفهومي “الدولة الثالثة الآمنة” ودولة المنشأ الآمنة اعتبارًا من 12 يونيو/ حزيران 2026.
وأضاف أن هذه الأدوات القانونية موجودة أصلًا أو أُقرت أوروبيًا، لكن تصريحات ميرتس تعطيها دفعًا سياسيًا إضافيًا في الملف السوري.
رغم تضارب التصريحات حول إمكانية إعادة اللاجئين، ومن هي الفئات المستهدفة، ونفي المستشار الألماني، إلا أن حالة القلق تستمر في صفوف اللاجئين السوريين في ألمانيا، خاصة مع التوجه لتحويل أوروبا إلى بلاد ذات بيئة طاردة للجوء، عبر تشديد القوانين والسعي مؤخرًا لإنشاء مراكز عودة في دول ثالثة.
من جهته يرى مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، في حديثه لـ”ألترا سوريا”، أن الحكومة الألمانية ربما تعتمد على أسس انتقائية في تقييم وجود اللاجئين على أرضها، قد تعطي التصريحات غطاءً قانونيًا غير مباشر لتنفيذ مقترح البرلمان الأوروبي خاصة إذا صحّ كلام المستشار الألماني بأن المبادرة خرجت من الشرع نفسه، معتبرًا أن هذا الأمر بمثابة خطأ سياسي، لأن من يقرر العودة بالأساس هو اللاجئ نفسه ضمن آليات تضمن بأن عودته آمنة وطوعية وكريمة.
وأضاف أن هناك جزءًا من السوريين وبغض النظر عن طوائفهم وقومياتهم لا يرغبون بالعودة حاليًا في ظلّ الظروف الحالية، كما أن جوهر اتفاقية 1951، تتعلق بخروج الفرد من بلده بسبب الآراء السياسية أو الخلفيات القومية والإثنية.
وأوضح بأنه عندما انتفت هذه الأسباب، مع رحيل الأسد، فإن الحكومة الألمانية ترى أن الأمر لم يعد يتعلق بلجوء سياسي أو إنساني بقدر ما هو هجرة اقتصادية، هنا تكمن المشكلة، هذا يخالف جوهر الاتفاقية التي حصل السوريون على لجوئهم في أوروبا على أساسها.
وفق الكيلاني، فإن التصريحات تشكل غطاءً قانونيًا “بشكل جزئي”، لأن التعديل الأوروبي على مفهوم “الدولة الثالثة الآمنة” أُقر بالفعل على مستوى الاتحاد، وسيدخل التطبيق مع باقي ميثاق الهجرة واللجوء في 12 يونيو/ حزيران 2026. الجديد في هذا التعديل أنه يمنح الدول الأعضاء مرونة أكبر لاعتبار الطلب غير مقبول إذا أمكن نقل طالب اللجوء إلى دولة ثالثة آمنة، ولم تعد “الرابطة” الشخصية السابقة مع تلك الدولة شرطًا إلزاميًا كما كان في السابق. لكن هذا الإطار يستهدف أساسًا طلبات اللجوء الجديدة وإجراءات المقبولية، وليس تلقائيًا الأشخاص الذين حصلوا سلفًا على حماية داخل ألمانيا. لذلك نعم: هناك تزامن واضح بين التشدد السياسي الألماني والتشدد القانوني الأوروبي، لكن لا ينبغي الخلط بينهما، بحسب رأيه.
الفئات الأكثر تضررًا: من هم الضحايا؟
إلى جانب الحديث عن النسبة المرتفعة للغاية للاجئين السوريين ممن قد يعودون إلى سوريا خلال السنوات الثلاث المقبلة، وتصويت البرلمان الأوروبي، يبرز الحديث عن “ضحايا” هذه التحركات والتصريحات، والفئات الأكثر تضررًا منها، خاصةً أن هذه التحركات في أساسها تقع ضمن الضغوط المباشرة عليهم.
الكيلاني أوضح أن أكبر المتضررين هم السوريون من ذوي الإقامات الهشة، أي أصحاب الحماية المؤقتة أو الفرعية ومن لم يرسخوا أوضاعهم القانونية بعد، وطالبي اللجوء الجدد لأن البيئة القانونية الأوروبية تتجه إلى تسريع الرفض، وكذلك من لديهم ملفات فردية معقدة، كما قد يتضرر الاندماج نفسه داخل ألمانيا، لأن خطاب “عودوا الآن” يضع مئات الآلاف في حالة قلق قانوني واجتماعي، رغم أن الاقتصاد الألماني يعتمد على مساهمة السوريين في قطاعات مثل الصحة والبناء والنقل.
وفق البيانات الألمانية، يعمل أكثر من 266 ألف سوري في ألمانيا ويخضعون لاشتراكات في أنظمة الضمان الاجتماعي ويدفعون الضرائب، في حين يحصل 518 ألف شخص سوري على مساعدات مالية أساسية تقدمها الدولة.
ونقلت صحيفة “بيلد” الألمانية عن مصادر حكومية لم تسمها قولها، إن الاجتماع بين الشرع والمستشار الألماني تحدث عن عودة “مرتكبي الجرائم من السوريين”، بالإضافة للمساهمة في إعادة الإعمار ووضع الأسس لعودة اللاجئين السوريين.
عودة طوعية.. “تحت الضغط”
إن الظروف الحالية للجوء في أوروبا عمومًا وكذلك في ألمانيا، والتحركات الأخيرة في هذا الصدد، وكذلك التصريحات الصادرة خلال المؤتمر الصحفي، تضع ضغوطًا كبيرة على اللاجئين السوريين.
إضافة إلى الضغط، يستمر هذا الملف بوصفه “أداة ابتزاز” و”ورقة انتخابية” بين السياسيين، خاصةً مع صعود اليمين المتطرف خلال السنوات الماضية في الدول الأوروبية.
الشرع نفسه وخلال حديثه في “تشاتام هاوس، المعهد الملكي للشؤون الدولية” في اليوم التالي للزيارة، قال إنه لم يذكر النسبة المئوية، كما أن السوريين ممن اندمجوا خارج سوريا أصبح لهم حياة جديدة، وهو ما يعني أن البدء من الصفر أمر صعب، طارحًا حلًا بديلًا حول إنشاء الدول الغربية لشركات استثمارية في البلاد، ما يساهم بعودة اللاجئين بنسبة كبيرة قد تصل إلى 80%.
المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، يرى أن ملف اللاجئين السوريين هو ورقة تفاوض، داخليًا في أوروبا بين الأحزاب السياسية واليمين واليسار، وخارجيًا مع النظام السوري سابقًا والحكومة السورية الانتقالية حاليًا، وكأن الأمر هو ابتزاز، ليعود اللاجئون إلى البلاد وإن اختلفت درجة الابتزاز بين النظام السابق والحكومة الحالية.
وأضاف أن الحكومة السورية الحالية تستفيد من ذلك عبر تثبيت أقدامها في الحكم أكثر وهو هدف يتوافق مع أهداف المجتمع الدولي بإعادة اللاجئين وإرساء الاستقرار.
——————————
زيارة الشرع تعيد رسم النقاش الألماني حول سوريا بين الانفتاح السياسي والضغوط الحقوقية
30 مارس 2026
وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين، أمس الأحد، في زيارة تُعد الأولى من نوعها منذ تولّيه المنصب رسميًا في كانون الثاني/يناير 2025، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، إضافة إلى المستشار فريدريش ميرتس. وتركّزت هذه المباحثات على ملفات الهجرة وإعادة اللاجئين السوريين، إلى جانب بحث سبل التعاون الاقتصادي لدعم استقرار البنية التحتية في سوريا، في خطوة وصفتها الحكومة الألمانية بأنها ضرورة سياسية للتعامل مع المتغيرات الميدانية الجديدة في المنطقة وتأمين المصالح الألمانية والأوروبية المشتركة.
واستبقت السلطات الألمانية زيارة الشرع بفرض إجراءات أمنية مشددة، شملت إغلاق المربع الحكومي لتأمين مسار الوفد السوري. ووصفت الحكومة الألمانية هذه اللقاءات بأنها جزء من استراتيجية “السياسة الواقعية” الهادفة إلى فتح قنوات اتصال مباشرة تضمن تنسيق عودة اللاجئين، مؤكدة أن الحوار مع السلطات السورية يمثّل الأداة الوحيدة المتاحة حاليًا لتحقيق الاستقرار الإقليمي ومعالجة ملف الهجرة بشكل مستدام، بحسب تقرير لقناة “Tagesschau24” الألمانية.
بين الإصلاحات السياسية وحماية الأقليات
تنظر الإذاعة الوطنية الألمانية العامة إلى زيارة الشرع لبرلين بوصفها مرتبطة بملفات الهجرة والاستقرار، في وقت تتصاعد فيه داخل ألمانيا دعوات من أحزاب الاتحاد المسيحي، وهو الائتلاف الحاكم الممثل بحزبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، لإعادة مزيد من اللاجئين السوريين. في المقابل، تتبنى قوى سياسية أخرى مواقف أكثر حذرًا، تشدد على ضرورة ربط أي انفتاح على دمشق بإصلاحات سياسية وضمان حقوق الأقليات، وسط جدل متواصل بشأن طبيعة العلاقة مع السلطات السورية الجديدة.
وفي هذا السياق، تشير الإذاعة الوطنية إلى أن سياسيي أحزاب الاتحاد المسيحي يمارسون ضغوطًا لإعادة أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين، لافتة إلى أن السوريين يشكّلون ثاني أكبر مجموعة من اللاجئين في ألمانيا بعد الأوكرانيين. كما أعاد تقرير الإذاعة التذكير بتصريحات وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عقب زيارته إلى سوريا، التي اعتقد فيها أن النسبة الأكبر من السوريين لن تتمكن من العودة إلى وطنها نظرًا لحجم الدمار الكبير، وهو ما أثار انتقادات واسعة داخل حزبه
ونقل التقرير عن خبير السياسة الخارجية في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، يورغن هاردت، قوله لوكالة الأنباء الفرنسية إن الوضع في المنطقة ومسألة عودة السوريين إلى وطنهم تمثّلان مصلحة مباشرة لألمانيا. في المقابل، أكدت مراسلة قناة “ARD”، كريستينا ناغل، أن طموحات الحكومة الألمانية ترتبط بدوافع تتعلق بالسياسة الأمنية الدولية، إذ يُنظر إلى استقرار سوريا باعتباره عاملًا مهمًا للمنطقة بأسرها، التي تعيش حالة من عدم الاستقرار نتيجة الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران.
ويتقاطع حديث ناغل مع تصريحات سابقة للمستشار ميرتس، الذي أكد أن برلين لا ترغب في رؤية سيناريو مشابه لما حدث في سوريا، مشيرًا إلى أن إيران دولة يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، وأن لدى برلين “مصلحة كبيرة في تجنب موجات لجوء جديدة من هذه المنطقة”، في إشارة إلى موجة اللاجئين السوريين الذين عبروا البحر المتوسط باتجاه دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ألمانيا، عام 2015.
ومع ذلك، برزت مواقف أكثر حدة تنتقد زيارة الشرع إلى برلين، من بينها تصريح لخبير شؤون الهجرة في الحزب الاشتراكي، هاكان دمير، الذي اعتبر في حديث للإذاعة الوطنية أن “ارتداء بدلة لا يجعل من الشخص ديمقراطيًا”، في إشارة إلى خلفية الشرع الإسلامية، حين كان زعيمًا في “تنظيم القاعدة”، قبل أن يعلن فك ارتباطه بالتنظيم ويؤسس “هيئة تحرير الشام”، التي يُنظر إليها على أنها أكثر اعتدالًا. وأكد دمير ضرورة الحوار بين دمشق وبرلين، لكنه ربط في المقابل تدفق المساعدات ودعم مسار إعادة الإعمار بضمان حماية الأقليات في البلاد.
مواقف وانتقادات
وعكست التغطيات في وسائل الإعلام الألمانية مواقف سياسية وانتقادات متزايدة لزيارة الشرع، إذ رأت أحزاب اليسار ونشطاء حقوق الإنسان أن استقباله يمنحه شرعية رغم “اتهامات مرتبطة بانتهاكات بحق الأقليات في سوريا”. في المقابل، دعت منظمات حقوقية إلى ربط أي تعاون مع السلطات السورية الحالية بإصلاحات ديمقراطية، في وقت شهدت فيه العاصمة تحركات محدودة بين مؤيدة وأخرى رافضة للزيارة.
بحسب موقع “تي أونلاين”، اعتبرت المتحدثة باسم السياسة الخارجية لكتلة حزب اليسار في مجلس النواب الاتحادي “البوندستاغ”، كانسو أوزدمير، أن الشرع “ليس شريكًا سياسيًا عاديًا للحوار”، مذكّرة بخلفيته الإسلامية. كما وصفت استقباله في برلين بأنه “أمر خاطئ”، مشيرة إلى أعمال عنف استهدفت فئات سكانية محددة على أساس طائفي.
أما السياسية في حزب الخضر، لويزه أمسبيرغ، فقد حذّرت من التسرع في تطبيع العلاقات على خلفية هذه الانتهاكات، لافتة إلى التقارير التي تحدثت مؤخرًا عن هجمات استهدفت المسيحيين في مدينة السقيلبية بريف حماة نهاية الأسبوع الماضي.
كما نقلت صحيفة “تاتس” اليومية عن الكاتبة والناشطة دوزين تككال انتقادها الحاد للزيارة، إذ قالت عبر منصات التواصل الاجتماعي: “لا أستطيع أن أصدق أنه يتعين علينا الاحتجاج ضد هذا الأمر غير المقبول، لكنه واقع”. واعتبرت أن استقبال الشرع يعكس مرة أخرى أن ألمانيا “جنة للجناة”، مشيرة إلى تناقض خطاب ميرتس حول “مشكلة مستوردة” في سياق الاحتجاجات ضد العنف الجنسي، مع دعوته “زعيمًا إسلاميًا”.
وكان ميرتس قد قال مؤخرًا أمام مجلس النواب الاتحادي إن جزءًا كبيرًا من “العنف الجنسي يأتي من أوساط المهاجرين إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية”، وهو ما دفع النائبة عن حزب اليسار، كلارا بونغر، إلى الرد بالقول: “هذا العنف لم يأتِ مع المهاجرين، بل كان موجودًا منذ الأزل، وجميع النساء في هذا البلد يعرفن ذلك”.
وفي سياق زيارة الشرع إلى برلين، قال رئيس الجالية الكردية في ألمانيا، علي إرتان توبراك، لوكالة الأنباء الفرنسية: “في كانون الثاني/يناير، عبّرنا مع منظمات أخرى من المجتمع المدني عن انتقاداتنا الشديدة للزيارة المقررة ودعونا إلى تنظيم احتجاجات”، مضيفًا: “رغم هذه الاعتراضات، تمسّكت الحكومة الألمانية حتى اللحظة بالدعوة. نعتبر الأمر خطأ واضحًا”. في المقابل، دعا ممثلو الأقلية الآرامية المسيحية السورية إلى “نهج سياسي شامل يعترف بالتنوع التاريخي للبلاد ويرسّخه مؤسسيًا”.
وفي الوقت الذي شهدت فيه برلين تجمعات محدودة بين المؤيدين والرافضين لزيارة الشرع، والتي قالت الشرطة الألمانية إن “عدد المشاركين فيها لم يكن كبيرًا”، أكد رئيس فرع نقابة الشرطة في برلين، ستيفان ويه، أن الاستعدادات للزيارة الرسمية جارية، مضيفًا أن الشرع يُعد “شخصية ذات مستوى خطر مرتفع”، وأن “شرطة برلين مطالبة، إلى جانب تأمين الزيارة نفسها، بأخذ العديد من العوامل الأخرى بعين الاعتبار”.
وسبق أن أكد المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفان كورنيليوس، عند الإعلان عن الزيارة، أن مصلحة برلين تتمثل في أن “يُعاد بناء سوريا بشكل مستقر ومزدهر”. وفي حين امتنع كورنيليوس عن “تقييم” المزاعم المرتبطة بارتكاب الشرع انتهاكات حقوقية، فإنه شدد على أن “الوضع الداخلي في سوريا، ووضع مختلف المجموعات السكانية، سيكون بطبيعة الحال ضمن محاور النقاش في المستشارية”.
في المحصلة، تعكس مواقف الساسة والخبراء، كما نقلتها وسائل الإعلام الألمانية، تباينًا واضحًا بين من يرى ضرورة الانخراط مع دمشق لأسباب عملية تتعلق بالهجرة والاستقرار، ومن يشترط أي تقارب بإصلاحات سياسية وضمانات حقوقية. وبين هذين الاتجاهين، تبدو العلاقة مرشّحة للبقاء ضمن إطار حذر، يبقي أي انفتاح ألماني مرتبطًا بتقدّم ملموس في الإصلاحات وحماية الأقليات.
الترا سوريا
——————————
بريطانيا تختبر الاستثمار في سوريا.. هل تبدأ مرحلة تمويل إعادة الإعمار؟
2026.04.01
لا تقتصر زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة المتحدة على الملفات السياسية والأمنية، بل تفتح مدخلاً لنقاش اقتصادي يتقدم بهدوء في خلفية المشهد، فإلى جانب قضايا الهجرة وأمن الحدود، يبرز ملف الاستثمار وإعادة الإعمار كأحد المحاور التي تحاول دمشق ولندن اختبارها في هذه المرحلة.
وفي إطار زيارته إلى لندن، عقد الشرع، برفقة وزير الخارجية والوفد الوزاري المرافق، لقاءً مع ممثلين عن كبرى الشركات البريطانية ورجال أعمال بريطانيين وسوريين، في خطوة تعكس حضور الملف الاقتصادي والاستثماري ضمن أجندة الزيارة.
وفي هذا السياق، برزت تقارير نقلتها مصادر صحفية سورية وبريطانية، عن توجه الحكومة البريطانية لتفعيل أدوات “تمويل الصادرات” عبر وكالة “UKEF” الحكومية، بهدف دعم الشركات البريطانية الراغبة في دخول السوق السورية.
وتأتي الزيارة في وقت تُبدي فيه شركات بريطانية اهتماماً بالاستثمار في سوريا، إلا أنها lا تزال مترددة، رغم رفع العقوبات الأميركية والبريطانية العام الماضي، بسبب المخاوف الأمنية، وفق ما ذكرت صحيفة “ذا ناشيونال”.
هيئة الاستثمار السورية تتحرك في لندن لجذب المستثمرين
في موازاة الحديث عن انفتاح اقتصادي محتمل، تكشف تحركات هيئة الاستثمار السورية عن محاولة نشطة لتسويق السوق السورية أمام المستثمرين في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، سوريين كانوا أم أجانب، مستفيدة من قانون الاستثمار الجديد والإصلاحات الإدارية الجارية.
ويعوّل المدير العام للهيئة، طلال الهلالي، على هذه التعديلات لإعادة تقديم سوريا كوجهة استثمارية، مشيراً إلى أن العمل لا يقتصر على النصوص القانونية، بل يشمل تحديث آليات العمل داخل المؤسسة نفسها.
وخلال زيارة أجراها إلى العاصمة البريطانية سبقت زيارة الرئيس الشرع، عقد الهلالي لقاءات مع رجال أعمال سوريين مقيمين في بريطانيا، إلى جانب ممثلين عن بنوك وشركات إنشاءات، كما التقى وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني.
وركزت لقاءات الهلالي على تشجيع ما وصفه بـ”الدخول المبكر” إلى السوق السورية، داعياً رجال الأعمال السوريين في الخارج إلى الاستثمار في المرحلة الحالية رغم التحديات، بدل انتظار تحسن البنية التحتية والخدمات بشكل كامل.
ماذا يعني “تمويل الصادرات”؟
ولا تعتبر أداة “تمويل الصادرات” في المملكة المتحدة مجرد دعم مالي أو تقني، بل هي آلية سياسية اقتصادية تسمح للحكومة بفتح الأسواق الخارجية أمام شركاتها، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمار في بيئات غير مستقرة.
ويمكن النظر إلى استخدامها في الحالة السورية إلى أن المملكة المتحدة تدرس، ولو تدريجياً، الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل في إعادة تشكيل الاقتصاد السوري.
أين تتجه شهية الشركات البريطانية؟
وتعكس القطاعات المطروحة أمام المستثمرين أولويات إعادة الأعمار، فضلاً عن طبيعة المصالح الغربية، ومدى قابليتها للتمويل عبر أدوات مثل “UKEF”، التي تفضل المشاريع الكبيرة ذات العوائد الطويلة الأمد.
ومن أبرز هذه القطاعات:
الطاقة: من إنتاج الكهرباء إلى إعادة تأهيل الشبكات.
النقل: طرق، وسكك حديد، ومشاريع لوجستية.
المطارات: تحديث البنية التحتية وربط سوريا إقليمياً.
الخدمات الحضرية: المياه، والصرف الصحي، وإدارة المدن.
ويفتح دخول شركات بريطانية إلى هذه المجالات في سوريا الباب أمام نمط جديد من الشراكات، حيث تتقاطع الاستثمارات البريطانية مع استثمارات سبق أن أعلنتها دول مثل قطر والسعودية، ما يخلق مشهداً تنافسياً على إعادة الإعمار.
ويأتي ذلك في وقت تراهن فيه الحكومة السورية على قانون الاستثمار الجديد كأداة جذب، عبر تقديم حوافز تشمل إعفاءات ضريبية واسعة، والسماح بالملكية الأجنبية الكاملة، إلى جانب وعود بتبسيط الإجراءات وتقليل تدخل الجهات الحكومية.
مخاطر أمنية ومالية وإدارية
وعلى الرغم من هذا الانفتاح، ما تزال البيئة الاستثمارية في سوريا تحمل قدراً عالياً من المخاطر، فالفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي تبقى أحد أبرز التحديات، خصوصاً في ما يتعلق بحماية المستثمرين، وشفافية الإجراءات، واستقلالية المؤسسات.
كما أن مسألة العقوبات لم تحسم بالكامل، وهو ما يضع الشركات الغربية أمام فرص كبيرة مقابل مخاطر قانونية ومالية، في حين قد تخفف أدوات التمويل الحكومية مثل “UKEF” جزءاً من هذه المخاطر، لكنها لا تلغيها.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن استقرار البيئة الأمنية والإدارية يبقى شرطاً أساسياً لأي استثمار طويل الأمد، وهو شرط ما يزال قيد الاختبار في العديد من المناطق.
تلفزيون سوريا
—————————
برلين تنادي: حوار مع كليمنس هاخ
كانت برلين المحطة الأولى للرئيس أحمد الشرع في جولته الأوروبية. وتؤدّي ألمانيا، التي تضمّ ثاني أكبر جالية سورية في العالم، دوراً محورياً في رسم ملامح العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والدولة السورية الجديدة الناشئة. ولمعرفة المزيد عن الموقف الألماني من قضايا رئيسية مثل الانتخابات وعودة اللاجئين والمساعدات، أجرت «سوريا المتجدّدة» حواراً مع كليمنس هاخ، القائم بالأعمال الألماني في دمشق.
زار أحمد الشرع برلين للتو. ما الذي لفت انتباهك في هذه الزيارة؟
هاخ: زار الرئيس أحمد الشرع برلين يوم الاثنين 30 آذار/مارس، بدعوة من المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس. وكانت هذه من أوائل الزيارات الرسمية التي يقوم بها الشرع إلى أوروبا، وهي بالتالي تعكس قوة الروابط التي لطالما جمعت بين ألمانيا وسوريا، والتي ازدادت متانة بفضل الجالية السورية الكبيرة في ألمانيا. وقد استقبله الرئيس الاتحادي فرانك-فالتر شتاينماير والمستشار ميرتس، كما شارك في مائدة مستديرة اقتصادية موسّعة عُقدت في وزارة الخارجية، بحضور ثلاثة وزراء ألمان وأربعة وزراء سوريين، إلى جانب نحو مئة ممثّل عن قطاع الأعمال الألماني. كذلك زار مصنع «سيمنس إنرجي» في برلين، حيث اطّلع على إنتاج التوربينات العملاقة المتطوّرة التي سيجري تركيبها في سوريا ضمن إطار استثمار قطر في قطاع الطاقة السوري.
وكان الهدف من الزيارة تسليط الضوء على الشراكة بين بلدينا، ومناقشة توقّعاتنا المشتركة لمستقبل سوريا كمجتمعاً شاملاً وحرّاً، بما يلبّي تطلّعات الشعب السوري، فضلاً عن الرؤية التنموية الإستراتيجية لسوريا باعتبارها محوراً جيوسياسياً رئيسياً في المنطقة. وتقف ألمانيا على أهبة الاستعداد لدعم المرحلة الانتقالية في سوريا بصفتها شريكاً موثوقاً يمكن لسوريا والشعب السوري الاعتماد عليه.
نشرت الحكومة الانتقالية «بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي» في آذار/ مارس، الذي يُتوقّع من الشركاء الدوليين الالتزام به. ولا يبدو أنّ الوثيقة تتصوّر استمرار إجراء تقييمات مستقلّة للاحتياجات، كما أنّها لا تميّز بين الولايتين الإنسانية والتنموية. فهل يتوافق ذلك مع المبادئ الإنسانية عموماً، ومع المبادئ الألمانية خصوصاً؟
هاخ: تتمثّل أولوية الحكومة السورية في تعافي البلاد وإعادة إعمارها، استناداً إلى الاستثمار وإعطاء الأولوية للانتقال من المساعدات الإنسانية إلى التعاون التنموي. كما أنّ الحكومة تريد تجنّب أي شكل من أشكال الارتهان للمانحين.
إنّ وثيقة «أولويات التعافي للتعاون الدولي» التي وضعتها الحكومة تعكس تقييمات الاحتياجات والأولويات كما جرى تحديدها خلال العام الماضي منذ تحرير سوريا من نظام الأسد، من قبل الحكومة وبدعم من الأمم المتحدة وسائر الجهات المانحة. وتتوافق أولويات التعاون الألماني مع هذه الأولويات، من خلال إعطاء أولوية لإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية والمدارس والقطاع الطبّي، فضلاً عن الانخراط في قطاع العدالة وحوكمة المياه وحقوق الملكية وإعادة تنشيط الاقتصاد. أمّا في ما يتعلّق بالاحتياجات الإنسانية، فسنواصل تقديم المساعدات الإنسانية بسخاء، استناداً إلى تقييمات مستقلّة للاحتياجات وإلى المبادئ الإنسانية.
إذا ظلّ قرار مجلس الأمن 2254 قراراً ملزماً قانوناً، فهل يعني ذلك أنّ إجراء انتخابات حرّة ونزيهة، كما ينصّ عليه القرار، يُعدّ التزاماً واجباً على الحكومة الانتقالية الوفاء به؟
هاخ: ينصّ الإعلان الدستوري الانتقالي على إجراء انتخابات حرّة ونزيهة خلال فترة زمنية تصل إلى خمس سنوات. وخلال المرحلة الانتقالية، تعمل الحكومة السورية على استكمال عملية انتخابية محدودة تهدف إلى تشكيل مجلس وطني تمثيلي للبلاد، يملأ الفراغ المؤسّسي في العملية التشريعية. وسيضطلع المجلس الوطني بدور رئيسي بوصفه منتدى للنقاشات الوطنية، والأهم من ذلك، في سدّ الفراغ التشريعي الذي يبطئ وتيرة التعافي الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بقرار مجلس الأمن 2254، تناقش الحكومة السورية مستقبل هذا القرار مع الأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، وكذلك إمكان إصدار قرار لاحق يعكس التغيّرات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ويركّز على كيفية وجوب دعم المجتمع الدولي الانتقال نحو سوريا سلمية وشاملة ومزدهرة، تعيش بسلام في الداخل ومع جيرانها.
هل تتوقّع ألمانيا عودة واسعة النطاق للاجئين من ألمانيا إلى سوريا في المستقبل، وهل هي مستعدّة لفرض هذه العودة؟ كثير من السوريين، ولا سيّما ما بين 200 ألف و300 ألف ممّن يحملون الحماية الفرعية، يشعرون بالقلق بشأن مستقبلهم. وبالنظر إلى أنّ غالبية السوريين الموجودين حالياً في ألمانيا يقيمون هناك منذ فترة غير قصيرة وقد بنوا حياتهم، فما الإستراتيجية الألمانية عموماً؟
هاخ: في سياق لم نعد نرى فيه اضطهاداً سياسياً أو حرباً في سوريا، يتطلّع الكثير من السوريين إلى العودة، وقد عاد بالفعل آلاف منهم من ألمانيا للمساهمة في إعادة إعمار وطنهم. لكن من الواضح أنّ العودة الطوعية ترتبط بطبيعتها بتوافر الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق العودة. وتقدّم ألمانيا دعماً سخياً لجهود إعادة إعمار سوريا، وقد أسهمت بالفعل في عودة مئات الآلاف من اللاجئين من الدول المجاورة.
لقد عمِلتَ في المنطقة وعلى شؤونها لسنوات طويلة وفي أدوار متعدّدة. كيف تقرأ موقع الأمور اليوم؟ هل نشهد نهاية النظام الإيراني، أم ترسّخ الصراع كحالة دائمة؟ هل ترى مؤشّرات على التقدّم، أم نمطاً من الانتكاسات؟ وما أبرز الأفكار التي تجد نفسك تعود إليها في هذه المرحلة؟
هاخ: تمرّ المنطقة بالفعل بفترة شديدة الصعوبة منذ الهجمات الإرهابية التي شنّتها حماس ضدّ إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما أعقبها من حروب. وإذا نظرنا إلى التداعيات، فإنّنا نرى تطوّرات إيجابية جداً في سوريا. وما زال الوضع في لبنان صعب للغاية، لكن مع تنامي إجماع وطني على أنّه لا ينبغي الاستمرار في السماح لحزب الله بشكل أحادي بجرّ لبنان إلى الحروب. ولدينا أيضاً وضع شديد الصعوبة في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلّة في الضفة الغربية. وسيتوقّف الكثير على مآل الحملة الحالية ضدّ إيران، وعلى ما إذا كانت القيادة الإيرانية ستقبل بالامتناع عن التدخّل الخارجي في المستقبل، والتوقّف عن تصدير رؤيتها للإسلام السياسي.
سوريا المتجددة
————————–
سوريا… ممر اقتصادي أعادته حرب إيران/ تشارلز ليستر
تشهد انخفاضا في العنف بنسبة 73 في المئة أواخر 2025
01 أبريل 2026
دفعت العمليات العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل شهر بالشرق الأوسط إلى أتون صراع مرير، عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية على ما لا يقل عن 12 دولة في أنحاء المنطقة.
وإلى جانب آلاف القتلى الذين سقطوا جراء العمليات الأميركية-الإسرائيلية في إيران ولبنان والعراق، قُتل ما لا يقل عن 37 شخصا في الاعتداءات الإيرانية على الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت والبحرين وقطر وتركيا وإقليم كردستان العراق.
كذلك أحدثت الضربات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج، وإغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، ارتدادات اقتصادية عالمية حذر خبراء بارزون من أنها قد “تدفع الاقتصاد العالمي إلى انحدار حاد نحو ركود عميق”.
في خضم هذا الصراع الإقليمي الواسع، سجلت سوريا، على نحو لافت، أكثر أشهرها استقرارا منذ 15 عاما. لم تكن العملية الانتقالية السورية، بعد نحو 14 عاما من النزاع الأهلي، سلمية تماما، وقد أعادت موجتان قصيرتان لكنهما شديدتا الدموية من العنف في الساحل وفي محافظة السويداء الجنوبية التذكير بمدى هشاشة هذه المرحلة. ومع ذلك، ظل الاتجاه العام يميل إلى مزيد من الاستقرار.
وبحسب بيانات جمعتها منصة “سيريا ويكلي” (Syria Weekly)، تراجع العنف القاتل في سوريا بنسبة 30 في المئة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025، ثم هبط بنسبة 73 في المئة في الثلث الأخير من العام. وعلى الرغم من فترة وجيزة من القتال في شمال شرقي سوريا خلال يناير 2026، سجل شهرا فبراير/شباط ومارس/آذار 2026 أدنى مستويات متتالية للعنف على الإطلاق، إذ شهد مارس سقوط 23 قتيلا فقط في أعمال عنف مباشرة. ويقل هذا الرقم بنسبة 60 في المئة عن المستوى القياسي المتدني المسجل في فبراير 2026، حين بلغ عدد القتلى 58، كما يقل بنسبة 94 في المئة عن المتوسط الشهري البالغ 356 قتيلا في مرحلة ما بعد الأسد.
وعلى الصعيد الداخلي، كان غياب أي تكرار للعنف الكارثي الذي ضرب الساحل والسويداء في 2025 العامل الأبرز في تعزيز الاستقرار العام في سوريا. ويضاف إلى ذلك أن عنف الجماعات الأهلية وعمليات الاغتيال المستهدفة، وهما العامل الأكثر ثباتا وتأثيرا في العنف القاتل خلال 2025، بمتوسط بلغ 75 حالة وفاة شهريا، تراجعا حتى الآن في 2026 بنسبة 87 في المئة، ليهبط المتوسط إلى 10 وفيات شهريا بين يناير ومارس.
ومع أن تنظيم “داعش” لا يزال يمثل تحديا داخليا مزمنا، فإنه تلقى ضربة كبيرة منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وقياسا إلى عام 2024، انخفضت هجمات التنظيم في 2025 بنسبة 50 في المئة، فيما تراجعت الخسائر الناجمة عنها بنسبة 76 في المئة. وحتى الآن في 2026، تراجعت هجمات التنظيم بنسبة إضافية بلغت 26 في المئة، وانخفض عدد الضحايا بنسبة 13 في المئة أخرى. كما يتجلى مسار الاستقرار السوري بوضوح على المستوى الجغرافي في نماذج مثل الساحل، الذي انتقل من كونه المنطقة الأكثر اضطرابا في سوريا خلال النصف الأول من 2025 إلى المنطقة الأكثر استقرارا بصورة منتظمة في النصف الثاني من العام نفسه. وقد استمر هذا الاتجاه الإيجابي في 2026، إذ تراجع العنف في اللاذقية وطرطوس بنسبة إضافية بلغت 71 في المئة مقارنة بالفترة الممتدة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2025.
ومع أن الطريق لا يزال طويلا أمام سوريا، وأن التحديات الداخلية الجسيمة ما زالت قائمة، فإن الاستقرار التدريجي الذي تشهده يمثل تطورا مشجعا للغاية، لسوريا وشعبها أولا، وللشرق الأوسط والعالم على نطاق أوسع أيضا. فعلى مدى سنوات طويلة، لم تصدّر سوريا إلى جوارها سوى الإرهاب والتهديدات والجريمة المنظمة والفساد، بما رسخ المقولة الشائعة: “ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا”. أما احتمال أن يرسخ الانتقال السوري أقدامه ويكتب له النجاح، فيحمل وعدا بأن يقلب دلالة هذه العبارة رأسا على عقب، فتغدو سوريا مصدرا للاستقرار والازدهار والترابط.
هذه هي الرواية التي تطرحها سوريا في مرحلتها الانتقالية. وعلى الرغم من التحديات الواضحة التي تحيط بالبلاد وبالتحول الجاري فيها، فقد حظيت هذه الرواية بتأييد أطراف كثيرة، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والشرق الأوسط والصين. ومع دخول الحرب في الشرق الأوسط شهرها الثاني، تزداد هذه الرؤية رسوخا من الناحية الاقتصادية أيضا.
ومنذ ربيع 2025، قدمت سوريا نفسها مفتاحا لفتح مسارات أكثر موثوقية وكفاءة ومباشرة للربط بين آسيا وأوروبا، سواء في التجارة أو الطاقة أو الاتصالات أو غيرها. وقبل اندلاع الصراع الإقليمي الراهن، كان مضيق هرمز والبحر الأحمر يبدوان مسارين يزدادان هشاشة وبطئا والتفافا بالنسبة إلى حركة التبادل العالمي. أما اليوم، ومع امتداد النزاع إلى هذين الممرين نفسيهما، فقد برزا نقطتي اختناق لم تعودا قابلتين للاستدامة استراتيجياً بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
وقد وجدت محاولة سوريا تقديم نفسها حلا لمشكلة اقتصادية إقليمية وعالمية مزمنة تتكشف ملامحها بوضوح متزايد، وجدت داعما مبكرا في السعودية، التي أبرمت بالفعل عقودا بمليارات الدولارات لوضع سوريا في قلب ثورة إقليمية في قطاع الاتصالات. وفي إطار دعم ما سمته الحكومة السورية “مشروع سيلك لينك”، ستمتد كابلات الألياف الضوئية من أسبانيا عبر البحر المتوسط، من خلال “كابل ميدوسا” المتعاقد عليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم تعبر الأراضي السورية وصولا إلى الخليج وآسيا. وعند اكتمال المشروع، سيخفض “سيلك لينك” زمن انتقال الإنترنت في أنحاء المنطقة بمقدار يتراوح بين 30 و40 ميلي ثانية، بما يفتح الباب أمام فرص في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتداول المالي والطب الروبوتي عن بُعد، وهي مجالات يصعب عمليا تطويرها بالسرعات التي تتيحها حاليا الكابلات المارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
ولا يقتصر هذا التوجه على قطاع الاتصالات وحده. فقد بذلت إدارة ترمب الأميركية أيضا جهدا كبيرا لتقديم سوريا كمركز مستقبلي، أو ممر عبور، لتدفقات الطاقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا، بما يتيح تجاوز المسارات البحرية الأقل كفاءة، والأعلى كلفة في كثير من الأحيان، والأكثر عرضة للمخاطر. وخلال عام 2025 وحده، أفضت الجهود المدعومة أميركياً لإحياء قطاع الطاقة السوري إلى عقود استثمارية بقيمة 28 مليار دولار، بمشاركة بعض أكبر الشركات العالمية في تلك المحادثات، ومنها “شيفرون”، و”كونوكو فيليبس”، و”توتال”، و”قطر للطاقة”، و”إيني”، و”أديس القابضة”، و”طاقة”، و”دانة غاز”.
ومنذ سقوط الأسد، دخل الخدمة خط أنابيب جديد بين أذربيجان وتركيا وحلب، فيما تتواصل المحادثات لإحياء أو إنشاء خط أنابيب الغاز القطري-التركي، وخط الغاز العربي، وخط أنابيب كركوك بانياس، وجميعها تمتد إلى سوريا وعبرها في اتجاه الأسواق الأوروبية. وإذا كتب لهذه المشاريع أن ترى النور، فإنها ستحدث تحولا في أسواق الطاقة الإقليمية، وستسهم في معالجة المعضلات العالمية الخانقة الناجمة عن الاعتماد على مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر. كذلك تعهدت الحكومة العراقية بتصدير 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهريا عبر المسارات البرية التي تمر بسوريا طوال صيف 2026.
ومع أن مسار الاستقرار في سوريا بات واضحا، فإن البلاد لا تزال هشة، كما يواجه انتقالها السياسي عددا كبيرا من التحديات الداخلية والخارجية. وإذا كان عام 2025 قد شهد استثمارا سياسيا كبيرا من الحكومة الانتقالية، ونجاحا في ترسيخ شرعية سوريا على الساحة الدولية، فإن عام 2026 سيكون عام اختبار للتحديات الداخلية المرتبطة بالاقتصاد، وبمدى تماسك مجتمعها المتنوع ووحدته. كذلك فإن الأسئلة المعلقة حول العدالة الانتقالية، والحاجة إلى توسيع قاعدة التمثيل في الحكم، إلى جانب تشكيل برلمان، ونجاح دمج الشمال الشرقي، ستحدد جميعها ما إذا كان الاستقرار سيواصل تقدمه.
وتواجه سوريا أيضا أكبر تهديد من الذخائر غير المنفجرة في العالم، وهو خطر يهدد الأرواح ويعرقل التعافي الاقتصادي في آن، وأكثر ما يتركز ذلك في المناطق الريفية. ومنذ سقوط الأسد، قُتل أكثر من 700 شخص في نحو 850 حادثا ناجما عن هذه الذخائر، ومعظمها ألغام أرضية. وقد بذلت الحكومة السورية جهودا حثيثة لمعالجة هذه المعضلة، بالتعاون مع منظمات غير حكومية. ومن خلال حملات التوعية العامة، وجهود إزالة الألغام على المستوى المحلي، تراجع أثر الذخائر غير المنفجرة تدريجيا خلال عام 2025، إذ قُتل 329 شخصا في الربع الأول، و154 في الربع الثاني، و87 في الربع الثالث، و56 في الربع الرابع. غير أن الربع الأول من عام 2026 شهد ارتفاعا جديدا في حوادث هذه الذخائر، مع مقتل 81 سورياً إضافياً، بما يؤكد الحاجة إلى دعم دولي كبير.
كما يحتاج تعافي سوريا واستقرارها إلى قدر من الاستقرار الإقليمي والدولي. وحتى الآن، بقيت سوريا بعيدة إلى حد كبير عن الأعمال العدائية الجارية في المنطقة، باستثناء أربع هجمات بطائرات مسيرة نفذتها جماعات موالية لإيران انطلاقا من العراق المجاور، وقصف مدفعي واحد شنه “حزب الله” من لبنان، دون أن يسفر أي منها عن خسائر بشرية. إلا أن الارتدادات الأوسع للصراع الإقليمي ستفضي حتما إلى تقييد وتيرة الاستثمار أو إبطائها، كما ستحد من قدرة المستثمرين الدوليين على زيارة دمشق لاستكشاف الفرص الجديدة. ويتيح موقع سوريا في قلب الشرق الأوسط فرصا اقتصادية واسعة، لكنه يعني أيضا أن مطار دمشق الدولي ظل مغلقا طوال شهر كامل.
ومع أن طبيعة السلطات الانتقالية في سوريا ما زالت مصدر قلق لكثيرين، فإن احتمال أن تصبح سوريا نقطة ارتكاز في الترابط الاقتصادي الإقليمي والازدهار المشترك هو ما حشد خلف دمشق طيفا واسعا من الأطراف الإقليمية والدولية. ولكي يتحول هذا التصور إلى واقع، يتعين على الحكومة الانتقالية السورية أن تتجاوز كماً كبيراً من العقبات الداخلية، وأن تضطلع بمسؤوليات جسيمة. كما ستؤدي القرارات التي سيتخذها المجتمع الدولي دورا حاسما في تحديد مدى واقعية هذا الأفق السوري. ومن هذه الزاوية، ربما يكون الصراع الإقليمي قد أظهر بوضوح أكبر المزايا المحتملة التي تنطوي عليها الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية التي تطرحها سوريا على العالم، غير أن استمرار الحرب زمنا طويلا قد يجعل تحقيق هذه الرؤية أقل احتمالا.
المجلة
——————————–
أول زيارة للشرع إلى ألمانيا.. مصادر تلفزيون سوريا تكشف أبرز الملفات المطروحة/ عبد الناصر القادري
2026.03.28
تحط طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع في العاصمة الألمانية برلين، يوم الإثنين، في زيارة هي الأولى إلى ألمانيا الاتحادية والثانية في الاتحاد الأوروبي بعد فرنسا، في خطوة تبدو لإعادة تنشيط العلاقات مع واحدة من أبرز دول العالم اقتصادياً، ستليها زيارة إلى المملكة المتحدة أيضاً.
وسيلتقي الرئيس الشرع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بحسب ما أفاد الناطق باسم الحكومة شتيفان كورنيليوس الذي قال إن “المستشار سيستقبل الرئيس الشرع في مقر المستشارية الإثنين”.
وكانت الزيارة مقررة في كانون الثاني الماضي بعد الدعوة التي قدمها ميرتس للشرع لبحث التعاون بشأن عودة اللاجئين واستقرار الأوضاع في سوريا، لكن الجانب السوري طلب إرجاءها، بحسب ما أعلنت برلين في حينه، لتزامن موعدها مع عمليات الجيش السوري في مناطق شمال شرقي سوريا التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
ولفت كورنيليوس إلى أن الشرع سيحضر خلال الزيارة منتدى اقتصادياً “يبحث فيه ممثلون للحكومة ومسؤولون كبار في عالم الأعمال آفاق الانتعاش الاقتصادي وإعادة إعمار سوريا”.
ورأى أن “النزاع الطويل الأمد في سوريا كان له أثر مدمّر على الاقتصاد”، لا سيّما “الفقر في أوساط الشعب والتكاليف المرتفعة لإعادة الإعمار”.
وبعد أقل من شهر على سقوط النظام كانت وزيرة الخارجية الألمانية حينها أنالينا بيربوك إلى دمشق والتقت مع (قائد الإدارة السورية حينها) أحمد الشرع، قائلة إن “زيارة دمشق إشارة من الاتحاد الأوروبي على إمكانية بداية علاقة سياسية جديدة مع سوريا”، ثم أتبعتها بزيارة ثانية في آذار 2025.
ومنذ افتتاح السفارة في آذار 2025، شهدت العلاقات الألمانية السورية تحولاً جذرياً نحو التقارب، وشملت تركيزاً على ملفات إزالة الألغام، دعم التعافي الاقتصادي، وإدارة الكوارث، مع بحث دور أوروبي أوسع في إعادة الإعمار، إلى جانب ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا البالغ عددهم نحو 940 ألف شخص.
ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن سياق أوروبي أوسع، يشهد ما يشبه الإجماع في المواقف تجاه الانفتاح على دمشق، والعمل على التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار وملف اللاجئين.
في المقابل يسعى الشرع من خلال هذه الزيارة، إلى تحقيق جملة من الأهداف، في مقدمتها جذب الاستثمارات الأوروبية، وفتح قنوات التمويل لإعادة الإعمار، إلى جانب تعزيز الاعتراف السياسي الأوروبي بالحكومة السورية.
الكهرباء ملف أول
وقالت مصادر حكومية لتلفزيون سوريا، إن الخارجية السورية سارعت إلى تعيين عدد من الدبلوماسيين رسمياً ببعض العواصم الأهم في العالم لبدء رسم خطط تشبيك العلاقات مع صناع القرار في المجتمع الدولي.
وأضافت المصادر أن هذه التعيينات شملت الولايات المتحدة وألمانيا وتركيا والسعودية وستتبعها قوى دولية في آسيا وأوروبا أيضاً.
وعينت الخارجية السورية محمد براء شكري قائماً بأعمال السفارة السورية لدى برلين في كانون الثاني الماضي، دون بيان رسمي، إلا أن الدبلوماسي الجديد كان يشغل إدارة الشؤون الأوروبية في الخارجية قبل أن يظهر إلى جانب وزير الخارجية أسعد الشيباني خلال حفل افتتاح مقر القنصلية السورية في مدينة بون الألمانية في 12 شباط المنصرم، إلى جانب حضوره لمعظم اجتماعات الشيباني على هامش مؤتمر ميونخ للأمن.
وبيّنت المصادر أن دمشق تنظر إلى برلين على أنها معنية بشكل مباشر في قيادة استثمارات اقتصادية وتجارية فاعلة في سوريا خلال الفترة المقبلة، باعتبارها الاقتصاد الثالث الأقوى على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين.
وأشارت إلى أن “ملف الكهرباء في سوريا، مرتبط بشكل مباشر بألمانيا، خاصة أن جزءا من البنية التحتية للكهرباء في سوريا كانت بمعدات من شركات ألمانية على رأسها (سيمنس) للطاقة”.
وهذه التصريحات تتفق مع ما ذكرته وكالة “رويترز” في 13 نوفمبر 2025، نقلاً عن مصادر أن شركة جنرال إلكتريك فيرنوفا الأميركية وشركة سيمنس إنرجي الألمانية تجريان محادثات لتوريد توربينات غاز لمشروع بقيمة 7 مليارات دولار يهدف إلى إعادة بناء قطاع الطاقة المتضرر من الحرب.
ووقعت سوريا اتفاقاً مع شركة تابعة لباور إنترناشيونال القابضة القطرية في مايو/ أيار 2025 لبناء أربع محطات لتوليد الطاقة بتوربينات غاز ذات دورة مركبة بطاقة إجمالية تبلغ 4000 ميغاواط. ويشمل الاتفاق أيضا محطة للطاقة الشمسية بقدرة 1000 ميغاواط.
وذكر مصدر أنه من الممكن منح كل من سيمنس إنيرجي وجنرال إلكتريك فيرنوفا عقوداً للمشروع، مضيفًا أنه من السابق لأوانه تحديد موعد إبرام الاتفاقيات.
وقال مصدر آخر من الثلاثة إن المحادثات يمكن أن تفضي أيضاً إلى إبرام اتفاقيات تتجاوز التوربينات لتشمل توريد البنية التحتية الحيوية لشبكة الكهرباء.
وقالت سيمنس للطاقة إن “وفداً محلياً من سيمنس التقى مع صانعي القرار السوريين لاستكشاف كيفية تحسين إمدادات الطاقة في البلاد في الأمد القصير”.
وأفاد متحدث باسم الشركة “على الرغم من عدم إبرام أي اتفاقيات أو عقود محددة، فإننا على استعداد للمساهمة بخبرتنا التقنية إذا كان بإمكانها المساعدة في إنشاء واستقرار إمدادات الطاقة الموثوقة ودعم السكان”.
ويواجه قطاع الكهرباء في سوريا أزمة مزمنة، تعاني من نقص حاد في الإنتاج وساعات انقطاع طويلة، مما دفع الحكومة إلى رفع التعرفة المنزلية منذ نهاية تشرين الأول 2025 لتشمل شريحتين (600 ل.س لأول 300 كيلوواط، و1400 ل.س لما زاد عن ذلك)، في محاولة لتحسين الإمدادات وتقليص العجز المالي، وسط استمرار الاعتماد الكبير على البطاريات والأمبيرات.
ملف اللاجئين
وبلا شك أن ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا (وفي عموم الاتحاد الأوروبي) سيكون ملفاً أساسياً في الزيارة التي سيجريها الرئيس الشرع إلى برلين، مع وجود مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، عاد عدد قليل منهم إلى سوريا بعد سقوط النظام.
وفي مطلع آذار 2026، أظهر التقرير السنوي لوكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي “EUAA” أن نحو 151 ألف سوري تقدموا بطلب لجوء في عام 2024، مقارنة بـ42 ألفاً في عام 2025، ما يعكس تراجعاً ملحوظاً في أعداد الطلبات.
وتجدد الجدل في الإعلام والسياسة الألمانية بشأن عودة اللاجئين السوريين، منذ نهاية عام 2024، وتحول المزاج العام في ألمانيا إزاء سياسات اللجوء.
وتشير تقارير إعلامية ألمانية إلى انقسام داخل الطيف الحزبي وبين الرأي العام حول توقيت العودة وشروطها، في حين يدفع المحافظون إلى تشديد الإجراءات وتسريع الترحيل، مقابل دعوات أخرى لتقييد العودة بسبب أوضاع البنية التحتية والأمن.
وخلال العام 2025، اتخذت الحكومة الألمانية عدة خطوات تشريعية وإجرائية أكثر تشدداً في ملف الهجرة واللجوء، استهدفت بشكل خاص اللاجئين السوريين الذين يشكلون أكبر جالية لجوء في البلاد.
وفي حزيران 2025، أقرّ البرلمان الألماني تعليق لمّ شمل العائلات لمدة عامين للاجئين الحاصلين على حماية فرعية، كما شرعت وزارة الداخلية في إعداد اتفاقات ثنائية مع دمشق لترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، بدءاً بالمجرمين أو فاقدي الإقامة القانونية.
وفي الإطار نفسه، تعمل ألمانيا على تصنيف بعض مناطق سوريا ضمن ما يسمى “دول المنشأ الآمنة”، وهو ما يسهل قانونياً تسريع إجراءات رفض طلبات اللجوء الجديدة وترحيل أصحابها.
البرلمان الأوروبي يفتح باب الترحيل
وفي تحول جذري لسياسات الهجرة، منح البرلمان الأوروبي الضوء الأخضر لترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى مراكز احتجاز خارج حدود القارة.
وتأتي هذه الإجراءات التي انتقدتها منظمات حقوق الإنسان، في إطار تشديد قوانين الهجرة في أوروبا استجابة لضغوط متزايدة في أنحاء التكتل المكون من 27 دولة للحدّ من الهجرة.
وجاءت نتيجة التصويت بأغلبية 389 صوتاً مؤيداً مقابل 206 أصوات معارضة. وطالبت بهذه الإجراءات غالبية الدول الأعضاء بالإضافة إلى نواب من اليمين واليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي الذين استقبلوا نتيجة التصويت بتصفيق حار في قاعة البرلمان. وتدفع نتيجة التصويت نحو مفاوضات بين المشرّعين والدول الأعضاء للتوصل إلى نص نهائي.
وقالت مارتا ويلاندر من لجنة الإنقاذ الدولية “ستُقام هذه المراكز خارج أراضي الاتحاد الأوروبي، حيث لا يستطيع صانعو السياسات ضمان احترام حقوق الناس”.
ومع ذلك، فإن مجموعة صغيرة من الدول، من بينها الدنمارك والنمسا واليونان وألمانيا وهولندا، تمضي قدماً وتستكشف خيارات لإنشائها، وفق مصدر دبلوماسي لوكالة “أ ف ب”.
السياسة والأمن وإزالة الألغام
إلى جانب الملفات الاقتصادية والإنسانية، يبرز ملف السياسة والأمن كأحد المحاور الرئيسية في الزيارة، في ظل سعي الطرفين إلى بناء أرضية مشتركة توازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي في سوريا والمصالح الأوروبية في الحد من التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
وتولي ألمانيا أهمية خاصة لملف مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية، ضمن مقاربة أوروبية تقوم على دعم الاستقرار ومنع عودة تنظيم “داعش”، لا سيما في المناطق الخارجة حديثاً من النزاع في شمال شرقي سوريا.
كما يتوقع أن يشمل النقاش التعاون في مجالات ضبط الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وهي قضايا باتت تشكل أولوية للأمن الأوروبي.
وتأتي زيارة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، إلى برلين، بهدف تعزيز التعاون في مجالات إدارة الكوارث والطوارئ، بما يشمل ملف إزالة الألغام.
زيارة لا تخلو من انتقادات
ورغم أن جزءاً من الجالية السورية في ألمانيا تستعد لحفل استقبال رسمي لأول زيارة من نوعها للرئيس السوري إلى ألمانيا، إلا أن إعلان الزيارة لم يخلُ من انتقادات، إذ أثارت دعوة الشرع لزيارة ألمانيا في كانون الثاني الماضي ردود فعل متباينة داخل بعض أوساط عدد قليل من السوريين في ألمانيا إلى جانب عدد من كرد تركيا والعراق وإيران ومنظمات ألمانية.
وفي خضم العملية العسكرية التي كانت تجري في شمال شرقي سوريا حينها، دعا نداء مشترك، وقّعه كل من “اتحاد العلويين في أوروبا” و”الجالية الكردية في ألمانيا”، إلى “إصدار مذكرة توقيف (بحق الرئيس الشرع) بدلاً من استقباله في المستشارية”، في تعبير واضح عن رفض هذه الأطراف للزيارة، وتحفظها على الانفتاح السياسي الأوروبي تجاه الحكومة السورية الجديدة.
وتزامناً مع ذلك شهدت برلين تظاهرة احتجاجية شارك فيها قرابة 2000 شخص احتجاجاً على زيارة الشرع، رغم إعلان الحكومة السورية تأجيل زيارته الرسمية إلى ألمانيا.
تلفزيون سوريا
—————————————
من وقف الإقامات إلى تعقيد اللجوء.. لماذا يبقى السوريون في ألمانيا؟/ وفاء عبيدو
2026.04.02
مع سقوط النظام المخلوع أواخر 2024، دخلت البلاد مرحلة انتقالية معقّدة اتسمت بمحاولات إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفتح قنوات تواصل حذرة مع الخارج، بما في ذلك دول أوروبية كانت حتى وقت قريب تتبنى سياسة قطيعة شبه كاملة.
ورغم هذا التحوّل السياسي، لم تترجم الانفراجة بشكل مباشر على ملف اللاجئين، إذ اتجهت عدة دول أوروبية وفي مقدمتها ألمانيا، إلى تجميد أو إعادة تقييم بعض قرارات اللجوء، وتشديد إجراءات الإقامة، بذريعة “تغيّر الظروف” في سوريا من دون حسم مسألة الأمان والاستقرار بشكل نهائي.
هذا التباين بين خطاب سياسي يتحدث عن “مرحلة جديدة” في سوريا، وسياسات أوروبية أكثر تشددًا على الأرض، خلق حالة ضبابية لدى اللاجئين السوريين، الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين بلدٍ لم تتضح معالم استقراره بعد، ودول لجوء لم تعد تمنح اليقين القانوني ذاته.
ورغم ذلك اختار جزء من هؤلاء اللاجئين البقاء في أوروبا، في قرار لا يمكن تفسيره فقط بالوضع الأمني في سوريا، بل يرتبط أيضًا باعتبارات أعمق، مثل الاندماج الذي تحقق، والمسارات المهنية والتعليمية، وحجم الكلفة التي دُفعت للوصول.
في هذا السياق تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا كمؤشر على انفتاح سياسي محدود بين الطرفين، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات لدى اللاجئين، هل تعكس هذه الخطوة تحولًا فعليًا يمكن أن ينعكس على حياتهم وقراراتهم، أم أنها تبقى ضمن إطار سياسي لا يغيّر كثيرًا من حسابات البقاء أو العودة في المدى القريب.
بين رفض اللجوء واستحالة العودة
يواجه معاوية عليان، وهو طالب لجوء وصل إلى ألمانيا قبل عامين وثلاثة أشهر، قرارًا برفض طلبه وترحيله، في وقت يؤكد فيه أن خيار البقاء لم يعد مرتبطًا فقط بالإجراءات القانونية، بل بواقع معيشـي معقّد في سوريا.
ويوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الأجور في سوريا ما تزال متدنية، إذ تتراوح بين 200 و300 دولار، مقابل تكاليف معيشة مرتفعة تقترب من المستويات الأوروبية، مشيرًا إلى أن إيجار المنزل قد يعادل الراتب الشهري أو يتجاوزه، فضلًا عن أعباء الكهرباء والفواتير وغلاء الأسعار.
ويضيف أن حتى المنتجات المحلية لم تعد بمنأى عن تقلبات الأسعار، إذ تتأثر بشكل مباشر بأي توتر إقليمي، لافتًا إلى الارتفاع الكبير في أسعار الخضراوات، بما فيها البندورة، التي تحولت إلى مثال متداول على الغلاء.
ورغم ذلك يؤكد عليان أن الرغبة في العودة تبقى حاضرة لدى الجميع، غير أن الواقع لا يسمح بذلك، خاصة في ظل صعوبات الحياة في أوروبا أيضًا، حيث يصف شعور الغربة بأنه دائم، إلى جانب غياب الحياة الاجتماعية التي يفتقدها السوريون في المجتمعات الأوروبية.
وفي سياق متصل، يلفت إلى أن تشديد سياسات اللجوء مؤخرًا شكّل صدمة لكثير من السوريين، خصوصًا أولئك الذين دفعوا أثمانًا باهظة للوصول إلى أوروبا، من بيع ممتلكاتهم والاستدانة، إلى خوض مخاطر “رحلة الموت”.
ويرى عليان أن هناك حاجة لمقاربات أكثر إنصافًا، حتى في حال استمرار التشدد، من خلال تقديم دعم حقيقي لمن تُرفض طلباتهم، بما يتيح لهم العودة بكرامة وإعادة بناء حياتهم، بدلًا من تركهم في حالة من الخسارة واليأس، كما يؤكد أن كثيرًا من السوريين اليوم يعيشون حالة إحباط واضحة، نتيجة غياب الاستقرار القانوني وتراكم الخسائر.
وفيما يتعلق بالتحركات السياسية، يعتبر أن زيارة الشرع إلى ألمانيا منحت السوريين شعورًا إيجابيًا بوجود دولة تمثلهم وتطرح قضاياهم، إلا أن قرار العودة، برأيه، يبقى مرهونًا بعاملين أساسيين، الاستقرار الأمني وتحسن الوضع الاقتصادي في سوريا، ويختم بالقول “إن تحقق هذين الشرطين هو ما سيجعل العودة خيارًا واقعيًا، بعد أن ظلت لسنوات مجرد أمنية مؤجلة”.
مرحلة مؤقتة
في مقابل من يرون في أوروبا محطة استقرار طويلة، يتعامل آخرون مع تجربة اللجوء بوصفها مرحلة انتقالية تفرضها الظروف، بانتظار خيارات أفضل في أماكن أخرى، وبين تعقيدات الإقامة وضبابية المستقبل تتشكل قرارات البقاء أو المغادرة وفق اعتبارات شخصية ومادية متغيرة.
يقول باسل، وهو شاب سوري يقيم في ألمانيا منذ نحو عامين وفضّل عدم الكشف عن اسمه الكامل ، إن استمراره في أوروبا حاليًا يرتبط بجملة من المسؤوليات الشخصية والمالية، من بينها إنهاء التزامات عالقة والعمل على ترميم منزل عائلته بعد نزوحها إلى مخيمات الشمال السوري.
موضحًا أنه رغم ذلك، يفكر مستقبلًا بالانتقال إلى تركيا، باعتبارها خيارًا أكثر مرونة من حيث الحصول على الأوراق وفرص العمل مقارنة بالوضع الحالي.
ويشير إلى أن السياسات الحالية تؤثر سلبًا على شعوره بالاستقرار، فتصاريح العمل المؤقتة، إلى جانب التأخير المستمر في معاملات مكتب الأجانب، تجعل حياته اليومية غير مستقرة ومليئة بالضغوط النفسية، ويضيف قائلًا “وجودي في أوروبا مرحلة مؤقتة، إلى حين تحسن ظروفي أو توفر فرصة أفضل في مكان آخر يحقق لي استقرارًا أكبر”.
ويربط باسل قراره بعدم العودة إلى سوريا بعدة عوامل، أبرزها تدهور الوضع المعيشي، إلى جانب طموحه بالاستقرار في تركيا، فضلًا عن التزامات اجتماعية وعائلية، مؤكدًا أن وجوده خارج سوريا يتيح له دعم أسرته بشكل أفضل، وهو ما لا يستطيع تحقيقه في حال العودة.
وفيما يتعلق بالتحركات السياسية، يوضح أن زيارة أحمد الشرع إلى ألمانيا لا تحمل تأثيرًا على قراره الشخصي في الوقت الراهن.
ظروف البقاء تختلف
في حالات عديدة، لا يرتبط قرار البقاء في أوروبا بالواقع الاقتصادي فقط، بل يتداخل مع مسارات تعليمية وطموحات شخصية تشكّلت خلال سنوات اللجوء، ومع الوقت يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة، حتى مع تغيّر الظروف في البلد الأم.
تقول هيفاء، التي وصلت إلى ألمانيا قبل نحو عامين برفقة عائلتها، إنها غادرت سوريا قبل تقديم امتحان البكالوريا، لتبدأ رحلة جديدة لم تكن سهلة حتى تمكنت من متابعة تعليمها.
وتوضح لموقع تلفزيون سوريا أن ما يدفعها اليوم للبقاء لا يقتصر على سوء الوضع الاقتصادي في سوريا، وهو العامل الرئيسي الذي يمنع عائلتها من العودة، بل يرتبط أيضًا برغبتها في إكمال دراستها الجامعية في ألمانيا، بعد الجهود الكبيرة التي بذلتها للوصول إلى هذه المرحلة.
من جانبها، تشير والدتها نائلة إلى أن الاستقرار في ألمانيا ما يزال نسبيًا، قائلة إن وضعهم “ليس مستقرًا بالكامل”، إلا أن العودة إلى سوريا لا تبدو خيارًا أفضل في الوقت الحالي.
وتضيف أن سقوط النظام شكّل تحولًا مهمًا، لكنه لم ينعكس بعد على الواقع المعيشي، الذي ما يزال صعبًا، مؤكدة: “لم يعد لدينا طاقة لتحمّل الظروف هناك”، في إشارة إلى الأعباء الاقتصادية التي ما تزال تثقل كاهل العائلات.
إعادة تقييم بلا حسم
في موازاة التحولات السياسية في سوريا، تشهد سياسات اللجوء الأوروبية تجاه السوريين مرحلة مراجعة دقيقة، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الضغوط السياسية الداخلية، هذه المرحلة لا تعني تغييرًا جذريًا في الموقف القانوني، بقدر ما تعكس توجّهًا نحو التشدد وإعادة التقييم.
يوضح الخبير القانوني معتصم الكيلاني، أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة “إعادة تقييم حذرة” بعد سقوط النظام البائد، من دون الوصول إلى حسم قانوني نهائي، فبينما تتصاعد الضغوط داخل عدد من الدول الأوروبية لتقليص أعداد اللاجئين، خاصة مع تنامي نفوذ اليمين المتطرف، انعكس ذلك في تجميد بعض طلبات اللجوء، وإبطاء البت فيها، وتراجع نسب القبول.
ومع ذلك، لا تزال المؤسسات الأوروبية تصنّف سوريا كبلد “غير مستقر رغم بعض التحسن”، ما يعني أن الحماية لم تُسحب بشكل شامل، بل انتقل التعامل مع الملفات من منح شبه تلقائي إلى تقييمات فردية أكثر تشددًا.
ويستند جزء كبير من قرارات الرفض أو سحب الإقامة إلى مبدأ “زوال أسباب اللجوء”، الذي يتيح قانونيًا إعادة النظر في الحماية إذا اعتُبر أن الظروف التي دفعت إلى اللجوء لم تعد قائمة، إلا أن تطبيق هذا المبدأ يتطلب أن يكون التغير في بلد الأصل جوهريًا ومستقرًا ودائمًا، وهو ما لا يزال موضع جدل في الحالة السورية، ما يجعل كثيرًا من هذه القرارات قابلة للطعن القضائي.
بالتوازي، توسّع استخدام مفاهيم مثل “الدولة الثالثة الآمنة” لإعادة تقييم بعض الحالات من دون تعديل جذري في القوانين.
أما على صعيد الوضع المعيشي، فيشير المختص إلى أن القانون الدولي لا يعتبر التدهور الاقتصادي سببًا كافيًا بحد ذاته لمنح اللجوء، إذ ترتبط الحماية أساسًا بمخاطر الاضطهاد أو العنف، ومع ذلك، تأخذ بعض المحاكم الأوروبية بعين الاعتبار الأوضاع الإنسانية القاسية عند تقييم إمكانية العودة.
وفي ما يخص اللاجئين الذين اندمجوا جزئيًا، يلفت إلى أن الاندماج لا يمنح حماية قانونية مباشرة، لكنه يشكّل عاملًا مؤثرًا في القرارات الإدارية والقضائية، وقد يُستخدم لتبرير منح إقامات بديلة أو تأجيل الترحيل، خصوصًا لمن أصبحوا جزءًا من سوق العمل والمجتمع.
ويختم بالإشارة إلى أن التحركات السياسية، مثل زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا، لا تنعكس بشكل مباشر على قرارات اللجوء، التي يفترض أن تبقى فردية ومستقلة، إلا أن تأثيرها غير المباشر يبقى قائمًا، إذ تسهم في تشكيل نظرة الدول الأوروبية إلى الواقع في سوريا، ما قد يؤدي تدريجيًا إلى تشديد السياسات أو توسيع مراجعة ملفات الحماية، في ظل إعادة تفسير مستمرة لمفهوم “الاستقرار” في بلد الأصل.
جدل حول التصريح.. من قائله؟
وأثار المستشار الألماني فريدريش ميرتس استنكار المنظمات غير الحكومية ووزراء في حكومته بعد أن دعا الغالبية الساحقة من السوريين الذين يعيشون في ألمانيا “للعودة إلى بلدهم”.
أطلق المستشار الألماني هذه التصريحات خلال زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى برلين، يوم الإثنين. ويذكر بأن ميرتس انتخب خلال العام الفائت بعد تعهده بوضع حد قاس للهجرة، سعياً منه لهزيمة اليمين المتطرف.
وبعد أن شرح بأن أولوية برلين فيما يخص عمليات الترحيل تتركز على إعادة السوريين الذين ارتكبوا جرائم، ذكر ميرتس بأنه سيتعاون مع الشرع على المدى الطويل لتنفيذ عمليات إعادة على نطاق أوسع من ألمانيا التي استقبلت أكبر جالية من السوريين في الاتحاد الأوروبي.
وتعليقاً على ذلك قال ميرتس: “سيعود 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا حالياً إلى بلدهم على مدى أبعد يمتد للسنوات الثلاث القادمة، وتلك أمنية الرئيس الشرع” معللاً ذلك بضرورة إعادة بناء بلدهم التي دمرتها الحرب.
لم يؤكد الشرع الهدف من إعادة 80% من بين أكثر من 900 ألف مواطن سوري مسجلين في ألمانيا حتى عام 2026، ويبدو بأن هذا العدد فاجأ المسؤولين السياسيين في برلين.
وفي مواجهة تلك الانتقادات، بدا ميرتس كمن تراجع عن الهدف الذي حدده يوم الثلاثاء، إذ نقلت على لسانه صحيفة بيلد الألمانية قوله: “إن الرئيس السوري هو الذي حدد نسبة 80% من العائدين في غضون ثلاث سنوات، فراعينا هذا العدد، مع معرفتنا لحجم المهمة” وهو ما نفاه الرئيس السوري أيضا.
———————
الشرع من لندن: سوريا ستبقى خارج دائرة الحرب ما لم تُستهدف مباشرة
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا تسير بخطى ثابتة نحو إجراء انتخابات حرة بعد استكمال فترة الولاية الأولى، والتي نص عليها الإعلان الدستوري لمدة 5 سنوات.
وقال الشرع خلال حوار موسع في معهد تشاتام هاوس بالعاصمة البريطانية لندن “عقدنا مؤتمر حوار وطني نتج عنه توصيات، وأعلنا الدستور الجديد الذي ينظم الفترة الانتقالية، وسيبدأ مجلس الشعب أولى جلساته الشهر القادم”.
وحول تشكيل الأحزاب السياسية، أوضح الرئيس السوري أن القوانين الخاصة بالأحزاب ستُعاد صياغتها ضمن الدستور الجديد، مؤكدا أن العملية ستتيح مشاركة الأحزاب في الحكومة والسلطة.
وفيما يتعلق بالحريات الشخصية، أكد الشرع أن إدارة الدولة تعتمد على القوانين القائمة، ولن تُفرض على المواطنين معايير جديدة تتعلق بالممارسات الاجتماعية والدينية. وقال “مهمتنا تطبيق القانون، وليس فرض معايير جديدة على الناس”.
وتحدث الرئيس السوري عن سياسة الدولة تجاه الفصائل المسلحة، مشيرا إلى أن سوريا حصرت السلاح بيد الدولة، وأنه تم التوصل إلى اتفاقات لدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري.
وأوضح أن هذا النهج جاء بعد سلسلة من المفاوضات والتفاهمات مع الولايات المتحدة والدول المعنية لضمان وحدة الدولة وعدم التصادم العسكري.
الموقف من الحرب على إيران
وتطرق الشرع إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مؤكدا أن سوريا ستظل خارج دائرة الصراع ما لم تُستهدف مباشرة، مشددا على أهمية الحلول التفاوضية لتجنب المخاطر الإقليمية. وأكد أن سياسة سوريا ترتكز على الاستقرار الاقتصادي والتنمية، مع الحفاظ على علاقات دبلوماسية متوازنة مع دول المنطقة والعالم.
وأوضح الشرع أن مفاوضات غير مباشرة ومباشرة جرت مع إسرائيل، لكنها لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي، في حين أكد أن الدولة السورية تحمي حدودها من تهريب الأسلحة، بما في ذلك منع وصول السلاح الإيراني إلى حزب الله في لبنان. وأضاف أن القواعد الروسية في سوريا سيتم تحويلها تدريجيا إلى مراكز تدريب للجيش السوري.
إعلان
وحول العدالة الانتقالية، شدد الشرع على ضرورة وجود مؤسسة قضائية قانونية واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الماضية، مع مراعاة المصداقية والإنصاف لتجنب أي انتقام أو استهداف انتقائي.
وأضاف أن سوريا بدأت إعادة اللاجئين طوعيا، حيث عاد أكثر من مليون و300 ألف شخص خلال العام الماضي، مع التركيز على ربط العودة بإعادة الإعمار وخلق فرص العمل.
وأكد أن عرض الفرص الاستثمارية على الشركات الأوروبية، وخاصة الألمانية، سيسهم في إعادة دمج اللاجئين ضمن الاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن هذا سيمكّن من تحقيق عودة نحو 80% من اللاجئين السوريين في السنوات المقبلة.
المستقبل السياسي والاجتماعي
وفي ختام الحوار، أعرب الشرع عن طموحه في بناء دولة ديمقراطية مستقرة وقادرة على لعب دور فاعل في المنطقة، مع التركيز على الأمن والتنمية والعدالة.
وكان الشرع قد بحث في وقت سابق من اليوم الثلاثاء، مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، تعزيز العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وبدأ الشرع، فجر اليوم، زيارة رسمية إلى بريطانيا تعد الأولى له منذ توليه السلطة في يناير/كانون الثاني 2025، يبحث خلالها سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون بين البلدين.
واستؤنفت العلاقات السورية البريطانية بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث استقبل الشرع وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي بدمشق في 5 يوليو/تموز 2025.
فيما أعادت سوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 افتتاح سفارتها في لندن بعد إغلاق دام 13 عاما، وذلك خلال زيارة رسمية قام بها وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بريطانيا.
وتُعد لندن المحطة الثانية والأخيرة في جولة أوروبية بدأها الشرع الأحد بزيارة إلى برلين، حيث التقى، الاثنين، كبار المسؤولين الألمان وبحث معهم سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.
المصدر: الجزيرة
———————
جدل سوري – ألماني حول نسبة الـ80 % لعودة اللاجئين السوريين من ألمانيا
الشيباني يرفض مساعي الترحيل القسري… ومسؤول في برلين يقلل من أهمية النقاش
دمشق – برلين: «الشرق الأوسط»
2 أبريل 2026 م
يستمر الجدل حول تحديد نسبة مستهدفة تبلغ 80 في المائة لعودة اللاجئين السوريين من ألمانيا، فيما أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني رفضه القاطع للترحيل القسري.
وحاولت الحكومة الألمانية، التقليل من أهمية الجدل الذي أثاره تصريح المستشار فريدريش ميرتس، بأنه يتوقع عودة 80 في المائة من السوريين الذين يعيشون في ألمانيا إلى بلادهم في غضون ثلاث سنوات، حسب وكالة الأنباء الألمانية.
وقد فُهم هذا التصريح على أنه تبنٍّ لهذا الهدف، قبل أن يوضح المستشار لاحقاً أن «نسبة الـ80 في المائة من العائدين خلال 3 سنوات ذكرها الرئيس السوري، وقد أُحطنا بها علماً، لكننا ندرك حجم المهمة».
واستقبل ميرتس، يوم الاثنين، الرئيس السوري أحمد الشرع، في برلين، في أول زيارة له لألمانيا منذ إطاحة بشار الأسد أواخر عام 2024.
وخلال مؤتمر صحافي مشترك، قال ميرتس إنهما ناقشا مسألة مليون مواطن سوري يعيشون في ألمانيا، معظمهم وصلوا لاجئين خلال الحرب الأهلية السورية.
وأضاف ميرتس: «على المدى البعيد خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهذه أيضاً رغبة الرئيس الشرع، يجب أن يعود نحو 80 في المائة من السوريين الموجودين حالياً في ألمانيا إلى وطنهم».
والثلاثاء، أصدر ميرتس بياناً قال فيه إن الشرع ذكر هذا العدد خلال محادثتهما. لكن الشرع عندما سُئل عن العدد خلال فعالية في مركز «تشاتام هاوس» للبحوث في لندن، الثلاثاء، نفى ذلك. والأربعاء، لم ينجح الناطق باسم ميرتس، شتيفان كورنيليوس، في توضيح المسألة، وقال -حسب وكالة الصحافة الفرنسية: «لن أدخل في تفسير نصّي للكلمات التي قالها المستشار والكلمات التي قالها الرئيس» السوري.
وأضاف: «الأمر المهم هو أن سوريا لديها مصلحة في عودة» مواطنيها «لأنها تحتاج إليهم… للمساعدة في إعادة الإعمار». وتابع: «لا يمكن لألمانيا أن تكون ملزمة بواجب الحماية إذا لم يعد هناك سبب لهذه الحماية» في إشارة إلى سقوط الأسد.
من جهته، كتب الوزير السوري في منشور على منصة «إكس»: «نرفض مطلقاً أي مساعٍ للترحيل القسري»، وأضاف: «السوريون في المهجر هم أصول وطنية استراتيجية وليسوا أعباءً».
وأوضح الشيباني أن الحكومة تعمل مع شركاء دوليين على «تأهيل البنية التحتية وتوفير بيئة آمنة تليق بمن يختار العودة الطوعية الكريمة»، مشدداً في الوقت نفسه على أن المعيار الوحيد للعمل السياسي هو «المصلحة الوطنية السورية».
في المقابل، نسب الشرع الهدف إلى ميرتس، قائلاً: «المستشار هو من قال ذلك خلال محادثة، وقد أشرت أنا إلى أن عودة اللاجئين مرتبطة بشكل مباشر بإعادة إعمار سوريا».
كان الرئيس السوري قد أوضح بالفعل أن اللاجئين لا ينبغي إعادتهم ببساطة عبر رحلات جوية، محذراً من أن ذلك قد يثير خوفهم ويدفعهم إلى الهجرة مجدداً، وذلك خلال تصريح له، الثلاثاء، في لندن. وأكد الشرع ضرورة الحفاظ على حق اللاجئين في العودة الحرة والطوعية إلى وطنهم.
كانت ألمانيا قد استقبلت خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت 14 عاماً، عدداً من اللاجئين يفوق أي دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي.
———————————–
سوريا ترفض بشدة أي مساعٍ للترحيل القسري للاجئين
الشيباني: السوريون في المهجر هم أصول وطنية استراتيجية وليسوا أعباء
الرياض: العربية.نت والوكالات
02 أبريل ,2026
عقب الجدل حول تحديد نسبة مستهدفة تبلغ 80 بالمئة لعودة اللاجئين السوريين من ألمانيا، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني رفضه القاطع للترحيل القسري.
وكتب الوزير في منشور على منصة “إكس”: “نرفض مطلقاً أي مساعٍ للترحيل القسري”. وأضاف: “السوريون في المهجر هم أصول وطنية استراتيجية وليسوا أعباء”.
وأوضح الشيباني أن الحكومة تعمل مع شركاء دوليين على “تأهيل البنية التحتية وتوفير بيئة آمنة تليق بمن يختار العودة الطوعية الكريمة”، مشدداً في الوقت نفسه على أن المعيار الوحيد للعمل السياسي هو “المصلحة الوطنية السورية”.
الشرع يعلق على عودة اللاجئين من ألمانيا.. ” فيها مبالغة”
سوريا الشرع يعلق على عودة اللاجئين من ألمانيا.. ” فيها مبالغة”
جاء هذا الجدل عقب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين، الاثنين الماضي، حيث التقى المستشار الألماني فريدريش ميرتس. وخلال مؤتمر صحافي مشترك، ذكر ميرتس هدفاً يتمثل في عودة 80 بالمئة من حوالي مليون سوري يعيشون في ألمانيا إلى بلادهم خلال السنوات الثلاث المقبلة. وقد فُهم هذا التصريح على أنه تبنٍ لهذا الهدف، قبل أن يوضح المستشار لاحقاً أن “نسبة الـ80 بالمئة من العائدين خلال ثلاث سنوات ذكرها الرئيس السوري، وقد أحطنا بها علماً، لكننا ندرك حجم المهمة”.
في المقابل، نسب الشرع هذا الهدف إلى ميرتس، قائلاً: “المستشار هو من قال ذلك خلال محادثة، وقد أشرت أنا إلى أن عودة اللاجئين مرتبطة بشكل مباشر بإعادة إعمار سوريا”.
وكان الرئيس السوري قد أوضح بالفعل أن اللاجئين لا ينبغي إعادتهم ببساطة عبر رحلات جوية، محذراً من أن ذلك قد يثير خوفهم ويدفعهم إلى الهجرة مجدداً، وذلك خلال تصريح له أول أمس الثلاثاء في لندن. وأكد الشرع ضرورة الحفاظ على حق اللاجئين في العودة الحرة والطوعية إلى وطنهم.
وكانت ألمانيا قد استقبلت خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت 14 عاماً عدداً من اللاجئين يفوق أي دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي.
—————————–
الشرع يعلق على عودة اللاجئين من ألمانيا.. ” فيها مبالغة“
الرياض- العربية.نت
01 أبريل ,2026
أثارت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عن ضرورة عودة حوالي 80% من نحو مليون لاجئ سوري يعيشون في ألمانيا إلى وطنهم خلال السنوات الثلاث المقبلة، تساؤلات عديدة بين السوريين، لا سيما أنها جاءت خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته برلين قبل يومين.
فيما أوضح الشرع خلال مشاركته في جلسة حوارية بالمعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” في العاصمة لندن، أن “التصريح كان فيه شيء من المبالغة”.
كما أشار إلى أن “المستشار الألماني هو من قال هذا الكلام”، لكنه لفت إلى أن عودة اللاجئين مرتبطة بإعادة إعمار سوريا، معتبراً أنه “لا يمكن أن تضع أي شخص في الطائرة وتقول له اذهب”.
“خارج الصراع”
أما في ما يتعلق بالصراع الدائر في المنطقة، فأكد الشرع أن بلاده ستبقى “خارج صراع” إيران والولايات المتحدة، وأن ذلك مرهون بعدم تعرض دمشق لأي استهدافات. وقال “لا شك أن تدخل إيران في سوريا خلال الـ40 سنة الماضية ساعد النظام على تهجير السوريين”.
كما اعتبر أن طهران “بدعمها للميليشيات ودعمها للنظام كانت رأس حربة في الصراع الذي كان يقوده النظام ضد الشعب السوري”.
لكنه لفت إلى أنه بعد وصول الحكم الجديد إلى دمشق، “لم تكن لديه مشكلة مع إيران في طهران، وإنما كانت المشكلة مع إيران في دمشق”.
وكان الشرع زار ألمانيا قبل يومين بعدما تأجلت زيارته أكثر من مرة، ثم سافر إلى بريطانيا حيث التقى أمس رئيس الوزراء كير ستارمر، وبحثا قضايا موسعة تتعلق بسوريا من جهة واستقرار المنطقة ككل من جهة أخرى. واتفق الطرفان على أهمية تجنب المزيد من التصعيد واستعادة الاستقرار في المنطقة.
يشار إلى أن دمشق كانت نجحت في النأي بنفسها عن الحرب التي استعرت منذ 28 فبراير الماضي، باستثناء حوادث طفيفة، تجسدت في إطلاق فصائل عراقية موالية لإيران صواريخ ومسيرات نحو قواعد أميركية سابقة في سوريا، اعترضها الجيش.
————————
لوبوان: وعد المستشار الألماني بشأن إعادة السوريين غير قابل للتحقق لهذه الأسباب
توقفت مجلة “لوبوان” الفرنسية عند الجدل الذي أثاره المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بالتعبير عن رغبته في أن يغادر 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا البلاد، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين، متسائلة: هل هو مجرد أمل غير واقعي؟
وسرعان ما انهالت الانتقادات. ففي صفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك في الائتلاف الحكومي مع المحافظين، عبّر كثيرون عن رفضهم. وانتقدت أنكه ريلينغر، نائبة رئيس الحزب، المستشار، قائلة إنه “يثير توقعات لن يتمكن على الأرجح من تحقيقها”.
وأوضحت “لوبوان” أن هذا المشروع، الذي ما يزال غامضاً، سيواجه عقبات قانونية وعملية كبيرة. إذ يشترط الاتحاد الأوروبي أن تتم عمليات العودة في ظروف آمنة وكريمة وعلى أساس طوعي. كما أنه لم يتم توقيع أي اتفاق ملزم بهذا الشأن.
وعند النظر إلى الأرقام، يتضح حجم التحدي، حيث إن هناك أكثر من مليون سوري يعيشون حالياً في ألمانيا، وقد حصل أكثر من 250 ألفاً منهم على الجنسية الألمانية، وبالتالي لا يمكن إجبارهم على مغادرة بلد أصبح وطنهم رسمياً.
ويبقى نحو 700 ألف شخص يُفترض أن يغادروا خلال السنوات الثلاث المقبلة. لكن إلى أين؟.. إلى بلد ما يزال في طور إعادة الإعمار وتحت حكم نظام لا يثق به كثير منهم؟ تتساءل “لوبوان”، منوهة إلى أن التلفزيون الألماني بث، في مساء يوم التصريح، تقريراً عن مناطق مدمرة في دمشق، لتوضيح الوضع.
وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، وهو عضو في الحزب نفسه (CDU)، قد تعرض لانتقادات في شهر ديسمبر الماضي بعدما صرح بأن “لا أحد يمكنه العيش بكرامة” في سوريا. وحتى تعهدات ألمانيا بدعم إعادة الإعمار عبر إنشاء “فريق عمل ألماني-سوري” لا تكفي لإقناع اللاجئين. كما يخشى العديد من السوريين من أعمال قمع قد تطال الدروز والأكراد وغيرهم من الأقليات، تقول “لوبوان”.
ومضت المجلة الفرنسية مذكّرة بأن العديد من السوريين كانوا قد عبروا، في شهر ديسمبر عام 2024 عقب سقوط نظام بشار الأسد، عن رغبتهم في العودة سريعاً لإعادة بناء بلدهم. غير أن هذا الحماس تراجع لاحقاً.
ومع ذلك، شجعت الحكومة الألمانية منذ منتصف شهر يناير عام 2025 على العودة، مع منح كل بالغ مبلغ 1000 يورو كمساعدة، إضافة إلى تغطية تكاليف تذاكر الطيران.
ورغم هذه الحوافز، ووفقاً للأرقام الرسمية، تم تسجيل 5965 طلب عودة فقط في عام 2025، وغادر فعلياً 3678 لاجئاً سورياً ألمانيا خلال ذلك العام. وهو عدد ضئيل جداً مقارنة بالأهداف التي أعلنها المستشار ميرتس.
وقد اندمج معظم السوريين الذين وصلوا إلى ألمانيا منذ عام 2015، عندما قررت المستشارة السابقة أنغيلا ميركل استقبالهم، في المجتمع الألماني، ووجدوا عملاً. فأطفالهم يدرسون في المدارس الألمانية، وبعضهم اجتاز امتحان الثانوية (الأبيتور)، ويتابع دراسته الجامعية أو التدريب المهني، توضح “لوبوان”.
وهم يتحدثون ويكتبون الألمانية، ويشعرون بأنهم في وطنهم في برلين أو فرانكفورت. كما أن 60% من اللاجئين السوريين الذين وصلوا عامي 2015 و2016 يعملون حالياً ويدفعون الضرائب والمساهمات الاجتماعية. وألمانيا، التي تعاني من نقص في اليد العاملة وانخفاض في معدل المواليد، بحاجة إليهم، تتابع المجلة الفرنسية.
فكيف يمكن الاستغناء عن هؤلاء الذين يعملون في التجارة والمطاعم والمخازن الكبرى ووسائل النقل، وخاصة في قطاع الصحة الذي يعاني نقصاً حاداً في الموظفين؟ تتساءل “لوبوان”، مشيرة إلى أن هناك 6500 طبيب سوري يعملون في ألمانيا، إضافة إلى نحو 10300 شخص في مجال الرعاية الصحية، بحسب وزارة العمل. وهو قطاع يعاني من نقص في الكوادر ويتوسع مع تزايد شيخوخة السكان.
وقالت المجلة الفرنسية إنه من الصعب فهم ما الذي دفع المستشار الألماني إلى إطلاق مثل هذا الوعد غير الواقعي. فهل كان يحاول طمأنة الناخبين الذين تأثروا بشعارات اليمين المتطرف المناهضة للهجرة؟ تتساءل “لوبوان”، معتبرة أن ميرتس ربما حاول استعادة الناخبين إلى صفوف حزبه المحافظ، مع صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) وتحقيقه نتائج قوية مؤخراً في الانتخابات الإقليمية.
وأوضحت المجلة أن الحزب اليميني المتطرف قد يفوز في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت المقررة في 6 سبتمبر، وهو ما سيكون سابقة في تاريخ ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، يتولى فيها حزب من اليمين المتطرف حكم ولاية ألمانية لأول مرة.
————————–
====================



