التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 10 تموز 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

———————————

النص الحرفي لـ”اتفاق فك الاشتباك” بين سوريا وإسرائيل وملحقاته وخرائطه

لمناسبة مطالبة الحكومة السورية الجديدة تل أبيب بتنفيذه

آخر تحديث 09 يوليو 2025

تنشر “المجلة” النص الحرفي لـ “اتفاق فك الاشتباك” بين سوريا وإسرائيل الذي توسطت أميركا بإبرامه في مايو /أيار 1974، وملحقاته وخرائطه، ذلك في مناسبة عودة الحديث عنه ومطالبة الحكومة السورية الجديدة تل أبيب بتنفيذه.

في 28 مايو/أيار 1974، توصل الرئيس حافظ الأسد ووزير خارجية أميركا هنري كيسنجر- بعد جولات مكوكية بين دمشق وتل أبيب- إلى اتفاق فك الاشتباك في الجولان بين سوريا وإسرائيل اللتين خاضتا (مع مصر) حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. وفي 31 مايو/أيار تم توقيع الاتفاق في جنيف بين الجنرال مردخاي غور رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، واللواء حكمت الشهابي رئيس أركان القوات المسلحة السورية. وهذا نص الاتفاق:

اتفاقية حول الفصل بين القوات الإسرائيلية والقوات السورية

أ- تراعي إسرائيل وسوريا مراعاة دقيقة وقف إطلاق النار في البر والبحر والجو، وتمتنعان عن كل الأعمال العسكرية ضد بعضهما بعضا منذ توقيع هذه الوثيقة تطبيقا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذي الرقم 338 المؤرخ في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1973.

ب- تفصل القوات العسكرية لإسرائيل وسوريا وفقاً للمبادئ التالية:

1- تكون كل القوات العسكرية الإسرائيلية في غرب الخط المسمى الخط (أ) على الخريطة المرفقة بهذه الاتفاقية باستثناء منطقة القنيطرة حيث تكون غرب الخط (أ-1).

2- تكون كل الأرض شرق الخط (أ) تحت الإدارة السورية ويعود المدنيون السوريون إلى هذه الأرض.

3- تكون المنطقة بين الخط (أ) والخط المسمى خط (ب) على الخارطة المرفقة منطقة الفصل، وترابط في هذه المنطقة قوة مراقبين دوليين لفصل القوات التابعة للأمم المتحدة المنشأة وفقاً للبروتوكول المرفق.

4- تكون كل القوات العسكرية السورية شرق الخط المسمى الخط (ب) على الخارطة المرفقة.

5- تكون هناك نقطتان متساويتان لتحديد الأسلحة والقوات، واحدة غرب الخط (أ) وواحدة شرق الخط (ب) حسبما اتُّفق عليهما.

    وقّع الجانب السوري في إطار اللجنة العسكرية المصرية-الإسرائيلية العميد عدنان طيارة، وصادَقَ على توقيع الجانبين السوري والإسرائيلي مندوب الأمم المتحدة

6- يسمح لسلاحي الجو للجانبين بالعمل على خط كل منهما دون التدخّل من الجانب الآخر.

ج- لن تتواجد قوات عسكرية في المنطقة بين خط (أ-1) على الخارطة المرفقة.

د- توقّع هذه الاتفاقية والخارطة المرفقة من قبل ممثلين عسكريين لسوريا وإسرائيل في جنيف في موعد لا يتعدى 31 مايو 1974 في مجموعة العمل العسكرية المصرية-الإسرائيلية لمؤتمر جنيف للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة بعد أن يكون قد انضم إلى هذه المجموعة ممثل عسكري سوري وباشتراك ممثلين للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ويتولى الرسم الدقيق للخطوط على الخارطة المفصّلة ووضع خطة تنفيذ لتنفيذ فصل القوات الممثلون العسكريون لإسرائيل وسوريا في مجموعة العمل المصرية-الإسرائيلية الذين سينتقون على مراحل هذه العملية. وتبدأ مجموعة العمل العسكرية المختلطة أعلاه عملها لهذه الغاية في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة في غضون أربع وعشرين ساعة بعد توقيع هذه الاتفاقية، وتنتهي هذه المهمة في غضون خمسة أيام. ويبدأ الفصل في غضون أربع وعشرين ساعة بعد إتمام مهمة مجموعة العمل العسكرية وتكتمل عملية الفصل في مدى لا يتجاوز يوما بعد بدئها.

أ.ف.ب أ.ف.ب

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك في دمشق في 29 مايو

هـ- سيجري تفتيش أحكام الفقرات (أ-ب-ج) من قبل أشخاص الأمم المتحدة الذين سيشكلون قوة مراقبين لفصل القوات التابعة للأمم المتحدة بموجب هذه الاتفاقية.

و- في غضون أربع وعشرين ساعة بعد توقيع هذه الاتفاقية في جنيف يعاد جميع أسرى الحرب الجرحى الذين يحتفظ بهم كل من الجانبين من الجانب الآخر بشهادة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وفي صباح اليوم الذي يلي إتمام مهمة مجموعة العمل العسكرية يعاد جميع من تبقى من أسرى الحرب.

ز- تعاد جثث جميع الجنود الموتى المحتفظ بها من قبل أي من الجانبين للدفن في البلد الذي تنتمي إليه هذه الجثث في غضون عشرة أيام بعد توقيع هذا الاتفاق.

ح- هذه الاتفاقية ليست اتفاقية سلام بل هي خطوة نحو سلام عادل ودائم استنادا إلى قرار مجلس الأمن ذي الرقم (338) المؤرخ في 22 أكتوبر 1974، وقد وقّع الجانب السوري في إطار اللجنة العسكرية المصرية-الإسرائيلية العميد عدنان طيارة، وصادَقَ على توقيع الجانبين السوري والإسرائيلي مندوب الأمم المتحدة.

بروتوكول ملحق

وافقت كل من سوريا وإسرائيل على البروتوكول الملحق باتفاقية الفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية التالية:

توافق إسرائيل وسوريا على أن عمل قوة مراقبي فصل القوات التابعة للأمم المتحدة (أندوف) وبموجب الاتفاقية، سيكون بذل قصارى جهودها للمحافظة على وقف إطلاق النار والتأكد من أنه يراعى بدقة. وستشرف على الاتفاقية والبروتوكول الملحق بها بشأن مناطق الفصل والتحديد، وهي في قيامها بمهمتها سوف تتقيّد بالقوانين والأنظمة السورية المطبّقة بصورة عامة ولن تعرقل عمل الإدارة المدنية المحلية وسوف تتمتع بحرية الحركة والاتصال والتسهيلات الأخرى الضرورية لمهمتها وستكون متحركة ومزوّدة بأسلحة فردية لها صفة دفاعية ولن تُستخدم هذه الأسلحة إلا دفاعا عن النفس وسيكون عدد مراقبي فصل القوات التابعة للأمم المتحدة حوالي ألف ومائتي شخص يختارهم الأمين العام للأمم المتحدة بالتشاور مع الأطراف من بلدان أعضاء في الأمم المتحدة وليس أعضاء دائمين في مجلس الأمن، ستكون مدة مراقبي فصل القوات التابعة للأمم المتحدة تحت قيادة الأمم المتحدة المسندة إلى الأمين العام تحت سلطة مجلس الأمن.

ستقوم قوة مراقبي فصل القوات التابعة للأمم المتحدة بأعمال تفتيش بموجب الاتفاقية تقدّم تقارير عنها إلى الأطراف على أساس منتظم وبتكرار لا يقل عن مرة كل خمسة عشر يوما، وعندما يطلب أي من الطرفين، كما ستضع علامات على الأرض للخطين المتقابلين الظاهرين على الخارطة المرفقة بالاتفاقية.

وستؤيد إسرائيل وسوريا قرارا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ينص على تفويض قوة مراقبي فصل القوات التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاتفاقية، لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد بقرار آخر من مجلس الأمن.

بروتوكوول ملحق

بالإضافة إلى هذه الاتفاقية والبروتوكول الملحق بها فقد تم الاتفاق على أمرين آخرين بموجب كتب موجهة إلى الإدارة الأميركية:

– الأمر الأول: هو منطقة تخفيف القوات بعمق عشرة كيلومترات على طرفي خط الفصل وتخفيف الأسلحة الثقيلة بمسافة أخرى تصل إلى عشرين كيلومترا.

الأمر الثاني: هو حق الولايات المتحدة الأميركية في الكشف الجوي على تنفيذ الاتفاقية وتصوير المواقع وتسليم الطرفين هذه الصور.

خريطة مرفقة

تبلغ مساحة الجولان 1860 كيلومترا مربعا، منها 1260 كيلومترا تحت الاحتلال منذ عام 1967. ونص الاتفاق، الذي وُقّع رسميا من القادة العسكريين نهاية مايو 1974، على إنشاء “منطقة عازلة” ثلاثية الشريط بطول 80 كيلومترا:

القسم الأول: منطقة عازلة، بعرض يصل إلى 10 كيلومترات ومساحة 235 كيلومترا مربعا وتمتد على الجانب السوري من الجولان مع استثناء مدينة القنيطرة رمزا لـ”التحرير” السوري و”التدمير الإسرائيلي”.

القسم الثاني: منطقة مخففة من السلاح، بعمق 10 كيلومترات ويحتفظ الجيش السوري بـ350 دبابة وثلاثة آلاف جندي بسلاح خفيف.

القسم الثالث، منطقة مخففة من السلاح، بعمق بين 10 و20 كيلومترا، يحتفظ الجيش السوري بـ650 دبابة و4500 جندي وسلاح خفيف ومدافع محدودة العدد وبمدى محدد لا يتجاوز المرحلة الأولى.

الفصائل الفلسطينية

بين تاريخي 20 و28 مايو تمت مناقشة اتفاقية الفصل بين الأسد وكيسنجر، وخلال هذه المناقشات التي جرت توقفت المحادثات عدة مرات وكادت أن تفشل، ومن الأمور الهامة التي عرّضت المناقشات للفشل موضوع “التعهّد بالسماح أو عدم السماح للقوات شبه العسكرية بالعمل”، إذ إن كيسنجر قد اقترح بأن “يتعهّد الطرفان بالامتناع عن القيام بالأعمال العسكرية وشبه العسكرية”. وقال الأسد: “المقصود بشبه العسكرية الفلسطينيون، ونحن نرفض أن نمنعهم، وأن نلتزم عنهم، ولا أقبل بأن تتضمن الاتفاقية أي نص مماثل”.

لكن هذا البند كان عرفا غير مكتوب، إذ إن دمشق منعت أي نشاطات للفصائل الفلسطينية في الجولان.

ولعبت “القوات الدولية لفك الاشتباك” (أندوف) التي تضم 1250 جنديا بالتعاون مع الشرطة العسكرية والجيش السوري، دورا في تثبيت هذه الحيادية والتأكد من عدد السلاح ومنع وصول المسلحين. وبالفعل، بقيت جبهة الجولان هادئة وبقيت دمشق مستقرة لعقود.

تتألف الاتفاقية من وثيقة علنية، وخريطة، وبروتوكول يتعلق بوضع قوات الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدة رسائل سرية بين الولايات المتحدة والطرفين تتناول تفاصيل المشاورات حول وضع القوات. ووفقا للاتفاق، وافقت إسرائيل على الانسحاب من الشريط الذي احتلته خلال حرب أكتوبر، وكذلك من شريط ضيق حول القنيطرة.

المجلة

—————————

السلام عليكم!/ بكر صدقي

مع تسريب الخبر عن اجتماع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، في أبو ظبي قبل يومين، مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنعبي، يبدو أن الأمر قد تجاوز التكهنات إلى حركة متسارعة في اتجاه تطبيع العلاقات بين سلطة دمشق وإسرائيل في إطار ضم الأولى إلى اتفاقات أبراهام بإشراف الراعي الأمريكي. حركة تستثمر في ضعف السلطة وضعف سوريا عموماً بعد أربعة عشر عاماً من الحرب والحصار والعزلة الدولية الخانقة، أضيف إليها تحطيم ما تبقى من إمكاناتها العسكرية بواسطة آلة الحرب الإسرائيلية في الأسابيع الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد، وفي حاجة السلطة الجديدة إلى إرساء نظامها الجديد وإطلاق عملية إعادة إعمار تتطلب توظيف استثمارات ضخمة لن يكون الحصول عليها بلا ثمن. بل يمكننا من منظور اليوم أن نستنتج أن رفع العقوبات الأمريكية ورفع هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية والانفتاح الدبلوماسي على السلطة لم تكن بلا أثمان سياسية، وذلك حتى قبل أي حديث عن إعادة الإعمار وجعل دوران عجلة الاقتصاد ممكناً.

ومن حيث المبدأ ليس لأحد أن يتوقع أن تخوض سوريا، في شروطها القائمة وفي الأفق المنظور، حروباً ضد أي دولة، بصرف النظر عن الخوض في ضرورتها السياسية. فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بإسرائيل التي تمكنت، خلال أسابيع معدودة، من إلحاق هزيمة ماحقة بحزب الله اللبناني الذي كان، إلى ما قبل واقعة البيجر في شهر أيلول العام الماضي، يتصور أنه يتمتع بحالة من توازن الرعب مع إسرائيل، ويخوض ما أسماه بحرب إسناد لقطاع غزة. بل إنها ـ أي إسرائيل ـ قد خاضت حرباً ناجحة ضد إيران نفسها، قبل أسابيع، فألحقت بها خسائر فادحة في البنية التحتية لبرنامجها النووي وقامت باغتيال نخبة من قادتها العسكريين وخبرائها النوويين. لا يعقل إذن أن يتوقع أحد حرباً بين سوريا وإسرائيل في ظل خلل فادح في موازين القوى العسكرية وغير العسكرية. الأمر الذي حرص الشرع ووزير خارجيته على تأكيده منذ الأيام الأولى لاستلامهم السلطة في دمشق. فكانت تلك التصريحات والتطمينات مفهومة ومقبولة بل تحصيل حاصل أو تعبيراً عن بداهة لا تحتاج نقاشاً.

لكن هذا شيء والانخراط في «عملية سلام» شيء آخر، لا تحتاجه سوريا ولا هي قادرة عليه. فعملية السلام لا تقل صعوبة عن الحرب من حيث حاجتها إلى توازن قوى غير موجود، وإلا فلن يتجاوز الأمر «صفقة لا يمكنك رفضها» على ما كان يقول بطل رواية العراب فيتو كورليوني لمنافسيه وغرمائه حين يريد تهديدهم. فما هي الحوافز التي يمكن لحكومة نتنياهو أن تقدمها لسلطة دمشق لتشجيعها على إبرام اتفاق سلام في إطار اتفاقات أبراهام؟ ربما التوقف عن التمدد العسكري داخل الأراضي السورية، أو الانسحاب من قسم من المناطق التي احتلتها بعد الثامن من كانون الأول 2024، أو تقاسم هضبة الجولان المحتلة (ثلاثة أثلاث! على ما جاء في «تسريبات» استكشافية مؤخراً)…

كان رفض حافظ الأسد للسلام مع إسرائيل، فيما أطلق عليه حالة اللا سلم واللا حرب، استثماره الأهم للحفاظ على سلطته وتأبيدها من خلال التوريث، بما منحه ذلك من شرعية طالما افتقد إليها، وقوة ابتزازية تجاه الجوار الإقليمي، وتدخلاً فظاً في الشؤون الفلسطينية واللبنانية، وموقعاً تفاوضياً مع الدول الغربية فيما خص شؤون المنظمات الموصوفة بالإرهابية. فهل يكون انخراط الشرع في «السلام» الإسرائيلي والتطبيع استثماره للحفاظ على السلطة وإطالة أمدها لأطول فترة ممكنة؟ ربما هذا ما يظنه أو يظن أنه لا يملك ترف الاختيار والرفض بشأنه.

ذلك أن الشرع يدرك ولا بد هشاشة سلطته وشرعيته على رغم ما يظهر من تأييد واسع وغير مشروط من بيئات سنية لحكمه. فهذا التأييد المدفوع بنوع من نشوة استعادة «الأكثرية» لحقها «الطبيعي» في الحكم بعد أكثر من نصف قرن من «حكم الأقلية» على ما بدا لها نظام الأسد المتوحش، لا يمكن أن يستمر طويلاً بالنظر إلى أن السلطة لن تكون قادرة على إرضاء الجميع، وبخاصة فيما يمس حياتهم ومعاشهم في إطار رؤيتها الاقتصادية «السنغافورية» (ليبرالية متوحشة) التي تقوم على فرز طبقي حاد يهمش غالبية ساحقة مقابل إثراء نخبة صغيرة من المحظوظين. ومنذ اليوم بدأت بعض الفئات تتململ من إجراءات تعسفية على حسابهم.

والحال أن التحديات أمام شرعية سلطة دمشق لا تقتصر على نيل رضى غالبية سنية، بل هناك تحديات أكبر تتمثل في بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية مع الحصول على قبول من الكرد والعلويين والدروز والمسيحيين وملايين اللاجئين في مختلف دول العالم، والتوفيق بين دول داعمة لها اشتراطاتها ومصالحها وهواجسها، إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. كل ذلك والسلطة لا تملك ما تقدمه من حوافز لإرضاء هؤلاء غير بيع أصول الدولة وإمكاناتها، أي مزيداً من إضعاف مستقبل سوريا.

تحتاج السلطة لتخوض مغامرة سلام مع إسرائيل، إلى شرعية داخلية لا تملكها لأنها سلطة انتقالية. لكن هذا هو العائق الأسهل، لأن السوريين بغالبيتهم لن يثوروا ضدها وهم المنهكون والمكتوون بنار «الممانعة» طوال عقود. لكن العائق الأهم إنما يتمثل في ضعف سوريا بجميع المعاني العسكرية والاقتصادية والاجتماعية. فأي عملية سلام تحتاج من القوة والمنعة بأكثر مما تتطلبهما الحرب.

كاتب سوري

القدس العربي

————————

 تطبيع التطبيع وأمور أخرى/ عزمي بشارة

2025.07.03

لم تعد المجاهرة بالدعوة إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل تتطلّب جرأةً، أما نبرة التحدّي الزائفة المطلّة من غياب الحرج فتُفشي سوءَ توقيتٍ في ظروف التغوّل الإسرائيلي الأميركي في الإقليم الذي يُغني المستقوي به عن الجرأة والشجاعة غير الأدبية. إضافة إلى ذلك، تنمّ تبريرات هذا التأييد عن جهلٍ (أو استهبال) سادرٍ في وهمٍ مفادُه بأن التطبيع مع إسرائيل هو إكسير الحياة وحلّال الاستعصاءات الداخلية والخارجية.

لا سحر في العلاقات الدولية، ولا ترياق لقضايا المجتمع والاقتصاد؛ فعلاجها مرهونٌ بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية وطبيعة نظم الحكم وبنية المجتمعات وثقافة نخبها. ويعزّز الاندفاعُ نحو التطبيع قناعةً إسرائيلية مفادُها بأن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة؛ ما يشجّعها على الاستثمار فيها، والتمسّك بنهج الإملاءات في التعامل مع العرب.

يصحّ هذا كله من المنظور العملي البراغماتي؛ أي إذا حيّدنا الأخلاق جدلاً، مع أن تحييدها خطيئةٌ تجاه المجتمعات، حتى من الناحية العملية. ففي مراحل التغير والتطور السريع والاضطراب الاجتماعي الذي يرافقها، ليس ثمّة ما يفوق صمود الأخلاق العمومية أهمية، أو يعلو منزلة على المعايير المشتركة التي تقوم عليها الثقة المتبادلة بين الأفراد، وقدرتهم على توقّع سلوك الآخرين وردود فعلهم.

تُمارَس هذه الجرأة الزائفة في تكرار الكلام عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل في مشرقنا لتعويد الناس على الفكرة (تطبيع التطبيع)، فيما هم على مسافة صفر زماناً ومكاناً من اقتراف الإبادة. وفي الوقت الذي تصبح فيه قضية فلسطين رمزاً للعدالة وعنواناً لتمرّد الشباب في الغرب على التواطؤ مع الجريمة الإسرائيلية، كما تجلّى أخيراً في مهرجان غلاستونبيري، الذي رفرفت فيه أعلام فلسطين فوق مئات الآلاف من الشباب، جمهوراً ومؤدّين، يهتفون “الحرّية لفلسطين”، ويدينون الممارسات الإسرائيلية بنبرةٍ خاليةٍ من الاعتذار وتبرير الذات.

تلويث البيئة التواصلية المرئية والمسموعة بتكرار الكلام عن التطبيع مع إسرائيل، بالتزامن مع ارتكابها ما ترتكب من جرائم على مرأى ومسمع الجميع، هو محاولة في دفع الناس إلى تبليد مشاعرهم، والدوْس على قيمهم. وقد تفيد آثار هذه الصيرورة على مناعة الناس الأخلاقية في سياقات أخرى أيضاً.

يأتي هذا التحلّل الاحتفالي من الضوابط الأخلاقية بعد هزيمة إسرائيل ما يسمّى محور المقاومة، التي يفاخر بها بنيامين نتنياهو؛ إذ ينسب إلى نفسه دحْر حزب الله، والتخلّص من النظام السوري السابق. إنه لا يفعل ذلك لأغراض الدعاية الانتخابية الداخلية فحسب، بل لتذكير معارضي هذا المحور من العرب أيضاً بأن إسرائيل هي التي تحميهم وتقود المنطقة، وليس تحالف الأنظمة مع أميركا، ولا أوهام الديمقراطية عند من أيّدوا عملية التغيير في البلدان العربية من هذا المنطلق.

لا ترتبط عدالة قضيّة فلسطين بنُظمٍ حاكمة استترت بها وبالصراع مع إسرائيل. ولا يجوز أن يفوتَنا أن تلك الأنظمة استخدمت التمسّك بالصراع مع إسرائيل بوصفه أحد مصادر شرعيّتها بسبب عدالة قضية فلسطين ومركزية الصراع مع إسرائيل عند شعوبها، فعدالة الموقف من إسرائيل سابقةٌ على استخدامه، وهي التي جعلت هذا الاستخدام مُجدياً لمن مارسه.

حسبان بعض من عارضوا تلك الأنظمة (مع التشديد على كلمة بعض) أنه بانهيارها تصبح الدعوة إلى التحلّل من فلسطين سائغة يعني إمّا أنهم لم يؤمنوا يوماً بعدالة قضيتها وبضرورة الصراع مع إسرائيل، وإما أن معارضتهم هذه الأنظمة لم تكن مبدئيّة فعلاً. من عارض نظاماً مثل نظام الأسد لأنّه نظامٌ مستبد وظالم بحقّ شعبه لا لأسباب أخرى، كأسباب الذين عارضوا نظام الأسد وأعجبوا بنظام صدّام حسين، يفترَض أن يُعارض الظلم عموماً، بما في ذلك الظلم الاستعماري. من اتهم نظام الأسد بالتفريط بالجولان لا يُعقل أن يستخفّ بعد سقوط النظام بضم إسرائيل الجولان وباعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بهذا الضم؛ إلا إذا كان يعرف أنّ نظام الأسد لم يُفرّط بالجولان، وأنه يمكن أن يكون النظام دكتاتوريّاً مستبدّاً بغيضاً ومعادياً لإسرائيل فعلاً في الوقت ذاته. ولكن الموضوع برمّته لا يخصّه، فقد استخدم هذه التهمة جزافاً لأغراض التشهير السياسي فحسب، مع أن الطغيان تهمةٌ كافية، ولا يعوزها أن تُلصق بالدكتاتور تهمة العمالة لإسرائيل إمعاناً في تقبيحه. لكن يبدو أنه بالنسبة إلى البعض (البعض فقط من المبشّرين بالتطبيع) لم يكن أساس المشكلة في الطغيان، كما هو بالنسبة للشعب السوري فعلاً، بل في هوية الطاغية، ولا في احتلال الجولان أو التفريط بأرضٍ سورية، بل في أمور أخرى. ولم تكن المشكلة في الدوْس على حقوق الإنسان، إذ لا حساسية خاصة لديه تجاه هذا الموضوع. ولا سيّما أن ترامب، أول من اعترف بضم الجولان والقدس لإسرائيل، أعلن جهاراً نهاراً أن لا حساسية لديه تجاه حقوق الإنسان، ويمكن للنظم التي تعترف بزعامته العالمية أن تفعل ما تشاء داخل دولها.

(2)

كان جليّاً أنّ إسرائيل سوف تُهاجم إيران بعد تمكّنها من توجيه ضرباتٍ قاسيةٍ إلى حزب الله والمقاومة الفلسطينيّة في غزّة عموماً، وحركة حماس خصوصاً، وذلك بثمن حرب إبادة حقيقيّة شُنّت على الشعب الفلسطيني. كانت المسألة مسألة وقت. وقد تحكّمت الإدارة الأميركية بتوقيت الهجوم على إيران، فقد حاولت إخضاع إيران من دون اللجوء إلى الحرب. ونرجسية ترامب تدفعه إلى التصريح بما يشاء متوقّعاً أن تحصل أمورٌ بمجرّد إطلاق تصريحاته. وفي المقابل، حاول نتنياهو جاهداً، منذ بداية هذا العام، أن يُبكّر الهجوم كي لا تفوَّت فرصة فقدان إيران عنصر الردع الذي تمثل بالحلفاء المحيطين بإسرائيل. كان يعلم أن الخطابات الإيرانية وغير الإيرانية عن إزالة إسرائيل من الوجود ليست جوفاء وعقيمة وغير رادعة كالعادة فحسب، بل مفيدة له أيضاً للاستعطاف والتمسكن على الساحة الدولية وتسويق العدوان المخطّط له بوصفه دفاعياً ضد من يبغي إزالة إسرائيل من الوجود، ويعلن ذلك في كل مناسبة. ووقعت الحرب وانضمّت الولايات المتحدة كما خطّطت إسرائيل.

وقع الهجوم على إيران، الدولة المفترض أنّها في حالة استنفار وتأهّب منذ أربعة عقود. ومع ذلك، بانت رثاثة أمنها الداخلي وفداحة اختراقه، وهو موضوعٌ يطول شرح أسبابه. وعلى الرغم من الاختراق الأمني الواسع والتفوّق التكنولوجي الهائل المتمثل أساساً بسلاح الطيران المتقدّم والمزوّد بآخر تقنيات الذكاء الاصطناعي وأفتك الأسلحة، والذي يكاد يقسّم البشرية بين من يملكونه ومن لا يملكونه، لم يسقط النّظام الإيراني ولا انهارت الدولة. فلا إسرائيل كلية القدرة كما يصوّرها دعاة التطبيع، ولا هي هشّة سريعة الانكسار، أوهى من خيوط العنكبوت، كما يصوّرها التهريج الذي أَدلج ومَذْهبَ حتى لفظي الانتصار والهزيمة، فأعطبهما، وأخرجهما من التواصل العقلاني بين البشر.

تقف إيران في مواجهة معضلاتٍ حقيقيةٍ داخليةٍ وخارجية، والخيارات أمامها محيّرة: إعادة البناء التي تقتضي رفع الحصار من جهة، ومواصلة مشروعها النووي تحدّياً لمزاعم أميركا وإسرائيل في إخضاعها من جهة أخرى (هل يشكل توثيق العلاقة مع الصين وروسيا بديلاً فعليّاً من رفع العقوبات الأميركية والأوروبية؟ ربما)؛ ومواجهة الاختراق الأمني بتشديد القبضة الأمنية داخليّاً من جهة، وتقوية التيار الإصلاحي وتخفيف القبضة الأمنية والانفتاح على مجمل الشعب الإيراني الذي سوف تزداد ضغوطُه من جهة أخرى. وتقف حركات المقاومة منذ ما قبل “7 أكتوبر” أمام معضلاتٍ أخرى متعلقةٍ بفهمها إسرائيل ومجتمعاتها والدول العربية. كانت تعرف المعضلات، ولكنها عاشت حالة إنكار، وأصبحت الآن مضطرّة إلى مواجهتها. وجميعها قضايا يطول الشرح فيها.

ربما يرى الذين تعالت أصواتهم داعية إلى التطبيع مع إسرائيل أن فلسطين قضيّة إيران ومحور المقاومة حصريّاً، كما تدّعي إيران، وإسرائيل وأتباعها في دكاكين التحليل السياسي الأميركيّة في واشنطن، التي تصدّر موظفين إلى الخارجية الأميركية والبيت الأبيض، والتي تبشّر بأنه أزفت ساعة ضم دول عربية جديدة (“عظيمة” و”جميلة”، بتعابير ترامب) إلى معاهدات السلام المُسمّاة إبراهيميّة. فبدلاً من أن تعوق الحرب على غزّة المسيرة “الإبراهيمية”، فإنها سرّعتها في نظرهم؛ لأن القوة ببساطة تنفع، وثمّة عربٌ جاهزون لمكافأة إسرائيل على المقتلة والإبادة وجميع القبائح المرتكبة في غزّة، والتي لا عدّ ولا حصر لها.

غنيٌّ عن القول إن هذا ليس موقف الفلسطيني الذي تُحتل أرضه وشقيقاه الأردني واللبناني اللذين يخشيان ما ينتظر بلديْهما، والوطني السوري الذي تحتل إسرائيل أرضه، والعربي عموماً؛ المشرقي والمغربي، الذي لا يعجبه تغييب العرب في الإقليم، وتقاسم النفوذ في دوله بين دول إقليمية غير عربية، ويرفض أن يكون بلدُه وحكّامه خاضعين للهيمنة والعربدة في منطقة نفوذ لدولةٍ تتعامل مع المنطقة كلها بوصفها خطراً استراتيجياً، ولا تثق بأحدٍ إلا إذا اصبح عميلاً لها، وتؤمن بمنطق القوة لا غير. وقد قدّمت النموذج تلو الآخر على ثقافتها العنصرية ورؤيتها إلى العرب. الفلسطيني ابن الضفّة الغربيّة المتضامن تضامناً تامّاً مع شعبه في قطاع غزّة، مع أنه لا يتفق مع عمليّة حركة حماس في 7 أكتوبر، يعرف جيّداً أن الاستيطان في الضفّة يتوسّع بشكلٍ مذهل، وأنّ ضم أجزاء منها إلى دولة الاحتلال قادمٌ لا محالة ضمن سكرة القوّة الإسرائيليّة نفسها، والتواطؤ الأميركي الكامل معها، ودعوات التطبيع العربي التي تشجّع إسرائيل على ارتكاب ما يحلو لها.

من ناحية أخرى، غير الفلسطيني الرافض للتطبيع مع إسرائيل لا يقدّم مكرمةً إنسانيةً لشعب آخر ولا يتجاوز الوطنية إلى القومية العربية بالضرورة، مع أنه لا خطأ في ذلك بحدّ ذاته. فثمّة بعد وطني في هذا الموقف؛ في سوريّة، مثلاً، ثمة مسألة وطنية خالصة متعلّقة بوحدة الشعب السوري ووحدة أراضيه. ومن دون ذلك، يستحيل التفكير بمستقبل سورية؛ فهذه شروط ابتدائية لأي استقرار وازدهار اقتصادي. ولنضع الديمقراطيّة جانباً ونتحدّث عن بناء الدولة السوريّة الحديثة! لا يُمكن بناء دولة سوريّة حديثة من دون وطنيّة سوريّة تقوم على المواطنة السورية وتتجاوز التقسيمات السياسية الطائفية الدخيلة، ويُعزّز تماسكها الانتماء العربي لغالبيّة سكّانها، وكذلك الاعتراف بالهويّة القومية الكرديّة والعيش معها في ظل مواطنة متساوية ووطن سوري واحد.

أحد أهم عناصر ذلك كلّه الانتماء إلى الوطن السوري والتمسّك بسيادة الدولة وحدودها الترابيّة، وهذا يشمل هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل. فالتنازل عن ذلك ليس مسألة هامشيّة، بل إنه تعبيرٌ عن هشاشة الوطنيّة السوريّة، وهشاشة الانتماء إلى الوطن، وتقديم الطائفيّة السياسية والإقليمية الجهوية على الانتماء الوطني؛ وهي الرزايا التي تُعرقل بناء دولةٍ حديثةٍ في سورية والعراق ولبنان (ولا أرى أن أحداً سوف يقدم عليه، ولذلك يجري البحث عن بدائل لا تتطلب مثل هذا التنازل).

لا يمكن بناء سوريّة الحديثة على أساس تفضيل الولاءات الطائفيّة سياسيّاً على الانتماء الوطني وعلى المواطنة المتساوية في دولة حديثة. مسألة الدولة التي تثيرها الطائفية السياسية والعصبيات على أنواعها هي أساس مصيبة المشرق العربي، ولا سيما قوس العراق وسورية ولبنان المعوّل عليه في نهضة الشرق، والمنكوب بالطائفيات السياسية على أنواعها. تلك الطائفية السياسية التي تنتج الطوائف السياسية العابرة حدود الدولة الوطنية وتُضعفها من الداخل والخارج.

ليس على من يُفكّر بأنّ الصراع مع إسرائيل هو العائق أمام النمو الاقتصادي والازدهار إلا أن يتأمل قليلاً بالطرف المقابل في هذا الصراع، الذي يعيش حالة حربٍ متواصلة حتى بعد أن حقق سلاماً مع دولتين عربيتين وهدوءاً مستداماً على الحدود السورية. يزدهر اقتصاد إسرائيل على الرغم من الحروب التي تخوضها، وحوفظ على دولة مؤسّسات، وديمقراطية لليهود على الأقل. ولا تجد الدول المعادية عملاء في أجهزة دولة الاحتلال التي يصعُب اختراقها، لأن ثمّة إجماع على الأمن الوطني. توجد بالطبع مصالح متعدّدة متنافسة وصراعاتٌ لا حصر لها، ولكنها لا ترتفع فوق الأمن الوطني. يسهِّل البعض التحدّي المطروح بالقول إنّه الدعم الأميركي والتحالف مع الغرب. ولا شكّ في أن إسرائيل لن تصمُد في أي حرب أكثر من أسابيع معدودات من دون الدعم الأميركي، كما أن التبنّي الغربي لإسرائيل عنصر أساسي في قوتها. لكن الأساس هو حسم مسألة الدولة، وبناء دولة المؤسّسات الحديثة التي يتغلب الإجماع الذي تحظى به على الانتماءات الطائفيّة، وحتى على الاستقطاب الديني العلماني. على هذا الأساس، تُفيد المُساعدات الغربيّة، ومن دونها لا يُفيد المال أحداً، مثلما لم يفد في حالات عربية كثيرة.

من لا يكفيه إمعان النظر في حال الطرف الإسرائيلي في الصراع، تكفيه ملاحظة الطرف المصري في السلام، ومدى إسهام السلام مع إسرائيل في حل مشكلاته، أو مدى تضييقه الفجوة التكنولوجية بين مصر وإسرائيل. إسرائيل المُعسكرة التي تُحارب باستمرار تزدهر وتتقدّم؛ وتتوسّع الفجوة بينها وبين مصر التي لم تخض حرباً منذ عام 1973 والمتمسكة بمعاهدة السلام رغم المجازر التي تُرتكب بحق أشقائها الفلسطينيين قاب قوسين من حدودها، والتي كان يمكنها وقفها.

(3)

لا دعوة إلى الحرب هنا، فالحروب كارثة على الجميع، بل حديثٌ عن “مزايا” التطبيع المزعومة. ليس المطلوب من الدول العربيّة أن تُحارب إسرائيل بموجب توقيتٍ تُحدّده المقاومة الفلسطينية أو غيرها، ولا شنّ حروبٍ عموماً، بل يتوقع منها رفض الهيمنة الإسرائيلية، ومنعها من إبادة شعبٍ شقيق. وثمّة وسائل عديدة للقيام بذلك.

الحرب على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة قائمة منذ عام 1948، والدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل ليست دعوةً إلى السلام العادل الذي تقبل به شعوب المنطقة، بما فيها الشعب الفلسطيني، بل هي، في الحقيقة، دعوة إلى التحالف مع إسرائيل بوصفها طرفاً في هذه الحرب المتواصلة في غياب سلام عادل.

الدعوة إلى التطبيع، في الحقيقة، دعوة إلى التحالف مع إسرائيل بوصفها طرفاً في هذه الحرب المتواصلة في غياب سلام عادل

والمبتغى إدراك أنّ آخر ما تحتاجه المجتمعات العربيّة انهيار الأعراف والمعايير الأخلاقيّة التي تُنظّم التفاعل بين الناس في مجتمع متحضّر. بناء الأمّة على أساس المواطنة (من دون التخلي عن الهويّة القوميّة للأغلبيّة)، وبناء المؤسّسات الحديثة، ومحاربة الطائفيّة بأشكالها كافة، والتّخلّص من العقليّة المليشياويّة والفصائليّة القائمة على التعالي على المجتمعات الوطنية، والتعسّف والعداء للقانون وسيادة القانون، عوامل كفيلة بتحقيق الاستقرار والنهوض بالاقتصاد وكسب احترام العالم وفتح الأبواب للاستثمارات والتفاعل مع الدول الأخرى. يتطلب ذلك التمسّك بالسيادة على أراضٍ احتلتها إسرائيل بالقوة، واستشهد شباب الوطن دفاعاً عنها (شباب من الوطن العربي كله في حالة جبل الشيخ)، والتحلّي بالإيمان بالقضايا العادلة، والتمييز بين الدولة والوطن من جهة، والحكومة والسلطة المتغيرة من جهة أخرى، فالدولة والثوابت الوطنية لا تتقلب مع تعاقب السلطات. لا دولة من دون سلطة، ولكن من دون هذا التمييز بين السلطة والدولة لا تُبنى دولٌ حديثة.

تلفزيون سوريا

———————————–

سورية… سؤال التطبيع ومسألته/ مروان قبلان

09 يوليو 2025

فيما تضجّ وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية بكتاباتٍ تتحدّث عن لقاءات ومفاوضات إسرائيلية سورية (مباشرة وغير مباشرة)، تلوذ الإدارة السورية، كعادتها، بالصمت، تاركة الرأي العام السوري نهباً للتأويلات والتكهنات والشائعات، وبعضها يصل إلى حدود الخيال، كالطرح “العجيب” الذي نقلته شبكة 24 الإخبارية الإسرائيلية عن مقترح لتبادل أراض بين سورية وإسرائيل في الجولان وشمال لبنان! … يسري هذا النهج في انعدام الشفافية، وتجاهل الرأي العام السوري، على كل شيء تقريباً، من الصفقات التجارية الكبرى، إلى العلاقات الخارجية، ومن ضمنها الأثمان التي تقاضاها الأميركان لقاء رفع العقوبات، وتصنيف الإرهاب، عن سورية، إلى اتفاقات التسوية مع رموز النظام السابق، وغيرها. ولكن لموضوع التسوية مع إسرائيل حسابات مختلفة عند السوريين، لارتباطه بتاريخ بلادهم المعاصر، هويتها العربية، وترابها الوطني. ولولا أن المبعوث الأميركي توماس برّاك يتبرع أحياناً بإطلاعنا على بعض ما يدور في مسار(ات) التفاوض بين سورية وإسرائيل، لما عرفنا أين وصلت الأمور، وهي، بحسبه، تسير بسرعة. هذا لجهة الشكل. أما لجهة المضمون، فنحن أمام احتمالين، إما أن التعاطي مع قضية شائكة ومعقدة، مثل المفاوضات مع إسرائيل، يجري بشيء من البساطة والاستخفاف، شأن كل شيء آخر، أو أن الرأي العام السوري يتعرّض لعملية خداع ممنهج، بحيث يجد نفسه، في نهاية المطاف، أمام واقعٍ لا يملك حياله شيئاً.

تشير الرواية التي يمكن تركيبها من الشذرات التي تصل إلينا إلى أن الإدارة السورية تسعى حاليّاً إلى اتفاق أمني مع إسرائيل تنتزع بموجبه ثلاثة مطالب رئيسة: أولها، انسحاب إسرائيلي إلى حدود الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وعودة العمل باتفاق فصل القوات لعام 1974، وهو الاتفاق الذي أوقف القتال بين سورية وإسرائيل في حرب الاستنزاف التي تلت حرب تشرين (الأول)/ أكتوبر 1973، مع ترتيبات أمنية جديدة. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن يوم 11 ديسمبر/ كانون الأول 2024 (عقب ثلاثة أيام من سقوط نظام الأسد)، عن انسحاب إسرائيل من اتفاق فصل القوات (1974)، بحجّة انهيار الجيش السوري وعدم وجود طرف مقابل على الحدود لتنفيذه. وقد اتّخذت إسرائيل من ذلك ذريعة للتوغّل في الأراضي السورية، حيث احتلت كامل المنطقة العازلة، ومناطق أخرى، بمساحة اجمالية تصل إلى حوالي 600 كم مربع. ثانياً، أن توقف إسرائيل اعتداءاتها على الأراضي السورية، وهي بدأتها عام 2012، وتصاعدت في العامين الأخيرين (بعد عملية طوفان الأقصى)، وبلغت ذروتها بعد سقوط نظام الأسد، عندما شنّت إسرائيل واحدة من أكبر حملاتها الجوية ضد سورية ودمرت ما يقارب 85% من قدراتها العسكرية. ثالثاً، وهو المطلب الأكثر غرابة، انتزاع اعترافٍ من إسرائيل بوحدة الأراضي السورية، والكفّ عن محاولات تفتيتها من خلال دعم مكوّنات اجتماعية وسياسية سورية مختلفة وتشجيعها على الخروج عن سلطة دمشق.

السؤال الكبير هنا: لماذا تفعل إسرائيل ذلك، وبأي ثمن؟ في الظروف والأوضاع التي طرأت في المنطقة بعد “طوفان الأقصى”، لم تعد إسرائيل ترضى من الجانب السوري مجرّد حراسة الحدود، كما كان يفعل نظام الأسد نصف قرن. كما لم يعد، وفق موازين القوة الحالية، ممكناً، بالنسبة لإسرائيل، العودة إلى قواعد المفاوضات القديمة القائمة على مبدأ “الأمن/ السلام مقابل الأرض”، الذي انعقد على أساسه مؤتمر مدريد (1991)، أو مبدأ “التطبيع مقابل الأرض” الذي أقرّته مبادرة السلام العربية (2002). فإسرائيل، تشعر اليوم بفائض قوة غير مسبوق في تاريخ صراعها مع العرب، وصارت تعتمد شعار إدارة ترامب “السلام من خلال القوة”، وهي نفسها سياسة “السلام عبر الهيمنة” (Pax Americana)، التي تبنّتها واشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة.

المعروف، فوق ذلك، أن إسرائيل تعتمد تاريخيّاً سياسة احتلال أراض جديدة حتى تدفع خصمها إلى الإقرار بسيادتها على الأراضي التي احتلتها قبل ذلك. هذا ما حصل بعد حرب 1967، حيث سلّم العرب بسيادة إسرائيل على 78% من مساحة فلسطين التاريخية، التي احتُلت عام 1948، وصارت المفاوضات تجري على الأراضي الجديدة. بخصوص سورية، هذا يعني أن إسرائيل لن تنسحب إلى حدود 8 ديسمبر 2024 قبل إقرار دمشق بسيادتها على حدود 5 حزيران/ يونيو 1967. … هل تدرك السلطة السورية الجديدة ذلك، وهل هي مستعدة لقبوله؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي الوقوف عنده في كل الحديث الجاري عن التطبيع ومتعلّقاته.

العربي الجديد

—————————–

كل هذا الترويج لتطبيع سوري/ سميرة المسالمة

07 يوليو 2025

يتناقض السلوك الاستفزازي الإسرائيلي لسورية مع الترويج المتكرّر لاتفاقات سلام قريبة معها، فهذه التوغّلات والاعتداءات الإسرائيلية، التي تستهدف استقرار الدولة السورية وسيادتها، تقوّض الفرضيات عن قرب إقامة علاقات تطبيع كاملة، إسرائيلية سورية، وتربك المشهد السياسي في لحظة سياسية تستوجب التهدئة، ما يجعل هذه الاعتداءات تبدّد فرص السلام المحتمل، كما أنها تبدّد مقولة أن القيادة الانتقالية في سورية ذاهبة “حكماً” إلى دفع ثمن رفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على دمشق، بالانخراط في اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل لضمان أمن حدودها.

ومن البديهي، أيضاً، ألا ننساق وراء فكرة أن لهذه التوغّلات والاعتداءات علاقة بتوجيه ضربات استباقية، أو وقائية، تتحسّب لها إسرائيل من جهة سورية، إذ لم تتوان إسرائيل منذ لحظة تحرير سورية من نظام الأسد ومليشيات إيران، على متابعة تدمير البنية التحتية للجيش السوري، في الجغرافيا السورية كاملة، وهذا يشمل الأسلحة الجوية والبحرية والجوية كافّة، وحتى مستودعات السلاح، والمرافق اللوجستية.

على ذلك، تتوخّى إسرائيل من توغلاتها واعتداءاتها المتكرّرة في سورية (ولبنان أيضاً)، فرض نوع من واقع يطبّع مع مقولة أن ذراع إسرائيل طويلة، وقادرة أن تمتدّ أينما شاءت، من دون عواقب محتملة، وتالياً الرضوخ لطلب إسرائيل وجود عمق أمني في سورية (ولبنان)، يقدّر بعشرات الكيلومترات، إذ أعلن العديد من قادتها أن إسرائيل ستمنع وجود أي قواعد عسكرية سورية في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة. من هنا، يمكن فهم أن الحديث الإسرائيلي عن الجنوب السوري لا يهدف إلى توطين الأمن فيه بالمطالبة بجعله أعزل من السلاح، بقدر ما يبعث رسائل عديدة، منها إحباط قدرة السلطة المركزية على تحقيق وعودها لشعبها بالاستقرار والازدهار، على الرغم من أن الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، ووزير خارجيته أسعد الشيباني، أكّدا (مراراً وتكراراً) أن أولويات سورية ترسيخ السلم الاجتماعي، واستنهاض الاقتصاد، وإعادة الإعمار، وإخراج سورية من حال العزلة التي كانت تعيشها. أي إن وجود الجيش السوري، وسيادة الدولة في كلّ الجهات، لن يغيّر من أن الأولوية للسلام وليست للحرب، ما يعني أن الهدف من التوغّلات والتدخّلات الإسرائيلية، ليس الحماية الاستباقية لإسرائيل، بل إضعاف قدرة القيادة الانتقالية الجديدة على فرض سيادتها في مجمل الأراضي السورية، عبر مخاطبة النزعات الاستقلالية لدى أطرافٍ عديدة في سورية، في الجنوب والشمال الشرقي والساحل، بدعوى دفاع إسرائيل عن الأقلّيات الإثنية والدينية، فإسرائيل ترى أمنها في ضعف القوى المجاورة لها، لا عسكرياً فحسب، إذ تدرك تفوّقها بالسلاح الذاتي والمدعوم أميركياً ودولياً، ما يعني أنها تستهدف تمزيق المجتمعات إلى طوائف وقوميات، لضمان تخليق مثيلها في دول المشرق العربي، إذ ثمّة ديمقراطية توافقية في لبنان، وثمّة مثلها في العراق، لذا تحاول إسرائيل توظيف طاقتها السياسية والعسكرية كلّها كي تأخذ سورية إلى النموذج نفسه، أي شكل الديمقراطية التوافقية الطائفية والإثنية، وهي حتماً غير التي ينادي بها السوريون، لذا فهي تسخّر جهدها السياسي والعسكري والدبلوماسي للدفع في هذا الاتجاه.

ضمن هذا السياق، يبدو أن أولويات القيادة السياسية الابتعاد عن الدخول في ملفّات معقّدة، بالنظر إلى حاجتها إلى استعادة الأمان في سورية، ووضع البلد في سكّة التعافي من كلّ النواحي، وتالياً إيجاد نوع من الاجماع يستعيد الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ولهذا تركّزت التصريحات المقتضبة للقيادة السورية (منذ تولّيها) في أنهم غير معنيين بعداوات مع محيطهم، وإن سورية لن تكون منصّة لاستهداف إسرائيل من أي طرفٍ كان. أيضاً، لا يعني ما سبق، استبعاد عقد اتفاقيات أمنية بين الطرفَين، بل تكاد هذه تكون ضرورة لمنع الاعتداءات والتوغّل في الأراضي السورية، وهي حتماً قد تمهّد لعملية سلام شاملة، وهذه تختلف جوهرياً عن مسألة التطبيع مع إسرائيل، وهو ما أكّدته تصريحات رسمية أخيراً، وما جرى الحديث الرسمي عنه بهذا الخصوص، أمّا ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، فإن القول “بقبول سورية ما يقبل به الفلسطينيون، عبر منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلهم الشرعي والوحيد”، وهو ما أُكّد في زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس دمشق، حيث التقى فيها بالرئيس السوري الشرع، وهذا يندرج أيضاً ضمن سياسة مُعلَنة، هي عدم التدخل بشؤون الدول.

ولعلّ من المفيد التذكير بأن تصريحات المسؤولين السوريين أحالت مسألة التطبيع إلى التوافق العربي، الذي لا يبدو قريباً جدّاً كحال الشائعات المتداولة، فالسعودية رفضت السير في هذا الاتجاه قبل قبول إسرائيل إقامة دولة فلسطينية مستقلّة، مع حاشية إضافية سورية تتعلّق باشتراط عودة الجولان المحتلّ للسيادة السورية. فالمطالب السورية تركّز على عودة إسرائيل إلى حدود اتفاق وقف إطلاق النار (1974)، والخروج من المناطق العازلة، إضافة إلى بحث ترتيبات أمنية ومائية، سواء وفق مباحثات مباشرة أو عبر وسطاء، لتحقيق مناخ سلام قابل للاستثمار فيه، وترويج ما بعده، فحيث إن المعطيات الحالية للواقع الإقليمي برمتها جعلت الرئيس الأميركي دونالد ترامب (يُراهن على قدرته بإنجاز التطبيع العربي مع إسرائيل) يبدي على العلن “عدم يقينه من إمكانية التطبيع السوري الإسرائيلي”، ما يجعلنا نتساءل: على أي أساس تبني أذرع إسرائيل “الترويجية” فكرة التطبيع القريبة والمصافحة الممكنة؟

العربي الجديد

—————————–

الجولان أقوى عقبات المفاوضات السورية الإسرائيلية/ عمر كوش

07 يوليو 2025

تواترت في الآونة الماضية تصريحات مسؤولين إسرائيليين حول مفاوضات تجري بين سورية وإسرائيل من أجل التوصّل إلى اتفاق تطبيع بينهما، فرحب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بتطبيع العلاقات معها، مشترطاً الاحتفاظ بالجولان السوري المحتل، فيما ذهب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، إلى تأكيد وجود حوار مباشر، ويومي، وعلى كلّ المستويات بين إسرائيل والنظام السوري، زاعماً أنه يقود الحوار بنفسه، وأن دمشق مرشّحةٌ للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. وفي السياق نفسه، وردت تقاريرُ إعلاميةٌ عن مفاوضات غير مُعلَنة، يقودها وسطاء عرب وإقليميون، بين سورية وإسرائيل، تهدف إلى التوصّل إلى اتفاق محتمل بينهما، الأمر الذي يطرح السؤال عن ممكنات اتفاق سلام، يمهّد لتطبيع العلاقات بينهما.

ولا يُخفي الجانب الرسمي السوري رغبته، التي أبداها في أكثر من مناسبة، بفتح صفحة جديدة مع إسرائيل، لأنه يرى في ذلك مدخلاً لاكتساب مزيد من الدعم الأميركي من جهة، ويجد من مصلحته تحييد الخطر الإسرائيلي على نظامه وبلاده، من جهة أخرى، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين التقى الرئيس أحمد الشرع (مايو/ أيار الماضي) في الرياض، حثّه على التطبيع مع إسرائيل. وبالتالي؛ فإن قراره رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سورية لم يكن مجاناً، بل تحدّثت الإدارة الأميركية علناً عن شروط مقابلة، منها أن تتخذ الحكومة السورية خطوات جدّية نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقد يشمل ذلك مبدئياً السعي إلى توقيع اتفاق عدم اعتداء بين البلدَين، ثمّ انضمام سورية، في نهاية المطاف، إلى “اتفاقات أبرهام”، على غرار الإمارات والمغرب والبحرين والسودان. وسبق أن كشف الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، خلال لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، عن مفاوضاتٍ غير مباشرة تجري بين سورية وإسرائيل، يقودها وسطاء، بغية “تهدئة الأوضاع وعدم فقدان السيطرة”.

يبدو، وسط هذا المشهد المتسارع والضبابي، أنّ ثمّة مؤشّرات تشي بأن زيادة وتيرة المفاوضات بين الطرفَين قد تمهّد الطريق للتوصّل إلى اتفاق تسوية بينهما، في ظل حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سعيه إلى توسيع مروحة الدول الموقّعة على الاتفاقات الإبراهيمية. إضافة إلى أن المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، ذهب إلى القول إنّ واشنطن ستصدر في وقت قريب “إعلاناً هاماً” بشأن انضمام دول في المنطقة إلى اتفاقات التطبيع مع إسرائيل، لذلك لم تتأخّر الحكومة الإسرائيلية في إرسال وزير الشؤون الاستراتيجية، رون ديرمر، إلى واشنطن لمناقشة تفاصيل التوسيع المحتمل لهذه الاتفاقات. والأرجح أن يناقش بنيامين نتنياهو في واشنطن مع الرئيس ترامب ليس احتمال التوصل إلى اتفاق تبادل أسرى وهدنة طويلة في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزّة فحسب، بل أيضاً حيثيات ضمّ دول جديدة إلى اتفاقات التطبيع، في إطار صفقة محتملة، تخصّ مستقبل نتنياهو السياسي، ويجري فيها مقايضة وقف المحاكمات القضائية التي تلاحقه، مقابل موافقته على وقف الحرب على غزّة، واستكمال الاتفاقيات الإبراهيمية، الأمر الذي يفسّر أن أوساط اليمين الإسرائيلي باتت تقرن أخيراً خطاب الانتصار والإنجازات التي تحقّقت وممكنات استغلالها سياسياً، بوصفها فرصةً لتغيير وجه المنطقة.

المعوقات والدوافع

يتقاطع حديث التطبيع بين سورية وإسرائيل مع قضايا جيوسياسية وتاريخية ووطنية، يمكن أن يعرقل بعضها انضمام سورية إلى اتفاقات التطبيع، فيما يدفع بعض آخر نحو التوصّل إلى اتفاق مع إسرائيل، التي ما يزال معظم السوريين يرفضون التطبيع معها، على الرغم من تطلّعهم إلى الاستقرار من أجل النهوض ببلادهم، وإعادة إعمار ما دمّره نظام الأسد، كما أن الإدارة الجديدة تتصرّف بواقعية حيال الوضع في داخل البلاد، لذلك تسعى إلى تبريد الصراعات في مختلف الجبهات، بالنظر إلى حاجتها إلى التوازن الداخلي، ومنع الصدامات مع الخارج. وبالتالي؛ هي معنية بوقف التوغّلات والاحتلالات والغارات الجوية الإسرائيلية على سورية، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد المخلوع في ديسمبر/ كانون الأول 2024، والتوصّل إلى ترتيباتٍ أمنية في المنطقة الجنوبية، إلى جانب تقديم ضمانات ودعم أميركي لها.

تعدّ مسألة الموافقة المطلوبة من الإدارة السورية على بقاء الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي من أبرز معرقلات التوصّل إلى اتفاق مع إسرائيل، لأنها مسألة سورية وطنية، ولا يمكن للحكومة السورية الانتقالية التخلّي عنها، خصوصاً في غياب المؤسّسات التي يمكنها المصادقة على أيّ اتفاق مصيري، مثل مجلس الشعب المنتخب، والمحكمة الدستورية العليا، لذلك تبرز الحاجة إلى مقاربة سورية واضحة وناضجة، وتُعبّر عن رؤية وطنية، تضع في أولوياتها الثوابت الوطنية، وفي مقدّمتها استعادة الجولان المحتل، ولا يمنع ذلك من التركيز على تفاهم أو اتفاقية أمنية بوساطة إقليمية ودولية، يفضي إلى العودة إلى اتفاق فضّ الاشتباك الذي وقع عام 1974. وفي هذا السياق، يطرح بعض السوريين التفاوض حول اتفاقية عدم اعتداء، بما يعني التوصّل إلى اتفاق ينهي حالة الحرب، من دون تبادل دبلوماسي رسمي، وترك موضوع اتفاقية السلام ومصير الجولان للمستقبل.

حروب ومفاوضات

خاضت سورية، في إطار الصراع العربي الإسرائيلي، ثلاثة حروب مع إسرائيل، بدأت من حرب 1948، ثمّ حرب 5 حزيران عام 1967، وانتهت مع حرب 6 تشرين (الأول) 1973، إلى جانب اشتباكات ومعارك متقطعة خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وانتهت الأولى باتفاقات هدنة 1949، والثالثة باتفاقية فض الاشتباك 1974، أما الثانية فانتهت باحتلال إسرائيل مرتفعات الجولان.

تقع المرتفعات في جنوب غربي سورية، ومساحتها حوالى ألف و200 كيلومتر، وتتميّز بأهمية استراتيجية أكبر بكثير من حجمها، نظراً إلى أن طبيعتها الجغرافية وموقعها المرتفع يمنحان المسيطر عليها موقعاً متميّزاً بين سورية والأراضي الفلسطينية المحتلة. ومع احتلال إسرائيل الجزء الأكبر من مرتفعات الجولان نزح القسم الأكبر من سكّانها إلى الداخل السوري. ثمّ وقّع نظام حافظ الأسد في عام 1974 اتفاقاً لفكّ الاشتباك مع إسرائيل، نصّ على إنشاء منطقة عازلة بين القوات الإسرائيلية في الجزء الغربي من الجولان، والقوات السورية في الجزء الشرقي. وبعده ساد الهدوء في المنطقة الحدودية، حين تحوّل نظام الأسد بنسختيه، الأب والابن، إلى حارس حدود لإسرائيل. ومع ذلك، قامت إسرائيل بضمّ الجولان المحتلّ من جانب واحد في عام 1981. وعقب سقوط نظام الأسد، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن اتفاقية فض الاشتباك قد انهارت، وأمر قواته بالتوغل واحتلال المنطقة العازلة.

وقد بنى نظام الأسد الأب إحدى ركائز سردية استمراره في السلطة على مطالبته باستعادة الجولان المحتلّ، وقدم نفسه نظاماً مقاوماً لإسرائيل، لكن هذه السردية انهارت بعد اندلاع الثورة السورية في منتصف مارس/ آذار 2011، حين ربط رموزٌ في النظام أمنه بأمن إسرائيل، ووجّهوا أسلحة جيشهم نحو صدور السوريين.

وشكلت مسألة استعادة الجولان المحتل محور المفاوضات السورية الإسرائيلية منذ انطلاقها رسمياً بين الجانبَين في مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، بعد حرب الخليج الثانية في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1991. وترأس الوفد السوري وزير الخارجية الأسبق، فاروق الشرع، فيما ترأس الوفد الإسرائيلي رئيس الوزراء في ذلك الوقت، إسحق شامير، واتفق على إطار رسمي للتفاوض بين إسرائيل والدول العربية. وبعد حوالى شهرَين من المؤتمر، جرت في واشنطن محادثات بين ممثّلين إسرائيليين وسوريين، لكنها لم تحرز أيَّ تقدّم في ظلّ فجوة كبيرة بين مواقف الجانبَين. وبقيت الحال كذلك حتى رحيل حكومة شامير في منتصف 1992، ووصول إسحق رابين رئيساً لوزراء إسرائيل، فأعطيت المفاوضات دفعاً جديداً في ظلّ رعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون، إذ زار رابين في سبتمبر/ أيلول 1992 الولايات المتحدة، وأعلن استعداده للتباحث مع دمشق بشأن مستقبل هضبة الجولان. ثمّ بعد فترة من الجمود، عاد رابين وقدّم عرضاً علنياً للسلام مع سورية، مقترحاً انسحاباً على مراحل من الجولان على شاكلة الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، مطلقاً عبارته الشهيرة “عمق الانسحاب كعمق السّلام”، أمّا في 1993 فتعهّد رابين بالانسحاب الكامل من الجولان مقابل تطبيع العلاقات وترتيبات أمنية، ما اعتبر نقطة التحوّل في المفاوضات. وعرف هذا التعهّد الشفهي بـ”وديعة رابين”، التي تضمّنت “القبول بالانسحاب إلى ما وراء خطّ الرابع من يونيو/ حزيران 1967. في أعقاب ذلك، استضافت مدينة واي بلانتيشن في ولاية مريلاند الأميركية أربع جولات من المفاوضات، بين 27 ديسمبر 1995 و19 فبراير/ شباط 1996، إلّا أن رفض الطرف الإسرائيلي الانسحاب الكامل، والخلافات التي ظهرت بشأن خط الانسحاب، والترتيبات الأمنية، حالت جميعها دون تحقيق أيّ نتيجة تُذكر.

تلقّت مفاوضات السلام بين سورية وإسرائيل ضربةً قاصمةً جرّاء اغتيال رابين في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1995 على يد متطرّف يهودي معادٍ لمفاوضات السّلام، إلى جانب فوز اليمين الإسرائيلي بزعامة نتنياهو في الانتخابات العامّة في مايو/ أيار 1996، الذي قدّم برنامجاً نصّ على “أن أي اتفاق مع سورية يجب أن يرتكز إلى السيادة الإسرائيلية في الجولان”. وفي 8 ديسمبر 1999، أعلن بيل كلينتون استئناف مفاوضات السلام بين إسرائيل وسورية “انطلاقاً من النقطة التي توقفت عندها” من دون أن يحدّد ما هي هذه النقطة، وذلك بعد أن انتخب رئيس حزب العمل، إيهود باراك، رئيساً للوزراء في إسرائيل في مايو/ أيار من العام نفسه.

بدأت في يناير/ كانون الثاني 2000، جولات مفاوضات ماراثونية بين الوفدَين السوري والإسرائيلي في مدينة شبردزتاون الأميركية في ولاية فيرجينيا، أشرف عليها الرئيس كلينتون ووزيرة خارجيته، مادلين أولبرايت، فيما تولى كلّ من إيهود باراك وفاروق الشرع تمثيل دولتيهما في جولات التفاوض. لكن المفاوضات سرعان ما توقّفت بعد أسبوع إثر اصطدامها بمسألة ترسيم الخط الحدودي بين الجانبَين، إذ وافق باراك على الانسحاب حتى خط الحدود الدولية لعام 1923 مع إزاحة هذا الخط غرباً، كي يمرّ على بعد عشرة أمتار من الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية، إلّا أن الطرف السوري رفض العرض. وعلى الرغم من محاولة كلينتون تقريب وجهات النظر خلال اجتماعه في جنيف مع حافظ الأسد في 27 مارس/ آذار 2000، إلّا أنه لم يحرز تقدّماً. وفي 7 فبراير/ شباط 2001، أعلن بشّار الأسد، الذي ورث الرئاسة بعد وفاة والده، في 10 يونيو/ حزيران 2000 استعداده لاستئناف المفاوضات مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، أرييل شارون. وعلى الرغم من تكرار عرضه التفاوضي في ديسمبر/ كانون الأول 2004، إلّا أنه لم يلق أيَّ تجاوب إسرائيلي. ثم كشف بشّار الأسد في 24 إبريل/ نيسان 2008 وجود وساطة تركية تعمل منذ 2007 على استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل. ولم يتأخّر رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، إيهود أولمرت، في تأكيد ذلك بطريقة غير مباشرة. ونجحت الوساطة التركية في عقد خمس جولات تفاوض بين سورية وإسرائيل خلال عام 2008، تناولت المسائل الحساسة والمهمّة العالقة بين الطرفَين، وشملت ترتيبات الأمن وعلاقات السلام، ومسألة ترسيم الحدود وجدولة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان، وملف المياه، لكنها لم تثمر شيئاً.

خاتمة

لم تفلح المفاوضات خلال فترة حكم نظام الأسد، بنسختَيه؛ الأب والابن، في التوصّل إلى حلّ للخلافات بشأن حجم الانسحاب من الجولان والترتيبات الأمنية والسماح بوجود سوريّ عند بحيرة طبرية. والأرجح أن نظام الأسد لم يكن مستعداً للسلام، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فتحطّمت جولات المفاوضات كلّها على صخور هضبة الجولان، ولعلّ الأمر ينسحب أيضاً على المفاوضات الجديدة التي تجري بطريقة غير مباشرة منذ فترة بين الحكومة السورية الجديدة وحكومة نتنياهو. ولا تستطيع الحكومة الانتقالية التفريط بسيادة سورية وحقّها في المحافظة على حدودها الترابية، بما يشمل مرتفعات الجولان المحتلة، بوصفها جزءاً منها، وتتجاوز التصنيفات والتقسيمات كلّها. وبالتالي؛ لا يحقّ لأي حكومة انتقالية التنازل عنها، لذلك من المرجّح أن تلجأ الإدارة الجديدة إلى التفاوض مع إسرائيل على ترتيبات تعيد الأمور إلى ما قبل 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، كي تلتفت إلى إعادة بناء الدولة السورية، التي دمّرها نظام الأسد البائد.

العربي الجدبد

 التحدي الإسرائيلي: سوريا بين استكمال الرؤية الإستراتيجية وتفادي الصدام/ عبد الوهاب عاصي

ليست هناك خطة سورية جاهزة ومتكاملة لمواجهة التحدي الإسرائيلي؛ بسبب الانشغال في الملفات الداخلية واستعادة العلاقات الدولية، لكن لدى دمشق توجه واضح لتفادي الصدام مع إسرائيل، لأن أي تصعيد مع إسرائيل سيعرقل تقدم سوريا نحو التعافي.

6 يوليو 2025

مقدمة

تواجه سوريا تحديًا إسرائيليًّا كبيرًا منذ سقوط نظام الأسد، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبات هذا التحدي أكثر صعوبة بعد اندلاع الحرب المباشرة بين إسرائيل وإيران، في 13 يونيو/حزيران 2025، فقد ورثت سوريا وضعية معقدة على الحدود مع الجولان المحتل، وكانت الهجمات الإسرائيلية تتوالى عليها وتستهدفها بل وتستهدف أكثر حلفاء نظام الأسد هناك. ورغم تغير الحكم استمرت إسرائيل بضرباتها الجوية، وتوغلت لأول مرة خارج مناطق اتفاق فك الاشتباك (1974)، وتدخلت في الشأن الداخلي لاسيما فيما يتعلق بمحاولة احتضان “الدروز”.

استلمت المعارضة السورية المسلحة، بقيادة هيئة تحرير الشام، دولة منهارة القوى الاقتصادية والعسكرية والأمنية، وأعلنت أنها لا تريد أي مواجهة مع إسرائيل، ولا تريد أن تكون جزءًا من أي تهديد عسكري وأمني ضدها؛ ومع ذلك سارعت إسرائيل لتنفيذ عملية عسكرية هي الأوسع بتاريخها في سوريا حملت اسم “سهم باشان”، وشملت 350 غارة جوية، نتج عنها تدمير 80% من البِنْية التحتية العسكرية الإستراتيجية في سوريا. وسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ليعلن انهيار اتفاق فك الاشتباك، وأعطى أوامر للسيطرة على المنطقة العازلة؛ حيث توغل فيها جيش الاحتلال بغضون 6 أشهر وأقام فيها 12 نقطة عسكرية، 10 منها في المنطقة الفاصلة و2 في محيط خط برافو، وبين هذه النقاط قمة الحرمون، أعلى قمة في جبل الشيخ، المشرفة على العاصمة دمشق.

أولًا: الإجراءات السورية بمواجهة التحدي الإسرائيلي

تُسيطر إسرائيل في الوقت الراهن، وبحكم الأمر الواقع، على محافظة القنيطرة، إحدى المحافظات السورية الثلاث (درعا والسويداء) المحاذية لإسرائيل، بعدما توغل جيش الاحتلال في كامل منطقة فك الاشتباك، وبدأ يتمدد خارجها، وصرَّح وزير الدفاع، إسرائيل كاتس، أكثر من مرة بأن الاحتلال سيبقى في المنطقة العازلة إلى أجل غير مسمى، فيما يبدو أن إسرائيل تتصرف كما لو أن اتفاق 1974 لم يعد قائمًا؛ مما يضع الحكومة السورية أمام تحدي استعادة الشرعية الدولية للاتفاق، لاسيما أن البعثة الأممية المسؤولة عن مراقبة وقف إطلاق النار، “إندوف”، (UNDOF) تبدو حاليًّا ضعيفة فلا يمتلك عناصرها الخبرة الاحترافية الكافية كما كانت عليه من قبل؛ مما سهَّل على القوات الإسرائيلية تجاوز القوة الأممية والتعامل معها كأنها غير موجودة.

لا يقف التهديد الإسرائيلي عند تقويضه لاتفاق فك الاشتباك بل يتعداه إلى مخاوف من استمرار التوغل لكامل الجنوب السوري، لاسيما أن نتنياهو دعا لجعل هذه المنطقة خالية من السلاح ومن هيئة تحرير الشام، بالتوازي مع بدء قوات الاحتلال التوغل فعلًا في مناطق متقدمة من محافظتي درعا وريف دمشق، وإحداثها مواقع قيادية عسكرية في 12 نقطة تمكِّنها من السيطرة النارية على عمق 70 كم في الجنوب ومنع أي طرف من كشف المواقع الإسرائيلية. وقد تزداد هذه الأخطار ما بعد الحرب مع إيران، لاسيما إن لم تستجب الحكومة السورية لشروطها، فتوسِّع إسرائيل وتزيد من نشاطها في المناطق الحدودية ومن تدخلها في الشأن السوري. تبدو إسرائيل مستعدة لهذا السيناريو حيث نشرت في المواقع المتقدمة التي أنشأتها وحدات عسكرية للاضطلاع بمهام جديدة على الحدود مع سوريا أبرزها: الفرقة فارا، والوحدة الاستخباراتية التابعة للواء الجولان 474، ولواء هحاريم (لواء الجبال)، فضلًا عن نشرها لوحدة الكوماندوز (شلداغ). ثمّة تحدٍّ آخر يواجه الحكومة السورية، بسيطرة إسرائيل أثناء توغلها العسكري جنوبي سوريا على أبرز المسطحات المائية والسدود مثل المطرة والشيح حسين وسحم والوحدة وكودنا ورويحينة وبريقة؛ حيث باتت تُهدد فعليًّا الأمن المائي والغذائي السوري، وقد اتهمت دمشق، في جلسة مجلس الأمن بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2025، إسرائيل بسرقة الموارد المائية وتحويل مسارات الأنهار(1).

تُواجه سوريا أيضًا مشكلة غياب الردع؛ فإسرائيل دمَّرت معظم الأصول العسكرية السورية في عملية سهم باشان، والحكومة الجديدة استلمت بنية تحتية عسكرية دمَّرتها الحرب خلال 14 عامًا، وقد تعرضت لضربات إسرائيلية متوالية؛ حيث شنَّت قرابة 80 غارة جوية وبرية خلال النصف الأول من عام 2025، وهو رقم يبلغ ضعف عدد الغارات تقريبًا التي كانت قد شنَّتها على سوريا خلال النصف الأول من عام 2024 إبَّان حكم نظام الأسد. كما أنَّ دمشق باتت مهددة ناريًّا بعد سيطرة جيش الاحتلال على أعلى قمة في جبل الشيخ، وقد يصبح هذا التهديد أكثر جدية ما بعد الحرب على إيران، لاسيما إن لم تستجب الحكومة السورية لشروطها، فتوسِّع إسرائيل وتزيد من نشاطها في المناطق الحدودية ومن تدخلها في الشأن السوري(2). لقد أبدت سوريا قلقًا أيضًا من حديث إسرائيل المتكرر عن دعم الدروز، والذي فضلًا عن كونه تدخلًا في الشأن الداخلي للبلاد حمل تهديدًا بالتقسيم، فوزير الخارجية، جدعون ساعر، قال، في فبراير/شباط: إن سوريا لا يُمكن أن تكون إلا فيدرالية تشمل حكمًا ذاتيًّا مختلفًا. ويبدو أن مساعي إسرائيل في هذا الصدد ترتبط بمخاوف من هوية الحكم الجديد في سوريا الذي تَعُدُّه إسلاميًّا، ومرتبطًا بتركيا، فهي لا تريد أن يتجدد التهديد على حدودها بصيغة أخرى بعدما كان مصدره “نظام الأسد” المرتبط بإيران.

بموازاة ذلك، ليست هناك خطة سورية متكاملة وواضحة المعالم لمواجهة التحدي الإسرائيلي؛ بسبب الانشغال في الملفات الداخلية واستعادة العلاقات الدولية ورفع العقوبات الاقتصادية ومحاولة تحسين الوضع المعيشي والخدمي وضبط الواقع الأمني في البلاد. لكن اتخذت السلطات السورية بعض الخطوات لمنع أي تصعيد محتمل مع إسرائيل؛ كونه سيؤثر على تثبيت الحكم الجديد. وقد شملت تلك الإجراءات سحب السلاح الثقيل التزامًا باتفاقية فصل القوات بعدما قام “نظام الأسد” بإعادة نشره على الحدود ضمن خط برافو من المنطقة العازلة بدعوى محاربة المعارضة المسلحة، دون أن تبدي إسرائيل حينها أي رد فعل تجاه ذلك الخرق، كما قامت السلطات السورية الجديدة بسحب السلاح الثقيل الموجود في العمق أيضًا، وأعادت إنشاء نقاط وحواجز للشرطة على عمق 10 كم من خط وقف إطلاق النار لتكون مسؤولة عن عمليات التفتيش وجمع السلاح غير المنضبط الموجود مع السكان المحليين وضمان عدم وقوع أي أنشطة عسكرية في المنطقة، فضلًا عن تنفيذ عمليات أمنية بهدف ملاحقة قادة المجموعات المسلحة الذين كانوا مرتبطين بالنظام وإيران وحزب الله(3).

لم تنشر الحكومة السورية قواتها العسكرية جنوب سوريا بالقوام الذي كان موجودًا سابقًا؛ حيث أسست فقط الفرقة 40، ووزعت قواتها ضمن بعض المعسكرات الموجودة سابقًا، باستثناء معسكرات اللواء 90 التي انتشرت فيها إسرائيل خلال توغلاتها لتستفيد منها كونها مُعَدَّة على شكل مفارز حراسة. إن قيام سوريا بهذه الخطوة يعود لأسباب مختلفة منها عدم كفاية التسليح ونوعيته ولتدمير إسرائيل كافة الأصول العسكرية للنظام السابق في المنطقة، ولأن الحكومة الجديدة لا تريد أن تظهر بأنها تعمل على تأسيس تجمع عسكري في الجنوب وهو ما قد يدحض ادعاءاتها بعدم وجود نوايا لاستعداء أي دولة، لاسيما إسرائيل(4). بالمقابل، قامت الحكومة بإلحاق قوات حرس الحدود إلى وزارة الداخلية، وهو إجراء غير اعتيادي في تاريخ سوريا، ويبدو أنه يهدف لتعويض خطوة الحكومة بشأن عدم نشر قواتها العسكرية بالقوام الكامل جنوب البلاد، رغم أن قوات حرس الحدود لم تُنشَر إلى الآن على الحدود مع الجولان المحتل أو على خطوط التَّماس مع جيش الاحتلال بالمناطق التي توغَّل فيها.

من جانب آخر، حافظت سوريا على الإجراء الاعتيادي الذي كان قائمًا قبل سقوط النظام بإرسال شكاوى وتنديد إلى مجلس الأمن بشأن استمرار الغارات الإسرائيلية على سوريا والتوغلات البرية الجديدة وتهديدها للأمن المائي في البلاد، فضلًا عن إصدار بيانات إدانة مكررة من الخارجية والرئاسة أبرزها ما جاء بعد قصف إسرائيل للقصر الرئاسي، مطلع مايو/أيار 2025، والذي عدَّته دمشق انتهاكًا لسيادة البلاد وتصعيدًا خطيرًا يهدف إلى زعزعة الاستقرار فيها، وتدخلًا في الشأن الداخلي. وقد جاءت الضربة بعد توترات في ضواحي دمشق التي تسكنها “الطائفة الدرزية” مثل جرمانا وصحنايا، وأصدرت إسرائيل حينها بيانًا قالت فيه إن الضربة كانت رسالة واضحة إلى دمشق بأنها لن تسمح بأي تهديد للطائفة الدرزية التي تتعهد بحمايتها(5).

يبدو أن خطة الحكومة لمنع تدخل إسرائيل في الشأن الداخلي تقوم على احتواء “الأقليات” والحرص على عدم حصول أي تصعيد معهم سواءً كان ذلك تجاه الدروز أو الأكراد، دون منحهم امتيازات خاصة تقود إلى المحاصصة في البلاد، وذلك إلى حين التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل. تشترط الحكومة السورية أن تكون أي مفاوضات مع إسرائيل قائمة على ضمان عدم التدخل في شؤونها الداخلية ومنع أي مساعٍ لتقسيم سوريا. إن تدخُّل إسرائيل في الشأن الداخلي لم يقتصر على التواصل مع الأقليات ومحاولة احتضانهم، بل شمل التواصل مع المجتمع المحلي في محافظتي القنيطرة ودرعا؛ مما دفع الحكومة إلى تشكيل وفد عسكري والدخول في “مفاوضات مباشرة” مع إسرائيل تهدف إلى حماية المجتمع المحلي، وإدخال قوات الأمم المتحدة لتكون وسيطًا في المفاوضات الميدانية التي تهدف إلى ثني إسرائيل عن قطع الطرقات وتنفيذ الاعتقالات وتضييق الخدمات على السكان والتواصل معهم(6).

ثانيًا: تصور الحكم الجديد للتحدي الإسرائيلي

تحدَّث الشرع منذ سقوط نظام الأسد أكثر من مرة عن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، مقدِّمًا تصور الحكم الجديد بشأن ذلك؛ حيث صرَّح، في 14 ديسمبر/كانون الأول 2024، بأن سوريا ليست بصدد الخوض في صراع مع إسرائيل(7). وفي 14 مارس/آذار، دعا خلال حضوره القمة العربية الطارئة إلى العودة لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974(8)، وفي أول زيارة رسمية له إلى أوروبا بعد تولِّيه الرئاسة، أعلن في لقائه مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في 7 مايو/أيار، عن وجود مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء بهدف تهدئة الأوضاع وعدم خروجها عن السيطرة(9).

تقوم رؤية الشرع تجاه إسرائيل على تجنُّب خوض صراع معها، والالتزام بالدبلوماسية، والدفع باتجاه العودة لاتفاقية فض الاشتباك، أو حتى الانخراط المشروط في توقيع اتفاقية سلام؛ فقد أخبر الشرع عضوًا في الكونغرس الأميركي لدى زيارته دمشق، في 24 أبريل/نيسان، بأنَّ سوريا مهتمة بالانضمام لاتفاقيات أبراهام حين تتوافر الظروف المناسبة لذلك(10)، وهو خيار تدفع نحوه الولايات المتحدة؛ حيث صرَّح الرئيس دونالد ترامب بأنَّه أخبر الشرع أثناء اللقاء الذي جمعهم في العاصمة، الرياض، في 14 مايو/أيار، برغبته في انضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام(11).

لا يوجد بعدُ التزامٌ صريح من دمشق بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، باستثناء أنها تجاوزت المفاوضات غير المباشرة معها، والتي جرت عبر وسطاء، منهم الإمارات وتركيا وأذربيجان، لتدخل في مفاوضات مباشرة تقول إسرائيل إن هدفها التوصُّل إلى نموذج “الاتفاقيات الإبراهيمية”(12)، لكن يبدو أنها لا تزال في إطار مساعي الوصول لاتفاقية أمنية جديدة، باعتبار أنَّ نتنياهو طلب من الولايات المتحدة التدخل في وساطة مع سوريا من أجل العمل للتوصل إلى اتفاق سلام شامل(13).

لتجنب خوض صراع مع إسرائيل، يعمل الشرع خطوة بخطوة على خلق بيئة خالية من النزاع، من خلال الالتزام بالقانون الدولي وعدم إظهار أي خرق لاتفاق فض الاشتباك، إضافة إلى خفض الوجود السوري العسكري جنوبًا، مع زيادة النشاط الرسمي الأمني في المنطقة، لجمع السلاح “غير المنضبط” كي لا يتم استغلاله لتوريط سوريا، لاسيما من قبل قادة المجموعات المسلحة التابعين لحزب الله وإيران ونظام الأسد الذين تلاحقهم الحكومة السورية، وما زالوا يُشكِّلون تهديدًا لمساعيها في التهدئة مع إسرائيل، مثلما حصل في 3 يونيو/حزيران؛ حين أطلقت مجموعة سمت نفسها “كتائب الشهيد محمد الضيف” صاروخين من درعا باتجاه الجولان. ومن بين الخطوات التي تعمل عليها سوريا لنزع فتيل الاشتباك مع إسرائيل سياسيًّا وعسكريًّا محاولة عدم إثارة مخاوفها من تكرار سيناريو 7 أكتوبر/تشرين الأول عبر الجبهة الجنوبية، ليس فقط من خلال الإجراءات الميدانية المتبعة، بل بالتأكيد على أن سوريا لن تكون لأول مرة منذ عقود مساحة لإيران تستخدمها في مواجهة إسرائيل لمصالحها. أظهرت سوريا بعد الحرب بين إيران وإسرائيل، في 13 يونيو/حزيران، أنها مستعدة لقطع العلاقة مع إيران ومشروعها، وكانت الغائب الوحيد عن الاجتماع الوزاري العربي الذي عُقد في 20 من الشهر ذاته، لمناقشة تداعيات الحرب على إيران وأمن المنطقة.

الانفتاح على الحلول الدبلوماسية يبدو جزءًا من رؤية الشرع للتعامل مع تحديات الوضع القائم مع إسرائيل، فلدى تنصيبه رئيسًا للبلاد، في 29 يناير/كانون الثاني 2025، تحدَّث عن سياسة خارجية تركِّز على إعادة الثقة مع المجتمع الدولي، وبالفعل حرص على إعادة التموضع إقليميًّا وإعادة بناء علاقات جيدة مع دول الخليج العربي، لاسيما السعودية وقطر، لاعتبارات عديدة، بينها وقوف هذه الدول -وإن بدرجات متفاوتة- مع المعارضة السورية سابقًا في مواجهة نظام الأسد وإيران، إضافة لقدرة هذه الدول على الوساطة في رفع العقوبات الاقتصادية ودمج سوريا في المنظومة الدولية(14). وغالبًا، يهدف الشرع إلى وضع ملف أي سلام مع إسرائيل ضمن اتفاق عربي شامل، سواءً كان توجه العرب إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية” أم إلى إعادة تفعيل المبادرة العربية للسلام (2002).

كذلك تُراهن سوريا على الدبلوماسية والانفتاح على الدول الغربية في تشكيل ضغط على إسرائيل من أجل ثنيها عن التدخل في الشأن الداخلي السوري، بما في ذلك وقوفها إلى جانب بعض الأصوات الداخلية التي تَعُدُّ الحكم الجديد “إسلاميًّا متطرفًا”، خصوصًا أنه لم يجد بعد حلًّا أو خطة شاملة للتعامل مع قضية المقاتلين الأجانب، وأنه يُحافظ على مواقفه الأيديولوجية ضد إسرائيل دون تغيير، لاسيما أن له تصريحًا سابقًا، عام 2014، يقول فيه إنه بعد الوصول إلى دمشق يهدف للوصول إلى القدس. أما ما يخص العلاقة مع تركيا التي يُعَدُّ وجودها في سوريا بالنسبة لإسرائيل خطرًا مماثلًا لإيران، بزعم حصول تحالف إستراتيجي للحكم الجديد معها، فيبدو أن الشرع يُحاول أن يُحيل هذه القضية للمفاوضات المباشرة بين إسرائيل وتركيا، رغم أن نتائجها يُمكن أن تُقيد قدرة الحكومة السورية على التعامل مع الوجود الروسي في البلاد؛ فهناك أصوات في إسرائيل تريد بقاء القواعد الروسية في سوريا طالما بقيت القواعد التركية فيها(15).

ثالثًا: توقعات ومآلات

لم تطرح إسرائيل، حتى اللحظة، إستراتيجية نهائية للتعامل مع سوريا، وتركز على إجراءات عسكرية “استباقية”، كما تصفها، وعلى خطة ردع تقوم على إظهار القوة، ليس فقط أمام سوريا بل أمام جميع الأطراف في الإقليم، وتصب جهودها على إدامة ضعف سوريا عسكريًّا وحرمانها من أي تحالفات على هذا الصعيد، حتى إنها تصر على منع تركيا من إقامة قواعد عسكرية لها جنوب ووسط سوريا، مع استمرارها في إجراء مفاوضات مع الحكومة السورية بشكل غير مباشر ثم مباشر، بانتظار أن تنضج الظروف لاتفاق نهائي.

لن تتنازل إسرائيل -مثلما تُصرِّح- عن خطة الردع الجديدة في سوريا؛ مما يعني أنها ستحافظ على بقائها في المواقع الاثني عشر التي أقامتها في سوريا إضافة إلى حرية الحركة التي تنتهجها سواء في منطقة الفصل أو في عمق الجنوب السوري، دون أن يعني ذلك تخلِّيها عن اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، خصوصًا أن الأمين العام لم يُشِر في تقريره، الصادر في 20 يونيو/حزيران 2025، إلى تغير ولاية البعثة الأممية (UNDOF) أو حجمها أو هيكلها وجنسيات العاملين فيها، وهي مطالب سبق ووردت في بعض تصريحات المسؤولين الإسرائيليين.

يتيح عدم تخلي إسرائيل الضمني عن اتفاق فض الاشتباك استمرار مساحة للتفاوض لا قطعها، على الأقل خلال فترة 6 أشهر وهي مدة ولاية قوات الأندوف القادمة، مع الحكومة السورية التي تُطالب بالعودة لاتفاق 1974 ورفض الوضع القائم الذي فرضته إسرائيل وبات يُهدد الأمن الغذائي والمائي لسكان جنوب سوريا، لاسيما أهالي محافظة القنيطرة، الذين اجتمع معهم الشرع، في 25 يونيو/حزيران 2025، وأكد لهم أن سوريا تعمل على إنهاء معاناتهم جرَّاء الاعتداءات الإسرائيلية عبر وسطاء دوليين. يفاوض الشرع غالبًا عبر البعثة الأممية، إلى حين تحقيق تقدم في المفاوضات مع إسرائيل؛ إذ تُطالب سوريا قوات الأندوف بالتدخل لإيقاف قطع الطرقات من قبل الدوريات الإسرائيلية، والتوقف عن تضييق الخدمات على السكان ووقف حملات الاعتقال وتخريب الأراضي الزراعية. ولو تعثرت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ليس من المتوقع من سوريا أن تتجه إلى مفاوضات مع تركيا من أجل إقامة قواعد جديدة لها وسط وجنوب سوريا من أجل تحقيق توازن في الردع الإقليمي، لأنَّ مثل هذه الخطوة قد تؤدي لمزيد من استفزاز إسرائيل وتظهر سوريا بأنها باتت تُشكِّل تهديدًا لها، وهذا يخالف ما صرَّح به الشرع بعد أيام من سقوط النظام؛ حيث يُتوقَّع أن يستمر على النهج الذي تحدث به في مواجهة إسرائيل، أي بالضغط الدولي عليها وعبر الأمم المتحدة(16)، فضلًا عن الحرص على الانخراط في الدبلوماسية الخليجية إزاء التعامل مع إسرائيل في المنطقة عمومًا وليس سوريا فحسب، وبما لا يتعارض مع الرؤية الأميركية للسلام في الشرق الأوسط.

تأمل سوريا من هذا النهج أن يجنِّبها مزيدًا من الأخطار الخارجية والداخلية، لأن أي تصعيد مع إسرائيل أو الإصرار على ما قد يؤجِّجه سيدفعها لمزيد من التدخل في الشأن الداخلي، ولن تكتفي بدعم الدروز، بل بتوسيع التواصل مع الأكراد؛ مما قد يؤثر على موقف “قسد” من المفاوضات مع الحكومة السورية، ويُسهم في عرقلة التقدم الذي تسعى الحكومة لتحقيقه في الاستقرار الهش وإعادة التعافي. يبدو هذا النهج أيضًا جزءًا من خطة الحكومة خلال الفترة الانتقالية، للتفرغ للقضايا الداخلية، بما في ذلك مواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بنشاط الفلول و”مكافحة الإرهاب” ومنع “الميليشيات الإيرانية” من إعادة التموضع في سوريا، وزعزعة الاستقرار الهش. في غضون ذلك، يُتوقَّع أن تحافظ الحكومة على الوضع المبدئي مع إسرائيل، أي بإظهار الالتزام باتفاقية فصل القوات واعتبار الجولان أرضًا سورية تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، مع المطالبة بانسحاب جيشها من المناطق التي توغل فيها واعتبارها انتهاكات، هذا إلى حين حصول اتفاق مع إسرائيل في الإطار العربي وليس السوري فحسب.

خاتمة

تُعَدُّ العلاقة مع إسرائيل أحد أبرز التحديات بالنسبة للحكم السوري الجديد، بعدما تجاوز تحدي الاعتراف به وإزالة هيئة تحرير الشام من قوائم “الإرهاب”. يعرقل التحدي الإسرائيلي أي خطط أو مساعٍ حكومية للتعامل مع التحديات الداخلية خلال المرحلة الانتقالية، ويقلِّل من القدرة على فرض الاستقرار الأمني ومعالجة العلاقة مع الأقليات التي لا تمتلك دمشق بعد رؤية واضحة للتعامل معها.

بشكل عام، يسير الشرع في التعامل مع إسرائيل على نهج الخطوة خطوة، مع رؤية تقوم على نزع فتيل الاشتباك وخفض التصعيد معها، والاستعداد للانخراط في الجهود الإقليمية العربية والغربية، التي تسعى لنقل سوريا من حالة “المواجهة” إلى حالة “السلام” القائم على الدبلوماسية. مع ذلك، فهو لا يضمن أي ردِّ فعل أو تحرك من قبل إسرائيل ونتنياهو؛ الذي خرج أقوى إقليميًّا بعد الحرب على إيران، ولا يُفوِّت فرصة لتصدير مشاكله الداخلية إلى الخارج، بما فيه سوريا.

نبذة عن الكاتب

عبد الوهاب عاصي

باحث رئيسي في مركز جسور للدراسات، مختص في الشأن السوري، تُغطي اهتماماته البحثية سياسات وتفاعلات القوى المحلية والدولية في سوريا. له مساهمات وبحوث عدة، منها: “تنظيم داعش في سوريا: عودة الظهور والمستقبل المتوقع”، و”تحولات المواقف العربية والإقليمية إزاء النزاع في سوريا”، و”مُستقبَل القوات الأجنبية في سوريا”، و”نماذج اندماج فصائل المعارضة المسلحة مع القوات الرسمية في سوريا”.

مراجع

    سوريا أمام مجلس الأمن: إسرائيل تسرق مياهنا وحوَّلت مسارات الأنهار، الجزيرة نت، 10 أبريل/نيسان 2025، (تاريخ الدخول: 15 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/3kcAhRe

    Sudarsan Raghavan and Dov Lieber, Israel Sees Growing Threat in Islamists Trying to Unify Syria, 4 March 2025, (accessed 15 June 2025): https://goo.su/UJu685l

    مقابلة مع مدير مديرية الإعلام في القنيطرة، محمد السعيد، 15 يونيو/حزيران 2025.

    مقابلة مع الخبير العسكري السوري، رشيد حوراني، 15 يونيو/حزيران 2025.

    إسرائيل تقصف محيط القصر الرئاسي بدمشق وتوجه رسالة تهديد، الجزيرة نت، 2 مايو/أيار 2025 (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/lhq069c

    مقابلة مع مسؤول العلاقات الإعلامية في محافظة القنيطرة، منصور محمد طرشان، 15 يونيو/حزيران 2025.

    الشرع يتحدث عن انتخابات ودستور جديد وحل الفصائل، الجزيرة نت، 14 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/VP7EQB

    كلمة الرئيس السوري أحمد الشرع في القمة العربية الطارئة بالقاهرة، قناة الجزيرة، 4 مارس/آذار 2025 (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/P3UAOlU

    الرئيسان ماكرون والشرع يجيبان عن أسئلة الصحافيين، قناة فرنسا 24، 8 مايو/أيار 2025 (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/gpZzl

    نائب أميركي عن الشرع: مهتمون بالانضمام لاتفاقيات أبراهام إذا سنحت الظروف، الجزيرة نت، 24 أبريل/نيسان 2025 (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/EuK4W

    ترامب يتحدث عن إسرائيل وبوتين وملابسات قراره بشأن سوريا، الجزيرة نت، 14 مايو/أيار 2025 (تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/YtMjVlR

    Israel’s National Security Council chief confirms direct Israel-Syria talks, Israel Hayom, 24 June 2025 (accessed 22 June 2025): https://rb.gy/juymc6

    Netanyahu asks U.S. to broker Israel-Syria negotiations, Axios, 11 June 2025 (accessed 15 June 2025): https://rb.gy/9kw2ss

    فراس فحَّام، سوريا الجديدة: تموضعها الإقليمي وعلاقاتها الخارجية، مركز الجزيرة للدراسات، 4 مارس/آذار 2025 (تاريخ الدخول: 23 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/doFSjj

    مقابلة مع شادي مارتيني، رئيس منظمة تحالف الأديان، وهو رجل أعمال سوري مطَّلع على سير المفاوضات الإسرائيلية السورية، 15 يونيو/حزيران 2025.

    الشرع: سوريا منهكة من الحروب ولا تشكل تهديدًا لأي دولة في العالم، بي بي سي عربي، 19 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 10 يونيو/حزيران 2025)، https://goo.su/0lJRdL

————————————

المخاض السوري… فخّ التطبيع/ علي العبدالله

09 يوليو 2025

لم يكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع العقوبات عن سورية ولقاء الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في الرياض، في مايو/ أيار الماضي، وليد ساعته، بل كان جزءاً من ترتيبات زيارة السعودية، فثمّة تصوّر لدى الإدارة الأميركية لإعادة صياغة المنطقة بعد التطورات العاصفة التي شهدتها، سقوط النظام السوري البائد وإضعاف إيران وأذرعها، وإرساء اتفاقية إقليمية وبنية أمنية جديدة تخدم المصالح الأميركية، ما يستدعي تحريك الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل دولا عربية أخرى، وقد قاد اعتذار السعودية على خلفية الوضع في قطاع غزّة ورفض رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو حلّ الدولتين، إلى ترشيح سورية للانخراط فيها؛ فرفع العقوبات عن سورية ولقاء ترامب مع الشرع وضمّه لدائرة الدول العربية السنية “المعتدلة” خطة لاستدراج السلطة السورية الجديدة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، ما يجعل اعتبار رفع العقوبات قراراً تاريخياً تدليساً، غرضه إخفاء الفخ المنصوب للسلطة السورية الجديدة كي تسير نحو التطبيع مغمضة العينين.

جاءت أول إشارة إلى توجّه الإدارة الأميركية إلى الدفع نحو تطبيع العلاقات بين سورية والكيان الصهيوني في تصريح للمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيفن ويتكوف، عندما أعلن، في 22 مارس/ آذار الماضي، أن “تطبيع العلاقات بين سورية ولبنان مع إسرائيل بات احتمالاً حقيقياً”، وهو (التوجّه) ما تأكد جليا في طلب ترامب، خلال لقائه مع الشرع، في الرياض، الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية، ما يعني أن الدفع نحو التطبيع ليس استجابة لحظية لرئيسٍ تقوده غريزته، بل جزءٌ من خطّة أميركية لهندسة الشرق الأوسط، تحقيقاً لتصوّر هدفه الرئيس تكريس توازن استراتيجي يكون للكيان الصهيوني دور قيادي فيه، فالتطبيع مع الكيان الصهيوني جزءٌ رئيس من عملية تأهيل السلطة السورية الجديدة دبلوماسيا واقتصاديا.

عكست طلبات الإدارة الأميركية من السلطة السورية الجديدة مقابل رفع العقوبات طبيعة الخطّة الأميركية والعناصر المكونة لها، فقد ركّزت هذه الطلبات على إخراج إيران وحزب الله من سورية ومنع عودتهما، التصدّي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إبعاد الفصائل الفلسطينية من سورية، وتقييد الوجودين الروسي والصيني فيها، وكان هذا الطلب على طاولة المحادثات مع قادة السعودية وقطر والإمارات في جولة ترامب الخليجية في مايو/ أيار الماضي، فهدف الخطة جعل المنطقة ساحة استثمارية واحدة تديرها الولايات المتحدة فقط. وهذا يقتضي أن تكون منطقة مستقرّة وآمنة ومفتوحة بعضها على بعضها، ما جعل تفعيل الاتفاقيات الإبراهيمية ضرورة حيوية، وجعل الضغط على الدول التي لم تطبّع بعد تحصيل حاصل.

استند ترشيح السلطة السورية الجديدة للدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية خلال ترتيبات زيارة ترامب الدول الخليجية الثلاث إلى حيثيات اللحظة السياسية التي تمر بها هذه السلطة، بدءا من حاجتها إلى بسط سيطرتها على الأرض السورية، وصولاً إلى رفع العقوبات الغربية، الأميركية بشكل خاص، عنها، لفتح الطريق أمام تحريك الاقتصاد واستدراج استثمارات عربية وأجنبية للبدء في عملية إعادة الإعمار، مروراً بتأهيلها سياسياً ودبلوماسياً.

لم يكن هذا التقدير معزولاً عن توجهات السلطة السورية الجديدة، حيث صرح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، يوم 14 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بأن “سورية ليست بصدد الخوض في صراع مع إسرائيل”، ونقل عنه في 24 إبريل/ نيسان عضو في الكونغرس الأميركي استقبله في دمشق، “إنَّ سورية مهتمة بالانضمام لاتفاقيات أبراهام حين تتوافر الظروف المناسبة لذلك”، وانخراطها في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة للاتفاق على العودة إلى اتفاقية فك الاشتباك للعام 1974، التي خرقها الكيان الصهيوني عبر اقتحام المنطقة العازلة والتمدّد في محافظة القنيطرة، وإقامته تسع قواعد عسكرية فيها من جبل الشيخ شمالاً إلى حوض اليرموك جنوباً، بما في ذلك قمة جبل الشيخ التي تطلّ على دمشق والبقاع اللبناني وشمال فلسطين، وتنفيذه اقتحامات قرى ومزارع في محافظة درعا، مقدّمة للدخول في اتفاقية عدم اعتداء على طريق مفاوضات سلام شامل. وثمّة تباين بين النظرتين الأميركية والصهيونية إلى السلطة السورية الجديدة، حيث ترى الأولى إمكانية التعامل والتعاون مع هذه السلطة، بغضّ النظر عن خلفيتها السلفية، بعد تقديمها ضمانات أمنية للكيان الصهيوني تبدأ بإنهاء حالة العداء وتنتهي بالتطبيع والالتحاق بالاتفاقيات الإبراهيمية، في حين ترى الثانية أن أمنها القومي على المدى البعيد يتطلب إبقاء الدولة السورية ضعيفة ومفكّكة. وقد أحدث هذا التباين ارتباكا في المشهدين السياسي والميداني، دفع الإدارة الأميركية إلى رعاية مفاوضات بين الطرفين على أمل جسر الهوّة وتعبيد الطريق بما يسمح بتنفيذ الاستراتيجية الجديدة.

جاءت تحرّكات الكيان الصهيوني في الجنوب السوري تنفيذاً لاستراتيجية إضعاف الدولة السورية عبر استنزافها والعمل على تعميق الانقسامات الداخلية بتشجيع مكوّنات اجتماعية وسياسية على التمرّد والدعوة إلى نظام فدرالي قائم على المحاصصة بحيث تبقى الدولة السورية، كما لبنان والعراق، مفكّكة وعرضة لاهتزازات دورية، وأقدم على احتلال أراض سورية وأقام قواعد عسكرية فيها، كان الكيان قد شنّ، إثر سقوط النظام البائد، عمليات قصف عنيفة وواسعة، سماها سهم باشان، تجاوز عددها 350 غارة، استهدف فيها كل الأصول والبنى التحتية العسكرية والاستراتيجية، البرّية والجوية والبحرية، للدولة السورية، فأصبحت سورية مكشوفة ومفتوحة أمام تحرّكات قواته برّاً وجواً وبحراً. وطالبت دولة الاحتلال ببقاء الجنوب السوري منزوع السلاح، ولم تعترض الإدارة الأميركية على تحرّك الكيان، رغم انفتاحها على السلطة السورية الجديدة، في ضوء التزامها بأمن الكيان وتفوقه، واعتبار الغارات والاحتلالات من ضمن استراتيجية “السلام من خلال القوة”، للضغط على السلطة السورية الجديدة لدفعها إلى الإسراع في الاستجابة لطلبها الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية.

لن يكون الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية سهلاً أو ممهّداً، فالسلطة السورية الجديدة التي تواجه حالة عدم انسجام داخل نواتها الصلبة، ولم تنجح في حفظ الأمن ومنع التعدّي والانتقام، ولم تنل رضا سوريين كثيرين، حيث ما زالت سورية ممزّقة وتعاني من انقسامات عمودية مركّبة وعميقة، ولم تنجح في توفير استقرار داخلي وحل مشكلات يومية للسوريين، من توفير الماء والكهرباء إلى توفير فرص عمل ودخل يخرجهم من الفقر والعوز، وخسارتها حاضنتها المدينية على خلفية قراراتها الاقتصادية والإدارية، ليست قادرة على استفزاز مشاعر السوريين بالتطبيع مع كيانٍ يحتلّ أراضي سورية، ويرفض الانسحاب منها ويبيد إخوتهم في فلسطين. وقد تجلى هذا العجز في لجوئها لكسب الوقت إلى طرح شروط لن يقبل بها الكيان، مثل الانسحاب من الجولان المحتل أو خيارات مركّبة تمسّ مصالح دول أخرى، مثل التي نقلتها القناة الصهيونية أي 24 الإخبارية في الثالث من يوليو/ تموز الجاري، عمن وصفته بمصدر مقرّب من الرئيس الشرع، بشأن تصوّر السلطة لحل قضية الجولان المحتل ضمن سيناريوهين: الأول، احتفاظ الكيان الصهيوني بمناطق استراتيجية تعادل ثلث الجولان، بينما تسلّم ثلثاً آخر لسورية، واستئجار الكيان المتبقي 25 عاماً. والثاني، احتفاظ الكيان بثلثي الجولان، ويعيد المتبقي إلى سورية، مع إمكانية تأجيره، مقابل اتفاق أوسع يشمل تسليم مدينة طرابلس اللبنانية ومناطق أخرى في شمال لبنان وسهل البقاع إلى السيادة السورية، والسماح للكيان بمد خط أنابيب لجر مياه من نهر الفرات ضمن اتفاق مائي يربط سورية وتركيا وإسرائيل.

لا يشكّل خلاف الطرفين، السلطة السورية والكيان، حول شروط التطبيع بينهما السبب الوحيد لعرقلة الاتفاق، بقدر ما يشكّله الموقف الأميركي الغامض والمتقلب، حيث عكست تصريحات مسؤولين أميركيين مواقف غامضة وخطيرة، وتصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية، السفير توم برّاك، الذي عاب على الأوروبيين فعلهم في الشرق الأوسط عبر اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت سورية ليس من أجل السلام بل من أجل المكاسب الإمبريالية. وقد كلف هذا الخطأ أجيالاً عديدة، لقد انتهى عصر التدخل الغربي. المستقبل هو للدبلوماسية التي تقوم على الحلول الإقليمية، والشراكات، والاحترام، وما نسب إلى مسؤول أميركي آخر شكّك بالحدود القائمة وبالدولة القومية، وتحدث عن إدارة محلية للشعوب، واعتبار حدود الكيان الحالية وهمية، وقول ترامب أكثر من مرة إن مساحة إسرائيل صغيرة ويجب توسيعها.

يبقى أن ثمّة تخوّفاً من استغلال الإدارة الأميركية وجود الرئيس الانتقالي في نيويورك في سبتمبر/ أيلول المقبل لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودفعه إلى الاجتماع مع رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، عبر ترتيب لقاء ثلاثي يحضره ترامب.

العربي الجديد

————————————–

المفاوضات السورية الإسرائيلية… لا سلام بلا مقابل/ عبد الرحمن الحاج

09 يوليو 2025

لا يريد السوريون مزيداً من الحروب، ولا يريدون تحويل بلادهم إلى منصّة للحروب أيضاً، هذا هو المزاج الشعبي العام، والذي عكسه الرئيس أحمد الشرع في مجمل خطاباته. ولم يكن هذا المزاج الشعبي السبب الرئيس في عدم استجابته للاستفزازات الإسرائيلية المستمرّة وحسب، بل لأن التصادم العسكري غير المتكافئ يمكن أن يفقده السيطرة على الدولة، وربما يؤدي لانهيارها. لهذا تجنّب الشرع التصادم العسكري، وتجنب أيضاً ردات الفعل اللفظية التي كان نظام الأسد السابق ينتهجها منذ السبعينيات، وحوّلته إلى ظاهرة صوتية صارت محلاً للتندّر، وبدلاً من ذلك عمل (الشرع) بمنظور استراتيجي مركّب. من جهة يستثمر في إعادة تموضع سورية في المجتمع الدولي، ويعيد ترتيب العلاقات الدولية للدولة السورية، ويستند إلى الحلفاء والهيئات الدولية، مستخدماً الطرق الديبلوماسية للجم الاندفاعة الإسرائيلية.

يمكن القول إن استراتيجية الشرع تلك نجحت في كبح الانتهاكات الإسرائيلية، في شكل خاص بعد المحادثات الإسرائيلية التركية لمنع الاشتباك التي فرضها الرئيس ترامب على الإسرائيليين، وبعد لقاء ترامب التاريخي في الرياض مع الشرع في 24 مايو/ أيار الماضي، وكان ثمنه الانخراط في مفاوضات مع الإسرائيليين تفضي إلى اتفاق شامل للسلام، وكان الرئيس ترامب واضحاً بشأنها.

أنشأ الجيش الإسرائيلي تسع قواعد عسكرية في المناطق المنزوعة السلاح وأيضاً في عمق الأراضي السورية الأخرى خلال أشهر، قفد اغتنم بنيامين نتنياهو الفرصة في اليوم التالي لسقوط نظام الأسد، وأعطى أوامره للجيش بالسيطرة على قمة جبل الشيخ المطلة على العاصمة دمشق، والقيام بعمليات عسكرية شاملة لتدمير كامل سلاح الجو وشبكات الدفاع الجوي وأنظمة الصواريخ، ومنشآت الدفاع الساحلية، ومخازن الأسلحة البالستية المتبقية، وإضعاف القدرات العسكرية للدولة السورية إلى أقصى الحدود، بحيث تعجز عن بناء جيشٍ جديدٍ يمكن أن يشكل تهديداً مستقبليّاً واستراتيجيّاً لإسرائيل. وخلال ثمانية أشهر، سيطرت القوات الإسرائيلية على كامل المنطقة العازلة تقريباً، وأنشأت عدّة قواعد عسكرية، واستمرّت في التوغلات والقصف اليومي بوتيرة متصاعدة لم تتراجع حدّتها إلا حين أجبرت إدارة ترامب نتنياهو على التفاوض والتنسيق لمنع التصادم في سورية، لكنها بقيت مستمرّة.

كان نتنياهو في الواقع يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف: الأول، إضعاف القدرات العسكرية السورية ومنع قيام جيش قوي. الثاني، إضعاف الحكومة المركزية وإعاقة بناء دولة موحّدة وقوية قدر الإمكان عبر نزع هيبة الدولة ودعم الأقليات، وبشكل خاص دروز السويداء في الجنوب، وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشرق، ودعم إقامة حكم ذاتي. والثالث، الضغط على تركيا وإعاقة تموضعها العسكري في سورية، حيث تعتبر سورية مجالها الحيوي ومنطقة نفوذ منافسة. … ولكن استراتيجية الشرع والاحتضان العربي والإقليمي الكبير، والذي توج بلقاء ترامب، ورفع العقوبات الاقتصادية عن سورية، كان ذلك كله يسير على غير هوى نتنياهو، الذي أجبر بضغط أميركي على التفاوض مع السوريين، بينما كان يحقق بالفعل بعض النتائج من خطته وعملياته العسكرية، فمن جهةٍ عززت بالفعل الخلاف بين السويداء والحكومة المركزية في دمشق، ومن جهة ثانية أبطأت التدخّل العسكري التركي لحماية مجالهم الحيوي وبناء قواعد عسكرية متقدّمة في سورية.

كانت مفاوضات غير مباشرة قد بدأت بالفعل قبل لقاء الرئيس ترامب، كما صرّح الرئيس الشرع في مؤتمره الصحافي في الإليزيه في باريس في مايو/ أيار الماضي، وأعطت الولايات المتحدة بعد لقاء ترامب دفعة للمحادثات غير المباشرة، فيما بدأ الحديث يتصاعد عن انضمام وشيك للاتفاقات الإبراهيمية، وهي اتفاقات جوهرها “السلام مقابل السلام”، خصوصاً بعد نشر الإسرائيليين صوراً دعائية في تل أبيب تُظهر قادة عرباً، بينهم الرئيس الشرع، تحت عنوان “حلفاء إبراهيم”، وبعنوان فرعي يقول “إنه الوقت المناسب لشرق أوسط جديد”، في محاولة لإظهار نتنياهو “بطلاً” يحقق السلام المستحيل في منطقةٍ لطالما رفضت وجود إسرائيل نفسها، ويعيد تشكيل الشرق الأوسط على نحو تكون فيه إسرائيل والولايات المتحدة القوتين المهيمنتين فيه، حيث تظهر صورتا ترامب ونتنياهو في المركز أكبر من صور القادة الآخرين، وسط تصريحات إسرائيلية وأميركية توحي بأن تطبيعاً سورياً مع إسرائيل في مراحله النهائية.

يحدُث ذلك بينما تشهد غزّة الفصول الأخيرة من الدمار والتهجير الذي استمرّ نحو عام ونصف، شبيهة بفصول الدمار الذي لحق مدناً سورية عديدة إبّان سنوات الصراع مع نظام الأسد في الأربعة عشر عاماً الأخيرة، ووسط شائعاتٍ عن التخلي عن الجولان السوري المحتل، غذّتها تصريحات أميركية وإسرائيلية متتالية بشأن المفاوضات، وقد أثارت هذه الشائعات إلى انتشار سخط لدى قطاع واسع من السوريين، فضلاً عن شعوب المنطقة، الأمر الذي اضطر الحكومة السورية إلى نفيها، وفي اليوم الذي أعلنت فيه الحكومة السورية أن “توقيع اتفاقية سلام مع الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن تُعدّ سابقة لأوانها”، كانت قوات الاحتلال تنفذ عملية توغّل جديدة داخل الأراضي السورية، أسفرت عن خطف سكان من قرية البصالي القريبة من بلدة صيدا.

لا يمكن الحديث عن احتمال التفاوض على اتفاقيات جديدة إلا بعد “التزام الاحتلال الكامل باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 وانسحابه من المناطق التي توغّل فيها”، بحسب التصريحات الرسمية لوزارة الخارجية السورية، أي أن المفاوضات الجارية هي بشأن اتفاقات أمنية الطابع تدور في شكل رئيس حول الالتزام باتفاق الهدنة، لكن اتفاق الهدنة نفسه هو اتفاق فصل للقوات وإنشاء منطقة عازلة بين مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وبقية الأراضي السورية الأخرى، ما يعني أن الجولان سيشكّل بالضرورة جزءاً من أي محادثات أو ترتيبات ولو على مراحل، وبينما يسعى السوريون إلى محادثات على مراحل، يريد الإسرائيليون تحقيق اتفاق سلام شامل منذ البداية.

هل يمكن عقد اتفاق سلام تتخلّى سورية بموجبه عن الجولان؟ الجواب ببساطة: لا. ومع الأخذ بالاعتبار أن الرئيس دونالد ترامب كان قد وقّع في عام 2019 مرسوماً يعترف فيه بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، في مخالفةٍ للقرارات الدولية ومن ضمنها قرارات مجلس الأمن. واستناداً، على ما يبدو، إلى ذلك، يسعى الإسرائيليون إعلامياً لتصدير موقف إسرائيلي يبعث رسائل إلى جهات مختلفة، مفاده أن اعتراف سورية بسيادة إسرائيل على الجولان “شرط لاتفاق مستقبلي مع الرئيس السوري أحمد الشرع”، بحسب تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في لقاء مع قناة “آي نيوز 24” العبرية في 28 من الشهر الماضي (يونيو/ حزيران).

والواقع أن موضوع استعادة الجولان يمثل أكثر المواضيع حساسية للسوريين، ولطالما كان موضوع خسارة الجولان أساساً للطعن في شرعية حكم حافظ الأسد، ويدرك الشرع أن وجدان السوريين مرتبطٌ بالجولان، وأن ثمّة اتفاقاً شعبياً على أن التخلّي عن الجولان غير مقبول، ويدرك بالتالي أن أي اتفاقاتٍ لكي تحظى بالشرعية والقوة التنفيذية اللازمة بجب أن تحظى بقبول شعبي واسع، فمن جهة لا يمتلك الشرع شرعية انتخابيّة تخوّله اتخاذ خطوات حاسمة تتعلق بمصير أراضي البلاد. ومن جهة أخرى، يجب أن ينال اتفاقٌ مثل هذا موافقة مجلس شعب منتخب بالكامل، وهو غير موجود حالياً. وبالتالي، هامش المناورة في المفاوضات المتعلقة بالجولان محدود، فأي اتفاق محتمل يجب أن يتمتع بإمكانية إقناع السوريين به. أما اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الجولان فليس عقبة، إذ يمكن للرئيس ترامب أن يغيّر موقف الولايات المتحدة بمرسوم جديد إذا جرى التوصل إلى اتفاق بشأن الجولان، فبالنسبة له المهم تحقيق الاستراتيجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، وإنجاز هذا الاتفاق التاريخي.

في خضم المحادثات بشأن الهدنة، يطرح الإسرائيليون سيناريوهات تفاوضية حول الجولان، حيث نشر موقع “آي نيوز” العبري في الرابع من يوليو/ تموز الجاري، سيناريوهين: تحتفظ إسرائيل، بموجب الأول، بمناطق استراتيجية في مرتفعات الجولان تعادل ثلث أراضيها، وتسلم ثلثها لسورية، وتستأجر ثلثاً آخر من الحكومة السورية 25 عاماً. وبموجب الثاني، تحتفظ إسرائيل بثلثي مرتفعات الجولان، وتسلم الثلث المتبقي لسورية، مع إمكانية استئجاره أيضاً، ومقابل ذلك تُسلم مدينة طرابلس اللبنانية، وأراضٍ لبنانية أخرى في شمالي لبنان ووادي البقاع لسورية، مع السماح للإسرائيليين بمد خط أنابيب لنقل المياه من نهر الفرات إلى إسرائيل، وهو جزء من اتفاقية مياه تشمل تركيا وإسرائيل وسورية. وواضح أن السيناريو الثاني غير واقعي، ولا يتمتع بأي إمكانية لقبوله لا من الحكومة الانتقالية ولا من السوريين، والغرض منه ليس سوى اختبار فكرة تحويل عبء لبنان على سورية المنهكة.

… هنالك حالياً، تسع قواعد عسكرية إسرائيلية أقيمت على طول الشريط الحدودي في المنطقة العازلة بعمق يزيد عن 15 كم في بعض الأحيان. تبدأ هذه القواعد من قمة جبل الشيخ في الشمال الغربي وصولاً إلى مثلث وادي اليرموك، جنوب غربي سورية، وتتركّز المحادثات الجارية على اتفاق أمني. وزعمت صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية أن الرئيس الشرع أظهر جدّية في التوصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين، لكنه يشترط انسحاباً سريعاً من النقاط التي احتلتها إسرائيل داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد، والوقف الفوري للتوغلات الإسرائيلية وعمليات القصف في الأراضي السورية، حيث تمثل إزالة هذه القواعد العسكرية وعودة الترتيبات الأمنية المتعلقة باتفاق الهدنة أولوية قصوى، وأساساً لأي محادثات لاحقة. ومع ذلك، يؤكد الإسرائيليون أن المفاوضات “تركّز على أكثر من مجرد الترتيبات الأمنية”، وفقاً للصحيفة العبرية، التي تقول إنه اتفاق سلام شامل بات محتملاً في نهاية عام 2025.

تسعى إسرائيل، من حيث المبدأ، عبر توغّلاتها، إلى شرعنة وجودها في سورية إذا لم تصل إلى اتفاق، وتحويل الوجود المؤقت فيها إلى دائم بحكم الأمر الواقع، غير أن إطلاق مفاوضات سلام يقلّل من فرص نجاح هذا السيناريو. ومن الواضح أن نتنياهو لم يكن يرغب في الدخول في مثل هذه المفاوضات سريعاً مع السوريين، وكان يفضل إبقاء السوريين تحت الضغط، وإضعاف الحكومة المركزية وتعزيز الانقسام وتمرّد الأطراف، لكن الإدارة الأميركية فرضت هذا المسار، وهي تجري حالياً برعاية عربية وأميركية وتركية، ويجري التركيز فيها على صياغة معدّلة لاتفاق الهدنة عام 1974، وثمّة مقترحاتٌ لإشراك قوات أميركية لتكون قوات فصل في الجولان، بحسب موقع المونيتور الأميركي، أو إعادة ضبط آلية الهدنة، بحيث تتضمن تعديلاً لدور قوات الأمم المتحدة، وتعديل وضع القوات في الجانب السوري من الجولان المحتل. وعليه، بات من غير المستبعد أن تنسحب القوات الإسرائيلية من القواعد العسكرية، ولكن أيضاً من غير المتوقّع أن تنسحب القوات الإسرائيلية سريعاً من القاعدة الجديدة على قمة جبل الشيخ الاستراتيجية، وهي الأهم والأخطر، غير أن أي اتفاقٍ بخصوص الانسحاب سيشمل بالضرورة انسحاباً من هذه القمة، فمن دون ذلك ستكون هناك عقباتٌ كثيرة تحول دون تحقيق اتفاق شامل في ما بعد.

… المبدأ في المفاوضات الصعبة عادة تجزئة الموضوع إلى موضوعاتٍ أصغر يمكن التفاوض أسهل حولها، وتجزئة المدد الزمنية على مراحل، يمكن تنفيذها خطوة بخطوة، بحيث تكون كل خطوة ضماناً لما قبلها وأساساً لما بعدها. وعلى هذا الأساس، يجري التعامل مع اتفاق شامل للسلام، ما يجعل الوصول إلى اتفاق سلام شامل مع إسرائيل أمراً محتملاً، لكن اتفاقاً كهذا إذا حصل يحتاج شرعية شعبية ليكون قابلاً للتنفيذ، شرعية لا تكتفي بمجلس الشعب، بل بإقناع الشعب نفسه، وإلا فإنه سيؤدّي إلى ارتدادات داخلية ستنعكس سلباً على استقرار الحكم. وفي كل حال، يحتاج مثل هذا الاتفاق أيضاً إلى المرور بمراحل، أولاً بتنفيذ كامل لاتفاق الهدنة وإنجاز الترتيبات الأمنية المتعلقة به، وثانياً وقف فوري للتوغّل الإسرائيلي والاعتداء على السيادة السورية، وثالثاً الانسحاب الكامل من المنطقة منزوعة السلاح والمناطق الجديدة المحتلة وإزالة القواعد العسكرية التسع منها.

تسرِّع الرعاية الإقليمية والأميركية للمحادثات بين السوريين والإسرائيليين تحقيق تقدم فيها، خصوصاً أنها تجري بجدّية تامة من الحكومة السورية لتحقيق السلام على حدودها، والوصول إلى اتفاق سلام يشمل عودة مرتفعات الجولان إلى السيادة السورية، وهذا يتوقف على جدّية الإسرائيليين الذين دخلوا إلى المحادثات بدون أي حماسة. وما زالت الأمور في بداية طريق طويل قد يمتد أكثر من عام.

أخيراً، قد يكون الرئيس أحمد الشرع الشخص الوحيد القادر في السنوات الخمس المقبلة على تحقيق هذا الاتفاق وتنفيذه، مستمدّاً قوته من إنجازه العظيم في إسقاط نظام الأسد. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن ذلك شيك مفتوح بلا حساب، فهذا الرصيد الذي يتمتّع به يمنحه ثقة الشعب بأن يتصرّف بنزاهة ولمصلحة البلاد وفق توقعات محدّدة، ما يبقي تلك الثقة تحت مختبر الشروط وتحقيق التطلعات التي يسعى إليها السوريون، وقد تكون فكرة تجزئة استعادة كامل الجولان على مراحل مع وجود قوات أميركية أمراً عملياً وقابلاً للتفاوض والتطبيق، لكن هذا المقترح يحتاج ضماناتٍ تحول دون أن يكون مصير هذا الاتفاق مثل مصير اتفاق أوسلو سيئ الذكر.

العربي الجديد

——————————-

ما هي سيناريوهات تفاوض سوريا مع “إسرائيل”؟/ حسن الشاغل

2025.07.09

يشكل الملف المتعلق بمسار العلاقة مع إسرائيل إحدى أكثر القضايا تعقيدًا التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، نظرًا لتداخل الأبعاد الجغرافية والأمنية والسياسية والتاريخية والدولية فيه.

وتتصاعد وتيرة الأخبار حول وجود محادثات مباشرة بين الحكومة السورية الجديدة وإسرائيل، وتم الحديث مسبقاً عن تنسيق ومفاوضات غير مباشرة قادتها كل من دولة الإمارات وتركيا وأذربيجان.

وفي أواخر مايو 2025، رفع المنسق الأميركي توماس باراك العلم الأميركي في دمشق، وأعلن أن إقامة سلام بين سوريا وإسرائيل هي أمر ممكن، مشدّدا على ضرورة بدء الحوار باتفاق “عدم اعتداء” ومناقشة الحدود أولًا. وأوضح أن إدارة الولايات المتحدة تقود جهود الوساطة وبأن هناك “محادثات جوهرية” تُجرى حاليًا، تشمل العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 كخطوة أولى.

وسوريا حتى يوم 2 يوليو 2025 وصفت أي حديث عن توقيع اتفاق سلام بأنه “سابِق لأوانه” ما لم تنسحب إسرائيل من الأراضي التي خرقت بها اتفاق 1974.

انطلاقا من ذلك، تناقش المقالة سيناريوهات المفاوضات السورية الاسرائيلية، استناداً لمتطلبات كل طرف أمنياً وسياسياً بما يتناسب مع معطيات المرحلة الحالية.

على ماذا يتم التفاوض؟

الدولة السورية تعيش فترات صعبة من حيث أن قوتها العسكرية هشة، وبنيتها الاقتصادية ضعيفة، وتمر بمخاض صعب، يجعل منها دولة منشغلة في ترميم بنيتها الداخلية، ويضعف من تاثيرها وتحركاتها الخارجية. وهنا لابد من التأكيد على أن لدى سوريا أوراق وأدوات قوة يمكن أن تستخدمها في ملفات خارجية تحمي بها مصالحها، حتى أمام إسرائيل.

الآن القيادة السورية أمام تحديات تاريخية في مواجهة الطمع الإسرائيلي التي تستعجل وبضغط أميركي إبرام صفقة رابحة مع سوريا. إسرائيل تسعى في خضم أي عملية تفاوضية مع سوريا إلى تحقيق التالي:

أولاً، تثبيت سيادتها على الجولان وجعله أمر واقع.

ثانياً، “الأمن المطلق” في علاقاتها مع دول الطوق بما فيهم سوريا.

ثالثاً، حصر السلاح، وتأسيس منطقة منزوعة السلاح في جنوب غربي سوريا.

رابعاً، ضمان ألا تتحول سوريا الى منطقة عمل نشطة للفصائل الفلسطينية.

خامساً، تطبيع سياسي للعلاقات بين البلدين.

بالمقابل تناور القيادة السورية لتركيز المفاوضات حول قضايا أمنية أكثر من التوجه نحو تطبيع شامل أو “سلام كامل”.

أولاً، محاولة عدم التنازل عن الجولان.

ثانياً، وقف التصعيد على البلاد وفق ضمانات توقف الضربات الجوية الإسرائيلية على البلاد، وضمانات بعدم تدخل إسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية أو تحريض ضد الدولة الجديدة.

ثالثاً، إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، حيث تعتبر القيادة السورية هذا الاتفاق الإطار الأكثر ملائمة، والقابل للبناء عليه دون التورّط في تطبيع كامل.

سيناريوهات المفاوضات السورية الإسرائيلية

سيناريو العودة إلى اتفاق فض النزاع عام 1974:

اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، هو اتفاق تم توقيعه في 31 مايو 1974 برعاية الأمم المتحدة، وبوساطة من الولايات المتحدة، وخاصة من وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر. جاء هذا الاتفاق بعد حرب أكتوبر 1973، وهدف إلى تخفيف التوتر العسكري بين الطرفين على جبهة الجولان.

أهم بنود اتفاق فض الاشتباك:

– وقف إطلاق النار بشكل دائم على الجبهة السورية الإسرائيلية.

– انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق احتلتها خلال حرب 1973، ومن مناطق أخرى متنازع عليها، خاصة القنيطرة.

– إنشاء منطقة عازلة (منزوعة السلاح) بين القوات السورية والإسرائيلية، تشرف عليها قوات الأمم المتحدة.

– نشر قوات مراقبة من الأمم المتحدة (UNDOF) لمراقبة تنفيذ الاتفاق ومنع أي تصعيد أو خرق له.

يعد هذا السيناريو في حال العودة للعمل عليه مكسب كبير للدولة السورية، فيحقق الاستقرار للبلاد، ويضمن أن لا تتنازل الدولة عن الجولان، ما يعزز من موقف الحكومة شعبياً.

لكن هذا السيناريو من المتوقع بشكل كبير أن لا تقبل به اسرائيل، فهي ترغب في الاستفادة من الوضع السوري الهش لتحقيق مكاسب أمنية إضافية على المدى الطويل. حيث ترى اسرائيل أن الإرهاق العسكري والاقتصادي السوري، قد يدفع نحو تحصيل تنازلات قد تصل لمرحلة التطبيع.

سيناريو اتفاق عام 1974 معدل

يفترض في هذا السيناريو، أن يتم العمل على تعديل اتفاق فض الاشتباك بما يخدم الطرفين. ويستند التعديل على التالي:

– تعزيز وجود قوات الأمم المتحدة (UNDOF)، بما يوسع نطاق المراقبة الدولية لضمان الهدوء.

– تجميد ملف المطالبة بالجولان، دون إدخاله في اتفاقات آنية. وربطه بمرحلة متقدمة من التفاهم السياسي أو مسار سلام شامل عربي–إسرائيلي.

– تأسيس منطقة منزوعة السلاح في جنوب غربي سوريا يتفق عليها الطرفين.

– ضمان ألا تتحول سوريا الى منطقة عمل نشطة للفصائل الفلسطينية.

هذا المسار يعطي للقيادة السورية غطاء سياسي بأنها تحافظ على “ثوابت السيادة” دون التطبيع. وتدعم الحكومة هذا السيناريو لأن التطبيع مع إسرائيل قد يوُلد ارتدادات مجتمعية سلبية على القيادة السورية.

سيناريو التطبيع

هذا السيناريو أسوأ ما يمكن أن يحصل بالنسبة للدولة السورية، وهو سيناريو تضغط إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة لتحقيقه. وصرح الرئيس الأميركي بعد لقائه الرئيس الشرع في الرياض على أنه ينصح القيادة في سوريا للانضمام للاتفاق الإبراهيمي. ويعزز المقاربة الأميركية التي أعلنتها واشنطن من دمشق عن دعم عملية إقامة سلام بين سوريا وإسرائيل على لسان توماس باراك.

هذه المؤشرات الأميركية التي يمكن ربطها مع رفع العقوبات الاقتصادية، ورفع تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، وتعيين مبعوث خاص، تدلل على مقايضة لدخول سوريا في محادثات سلام مع إسرائيل.

تحقق هذا السيناريو ليس بعيداً وقد تكون القيادة السورية تواجه هذا السيناريو، وقد يكون ضمن اتفاق التهدئة في غزة، وتطبيع عربي لاحق. وقد تستغل الولايات المتحدة الأميركية ودول إقليمية حالة الهشاشة في سوريا وحالة من الالتفاف المجتمعي حول الرئيس الشرع، لتمرير عملية التطبيع.

في النتيجة، لم يعد توقيع اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل مستحيلاً، بل بات أقرب من أي وقت مضى، ويبقى فقط إيجاد تخريجة لملف الجولان.

تلفزيون سوريا

———————————–

 التطبيع والعقوبات والاستقرار.. سوريا حاضرة على طاولة ترمب ونتنياهو في واشنطن

2025.07.08

بحث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ملف سوريا خلال لقائهما في البيت الأبيض، حيث تطرّق الجانبان إلى التطبيع، ورفع العقوبات، والاستقرار بعد سقوط نظام الأسد.

واستضاف ترمب نتنياهو في البيت الأبيض يوم أمس الإثنين، في ثالث لقاء مباشر بينهما منذ عودة ترمب إلى الرئاسة في كانون الثاني الماضي.

وأكد ترمب في مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو أن السوريين يمتلكون طاقة وكفاءة عالية، وأعرب عن إعجابه بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، قائلاً: “التقيت القائد الجديد في سوريا وأعجبت به، ورفعنا عنهم العقوبات، وأعطيناهم فرصة”.

وأشار ترمب إلى أن رفع العقوبات عن سوريا سيمكنها من إعادة بناء نفسها، قائلاً: “أردت لسوريا أن تعيد بناء نفسها، وأردنا أن نعطيها فرصة، ولا يمكن أن يحدث ذلك من دون رفع العقوبات”.

ولفت إلى جولته الخليجية في أيار الماضي ولقائه زعماء قطر والسعودية والإمارات، مضيفاً أن واشنطن تتمتع بـ”تعاون رائع” مع الدول المجاورة لإسرائيل، وأن “شيئاً جيداً سيحدث”.

من جانبه، قال نتنياهو إن “هناك فرصة ينبغي فحصها بشأن التطبيع مع سوريا”، معتبراً أن “سوريا ستجني الكثير إن مضت نحو التطبيع مع إسرائيل”.

وأضاف أن “إيران كانت تدير سوريا سابقاً، والآن هناك فرصة لتحقيق الاستقرار والسلام”، مشيراً إلى أن ترمب أتاح للسوريين فرصة الاتجاه نحو السلام والاستقرار، من خلال رفع العقوبات والانفتاح على الإدارة الجديدة.

وتابع: “بإمكاننا تحقيق سلام واسع في الشرق الأوسط يشمل كل جيراننا، وهناك فرص تاريخية لتوسيع اتفاقات أبراهام”.

وقبيل الزيارة، أعرب مسؤولون إسرائيليون عن أملهم في أن تمهد نتيجة الصراع مع إيران الطريق لتطبيع العلاقات مع دول مثل لبنان وسوريا والسعودية، مشيرين إلى أن هذه الملفات من المتوقع أن تكون على جدول أعمال اجتماع نتنياهو مع ترمب.

المحادثات بين سوريا وإسرائيل

تصاعدت خلال الأسابيع الماضية التقارير التي تتحدث عن اتصالات مباشرة بين سوريا وإسرائيل، والتي خرجت من دائرة التسريبات إلى التصريحات شبه الرسمية، خصوصاً بعد إعلان رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، عن إشرافه الشخصي على حوار سياسي وأمني مباشر مع الحكومة السورية.

وكشفت وكالة “رويترز”، نقلاً عن خمسة مصادر مطّلعة، أن سوريا وإسرائيل عقدتا في الأسابيع الأخيرة لقاءات وجهاً لوجه بهدف تهدئة التوترات الأمنية ومنع التصعيد في المنطقة العازلة بين الجانبين.

وأفادت المصادر بأن هذه الاتصالات كشفت عن تحوّل مهم في طبيعة العلاقة بين الطرفين، خاصة في ظل دعم الولايات المتحدة للحكومة الجديدة في دمشق، وتشجيعها على التواصل مع إسرائيل، بالتزامن مع تقليص وتيرة القصف الإسرائيلي داخل سوريا.

وركّزت اللقاءات المباشرة حتى الآن على الجوانب الأمنية، لا سيما منع التوغلات والاشتباكات قرب القرى الحدودية، في حين أكد مصدران أن هذه المحادثات قد تمهد لاحقاً لاتفاقات أوسع ذات طابع سياسي، وفقاً للوكالة.

وقال أحد المتابعين لمسار القنوات الخلفية إن هدف المحادثات الحالي هو تثبيت التهدئة وتفادي الحرب، مشيراً إلى أن ملف التطبيع لا يزال مؤجلاً في هذه المرحلة.

في المقابل، قال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، إنه يشرف شخصياً على التنسيق الأمني والسياسي مع دمشق، متجاوزاً بذلك مرحلة الاتصالات غير المباشرة التي تحدثت عنها التقارير السابقة، بحسب صحيفة “إسرائيل هيوم”.

وأوضح هنغبي أن “الحوار مع سوريا لم يعد مقتصراً على قنوات خلفية أو وسطاء، بل أصبح تواصلاً مباشراً ويومياً، يشمل مختلف المستويات الحكومية”، مضيفاً: “أجري شخصياً هذه المحادثات مع ممثلين سياسيين عن الحكومة السورية، وهناك مصالح مشتركة كثيرة بيننا، خاصة فيما يتعلق بالوجود الإيراني في المنطقة”.

يُشار إلى أن موقع “المونيتور” الأميركي ذكر قبل أيام أن المحادثات بين سوريا وإسرائيل تُجرى على مستويات استخبارية ودبلوماسية، مع تركيز الجانبين على نموذج تدريجي لتثبيت الهدنة من دون تطبيع كامل للعلاقات، مؤكداً أن المفاوضات تتم بشكل غير مباشر عبر وسطاء من قطر والسعودية، بينما أبدت الولايات المتحدة استعدادها للضغط من أجل تحقيق تقدّم تدريجي في هذا المسار.

تلفزيون سوريا

——————————-

 ملاحظات حول “وثيقة العهد لأهل الجولان”/ عدنان علي

2025.07.09

مع تواصل الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية منذ سقوط نظام الأسد نهاية العام الماضي، برزت في الشهور الأخيرة تصريحات وتسريبات مختلفة عن مفاوضات “غير مباشرة” وفقًا للمصادر السورية، أو مباشرة وفقًا للمصادر الإسرائيلية، تشير إلى وجود اتصالات بين الجانبين بشأن الترتيبات الأمنية، وإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام في نهاية المطاف.

وترافق ذلك مع صعود وعي أهلي متزايد بين سكان المنطقة من أبناء الجولان المحتل في معظمه، تجلّى خاصة في مطالبة الأهالي للحكومة في دمشق بمنح مناطقهم مزيدا من الاهتمام ومقومات الصمود في وجه الاعتداءات والمطامع الإسرائيلية، وهو ما دفع الرئيس أحمد الشرع إلى استقبال وفدٍ منهم، وسمعوا منه موقف الحكومة وتبريراتها لقلة حيلتها حيال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

وترافق ذلك مع صدور بيانٍ عمّا سُمِّي “التجمُّع المدني لأبناء الجولان” يشير إلى معاناة أهالي محافظة القنيطرة من الاعتداءات الإسرائيلية. وإذ يؤكّد البيان على الوقوف إلى جانب القيادة السورية والرئيس الشرع، يشدّد على رفض “أي مفاوضات أو تفاهمات أو اتفاقات” قد تُفضي إلى التهاون أو التساهل في استعادة الأرض المحتلة.

كما يرفضون “المساس بهويتهم الجولانية” أو “التنازل عن تبعيتهم لمحافظتهم، محافظة القنيطرة”. ويوضح البيان أن المقصود هو رفض “مشروع الاندماج الإداري والخدمي في مناطق تجمعاتنا، والذي سيؤدي حتما إلى إلغاء هوية أبناء الجولان.. ويسهِّل على إسرائيل إقفال ملف الجولان.. ويسهم في إلغاء محافظة سورية هي محافظة القنيطرة”.

ويطالب البيان الحكومة السورية بـ”حقنا في التمثيل الكامل في السلطة التشريعية في مجلس الشعب، تمثيلًا يتوافق مع عدد أبناء الجولان النازحين الذين تجاوز عددهم المليون نسمة”.

كما يطالبها بحقوق “أبناء الجولان المشروعة والقانونية المترتبة على النزوح قبل 57 سنة، كحقوق عامة لكل نازحي العالم”، مثل تأمين السكن والعمل، وإصدار قانون دائم يضمن حقوق نازحي الجولان.

والواقع أن كل من يقرأ هذا البيان لا بد أن يلاحظ أنه يشوبه قدرٌ من التوتر، وعدم الانضباط السياسي وحتى اللغوي، برغم أنه يتطرّق عمومًا إلى قضايا محقّة، ويشير إلى الإهمال الحكومي لهذه المنطقة الحيوية في البلاد، الممتدّ من حقبة نظام الأسد، الأب والابن، واللذين تركا محافظة القنيطرة مهدّمة منذ عام 1973، بينما يعيش أكثر من 600 ألف نازح من أبنائها ومن الجولان المحتل، عيشةً ضنكة، على هوامش المدن، خاصة في ريفَي دمشق ودرعا.

ويرى كاتب هذه السطور، وهو أحد أبناء الجولان، أن المتحدثين باسم أهالي الجولان يجب أن يتمتّعوا بقدرٍ كافٍ من الواقعية والوعي السياسي، حيث يُلاحظ أن البيان المُسمى “وثيقة العهد لأهل الجولان” يتضمّن بعض الأخطاء أو المغالطات، أو على الأقل عدم الدقة في التعبير.

وعلى سبيل المثال، من غير الواضح ما هو المقصود بالحديث عن رفض “مشروع الاندماج الإداري والخدمي في مناطق تجمعاتنا”، ولم يُطرح أحد، على حدّ علمي، مثل هذا المشروع، إلا إذا كان المقصود رفض اندماج أهالي الجولان في مجتمعاتهم الحالية في ريفَي دمشق ودرعا، والتمسك بمخيمات النازحين، باعتبار ذلك يمثل حفاظًا على “الهوية الجولانية”، كما يرى من كتب هذا البيان الصادر عن “التجمع المدني لأبناء الجولان”، حيث تتلقى صفحة هذا “التجمع” يوميًّا رسائل تأييد ومباركة من شخصيات وعشائر الجولان تثني على ما جاء في البيان. وهي رسائل، إن صحّت، تدلّ -في اعتقادي- على مجرّد تأييد لفكرة “مظلومية” أهالي الجولان، وضرورة وجود متحدثين باسمهم، ولا تعني بالضرورة التأييد الحرفي لمضمون البيان.

كيف يمكن أن يؤدي اندماج أهالي الجولان في محيطهم اليوم إلى “إلغاء هوية أبناء الجولان، وإلغاء الخصوصية الجولانية، والتفريط بحق الانتماء إلى أرض آبائنا وأجدادنا..”؟ هل المطلوب أن يعيش أبناء الجولان في “غيتوات” منعزلة ضمن بيوت مخالفات تعاني التهميش وقلة الخدمات؟ هل هذه الظروف تساعد على ولادة أجيال من أبناء الجولان تحظى بحقها في التعليم ولديها الوعي بحقوقها، والتي هي في المحصلة حقوق وطنية لكل البلاد؟ فالجولان لا يخص أبنائه فقط، بل سوريا كلها.

وأيضًا، المطلب الذي ينص على مطالبة الحكومة السورية بحقوق السكن وفرص العمل لأبناء الجولان! وهل أبناء بقية المناطق لا يحتاجون إلى سكن وفرص عمل؟

كما أنه من غير المعروف ما هو المقصود بالمطالبة باستصدار مادة في الدستور أو قانون يضمن “الحقوق المشروعة لأبناء الجولان”. هل يطالب كاتبه مثلًا باسترجاع “بطاقة النازح” التي وُزّعت على نازحي الجولان بعد نكسة 1967 للحصول على معونات غذائية؟

وفي اعتقادي، أن مطالب أهالي الجولان، سواء في الشق المحتل أو أهالي القنيطرة، يجب أن تتمثل أساسًا في تخديم تجمعاتهم المهملة في محيط دمشق ودرعا.. في الحجر الأسود والسبينة والبويضة وحجيرة والسيدة زينب.. إلخ، حيث تعمّد نظام الأسد إهمالها وعدم دمجها في المجتمع السوري الأوسع. إضافةً إلى إعادة إعمار مدينة القنيطرة لتستوعب مئات الآلاف من أبناء الجولان الذين ما زالوا يعيشون في مناطق مخالفات على أطراف دمشق، خاصةً أن ضعف الكثافة السكانية في محافظة القنيطرة، يشجّع إسرائيل على التمادي في اعتداءاتها ويُغريها بالتمدد في هذه المنطقة التي تنظر إليها كمنطقة مليئة بالخيرات وفقيرة بالسكان.

وبالنسبة لمطلب توسيع تمثيل أبناء الجولان في إدارة مؤسسات الدولة المختلفة، فهو مطلب حق، ويجب عدم الكف عن التذكير به، والسعي لتكريسه عبر كل الوسائل القانونية المتاحة.

تلفزيون سوريا

—————————–

تطبيع سورية وإسرائيل… الرحى تعرك السلام دائماً/ سنان ساتيك

08 يوليو 2025

بعد ثلاث سنوات تقريباً من صعود حافظ الأسد إلى رئاسة سورية وتخطيطه أن يكون الحاكم الأوحد إلى الأبد، ارتأى أن تعزيز ذلك لا بد أن يكون عبر إسرائيل، يتخذها جسراً للعبور عليه محققاً غاياته، فكانت حرب 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973 التي اقتات عليها الأسد حتى نهاية حكمه، مستعيداً أجزاء من هضبة الجولان المحتلة ومدينة القنيطرة، فبنى عقيدة بقي يرفل بها حتى وفاته في العام 2000، وبأنه محرر البلاد، ومردداً بأنه يريد استعادة الجولان المحتل بالكامل.

غرق حافظ الأسد في ثمانينيات القرن الماضي في صراعاته الداخلية مع جماعة الإخوان المسلمين، والعائلية مع شقيقه رفعت. وعندما استتب الأمر له حوّل أنظاره نحو لبنان، ودخل في حروبه الداخلية حتى استطاع فرض الوصاية السورية عليه. في تلك الفترة عاشت سورية عزلة دولية، وحصاراً اقتصادياً ضيّق الحياة على الناس وصارت المعيشة قاسية مضنية.

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، رئيس المخاطر والمتاعب لحافظ الأسد وعدوه “الأيديولوجي-السياسي”، الموجود على حدوده الشرقية، أنقذه من عزلته الدولية ووضعه الهش، بعد غزوه الكويت في العام 1990. جاءت الفرصة بقدميها إلى حافظ الأسد الذي لا يضيّع لحظات كهذه، ويجيد التعامل مع اللحظات البراغماتية والتوازنات الدولية، فسرعان ما انخرط في التحالف الدولي لإخراج العراق من الكويت، ساعياً إلى إعادة إدماجه في المنظومة العالمية، تحديداً الأميركية. وهو ما كان عندما وصل إلى البيت الأبيض الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون (1994) الذي بنى علاقة وثيقة مع الأسد، وسعى جاهداً إلى عقد سلام بين سورية وإسرائيل إتماماً لاتفاقي أوسلو عام 1993 ووادي عربة عام 1994.

مفاوضات شاقة بين سورية وإسرائيل

انخرطت دمشق في مفاوضات شاقة مع الإسرائيليين برعاية كلينتون، الذي خال أن السلام السوري الإسرائيلي سيطفئ نار المنطقة، حتى حصلت سورية على ما يعرف بـ”وديعة رابين” التي تعهد فيها رئيس وزراء الاحتلال الراحل إسحق رابين، بالانسحاب الكامل من الجولان والاتفاق مع الجانب السوري على تفاصيل أمنية وسياسية واقتصادية. فقد كان رابين يمنّي نفسه بإنجاز سلام مع سورية، يكمل به مشروعه في السلام مع “دول الطوق”، ويختتم به حياته السياسية، لكن اغتياله عام 1995 عطّل المفاوضات آنياً، إلى أن عادت في أواخر عهد حافظ الأسد، المريض والذي يهيئ الأجواء لتسليم ابنه بشار الرئاسة، بإصرار من كلينتون فكانت مفاوضات شيبردزتاون التي لم تصل إلى المرجو، بسبب الاختلاف على جزئيات حول بحيرة طبرية ومصادر المياه، وتنكر إسرائيل لـ”وديعة رابين”، فحاول كلينتون إعطاءها الأمل بلقاء الأسد في جنيف قبل وفاته في 10 يونيو/ حزيران 2000 بثلاثة أشهر.

عقب استيعاب المنطقة عموماً، وسورية خصوصاً، تداعيات الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط نظام الرئيس صدام حسين، بدأ الطرفان السوري والإسرائيلي يتبادلان التصريحات عن استئناف المفاوضات من دون شروط. لكنها كانت تصطدم في سياقات مُجاورة توقفها في مكانها، كاغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري (2005) وحرب يوليو/ تموز (2006) والعدوان على غزة في ديسمبر/ كانون الأول 2008 والذي استمر 21 يوماً. ويقال إنه كان السبب في تراجع الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد عن لقاء مسؤولين إسرائيليين في تركيا بوساطة من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

بقي السلام مع إسرائيل في عهد الأسدين كشعرة معاوية التي لا يريد الطرفان أن يقطعاها. الأسد الأب أدرك أنها القطعة المفقودة التي ستوفر له ضمان حكمه وتوريث ابنه، والأسد الابن جعلها عملاً يتقدم ويتأخر فيه بحسب المقتضيات والظروف الدولية، يرمي بها وقتما تتطلب مصلحته الشخصية، أو يسحبها عندما يوقن أن أوضاعه غير مهيأة ولا تتوفر له الظروف المنشودة.

توغل إسرائيل في جنوب سورية

اليوم، تتوغل إسرائيل في جنوب سورية، وتصل في مرات كثيرة إلى أماكن تبعد عن دمشق عشرات الكيلومترات فقط، تحتل أراضيَ وتثبت فيها نقاط ارتكاز وتدمر بيوت الأهالي وتعتقلهم وتقتلهم، محاولة تهجيرهم كي تتمكن من توسيع المنطقة العازلة بعد تخليها عن اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974، مطالبة بأن يكون الجنوب السوري خالياً من السلاح ومن وجود الجيش السوري، عقب تدميرها القدرات العسكرية جميعها. وما تزال مستمرة في تحطيم البنى التحتية للقواعد التي ظل النظام السابق يبنيها 51 عاماً ليحاربها بها، فقد كان يكوّم الأسلحة ويقتطع من ميزانية الدولة ويفقر الشعب لـ”الدفاع عن البلاد ومهاجمة إسرائيل” التي عاشت هدوءاً على الجبهة مع سورية بعد حرب 1973، فذاك السلاح المخزن منذ عشرات السنين وجد طريقه للاستخدام ضد الشعب الذي خرج إلى الشوارع ربيع عام 2011.

ما انفك الرئيس السوري أحمد الشرع يدلي بتصريحات، منذ إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، بأن سورية لن تشكل تهديداً لأحد من جيرانها، فالقوة العسكرية مدمَّرة، والبلاد منهكة بلا موارد، حتى اعترف للمرة الأولى في 7 مايو/ أيار الماضي، رداً على مراسلة تلفزيون العربي، في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، بأن بلاده تخوض محادثات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء بهدف تهدئة الأوضاع. وأضاف، في ردّه على سؤال المراسلة: “استقرار سورية يعني استقرار المنطقة وأوروبا والعالم أجمع”، مبيناً أن على إسرائيل “وقف تدخّلها في سورية”. إذاً حمّل كثر الشرع ما لا يريد، فهو منذ وصوله إلى دمشق لم يدعِ المقاومة، ولن يكون خط الدفاع الأول ضد إسرائيل، وبأنه لن يستقر على الحدود يحاربها، فلا قدرات عسكرية متاحة ولا جيش مهيأ لذلك.

تتخذ السلطة السورية الحالية خطاباً سياسياً واقعياً براغماتياً، مستغنية عن الشعارات الثورية الرنانة. تتجه تحليلات عديدة إلى أن دمشق تسارع إلى تقديم تنازلات لتل أبيب أولاً وخلفها واشنطن، مبررة ذلك بأنه تجلى في رفع العقوبات الاقتصادية الذي تحقق سريعاً، وتواتر التصريحات الأميركية والإسرائيلية في الآونة الأخيرة بأنه يجب على سورية وإسرائيل الوصول إلى اتفاقية سلام. وتشير التحليلات إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستنسخ تجربة بيل كلينتون في دفعه عملية السلام في الشرق الأوسط، ولا سيما أن ترامب بدأ ذلك في ولايته الأولى (2017-2021) بإدخال دول عربية عديدة في “اتفاقيات أبراهام” (التطبيع) كونه قادراً على التنفيذ، ويجعل الأقوال أفعالاً، وسعيه نحو جائزة نوبل للسلام واضح متجلٍّ، فهو ليس مهذاراً كما الشائع، بتغريدة يوقف حرباً ويشعل أخرى ويلقي أوامره على الملأ وما عليهم سوى التنفيذ.

الوقائع الحالية تظهر أن سورية تحث خطاها نحو التطبيع مع إسرائيل، فشاع أن التواصل أمسى مباشراً بتسريبات تأتي من هنا وهناك، والقيادة السورية لا تنفيها. إنها صامتة عن شرح ما ترمي إليه. ففي أواخر مايو الماضي، اكتفى قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء العميد أحمد الدالاتي بنفي مشاركته في مفاوضات مع إسرائيل، وقال إن هذه الادعاءات “تفتقد إلى الدقة والمصداقية”. كان هذا النفي شخصياً، أي أن الدالاتي لم يشارك فيها، ولكن لم ينفها عموماً عن غيره، خصوصاً أن الشرع أكد وجود مشاورات في بدايات الشهر ذاته. أما في يونيو الماضي، فلم يمر يوم من دون ذكر لمحادثات ومشاورات سورية إسرائيلية، حتى أبدت إسرائيل، أواخر الشهر الماضي، “اهتمامها” بالتطبيع مع سورية ولبنان.

أي ثمن للسلام… وبأي آليات؟

بأي ثمن سيكون ذلك، وبأي آليات؟ يتردد إسرائيلياً أن أي سلام سيكون بلا الجولان، وسورية ترد بأن السلام لن يكون إلا بعودته. انطلقت المشاورات السورية الإسرائيلية عبر قنوات عدة، أذربيجانية وإماراتية وتركية، حتى شاع أن الاجتماعات صارت مباشرة بين الطرفين على مستوى رفيع، بحسب تسريبات إعلامية، وبأن الاتفاق سيكون قبل نهاية العام الحالي، لكن مصدراً رسمياً في الحكومة السورية علّق على تلك الأنباء لقناة “الإخبارية السورية”، في 2 يوليو/ تموز الحالي، بأن “التصريحات المتعلقة بتوقيع اتفاقية سلام مع الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن سابقة لأوانها”. وأشار المصدر إلى أنه “لا يمكن الحديث عن احتمالية التفاوض حول اتفاقيات جديدة إلا بعد التزام الاحتلال الكامل باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 وانسحابه من المناطق التي توغل فيها”.

يبقى الكلام والكلام المضاد اختباراً وضغطاً من كل طرف على الآخر، لكن الواضح أن المناقشات محتدمة بين الضفتين، بإشراف عربي ودولي. أما السوريون فهم منهكون، بيوتهم خراب، متأزمون اقتصادياً، رأيهم الجمعي تفتت، فكأنهم يرون أن رحى الحرب تعرك السلام دائماً. يبتغي السوريون هنا صوتاً موحداً جامعاً يمسك بيدهم ويرسم لهم معالم يهتدون بها ويسيرون وفقها. إن ترداد التطبيع والسلام مع إسرائيل يجعل السوريين يألفونه ويتعايشون معه كأنه أمر واقع خِيط لهم وهم غير مسؤولين عنه، مكررين “بدنا نعيش”، إذ لا يريدون أن يكون تمكين الحكم واستمراريته بحرب يعيشون عليها سنوات أو اتفاق سلام يحسبون أنه النهاية.

العربي الجديد

—————————–

مصادر المياه كهدف للتوغّل الإسرائيلي في جنوب سوريا… وورقة ضغط/ عمار جلّو

الاثنين 7 يوليو 2025

يبدو أنّ مرتفعات جبل الشيخ السورية المحتلة، قديماً وحديثاً، لا تقتصر أهميتها على الموقع الإستراتيجي بمفهومه الأمني فقط، بل تتعدّاه إلى عنصر المياه الجوفية والسطحية التي تمتاز بها المنطقة، نظراً إلى اتصالها بمجموعة من القضايا الحيوية والإستراتيجية لسوريا، كالتنمية المستدامة في القطاع الزراعي والحيواني فضلاً عن الاستقرار والأمن الغذائي وعدم بقاء الدولة تحت رحمة “سيف ديموقليس”.

فالسيطرة على مصادر المياه الرئيسية في سوريا تمنح إسرائيل ورقة ضغط مهمةً للغاية في أيّ مفاوضات بشأن التطبيع تعقدها مع الحكومة السورية الجديدة، وفق ما يؤكده مركز شاف للدراسات المستقبلية وتحليل الأزمات، ولا سيّما أنّ مناطق جنوب سوريا المحتلة حديثاً تعاني من الفقر المائي.

بجانب ذلك، أبلغ السكان في بلدتَي جملة وعابدين، عن استحواذ قسري على الأراضي، ومصادرة مواشٍ وفرض قيود صارمة على النشاط الزراعي، ما أدّى إلى تفاقم الوضع الإنساني في المنطقة، وتالياً إلى موجة نزوح جديدة تُضاف إلى ملايين النازحين داخلياً جرّاء سنوات الحرب الأهلية الطويلة. يُضيف ما سبق عبئاً جديداً على الموارد الإنسانية والخدمات العامة في مناطق سيطرة الحكومة السورية، ما يعقّد في نهاية المطاف جهود الإغاثة وإعادة التوطين والإعمار.

إسرائيل والسيطرة على المياه

كانت السيطرة على مصادر المياه عاملاً أساسياً في العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري منذ بدايتها، حسب ما يقول لرصيف22، الكاتب والباحث في الشؤون العسكرية والدفاعية، رياض قهوجي. ويضيف: “علينا أن نتذكّر أنّ إسرائيل قائمة على مبدأ الهجرة إليها، وتشجيع الهجرة كان عبر إنشاء المزارع ‘الكيبوتسات’، وهذه الأخيرة بحاجة إلى المياه، وعليه، السيطرة على الموارد المائية متجذّر في عقيدتها وضمن أهدافها الإستراتيجية الأمنية منذ نشأتها”.

كما تبرز أهمية المياه لدى إسرائيل في إصرارها على التمسّك بسيطرتها على الجولان السوري المحتل حيث شكّلت السيطرة الإسرائيلية التامّة أو المشتركة مع سوريا على بحيرة طبريا عقدة المفاوضات التي جرت في عهد الرئيسين آنذاك، الأمريكي بيل كلينتون، والسوري حافظ الأسد، فضلاًعن رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه، إيهود باراك.

حينذاك، أصرّت إسرائيل على الاحتفاظ بها، لأنها منبع مجارٍ مائية وآبار ارتوازية متشعبة عدة تعتمد على مياه البحيرة مع مياه الثلوج التي تنحدر من مرتفعات الجولان. ونظراً لارتباط المياه بأمن الشعوب، تضع إسرائيل الأمن المائي عنصراً أساسياً في أمنها القومي، وفق قهوجي.

وفي هذا السياق، يشير موقع “برس تي في” إلى مطالبة رئيس منظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لإسرائيل، حاييم وايزمان، بضرورة أن تشمل حدود “الدولة المستقبلية” منابع نهر الأردن، في جبل حرمون، والروافد السفلى لنهر الليطاني، باعتبارها نقاطاً مركزيةً لأمن إسرائيل مستقبلاً، بالإضافة إلى مطالبة أول رئيس وزراء لإسرائيل، دافيد بن غوريون، عام 1948، بضرورة أن تكون الضفاف الجنوبية لنهر الليطاني ضمن حدود إسرائيل. وعلى ذلك، بقيت بحيرة طبريا ونهر الأردن ونهر الليطاني أهدافاً إستراتيجيةً إسرائيليةً خلال الحروب السابقة وإلى الآن.

المياه كأداة هيمنة جيو-سياسية

تعكس السيطرة على المياه إستراتيجيةً شاملةً تتجاوز الأهداف الأمنية إلى استخدم المياه كآلية لبسط النفوذ وتوطيد الهيمنة على عموم المنطقة العربية، وفق ما يقول الباحث والناشط في المجالين البيئي والتنموي، جورج كرزم، عبر صحيفة “رأي اليوم”. ويشرح أن المياه أضحت أصلاً أمنياً وطنياً حاسماً يشكل ديناميات القوة الإقليمية والعلاقات بين الدول.

وعليه، أضحت السيطرة على الأصول الهيدرولوجية العربية من بين الأدوات الجيو-سياسية المحورية لإسرائيل، متجاوزةً الاعتبارات العسكرية التقليدية لصالح نهج أكثر شمولاً للهيمنة الإقليمية. وعلى الصعيد السوري، وعبر تثبيت هيمنتها على البنية التحتية المائية السورية الحرجة، ولّدت إسرائيل ظروفاً جيو-سياسيةً تؤبِّد علاقات التبعية، بصرف النظر عن الترتيبات السياسية الرسمية.

وخلال جلسة طارئة لمجلس الأمن حول سوريا، في نيسان/ أبريل 2025، اتهم مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة، قصي الضحاك، إسرائيل بالسعي إلى “سرقة الموارد المائية السورية”، لافتاً إلى سيطرتها على الموارد المائية في الجنوب، وتحويلها مسارات الأنهار، مشدّداً على أنّ ذلك يهدّد الأمن الغذائي والمائي للبلاد.

منذ إسقاط نظام الأسد، سيطرت إسرائيل على أكثر من 10 مصادر مائية في جنوب سوريا، حسب الصحافي السوري وليد نوفل، ابن محافظة درعا الذي يغطّي أخبار الجنوب السوري عبر موقع “سوريا على طول”. تقع هذه المصادر المائية في منطقة جبل الشيخ ومحافظتَي درعا والقنيطرة، وتشمل سدوداً وينابيع ومجاري مائيةً، مثل سدّ المنطرة وسدّ كودنة وسدّ رويحينة وسدّ الوحدة، على الحدود السورية الأردنية، إلى جانب السيطرة على منبع نهر اليرموك ومحاولة الوصول إلى سدّ جبيلية في مدينة نوى غرب درعا.

ويردف نوفل، في حديثه إلى رصيف22، بأنه بالتزامن مع ما سبق، منعت القوات الإسرائيلية المتوغّلة وصول المزارعين إلى أراضيهم في وادي اليرموك، وفي العديد من المواقع القريبة من قواعدها العسكرية وقرب نقاط انتشار قواتها الواصلة حديثاً إلى سوريا. ونتيجة سيطرتها على مصادر المياه، منعت إسرائيل تدفّق هذه المياه إلى كثير من الأراضي الزراعية، ما أثّر سلباً على المزارعين وأصحاب المواشي في ريفي القنيطرة ودرعا الغربي، وضاعف بالتبعية معاناة الأهالي، ولا سيّما أنّ البلاد تعاني من الجفاف وقلة الأمطار، حيث التراجع الحادّ في معدل الهطولات المطرية.

وتقوم إسرائيل ببناء قواعد وتحصينات عسكرية وشقّ طرق وتركيب أعمدة إنارة، وهو ما يشير إلى اعتزامها استمرار وجود قواتها فترةً طويلةً قد تمتد لسنوات، وربما ينتهي بتوقيع اتفاقيات سياسية جديدة، وفق نوفل الذي ينبّه إلى أنّ تحرّكات إسرائيل الأخيرة، التي تزعم أنها مدفوعة بهواجس أمنية، مرتبطة أيضاً بمصادر المياه وأفكار التوسّع، معلّلاً ذلك بمحاولات قواتها استمالة سكان ريفي القنيطرة ودرعا، عبر تقديم مغريات من بينها توفير خدمات الكهرباء ومياه الشرب والصحة وبناء مدارس وتقديم مساعدات، وهو ما يقابَل برفض الأهالي.

إلى ذلك، “نجحت إسرائيل في تحويل تواجدها الحالي إلى ورقة ضغط، وربما سوف نشهد اتفاقيات مائيةً جديدةً بالإضافة إلى الاتفاقيات السياسية المحتملة بين الحكومة الجديدة وتل أبيب”، على حدّ قول الصحافي السوري.

تغوّل على مصادر المياه

وعقب إسقاط نظام الأسد، فرضت إسرائيل سيطرتها على مناطق عدة في جنوب سوريا، بما فيها المنطقة العازلة، وعشر سدود، تقدّر إمداداتها بالمياه لسوريا بقرابة 30%، وللأردن بقرابة 40% من المياه النابعة من سوريا.

من هذه السدود، سدّ الوحدة الخرساني، على الحدود بين سوريا والأردن، في منطقة المقارن على نهر اليرموك، الذي يبلغ ارتفاعه 110 أمتار، ويغذّي محافظتَي درعا والسويداء، وسدّ المنطرة الذي يشكّل شريان حياة لمحافظة القنيطرة، وسدود سحم والشبرق وعابدين وكدنا وبريقة الأصغر وغدير البستان وسدّ جسر الرقاد ورويحينة الأصغر على نهر وادي الرقاد، أحد روافد نهر اليرموك، والأخير أحد روافد نهر الأردن. كما احتلت وادي نهر الأعوج الذي يمثّل مع نهر بردى المغذّي الرئيسي لحوض محافظة دمشق.

بجانب ذلك، واصلت إسرائيل تمدّدها نحو مصادر المياه المشتركة بين الأردن وسوريا، والتي تشكل أهم أساسيات الأمن القومي لكلا البلدين، ولا سيّما مع احتلالها سدّ الوحدة، أحد المصادر المائية الإستراتيجية للدولتين، وتم العمل على إنشائه عام 2003، بموجب اتفاقية لتنظيم مصادر المياه المشتركة بينهما عام 1987، اشتملت بنودها على إنشاء سدّ من الجانب الأردني على نهر اليرموك بسعة تُقدّر بنحو 220 مليون متر مكعب، فيما أنشأت سوريا نحو 25 سدّاً لريّ أراضيها.

كما تضمنت الاتفاقية، وفقاً لمعهد السياسة والمجتمع، إنشاء مركز لتوليد الطاقة الكهربائية، وتحصل بموجبها سوريا على 75% من الكهرباء المنتجة، بينما يحصل الأردن على 25% منها. لكنها لم تُفعّل بشكلها الكامل نتيجة تحديات عدة، منها اندلاع الثورة السورية بعد عام واحد من اكتمال بناء السدّ عام 2010.

يضيف المعهد أنّ حوض اليرموك يضم أكبر أنهار جنوب سوريا، نهر اليرموك، لذا يشكّل مصدراً مائياً رئيسياً للجنوب حيث تستخدم محافظتا درعا والسويداء مياهه لاحتياجاتها المتعددة، من الشرب والاستخدام المنزلي إلى ري الأراضي الزراعية الواسعة في منطقة “حوران”، التي تُعدّ سلّة الغذاء الأهم للجنوب السوري. وعليه، فإن التواجد الإسرائيلي على الروافد المائية المشتركة بين الأردن وسوريا، يضيف تحدياً إضافياً كبيراً للواقع المعيش، في ظل بيئة إقليمية متغيرة.

المياه في الإستراتيجية الإسرائيلية قديماً وحديثاً

من خلال السيطرة على سدّ الوحدة، أمَّن الجيش الإسرائيلي السيطرة على سدّ المنطرة في القنيطرة، وذلك ضمن مساعي تل أبيب لإنشاء استدامة مائية إسرائيلية طويلة الأمد وسط تزايد ندرة الموارد، حسب ما يقول جورج كرزم، عبر “رأي اليوم”، حيث تقبع سوريا وإسرائيل والأردن ولبنان وفلسطين ضمن المناطق الخمسة والعشرين الأكثر تهديداً بانعدام الأمن المائي في العالم، حسب تصنيف معهد الموارد العالمية.

ولإسرائيل تاريخ طويل من التعدّي على المياه العربية، حسب الأكاديمي وخبير المياه والريّ، ضياء الدين القوصي، الذي يؤكد أنها تسرق المياه من الأردن وفلسطين ولبنان، وحتى من مصر، عن طريق حفر آبار عميقة على الجانب الفلسطيني من رفح، وكلّ ذلك ليس سرّاً ولا يخفى على أحد، على حد قوله.

لكن، مع هذا التاريخ المظلم من سرقة المياه، تقوم إسرائيل بحرمان الفلسطينيين من الماء الضروري لبقائهم على قيد الحياة، فيما تخصّص لمستوطنيها ما يزيد بكثير عن احتياجاتهم، وفي الوقت نفسه يدفع الفلسطيني أضعاف ما يدفعه مواطنو إسرائيل اليهود مقابل الماء.

ويستدرك القوصي، في حديثه إلى رصيف22، بأنّ “إسرائيل تعلم أن سوريا ولبنان هما البلدان العربيان اللذان لديهما اكتفاء ذاتي من المياه، لذا تعمل جاهدةً على حرمانهما من ذلك”. وعليه، من غير المستغرب قيامها بالتعدي وسرقة مصادر المياه السورية، سواء بالسطو المباشر على مياه الأنهار أو بسحب المخزون الجوفي أو مخزون المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج من المرتفعات السورية واللبنانية، حسب تحليله.

“القصة الرئيسية هي أنّ الإسرائيليين يكتسبون السيطرة الكاملة على اليرموك”، قال محلل شؤون الشرق الأوسط ومؤسس “مقداد جيوبوليتيك”، فراس مقداد، لصحيفة “عرب نيوز”، ذلك أنّ احتلال إسرائيل للمنطقة يضمن سيطرتها على الممرات المائية الحيوية حيث “يتغذّى اليرموك على نهر الأردن. إنه الرافد الرئيسي للنهر”، أضاف مقداد، مستخلصاً “أنهم (الإسرائيليين) استولوا على مورد مائي مهم جداً من السوريين ووضعوه بالكامل تحت سيطرتهم، ما يمنحهم نفوذاً على الأردن من خلال قدرتهم على قطع إمدادات المياه”.

إلى جانب القضايا الأمنية، غالباً ما تهتم إسرائيل بأولويات أخرى في مُقدمتها ملف المياه، حسب المدير العام لمركز “ستراتيجيكس” البحثي، حازم الضمور، ولديها تاريخ من الاستحواذ على مصادر المياه في الضفة الغربية، التي أقامت عليها العديد من المستوطنات وراعت في تصميمها للجدار العازل عام 2002 تلك المسألة، أو عبر سيطرتها على الأنهار والمجاري المائية.

يشير الضمور، في حديثه إلى رصيف22، إلى وضع إسرائيل خلال اجتياحها لبنان عام 1982، ووضعها مخطّطات تتضمّن السيطرة على نهر الليطاني، كما فعلت في حرب عام 1967، عندما سيطرت على مصادر المياه في حوض نهر الأردن، وعلى مصادر المياه في منطقة مرتفعات الجولان، وتوسّعت تلك السيطرة نحو منابع الأنهار من بينها نهر الحاصباني ونهر بانياس ونهر اللدان ونهر الأردن.

كما يلفت الضمور إلى أن تداعيات التحرّكات الإسرائيلية الأخيرة، لا تتعلق بمسائل الأمن القومي للدول المُطلّة على مرتفعات الجولان فحسب، والتي تطلّ على ثلاث دول عربية، الأردن وسوريا ولبنان، وتُعدّ نقطةً متقدمةً لمراقبة مناطق حزب الله في الجنوب اللبناني ووادي البقاع، بجانب إطلالها على العاصمة السورية دمشق، لكنها تتعلّق أيضاً بالمخاطر المترتبة عنها على الأمن المائي والغذائي لتلك الدول في وقت أصبحت فيه قضايا المياه تحتل حيزاً واسعاً من النزاعات الدولية، من بينها النزاع المصري الأثيوبي بشأن سدّ النهضة، والنزاع التركي العراقي بشأن حصة الأخير من مياه الفرات.

ويشدّد على أنّ هكذا نزاعات كادت أن تؤدي إلى حرب بين قوتين نوويتين مؤخراً، هما الهند وباكستان، بعد أن أعلنت نيودلهي أنها أوقفت تدفق مياه السند بعد الهجوم الإرهابي في كشمير. وتزداد الخطوات الإسرائيلية تصعيداً، بحسب الضمور، في ضوء حالة الجفاف التي تطال الأردن وسوريا، والتي أصبحت تؤثر بشكل ملحوظ على الأمن الغذائي والقطاع الزراعي في الدولتين.

ويتّسق استيلاء إسرائيل على الموارد المائية الرئيسية في سوريا مع سياستها الأوسع نطاقاً في المنطقة، حسب الزميلة الباحثة في كلية لندن للاقتصاد في البيئة السياسية النقدية، منى الدجاني، التي أكدت: “لقد عزّزت إسرائيل هيمنتها المائية على مصادر المياه في المنطقة على جبهات متعددة”، عبر مجلة “نيولاينز”.

كما لفتت الدجاني، إلى “كون الضفة الغربية المحتلة والجولان المحتل موقعين لاستخراج المياه لصالح التوسّع الاستيطاني وتوفير المياه والأراضي والفوائد الاقتصادية الإسرائيلية منذ ستينيات القرن الماضي”، مبرزةً أنّ تل أبيب “وسّعت أيضاً سيطرتها على نهر الليطاني في لبنان خلال حربها المستمرة ضد لبنان وحزب الله، من خلال استهداف البنية التحتية للمياه بشكل منهجي”.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في نيسان/ أبريل 2025، أنّ القوات الإسرائيلية العسكرية ستبقى إلى أجل غير مسمّى في المناطق العازلة التي تم الحصول عليها حديثاً في غزة ولبنان وسوريا.

على ذلك، ينبّه المحلل السياسي عامر السبايلة، خلال حديثه لـ”المشهد”، إلى أنّ إسرائيل تعدّ السيطرة على منابع المياه جزءاً من إستراتيجيتها الدائمة، لأنّها تمنحها أوراق ضغط وقوة على كل محيطها الجغرافي حيث يتم استخدامها لإعادة صياغة علاقاتها مع الطرف الآخر، بما فيها إرغامه على تقديم تنازلات، ما يرجّح أن تكون خطواتها في سوريا بوابةً لاستخدامها في مواجهة الأخيرة على طاولة المفاوضات، وذلك ضمن مساعي إسرائيل لإخضاع محيطها الجغرافي مستقبلاً لتأثيرها. وعليه، فإن السيطرة على منابع المياه تشكّل جزءاً من إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي.

رصيف 22

——————————–

سوريا وإسرائيل… سلام دافئ أم عابر؟/ إبراهيم حميدي

ترتيب أولويات المائدة التفاوضية ضرورة حيوية لتثبيت انتقال سوريا من محور إلى محور. 

آخر تحديث 06 يوليو 2025

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن احتمالات السلام بين سوريا وإسرائيل، وكثرت معه التوقعات إزاء المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الطرفان في المضمون والبعد الزمني، بل إن أحد الصحافيين الإسرائيليين ذهب إلى أن دمشق اقترحت مقايضة: طرابلس اللبنانية مقابل الجولان السورية.  

لا خلاف أن وسطاء كثرا ينقلون الرسائل بين دمشق وتل أبيب، وهي تتناول عناوين عدة، بينها: اتفاق فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل عام 1974، تبادل المعلومات الأمنية ضد الميليشيات والتهديدات الأمنية، ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان ومستقبل مزارع شبعا، انضمام دمشق إلى “الاتفاقات الإبراهيمية”.  

ماذا يعني كل بند؟   

اتفاق فك الاشتباك: بعد النكبة في 1948 جرى توقيع اتفاق الهدنة بين دمشق وتل أبيب وأقيمت جيوب عازلة، وتشرف حاليا على تنفيذه قوات أممية. وبعد حرب 1973 توسط وزير خارجية أميركا هنري كيسنجر وأنجز “اتفاق فك الاشتباك” ووقعه رئيسا أركان سوريا وإسرائيل في جنيف في 31 مايو/أيار 1974، وهو يعني عمليا “تحييد” جبهة الجولان من أي عمل عسكري مستقبلي، عبر إقامة منطقة عازلة بعمق عشرة كيلومترات ومنطقتين بالطرفين مخففتين من السلاح بعمق 20 كيلومترا، وأن يقوم 1250 عنصرا من “القوات الدولية لفك الاشتباك” (أندوف) بالتحقق من التزام الطرفين، أي عدم دخول سلاح وعناصر غير المسموح بها وفق بنود الاتفاق.  

وقتذاك، حاول كيسنجر نيابة عن تل أبيب إقناع حافظ الأسد بإضافة بند خطي يتضمن “منع نشاط العناصر غير السورية” أي المقاتلين الفلسطينيين، في الجولان. الأسد رفض، لكنه وافق على ذلك بتفاهم سري شفوي يفيد بمنع أي نشاط للفصائل الفلسطينية. وهذا ما حصل لعقود حيث سُجن كثيرون لأنهم حاولوا تنظيم عمل مسلح قرب الجولان.   

بعد 2011، انسحبت “أندوف” وحصلت فوضى سلاح قرب الجولان جنوبي سوريا وانتشرت فصائل سورية معارضة وميليشيات إيرانية و”حزب الله”. وفي 2018 توسط الرئيسان دونالد ترمب وفلاديمير بوتين واتفقا على ضرورة “ضمان أمن إسرائيل”. بالفعل، جرى توقيع اتفاق تضمن انسحاب “جميع العناصر غير السورية”، أي الميليشيات الإيرانية وسلاحها الثقيل إلى عمق 85 كلم من خطوط الجولان، مقابل عودة قوات الحكومة السورية وتخلي أميركا عن المعارضة السورية المسلحة في الجنوب.   

مع سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، توغلت إسرائيل في المنطقة العازلة في الجولان وسيطرت على قمة في جبل الشيخ وتوغلت في مناطق عديدة باتجاه دمشق. كما قامت بقصف مناطق عدة في سوريا وشنت مئات الغارات ودمرت البنية العسكرية الاستراتيجية لسوريا. 

مزارع شبعا: لدى قرار إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان في منتصف 2000، جرى اجتماع سياسي في دمشق، تقرر بعده “خلق” ذريعة لـ”حزب الله” كي يبقي على سلاحه. “الذريعة” كانت أن مزارع شبعا لبنانية وأن “حزب الله” هو “حركة مقاومة لتحرير الأراضي المحتلة”.   

إذن المطلوب من دمشق حاليا، يتعلق بمسألة السيادة على مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وموقع “الخط الأزرق” التابع للأمم المتحدة، الذي يقسم في وضعه الحالي قرية الغجر، أي أن تؤكد الحكومة السورية لبيروت خطيا أن الموقعين هما أراضٍ سورية تحتلها إسرائيل وتعيد الأمم المتحدة رسم “الخط الأزرق”. عمليا المطلوب نزع الذرائع من “حزب الله”.   

تبادل المعلومات الأمنية: في ضوء انتشار ميليشيات وتهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود السورية، يطرح تأسيس آلية إقليمية تشمل سوريا وإسرائيل لمكافحة الإرهاب والفوضى وتحقيق الاستقرار الإقليمي.  

الاتفاقات الإبراهيمية: انضمت إليها البحرين والإمارات والمغرب والسودان في إدارة ترمب الأولى، ويطرح الرئيس الأميركي حاليا انضمام سوريا إلى هذه الاتفاقات، وأعلن البيت الأبيض هذا الطلب أكثر من مرة، واقترح عقد قمة مع قادة سوريا وإسرائيل لإعلان هذا بصورة جماعية.  

ما هو الممكن؟    

إدارة ترمب ودول غربية تعتقد أنها “سلّفت” الحكومة السورية كثيرا: الاعتراف وفك العزلة ورفع العقوبات وتقديم المساعدات. وهي تريدها أن تمضي بسرعة نحو بناء علاقات مع إسرائيل والانضمام إلى “الاتفاقات الإبراهيمية” ضمن تصور إقليمي لشرق أوسط جديد.  

من الخطأ الاعتقاد أن دمشق قادرة على القفز إلى هذه الخطوة حاليا. الممكن هو بالفعل البدء بالخطوات العاجلة والضرورية، أي، توصل دمشق وتل أبيب إلى اتفاق “عدم اعتداء”، أي تجديد الالتزام بـ”اتفاق فك الاشتباك”، لكن هذا يتضمن فعلا انسحاب إسرائيل من المنطقة العازلة في الجولان والمناطق التي استولت عليها بعد 8 ديسمبر.   

ولا شك أن سهر “أندوف” على تطبيق جميع بنود “اتفاق فك الاشتباك” يوفر جميع الضمانات الأمنية التي تمنع وجود ميليشيات وعناصر غير منضبطة وما تقول عنه تل أبيب “تكرار سيناريو 7 أكتوبر” جنوب سوريا، إذ إن الاتفاق يحدد عدد العناصر والسلاح ونوعيته ومداه. وفي حال أرادت تل أبيب انتشار قوات أميركية ضمن قوات “أندوف”، فأغلب الظن ستطلب دمشق وجود قوات عربية وتركية. وهذا يذكّر بمفاوضات 1974، إذ إن كيسنجر اقترح نشر قوات أميركية ضمن “أندوف”، فردّ الأسد بطلب قوات سوفياتية.  

دمشق قادرة على ترسيم الحدود مع لبنان وتأكيد أن مزارع شبعا سورية ذلك أن لها مصلحة في ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح والمخدرات. وأغلب الظن ستكون مستعدة للمشاركة في آلية إقليمية لمكافحة الإرهاب، خصوصا أن تركيا كانت قد اقترحت تأسيس كتلة تضم سوريا ودول الجوار، العراق والأردن ولبنان.  

أما موضوع الانضمام إلى “الاتفاقات الإبراهيمية”، فإنه يطرح الفرق بين سوريا والدول الأخرى التي وقّعت هذا الاتفاق. فالدول العربية الأربع ليست لديها أراض محتلة وليست مجاورة لإسرائيل. صحيح أن سوريا مشغولة باستعادة سيادتها ووحدتها وتأسيس جيشها ومشروع الإعمار، لكن البدء بالانضمام إلى “الاتفاقات الإبراهيمية” سيعقد تنفيذ أولوياتها ولن يسهلها، أي إنه سيشكل تحديا لوحدة القوات العسكرية الناشئة.  

لا شك أن هذه البنود السورية-الإسرائيلية وسعي البعض لـ”سلام دافئ” يتعلق بالسعي إلى بناء نظام إقليمي جديد بعد النكسات الكبيرة التي تعرضت لها إيران ووكلاؤها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. لكن استسهال “الاختراقات” يعطي ذرائع لإيران ببث الفوضى ويعطي مبررات لتركيا في “فرملة” اتجاهات سوريا الجديدة، فيكون “السلام عابرا”. ترتيب أولويات المائدة التفاوضية بين دمشق وتل أبيب ضرورة حيوية لتثبيت انتقال سوريا من محور إلى محور. 

المجلة

———————–

على أعتاب دمشق… إسرائيل توسع توغلاتها في سوريا/ صبحي فرنجية

فرض الأمر الواقع

آخر تحديث 07 يوليو 2025

تحاول إسرائيل فرض واقع صعب على الدولة السورية من الناحية الأمنية، وذلك لدفعها إلى الوصول إلى تفاهمات بينها وبين سوريا قبل أن تتسارع أعمال عجلة الاستقرار السوري الذي قد يؤجل التفاهمات السريعة ويفتح أبواب التفاوض على المكاسب من جانب الحكومة السورية مقابل أي اتفاق أو عملية سلام. السلوك الإسرائيلي مبني على تعقيد كثير من الديناميكيات السياسية والأمنية أمام الدولة السورية الجديدة المتعبة والمُثقلة بإرث من الدمار والبنية الاقتصادية المنهارة نتيجة سنوات طوال من الحرب.

توغلات في الأراضي السورية، عمليات استهداف وإنزال في عدّة مناطق، وإنشاء حواجز تفتيش في مناطق من حوض اليرموك والقنيطرة، حتى إن التدخلات الإسرائيلية وصلت إلى منطقة يعفور القريبة من العاصمة دمشق، من خلال تنفيذ عملية برية امتدت لـ4 ساعات بحسب معلومات “المجلة”، تضمّنت مصادرة صواريخ تُركت من قبل ميليشيات تابعة لإيران و”حزب الله” اللبناني بعد سقوط النظام، وعملية تفتيش لأكثر من منزل كان من المخطط أن يتم اعتقال أشخاص فيها، دون أن تتمكن “المجلة” من التأكد من مصادر متقاطعة حول نجاح عملية الاعتقال.

عملية الإنزال تمّت بعد ساعات من احتفال الدولة السورية بهويتها البصرية الجديدة، وبحسب المعلومات قدمت 3 طائرات هليكوبتر ونفذّت عملية إنزال في بلدة كفر قوق التابعة لمنطقة يعفور التي لا تبعد عن دمشق كثيرا (حوالي 18 كم)، وعملية مشابهة في بلدة رخلة القريبة من كفر قوق. الجانب الإسرائيلي سحب من المنطقة صواريخ محمولة على الكتف/مضاد للطيران، وتم تفجير ما بقي من المستودعات والتي كانت فيها أسلحة خفيفة. المنطقتان كانتا مراكز قوّة وتخزين سلاح لـ”حزب الله” اللبناني كونهما قريبتين من الحدود السورية-اللبنانية، ما يُرجح أن الجانب الإسرائيلي كان يحاول قطع الطريق أمام وصول هذه الأسلحة لـ”الحزب” في لبنان، سيّما أن عمليات التهريب على الحدود مستمرة في محاولة من “الحزب” نقل ما أمكن من مخزون السلاح الموجود في سوريا والذي لم تصل إليه الدولة السورية بعد.

بفارق ساعات عن عملية الإنزال تلك، قامت قوّة برية إسرائيلية بالتوغل في مناطق عدّة من حوض اليرموك بريف درعا، وتحديدا في قرية صيصون، وبحسب المعلومات فإن هذا التوغل كان مؤقتا، تخلله تفتيش لعدة منازل وتجريف لبعض الأراضي، إضافة إلى إنشاء حواجز مؤقتة قبل الخروج من المنطقة بعد انتهاء العمليات هناك. هذا التحرك في حوض اليرموك سبقته عملية توغل مشابهة قبل يومين، 2 يوليو/تموز، وصولا إلى مزرعة في ريف بلدة المعلقة جنوب القنيطرة، حيث تم اعتقال ثلاثة أشخاص من أصول فلسطينية، وتفتيش لعدة أماكن في البلدة.

أكثر من 6 عمليات مشابهة تمّت في محافظة القنيطرة خلال شهر يونيو/حزيران الماضي، في بلدات جباتا الخشب، طرنجة، وغيرها. وفي يوم 22 من الشهر الفائت توغلت قوّة من الجيش الإسرائيلي بمرافقة عدّة مجنزرات إلى بلدة عابدين في حوض اليرموك، وبحسب المعلومات قامت تلك القوات بشقّ طريق جديد في محاولة لربط وادي عابدين بالجولان، إلا أن عمليات التمهيد توقفت حينها وغادرت القوّة، فيما يبدو أنه انتهاء للمرحلة الأولى من العملية. وفي يوم 31 يونيو قامت قوّة إسرائيلية بتفتيش المارّة على الطريق بين خان أرنبة وجبا في ريف القنيطرة، وتوقيف كل سيّارة أو شخص يمر على الطريق.

غضب شعبي

الاستهدافات والتوغلات الإسرائيلية التي تحاول إسرائيل تبريرها بأنها لحماية أمنها القومي من أي جماعات تابعة لإيران أو جهات متشددة في المناطق السورية القريبة من حدودها، هي في واقع الأمر تُشكل عبئا أمنيا على الدولة السورية، فالغضب الشعبي من التوغلات الإسرائيلية بات حملا ثقيلا خصوصاً في محافظات الجنوب، إضافة إلى أن الأطراف الخارجية التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار في سوريا تستفيد من التدخلات الإسرائيلية وسط توجّه الدولة السورية لاحتواء التدخل دون خلق مزيد من الفوضى، فالميليشيات التابعة لإيران وأذرع “حزب الله” اللبناني تحاول تجنيد وإعادة إحياء نفوذها من بوابة “المقاومة” ومنع التدخلات الإسرائيلية ومحاربة توجهات الحكومة السورية للتفاوض مع إسرائيل، يُضاف إلى ذلك الاستراتيجية الجديدة لتنظيم “داعش” في سوريا والتي تهدف إلى شيطنة الدولة السورية ورئيسها أحمد الشرع، بغية تجنيد عناصر جدد بحجة محاربة الدولة وتوجهاتها للسلام مع إسرائيل.

الدولة السورية ألمحت أكثر من مرة إلى أن هناك مفاوضات غير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، بهدف الوصول إلى نوع من الاتفاق، إلا أن البنية الشعبية التي يمكن أن تقبل التوافق مع الجانب الإسرائيلي ما زالت غير واضحة المعالم بالنسبة للدولة السورية، فأي خطو نحو الأمام للسلام قد تخلق فجوات أمنية وتُفقد القيادة السورية الجديدة نسبة من التأييد الشعبي لها.

يقول أحمد رويّان، رئيس اللجنة التنفيذية في التجمع المدني لأبناء الجولان في حديث مع “المجلة” إن “نظرتنا ورأينا في الاتفاق مع إسرائيل يتوافق ويتطابق مع رأي القيادة السورية التي نثق بها تمام الثقة”، وعقّب بالقول: “بشرط أن لا يتم التهاون أو التفريط بحقنا الأصيل في أرضنا المحتلة عام 67″، وعدّ أن “الغاية من التوغلات الإسرائيلية هي خليط من فرض واقع جديد وجس نبض للشعب السوري وخصوصا أبناء الجولان ومحاولة للتمهيد لعقد اتفاق جديد لتبديد المخاوف الأمنية التي تخشاها إسرائيل”.

فصائل غير منضبطة

منذ سقوط النظام السوري، وبدء الجانب الإسرائيلي شنّ غارات مكثفة ضد منشآت عسكرية كانت تتبع للجيش السوري زمن النظام، بدأت كثير من بقايا الخلايا الإيرانية، وبقايا النظام السوري، وخلايا “داعش”، ومجموعات عسكرية غير منضبطة، باستغلال الحالة تلك لتحقيق عدّة أهداف مثل تجنيد عناصر جدد، وزعزعة الثقة بالدولة السورية الجديدة، ومحاولات استهداف للجانب الإسرائيلي لخلق فوضى أمنية وتبرير التدخلات الإسرائيلية في سوريا، والتي تُعتبر أحد أعمدة سرديات هذه الجماعات في تقوية نفوذها في سوريا، يُضاف إلى ذلك سرديات أخرى مثل اتهام الدولة السورية بالتطرف ومهاجمة الأقليات السورية.

وكان لافتا ما حصل يوم 3 يونيو/حزيران، عندما تم إطلاق ثلاثة صواريخ غراد من منطقة قريبة من سحم الجولان بريف درعا باتجاه الجولان، ليردّ الجانب الإسرائيلي بأكثر من 6 قذائف على المنطقة، عدّة أطراف تبنّت العملية من الجانب السوري أبرزها “المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس”، و”كتائب الشهيد محمد الضيف”، المجموعتان ظهرتا خلال الأشهر الأخيرة، وتحملان أجندةً متقاربة، محاربة الجانب الإسرائيلي، ودعم “محور المقاومة” في المنطقة.   

بحسب المعلومات التي حصلت عليها “المجلة”، فإن الحكومة السورية اعتقلت أشخاصا بعد الاستهداف ينتمون لـ”كتائب الشهيد محمد الضيف” التي تبنّت العملية، في إطار التحقيقات حول الحادثة، فيما لم يتم الوصول إلى معلومات عن أماكن توزع عناصر “المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس” التي تبنّت العملية هي الأخرى ونشرت مقطع فيديو يُظهر لحظة إطلاق صواريخ دون وجود ما يؤكد أن الفيديوهات هي لعملية إطلاق الصواريخ نفسها التي وصلت الجانب الإسرائيلي.

“كتائب الشهيد محمد الضيف” حملت اسم القائد السابق لأركان “كتائب عز الدين القسام”، والذي يُعتبر الجناح العسكري لـ”حماس”. اغتالته إسرائيل شهر أغسطس/آب من العام الماضي، وتحقيقات الدولة السورية مع المعتقلين كشفت، بحسب معلومات “المجلة”، أن هذه الكتائب في سوريا هي عبارة عن مجموعة صغيرة ليست ذات نفوذ كبير. في حين أن الخطر الأكبر يكمن في محاولة أذرع إيران و”حزب الله” اللبناني في المنطقة الاستفادة من هذه المجموعات وتقوية نفوذها. سيّما أن بعض الشخصيات التي كانت تخدم الأجندات الإيرانية في الجنوب السوري ما زالت موجودة ومتوارية عن الأنظار وتحاول الوصول إلى عناصر سابقين أو مدنيين غاضبين من التدخلات الإسرائيلية بغية تجنيدهم.

ووفق المعلومات، فإن الأمن الداخلي في سوريا يبحث عن عناصر سابقين في “قوات العرين”، التي كان يرأسها وسيم المسالمة والتابعة للميليشيات الإيرانية كانت تنشط في منطقة اللجاة جنوب سوريا، ما زالوا على تواصل مع شخصيات وقيادات في “حزب الله” اللبناني، فيما قالت عدّة مصادر محلية في درعا والسويداء إن بعض الشخصيات القيادية في جيش النظام والميليشيات الإيرانية يختبؤون في أرياف السويداء ومناطق من درعا، وأن هؤلاء يحاولون تجنيد شخصيات للعمل لصالحهم لتنفيذ عمليات أمنية في درعا. وسيم المسالمة لم يتم اعتقاله حتى اللحظة وما زالت عمليات البحث عنه من قبل الدولة السورية جارية للوصول إليه، في خطوة تراها الدولة مهمة في طريق تفكيك الشبكات التي ما زالت تعبث في مناطق الجنوب السوري.

أحمد رويّان لا يظن أن قوّة إيران في الجنوب السوري قادرة على “فرض واقع جديد على الحدود مع الجولان المحتلة”، وأن “زمن متاجرة إيران في القضية الفلسطينية والعداء الوهمي لإسرائيل قد انتهى”، لكنّه في الوقت نفسه يقول  “ما زلنا نخشى أن تكون هناك أذرع خفية لإيران تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار وتوفير الحجة لإسرائيل للقيام بمزيد من التوغلات داخل أراضي القنيطرة”.

من جهته، أعرب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، يوم 4 يوليو/تموز الجاري، عن “قلق متزايد” لدى دمشق “إزاء محاولات إيران التدخل في الشأن السوري، وخصوصا في أعقاب الضربات التي تعرضت لها طهران مؤخرا، وهو ما شاركته الولايات المتحدة، محذرة من أن إيران رغم انشغالاتها الحالية لن تتوقف عن السعي لتغيير موازين القوى داخل سوريا”، وأضاف الشيباني أن سوريا تتطلع “للتعاون مع الولايات المتحدة للعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974”.

مسار سياسي معقّد

تواجه عملية التوافق مع إسرائيل عدّة عراقيل داخلية في سوريا، أبرزها عدم استقرار الوضع الأمني في سوريا، ما يعني أن جهود الحكومة السورية تُعطي الأولوية لمواجهة التحديات الداخلية، لضمان إرساء الأمن وإضعاف الأجندات الخارجية والداخلية ومحاربة المخدرات وتنظيم “داعش”، إضافة إلى عراقيل على مستوى المزاج الشعبي غير المُجمع على أي تحرك نحو اتفاق سلام مع الجانب الإسرائيلي في ظلّ التدخلات الإسرائيلية من جهة، وهجمات التضليل الإعلامي التي تهدف إلى شيطنة الدولة واعتبارها عملية للجانب الإسرائيلي، ويزيد على ذلك مخاوف من حالات انشقاق داخلية في صفوف القوى العسكرية الصلبة التابعة للحكومة السورية في حال التوجه إلى عملية سلام مع الجانب الإسرائيلي. كما أن سياسة فرض وفرط القوّة التي تعمل بها إسرائيل تُعد أحد المعوقات للسلام أو الاتفاق، لأن ذلك يعكس صورة ضعف عند الجهة التي عقدت السلام مع إسرائيل على مبدأ السلام تحت ضغط السلاح.

السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس باراك، قال قبل أيام في تصريحات صحافية إن بلاده ترعى إجراء محادثات “ذات مغزى” بين الحكومة السورية وإسرائيل، معقّباً أن تحقيق السلام بين الجانبين قد يتطلب وقتاً، مرجئا ذلك إلى تعقيدات المشهد الداخلي السوري.

وعلمت “المجلة” من عدة مصادر سورية أن الحكومة السورية ترى أن أي اتفاق مع إسرائيل في المرحلة الحالية سيكون اتفاق وقف إطلاق نار والعودة إلى حدود ما قبل انهيار النظام، وسط ضمانات يمكن أن تقدمها الحكومة السورية بتعزيز الأمن في المنطقة، القريبة من الحدود السورية الإسرائيلية، في محاولة لتهدئة المخاوف حيال وصول قوى متشددة أو تابعة لإيران في المنطقة. إلا أن ذلك يعني بطبيعة الحال وقف التوغل الإسرائيلي وعدم اعتراض إسرائيل لأي قوّة تابعة للجيش السوري أو الأمن الداخلي السوري بالقرب من الحدود، لأنه دون ذلك لن تتمكن الدولة السورية من ضبط المنطقة ومواجهة القوى التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار في الجنوب.

وحاولت الحكومة السورية إيصال عدّة رسائل بأن التدخلات الإسرائيلية في سوريا تُعقد المشهد، وتفتح الباب أمام كثير من القوى الخارجية للتدخل ومحاولة زعزعة الاستقرار في سوريا، وأكدت خلال لقاءاتها مع مسؤولين غربيين أن الوقت مبكر للحديث عن أي عملية سلام مع إسرائيل، وأن أولوية الدولة السورية اليوم هي الاتفاق على عودة الخطوط إلى ما قبل سقوط النظام وحدود فض الاشتباك، في مقابل ذلك ضمانات بأن الحدود السورية لن تُشكل أي تهديد عابر للحدود لدول الجوار بشكل عام.

ومما لا شك فيه أن تعقيدات ملف لبنان وقضية سحب سلاح “حزب الله” يمكن أن تنعكس على الواقع الأمني في سوريا، سيّما أن “حزب الله” اللبناني يرى خطة توماس باراك كـ”استسلام”، ما يعني أن المبعوث الأميركي لن يسمع كثيراً من الإيجابية من الجانب اللبناني في الأيام القادمة وسط رفض “حزب الله” لتسليم سلاحه من جهة، ومحاولة تجييش الشارع اللبناني لخدمة توجهاته من جهة أخرى. الرفص المستمر لـ”الحزب” يعني إمكانية عودة العمليات العسكرية الإسرائيلية، والذي بدوره يعني زيادة محاولات تجنيد وتفعيل الخلايا الموجودة في الجنوب السوري لتخفيف الضغط من جهة، وتشتيت الجبهات من جهة أخرى لتعزيز حالة الفوضى في المنطقة.

المجلة

———————————–

هل من مصلحة سورية فعلية في التطبيع مع إسرائيل؟/ زياد ماجد

يتصاعد الحديث في الآونة الأخيرة، وتحديداً منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رفع العقوبات على سوريا خلال زيارته للسعودية، عن تزايد احتمالات التطبيع بين دمشق وتل أبيب. يترافق ذلك مع معلومات حول وساطات إماراتية أفضت تواصلاً بين إسرائيليين وسوريّين، ولو أنه تواصل لم يبلغ حدّ التفاوض المباشر بعد.

لكن ما التطبيع المنشود وما خصائصه؟ وهل هو مصلحة سورية فعلاً على ما يردّد بعض المقرّبين من السلطة السورية ومعهم بعض “الليبراليّين” (أو أقلّه من يعرّفون أنفسهم على هذا النحو)؟

لعلّ أوّل ما يفترضه التطبيع اليوم في العرف الإسرائيلي وفي ظلّ موازين القوى القائمة على الأرض، هو تخلّي دمشق عن المطالبة باستعادة الجولان، الذي سبق لترامب في ولايته الأولى أن “اعترف بشرعيّة ضمّ إسرائيل له وبسيادتها عليه”، والاستعاضة عنه بالبحث في ترتيبات أمنية في المنطقة المنزوعة السلاح التي احتلّتها إسرائيل بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024. وثاني الافتراضات التطبيعية يتعلّق بالتنسيق في مواجهة “الأعداء المشتركين”، أي إيران وحلفائها، وفي طليعتهم حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية التي قاتلت في سوريا إلى جانب قوات النظام البائد. وهذا سيعني توتّراً شبه دائم في العلاقة مع لبنان والعراق، حيث لحلفاء إيران حضور سياسي وقاعدة شعبية لن تتلاشى. وقد يعني أيضاً تفويتاً لفرص التعاون الاقتصادي والسياسي الإقليمية التي لا يعوّضها تطبيع مع إسرائيل مهما بلغ عمقه.

أما ثالث الافتراضات، فيتعلّق بالداخل السوري الذي لن تتمنّع تل أبيب عن التدخل الدوري في شؤونه، إن بحجة “الأقلّيات” أو بذريعة “القربى بين دروز إسرائيل ودروز سوريا”، أو حتى في ما خصّ التعامل مع “المسألة الكردية”. ولن يكون مستغرباً قول إسرائيل كذلك بضرورة التعاون في “الحرب على الإرهاب”، وما يعنيه ذلك من مطالب قد تتخطّى العمل المزعوم ضد “خلايا داعش” لتطال الأصوات المعارضة لتل أبيب، ومنها أصوات بعض فلسطينيي سوريا، أو في الحدّ الأدنى لتمارس الضغوط الدائمة عليهم.

ويمكن افتراض اشتراطات إسرائيلية إضافية في مسار تطبيعي، خاصة إن كان المطلوب انضمام سوريا لاتفاقات أبراهام التي يكرّر ترامب تمسّكه بها، في طليعتها مثلاً علاقة دمشق بتركيا وحضور الأخيرة الأمني والتجاري الذي لا ترغب إسرائيل بتعمّقه أو تجذّره في سوريا ضمن مقاربتها “للشرق الأوسط الجديد” الذي تريد تسيّده وحيدة، والذي تعدّ تركيا (بعد أن أضعفت إيران) خصمها الأوّل فيه.

قد يقول مؤيّدو التطبيع إنه في أي حال ليس نهاية المطاف، وإن سوريا ليست ملزمة بقبول جميع ما يُطلب إسرائيلياً في سياقه، وإن المهمّ هو طيّ صفحة ترتبط بما بقي من خطاب النظام الأسدي وثقافته وتحالفاته التي خرّبت سوريا على مدى نصف قرن من جهة، والاستفادة ممّا سيتيحه التطبيع ديبلوماسياً واقتصادياً وفي العلاقة مع واشنطن ودول الغرب من جهة ثانية. وقد يقولون أيضاً إنه سيحرّر السياسة داخل سوريا من ابتزاز دائم ومن عبء قضية لا جدوى منها، وإن الجولان مُحتلّ في أي حال، وهو عاش تحت الاحتلال الإسرائيلي أكثر بكثيرٍ ممّا عاش في كنف الدولة السورية.

على أن التدقيق بالمقولات هذه، كلّها، يظهر مدى غُربتها عن السياسة وعن ديناميّات العلاقات الدولية. ذلك أنها ترسم سيناريو مشتهى لثمار تطبيع غير مضمونة وغير معروفة الملامح. وهي تعدّ أن الخلاص من “الممانعة” وسفاهة خطابها وإجرام ممارساتها وتحسّن العلاقة مع “الغرب” يتطلّب بالضرورة التطبيع مع الإسرائيليين، وكأن التطبيع المذكور هو مفتاح سحريّ لحلّ أزمات الثقافة السياسية وعلاقة السوريّين ببعضهم وبالعالم الخارجي.

والأنكى أن بعض “الليبراليين” الغاضبين على السلطة الجديدة في دمشق وما يعدّونه استبدادها وفقر ثقافتها وانعدام كفاءة مسؤوليها ويقولون حتى باجترارها الكثير من معالم الأسدية، يبدون متحمّسين لتطبيعها مع تل أبيب، وينسون أنها ستحصل بموجبه إن تمّ على إجازة (إسرائيلية وأمريكية) لارتكاب ما تشاء في الداخل السوري بحجة ضبطه وتوفير الاستقرار فيه، وأنها ستتمكّن بالتالي من إسكاتهم ومنعهم حتى من الانتقاد.

وليس صحيحاً أن حكماً إسلامياً لا يمكنه الحصول على هكذا إجازة للتعامل مع “الداخل” إن اضطرّ للتحالف مع تل أبيب وواشنطن في “الخارج”. فهذه نظرية بائسة أصلاً، إذ أن لا طرفاً عربياً واحداً تحسّنت ظروفه الداخلية بعد سلامه مع إسرائيل (أو تراجع القمع فيه أو تقدّمت الحرّيات)، من مصر إلى الأردن، ومن البحرين إلى المغرب، مروراً بالسودان والإمارات. والنظريّة أشدّ بؤساً اليوم في ظل صعود الأصولية الدينية ومشاركتها الرئيسية في الحُكم في تل أبيب وفي ظلّ نفوذ شبيهاتها وتأثيرهم على الحكم في واشنطن. فالأصوليات الدينية في إسرائيل وأمريكا، بمعزل عن عنصريّتها وكراهيتها للإسلام، إلا أنها تتلاقى والأصولية الإسلامية في معظم المواقف والقضايا المجتمعية، ولا تعنيها في شيء مسائل الحريات العامة والخاصة، ولا مسائل المساواة، ولا كلّ ما يدّعي الليبراليون التوق إليه إن هم تخلّصوا من “ثقل القضية الفلسطينية”.

لم نذكر فلسطين ذاتها وسط كل ما أوردنا، ولا البعد الأخلاقي لتطبيع مع دولة تمارس الإبادة الجماعية في غزة، وتحاول فرض تطهير عرقي لضمّ الضفة، كي لا يردّ مُتذاكٍ بالقول بتهافت “الأخلاق” ومؤدّياتها السياسية في عالم اليوم. لكن ما يجدر ذكره هو أن بعض الأصوات المؤيّدة للتطبيع، يمكن سماعها – إذ تهجو فظائع الأسدية وتذكّر بمذابح الممانعة – تطالب بعدالة انتقالية، أو بتحقيق في الجرائم هنا وهناك، أو باستقلالية المسارات القضائية. أي أنها تُعلي قضايا حقوقية و”أخلاقية” في ما خصّ إدارة شؤون حياتها الخاصة والعامة. على أنها لا تمانع بالتطبيع مع كيانٍ سيرته اليومية هي سيرة قتل وتعذيب وتقطيع أوصال وتجويع وقصف مستشفيات وبتر أعضاء أطفال، وهي فوق ذلك أكثر دولة في التاريخ الحديث احتقاراً للعدالة (الانتقالية وغير الانتقالية) ولاستقلاليّتها. وما الأسدية وأضرابها في هذا الباب إلا تقليد موضعي رقيع لها ولحصانتها الدولية ضد المحاسبة والقوانين.

في الختام، وفي الردّ على الاستسلام لأوهام التطبيع سورياً بوصفه متصلاً بالاستثمارات الموعودة، يفيد القول إن دمشق قادرة على طمأنة الأمريكيين والغربيين في أكثر من مجال اقتصادي، وعلى توفير شروط استثمارية في أطر تعاون إقليمي لا تحتاج فيه لإسرائيل، ويمكنها الركون إلى التعامل الوثيق مع تركيا ولاحقاً مع العراق، وتطوير الطرقات السريعة التي تربط بيروت والخط الساحلي السوري باسطنبول وبغداد والبصرة وبعمّان وجدّة والرياض. ودمشق قادرة أيضاً على التفاوض الآن من أجل عودة الإسرائيليين إلى خط الهدنة أو فك الاشتباك العام 1974، والقول بالتفاوض لاحقاً على سلام شامل، يظلّ شرطه قرارات الأمم المتحدة أو أقلّه ما يستند إليها.

أما التوهّم بحلول للأزمات المتراكمة بمجرّد التطبيع مع دولة الإبادة الجماعية، ففيه قصور ورداءة فهم سياسي، أو بحث عن “مشروعية” خارجية للاستقواء بها على داخل يمكن أن تتناقص من دون عملٍ وتحسين ظروفٍ “المشروعية” الشعبية فيه…

كاتب وأكاديمي لبناني

القدس العربي

——————————-

أوهام السلام الإسرائيلي السوري/ بشير البكر

05 يوليو 2025

في كلّ مرّة يجري الحديث عن مشروع سلام بين إسرائيل وبلد عربي، يشتعل خيال المنطقة بالنظريات الوردية عن الحدود المفتوحة، وحدائق التطبيع، ومزارع التفّاح والكرز، ولمّ شمل الأهالي الذين باعدتهم الحروب. ومع أن التجارب السابقة مع إسرائيل فاشلة على المستويات كافّة، فإن بعضهم لا يكفّ عن ترويج الأوهام، ومخادعة خيال الناس ليسرح (ويحلّق) بعيداً من الواقع المدجّج بالمجازر والاستيطان في غزّة والضفة الغربية.

قبل أن يبدأ التبشير بوصول قطار السلام الموهوم إلى الجبهة السورية، سبق له أن توقّف في محطّة اتفاقات أبراهام، التي وُقّعت في البيت الأبيض في أغسطس/ آب عام 2020، بترتيب وحضور من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووزراء خارجية كلّ من إسرائيل والإمارات والبحرين، وانضمّ إليها لاحقاً المغرب والسودان. واللافت في الأمر هو أن جميع الدول العربية التي ذهبت في ذلك الاتجاه، فوضعت مسألة تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين في صدارة الأولويات، لم تنجح أيٌّ منها في إقناع إسرائيل كي تتقدّم خطوةً واحدةً ذات قيمة، حتى الولايات المتحدة، وشكّلت حرب إسرائيل على غزّة مثالاً لفشل أطروحة أصحاب السلام مع إسرائيل مقابل السلام.

لا تزال الولايات المتحدة تعمل في جرّ دول عربية إلى قطار اتفاقات أبراهام، الذي لم يغادر المحطة. وفي ذروة الحرب الإسرائيلية على غزّة، فاوضت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن السعودية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ووضعت ثقلها من أجل توقيع ما يشبه إعلان المبادئ، قبل بدء الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولكنّ الرياض تمسّكت بشروطها التي طرحتها، وملخّصها أنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يُعترَف بالدولة الفلسطينية المستقلّة في حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي منه. وحسب ما تسرّب من مباحثات الرياض، في 13 مايو/ أيار الماضي، بين ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان والرئيس ترامب، فإن مسألة التطبيع لم تكن لها الأولوية في جدول الأعمال.

وضع وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر إصبعه على النقطة الحسّاسة، حين علّق على الأنباء المتداولة عن محادثات سلام بين سورية وإسرائيل، بقوله إن “سيادة إسرائيل على الجولان غير مطروحة للنقاش”، وذلك لأن إسرائيل سبق لها أن ضمّت الجولان، ووافق ترامب على ذلك خلال ولايته الأولى، وباتت هناك مستوطنة تحمل اسمه. وبالتالي، إن ما يجري من مفاوضات، لا يتعدّى حدود الترتيبات الأمنية التي تشمل (قبل كلّ شيء) الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشّار الأسد، وشملت تدمير المقدرات العسكرية للجيش السوري، واستمرار التوغّلات إلى مسافة 30 كيلومتراً من خطّ اتفاقية فصل القوات، التي وقّعتها كلٌّ من سورية وإسرائيل عام 1974، ومنها أعالي قمم جبل الشيخ ذات الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط.

تعرف السلطات السورية أنه ليست هناك موازين قوى تسمح بتوقيع معادلة سلام تستعيد فيها السيادة على الجولان، ولذلك عليها ألا تنساق وراء الوهم، وأقصى ما تنتجه هذه المرحلة هو اتفاقية أمنية لإعادة الوضع إلى ما كان عليه عام 1974، أي حدود فصل القوات بإشراف القوات الدولية، التي جُدّدت ستّة أشهر، وهذا مؤشّر إضافي إلى أن الموقف يسير في هذا الاتجاه، ولكن العربدة الإسرائيلية تشي بغير ذلك، وقد لا تقبل تل أبيب بمعاهدة أمنية من دون مقابل، فهي ليست في وارد ترك الحكم السوري الجديد يستقرّ، ويتفرّغ لترتيب شؤونه الداخلية، بل تعمل على إقلاقه وإبقائه في حال من التوتّر، ما لم يقدّم تنازلاً ما.

العربي الجديد

————————–

 محددات التفاوض السوري مع “إسرائيل”/ محمد السكري

2025.07.02

في أيار، شكلت الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس “دونالد ترمب” حدود المعادلة الجديدة تجاه الملف السوري في الشرق الأوسط، حيث ربطت بشكل صريح بين رفع العقوبات المفروضة على دمشق وبين انخراطها في مسار سلام مع إسرائيل ضمن إطار “الاتفاق الإبراهيمي”.

هذا الربط لم يكن مجرد تلميح دبلوماسي، بل جاء كنوع من “الحث” الذي يفهم في معادلة التوزان “شرط” من أجل استعادة سوريا لمكانتها الإقليمية والدولية، في خطوة تعكس تحوّلاً في أولويات السياسة الأميركية تجاه الملف السوري، بحيث باتت بوابة التطبيع مع تل أبيب إحدى المفاتيح الأساسية لتبلور الدور السوري داخل الإقليم الجديد.

بينما جاء تصريح وزير الخارجية الأميركي، الذي أكد أن أي تخفيف للعقوبات لن يتحقق دون تهدئة مستدامة على جبهة الجولان، ليكرّس هذا التحول، معلنًا معادلة واضحة “لا رفع للعقوبات من دون سلام جنوبي مع إسرائيل”.  هذه المحددات تشكل إحدى أهم أشكال التحول السياسي تجاه الملف، وتعطي شكلاً لملامح التطورات الأخيرة فيما يتعلق بالانتقال من الصدام والاحتلال إلى التفاوض وإمكانية الانسحاب، وإعلاء شأن الدبلوماسية الناعمة على حساب القسرية.

توظيف الأمن كعامل للصراع الإقليمي

لم يتوقف الاستهداف الإسرائيلي ضد سوريا منذ سقوط نظام الأسد، حيث ارتفعت موجة الانخراط والتهديد العسكري للأراضي السورية، من خلال استمرار سياسة استهداف المواقع الاستراتيجية لما تبقى من ترسانة الجيش السوري، من أجل تفكيك شكل الدولة السورية.

وصل التوغل العسكري لأقصى حدوده إلى درجة الحدود الإدارية لمحافظة درعا، ونجم عن هذا التوغل استحداث مواقع عسكرية عديدة، ما عدا القدرة على المراقبة النارية التي باتت على بعد 23 كيلومتراً، من العاصمة السورية دمشق.

وقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية عدم السماح لقوات الحكومة السورية بالانتشار جنوبي سوريا، مع المطالبة بأن تكون المنطقة الجنوبية منطقة منزوعة السلاح بشكل كامل. كما توغلت إسرائيل في عمق الأراضي السورية واحتلالها لجبل الشيخ وأجزاء كبيرة من محافظة القنيطرة السورية،

وقد خلق هذا التوغل سجالات كبيرة على المستوى الإقليمي، لا سيما مع تركيا التي اعتبرت أن هذا التوغل يعتبر تهديداً لأمنها القومي، في ظل وجود رغبة تركيا في إعادة رسم تموضعها داخل الحدود السورية، والرغبة بتوسيع الانتشار نحو وسط سوريا، الأمر الذي تعتبره كذلك إسرائيل تهديداً لأمنها.

لا يقتصر العبث الإسرائيلي في سوريا، فقط ضمن حدود احتلال الأراضي السوري، وإضعاف جهاز الدولة الأمنية، لأن الهدف الرئيسي لإسرائيل السيطرة على المنظومة الأمنية السورية والهيمنة على أي احتمال إعادة إنتاجها خلال السنوات القادمة، وهذا دفع تل أبيب للتركيز على المدخلات التي تساعد على ما يسمى “الأمننة” بهدف خلق مبررات للتدخل بالتركيز على الاستثمار في خلفية النظام السياسي السوري الجديد، وخلق تصورات حوله تعيق أي محاولات سورية من أجل إنتاج هوية وطنية جامعة، الذي تعتبره إسرائيل مهددا استراتيجيا لها، بكون العقلية السورية ومركبات الهوية الوطنية السورية تضع النضال السوري ضد الاحتلال في مقدمة تصورات الدولة وأسباب وجودها وظيفيًا.

اندفعت إسرائيل من أجل استغلال المكونات السورية أو ما يسمّى بالهويات الفرعية، كتكتيك أمني، ومنا هنا وظفت عامل الهوية وأزمتها السورية كمبرر للتدخل داخل الأراضي السورية، لاسيما في سياقي محافظات السويداء وجرمانا جنوبي سوريا، مستغلةً الظروف حداثة الجهاز الأمني السوري وإشكالياته من انتقاله فواعل من حالة اللادولة إلى الدولة الجديدة، وتعتبر إسرائيل أن القدرة السورية على إنتاج الدولة يعتبر أكبر تهديد لها.

سوريا، تحاول استيعاب الامتحان الإسرائيلي الذي يهدد مشروع الدولة السورية الجديدة بشكل واضح، من خلال إعادة تعريف أدوات المواجهة، وليس إعادة تعريف أدبيات الصراع، حيث تعمل دمشق على استغلال عودة تموضعها الجيوسياسي في المنطقة، وانخراطها في معسكر التنمية والاستقرار كجزء من الأمن الإقليمي الجديد، وذلك من أجل التأكيد على أن استهداف السيادة السورية من قبل إسرائيل يعني تقويض الجهود السورية المتكاملة مع الأمن الإقليمي الرؤية الأميركية الجديدة تجاه “الشرق الأوسط”.

الخيارات السورية: دوافع التفاوض وتهدئة مشروطة بالمكاسب المرحلية

اختارت سوريا العودة للمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي بشكل غير مباشر، حيث أكد الرئيس “أحمد الشرع” بأن المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي غير مباشرة، وتتمحور حول العودة لاتفاقية فض الاشتباك العام 1974، حيث تتلخص الأهداف السورية من التفاوض في التالي:

    انسحاب إسرائيل من المناطق الجديدة التي قامت باحتلالها مؤخراً، كشرط للعودة إلى التهدئة بين الجانبين، وإيقاف التهديد الإسرائيلي الذي يركز بدرجة أساسية على إسقاط مشروع الدولة السورية الجديدة، ما يساعد على التركيز على التنمية والاستقرار، بالتالي نزع ذريعة “الردع الوقائي”.

    تفهّم سوريا لموازين القوى، وفوارق الردع، ومكامن الدبلوماسية القسرية، والواقعية في التعامل مع الخطر الإسرائيلي على سوريا.

    إيقاف العمليات العسكرية بما فيها الجوية داخل الأراضي السورية من قبل إسرائيل بشكل نهائي وعدم اختراق السيادة السورية.

    العودة والتفاوض حول الجولان السوري المحتل، باعتباره ملفًا سيادياً لا يسقط بالتقادم، على أن يتم ذلك ضمن إطار قرارات الأمم المتحدة، وخصوصًا القرار 497، وبما ينسجم مع تطورات الوضع الإقليمي والدولي، وذلك ضمن مسار متمم للتطورات الأخيرة.

    انخراط سوريا في المنظومة الأمنية الإقليمية الجديدة، من حيث المصير المشترك، وذلك بالتفاعل مع المسار العربي تجاه القضية الفلسطينية.

    إعادة ترميم موقع سوريا التفاوضي ضمن المسار العربي، وذلك عبر إعادة تموضعها الجيوسياسي ولا سيما مع إخراجها من محور دول “الشر”.

    تحسين المسار الدستوري السوري، وذلك بنزع كافة مبررات التدخل الإسرائيلي في سوريا، إذ يشكل استمرار الاستهداف تقويضاً لجهود الحكومة السورية.

بالتالي تركّز تلك الأهداف على “الأمن مقابل إعادة البناء” وتعيد تعريف مواجهة سورية لإسرائيل ضمن شروط محلياتية سورية، أكثر من كونها إقليمية، وهو ينطبق بما عبر عنه السيد وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” بالنسبة للحكومة السورية فإنّ مصلحة سوريا تأتي على رأس الأولويات في التعامل مع القضايا الإقليمية.

تبلور الرؤية السورية: خطوات مدروسة نحو الأمن والاستقرار:

سعى الرئيس أحمد الشرع منذ سقوط نظام الأسد، التأكيد على السردية الوطنية السورية، والتي يلخصها بعدم الانخراط في أيّة حرب إقليمية، وعدم تصدير الثورة، واستعادة كيان الدولة كمفهوم على حساب الجماعات التي تزعزع الأمن الإقليمي، ويأتي الحوار مع إسرائيل من هذا المنطلق، حيث رسمت تلك التصريحات العقيدة الأمنية والسياسية للدولة السورية الجديدة، ويمكن لحظ تكامل الإجراءات السياسية مع تلك الرؤية من خلال الخطوات التي تقدم عليها سوريا، بما في ذلك مسار التفاوض الذي أخذ بعداً متطوراً وصل لحد التأكيد على المفاوضات.

أتى التأكيد الرسمي السوري، في سياق تطورات إقليمية كبيرة. لا سيما عقب انتهاء الحرب الإيرانية- الإسرائيلية، ومن ثم تأكيد الجانب الإسرائيلي وجود المفاوضات مع سوريا، بعدما كانت إسرائيل تصف الحكومة السورية بأنها “إرهابية” وتأكد على رفض التفاوض مع “هيئة تحرير الشام” خلال الثلاثة الأشهر الأولى عقب سقوط الأسد. وكانت أهمها تعود لوزير خارجية إسرائيل “جدعون ساعر” وذلك في 24 شباط عندما قال “إن الحكومة السورية هي جماعة جهادية قادمة من إدلب”. وأكد على ضرورة مكافحتها.

لكن التحول في الموقف الإسرائيلي أتى ضمن سياق التطورات الكبيرة في الشرق الأوسط، سواء داخل حدود الملف السوري أو خارجه ويمكن تلخيص تلك التطورات بالتالي:

    شكّلت تفاهمات باكو حول “قواعد الاشتباك” بين تركيا وإسرائيل، والتي جرت بوساطة أذربيجانية في أوائل عام 2025، بدايةً لدبلوماسية “المسار الثاني ” (Second Track Diplomacy)، وأسهمت في توفير مظلة سياسية لبلورة تفاهمات أمنية علنية لاحقة بين دمشق وتل أبيب.

    ربط الإدارة الأميركية بقيادة ترمب رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا بمسار التطبيع التدريجي، حيث اعتبرت واشنطن أن دمج سوريا في بنية الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتم دون ضمان تهدئة على الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، وهو ما أفرز لأول مرة منذ سنوات ربطاً واضحاً بين ملف العقوبات والملف التفاوضي.

    إخراج سوريا من تصنيف “محور الشر” الغربي، وهو تحول نوعي في العقيدة الأمنية الأميركية والأوروبية تجاه دمشق، إذ لم تعد سوريا تُعرّف كدولة مارقة أو معرقلة، بل كطرف محتمل في معادلات الأمن الإقليمي، الأمر الذي فتح الباب لإعادة تموضعها السياسي على المستوى الدولي، دون الحاجة للانخراط في تحالفات صدامية.

    تبني دمشق موقفًا متوازنًا ومحايدًا من الحرب الإيرانية -الإسرائيلية الأخيرة، حيث امتنعت عن إصدار أي موقف سياسي داعم أو رافض لأي طرف، ورفضت تحويل أراضيها إلى ساحة اشتباك بالوكالة، ما منح سوريا هوية جيوسياسية مستقلة، وفصلها فعليًا عن مظلة “جيوبوليتك المقاومة” التقليدية، لصالح سردية سيادية خاصة تتجاوز الاصطفافات الإقليمية التقليدية.

    إعادة موضعة الجولان كملف قانوني طويل المدى فلم يتحدث الرئيس الشرع عن “تحرير شامل” بل عن “تفاوض ممتد” على قاعدة القرار 497 والشرعية الدولية، ما يعكس تغيراً في اللغة الرسمية نحو استراتيجية النفس الطويل، ولا يمثل ذلك تخل بقدر خلق فرصة في لحظة توازن مستقبلية ممكنة.

خاتمة

تتقدم سوريا نحو التفاوض مع إسرائيل لا بوصفها طرفاً يُساوم على التنازل عن السردية التاريخية لنشأة الدولة السورية والموقف من دولة الاحتلال، بل انطلاقاً من واقع جديد ينطلق من ضرورة تحييد سوريا من صراع محتمل قد ينهي مشروع الدولة، تستند المقاربة السورية إلى نزع مبررات الأمننة، والانفتاح المحكوم بشروط سياسية وطنية سورية صارمة بما فيها قضية الجولان وبمكاسب تتعلق بالقنيطرة. وتعيد سوريا تعريف أدواتها لا استراتيجيها النهائية تجاه القضية، كما تفعل إسرائيل، فكما هناك حاجة سوريا من أجل التهدئة لا تقل الحاجة الإسرائيلية لها، لا سيما عقب حربها مع إيران التي وصفها الرئيس ترمب بأنها حرب خاسرة لكل من إيران وإسرائيل، ومن هنا تتبلور الرؤية السورية بالخروج من معادلات الاستنزاف نحو معادلة التنمية، واستغلال ظروف الإقليم الجديد بشكل يحقق المصلحة السورية، بأدوات أكثر نجاعة وفعالية وبراغماتية، سوريا تسعى لتعريف أدوات المواجهة، وليس إعادة تعريف أدبيات الصراع.

تلفزيون سوريا

—————————-

 السلام أم التطبيع مع إسرائيل؟/ عبد الله مكسور

2025.07.01

كلمة “السلام” باتت تتردّد كثيرًا في الخطاب السوري على وسائل التواصل الاجتماعي، تُتداول في المنشورات والتغريدات وكأنها مرادف فوري للخلاص، أو مفتاحٌ سحريّ لإغلاق أبواب الحرب الطويلة.

تُكتب فوق صور رمزية في مشهد رومانسي لا يخلو من النوايا أياً كانت، لكنه يغفل عمق التعقيد السياسي والتاريخي الكامن خلف الكلمة. فـ”السلام” ليس مجرد أمنية، بل مشروع مشروط بالعدالة والاعتراف، يحتاج إلى مراجعة حقيقية لجذور النزاع، لا إلى طمسها تحت لافتة “المصالحة” السريعة.

الخلط الشائع بين “السلام” و”التطبيع” في هذا الفضاء الرقمي، يجعل النقاش حول مستقبل سوريا يبدو وكأنه مسألة عواطف لا مسألة شروط سياسية وتوازنات تاريخية. فالسلام لا يعني بالضرورة استعادة الكرامة، تمامًا كما لا يعني التوقيع على اتفاق ما نهايةً للظلم. لذا، قبل أن تُروَّج الكلمة باعتبارها الخلاص المنشود، لا بد من التمييز الدقيق بين السلام الذي يُنهي الحرب، والتطبيع الذي يعيد تشكيل العلاقات – وقد يأتي أحيانًا على حساب الحقيقة والعدالة والكرامة.

في العلاقات الدولية، يُشكّل التمييز بين مفهومي “السلام” و”التطبيع” مدخلًا ضروريًا لفهم طبيعة التحولات بين الدول المتحاربة، المتخاصمة أو المتقاطعة سياسيًا. فـ”السلام” هو فعل قانوني وسياسي يعبّر عن انتهاء حالة الحرب أو النزاع بين دولتين، وقد يتجلى في صور عديدة منها اتفاقيات هدنة أو معاهدات رسمية تُقرّ بوقف الأعمال العدائية، من دون أن يستتبع ذلك بالضرورة ولادة علاقة طبيعية بين الطرفين. أما “التطبيع”، فهو حالة أكثر تعقيدًا وعمقًا، لا تكتفي بإنهاء العداء، بل تسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة في مختلف أوجهها: الدبلوماسية، الاقتصادية، الثقافية، بل وحتى الرمزية، بما في ذلك تشكيل القيم المجتمعية والإشارة هنا بوضوح إلى المناهج التعليمية.

ففي حين يُمكن لدولتين أن تبرما معاهدة سلام وتظلّ بينهما هوّة من العزلة والعداء الشعبي، كما في حالة مصر وإسرائيل، فإن التطبيع يتطلب قبولًا متبادلًا، واعترافًا معلنًا بشرعية الآخر، وتعاونًا فعّالًا يعيد هندسة المصالح المتبادلة. السلام يُنهي القتال أو يجمّده، لكن التطبيع يُنشئ علاقة. ولهذا، فإنّ “التطبيع” لا يُعدّ مجرّد استمرار للسلام، بل قفزة نوعية في بنية العلاقة، وقد يكون مشوبًا بالجدل حين يأتي من دون معالجة جذرية لأسباب العداء. في الجوهر الفكري، السلام ضرورة سياسية، أما التطبيع فهو خيار استراتيجي محفوف بالمآلات الأخلاقية والتاريخية.

اتفاقيات أبراهام تُشكّل تحولًا جوهريًا وتاريخياً في مقاربة بعض الدول العربية للعلاقة مع إسرائيل، حيث يُستخدم مصطلح “التطبيع” بشكل صريح للدلالة على إقامة علاقات كاملة، تشمل التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والتكنولوجي وحتى الأمني. بخلاف معاهدات السلام التقليدية التي تُنهي حالة الحرب من دون بناء شراكة فعلية، يُقدَّم التطبيع هنا كإطار شامل لإعادة تشكيل العلاقة السياسية والعملية، متجاوزًا البُعد الرمزي إلى اتفاقات ملموسة في الاستثمار والتبادل والمصالح الإقليمية. غير أن هذا الاستخدام للمصطلح لا يخلو من التباسات سياسية وأخلاقية، إذ لا يمكن النظر إليه إلا بكونه يأتي بمعزل عن تسوية القضية الفلسطينية، بل ويُعطي شرعية لعلاقات قائمة على المصالح لا على العدالة. وبهذا، تصبح اتفاقيات أبراهام نموذجًا لتطبيع يُبنى على واقعية سياسية باردة، لا على رؤية شاملة للسلام العادل في المنطقة.

صورة في تل أبيب

رفع صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب محاطًا بقادة عرب، من بينهم ولي العهد السعودي، والرئيس السوري، والرئيس الفلسطيني، والرئيس اللبناني، إلى جانب رؤساء دول عربية طبّعت فعليًا، يشكّل إعلانًا إسرائيليًا–أميركيًا عن مستقبل مُتخيّل يتم تسويقه كأمر واقع قادم لا محالة. الصورة هنا ليست عرضًا للتاريخ، بل تجسيد مسبق لخريطة سياسية قيد التشكّل، حيث تتحوّل تل أبيب إلى ما يشبه عاصمة افتراضية للإقليم، تُدار منها تفاهمات ما بعد الصراع.

إنها صورة تُسقِط الحواجز السياسية والرمزية بين الخصوم، وتضع الجميع في مشهد “اللقاء الكبير”، تحت إشراف الراعي الأميركي العائد: دونالد ترمب. إنها صورة اعتراف استباقي، تُسوّق لفكرة أن التطبيع قادم حتى من الذين رفضوه لعقود.

ذهنيًا – في هذا السيرك – تشكّل الصورة المشار إليها محاولة لاختراق ما تبقّى من رواية عربية جماعية ترى في إسرائيل قوة احتلال استيطاني إحلالي قائم على الطهير العرقي لا يمكن التعايش معها. والصورة المرفوعة بتشكيلتها، تهدف وتعمل على تفكيك هذه الرواية عبر الجمع بين الأضداد، وتقديم مشهد “سلام شامل” خالٍ من الاشتراطات، بلا قدس، بلا عودة، بلا مساءلة.

إنها ليست فقط محاولة لقول “هذا هو السلام”، بل هي إلغاء ضمني لفكرة مقاومة المشروع الصهيوني، ولذاكرة الصراع. تضع العربي الفلسطيني إلى جانب الإسرائيلي من دون أي تعبير عن توازن، وتجمع رموزًا تمثل تيارات متنافرة، لتقول: كل شيء ممكن في ظل الواقعية الترمبية الجديدة.

رفع تلك الصورة في تل أبيب ليس مجرد استفزاز بصري، بل أداة دعائية استراتيجية تُستخدم لترسيخ السردية الإسرائيلية الأميركية في الوعي العربي: أن التطبيع حتمي، وأن الزعامات العربية كلها ستنتهي في هذا المشهد، طوعًا أو قسرًا. وما لم تُقابل هذه الصورة بسردية مضادة، فإنها ستتحول من صورة إلى مشروع.

الأدبيات السورية

بالنظر إلى الأدبيات السورية المتعلقة بفكرة السلام، يرسم وزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع في الجزء الأول من مذكراته “الرواية المفقودة”، لوحة دقيقة ومحمّلة بالدلالات لكواليس مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية، تلك التي انطلقت في أعقاب مؤتمر مدريد عام 1991 في ظل توازنات دولية جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. إذ يقدّم الشرع رواية مغايرة للسرديات السائدة، إذ يؤكد أن سوريا دخلت المفاوضات من موقع استراتيجي لا يتنازل عن المبادئ، بل يستثمر في التوازنات الدولية ما بعد الحرب الباردة، لإعادة الأرض كاملة مقابل سلام عادل وشامل. وبالتالي لم تكن المفاوضات، كما يصفها الشرع، مجرد حوار دبلوماسي حول خرائط وحدود، بل كانت مواجهة عميقة على المعنى والكرامة والسيادة، وعلى تعريف “السلام” نفسه: أهو استسلام مموّه؟ أم استحقاق مشروع يقوم على استعادة الحقوق كاملة؟

سوريا، في تلك اللحظة، جاءت إلى الطاولة حاملة مشروعها: سلام عادل وشامل مقابل الانسحاب الكامل حتى حدود الرابع من حزيران 1967، لا مجرد تفاهمات وظيفية أو ضمانات أمنية باردة. أما إسرائيل، فقد حاولت تمرير صيغة ملتبسة، تتحدث عن “حدود آمنة” وتتملص من مبدأ “الانسحاب الكامل”، في حين كانت واشنطن – في عهد إدارة كلينتون-  تمارس دور الوسيط المنحاز، الساعي إلى إنجاز سياسي، ولو على حساب وضوح النصوص وشفافية الالتزامات.

المذكرات تكشف أن الوفد السوري لم يكن متصلبًا، بل واعيًا لمعنى كل كلمة تُسجَّل على الورق، مدركًا أن التفريط بشبر من الأرض سيُقرأ كتنازل تاريخي لا رجعة فيه. وعندما وصلت المفاوضات إلى لحظتها الحاسمة في جنيف، رفضت سوريا أن تُختزل السيادة إلى شريط مائي على ضفاف طبريا. وهكذا، تقدّم الرواية المفقودة الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سردية بديلة: سوريا لم ترفض السلام، بل رفضت الخضوع لمعادلة تُسقط الحقوق تحت وهم التطبيع. لقد سعت إلى سلام يصون الكرامة، لا سلام يُعرض في واجهات الإعلام بوصفه منجزًا استعراضياً.

إسرائيل تريد سلاماً أو تطبيعاً مجانياً، هذه جملة أنقلها حرفياً كما قالها لي أحد أعضاء الوفد السوري الذي حضر مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل في تركيا، في فترة لاحقة لفشل مفاوضات مدريد، الخلافات العميقة بقيت قائمة، خصوصاً حول حدود الأرض والاعتراف المتبادل. لم تكن المفاوضات في تركيا تجري على طاولة واحدة، بل كانت تحت سقف واحد وبوساطة وزير الخارجية التركي حينها أحمد داوود أوغلو.

بالمقارنة السياسية نجد أن بيانات الخارجية السورية منذ سقوط نظام الأسد تجاوزت وصف إسرائيل بالاحتلال أو بالكيان، تحدثَت عن عبارات فضفاضة، عن اعتداءات تتم في ظروف غير طبيعية، وهذا أسس فيما بعد لسريان فكرة قبول إسرائيل في الذهنية السورية، يدعم هذا الاتجاه  تصريحات المبعوث الأميركي  إلى سوريا التي نقل فيها عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله إنه “لا يكره إسرائيل”. تبدو هذه التصريحات كجزء من محاولة لتسويق فكرة التعايش والتطبيع مع العدو، لكن هذا التوجه لا يخلو من مخاطر جسيمة. في ظل الأزمات العميقة التي تعيشها سوريا، تحاول الإدارة السورية دون إعلان رسمي بل عن طريق قبائل رقمية تقديم السلام مع إسرائيل كخلاص وطني، متجاهلة أن هذا السلام في الحقيقة تطبيع مبطن، يمرّ على حساب الحقوق الوطنية، وخصوصًا ملف الجولان الذي لا يمكن التفريط به. ومبدأية القضية الفلسطينية التي استشهد جدنا السوري عز الدين القسام على ثرى يَعبَد لأجلها واستمرت القافلة بعده بآلاف السوريين والسوريات، وآلاف الليترات من الدم السوري الذي تخضَّب بتراب فلسطين.

لذلك، يجب أن يُرفض هذا التوجه الذي يحاول فرض التعايش وعدم الكره، كبديل عن التحرر الوطني، ويجب أن تبقى سوريا وفية لدم الشهداء منذ عام 1936. فالسلام الحقيقي لا يأتي عبر تنازلات مفرطة أو عبر إلغاء الصراع عبر شعارات جوفاء، بل عبر مواجهة الاحتلال ورفع الظلم عن شعبنا وأهلنا.

على الإدارة السورية أن تكون شفافة في هذا الملف، فلا يحق لها أو لغيرها الذهاب في هذا الاتجاه من دون استفتاء شعبي. حتى مجلس الشعب المرتقب خلال 90 يوماً لا يملك حق هذا التفويض. يجب ألا نسمع أخبار اللقاءات أو المفاوضات من الإعلام الإسرائيلي أو عبر تسريبات تنقلها منصات أميركية عن مسؤولين إسرائيليين. وواجب الإدارة السورية بكل مستوياتها تجاه شعبها في قضية السلام لا يقتصر على التوقيع على اتفاقات أو إطلاق شعارات برّاقة، بل يتمثل في الحفاظ على الكرامة الوطنية والحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف. السلام الحقيقي لا يأتي من ضغوط الخارج أو بإغراءات وعود الإعمار السريع، لا يُبنى على التطبيع المجاني أو التنازلات المؤلمة، بل على قاعدة العدالة واستعادة السيادة الكاملة، وعلى رأسها الجولان المحتل والحق الفلسطيني. التاريخ لا ينسى، والسلام الذي لا يحمي الذاكرة والمستقبل، ليس سلامًا بل عبورًا إلى الضعف والتبعية.

تلفزيون سوريا

————————–

 من دمشق إلى بيروت.. مقايضة إقليمية تبدأ من الحدود وتنتهي بالسلاح؟/ صهيب جوهر

2025.07.09

تشهد المنطقة لحظة سياسية دقيقة، تتسم بزخم ديبلوماسي غير مسبوق، يسبق زيارة الموفد الأميركي توماس باراك إلى بيروت. هذه اللحظة لا تنفصل عن الانفراج الجزئي في المواجهة بين إسرائيل وإيران، بعد التفاهمات الأولية لوقف النار، والتي بدورها أطلقت دينامية جديدة تحاول إعادة فتح الملفات الإقليمية المجمّدة منذ سنوات. ويأتي ذلك في ظل اقتناع متزايد لدى عواصم القرار بأنّ إبقاء الأزمات على حالها بات يهدّد بانفجار شامل، تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية والنزاعات التقليدية، ليصل إلى قلب التوازنات الدولية نفسها.

هذا التحوّل في المقاربة الدولية لا يُبنى فقط على قراءة أمنية للأوضاع، بل يستند إلى استشعار حقيقي لخطر تحوّل النزاعات الإقليمية إلى وقائع يصعب احتواؤها. فالعالم بعد ثلاث سنوات متواصلة من المواجهات، من أوكرانيا إلى غزة، مروراً بسوريا واليمن ولبنان، يقترب من مشهد فوضوي تتداخل فيه الصراعات العسكرية بالمصالح الاقتصادية والتنافسات الجيوسياسية الكبرى. والأخطر من ذلك أن معادلة الردع النووي التي كانت تكبح الجماح العسكري أصبحت على المحك، وسط تلميحات باستخدام أسلحة مدمّرة أو التلويح بها، ما يُعيد شبح الحروب الكونية ولكن بصيَغ جديدة.

في هذا الإطار، عادت بعض القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى توظيف أدواتها العسكرية في ساحات كانت قد اكتفت فيها سابقاً بالعقوبات الاقتصادية والحصار المالي. الحرب الإسرائيلية – الإيرانية شكّلت محطة مفصلية، حيث تم التخلي عن مبدأ «الحرب بالوكالة» لصالح المواجهة المباشرة، ولو ضمن حدود مضبوطة. ومع ذلك، فإنّ ما تحقق من نتائج ميدانية لم يكن بحجم التوقعات الأميركية، لا سيما أن

إيران، رغم الضربات التي استهدفت منشآتها النووية والصاروخية، نجحت في امتصاص الصدمة، بل وردّت بخطوات نوعية، أبرزها وقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنع المفتشين من الاطلاع على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ومكان تخزينه، في مؤشر على تمسك طهران بخياراتها السيادية وعدم رضوخها لأي ابتزاز استراتيجي.

في موازاة ذلك، بدأ الحراك الإقليمي يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً. فالساحة السورية شهدت خلال الأسابيع الأخيرة تحوّلاً ملحوظاً في التعامل الدولي، تمثّل في قرارات بتخفيف جزء من العقوبات المفروضة، في إشارة إلى بداية مسار تفاوضي جديد يُراد له أن يُنتج تسوية قابلة للحياة. اللافت في هذا السياق هو دخول الملف اللبناني مجدداً في قلب هذا المسار، ليس بوصفه ساحة مستقلة، بل كجزء من ترتيبات أكبر تشمل أيضاً أمن إسرائيل، دور سوريا، ومستقبل النفوذ الإيراني.

تكليف توماس باراك بملف بيروت ودمشق معاً يعكس هذا التغيير في الرؤية الأميركية. فبعد سنوات من المراوحة الديبلوماسية، وغياب أي تقدم في مقاربة التعقيد اللبناني، اختارت واشنطن أن تربط المسارين اللبناني والسوري، ضمن مقاربة أمنية – سياسية جديدة، تأخذ بالاعتبار الترابط بين الساحات الثلاث: لبنان، سوريا، وغزة. هذا الربط يظهر بوضوح في الأولوية المعطاة لملف الحدود اللبنانية – السورية، لا من باب ضبط السيادة فقط، بل كجزء من آلية إنهاء النزاع بين حزب الله وإسرائيل. فترسيم هذه الحدود، خصوصاً في مناطق مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والغجر، يفتح الباب أمام إسقاط الذريعة التي طالما تمسّك بها حزب الله لتبرير بقاء سلاحه.

الهدف إذاً هو التدرج في إقفال الملفات العالقة، بدءاً من الاحتلال الإسرائيلي للتلال الحدودية، وصولاً إلى نقاش أوسع حول مستقبل السلاح، خصوصاً في المناطق الممتدة شمال نهر الليطاني. غير أن هذا الطرح لا ينفصل عن تفاهم أوسع يُفترض أن يشمل أيضاً مستقبل التوازن اللبناني الداخلي، ودور الجيش، وتوزيع السلطة السياسية، وهو ما يجعل الملف اللبناني أكثر تعقيداً من مجرد مسألة سلاح أو حدود.

في المقابل، تبدو طهران غير مستعدة لتقديم أي تنازل مجاني. الموقف الإيراني الراهن يقوم على قاعدة واضحة: ما لم تحققه الولايات المتحدة بالحرب، لن تحصل عليه بالتفاوض. وبالتالي، فإن أي طاولة تفاوض لن تُعقد قبل أن تُقر واشنطن ومعها العواصم الأوروبية بأن إيران لا تزال لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوزه. هذا الموقف الصلب يفسر إصرار طهران على تعليق التزاماتها مع الوكالة الذرية، وإبقاء مصير مخزونها من اليورانيوم مجهولاً، كأداة تفاوض إضافية.

في هذا السياق، جاءت المبادرة الفرنسية الأخيرة لإعادة فتح خط الاتصال مع موسكو، بعد قطيعة دامت عامين بسبب الحرب في أوكرانيا، كمحاولة لإقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات من بوابة ثلاثية: تفكيك برنامجها النووي، كبح برنامجها الصاروخي، وتقليص نفوذها الإقليمي. لكن هذه الشروط، رغم تكرارها، لم تعد قادرة على استقطاب إيران إلى الطاولة من موقع ضعف، بل العكس هو الصحيح. ما لم تُمنح إيران ضمانات حقيقية واعترافاً بدورها الإقليمي، فلن تقبل العودة إلى مسار سياسي يتجاهل موقعها.

على هذه الخلفيات، يُفهم حجم الحراك الديبلوماسي المتزايد من عواصم مثل باريس والرياض والدوحة، إضافة إلى موسكو وواشنطن. فالكلّ بات يدرك أن ما بعد حرب إيران وإسرائيل ليس كما قبلها، وأنّ حزب الله لم يعد ملفاً داخلياً لبنانياً يمكن عزله، بل جزء من معادلة إقليمية لا يمكن حسمها إلا ضمن صفقة شاملة، تتجاوز الحسابات اللبنانية الضيقة، نحو نظام أمني – سياسي جديد في المشرق، يُعاد فيه توزيع الأدوار والنفوذ، بين اللاعبين التقليديين والناشئين.

تلفزيون سوريا

———————————

إسرائيل ترفع سقف “السلام” ودمشق غير مستعجلة/ عمر علاء الدين

لم يمر تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في 28 من حزيران الماضي، حول اشتراط الاحتفاظ بالجولان، للدخول بـ”خطة التطبيع مع سوريا”، مرور الكرام على السوريين.

التصريح أثار موجة من الجدل والتساؤلات على وسائل التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء بين معارض للفكرة بوصفها “تنازلًا عن الأرض والاستسلام للاحتلال”، وبين مؤيد باعتبارها فرصة لتحسين الوضع السوري والخروج من دائرة الشعارات التي تغنى بها الأسدان الأب والابن.

قناة “الإخبارية” الحكومية، نقلت عن مصدر رسمي (لم تحدد صفته أو مستواه)، في 2 من تموز الحالي، قوله إن “التصريحات المتعلقة باتفاقيات سلام مع الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن سابقة لأوانها”، معتبرًا أنه “لا يمكن الحديث عن احتمالية التفاوض حول اتفاقيات جديدة إلا بعد التزام الاحتلال الكامل باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، وانسحابه من المناطق التي توغل فيها”.

مقدمة للتفاوض

الباحث في مركز “جسور” للدراسات وائل علوان، اعتبر أنه من المبكر جدًا الحديث عن نتائج المفاوضات المحتملة بين سوريا و”الكيان الإسرائيلي”، إذ إن التفاصيل التي ستوضع على طاولة المفاوضات كثيرة.

وفي حديث إلى عنب بلدي، قال علوان، إن الحكومة السورية بالفعل جادة في أن يحل السلام وأن تعود توافقات وقف إطلاق النار بشكل كامل، وأن تلتزم بها إسرائيل، كمقدمة للجلوس على طاولة المفاوضات ومناقشة كل الملفات.

الولايات المتحدة الأمريكية تمارس ضغطًا نحو دخول سوريا في اتفاقيات سلام عامة في المنطقة تشمل السلام مع إسرائيل، لكنها تقدّر، بحسب الباحث في مركز “جسور للدراسات”، أن هناك مسائل عالقة خصوصًا أن جنود الجيش الإسرائيلي ما زالوا يتمركزون في مناطق داخل الأراضي السورية، كانوا قد دخلوها عقب سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024.

وتشمل التوافقات، بحسب علوان، انسحاب إسرائيل من كل المناطق التي دخلت إليها والعودة، إلى اتفاق عام 1974.

لن تنتهي المفاوضات كما تريد تل أبيب

يبدو أن الحكومة السورية لم تتجاوب بشكل رسمي مع “بالونات الاختبار” التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الدخول في اتفاقيات التطبيع، بحسب ما قاله المحلل السياسي، فراس علاوي، لعنب بلدي.

ويعتقد علاوي أن الحكومة السورية تحسب خطواتها في هذا الملف بدقة خوفًا من رد فعل الشارع السوري، وخوفًا من رد فعل الحلفاء.

وأشار المحلل السياسي إلى ضرورة وجود تنسيق مع الدول العربية والحلفاء العرب، خاصة مع السعودية.

وعادة في المفاوضات، تقوم كل دولة برفع سقف الاشتراطات، بحسب علاوي، إذ إن الإسرائيليين رفعوا سقفهم التفاوضي بداية، لكن عند المفاوضات الجادة يمكن أن يتغير السقف التفاوضي.

ولا يعتقد علاوي أن الحكومة السورية ستوافق على كل طلبات الإسرائيليين، وعلى طلب جدعون ساعر (الاحتفاظ بالجولان تحت السيادة الإسرائيلية)، بل ستكون المفاوضات طويلة الأمد، ولن تنتهي كما يريدها مسؤولو تل أبيب.

ويعتقد المحلل السياسي فراس علاوي، أن الشرع وفريقه سيذهبون باتجاه تطوير اتفاق فض الاشتباك 1974، حيث سيتم توسيعه بما يتعلق بالجنوب السوري، وإعادة توزيع شكل الأسلحة الموجودة، بينما لا يعتقد أن دمشق ذاهبة باتجاه “التطبيع الكامل”.

وبحسب علاوي، من الممكن أن يكون الجولان منطقة منزوعة السلاح، أو أن يزداد عمل ومهمات قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام (أندوف).

وفي 30 من حزيران الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي قرارًا بالإجماع يقضي بتجديد ولاية قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل (أندوف) لمدة ستة أشهر.

أنشئت قوة “أندوف” في 31 من أيار 1974، ومنذ ذلك الوقت، استمرت القوات بعملها في المنطقة للإشراف على تنفيذ اتفاق فض الاشتباك.

وكان وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، جدد التأكيد الأسبوع الماضي على أن القوة “لا تزال تؤدي دورًا بالغ الأهمية وتبذل قصارى جهدها لفض الاشتباك”.

السلام مقابل الاعتراف بالضم

يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، أن تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي، التي تحدث فيها عن استعداد إسرائيل للاحتفاظ بالجولان مقابل تطبيع العلاقات مع سوريا، تعكس تحوّلًا في طبيعة الخطاب الإسرائيلي من منطق “الأرض مقابل السلام” إلى منطق “السلام مقابل الاعتراف بالضم”.

مناع، وفي حديث إلى عنب بلدي، اعتبر أن “إسرائيل لم تعد تتحدث عن حلول وسط، بل تسعى لتثبيت الأمر الواقع الاحتلالي عبر أدوات سياسية، وعلى رأسها التطبيع”، مضيفًا أن ساعر لا يقدم عرضًا تفاوضيًا بقدر ما يطرح معادلة تستند إلى “شرعنة السيطرة” وليس تفكيكها.

هذا ما يُشير، بحسب مناع، إلى أن إسرائيل تستغل اللحظة الإقليمية، بما فيها الضعف السوري والتقارب العربي معها، لإعادة صياغة خطوط التفاوض المفترضة.

واستبعد مسؤولون إسرائيليون، بحسب ما نقلت عنهم صحيفة “يديعوت أحرنوت”، في 30 من حزيران الماضي، أن يوافق الرئيس أحمد الشرع على اتفاق سلام دون انسحاب إسرائيلي من مرتفعات الجولان، وبالتالي، ووفقًا للصحيفة، فإن هذا الاتفاق أمني فقط، كما أن الولايات المتحدة “على دراية بهذه الأمور وتشارك في المحادثات.

الباحث بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع، يرى أن هذا الاختلاف في وجهات النظر بين المسؤولين الذين صرحوا للصحيفة وتصريحات جدعون ساعر، ليس “انقسامًا استراتيجيًا”، بل هو اختلاف في التقدير التكتيكي.

ويرى مناع أن هناك إجماعًا داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، سواء من اليمين أو من الوسط، على أن الجولان أرض “إسرائيلية بحكم الواقع”، ولا عودة عنها، لكن الخلاف يتعلق بكيفية إدارة هذا الملف في السياق الإقليمي، بحسب الباحث.

وأضاف مناع أن بعض الساسة يرون أن “النظام السوري” (الحكومة السورية الجديدة) رغم حداثته، لن يمنح شرعية للاحتلال طواعية، وبالتالي فإن أي رهان على التطبيع معه في هذا السياق قد يكون وهمًا سياسيًا.

في المقابل، يرى تيار آخر أن الحكم الجديد في سوريا قد يكون مستعدًا لتنازلات ضمن صفقة إقليمية أوسع، خاصة إذا ضمنت له شرعية دولية وبقاء سياسيًا على المدى الطويل، بحسب مناع.

ويتوقع الباحث في الشأن الإسرائيلي، أن يكون مستقبل الهدنة بين سوريا وإسرائيل إذا لم ترضخ دمشق لمطالب حكومة نتنياهو هو ما سماه “الهدنة غير المعلنة بين إسرائيل وسوريا”.

وأضاف، “قد نعود إلى الاتفاقية الأولى، فض الاشتباك، أو قد تبقى الأمور كما هي عليه الآن”.

موقف أبناء الجولان والوضع القانوني

جاء في المادة الأولى من الإعلان الدستوري الذي وقعه الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 13 من آذار الماضي، أن “الجمهورية العربية السورية دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وهي وحدة جغرافية وسياسية لا تتجزأ، ولا يجوز التخلي عن أي جزء منها”.

وجاء في المادة السابعة أيضًا، “تلتزم الدولة بالحفاظ على وحدة الأرض السورية، وتجرّم دعوات التقسيم والانفصال، وطلب التدخل الأجنبي أو الاستقواء بالخارج”.

ولا يحق للحكومة السورية التفاوض أو عقد اتفاقات سلام مع الدول الأخرى، بحسب ما قاله مدير “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية”، أنور البني، لعنب بلدي.

وأضاف البني أن “الحكومة الانتقالية الحالية هي حكومة لا تمثل الشعب باعتبارها غير منتخبة، كما أنه لا يوجد برلمان منتخب على أي اتفاقية بصدد التوقيع”، مشيرًا إلى أن أي اتفاقية وقعها رئيس جمهورية منتخب هي بحاجة إلى تصديق برلمان منتخب.

البني اعتبر أن الدول الأخرى من الصعب أن توقع اتفاقيات مع حكومة مؤقتة، مضيفًا أن “أي شيء يجري توقيعه يمثل الأشخاص الذين وقعوه وليس الشعب السوري”.

أبناء الجولان المحتل أصدروا، في 1 من تموز الحالي، بيانًا تناقلته وسائل إعلام أسموه بـ”العهد الوطني”.

وجاء في البيان المنشور على صفحة “التجمع المدني لأبناء الجولان” على “فيسبوك”، أن محافظة القنيطرة، قلب الجولان، لا تزال تعاني من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي وتجريف الأراضي وهدم المنازل، فيما يعيش مئات آلاف الجولانيين المهجرين منذ نكسة حزيران 1967 مشتتين في خمس محافظات سورية.

وشددت الوثيقة على ضرورة توحيد كلمة الجولانيين في الداخل، من أجل بلورة حقوقهم السياسية والخدمية والدستورية، وأكد الموقعون عليها أن ما طرحوه “ليس مجرد مطالب فئوية بل التزامات وطنية وأخلاقية”.

وأكد الجولانيون تمسكهم الكامل بـ”حق العودة إلى أرضهم المحتلة، استنادًا إلى قرارات الأمم المتحدة، رافضين أي تفاهمات أو اتفاقات تمس هذا الحق أو تفرط به”.

وحذر البيان من مشروع دمج تجمعاتهم ضمن محافظات أخرى، معتبرًا أن ذلك يمثل “محاولة لطمس الهوية الجولانية، وذريعة لإغلاق ملف الجولان دوليًا”، كما أنه يُمهّد لإلغاء محافظة القنيطرة.

أهمية سياسية واستراتيجية

استولت إسرائيل على مرتفعات الجولان من سوريا في المراحل الأخيرة من “حرب الأيام الستة” (نكسة حزيران) عام 1967.

وفي عام 1981 ضمت إسرائيل الجولان من جانب واحد، ولم يتم الاعتراف بهذه الخطوة دوليًا.

لكن الولايات المتحدة اعترفت بالسيادة الإسرائيلية على الجولان في 25 من آذار عام 2019.

يوجد في الجولان أكثر من 30 مستوطنة يهودية، مع ما يقدّر بنحو 20 ألف مستوطن، كما يوجد حوالي 20 ألف سوري في المنطقة، معظمهم من الطائفة الدرزية، بحسب تقرير لشبكة “BBC” البريطانية، ترجمته عنب بلدي.

وتعتبر المرتفعات بالنسبة لإسرائيل موقعًا ممتازًا لمراقبة التحركات السورية، وتوفر التضاريس عزلًا طبيعيًا ضد أي قوة دفع عسكرية من سوريا.

وتعد المنطقة أيضًا مصدرًا رئيسًا للمياه لمنطقة قاحلة، إذ تتساقط مياه الأمطار من مستجمعات الجولان في نهر الأردن، وتوفر المنطقة ثلث إمدادات المياه الإسرائيلية.

ومن النقاط الاستراتيجية التي تتميز بها مرتفعات الجولان، أنها تقع على بعد 31 ميلًا من غرب دمشق، وتطل على كل من جنوبي لبنان، وشمالي إسرائيل، وجزء كبير من جنوبي سوريا.

وتُعرف المنطقة بخصوبة أرضها، وتستخدم التربة البركانية لزراعة الكروم والبساتين وتربية الماشية، وتعد منتجع التزلج الوحيد في إسرائيل.

عنب بلدي

———————————-

 الإدراك في زمن التغيير.. ما موقع أنقرة من التفاهمات السورية – الإسرائيلية؟/ سمير صالحة

2025.07.06

يبالغ بعضهم حين يتحدثون عن صعوبة تحقيق أي سلام بين دمشق وتل أبيب دون المرور بأنقرة. بيروت هي الأقرب وصاحبة الأولوية في لعب هذا الدور، ضمن المثلث الجغرافي السوري–اللبناني–الإسرائيلي، ووسط عمليات الكرّ والفرّ الإقليمي منذ السبعينيات وحتى اليوم.

تركيا، التي تراقب عن كثب التطورات الميدانية والسياسية على أكثر من جبهة محلية وإقليمية، قد لا ترغب بأن تكون وسط معادلة من هذا النوع، لكنها لن تعرقلها. لماذا تعرقلها أصلًا، وهي التي كانت تحذر إيران من تمسكها بتحريك أوراق لبنان وسوريا والعراق واليمن ، في مواجهة الغرب ودول المنطقة؟

بدت تركيا، ومنذ تسعينيات القرن الماضي، كوسيط قادر على التقريب بين دمشق وتل أبيب، مستفيدةً من فرصها الاستراتيجية الكثيرة. فكيف تنظر اليوم إلى أي مسار تفاوضي محتمل بين إسرائيل وسوريا؟ وهل أصبح موقفها أكثر التباسًا بعد تداخل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة؟ وما العوامل التي قد تدفعها لتكون جزءًا من هذه الوساطات؟ أم أنها ترى فيها تهديدًا لمصالحها الإقليمية؟

يبدو أن الحديث عن تفاهم سوري–إسرائيلي برعاية أو بقبول ضمني من قبل الفاعلين الإقليميين في ظل التحولات المتسارعة، أكثر واقعية وعملية بالنسبة لتركيا. لكن هواجسها، خصوصا تجاه مواقف إسرائيل وممارساتها، ما زالت قائمة. فهي متمسكة ببعض الأولويات التي تمسّ أمنها القومي ومصالحها الإقليمية وحدودها الواسعة مع سوريا:

– إنهاء مشروع “قسد” السياسي والأمني في شرق الفرات، وسحب ورقة ” حزب العمال الكردستاني ” و”داعش” من يد هذه المجموعات.

– الحفاظ على وحدة الأراضي السورية بعيدًا عن مخططات التفتيت والتقسيم.

– ضمانات سورية لإسرائيل في المناطق الحدودية، لا بد أن تسبقها ضمانات أميركية لتركيا ودول المنطقة، حول أن إسرائيل ستوقف ممارساتها العدوانية، ولن تخرق الاتفاقيات كما فعلت منذ التسعينيات وحتى اليوم.

في مشهد الشرق الأوسط المتقلب، تتسارع الأحداث وتتعاقب التغيرات بوتيرة غير مسبوقة. كثيرًا ما نجد أنفسنا أمام “فورات” تشتعل بسرعة ثم تخبو، أو “مفاجآت” تحمل في طياتها تحولات استراتيجية عميقة تتجاوز الضجيج الظاهر. وفي هذا الإطار، ترصد أنقرة المفاوضات السورية–الإسرائيلية، استعدادًا لأي مفاجأة قد تنجم عن الواقع السوري الإقليمي الجديد.

يدور الحديث عن حوار دبلوماسي غير مباشر، تدعمه واشنطن، بين سوريا وإسرائيل، خصوصًا بعد إعلان رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، عن إشرافه الشخصي على حوار سياسي وأمني مباشر مع الحكومة السورية. وهناك أكثر من سيناريو مطروح حاليًا:

محادثات تُجرى على مستويات استخباراتية ودبلوماسية، واختبار خطة تدريجية لتثبيت الهدنة من دون تطبيع كامل للعلاقات.

إعادة صياغة اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، ضمن اتفاق جديد لا يرقى إلى مستوى معاهدة سلام شاملة.

توقيع اتفاق سلام قبل نهاية عام 2025، يتضمن انسحابًا تدريجيًا من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد التوغل في المنطقة العازلة في 8 كانون الأول 2024، بما في ذلك قمة جبل الشيخ.

حتى ولو تركنا جانبًا : مسألة الرد الميداني أو المعاملة بالمثل على “الجولة التفقدية” التي قام بها رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير في الداخل السوري قبل أيام، ومحاولته تبرير احتلال الجولان منذ عام 1967، واستغلاله للوضع الجديد في البلاد بعد إسقاط نظام الأسد، للتوغل في المنطقة العازلة، وإعلانه انهيار اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974؛ وحديث وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن أن لدى تل أبيب مصلحة في ضم سوريا ولبنان إلى “السلام والتطبيع” — فإن ممارسات إسرائيل في المنطقة تُظهر لنا بوضوح نوع “السلام” الذي تطمح إليه مع دمشق وبيروت.

تسعى تل أبيب لتعزيز أوراقها التفاوضية مع دمشق، من خلال تجيير مسألة رفع العقوبات الأميركية عن سوريا لصالحها، وتقديم الأمر على أنه “هدية إسرائيلية” للسوريين. لكن ما تقوله وتفعله يسير في اتجاه مختلف تمامًا: “نحن نتمسك بنقاط مفصلية”، و”سنواصل العمل ما وراء الحدود للدفاع عن أنفسنا بأفضل شكل “.

لا تقتصر استراتيجية إسرائيل على احتلال أراضٍ سورية أو تقويض منظومتها الأمنية فحسب، بل تتعدّاها إلى محاولات الاقتراب من الحدود التركية عبر أدوات إقليمية مثل “قسد”، في محاولة لفرض أمر واقع استراتيجي جديد. تسعى تل أبيب لتقديم رفع العقوبات عن دمشق كـ”مقابل تفاوضي”، لكن ممارساتها الميدانية تكشف تناقضًا صارخًا مع خطاب السلام، خاصة مع استمرارها في تجاوز اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 وتوغّلها داخل المنطقة العازلة. كل ذلك يُنظر إليه في تركيا على أنه تهديد مباشر لأمنها القومي ولسيادة سوريا، كما يقوّض أي فرصة جدية لإعادة دمج دمشق في الترتيبات الإقليمية الجديدة .

قد تدعم تركيا خطة ترمب الإقليمية الجديدة، إذا تأكّدت من أن تل أبيب راغبة فعلًا في سلام حقيقي، يختلف عن أساليب وألاعيب القيادات الإسرائيلية منذ السبعينيات وحتى اليوم.

دمج سوريا في دائرة الاقتصاد والتجارة الإقليمية التي تُعدّ لها وتريدها واشنطن، ينبغي أن يتجاوز العقبة الإسرائيلية قبل كل شيء.

قد تتيح الأجواء الإقليمية الجديدة فرصة استراتيجية لصناعة سلام إقليمي، خصوصًا مع انحسار النفوذ الإيراني، لكن لا بد أن يسبق ذلك تهدئة تركية–إسرائيلية وتفاهمات ثنائية وإقليمية حول الملفات الخلافية، بدعم وتشجيع أميركي — وهو ما لا يتوفر حتى الآن.

تركيا، رغم تمسّكها بموقفها الحذر، تدرك أن أي تفاهمات سورية – إسرائيلية لا بد أن تمر عبر موازنة دقيقة بين المصالح الأمنية والسياسية. وهي ترى في استقرار سوريا أولوية لا تنفصل عن أمنها ، لكنها في الوقت نفسه تتحفّظ على أي مسار تفاوضي يتجاهل انتهاكات إسرائيل المتكررة أو يُفضي إلى واقع جديد على حدودها الجنوبية. لذلك، فإن أنقرة مستعدة للتفاعل مع أي مبادرة سلام إقليمية، شرط أن تكون عادلة، شاملة، وتحترم قواعد الاشتباك المتفق عليها سابقًا. فالإدراك التركي في زمن التغيير ليس محايدًا، بل مشروط بحماية التوازنات التي تضمن مصالح أنقرة الاستراتيجية.

بقدر ما ترى تل أبيب أن توقيع اتفاقية سلام مع سوريا في الوقت الراهن يُعدّ سابقًا لأوانه، ترى دمشق أن الحديث عن أي اتفاق جديد لا يمكن أن يبدأ قبل التزام إسرائيل الكامل باتفاقية فك الاشتباك وانسحابها من المناطق السورية التي توغّلت فيها. يبدو أن التوصل إلى تفاهمات أمنية على مراحل مع إسرائيل سيكون أكثر واقعية من الحديث عن سلام شامل لا تريده تل أبيب إلا وفقًا لحساباتها وحدها.

تلفزيون سوريا

—————————–

سوريا وإسرائيل… هل تمضيان قدما نحو السلام؟/ مايكل هراري

هل يُسهم السعي إلى تحقيق إنجاز طموح في تعزيز موقع الشرع

آخر تحديث 06 يوليو 2025

أدى انهيار نظام الأسد إلى تغيير جذري في المشهد الإقليمي. فمنذ أن تولى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع السلطة، ارتفعت التوقعات بإحداث اختراق في العلاقات بين سوريا وإسرائيل، وبلغت في بعض الأوجه مستويات غير مسبوقة. إلا أن الظروف الراهنة شديدة التعقيد، وتتطلب تفكيرا دقيقا بشأن ما يمكن تحقيقه فعلا، وما قد يكون متسرعا ومضرا بمستقبل المنطقة.

وفيما يلي بعض الجوانب الرئيسة من وجهة النظر السورية:

ومن بين التحديات الهائلة التي يواجهها النظام الجديد: غياب السيطرة الفعلية على كامل الأراضي السورية. إذ يُقدّر عدد الجنود الخاضعين لقيادته بنحو 55 ألفا، بمن فيهم مقاتلون أجانب. وقد جرى توقيع اتفاق إطاري مع الأكراد، الذين يملكون قوة عسكرية موازية في الحجم والكفاءة، إلا أن كيفية تنفيذه ما زالت موضع تساؤل.

يُظهر أحمد الشرع قدرا لافتا من البرغماتية، لكنه لا يزال مطالبا بردم الهوة العميقة بين الأيديولوجيا الإسلامية المتشددة، وقدرته الفعلية على تحويل ما هو مطلوب أو مرغوب إلى سياسات قابلة للتنفيذ. ويُضاف إلى ذلك التحدي المتزايد المتمثل في تدخل جهات خارجية، كتركيا وإسرائيل، فضلا عن الحاجة المُلحة إلى إطلاق عملية إعادة إعمار ضخمة تمتد إلى مختلف أنحاء البلاد.

أما العوامل التي تصب في مصلحة النظام الجديد، فأبرزها تذمُّر المجتمع الدولي من نظام الأسد، ما جعله يستقبل السلطة الجديدة بترحاب بالغ، رغم الشكوك التي تحيط بها. ويُعد تراجع النفوذ الإيراني وخروجه السريع من سوريا، الذي اعتُبر تطورا مفاجئا ومبشرا، مصلحة شبه عالمية، ويُنسب الفضل في ذلك إلى الشرع بدرجة كبيرة. أما سياسة الرئيس ترمب غير المتوقعة وغير التقليدية، فقد انحازت فجأة إلى جانب الشرع، بل وتبنّته بشكل واضح.

أسهمت هذه العوامل، إلى جانب الخريطة الإقليمية الجديدة التي لا تزال في طور التشكّل، في تعزيز احتمال التقدم نحو اتفاق بين سوريا وإسرائيل. ولا يمكن التقليل من حجم التحول الذي طرأ على العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، منذ سقوط نظام الأسد. ويكمن التحدي اليوم في كيفية دفع العلاقات السلميّة قدما، من دون إهدار الفرصة المتاحة، وفي الوقت ذاته من دون التسرع في خطوات قد تُقوّض الإمكانات الإيجابية المتاحة. ومن المهم، في هذا السياق، استحضار العبرة المستخلصة من اتفاق السابع عشر من مايو/أيار 1983 الفاشل بين إسرائيل ولبنان.

تواجه إسرائيل بدورها سؤالين رئيسين، أولُهما يتعلق بطبيعة سوريا التي ترغب في التعامل معها. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية السورية، لم يكن موقف إسرائيل محسوما بين تفضيل استمرار حكم الأسد، “الشيطان الذي تعرفه”، وبين البدائل المطروحة آنذاك. وفي نهاية المطاف، اختارت الامتناع عن دعم إسقاط النظام بشكل مباشر. وقد أدى هذا الموقف، ولا يزال، إلى تفضيل ما يُعرف بـ”سوريا الضعيفة”، أي الدولة التي تفتقر إلى سلطة مركزية فعالة تفرض سيطرتها على كامل أراضيها. بل إن إسرائيل رحّبت، في بعض المراحل، باحتمال تفكك الدولة السورية. ومن هنا، بات من الضروري أن تحسم إسرائيل خيارها الاستراتيجي بوضوح.

أما السؤال الثاني، فيتعلق بالحاكم الجديد، أحمد الشرع. فالتساؤلات بشأن خلفيته الأيديولوجية مفهومة، لكنها تقتضي اتخاذ قرار حول منحه فرصة، والانخراط في موجة الدعم الدولي التي يحظى بها، والمساهمة في ترسيخ حكمه بما يخدم المصالح الإسرائيلية. والسؤال المحوري هنا هو: هل يُسهم السعي إلى تحقيق إنجاز طموح، كاتفاق سلام (من دون الخوض في مسألة الجولان!) أو حتى انضمام سوريا إلى مظلة اتفاقات إبراهام، في تعزيز موقع الشرع وترسيخ نظامه، وبالتالي دفع المصالح الإسرائيلية قدما؟ أم إن مثل هذه الخطوة، في هذه المرحلة، قد تعرّضه لمخاطر وتحديات جسيمة؟

وقد تُوفّر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرتقبة إلى واشنطن الأسبوع المقبل بعض الإجابات. ومع ذلك، من الضروري التفكير في مسار مسؤول ومتوازن لاتفاق إطاري محتمل بين إسرائيل وسوريا قد يتضمن ما يلي:

•     التزام متبادل بالعودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، مع خطوات وجدول زمني وضمانات تمكّن إسرائيل من الانسحاب إلى خط الحدود المتفق عليه.

•     تأسيس آلية ثلاثية ذات طابع سري، تضم إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، تهدف إلى التوصل لتفاهم بشأن “احترام سيادة الدولتين”، أي تحديد الظروف والتوقيت اللذين يمكن فيهما لإسرائيل وقف عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية.

•     إعلان مشترك رمزي لكنه بالغ الأهمية، يعكس تطلع الطرفين إلى إنهاء حالة الحرب والعداء بينهما، والانخراط في مسار متفق عليه نحو علاقات سلمية.

•     دعوة أميركية للحكومتين الجديدتين في سوريا ولبنان لتنظيم ترسيم الحدود البرية بينهما، بما يسمح بحل النزاع الحدودي بين إسرائيل ولبنان. ويتعيّن على واشنطن ضمان تبني هذا الطرح.

•     الاتفاق على تشجيع حوار مفتوح وغير رسمي بين الجمهورين في إسرائيل وسوريا، لا يهدف إلى التسرع في تعزيز “سلام دافئ” قبل التوصل إلى اتفاق رسمي، بل يهدف إلى الاستفادة من المناخ الحذر والمحدود السائد لدى الجانبين، بما في ذلك في لبنان، من أجل تخفيف التوترات واستثمار التحولات غير المسبوقة في المنطقة. وعلى إسرائيل أن تتعامل بجدية مع التصور المتنامي في الرأي العام العربي بأنها تسعى إلى “فرض أجندتها بالقوة” على المنطقة.

•     تشجيع تدابير لبناء الثقة، سواء على المستوى الإنساني أو الاقتصادي، بما يخدم الطرفين، دون أن يُفهم على أنه شكل من أشكال “الوصاية الإسرائيلية”.

في ضوء هذا المشهد المعقد في كلا البلدين وفي الإقليم عامة، يبدو من المناسب اتخاذ خطوة جريئة تستند إلى الواقع، لا إلى الأوهام أو الأمنيات المبالغ فيها.

المجلة

————————————–

 ماذا يدور في عقل توماس باراك؟/ علي أسمر

2025.07.05

لطالما كانت سوريا مسرحًا واسعًا لتصادم الأجندات الدولية والإقليمية، لكن ما يجري اليوم مختلف تمامًا عمّا عرفناه طوال العقد الماضي؛ فبعد سقوط النظام القديم وصعود قيادة جديدة، بدا أن الجميع يعيد رسم خرائط مصالحه وفق حسابات جديدة، وفي القلب من ذلك يقف توماس باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، الذي لم يضيع وقتًا منذ تسلمه مهامه في إطلاق سلسلة تصريحات تكشف عن ملامح مشروع متكامل لإعادة صياغة سوريا والمنطقة.

وفي هذا المقال، أحاول قراءة هذه التصريحات المتعاقبة وربطها بخلفياتها السياسية والأمنية والاقتصادية، للوقوف على حقيقة ما يدور في عقل باراك، وما الذي يعنيه حقًا حين يتحدث عن سوريا الجديدة الآمنة والمستقرة.

من وجهة نظري، لا يمكن التعامل مع تصريحات توماس باراك منذ تعيينه مبعوثًا أميركيًا خاصًا إلى سوريا وكأنها مجرد مواقف دبلوماسية عابرة، بل أرى أنها أشبه بخريطة ذهنية واضحة لما يدور في عقله، ولِما تخطط له واشنطن فعلًا تجاه سوريا والمنطقة خلال السنوات القادمة. فمنذ أسابيعه الأولى في مهمته، رسم باراك ملامح مشروع متكامل، يربط بين الأمن والسياسة والاقتصاد، ويعيد تعريف سوريا الجديدة بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بالدرجة الأولى.

وقد كان لافتًا أن أول إطلالاته القوية جاءت في 24 مايو عبر صحيفة The Guardian، عندما امتدح الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بقوله: “إن الرجل يُظهر ذكاءً وتركيزًا ملحوظًا، وهو حليف محتمل في الحرب على داعش”، مضيفًا أن إدارة ترمب جاهزة لدعم سوريا أمنيًا. في تقديري، لم يكن هذا التصريح مجاملة عابرة أو بروتوكول تهنئة برئيس جديد، بل كان رسالة مبكرة تؤسس للاعتراف بشرعية النظام الوليد في دمشق، بشرط أن يتقاطع مع أولويات واشنطن، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب.

بعد خمسة أيام فقط، بدا أن باراك انتقل خطوة إضافية على طريق رسم ملامح العلاقة الجديدة؛ ففي 29 مايو، تحدث لوكالة Reuters بكلمات تحمل أبعادًا استراتيجية، حين قال إن “إعادة رفع العلم الأميركي في دمشق بعد عقد كامل رسالة ثقة في سوريا الجديدة، التي نعتقد أنها مستعدة للتفاهم مع إسرائيل، وحتى لاحقًا لترسيم الحدود”، ثم أضاف لوكالة AP أن “واشنطن لا تريد ديمقراطية صورية في سوريا، بل استقرارًا حقيقيًا يعيد ترتيب المنطقة”.

أعتقد أن هذا التصريح يكشف بوضوح أين تقع الديمقراطية ضمن سُلّم أولويات واشنطن. المهم بالنسبة لباراك هو الاستقرار الذي يضمن أمن إسرائيل أولًا، ويمنع بروز داعش مجددًا ثانيًا، ويمنح أميركا يدًا طولى في إعادة ترتيب خارطة النفوذ الإقليمي.

وما يعزز ذلك أن باراك لم ينتظر طويلًا حتى يكشف رؤيته الأمنية بشكل أكثر تفصيلًا؛ ففي 3 يونيو، في حواره مع Financial Times، أعلن أن بلاده ستعيد هيكلة وجودها العسكري في سوريا، بحيث تُبقي أقل من ألف جندي فقط، وستقلّص قواعدها من ثماني قواعد إلى قاعدة واحدة، على أن يكون الهدف دمج قسد تدريجيًا في الجيش السوري لضمان عدم عودة داعش. في رأيي، هذه ليست مجرد خطة انسحاب جزئي أو تخفيف أعباء مالية وعسكرية على واشنطن، وإنما هي صيغة لبقاء أميركي طويل الأمد ولكن بأدوات سورية داخلية؛ فحين تدخل عناصر قسد بهيكليتها التي رعتها واشنطن لسنوات في بنية الجيش السوري، تصبح أميركا ممسكة بخيط رئيسي داخل المؤسسة العسكرية السورية ذاتها، حتى لو خرجت دباباتها.

بعدها بيوم واحد فقط، في 4 يونيو، خرج باراك ليعلن من خلال NPASyria أنه تحدث مع مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، بشأن دمج قواته ضمن الجيش السوري الجديد، معتبرًا أن هذا هو الطريق الأمثل لضمان عدم عودة الإرهاب.

في تقديري الشخصي، هذا التصريح يوضح كيف يريد الأميركيون إعادة رسم الجغرافيا العسكرية والاجتماعية في الشمال الشرقي لسوريا؛ إنه يمنح دمشق الجديدة سلطة ظاهرية موحدة، ويطمئن تركيا بأن حلم الدويلة الكردية انتهى، وفي ذات الوقت يحتفظ لأميركا بأدوات تأثير على الأرض عبر عناصر قسد المدرجين في الجيش.

ثم جاءت تصريحاته لقناة الجزيرة في 27 يونيو لتفتح نافذة أكبر على ما يدور في ذهنه من تسويات تتجاوز الداخل السوري، إذ قال بوضوح: “دمشق الحالية لا تسعى لحرب، وهناك محادثات بهدوء مع إسرائيل، ولا أحد في المنطقة يريد مواجهة شاملة”. برأيي، هذا التصريح يرسم إطارًا إقليميًا لسوريا الجديدة، التي ستكون دولة بلا معارك مع إسرائيل، وربما تقف لاحقًا على أعتاب تفاهمات عدم اعتداء، لتفتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات الشرق أوسطية، تمامًا كما حدث مع اتفاقيات أبراهام.

وفي 30 يونيو، أكمل باراك الصورة عندما قال لوكالة الأناضول: “إن الرئيسين ترمب وأردوغان سيجدان قريبًا حلًا للعقوبات على تركيا وسوريا، إذ إن المسألة لم تعد عسكرية فقط، بل ترتبط بمستقبل سوريا والمنطقة ككل”. في تقديري، هذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها توضح أن المشروع الأميركي لا يقف عند حد الحرب على داعش، ولا عند دمج الأكراد في الجيش، بل يمتد ليشمل ترتيبات اقتصادية جديدة تطمئن تركيا وتشجعها على الانخراط في إعادة إعمار سوريا، وإحياء تجارتها معها، ما قد يخفف ضغوط ملايين اللاجئين ويهدئ الساحة التركية داخليًا قبل الانتخابات القادمة.

وهكذا، ومن خلال جمع هذه التصريحات وربطها بسياقاتها الإقليمية والدولية، أرى أننا أمام مشروع أميركي براغماتي يسعى أولًا وأخيرًا لضمان سوريا آمنة، موحدة في ظاهرها، خالية من تهديد داعش، مستعدة للتفاهم مع إسرائيل، مطمئنة لتركيا، ومنفتحة لاحقًا على مسارات اقتصادية تعيد دمجها في محيطها. قد لا تكون هذه الصورة مطابقة لحلم كثيرين بديمقراطية سورية واسعة وشاملة، لكنها في المقابل تمنح فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات طويلة من الصراع والدمار. ستظل هذه التسوية التي يُراد لها أن ترسم ملامح سوريا الجديدة محكومة بميزان القوى الدولي والإقليمي، أكثر من كونها تعبيرًا كاملًا عن إرادة السوريين أنفسهم. ومع ذلك، قد تُشكل محطة ضرورية في مسار طويل ومعقّد نحو استقرار يحتاجه الجميع، حتى وإن جاء بثمن تنازلات سياسية مؤجلة.

تلفزيون سوريا

———————————

 هل الحرب بديل نتنياهو عن التطبيع مع سورية؟

الأحد، ٦ يوليو / تموز ٢٠٢٥

إذا لم تنضج الظروف المطلوبة لتوقيع اتفاق تطبيع علاقات بين سورية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يجري النقاش فيه على نطاقٍ واسعٍ هذه الأيام، فحَرِيٌّ التساؤل حول العلاقة التي ستحكم بين سورية وهذا الكيان. وهل يمكن أن يترك رئيس مجلس الحرب الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، سورية تتعافى؟ أم أنه سيُدْخلها مع كيانه في شكل من أشكال الحروب التي أَلِفَها خدمةً لأجنداتٍ شخصية؟ فبعدما اعتاد أن يُنهي حرباً ليشرع في الأخرى، انتقل نتنياهو إلى مرحلة إشعال مجموعة حروبٍ معاً، مع ثبوت امتلاك كيانه القدرة على الصمود في حرب استنزافٍ والتحكّم في مدتها، على عكس ما اعتاد بعض الإعلام العربي على البتّ بعجز دولة الاحتلال عن خوض حربٍ طويلة، وعلى أكثر من جبهة. من هنا، وانطلاقاً من حاجته إلى خوض حربٍ جديدةٍ لتأجيل محاكمته، وإذا ما تمخَّضَت الوعود الأميركية عن اتفاقٍ حول غزّة ينهي الحرب الإسرائيلية على شعبها بعد الهدنة القريبة، تبقى سورية المرشّحة على جدول حروبه. وهي حروبٌ من المحتمل ألا يوقفها، حتى يجد سبيلاً لإبطال محاكمته، أو انتظار المجهول.

وبينما كانت دولة الاحتلال تتابع حربها على الشعب الفلسطيني في غزّة، كانت تشاغل حزب الله ويشاغلها، وحين سنحت الفرصة، شنَّت طوال شهري أكتوبر ونوفمبر/ تشرين الأول وتشرين الثاني الماضيين (2024)، عليه الحرب التي يبدو أنها قصمت ظهره بعدما اغتالت قادته. وفي السياق، كانت تنفِّذ ضرباتٍ جوية مؤلمة على الحوثيين في اليمن، علاوةً على تنفيذها ضربات استخبارية في إيران. وبالتزامن، كانت في تلك الفترة تقصف مناطق واسعة من سورية، إلى أن سقط نظام بشار الأسد فدمّرت كل ما تبقى من قواعد وأسلحة، ومخابئ صواريخ استراتيجية على كامل خريطة البلاد. ثم جاء عدوانها على إيران مستهدفاً قادتها وعلماءها وبرنامجيها، النووي والصاروخي، ضمن خطة الاستهداف الإسرائيلية الموضوعة من عقدين، لمنعها من امتلاك سلاح نووي.

مع تسرّب الأنباء عن قرب توقيع هدنة في قطاع غزّة شهرين برعاية قطرية ومصرية وأميركية، يكثر هذه الأيام الكلام عن إنهاء الحرب على غزّة، منه ما نُقل عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين، ويفيد بأن العملية البرّية في غزّة قاربت على الانتهاء. أما أهم ما خرج من كلامٍ في هذا السياق فهو ما صرَّح به ترامب في الأيام الماضية عن اعتقاده التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب على غزّة الأسبوع المقبل. ثم أضاف ترامب تغريدةً مختصرةً على منصته “تروث سوشال”، في 28 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، قال فيها: “أبرموا الصفقة في غزة، أعيدوا الرهائن”. وكان قبل ذلك قد طالب النيابة العامة الإسرائيلية بإغلاق ملف نتنياهو القضائي، ربما لمعرفته أن هذا الملف هو ما يجعل الرجل يطيل حربه على الفلسطينيين. لذلك قد يفاجئ ترامب الجميع ويعلن بعد لقائه نتنياهو في واشطن غداً الاثنين، وقفاً لإطلاق النار في غزّة، يُنهي تسعة عشر شهراً من حرب الإبادة الجماعية التي شنتها دولة الاحتلال على القطاع فدمرته وشردت أهله، وقتلت أكثر من 56,500 شخص، وجرحت أضعاف هذا العدد، علاوة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم التطهير العرقي التي اقترفتها بحق المدنيين الفلسطينيين.

ولكن، إذا خضع نتنياهو لإرادة ترامب وأوقف حربه على غزّة، فهل ستخضع السلطات القضائية الإسرائيلية أيضاً وتطوي ملفات نتنياهو القضائية، ومن ثم ينتفي عنده أحد دوافع إشعال هذه الحروب؟ من غير الجائز أن تفعل هذه السلطات ذلك، وإلا فستكون بمثابة الفضيحة داخل الكيان. وإضافة إلى إظهارها عدم استقلال القضاء الإسرائيلي، ستكون سابقة قد تزعزع مؤسسات الكيان بوصفها خرقاً غير معهود في تاريخ الدول التي تتباهى بمؤسساتها، فما بالك بالإسرائيليين الذين دائماً ما يعتبرون الأميركيين بُلَهَاء تنطلي عليهم الحِيَل. وعلى الرغم من أنهم لا يستطيعون الاستمرار من دون الأميركيين، لا يسمحون لواشنطن أن تقرر مصير كيانهم أو حتى بعض سياساته.

تستند الأخبار المحمومة هذه الأيام عن قرب تطبيع العلاقات بين سورية ودولة الاحتلال، على كلامٍ متناقَل، وليس على وقائع من قبيل الاجتماعات التي تبحث في السياق لم يكن الغرض منها سوى تخفيف التوترات على الحدود بين الطرفين، كما قيل. لكن كلام الموفد الأميركي إلى سورية، توم برَّاك، لوكالة الأناضول في 29 يونيو/ حزيران الماضي، عن ضرورة إبرام اتفاقات سلام بين دولة الاحتلال وسورية ولبنان، يأتي بعد كلام وزير خارجية العدو، جدعون ساعر، قبل أيام، ليوحي وكأن السوريين هم من يسعون إلى التطبيع مع الإسرائيليين وليس العكس. وقال ساعر: “إسرائيل تعتزم البقاء في الأراضي السورية والاحتفاظ بمرتفعات الجولان شرطاً أساسيّاً ضمن خطة التطبيع مع سورية”، فهل يريد الإسرائيليون اتفاقية إذعانٍ يملي فيها الكيان شروطه على سورية، ومن ثم يرفضها السوريون؟

اعتمدت دولة الاحتلال، بعد هروب بشار الأسد، استراتيجية قضم الأراضي في الجنوب السوري لضرورات الأمن القومي الإسرائيلي، بحسب تعبيرهم

اعتمدت دولة الاحتلال، بعد هروب بشار الأسد، استراتيجية قضم الأراضي في الجنوب السوري لضرورات الأمن القومي الإسرائيلي، بحسب تعبيرهم، الأمر الذي يتطلب وفق الممارسة الإسرائيلية الاحتفاظ بأراضٍ في الجنوب السوري لإقامة شريطٍ حدوديٍّ عريض من أجل حماية الإسرائيليين من تسلل عناصر أجنبية، وذلك بعدما تمركزوا على مرتفعات استراتيجية في الأراضي السوري تكشف حتى مسافاتٍ بعيدةٍ ما يصنفونه تحركات مريبة على الجانب السوري. من هذا المنطلق، ليس من المتوقع أن تفرِّط دولة الاحتلال في هذه الأراضي وتعيدها لسورية، فما بالك بإعادة الجولان للسيادة السورية الذي يقال إن القيادة السورية الحالية تشترط إعادته قبل المضي في عملية التطبيع.

في ضوء هذه المعطيات، إذا كان التطبيع بين سورية والكيان الإسرائيلي غير ممكن في هذه الأوقات، أو حتى في الأشهر المقبلة، فما البديل الذي سيحكم العلاقة بينهما في ظل احتلال الإسرائيليين الأراضي في الجنوب السوري؟ وهل ستبقى السلطة السورية صامتة عن هذه التجاوزات؟ وإذا بقيت كذلك حالياً، فهل ستصُمّ آذانها عن مطالب السوريين في اتخاذ موقف صارم من الاعتداءات الإسرائيلية التي تنتهك السيادة السورية، ومطالبتها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها ووقف الاعتداءات؟ قد يتفاءل بعضٌ بالقول إن القيادة الإسرائيلية ستستجيب، وإذا لم تستجب، وهو المتوقع، فربما يعمد نتنياهو إلى إشعال جبهة سورية بطريقة تبقي الحرب فيها حرب استنزاف لسورية، فيَشغل الدوائرَ الإسرائيلية ويُبقي جلده سالماً وبعيداً عن سياط المحاكم.

العربي الجديد

——————————-

 تداعيات المواجهة الإسرائيلية الإيرانية على سيرورة بناء سوريا الجديدة/ ماجد عزام

2025.07.04

ستترك المواجهة الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة بالتأكيد تداعيات وآثارا جدية وملموسة وإيجابية بالطبع على سيرورة بناء ونهوض سوريا الجديدة، كما المنطقة بشكل عام.

ولا شك إن إيران خرجت مهانة ومضروبة ومنكسرة رغم سياسة الضجيج والبروباغندا – الميغافون – المعتادة وحتماً لن تكون بوضع يسمح لها المضي قدماً في أوهامها ومخططاتها الشريرة، الهادفة إلى عرقلة السيرورة في سوريا الجديدة دون أي حضور لها ولحلفائها وللدقة فلولها، أما إسرائيل وإن خرجت منتصرة ومتفوقة بعد تحقيق أهدافها الموضوعة للمواجهة مع إيران إلا أنها ليست مطلقة اليد في سوريا مع تبدل سياساتها أصلاً في الأسابيع والشهور السابقة، والإقلاع عن أوهام حماية الأقليات ودعم المخططات والمشاريع الانفصالية وأفكار ونظريات الكيانات المحمية أجنبياً، خاصة مع الموقف الأميركي الصارم الرافض والمتحفظ تجاه السياسة الإسرائيلية إضافة  إلى مظلة الحماية الواسعة العربية التركية الأوروبية والدولية لسيرورة نهوض وقيامة واستقرار سوريا الجديدة.

بداية، وقبل التطرّق إلى تداعيات المواجهة على سوريا الجديدة لا بد من فهم وعرض ما جرى فيها ولو باختصار.  وتجب مقارنة وقراءة المجريات والأحداث ليس فقط على أساس المعطيات والأرقام الإسرائيلية المذهلة عن تدمير المشروعين النووي والصاروخي ومنظومة الدفاع الجوي واستباحة الأجواء واغتيال العلماء والقادة العسكريين والأمنيين ، أو حتى تحليل الوقائع كما عشناها على الهواء مباشرة مع تناقص الصواريخ الإيرانية وتراجعها مع الوقت من مئات إلى عشرات ثم آحاد.. وإنما قياساً بالخطاب الدعائي الإيراني نفسه قبل الحرب بشهور وسنوات بل عقود طويلة – لتبرير والتغطية على المشروع الطائفي في سوريا والدول العربية- – عن انتظار خطأ  ما لتدمير إسرائيل خلال دقائق، وأن هذه الأخيرة لا ولن تجرؤ حتى على التفكير – كان حسن نصر الله يطلق خطاباً كهذا – في مهاجمة إيران علماً إن إسرائيل ما كانت لتهاجم  أصلاً لولا تحييد الأذرع الطائفية والميليشيات المشغّلة إيرانياً حيث بدا حزب الله في وضع  لا يسمح له بالتحرك، والحشد العراقي منكمشا، وتزداد الضغوط عليه للنأي بنفسه، ونظيره الحوثي باليمن هامشيا جغرافياً وأطلق صاروخين فقط  خلال 12 يوماً من المواجهة.

إذن، ستترك المواجهة الإسرائيلية الإيرانية المباشرة وفق النتائج والمعطيات والوقائع والحقائق التي شهدنها على الهواء مباشرة تداعيات هائلة وإيجابية بالطبع على المنطقة كلها بشكل عام، وسيرورة بناء ونهوض سوريا الجديدة بشكل خاص، والمواجهة التي خرجت منها إيران مضروبة ومهانة وخاسرة مع تدمير أسس مشروعها التوسعي بسوريا والدول العربية ستشغلها بنفسها لوقت طويل وستكون مضطرة تحت سيف العقوبات الصارم إلى تقديم تنازلات وتوقيع اتفاقات ملزمة أو إبقائها محاصرة ومعزولة وضعيفة. مع الانتباه إلى إن دونالد ترامب لا يملك الصبر والنفس الطويل للاحتواء، وهو كان واضحاً وصريحاً بل فجاً وفظاً كعادته إذاً، وإما أن يغيّر النظام سلوكه ويحاول التأقلم مع المستجدات إثر فقدان مصادر قوته ونفوذه داخلياً وخارجياً أو سيتم تغييره ومواجهة احتمالات السقوط، جدياً الأمر الذي لا يريده ويرفضه ترامب أقله حتى الآن ولم يندرج أصلاً في الأهداف الإسرائيلية الموضوعة رغم السعي الضمني لزعزعة النظام وإهانته واضعافه وتشجيع الشعب الإيراني العظيم والمستضعف على الثورة بوجه جلاديه.

في هذا السياق، كان تعمد إسرائيل قصف سجن إيفين سيئ الصيت بطهران ولو بوابته فقط ذا مغزى علماً أن ذلك لا يعري النظام فقط وإنما إسرائيل أيضا مع جرائم الحرب الموصوفة في غزة وفلسطين والمنطقة بشكل عام.

وفيما يخص إيران ومخطط إضعاف سوريا الجديدة. فقد وقفت مباشرة خلف انقلاب فلول النظام بالساحل في مارس/ آذار الماضي، كما تقف خلف تحركات خلايا النظام والحشد الشعبي لمخططات التخريب مع عدم استبعاد تحريك خلايا داعش “قاسم سليماني”، وهي أي طهران تبنت موقفاً عدائياً من سوريا الجديدة منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام وآلتها الدعائية المتمثلة بالحشد الشعبي الإعلامي الفارسي وأبواقه الناطقة بالعربية لا تتوقف عن بثّ الأكاذيب وشيطنة ما يجري في سوريا الجديدة.

بالسياق، كانت إحصائية لافتة لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي أشارت إلى  60 ألف تغريدة تشوّه وتنال من القيادة والسيرورة في سوريا الجديدة  جاء نصفها من إيران والعراق ولبنان واليمن، حيث أذرع أو للدقة بقايا أذرع إيران التي تآكلت عسكرياً وسياسياً وبقي منها اللسان الإعلامي الطويل

في كل الأحوال والأهم فيما سبق أنه رغم الدعاية والبروباغندا “الميغافون خرجت إيران مهانة”، وعجزت عن حماية نفسها وأذرعها كما عن إيذاء إسرائيل بشكل موجع واستراتيجي وبأثر رجعي شهدنا سقوط القناع عن أكذوبة دعم غزة وفلسطين. وعليه فلن تكون في وضع يسمح لها بمواجهة تيار التغيير العاتي ومواصلة المخططات الفاشلة والمتعثرة أصلاً في سوريا الجديدة.

من جهتها، لا تبدو إسرائيل طليقة اليدين رغم تحقيق الأهداف الموضوعة تجاه إيران وأظهرت المعركة مرة جديدة مدى تعلقها بواشنطن ومظلة الحماية الأمريكية وتكريس منطق أن تحقيق الأهداف لا يتم فقط بوسائل عسكرية وإنما سياسية ودبلوماسية كذلك بعدما قبل بنيامين نتنياهو في إيران ما يرفضه بغزة والأهم رغم الدعاية أيضاً إن الدولة العبرية ليست قوى عظمى إقليمية كونها معزولة مع رفض عربي  وتركي وإقليمي واسع لخياراتها العسكرية التي ترتد سلباً على المنطقة برمتها.

إلى ذلك لا بد من الانتباه إلى موقف  الرئيس دونالد ترامب والمبعوث المقرّب السفير توماس باراك من سوريا الجديدة حيث لا دعم أو قبول بأي أفكار وخطط انفصالية وعرقلة سيرورة النهوض والتطبيق العادل لاتفاقية فك الاشتباك للعام 1974 مع إسرائيل وعودة القوات الدولية للمناطق العازلة ربما بتحديث ما –اتفاقية بلاس- كما جرى في لبنان مع  القرار1701 وقوات اليونيفيل لكن مع حذر سوري مطلوب وموجود أيضاً برفض التفاوض المباشر، كما أعلن الرئيس أحمد الشرع حيث لا تطبيع واتفاقية سلام  ومن المبكر جداً أصلاً الخوض أو حتى الحديث عنها ناهيك عن ارتباط سوريا الجديدة بالتوافق العربي وتجذّر القضية الفلسطينية في الوعي والعقل والمزاج الجمعي العام بينما إيران لا ولن ولم تكن حاضرة بالقضية والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام أما المعضلة أمام إسرائيل فبنيوية بذاتها كما بالصراع الفلسطيني والعربي المرتبط بها، وسياساتها وممارساتها التي تمثل جذر عدم الاستقرار والتوتر ولا حجة أمامهاً بعدما استغلت الانتهازية والأطماع الإيرانية بانتهازية على طريقتها للفت الانتباه عن احتلالها وممارساتها في فلسطين وسوريا والمنطقة.

تلفزيون سوريا

———————————-

التطبيع في نسخته السورية.. من الجولان إلى حدود الوعي/ رائد وحش

6 يوليو 2025

منذ صار ظهور سوريين على شاشاتٍ إسرائيلية أمرًا عاديًا، وصار قتل أو اعتقال آخرين منهم من قبل قوات الاحتلال، في وضح النهار، مشهدًا متكررًا، وبعد أن بات الاستيلاء على أراضيهم حدثًا لا يثير غضبًا، سيبدو أيضًا أمرًا عاديًا للغاية أن يُفتح اليوم حديثٌ صريح عن اتفاق تطبيع سوريّ مع إسرائيل. فمثل هذه المقدمات لا تأتي عبثًا. ودائمًا ما يكون كلُّ “أمر صغير” تمهيدًا لأمر كبير. وهذا في صلب عمل الأشياء العادية، أو التي يجب أن تبدو وكأنها عادية.

لهذا يمكن القول، الاعتياد على إهانة تأتي على جرعات لن يمنع من قبولها حين تأتي دفعةً واحدة.

مع كل ما يدور من أحاديث، وما يروّج من أخبار، يظل من العسير علينا هضم فكرة أن هناك بلدًا تحرر قبل قليل من طاغية قذر أدار نظامًا هو بين الأسوأ في التاريخ، يمضي بهذه السرعة للاتفاق مع عدو يحتل جزءًا هامًا من أرضه، ولا يتوقف عن الاعتداء على البلد وناسه، وقبل هذا وذلك هو يقوم على مزيج من الاستعمار والإهانة للمنطقة.

فما الذي يفيد سوريا منه؟ يقول المنطق إن الاتفاقية ستكون أقرب إلى شراء الشرعية وحسب، إذ لا توجد مؤشرات واضحة على أن السلطة السوري الجديدة ستحصل على مكاسب نوعية، فلا إعفاء من العقوبات، ولا شراكات اقتصادية حقيقية، ولا ضمانات أمنية طويلة الأمد. المعروض هو التسليم بالقوة الإسرائيلية التي يمكن للخضوع لها أن يقدم تسهيلات محدودة، من شأنها أن إطالة عمر السلطة الحالية.

الأسوأ من ذلك أن هذا السيناريو يحاك في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات تمس في شرعيتها على مستوى العالم قاطبةً، بعد سقوط أقنعتها كـ”ضحية كبرى” وكـ”ديمقراطية وحيدة”، إذ باتت تعرّف على مستوى واسع من العالم بوصفها قوة استعمارية عنيفة متغطرسة، تُبيد وتُجوّع وتُستولي على أراضي الآخرين، وترسم خططًا وقحة للتطهير العرقي والتهجير، ولهذا فمن يفكر في اتفاقية معها إنما يتصرف وكأنه لم يسمع بأنّ هناك إبادة في غزة.

يتكشّف هذا المشهد العجيب عن تحول خطير في تعريف العدو، فالمحتل الذي استولى على الجولان في الأمس، ويتمدد اليوم في جنوب البلاد وكأنها من أملاكه، والذي قتل من السوريين الآلاف ودمّر مرافقهم ومنازلهم، لم يعد يُنظر إليه بوصفه عدوًّا عند البعض. ففي الخطاب السوري الجديد، ليس العدو سوى الآخر “طائفيًّا” وليس المحتل الفعليّ. ويمضي مسار التطبيع السوري مع إسرائيل إلى أمداء أبعد مما شهدته دول أخرى، حيث اقتصر الأمر فيها على اتفاق سياسيّ مرفوض شعبيًا. أما في سوريا فيُعاد تشكيل الوعي الأخلاقي نفسه غبر تقديم التطبيع كخيار عقلاني، في حين أنه في الجوهر قبول بالخضوع، وتخلٍّ عن السردية الوطنية، وتفريط بالكرامة أمام كيان لا يعترف حتى بوجودنا.

المسألة كلها تبعية وتفريغ لمعنى الهوية. ولهذا فإن الرفض لهذا المسار هو رفض للإهانة واستعادة لمعنى الهوية وكرامة الوجود. فما يُهدَّد في النهاية ليس موقفنا من إسرائيل فقط، بل تعريفنا لأنفسنا: من نكون، وأي عالم نريد أن نحيا فيه.

عشنا ورأينا كيف استهلكت مفردات مثل “الممانعة” و”المقاومة”، حتى بات استبدالها بعبارات مثل: “البلد منهك” و”لن نُشكّل خطرًا على أحد” نوعًا من التعبير عن الإفلاس نفسه. وربما، في مثل هذه اللحظة، لا تكون المقاومة عبر الشعارات بمقدار ما تكون في تذكّر بسيط: أن هناك من قُتلوا لأنهم قالوا “لا”، وأن هناك أرضًا لم تُسترجع، ليس لأن أحدًا لم يفاوض، بل لأن أحدًا لم يَعُد يتذكّر أنها لهم.

لا تكفي الشعارات القديمة لمواجهة هذا المنعطف، فالمقاومة، بمعناها المتجدّد، تبدأ من استعادة الذاكرة الوطنية، ومن إعادة تشكيلها على أساس المواطنة لا الطائفية، وضمن سياق العدالة لا المظلومية. ولعل الرهان الكبير يكمن في القدرة على تحويل التطبيع من ملف تفاوضيّ تحتكره السلطة إلى قضية حيّة في المجتمع، تُخاض في الثقافة والإعلام والتعليم واللغة اليومية، لا في المناورات السياسية والغرف المغلقة، وبهذا فقط تنتقل الجبهة من حدود الجولان إلى الوعي والمؤسسات.

في سوريا الجديدة، سيكون من الضروري دائمًا التذكير بأن تحديد العدو ليس مجرّد خيار سياسي، بل هو تمسّك ببوصلة المعنى. فمن لا يريد تسمية إسرائيل بالاحتلال لا يمكنه أن يمسك بالمعنى الصلب لسوريا بوصفها بلدًا يعرف حدوده، ويدرك موقعه في التاريخ، لأن آن لنا أن نوقن بأن الهوية ليست شعارًا ولا انتماءً فارغًا، بل هي موقف أخلاقي صارم من كل ما يجعل من هذا المكان جديرًا بالحياة والحرية.

الترا سوريا

———————————-

الدور الأميركي في إعادة هندسة المشهد السوري/ أغيد حجازي

5 يوليو 2025

لم تكن الولايات المتحدة، في تاريخها، قوة ناعمة خالصة. وحين يكون الرئيس دونالد ترامب هو من يوجّه دفة السياسة الخارجية، فإن هذا الواقع يزداد وضوحًا وحدّة. فالرجل الذي طالما قدّم نفسه كتاجر صفقة قبل أن يكون رجل دولة، لا ينظر إلى العلاقات الدولية إلا من زاوية الربح والخسارة. في ظل هذه المقاربة، فإن التحولات الأميركية الأخيرة في الملف السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد تفتح الباب على سلسلة من الأسئلة، أقلّها أهمية هو “لماذا الآن؟” وأكثرها تعقيدًا: “إلى أين تمضي واشنطن بدمشق؟”

تحولات لافتة في الموقف الأميركي

ما إن انهار النظام السوري السابق، حتى سارعت واشنطن إلى فتح قنوات جديدة مع السلطة الانتقالية. رفعت إدارة ترامب العقوبات، وأخرجت أسماء مسؤولين سوريين من لوائح الإرهاب، كما لو أنها كانت تحتفظ بالمفاتيح في انتظار اللحظة المناسبة للعب دور المخرج. ثم جاء اللقاء الذي لا يمكن وصفه إلا بالمفصلي، حين اجتمع ترامب مع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في الرياض، واصفًا إياه بأنه “رجل طيّب وقوي”. لم يكن التصريح مجرد مجاملة دبلوماسية، بل بدا وكأنه إشارة إلى بدء شراكة مشروطة، لا تُمنح فيها الثقة بالمجان، بل تُشترى بثمن سياسي محدد.

ذلك الثمن ظهر سريعًا في تصريحات البيت الأبيض، حيث أُعلن أن رفع العقوبات يرتبط جزئيًا بانضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام، في خطوة تقود بوضوح نحو تطبيع معلن مع إسرائيل، ولو على مراحل. لم يكن هذا الربط مفاجئًا لمن يقرأ السياسات الأميركية في المنطقة، لكنه حمل دلالة أن واشنطن ترى في سوريا الجديدة فرصة لاختراق آخر جدران الرفض في المشرق العربي.

انفتاح سياسي مشروط

التحركات الأميركية لم تقتصر على التصريحات. واشنطن كثّفت ضغطها على قوات سوريا الديمقراطية لدفعها نحو الانخراط في كيان الدولة الجديدة، مع تهديدات واضحة بالتخلي عنها في حال الرفض. كذلك طلبت من لبنان تطبيع علاقاته مع دمشق. وفي سياق دبلوماسي محسوب، أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتصالًا مع نظيره السوري أسعد الشيباني، بحث فيه الطرفان ملفات مشتركة، من مكافحة الإرهاب إلى تدمير بقايا الأسلحة الكيميائية، وصولًا إلى مستقبل العلاقة مع إسرائيل. لم يكن هذا الاتصال مجرّد إشارة حسن نية، بل أحد تجليات الرغبة الأميركية في وضع اليد على هندسة سوريا الجديدة من بوابة “الاستقرار المشروط”.

ما هو الثمن الحقيقي؟

لكن خلف هذا الانفتاح السريع، تقبع معادلة معقّدة. فواشنطن، كما هو واضح من كل خطوة، تسعى لإدماج دمشق في الإطار الإقليمي الجديد الذي تديره وتتحكم بإيقاعه. في قلب هذا المشروع تقف إسرائيل، ليس فقط كطرف يريد تطبيعًا، بل كشرط ضمني لأي تقارب غربي-سوري. هنا بالضبط تدخل معضلة الجولان على الخط، الجرح الذي لم يندمل في الذاكرة السورية، والذي أصرّ ترامب على تكريسه عندما اعترف بسيادة إسرائيل عليه خلال ولايته السابقة، دون أن تتراجع إدارته عن القرار حتى اليوم.

القيادة السورية الجديدة، ورغم ما تبديه من انفتاح، لا تبدو مستعدة للمساس بهذا الملف، وإن كانت تحاول كسب الوقت والتعامل مع الأولويات الأكثر إلحاحًا كإعادة الإعمار وضبط الأمن. في المحصلة، يبدو ملف الجولان هو الخط الأحمر الوحيد المتبقي في مشهد سوري باتت خطوطه الأخرى قابلة للتعديل وفق المصالح والضغوط.

القواعد الأميركية تتمدد من البادية إلى ريف دمشق

بينما تنشغل وسائل الإعلام بالتحليلات السياسية، تتحرك الجرافات الأميركية على الأرض. فواشنطن تعيد تموضعها العسكري داخل سوريا، من خلال إنشاء قواعد جديدة وتعزيز مواقع قديمة، في البادية، وريف دمشق، وشمال شرق البلاد. مصادر ميدانية تشير إلى أن هذه القواعد ليست فقط مراكز لوجستية، بل مفاتيح لمراقبة الجغرافيا السورية، ومنافذ لضبط الحدود، وتحكّم في خطوط الإمداد وممرات التهريب. هو تموضع استراتيجي يشي بأن واشنطن لا تخطط للانسحاب، بل للبقاء المؤثر والموجه.

الغريب في المشهد السوري اليوم أن كلًا من واشنطن ودمشق تجد نفسها تقاتل خصومًا مشتركين. تنظيم داعش لم يختفِ، بل يعاود الظهور بخلايا صغيرة وتكتيكات جديدة. تنظيمات أخرى بدأت تطفو على السطح، مثل “سرايا أنصار السنة”، في مؤشر على أن الفوضى الأمنية لا تزال تهدد المناطق الهشة. في المقابل، تتابع الولايات المتحدة محاولات إيران لصنع أي نفوذ لها في الجنوب السوري، خصوصًا عبر مجموعات مسلحة موجهة نحو الجبهة الإسرائيلية. وهنا، تشير تقارير إسرائيلية إلى وجود تفاهمات أمنية بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، لضبط التوتر ومنع تحول الجنوب إلى ساحة مواجهة بالوكالة.

دمشق في قلب مشروع إعادة هيكلة المنطقة

ليست واشنطن وحدها من يملك طموحات في سوريا، لكنّها الأكثر فعالية. هي لا تنظر إلى دمشق كدولة خارجة من حرب فقط، بل كموقع استراتيجي يعاد تصميمه ليتلاءم مع ملامح شرق أوسط جديد. سوريا ما بعد الأسد ليست فقط كيانًا سياسيًا يعيد بناء مؤسساته، بل باتت، أو هكذا يُراد لها، أن تصبح دولة وظيفية تُسهم في خلق توازن إقليمي يخدم أولويات واشنطن: تحجيم إيران، تقليص نفوذ روسيا، حماية إسرائيل، ومنع الإرهاب.

في هذا المشهد، تحاول القيادة السورية الجديدة أن تبدو براغماتية، أن تلعب على الهوامش، أن تكسب نقاطًا دون أن تخسر. لكنها في النهاية تدرك أن ما يُمنح اليوم من فرص، قد يكون مؤطرًا بشروط يصعب التراجع عنها لاحقًا.

إلى أي مدى يمكن أن تذهب دمشق؟

السؤال الأخير لا يتعلق فقط بواشنطن، بل بدمشق نفسها. هل تملك القيادة الجديدة القدرة على المناورة دون أن تفقد شرعيتها أمام شعبها؟ هل تملك الموارد السياسية والعسكرية للصمود أمام ضغوط الصفقة الكبرى؟ وهل يمكن فعلًا أن تُفتَح صفحة جديدة مع إسرائيل من دون أن تُطوى صفحة الجولان؟

في مناخ كهذا، لا يبدو أن أحدًا يملك كل الأجوبة. لكن ما هو واضح أن سوريا باتت من جديد ميدانًا لتقاطع المصالح، لا لسرديات التحرر فقط. في عالم ترامب، لا يوجد شيء مجاني، ولا تسوية بلا مقابل. وما يحدث في دمشق اليوم، قد يرسم ليس فقط مستقبل سوريا، بل طبيعة النظام الإقليمي القادم.

الترا سوريا

————————

اتفاقات التطبيع الإبراهيمية والأولويات السورية/ فيصل علوش

2 يوليو 2025

عاد احتمال التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل إلى الواجهة مجددًا، وتزايدت المعلومات المتداولة في شأنه وخصوصًا تلك المنقولة عن مصادر أميركية وإسرائيلية. وقد لوحظ أن هذه المصادر لم تعد تكتفي بالإشارة إلى وجود قنوات اتصال، مباشرة أو غير مباشرة، بين الجانبين، بل شرعت بالتحدث عن تفاصيل وحيثيات متصلة بالأمر، سواءً على مستوى الشخصيات المشاركة، أم على مستوى الجزئيات التي يجري بحثها.

المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، قال في مقابلة خاصة مع وكالة “الأناضول” إنه يأمل في التوصل إلى اتفاق قريب بين سوريا وإسرائيل، مشيرًا إلى أن الرئيس السوري، أحمد الشرع، عبّر بوضوح عن رغبته في “تحقيق السلام”، وأكد أنه لا “يكره إسرائيل”.

موقع «I24 NEWS» الإسرائيلي، نقل قبل أيام قليلة، عن “مصدر سوري مطلع” أنّ “سوريا وإسرائيل ستوقعان اتفاقية سلام قبل نهاية عام 2025″، وأن هذه الاتفاقية تنص على “انسحاب إسرائيلي تدريجي من جميع الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024″، (وليس من مرتفعات الجولان المحتلة منذ سنة 1967، التي ستصبح “حديقة سلام مشتركة”، حسب قول المصدر نفسه، من دون تحديد موقف واضح من مسألة السيادة النهائية عليها).

وفي المقابل، فقد خفّض موقع “واللا” الإخباري العبري سقف التوقعات وقال: إن “الاتفاق مع سوريا ليس قاب قوسين أو أدنى، وسيستغرق وقتًا لتحقيقه”، وإن “التطبيع ليس مطروحًا على الطاولة بعد، ولكن المحادثات قد تمهد الطريق إليه مستقبلًا”.

ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي كبير أن “هدف نتنياهو هو محاولة التوصل إلى مجموعة من الاتفاقيات على مراحل مع سوريا، تبدأ بنسخة مُحدثة من اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، وتنتهي في نهاية المطاف باتفاقية سلام كاملة وتطبيع”.

ومن جهتها، تحدثت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، نقلًا كذلك عن مصدر إسرائيلي، أنه “في هذه المرحلة، من غير المتوقع تناول الحمّص في دمشق، أو الإبحار في اللاذقية في أي وقت قريب”.

ضغوط أميركية وإسرائيلية

تل أبيب وواشنطن، وانسجامًا مع رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بأن السلام تصنعه القوة، (القوة أولا ثم السلام)، فإنهما لا تخفيان رغبتهما في استثمار النجاحات العسكرية والتطورات السياسية التي تحققت لهما في الآونة الأخيرة، لضم عواصم عربية جديدة إلى “نادي اتفاقات التطبيع الإبراهيمية”، ومنها دمشق، مراهنتين على استغلال الوضع الصعب الذي تمرّ به سوريا، وجرّها إلى التطبيع، مع معرفتهما المسبقة بمقدار الحرج الذي يمكن أن تتسبب به هذه الخطوة في بلد معروف بحساسيته تجاه التطبيع مع إسرائيل، وحاجته، في الوقت نفسه، إلى كسب ثقة الولايات المتحدة والرئيس ترامب، وبالتالي صعوبة إعلان معارضته للجهود المبذولة على هذا الصعيد.

ومن الواضح أن واشنطن تحاول أن تربط بين رفع العقوبات الأميركية عن سوريا وإطلاق مسار تفاوضي بين دمشق وتل أبيب. وكان الرئيس ترامب قد صرّح لشبكة “فوكس نيوز” بأنه “في حال التزمت سوريا بتوقيع اتفاق تطبيع مع إسرائيل، فإنه سيرفع العقوبات بشكل كامل عنها، وهذا سيحدث فرقًا كبيرًا”.

وتحاول إسرائيل، بدورها، أن تربط بين وقف حربها على غزة وما أسمته صحيفة “هآرتس” “تعويضات سياسية” لإسرائيل، أو “صفقة موسعة تحقق اختراقًا واضحًا في موضوع التطبيع”، وذلك، فقط، لـ “تسهيل تمرير الاتفاق داخل الحكومة الإسرائيلية من قبل وزراء اليمين المتطرف، الذين يُتوقع أن يرفضوا الموافقة على اتفاق إنهاء الحرب”، حيث يجري الحديث عن إمكانية ضم دول جديدة، مثل سوريا ولبنان وسلطنة عمان، على أن تتوج هذه الخطوة بضم السعودية إلى عضوية “النادي”.

التطبيع وأولويات دمشق

أما بالنسبة لدمشق، وحتى لو افترضنا أنّ الإدارة الجديدة متحمسة للانضمام إلى اتفاقات إبراهام، إلا أن الشروط الإسرائيلية القاسية، بل والمهينة، التي هي أشبه برفع “الراية البيضاء”، ستدفعها إلى الرفض، أو أقله ستجعلها غير قادرة على قبولها.

وعلى سبيل المفارقة، وبدلًا من أن يكون الاعتراف بالسيادة السورية على الجولان هو الشرط البديهي لدمشق للقبول بأية تسوية مع إسرائيل، فقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أن “اعتراف سوريا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان يُعد شرطًا أساسيًا، لا يمكن التنازل عنه، لأي اتفاق مستقبلي مع الحكومة السورية الجديدة”!. ولعلّ ساعر يستند في موقفه هذا إلى الاعتراف الأميركي بضم الجولان لإسرائيل، وهو القرار الذي اتخذه الرئيس ترامب سنة 2019، خلال رئاسته الأولى، في دلالة بيّنة على مدى التوافق بينه وبين نتنياهو في كثير من المواقف المتصلة بالصراع العربي الإسرائيلي.

والأدهى من ذلك أن تل أبيب لا تكتفي بهذا، بل تريد فرض مزيد من الشروط الأمنية، من قبيل حزام أمني يمتد لبضعة كيلومترات في عمق الأراضي السورية، ويشمل قمم جبل الشيخ، ومناطق واسعة في محافظتَي درعا والقنيطرة.

وعلى ذلك، يعتقد كثير من السوريين أن الحديث عن “اتفاق سلام شامل” مع إسرائيل والدخول في نادي التطبيع الإبراهيمي، لا يستند حاليًا إلى أية معطيات عملية أو مرتكزات واقعية، وهو مسألة سابقة لأوانها، وهناك أولويات أخرى أكثر إلحاحًا بكثير لدى السوريين وإدارتهم الجديدة. فالوضع في سوريا ما زال هشًّا وغير مستقر، والحكومة الانتقالية الحالية لا تملك الشرعية الكافية التي تؤهلها التوقيع على اتفاقات ثنائية ذات طبيعة سيادية أو طويلة الأجل. وعليها أن تكرس جهودها لبناء دولة المؤسسات، والنهوض بالاقتصاد السوري، وتعزيز السلم الأهلي وتمتين الوحدة الوطنية، وتركيز الجهود لتحسين ظروف حياة ومعيشة الشعب السوري، وتعزيز الاستقرار والاندماج في المحيط الإقليمي والمجتمع والدولي، وطمأنة الجميع بأن سوريا الجديدة تنأى بنفسها عن الصراعات والحروب.

تفعيل القرارات الأممية والآليات الدولية

أما فيما خصّ العلاقة المستقبلية مع إسرائيل، فإن اللجوء إلى القانون الدولي والآليات المعترف بها أمميًا، هو الخيار الأفضل والأكثر سلامة، فهناك القرارات الأممية ذات الصلة التي تُبين بوضوح حقوق الشعب السوري. وإذا لم يكن ذلك متاحًا في ظل الأوضاع الدولية المعروفة، فإنه يمكن لدمشق تركيز محادثاتها مع إسرائيل على “ترتيبات أمنية محدودة”، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها بعد الإطاحة بالحكم الأسدي.

وحسبما تقول مصادر مقربة من القيادة السورية؛ إذا كانت دمشق تُبدي مرونة تكتيكية على مستوى المحادثات والتهدئة مع إسرائيل، إلا أنها لن تتنازل أبدا عن هضبة الجولان، وهي غير مستعدة لتوقيع أي اتفاق سلام دائم مع إسرائيل في الوقت الراهن. كما أنها تطالب بانسحاب إسرائيلي كامل من المناطق التي استولت عليها بعد سقوط الأسد، وتعارض بشدة أي توسيع للمنطقة العازلة في جنوب سوريا.

ويستشف من أقوال تلك المصادر، أن الحديث لا يدور حاليًا عن سلام شامل، بل عن ترتيبات أمنية للتهدئة على الحدود، وإعادة تفعيل اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، ووقف التصعيد العسكري في الجنوب السوري، وهو ما يفضّله أغلب السوريين. وربما يجري البحث عن صيغة هدنة جديدة طويلة الأجل، تتجنب حسم الملفات السيادية، وتفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع وأكثر شمولًا في المستقبل.

وفي هذا الصدد، يرى كثير من السوريين أنّ من مصلحة دمشق أن تراهن على الدور العربي للتوصل إلى اتفاق يحفظ السيادة السورية، وذلك بالاستناد إلى مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي نصّت على التطبيع العربي مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة، بما في ذلك الجولان والضفة الغربية وغزة. ودعت أيضًا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

الترا سوريا

——————————-

دمشق بين خط ” فك الاشتباك ” وخط ” الدعاية ” : أين تتقاطع مصالحها؟

1. مفاوضات غير مباشرة.. وتصريحات مباشرة: ازدواجية التصور

في قصر الشعب بدمشق، وأمام وفد من وجهاء الجولان والقنيطرة، حرص الرئيس السوري أحمد الشرع على تأكيد أن حكومته تخوض مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، بوساطة دولية، بهدف احتواء التصعيد الإسرائيلي المتكرر جنوب البلاد. شدّد الشرع على أن التوغلات والغارات تمثّل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي ولسيادة سوريا، مطالباً بوقف ما وصفه بـ”التدخلات العشوائية”.

الرواية السورية تنسجم مع خطاب دبلوماسي هادئ يسعى إلى ضبط إيقاع العلاقة مع إسرائيل ضمن أطر أمنية محدودة، بعيداً عن أي بُعد سياسي علني.

ويستند هذا المسار، بحسب تقارير دولية، إلى جهود إماراتية ساهمت في فتح قنوات خلفية أمنية بين الطرفين، وسط دعم فرنسي عبّر عنه الرئيس ماكرون في لقاء سابق مع الشرع.

لكن هذه الصيغة الدبلوماسية تواجه نقيضاً صريحاً في الداخل الإسرائيلي. ففي جلسة مغلقة للجنة الخارجية والدفاع في الكنيست، كشف رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، أن الاتصالات بين إسرائيل وسوريا تجاوزت المرحلة غير المباشرة وأصبحت مباشرة، يومية، ومتشعبة، تشمل مسؤولين سياسيين وأمنيين من الطرفين. بل ذهب إلى القول إنه يشرف شخصياً على تلك الحوارات.

2. من التهدئة إلى التنسيق: صمت سوري وتكتيك إسرائيلي معلن

التحوّل الذي كشف عنه هنغبي لا يقتصر على الشكل، بل يشمل المضامين. فالمحادثات – بحسب تسريبات “إسرائيل هيوم” – تركز على ملفات حساسة، أبرزها الحد من النفوذ الإيراني في الجنوب السوري، وضبط الاشتباكات في المنطقة العازلة، إضافة إلى احتمالية انسحاب إسرائيلي تدريجي في حال تحقق تقدم ملموس في المسار السياسي.

اللافت أن هذه الاتصالات جاءت متزامنة مع تقارير نشرتها “رويترز”، أكدت حدوث لقاءات وجاهية بين الطرفين بوساطة أميركية، بهدف تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق نحو حرب حدودية. ورغم أن ملف التطبيع لم يُطرح رسميًا – بحسب المصادر – إلا أن الإشارات الإسرائيلية تفيد بأنه حاضر في ذهن صنّاع القرار، وإن لم يُعلن.

3. تحالف أبراهام بنكهة سورية: حين تسبق الدعاية الموقف الرسمي

في موازاة المسار الأمني، أطلقت تل أبيب حملة دعائية غير مسبوقة عبر “الائتلاف الإسرائيلي للأمن الإقليمي”، ظهرت فيها صور الرئيس السوري أحمد الشرع إلى جانب زعماء عرب، ضمن لوحات ضخمة حملت شعار “تحالف أبراهام: آن أوان شرق أوسط جديد”. ورغم أن سوريا ليست ضمن الاتفاقيات الموقعة حتى الآن، إلا أن إدراج الشرع يعكس رسالة دعائية سياسية تستبق المواقف الرسمية.

الائتلاف ذاته أعلن أن “النجاحات العسكرية ضد إيران تفتح نافذة نادرة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط”، داعياً إلى ترجمة هذه اللحظة إلى شراكات دبلوماسية، وبناء درع إقليمي ضد “التهديد الإيراني والمنظمات الإرهابية”. وضمن هذه الرؤية، لم يعد مستبعداً أن توضع سوريا – ولو إعلاميًا – في خانة الدول المرشحة للانضمام، رغم التحفظ الرسمي في دمشق.

4. بين ضغط واشنطن وصمت دمشق

المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، أضاف بعداً إضافياً لهذا المشهد، حين كشف عن قرب إعلان رسمي بشأن توسيع اتفاقيات أبراهام، معتبراً أن وقف إطلاق النار الأخير بين إيران وإسرائيل أنهى مسار تصعيد خطير، وقد يمهّد لـ”اتفاق سلام شامل”. وألمح ويتكوف إلى أن عدداً من الدول العربية، بينها سوريا، قد تكون على قائمة الانضمام، دون أن يقدّم تفاصيل.

في ظل غياب رد رسمي مفصل من دمشق على الحملة الدعائية الإسرائيلية والتصريحات الأميركية، يظل الموقف السوري متحفظًا ويرتكز على ضرورة تحقيق الاستقرار الداخلي كمدخل لأي خطوة نحو التطبيع.

بلا رتوش

———————————

 هدية شبعا: هل تُطبّع سوريا مع إسرائيل بصمت؟/ خلدون الشريف

الجمعة 2025/07/04

في الثاني من شهر تموز الجاري، وللمرّة الأولى، يصدر موقف سوري رسمي ويُعمَّم على وسائل الإعلام كافة، يقول: “إن التصريحات المتعلقة بتوقيع اتفاقية سلام بين إسرائيل وسوريا في الوقت الراهن سابقة لأوانها”.

هو موقف رافض مُغلّف بأقصى أدبيات “الغموض البنّاء”، منعًا للإيحاء بالوقوف بوجه التيار الترامبي الجامح من جهة، وفي محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة دون سقف زمني، ودون إلزام بمخرجات محددة قبل بلوغ التفاوض مداه.

ترامب رجل الصفقات لا الاستراتيجيات

ليس للرئيس الأميركي دونالد ترامب أية استراتيجية في أي مكان أو حول أي موضوع.

هو محترف صفقات؛ إذا لاحَت له صفقة رابحة دخلها مهرولًا، وإذا شكّ في إمكانية الربح، وقف منتظرًا من يفاوض أو يقاتل أو يعرض أمرًا ما للبيع.

يدعم الطرف الأقوى دون أن يتخلى عن التواصل مع الأضعف؛ فإذا اقترب طرف من تحقيق النجاح، انضم إليه وقطف، وأما إذا تأكد من عدم نجاح صفقة ما، تخلّى عنها غير آسف، لا عليها ولا على أطرافها، وأدار ظهره ومضى.

ذلك لأنه يدخل كل الصفقات من حساب غيره؛ فالأصل ألا يدفع شيئًا من كيسه أو من كيس أميركا.

هذا هو ترامب، وهذه هي أميركا ترامب.

التسريبات الإسرائيلية وحدها تتحدث عن “تطبيع” مع دمشق

منذ نهاية عملية “شعب كالأسد”، أي الحرب الإسرائيلية على إيران، بدأ نتنياهو يروّج لما يعتبره انتصارًا صافيًا، وقال بالحرف: “إنّ الانتصار على إيران يفتح الباب أمام توسيع كبير لاتفاقيات السلام”.

وقد أيّده مبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف، بتصريحات حول قرب توسيع “اتفاقيات أبراهام”.

لكن المثير أن كل التسريبات بشأن “تطبيع محتمل بين سوريا وإسرائيل” جاءت من مصادر أميركية – إسرائيلية فقط؛ لم نرَ تصريحات من الرئيس السوري أحمد الشرع أو فريقه، ولا تسريبات عربية أو تركية جدية، ولا أي موقف رسمي صادر عن دمشق الجديدة.

وأنا، كنت حاضرًا في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي الرابع (11 – 13 نيسان/أبريل 2025)، حيث شارك الشرع، إلى جانب الرئيس الأذري إلهام علييف، وجمعهما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في لقاء ثلاثي كان محوره بحث ترتيبات أمنية، لا سياسية.

وفي الوقت نفسه، عُقد في العاصمة الأذرية باكو اجتماع بين مسؤولين أتراك وإسرائيليين هدفه تخفيض التوتر الجوي والتوصل إلى اتفاق “تفادي اشتباك” في الأجواء السورية.

لم يكن الحديث في أنطاليا عن تطبيع، ولا بدا الأمر ممكنًا – وذلك فقط قبل شهرين.

أما إسرائيل، فتسعى لتقليص نفوذ تركيا في الإقليم، لا في سوريا وحدها، وتعتبر نفسها في موقع يسمح بفرض “تسوية إقليمية جديدة” بعد دعم أميركي مباشر في ضرب البنية العسكرية الإيرانية.

الموقف السوري: دعم إقليمي ورفض داخلي لأي تطبيع

رغم الحديث عن مفاوضات غير مباشرة، فإنّ البيئة السورية – إقليميًا وداخليًا – ليست مهيّأة لتطبيع سريع أو غير مشروط.

الدول الداعمة للشرع – مثل السعودية وتركيا – ترفض التطبيع المجاني، والشارع السوري بمعظمه، بما فيه محازبو الشرع وقوى المجتمع المدني، لا يزال متمسكًا برفض أي تقارب مع إسرائيل ما لم تُحل قضايا الاحتلال والعدالة.

وفي هذا السياق، أعاد ناشطون سوريون نشر مواقف قديمة للرئيس الشرع حين كان على رأس “أحرار الشام”، أبرز فيها دعمه لغزة عام 2015، مستندًا إلى خطاب إسلامي مقاوم للمحتل.

كما أن الاحتلال المستمر للجولان منذ 1981، والذي اعترفت به واشنطن رسميًا عام 2019 خلال ولاية ترامب، يُشكّل معضلة جوهرية أمام أي اتفاق.

فدمشق تعتبر الجولان أرضًا سورية سيادية لا تسقط بالتقادم، وتستند في ذلك إلى القرار 497 الصادر عن مجلس الأمن.

سوريا تفاوض من أجل الأمن لا التسويات الشاملة

ما تريده دمشق اليوم، كما تفيد أوساط قريبة من الحكم، لا يتجاوز تفاهمات أمنية على أساس اتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974، مع التركيز على:

انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلّتها مؤخرًا.

وقف التهديدات المباشرة لإسقاط الدولة السورية الجديدة.

إنهاء الضربات الجوية داخل الأراضي السورية.

والانخراط – ضمن شروط – في المنظومة الأمنية العربية الجديدة، بما يشمل دعم القضية الفلسطينية، وإعادة التموضع الجيوسياسي بعيدًا عن محور “الدول المارقة”.

تركيا قلقة… وأوجلان يحذّر من الهيمنة الإسرائيلية

الموقف التركي من التطبيع ليس أكثر إيجابية. بل تخشى أنقرة من ترك الحلبة الإقليمية لإسرائيل منفردة.

فتركيا بلد محوري في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وطموحاتها الإقليمية لا تخفى على أحد. أما إسرائيل، فترغب بانتزاع أوراق القوة التركية من سوريا والعراق إلى المتوسط.

تتعاطى إسرائيل مع تركيا بعدم ثقة مطلقة ولا ترغب بنفوذ تركي في سوريا، وهو ما تجلّى في تصريحات مسؤولين إسرائيليين حول ضرورة وقف المد التركي هناك، وضرورة دعم الأكراد والدروز، وفتح قنوات تواصل مع علويي الساحل.

وتخشى تركيا إذا ما تحولت إسرائيل إلى قوة مهيمنة إقليمية ليس على نفوذها في المنطقة فحسب، بل على أناضولها حتى.

وقد تعمّدت تركيا تسريب وثيقة لاجتماع جرى في 21 نيسان/أبريل، عبر صحيفة “ميدل إيست آي”، بين عبد الله أوجلان وقيادة حزب “ديم”، حيث شدد أوجلان على أن “إسرائيل تعمل على مشروع استباحة المنطقة كلها منذ ثلاثين عامًا، بهدف أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط”.

السعودية: لا تطبيع دون وقف الحرب وقيام الدولة الفلسطينية

الموقف السعودي واضح: لا يمكن الحديث عن تطبيع دون وقف الحرب في غزة، ودون إطلاق مسار واضح وملزم لإقامة دولة فلسطينية.

هو موقف رسمي سعودي، عربي وإسلامي، تثبّت في قمم جرت بعد حرب غزة في نوفمبر/تشرين الثاني من عامي 2023 و2024، وعبر تشكيل لجنة إسلامية لمتابعة إطلاق مسار دولة فلسطينية، وصولًا إلى التنسيق مع فرنسا للغاية نفسها.

والسعودية تقود اليوم التفاوض مع أميركا ومع إسرائيل للوصول إلى مخرجات تسبق أي سلام أو تطبيع.

من هنا، تبدو محاولة الاستفراد بسوريا تجاوزًا لمبادرة المملكة ودورها الوازن.

وفي رسالة قاسية موجهة إلى ترامب عبر صحيفة “ناشيونال”، قال الأمير تركي الفيصل: “على الرئيس دونالد ترامب ألّا يتبع المعايير المزدوجة، وأن يُصغي إلى أصدقائه في المملكة ومجلس التعاون الخليجي”.

وأضاف: “النفاق الغربي في دعم الهجوم الإسرائيلي على إيران متوقّع، كما هو دعمهم المستمر للهجوم على فلسطين. لكن قطاعات واسعة من شعوب الغرب – من النساء والرجال، من مختلف الأعراق والأديان – رفضت تلك المواقف الزائفة، ولهذا نرى تحوّلًا متزايدًا في مواقف قادتهم. في عالمٍ يسوده الإنصاف، لَكُنّا رأينا قنابل الـ B2 الأميركية تدكّ ديمونا!”.

إيران تطرح الأمن من بوابة التنمية… وتستقبل تعاطفًا سعوديًا

في تصريح لافت لصحيفة “الشرق الأوسط”، أكد السفير الإيراني في الرياض علي رضا عنايتي نقطتين محوريتين:

أن أول اتصال تلقّاه وزير الخارجية الإيراني عقب الهجمات الإسرائيلية، كان من نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، أعقبه اتصال من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو ما اعتبره السفير “تتويجًا لموقف مشرّف”.

أن إيران تؤيد نموذجًا أمنيًا إقليميًا مبنيًا على التنمية والاقتصاد والثقافة، لا على القوة العسكرية، مشددًا على أنّه “لدينا مشتركات ثقافية وتاريخية ودينية كثيرة. وإن وُجد اختلاف سياسي، فالحوار هو الآلية الوحيدة لتجاوزه، بين أخ وأخ، وجار وجار”.

نحو صفقة 1974… بنسخة 2025؟

يعلم القاصي والداني أن ما يدور من مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل، هو حول إعادة تفعيل أو تعديل اتفاق فصل القوات لعام 1974، بما يُعيد الهدوء إلى الجبهة الجنوبية، ويمنع عودة إيران أو حزب الله إلى حدود الجولان.

وتشير بعض الأوساط إلى احتمال أن تُقدّم إسرائيل “هدية” رمزية لسوريا، عبر مزارع شبعا، رغم أن الخرائط الدولية تُظهر لبنانيتها لا سوريتها.

لكنّ الإسرائيليين يعتبرون أنّ هذه الخطوة قد تُفقد حزب الله ذريعة استمرار السلاح تحت شعار “المقاومة”.

وتُطرح أيضًا سيناريوهات لتعاون اقتصادي إقليمي، يشمل:

تصدير الغاز الإسرائيلي إلى سوريا.

تنسيقًا ثلاثيًا (إسرائيلي – أردني – سوري) حول مياه اليرموك.

وربما مشروعًا مشتركًا لتحويل جبل الشيخ إلى وجهة تزلّج شرق أوسطية.

هل نحن أمام تسوية هادئة بلا إعلان؟ أم أنها مجرد جولة مناورات لا أكثر؟

الأسابيع المقبلة قد تحسم طبيعة الصفقة… أو تعيد الجميع إلى المربّع الأول.

الهدوء قد يكون خادعًا، والصفقة قد تولد من دون إعلان… لكن الثابت أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة رسم للهويات والمصالح، وسوريا ليست خارج هذا التحول.

المدن

———————————————–

فشلت المساعي في تنظيم زيارة إلى مدينة القنيطرة بالطرق الرسمية.

السبب غير واضح. لكن يبدو أن المسألة ليست على جدول أعمال الدولة السورية من الناحية الإعلامية في هذا الوقت

فشلت المساعي في تنظيم زيارة إلى مدينة القنيطرة بالطرق الرسمية. السبب غير واضح. لكن يبدو أن المسألة ليست على جدول أعمال الدولة السورية من الناحية الإعلامية في هذا الوقت. وربما هي لا تجد ما يستدعي هذا الأمر. غير أنها لا تمانع في أن يستقل المواطن وسيلة مواصلات ويذهب نحو المحافظة القريبة من العاصمة، ولن يجد من يعترض سبيله، أو يطرح عليه السؤال، أو يراقب ما يسجله من انطباعات.

كانت زيارة السوريين إلى القنيطرة تخضع لإجراءات أمنية محسوبة جداً، فهي ليست مفتوحة لكل زائر، رغم أنها منطقة سياحية بامتياز، وتقع على مسافة قريبة من العاصمة ومحافظتي درعا والسويداء. والسبب في ذلك، يعود إلى الوضع الخاص الذي شهدته المدينة بعد احتلالها من دون قتال في حرب 5 يونيو/حزيران 1967، ومن ثم استردادها في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 وإعادة احتلال جزء منها، ومن ثم اتفاقية فصل القوات في 1974، ونشر القوات الدولية في المناطق الحدودية بينها وبين هضبة الجولان.

توغلات إسرائيلية في محافظة القنيطرة

عادت محافظة القنيطرة إلى الأضواء بعد سقوط النظام، حيث باشرت إسرائيل بعمليات توغل في بعض قراها، واحتلت أجزاء جديدة من جبل الشيخ، وقرية الحضر، واخترقت حدود منطقة فصل القوات، بعد أن قامت بعمليات قصف استهدفت بعض القدرات العسكرية في محيط العاصمة، ومارست عمليات توغل داخل قرية بيت جن في 11 الشهر الماضي، وقتلت مواطناً واختطفت سبعة آخرين.

ثمة مساحات مفتوحة على امتداد عشرات الكيلومترات لا يوجد فيها عسكري واحد

تكتسي الزيارة في هذا الظرف أهمية خاصة، على ضوء التطورات التي حصلت في الأشهر الأخيرة، لكنها ينبغي أن تلتزم بحدود يجد الزائر أنها مرسومة أمامه مسبقاً من دون أن يحددها له أحد، وهي واضحة من نقطة الانطلاق من دمشق حتى مركز المدينة الذي كان يسمى “مدينة البعث” سابقاً. ومن اللافت أن السوريين الذين يتجاوزون الحدود بين القنيطرة ودمشق، يدركون كل التفاصيل والخصوصيات المتعلقة بالمحافظة، والفروق بين وضعها في ظل النظام السابق، وما تعيشه اليوم.

لم يسأل سائق سيارة الأجرة عن سبب الرحلة. بل تشجع لذلك، ويقول إنه يريد هو الآخر أن يزور المنطقة، التي لم يفكر بالذهاب إليها منذ آخر زيارة لها قبل عشرة أعوام، حينما اصطحب زوجته لتلد في المشفى هناك، بسبب الازدحام في دمشق، والمبلغ العالي للرشاوى الذي على المواطن أن يدفعه ليحظى بسرير في مشفى حكومي في العاصمة لمدة ليلة واحدة. ويضيف أنه لو لم يكن واثقاً من أن الطريق سالكة وآمنة في الاتجاهين لما وافق أن ينقلنا ويتجول معنا هناك.

انطلقنا من وسط دمشق في الساعة السابعة صباحاً، كي نتلافى حرارة الطقس وزحمة السير، وسلكنا الطريق نحو حي المزة. يقودنا السائق بالاعتماد على نظام “جي بي إس” في هاتفه الجوال، كي لا يرتكب خطأ فيذهب نحو منطقة قطنا أو محافظة درعا، نتيجة تشابه العمران، وحركة السير السريعة، التي لا تتيح وقتاً أمامه لتعديل سيره، خاصة وأن الإشارات الإرشادية المعتمدة في الطرق العامة شبه غائبة، أو غير ظاهرة للعيان بما فيه الكفاية. ما إن تجاوزنا حي المزة، حتى دخلنا “أوتوستراد الأربعين”، ولاحت على يمين الطريق مبانٍ ذات ملامح سوفييتية من طابقين. إنها مساكن ضباط النظام السابق. بعضها يبدو مهجوراً، لكن بواباتها الخارجية لا تزال محروسة بالأمن. لا أحد يعرف هل آلت إلى عسكر الحكم الجديد، أم أنها لا تزال مسكونة من قبل بعض شاغليها القدامى، الذين لم يهربوا ليلة سقوط النظام. وما يلفت الانتباه هو أن أحد المداخل تعلوه لافتة قوسية تحمل كتابة “قائدنا للأبد حافظ”، فيما تبدو كلمة الأسد ممحوة.

تتلو منازل الضباط بنايات عديدة تتوغل في العمق نحو المناطق السهلية الممتدة نحو السلاسل الجبلية. تتكون كل واحدة من عدة أدوار، وتحتوي على أكثر من مائة شقة، لكنها غير جاهزة، تبدو في طورها الأخير ينقصها الطلاء الخارجي، والنوافذ والأبواب. يقول السائق إن هذه الأبنية هدية من السماء للإدارة الجديدة، التي ستستفيد منها لإسكان عسكرها وكادرها، الذي انتقل معها من محافظات أخرى، على غرار ما حصل في المناطق الأخرى، حيث آلت كمية كبيرة من المنازل التي كان يشغلها مسؤولو النظام السابق وعسكره ورجال أمنه، إلى جهاز الإدارة الجديدة.

على الطرف الأيسر من الطريق تقع مدينة المعضمية ذات الصيت، الذي علا بقوة في بدايات الثورة السورية، وتحدها من الطرف الآخر مدينة داريا. ولكل منهما قصة طويلة مع النظام السابق، فكلاهما انتفض في الأيام الأولى للثورة، وكان مصير داريا التدمير الكامل، في حين أن المعضمية تعرضت لتدمير جزئي بسبب سكن جزء من حاضنة النظام السابق وعساكره في مبانٍ بناها على جزء من أراضيها ابن خالة بشار الأسد، ذو الهمة شاليش، ما ولّد نزاعاً مفتوحاً بين النظام وأهل المنطقة، الذين رفضوا التسليم بمصادرة أراضيهم بطرق ملتوية قائمة على الترهيب تحت ذريعة الشأن السيادي.

بعد أن اجتزنا المعضمية بقليل ونحن ندخل الى جديدة عرطوز وقريباً من مول “شمس القمر”، يطالعنا قوس كبير بشعار حزب البعث: “أمة عربية واحدة… ذات رسالة خالدة -وحدة حرية اشتراكية”، يمر من تحته البشر والحافلات، ولا أحد يكترث. تتحرك الجموع باندفاع شديد باحثة عن قوت يومها، تاركة خلفها الوحدة والحرية والاشتراكية والأمة العربية ورسالتها الخالدة التي تاجر بها نظام الأسدين، من أجل نهب البلد وتركها تسير على طرقات مليئة بالحفر والمطبات، حتى ليظن المسافر نفسه في قرية نائية، لا في عاصمة عريقة مثل دمشق.

ومن بلدة جديدة الفضل، حيث يكثر البناء المخالف الذي قام به عسكر النظام، وعند مفرق مدينة قطنا، يبدأ جبل الشيخ بالظهور، عالياً، مهيباً، يزهو بلونه الرصاصي، تحت أشعة الشمس اللاهبة وسط غلالة من ضباب خفيف في الأعالي، حيث تلمع في ذراه كتل من ثلج باقية من فصل الشتاء، وعلى اليسار لافتة كبيرة “مزرعة الشيخ محمد الجاسم”، أولى المزارع ذات الملكيات الخاصة، التي ستتكرر كلما اقتربنا من حدود محافظة القنيطرة في علامة على خصوبة المنطقة وتربتها الغنية.

تحصينات عسكرية مدمرة

على جانبي الطريق تبدو تحصينات عسكرية مدمرة من جراء قصف سابق، لم يهتم أحد برفعها، مرسوم عليها علم النظام السابق. وتبدو المنطقة خالية من كل وجود عسكري في الوقت الراهن. وحسب السائق، هكذا كان الأمر قبل سقوط النظام. وبعدها بقليل يطالعنا أول حاجز للأمن العام قرب معمل القدس للبلاط، لا يوقفنا ويكتفي بالإشارة كي نكمل طريقنا. يقول السائق إن حواجز النظام السابق كانت تفتش المركبات التي تقصد القنيطرة ولا تهتم بالعائدة منها إلى دمشق. ويعود السبب في ذلك إلى الحرص على عدم تسرب أسلحة ومسلحين إلى المنطقة بشكل عام. اللافت أن هناك عدة آليات ضخمة ذاهبة نحو محافظة القنيطرة من تلك المخصصة لنقل الدبابات. وحسب شهود من أهل القرى في المنطقة، فإنه يجري إخلاء أسلحة مدمرة، ويرجحون أنها تعود إلى النظام القديم، ويمكن الاستفادة منها خردةً في معامل الحديد لتحويلها إلى استخدامات أخرى.

بعد منطقة الجديدة تخف حركة السير، ويتغير العمران كلياً. هناك سيارات مدنية عائدة في الاتجاه المعاكس نحو دمشق، ركابها بملابس الجيش، ومن ثم نصل إلى بلدتي كناكر والكسوة. وعلى جانب الطريق، بعد عدة كيلومترات، إشارة إلى أن المنطقة في العمق البعيد نسبياً اسمها خان أرنبة، وهي بلدة كبيرة احتلتها إسرائيل في 1967، وعادت لسورية بعد 1974، وهي تتعرض لعمليات توغل وقصف إسرائيلي منذ سقوط النظام. بدأ المشهد يختلف كلياً، القنيطرة على بعد 30 كيلومتراً، يصبح الطريق في اتجاه واحد، وتتراجع أعداد أشجار الكينا المنتشرة بكثافة من دمشق إلى خان أرنبة، وبدأت تخلي مكانها للأشجار المثمرة، التين، العنب، اللوز، المشمش، الزيتون المزروع بكثافة، كما تنتشر في المنطقة مزارع الخضار والقمح والحمص والشعير الممتدة على جانبي الطريق والمروية بنظام الري الحديث.

هناك حالة من التوتر والخوف في القنيطرة من التوغلات الإسرائيلية المتكررة

حاجز عسكري يقف عليه شابان من الأمن العام، ومن بعيد تلوح حقول قمح خضراء، وعلى بعد حوالى 20 كيلومتراً جبل الشيخ. عارضة حديدية خضراء، مكتوب عليها هنا سعسع، ومفرق بيت جن. ومن دون مقدمات يتوقف السائق الذي بدأ يتصرف على أساس أننا بدأنا نقترب من المناطق الحساسة. توقفنا قليلاً، والتقطنا أكثر من صورة، ونحن نردد ذلك البيت الشهير من قصيدة نزار قباني “من شرم الشيخ إلى سعسع”، التي هجا فيها النظام السوري، بعد ما انهزم في حرب 1976.

أبنية متهالكة، طرقات محفرة، تسير عليها سيارة الأجرة بصعوبة، ما يطرح أكثر من سؤال حول وضع هذه المنطقة، التي لا تبعد عن الجولان أكثر من 30 كيلومتراً، وكانت تتمركز فيها قوات سورية كبيرة. لم يقم النظام السابق ببناء خط جبهة عسكرية، ثمة مساحات مفتوحة على امتداد عشرات الكيلومترات لا يوجد فيها عسكري واحد، أو استحكامات عسكرية، عدا عن أن الطرقات في حال يرثى له، ولا يمكن أن تتحرك عليها عربة عسكرية بسهولة. وفي قرية دورين، التي تبعد 20 كيلومتراً عن محافظة القنيطرة يتغير نمط العمران، إذ يحل الحجر البركاني الأسود محل الإسمنت، وتكثر المشاتل، وتبدأ تلوح من بعيد على اليمين عنفات توليد الكهرباء في قرية مجدل شمس، التي رفضتها لمدة عامين، وتم فرضها بالقوة.

مدينة القنيطرة قليلة السكان

ندخل القنيطرة. تبدو المدينة كأنها قليلة السكان، عيون الناس تنظر بتوجس وصرامة، لا أحد يرد على الأسئلة. حديث في العموميات، حينما أدركوا أننا لسنا من المدينة. هناك بعض الحواجز العسكرية للأمن العام، وثكنات الجيش، التي تبدو الحركة والمظاهر حولها عادية جداً. لا شيء يوحي بأنها مدينة القنيطرة التي تقع على الحدود مع العدو، سوى إيقاع الأهالي القلق، المفعم بروح المواجهة والتحدي، فهؤلاء الذين استمروا هناك هم الحراس الفعليون لحدود البلد، الذين تحملوا عناء البقاء في أرضهم.

نسأل الأمن العام عن التجول في مدينة القنيطرة وزيارة الحدود. يشيرون لنا إلى مجدل شمس ويقولون، لا تقتربوا كثيراً من الحدود، لا تصلوا إلى سد رويحينة، قد يطلق عليكم الإسرائيليون النار. حينما تلوح طائرات إسرائيلية مسيّرة من بعيد تراجعوا بسرعة. هذه المناطق تشهد توغلات إسرائيلية بين الحين والآخر، لا تشمل مركز مدينة القنيطرة التي عادت فيها دوائر الدولة للعمل، بل القرى المحيطة بها.

حركة حذرة جداً في المدينة. لا أحد ينصح بزيارة الأماكن الباقية ومنها متحف القنيطرة وبعض مساجدها وكنائسها. هناك حالة من التوتر والخوف من التوغلات الإسرائيلية المتكررة، ولذلك قررنا التراجع ورفض السائق أن يتقدم أكثر، فعدنا أدراجنا. وفي طريق العودة لاحظنا شاحنات تنقل الأغنام في اتجاه دمشق، يقول السائق إنها في طريقها للتصدير إلى الخارج. نتوقف عند مخيم خان الشيح، الذي طاوله دمار النظام السوري السابق، وحاله اليوم يشبه ما آلت إليه بقية المخيمات الفلسطينية. من هنا خرج كثير من المثقفين والصحافيين والفدائيين الفلسطينيين. وهناك حركة إعمار تشي بأن المكان يتغير، وربما لن يبقى من المخيم سوى الاسم.

المحافظة منزوعة السلاح

أهم الملاحظات التي يخرج بها زائر المنطقة هي أنه ليس هناك قوات عسكرية سورية على طرفي الطريق ما بين مركز القنيطرة وحتى حدود دمشق، وهذا أمر لا يعود إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، بل إلى أعوام خلت سحب فيه النظام القوات التي كانت موجودة هناك، وزجها في معارك الداخل. وبالتالي، لا تبدو المحافظة بوضعها الحالي بحاجة إلى اتفاقية نزع سلاح مع إسرائيل، فهي كذلك فعلياً، فلا يوجد فيها جيش سوري أصلاً، ولا أسلحة منظورة. وحيثما تجول الزائر يجد المزارع ذات المساحات الواسعة المنبسطة. يمكن للقنيطرة أن تشكل حلاً لمدينة دمشق من عدة مشكلات، وخاصة بعد اجتثاث الغوطة من قبل النظام السابق، وتحويلها إلى مناطق سكنية مبنية على نحو بشع يفتقر لمقومات العمران الحضري. أرض صالحة للزراعة، بفضل تربتها الخصبة وغناها بالمياه، وهذا يتطلب تحويلها إلى مزرعة مفتوحة، وبناء مدن ذكية وسط بيئة صحية بعيدة عن تلوث العاصمة.

الطاقة البديلة حل سريع لمشكلة الكهرباء. ورغم أن المنطقة موصولة بشبكة كهرباء الدولة فإنها تعيش واقع المحافظات السورية من حيث التقنين الجائر. لكنها استطاعت عبر الطاقة الشمسية أن تحصل على الإنارة الكافية وإدارة شؤون الحياة الأخرى، وخاصة الري بالتنقيط. القنيطرة مدينة جميلة لا تبعد عن دمشق كثيراً، هي على مرمى وطن، تتجه عيون أهلها نحو سورية، ينتظرون أن يلتحقوا بالبلد، بعد مرحلة طويلة من الإهمال ورفع اليد عنها، والتي يبدو أن سببها خضوع النظام السابق للابتزاز الإسرائيلي.

العربي الجديد

———————————-

توم براك: انضمام سوريا للاتفاقيات الإبراهيمية «قد يستغرق وقتاً».

قال المبعوث الأميركي لسوريا توماس براك، في تصريحات لصحيفة «نيويورك تايمز» نشرتها، الخميس، إن سوريا وإسرائيل تجريان محادثات جدية برعاية أميركية لاستعادة الهدوء على طول الحدود بينهما.

وأضاف المبعوث الأميركي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب ترغب في انضمام سوريا للاتفاقيات الإبراهيمية لكن هذا الأمر «قد يستغرق وقتاً».

وأوضح براك أن الرئيس السوري أحمد الشرع قد يواجه معارضة في الداخل فيما يتعلق بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، مضيفاً أنه لا يمكن للسوريين أن يروا رئيسهم «مجبراً» على الانضمام لتلك الاتفاقيات «ولذلك عليه أن يعمل بتأن».

واستعان ترمب ببراك، صديقه القديم والمستثمر في الأسهم الخاصة، للمساعدة في تحقيق رؤيته للشرق الأوسط، التي تأمل الإدارة أن تُساهم في تقليل الصراعات وزيادة الرخاء.

وأوضح ترمب خلال زيارته للشرق الأوسط في مايو (أيار) أن الصفقات التجارية المربحة في قطاعات تشمل الأسلحة والذكاء الاصطناعي تُعدّ من أولوياته، وأن قراره قصف منشآت التخصيب النووي في إيران، الشهر الماضي، أظهر دعمه لإسرائيل واستعداده لاستخدام القوة ضد أعداء الولايات المتحدة.

ووصف براك نهج الإدارة بأنه «انحراف عن المحاولات الأميركية (الفاشلة) السابقة في بناء الأمم»، وعن الجهود السابقة لتشكيل طريقة حكم الحكومات الأخرى.

وركز جزء كبير من عمل براك على دفع سوريا ولبنان، اللذين يتعافيان من حروب مدمرة، نحو حل مشاكلهما الخاصة مع حشد الدعم من قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا وشركاء إقليميين آخرين.

ومن غير الواضح ما إذا كان تركيز ترمب على إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية على الدعم العلني للديمقراطية، سيحقق نتائج أفضل من جهود الإدارات السابقة لمعالجة بعض أكثر مشاكل الشرق الأوسط تعقيداً، بحسب تقرير «نيويورك تايمز».

يعمل براك، في أول وظيفة دبلوماسية له عن عمر يناهز 78 عاماً، على تعزيز علاقاته مع رؤساء الدول وأصحاب النفوذ الآخرين. وقال إن وجود خط مباشر مع البيت الأبيض ووزير الخارجية ماركو روبيو، وحقيقة أن الإدارة «لم تتحلَّ بصبر كافٍ تجاه مقاومة المنطقة لمساعدة نفسها»، قد ساعدا في ذلك.

وركز براك جهوده بشكل كبير على سوريا، حيث تحاول حكومة الشرع الناشئة إعادة بناء البلاد بعد حرب أهلية استمرت 13 عاماً.

ووقّع ترمب أمراً تنفيذياً هذا الأسبوع يهدف إلى إنهاء عقود من العقوبات الأميركية على سوريا. وقال براك إنه بدلاً من تقديم مطالب صارمة، حددت الإدارة أهدافاً للحكومة السورية للعمل عليها بينما تراقب واشنطن تقدمها.

تشمل هذه المؤشرات إيجاد تسوية سلمية مع إسرائيل؛ ودمج الميليشيات التي يقودها الأكراد (قسد) والمدعومة من الولايات المتحدة والتي تسيطر على شمال شرقي سوريا؛ والتحقيق في مصير الأميركيين الذين فُقدوا خلال الحرب.

وكشف براك للصحيفة الأميركية، أن التقدم في مساري «الديمقراطية والحكم الشامل» لن يتحقق بسرعة، مشدداً على أنهما «ليسا جزءاً من المعايير الأميركية».

وأعرب مسؤولون أميركيون عن قلقهم بشأن آلاف المقاتلين الذين قدموا إلى سوريا من الخارج للمشاركة في الحرب، ومعظمهم ضمن الجماعات المتطرفة.

من العناصر التي طرحها براك في الحوار، أن واشنطن أدركت أن سوريا لا تستطيع طرد من تبقى، وأنهم قد يشكلون تهديداً للحكومة الجديدة إذا تم استبعادهم. لذا، تتوقع إدارة ترمب، بدلاً من ذلك، «شفافية» بشأن الأدوار الموكلة إليهم.

وعن رفع العقوبات، قال براك إنها كانت لتشجيع التغييرات، وكانت أكثر فاعلية من إبقائها سارية حتى تلبي سوريا مطالب محددة. مضيفاً: «إنها طريقة رائعة لتحقيق الشيء نفسه، وهذه العقوبات المتتالية لم تنجح قط على أي حال».

يذكر أن علاقات الحكومة السورية الجديدة، تشهد توتراً مع إسرائيل التي دخل جيشها إلى جنوب سوريا ونفذ عمليات هناك في كثير من الأحيان. وتهدف المحادثات إلى تهدئة الصراع على طول الحدود مع تمهيد الطريق لعلاقات أفضل.

—————————-

السلام بين سوريا وإسرائيل.. تسريبات تكشف “شرطا وسيناريوهين يشملان تقسيم الجولان

مقترحات سورية تعيد الجبهة الجنوبية إلى الطاولة

كشفت قناة “i24NEWS” العبرية، الجمعة، عن تفاصيل ما وصفته بـ”سيناريوهين محتملين” لاتفاق سلام “تاريخي” بين سوريا وإسرائيل، نقلاً عن مصدر قالت إنه مقرّب من الرئيس السوري أحمد الشرع.

ووفقًا للتقرير، شدد المصدر السوري على أن أي اتفاق مع إسرائيل “لن يكون مجانيًا”، مشيرًا إلى أن دمشق تطالب باستعادة ما لا يقل عن ثلث مساحة هضبة الجولان المحتلة، معتبرًا ذلك “عنصرًا أساسيًا” في أي تفاهمات سياسية مستقبلية.

سيناريوهان لتقاسم الجولان

بحسب ما نقله المصدر لقناة “i24NEWS”، فإن السيناريو الأول يقضي بتقسيم هضبة الجولان إلى ثلاثة أجزاء:

• تحتفظ إسرائيل بالثلث الذي يضم المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية،

• بينما يُعاد ثلث آخر إلى السيادة السورية،

• أما الجزء الثالث، فيُستأجر من سوريا لصالح إسرائيل لمدة 25 عامًا بموجب اتفاق طويل الأمد.

أما السيناريو الثاني، فيمنح إسرائيل سيطرة على ثلثي مساحة الجولان، مقابل إعادة الثلث المتبقي إلى سوريا، مع احتمال تطبيق ترتيبات تأجير مشابهة على غرار السيناريو الأول.

انفتاح مفاجئ من دمشق

واعتبر المصدر أن الرئيس السوري أحمد الشرع أبدى ما وصفه بـ”انفتاح غير مسبوق” على التنسيق مع الجانب الإسرائيلي، مشيرًا إلى وجود قنوات اتصال مباشرة تتعلق بالشأن الأمني والعسكري، خاصة في الجنوب السوري.

ولفت إلى أن استعادة أي جزء من الجولان، بما في ذلك المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل بعد انهيار النظام السابق، تعتبر ضرورة سياسية لتعزيز شرعية الاتفاق المحتمل في الداخل السوري.

الرأي العام شرط أساسي

وأكد المصدر أن ملف الجولان لا يُطرح فقط كمسألة تفاوضية، بل يُعد شرطًا رئيسيًا لضمان تأييد شعبي سوري لأي اتفاق سلام مستقبلي. وقال: “الرأي العام لن يتقبل اتفاقًا مع إسرائيل دون مكاسب ملموسة تتعلق بالسيادة على الأراضي المحتلة”.

لا تعقيب رسمي

حتى ساعة نشر هذا التقرير، لم يصدر أي تعليق رسمي من السلطات السورية أو الإسرائيلية بشأن هذه التسريبات، التي تثير جدلاً واسعًا في ظل الجمود الذي يطبع العلاقات بين الجانبين منذ عقود.

——————————-

المنطقة العازلة في الجولان السوري لم تعد عازلة/ خليل موسى

باتت مكتظة بأكثر من 10 قواعد عسكرية إسرائيلية من جبل الشيخ شمالاً وحتى حوض اليرموك جنوباً

الأحد 6 يوليو 2025

تقع القاعدة الأكبر والأكثر أهمية استراتيجية على أعلى قمة لجبل الشيخ يتجاوز ارتفاعها 2814 متراً فوق مستوى سطح البحر، وتطل على العاصمة دمشق والبقاع اللبناني وعلى شمال إسرائيل.

بهدف إقامة “جبهة دفاعية متقدمة” يواصل الجيش الإسرائيلي إنشاء قواعد عسكرية في المنطقة العازلة بالجولان السوري، كما تجاوز تلك المنطقة إلى القرى الواقعة إلى الشرق منها في عمق الأراضي السورية.

وتقع تلك القواعد العسكرية من سفوح جبل الشيخ شمالاً وحتى حوض اليرموك في ريف درعا الغربي على مثلث الحدود السورية- الأردنية- الإسرائيلية.

وتتجاوز مساحة الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، 500 كيلومتراً تبلغ نصف مساحة الجولان.

وتقع القاعدة الأكبر والأكثر أهمية استراتيجية على أعلى قمة لجبل الشيخ يتجاوز ارتفاعها 2814 متراً فوق مستوى سطح البحر، وتطل على العاصمة دمشق والبقاع اللبناني وعلى شمال إسرائيل.

وأقام الجيش الإسرائيلي تلك القاعدة في مواقع كانت للجيش السوري قبل انسحابه منها مع سقوط نظام الأسد نهاية العام الماضي.

وتقع القاعدة خارج المنطقة العازلة التي تأسست بموجب “اتفاق فض الاشتباك” بين إسرائيل وسوريا عام 1974.

كل صباح في دمشق

خلال زيارته إلى القاعدة قبل أشهر تفاخر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن الرئيس السوري أحمد الشرع “عندما يفتح عينيه كل صباح في القصر الرئاسي في دمشق، سيرى جيش الدفاع الإسرائيلي يراقبه من قمة جبل الشيخ، ويتذكر أننا هنا وفي كامل المنطقة الأمنية بجنوب سوريا لحماية سكان الجولان والجليل من تهديداته وتهديدات أصدقائه الجهاديين”.

وتنتشر في تلك القواعد ثلاثة ألوية للجيش الإسرائيلي، وتتبع لفرقة “باشان” الإقليمية 210. وعلى امتداد المنطقة العازلة التي يبلغ طولها 70 كيلومتراً أسست إسرائيل أكثر من 10 قواعد عسكرية تبدأ من سفوح جبل الشيخ وحتى منطقة الحمّة في ريف درعا الغربي (حوض نهر اليرموك).

وأقيمت تلك القواعد في قرى جباتا الخشب والحميدية والقنيطرة والقحطانية وتل كونة والتل الأحمر الشرقي والتل الأحمر الغربي.

وقالت مصادر لـ”اندبندنت عربية” إن الجيش الإسرائيلي يعمل حالياً على بناء قاعدة عسكرية في تل أحمر الشرقي قرب بلدة كودنا في ريف القنيطرة، لتضاف إلى قاعدة عسكرية أخرى في تل أحمر الغربي.

ويقوم الجيش الإسرائيلي بتدمير المنازل قرب تلك القواعد العسكرية، كما حصل في قرية الحميدية في ريف القنيطرة حيث هدم 16 منزلاً خلال الأسابيع الأخيرة.

وفي ريف درعا الغربي أقام الجيش الإسرائيلي قاعدة عسكرية قرب بلدة معرية التي ينطلق منها لتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية.

وتستهدف إسرائيل من إقامة تلك القواعد تعزيز سيطرة جيشها على المنطقة وتثبيت واقع جديد في الجنوب السوري خلافاً لـ”اتفاق فض الاشتباك” بين الجانبين.

وعلى رغم ذلك فإن قوات مراقبة فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة (يوندوف) تواصل عملها في المنطقة العازلة من خلال مقرها الرئيس في مدينة القنيطرة، إضافة إلى موقع آخر في قرية نبع الفوار، إلى جانب مواقع أخرى من ضمنها على سفح جبل الشيخ.

سوريا من دون أنياب

وتبلغ مساحة الجولان السوري 1800 كيلومتر مربع، أي نحو واحد في المئة من مساحة سوريا، وسيطرت إسرائيل عام 1967 على 1160 كيلومتراً مربعاً منه قبل أن توسع سيطرتها لتشمل 500 كيلومتر مربع أخرى خلال الأشهر الأخيرة.

وانطلاقاً من تلك القواعد يشن الجيش الإسرائيلي عمليات مداهمة وتفتيش لعشرات القرى السورية الممتدة من جبل الشيخ شمالاً وحتى مثلث الحدود جنوباً، لاستهداف ما يسميها “مواقع لبنى تحتية إرهابية، ولمنع أية تهديدات آتية من الجبهة الشمالية”.

وقبل أيام أعلن الجيش الإسرائيلي اعتقال “أربعة مسلحين تابعين لإيران في منطقتي أم اللحس وعين البستالي جنوب غربي سوريا”.

وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أنه “يعمل داخل المنطقة العازلة وفي مواقع إضافية عدة قريبة منها لضمان أمن الحدود الشمالية لإسرائيل”، لكنه رفض تحديد المواقع التي ينتشر فيها.

وبحسب مصادر سورية لـ”اندبندنت عربية” فإن الجيش الإسرائيلي استكمل قبل أسابيع عمليات مسح سكاني واجتماعي لتلك القرى، بخاصة في ريف القنيطرة والريف الغربي لمحافظة درعا الواقعة في حوض اليرموك.

وبحسب الجيش فإنه مستعد للبقاء في سوريا لفترة غير محدودة بهدف “ضمان أن تكون المنطقة الأمنية في جنوب سوريا منزوعة السلاح وخالية من التهديدات”.

واعتبر المحلل الاستراتيجي السوري فايز الأسمر أن “إسرائيل استغلت سقوط نظام الأسد، وتسعى إلى جعل سوريا من دون أنياب أو مخالب، وتوسيع مناطق سيطرتها في الجولان”.

وأوضح أن تل أبيب تريد من وراء ذلك “فرض اتفاق جديد غير اتفاق فض الاشتباك، يتيح لها نصب محطات إنذار مبكر في المنطقة العازلة، ونشر قوات أميركية بذريعة الحفاظ على أمنها”.

وأشار إلى أن إسرائيل “تخشى بسبب عدم ثقتها بالحكم السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع من طوفان أقصى جديد انطلاقاً من سوريا، كما حصل في هجوم ’حماس‘ على إسرائيل في الـسابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023”.

اتفاق 1974 المنهار

ويرى المحلل الاستراتيجي عنان وهبي أن إسرائيل تريد من خلال تلك القواعد “فرض قواعد اشتباك جديدة تقوم على توجيه ضربات استباقية ضد التهديدات الأمنية”، موضحاً أن تلك القواعد الجديدة تسعى إلى المحافظة على “جبهة مشتعلة، لكن على نار هادئة وليست حرباً كبيرة”.

واستبعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من تلك المواقع لأن تل أبيب “تريد الهيمنة الأمنية على جنوب غربي سوريا بكامله انطلاقاً من تلك المواقع”.

وقالت وزارة الخارجية السورية إن سوريا مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة للعودة لـ”اتفاق فض الاشتباك” مع إسرائيل عام 1974، بعدما أعربت تل أبيب عن اهتمامها بـ”تطبيع” العلاقات مع دمشق.

وأقرت السلطات السورية بإجرائها مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل “لاحتواء التصعيد، بعدما شنت الأخيرة مئات الغارات على الترسانة العسكرية السورية، وتوغلت قواتها في جنوب البلاد عقب سقوط نظام بشار الأسد.

وأكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، إجراء سوريا وإسرائيل محادثات جدية عبر وساطة الولايات المتحدة “تهدف إلى استعادة الهدوء على حدودهما”.

وقال مصدر رسمي سوري إن التصريحات حول توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل “سابقة لأوانها، ولا يمكن الحديث عن احتمال التفاوض حول اتفاقات جديدة إلا بعد التزام تل أبيب الكامل اتفاق فك الاشتباك عام 1974، وانسحابها من المناطق التي توغلت فيها”.

————————————-

إسرائيل تقيم مشفى متنقلا لرعاية الدروز في حضر السورية… علامَ تنوي؟

500 حالة تم علاجها

بي. بي. سي.

أعلن الجيش الإسرائيلي في حزيران يونيو الماضي، تشغيل ما وصفه بـ “منشأة طبية ميدانية متنقلة” في قرية حضر، إحدى القرى الدرزيّة في مرتفعات الجولان السورية، لـ”تقديم العلاج الطبي لسكان المنطقة ولدعم أبناء الطائفة الدرزية في سوريا”.

وقال مصدر عسكري في الجيش الإسرائيلي لبي بي سي نيوز عربي، إن المشفى عبارة عن كرفان به بعض الغرف والأجنحة التي تقدم خدمات طبية في عدة تخصصات، كما أنه “يقدم الإسعافات الأولية وبعض العلاج، ولا تُجرى داخله عمليات جراحية، ويوجد به طبيبة أمراض نساء وطبيب أسرة وطبيب أطفال”.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، “أن المرضى الذين يعانون من أمراض حرجة، يُعالجون داخل إسرائيل بعد تقييم حالتهم، ثم يعودون مرة أخرى إلى قريتهم”.

“لدينا طبيبان فقط في قريتنا”

أدهم (اسم مستعار)، أحد سكان قرية حضر السورية، قال لبي بي سي نيوز عربي إنه لم يكن هناك تنسيق مسبق بين إسرائيل وشيوخ الدروز في القرية لبناء هذا المشفى، وهو ما أكده الجيش الإسرائيلي لبي بي سي.

ويقول أدهم إنه لم يتم التنسيق قبل بناء المشفى، لأن الدوافع كانت “إنسانية”.

ويستدرك قائلاً: “كنا بحاجة هذا المشفى، لأنه لا يوجد حالياً أي مستشفى في القرية. لدينا في قريتنا طبيبان فقط، لفحص المرضى”.

ليس هذا فحسب، بل يوضح أدهم أن هذين الطبيبين ليسا مؤهلين لإجراء عمليات جراحية، إذ إنهما يقدمان فقط خدمات طبية، مضيفاً أنه “لا توجد معامل أو مراكز لإجراء التحاليل والأشعة”، داخل قرية حضر.

ووفقاً لأدهم، فإن أقرب مستشفى لقرية حضر الدرزية، هو مستشفى الجولان الوطني الحكومي في محافظة القنيطرة، وقد “أصبح شبه خالٍ من الأطباء والأجهزة الطبية، وحتى إذا أراد أي من سكان القرية إجراء فحوصات أو تحاليل بداخله، فإنهم يشترون بعض المستلزمات الطبية”.

ويضيف أنه في حال احتاج أي شخص لإجراء عملية جراحية، فإنه يذهب إلى العاصمة دمشق.

وقال محمد سعيد، مدير مديرية الإعلام في محافظة القنيطرة لبي بي سي، إن النظام السوري السابق “كان له دور كبير في تهجير العقول والكوادر الطبية من المنطقة بسبب الضغط الأمني أو تدني الأجور، مما جعل مستشفى الجولان يعمل بالحد الأدنى من إمكانيته”.

ويستدرك بالقول إنه “عندما تولت الحكومة الجديدة إدارة حكم البلاد، بدأت في ترميم بعض الأقسام كقسم الإسعاف وأمراض النساء، وتوفير بعض المعدات الطبية في ظل نقص كبير في أعداد الأطباء”.

ويوضح محمد سعيد أن “وزارة الصحة تسعى لسد العجز في الكوادر الطبية والمعدات الضرورية اللازمة”.

جنديان من قوات حفظ السلام من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك يبتسمان بينما يجلسان داخل ناقلة جنود مدرعة أثناء مراقبتهما للحدود بعد عبورهما من مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل إلى داخل سوريا بالقرب من قرية حضر الدرزية .

جنديان من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك أثناء مراقبتهما للحدود، بعد عبورهما من مرتفعات الجولان المحتلة إلى داخل سوريا بالقرب من قرية حضر الدرزية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

وحضر هي إحدى القرى السورية الدرزية بجبل الشيخ في مرتفعات هضبة الجولان، وتبعد عن دمشق حوالي 75 كيلومتراً باتجاه الجنوب الغربي على الحدود السورية الإسرائيلية.

كما أنها تقع ضمن نطاق المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان المحتلة.

وفي ديسمبر/ كانون الأول عام 2024، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، أعلن الجيش الإسرائيلي عن انتشار قواته في تلك المنطقة العازلة.

وكان الجيش قد قال حينها في بيان له، إن دخوله تلك المنطقة كان بسبب: “دخول مسلحين” إليها، وبناء على “تقييم للأحداث الأخيرة في سوريا”.

وقد أدانت وقتها بعثة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أوندوف)، التي تتولى مسؤولية مراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وسوريا منذ عام 1974، دخول الجيش.

إذ قال حينها متحدث باسم البعثة إنهم لاحظوا “تحركات للجيش الإسرائيلي وعمليات بناء في أربعة مواقع في منطقة جبل الشيخ، ورفع أعلام إسرائيلية في ثلاثة مواقع داخل منطقة الفصل”.

صورة تظهر تصاعد أعمدة الدخان من قرية حضر الدرزية من أعلى تلال خضراء تكسوها مبان أسمنتية صغيرة.

صورة أرشيفية تعود لعام 2016 لقرية حضر الدرزية في مرتفعات الجولان، ويظهر فيها تصاعد أعمدة الدخان من القرية في أعقاب تفجير وقع حينها هناك.

“انتهاك صارخ للسيادة السورية”

يقول محمد السعيد، مدير مديرية الإعلام في محافظة القنيطرة السورية لبي بي سي إن الجيش الإسرائيلي لم ينسق مع الحكومة الإسرائيلية، قبل بناء المشفى.

ويضيف أن “الحكومة السورية تدين أي تدخل اسرائيلي داخل أراضيها، بما في ذلك الخطوة غير القانونية المتمثلة في بناء مشفى متنقل في قرية حضر”.

ووصف سعيد بناء المشفى بأنه “انتهاك صارخ للسيادة السورية والقانون الدولي وهو جزء من محاولات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لتبرير وجوده غير الشرعي في المنطقة”.

بينما قال مصدر في الجيش الإسرائيلي لبي بي سي: “بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول [2023]، أدرك جيش الدفاع الإسرائيلي أنه من أجل حماية المواطنين الإسرائيليين، عليه أن يتحرك بشكل استباقي للدفاع عنهم، وأن يكون حاجزاً بين الإرهابيين وسكان إسرائيل”.

طبيبة ترتدي معطفاً طبياً أبيض، بينما تقيس الضغط لسيدة.

وأضاف المصدر أنه أيضاً، بعد سقوط نظام الأسد ومع غياب الاستقرار في سوريا، “أنشأت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي منطقة عازلة بالقرب من الحدود الإسرائيلية، لتكون بمثابة طبقة حماية بين الإرهابيين وسكان إسرائيل”.

وكانت أسر قد نزحت إلى قرية حضر قادمة من مدينة أشرفية صحنايا، في 30 أبريل/ نيسان الماضي، بعيد اشتباكات بين مسلحين مرتبطين بالسلطات والدروز، تخللها قصف إسرائيلي.

ويقول أدهم في حديثه لنا إن عملية النزوح هذه، زادت الوضع الإنساني داخل قريته سوءاً.

“حماية الدروز”

يقول المصدر بالجيش الإسرائيلي إنه بسبب ذلك النزوح تم بناء المشفى في قرية حضر بالتحديد لمساعدة المدنيين السوريين الدروز الذين فروا من اشتباكات أشرفية صحنايا إليها، وقد توافد الكثير منهم إلى مناطق تمركز قوات الجيش القريبة منها.

وأضاف المصدر: “طلب المصابون [من المدنيين الفارين] المساعدة منا لعلاجهم، ولذلك كان من الملائم والمفيد جداً بناء المشفى هناك ولم يكن من المنطقي بناؤه في أي مكان آخر”، مضيفاً أن إسرائيل لديها مسؤولية تجاه أبناء الطائفة الدرزية، الذين لديهم عائلات يعيشون بداخلها.

وقد أكد أحد شيوخ الدروز في قرية حضر لبي بي سي توافد الفارين من أشرفية صحنايا إلى المناطق التي تنتشر بها القوات الإسرائيلية طلباً للمساعدة، وطلب عدم ذكر اسمه.

وقد قدم هذا المشفى”المتنقل” حتى الآن العلاج لأكثر من 500 مدني سوري دخل قرية حضر السورية، بحسب الجيش الإسرائيلي.

—————————-

صمت رسمي سوري وتسريبات إسرائيلية بشأن “اتفاقية سلام” محتملة/ محمد أمين

29 يونيو 2025

قناة إسرائيلية: اتفاق سلام مع سورية قبل نهاية 2025

لا تعليق رسمياً من دمشق حتى الآن على التسريبات الإسرائيلية

وزير الخارجية الإسرائيلي: بقاؤنا في الجولان شرط أساسي لأي اتفاقية

يكتنف الغموض حتى الآن مستوى وطبيعة الاتصالات الجارية بين الإدارة السورية والجانب الإسرائيلي. فدمشق تؤكد أن هذه الاتصالات “غير مباشرة” ولها غايات أمنية بحتة تُحيي اتفاقية فك الاشتباك عام 1974، في حين تذهب التسريبات الآتية من إسرائيل إلى أن “اتفاقية سلام” بين الجانبين ستكون جاهزة نهاية العام الحالي، وتتضمن تفاهمات حول الجولان الذي تحتله إسرائيل منذ العام 1967.

تسريب إسرائيلي عن “اتفاقية سلام” قبل نهاية 2025

وآخر التسريبات عن الاتصالات الجارية ما بين دمشق وتل أبيب ما نقلته قناة “آي 24” الإسرائيلية، مساء أول من أمس الجمعة، عن “مصدر سوري”، قال إن إسرائيل وسورية ستوقعان “اتفاقية سلام” قبل نهاية العام 2025، زاعماً أن مرتفعات الجولان ستتحول بموجب الاتفاقية إلى “حديقة سلام”. وبحسب المصدر “ستنسحب إسرائيل تدريجياً من جميع الأراضي السورية التي احتلتها في المنطقة العازلة بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بما في ذلك قمة جبل الشيخ”، ما يمهد الطريق التوصل إلى “اتفاقية سلام” بين الجانبين.

وعقب ذلك، قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في مقابلة تلفزيونية أمس السبت، إن بقاء إسرائيل في مرتفعات الجولان شرط أساسي لأي اتفاقية تطبيع محتمل مع سورية، مؤكداً أن اعتراف دمشق بـ”سيادة إسرائيل” على الجولان يُعد خطوة ضرورية لإبرام اتفاقية مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

ولم يصدر عن الإدارة السورية حتى ظهر أمس السبت أي تعليق على التسريبات حول توقيع “اتفاقية سلام” أو تصريحات ساعر، بيد أنها لا تنكر وجود مفاوضات “غير مباشرة” مع الجانب الإسرائيلي عبر “وسطاء دوليين” لوقف الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية في جنوب سورية، كما قال الشرع أكثر من مرة، آخرها منذ أيام أثناء لقائه وجهاء وفعاليات من القنيطرة والجولان. وبعد إسقاط نظام الأسد، تجاوزت تل أبيب كل الخطوط الحمراء المرسومة في اتفاقية فك الاشتباك عام 1974 واحتلت المنطقة العازلة ومناطق خارجها، وتنفذ عمليات توغل في عمق الأراضي السورية بشكل شبه يومي، بعد أن دمرت كل المقدرات العسكرية السورية أواخر العام الماضي، فضلاً عن إمعانها في تجاهل كل القرارات الدولية في هذا الشأن. مع العلم أن القرار الدولي 242 الصادر في العام 1967 يطالب اسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في العدوان الذي شنته في ذلك العام. كما أن القرار 471 المعتمد في العام 1980 نص على أن “قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها في مرتفعات الجولان السوري المحتلة لاغٍ وباطل وليس له أثر قانوني دولي”.

ولا يزال مئات آلاف النازحين من الجولان منذ العام 1967 يأملون باتفاقية تتيح لهم العودة مجدداً إلى قراهم وبلداتهم. وينتظر أن تواجه الإدارة الجديدة معارضة شديدة من الشارع السوري في حال مضيّها في طريق تفاهمات تتضمن تنازلاً عن أراضٍ لصالح إسرائيل التي تستغل الأوضاع السيئة التي تمر بها سورية لإملاء شروطها، وخاصة أن الإدارة الأميركية ترغب في توسيع إطار ما يُعرف بـ”الاتفاقيات الابراهيمية”، للتطبيع مع إسرائيل، لتشمل سورية. وقال المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف أخيراً إن توسيع تلك الاتفاقيات هو أحد أولويات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مضيفاً: “أعتقد أن هناك إعلانات مهمة جداً ستُعلن قريباً بشأن انضمام دول جديدة”، من دون أن يحددها.

الإدارة السورية لن توافق على اتفاقية لا تعيد الجولان

لكن الباحث السياسي زيدون الزعبي قال في حديث مع “العربي الجديد” إن الإدارة السورية “لن توافق على أي حل أو اتفاقية لا تعيد الجولان إلى السيادة السورية بشكل كامل وتضمن انسحاب إسرائيل إلى خطوط الرابع من يونيو/حزيران عام 1967″، موضحاً أن التحولات السياسية عكس ذلك رهيبة جداً. وأشار إلى أن المقصود بتحويل الجولان إلى حديقة سلام “هو اقتطاعه من سورية”، مضيفاً: أنا على يقين بأن السلطة في سورية لن توافق على اتفاقية تجيز ذلك.

من جانبه، قال الباحث السياسي رضوان زيادة، في حديث مع “العربي الجديد”، إن الحكومة السورية الحالية “انتقالية”، مضيفاً: ومن ثم فهي غير مخولة بتوقيع اتفاقية من هذا النوع، وخاصة أنه ليس هناك مجلس تشريعي لمراجعة هذه الاتفاقية والمصادقة عليها. وبيّن أن محاولة تحويل الجولان السوري إلى “حديقة سلام” ليست وليدة اللحظة، مشيراً إلى أن كتابه الذي حمل عنوان: المفاوضات السورية الإسرائيلية الصادر في العام 2005 تطرق إلى هذه المسألة. وبيّن أن الطرح كان يتضمن “وضع الجولان السوري تحت سيادة دولية بحيث لا يستطيع طرف ادعاء السيادة عليه”. ورأى أن هذا الطرح غير ممكن التطبيق “في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة يقودها (بنيامين) نتنياهو”، معرباً عن اعتقاده بأن المفاوضات بين دمشق وتل أبيب “غالباً محكوم عليها بالفشل بسبب وجود هذه الحكومة في إسرائيل”.

لكن المعطيات تشير إلى أن “الإدارة الأميركية تدفع باتجاه تقارب سوري إسرائيلي يُنهي حالة العداء ويؤسس لتطبيع سياسي كامل”، وفق الأكاديمي المختص بالشأن الإسرائيلي خالد خليل، الذي قال في حديث مع “العربي الجديد”، إن “طبيعة ومستوى الاتصالات الجارية لا يزالان غامضين”. وتابع: حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل تستثمر بشكل دعائي في هذه المسألة. هناك بروباغندا واضحة فمسار التفاوض لا يزال وليداً. وبرأيه، تتعامل الإدارة السورية بـ”واقعية سياسية” مع هذا الأمر، مشيراً إلى أنها “أبدت الكثير من حسن النية مقابل الاعتداءات الإسرائيلية السافرة والتدخل في الشأن السوري”، مضيفاً: حكومة اليمين المتطرف تخالف الإجماع الإقليمي والدولي على إنجاح التجربة السورية.

وأعرب عن اعتقاده بأن دمشق “تريد اتفاقاً أمنياً يوقف الاعتداءات المتكررة ويضمن الانسحاب من الأراضي المحتلة بعد الثامن من ديسمبر الماضي”، مضيفاً: ربما يؤسس ذلك لاتفاق مستقبلي وتطبيع. وبرأيه فإن سورية “لن تطبّع منفردة”، معرباً عن اعتقاده بأنه لا سورية ولا إسرائيل مهيأتان لتطبيع كامل في ظل السياسة العدائية من قبل اليمين المتطرف في تل أبيب ضد حكومة الشرع والمنطقة عموماً، فضلاً عن أن المزاج السوري لن يقبل السلام مع دولة ذات طابع دموي. وقال: السلام عبر ليّ الأذرع لن يقبله السوريون. وبرأي خليل فإن مسار المفاوضات بين دمشق وتل أبيب “بدأ بالفعل”، مستدركاً: ولكن أعتقد أنه سيكون مساراً طويلاً.

————————————–

إسرائيل ومحاولة الاستفراد بسورية/ عبسي سميسم

29 يونيو 2025

رغم التصريحات التي جاءت على لسان مسؤولين إسرائيليين بأن هناك لقاءات مباشرة مستمرة بين الجانبين الإسرائيلي والسوري، يُبحث خلالها التنسيق الأمني بينهما، بالإضافة لتسريبات إعلامية من الجانب الإسرائيلي أيضاً عن قرب إعلان اتفاقية تطبيع للعلاقات، إلا أن الرواية السورية لا تزال تتحدث عن مفاوضات غير مباشرة حول تنسيق الوضع الأمني على الحدود، ومطالبة الجانب السوري بتفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلغاء العمل به فور سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وبدأت بالسعي لفرض اتفاق فض اشتباك جديد رفعت سقف شروطها فيه لحدود تحويله إلى اتفاق استسلام غير مشروط، اذ طالبت إسرائيل أن يكون الجنوب السوري، الذي يضم ثلاث محافظات (القنيطرة، درعا، السويداء)، منطقة منزوعة السلاح بالكامل، على أن يقتصر الوجود العسكري السوري في المنطقة على قوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى السماح للجانب الإسرائيلي بالتوغل متى شاء داخل الأراضي السورية.

وقد استغلت إسرائيل فترة سقوط النظام ودمّرت معظم القوة العسكرية السورية من منظومات دفاع جوي ومخازن أسلحة استراتيجية، ومراكز أبحاث عسكرية، كما بدأت قواتها بالتوغل في الجنوب السوري، وأقامت نقاطاً عسكرية متقدمة لها ضمن المنطقة منزوعة السلاح بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، كما تقوم بشكل شبه يومي بحملات تفتيش واعتقال سوريين من قرى وبلدات الجنوب السوري، في محاولة منها لفرض واقع جديد بأوراق تفاوضية قوية، في حال جرى التوصل إلى اتفاق أمني جديد على الحدود.

ويبدو أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تحاول الاستفراد بالدولة السورية، في محاولة منها لانتزاع اتفاق تطبيع للعلاقات معها بشكل منفرد، كي تتراجع عن كل المواقع التي تقدمت إليها وتعود إلى حدود ما قبل سقوط النظام، مقابل البقاء في الجولان المحتل لأجل غير مسمى على الأقل. أما الدولة السورية الجديدة التي فقدت كل أوراقها العسكرية بعد سقوط النظام بسبب حلّ الجيش وإجهاز إسرائيل على ما تبقى من قوتها العسكرية، فيبدو أنها تدرك أنها غير قادرة على مجاراة الجانب الإسرائيلي بأي اتفاق رغم الموقف الأميركي الإيجابي منها، لذلك فالورقة الوحيدة التي تمتلكها هي الدعم العسكري التركي والسماح بقواعد عسكرية تركية قريبة من الحدود أو من العاصمة دمشق تسبب عامل قلق لإسرائيل، لذلك تسعى الحكومة السورية للعودة إلى اتفاق فض الاشتباك السابق، أو ربط أي تفاهم مع الجانب الإسرائيلي بتفاهم مشترك مع أكثر من طرف عربي كي لا يتم الاستفراد بها.

العربي الجديد

————————————

هل سوريا جاهزة للسلام مع إسرائيل؟

دمشق: سعاد جروس

28 يونيو 2025 م

جاءت التصريحات التي نقلتها وسائل إعلام عبرية، عن مصدر -وصفته بـ«سوري مطلع»- بأنّ سوريا وإسرائيل ستوقعان اتفاقية سلام قبل نهاية عام 2025، بعد أيام قليلة من تأكيد الرئيس السوري، أحمد الشرع، أن دمشق تعمل عبر قنوات دبلوماسية ومفاوضات غير مباشرة مع وسطاء دوليين لوقف التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية جنوب البلاد، وتشديده على أن «الحفاظ على السيادة السورية فوق كل اعتبار»، فهل سوريا جاهزة لتوقيع اتفاق سلام؟

ونقل موقع «I24 NEWS» الإسرائيلي الناطق باللغة العربية عن «المصدر السوري المطلع» قوله إنّ اتفاقية السلام التي يجري الحديث عنها تنص على انسحاب إسرائيل تدريجياً من جميع الأراضي السورية التي تقدمت إليها ضمن المنطقة العازلة بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بما في ذلك قمة جبل الشيخ.

مصادر في دمشق قريبة من الحكومة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هناك مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل جارية على قدم وساق برعاية إقليمية ودولية، وقد أعلن ذلك الرئيس السوري.

وكشفت المصادر أن سوريا تُطالب بوقف الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، والعودة إلى اتفاق 1974، في حين تريد إسرائيل إنشاء منطقة عازلة، وعلى الأرجح أن يجري التوصل إلى اتفاقية أمنية جديدة، تُمهّد لاتفاق سلام شامل مستقبلاً.

واستبعدت المصادر التوصل إلى اتفاق دائم، من دون نفي احتمال التوصل إلى اتفاق يُمهد إلى اتفاق سلام دائم أو الاتفاق الإبراهيمي. وتحدثت المصادر عن مشهد متسارع، لافتة إلى تعويل دمشق على الدور العربي للتوصل إلى اتفاق يحفظ السيادة السورية، كونها وضعت ملف السلام في إطاره العربي، وتأمل في أن تمارس الولايات المتحدة والدول الغربية دوراً في الضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات، في إطار رغبتها في دعم الاستقرار بسوريا.

لكن هل سوريا جاهزة لاتفاق سلام دائم مع إسرائيل؟

قالت المصادر إن سوريا بوصفها دولة «وليدة» غير جاهزة لسلام دائم في الوضع الراهن، والحل الذي تأمله اتفاق أمني معدل، أو العودة إلى اتفاق 1974، وأنه شعبياً لا يزال هناك رفض، لكنه أقل وضوحاً، في ظل التحديات الداخلية المُعقدة والشائكة، ووجود تيارات متطرفة وفصائل مسلحة مُتشددة خارج السلطة على الأراضي السورية ترفض مبدأ السلام مع العدو.

ورأى الباحث السياسي السوري، وسكرتير «رابطة المحافظين الشرق أوسطيين»، وائل العجي، أن السلام الشامل مع إسرائيل «مسألة سابقة لأوانها حالياً، وهناك أولويات أخرى أكثر إلحاحاً لدى الحكومة السورية الجديدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «سوريا ليست جاهزة لأي مواجهة عسكرية مع أي قوة خارجية حالياً، والشعب السوري تعب كثيراً من الحروب، ومن متاجرة الأنظمة السابقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي».

وحسب وجهة نظر الباحث، فإن الأولوية لدى الدولة السورية هي «تركيز كل جهودها حالياً لتحسين ظروف الحياة للشعب السوري وتعزيز السلم الأهلي والوحدة الوطنية ومكافحة الطائفية والإرهاب». أما فيما يخص إسرائيل فهناك «القانون الدولي والقرارات الأممية المتعددة، التي تُبين بوضوح حقوق الشعب السوري، ومن الطرف الذي يحتل أراضي الآخر»، مؤكداً أن «اللجوء إلى القانون الدولي والآليات الدولية هو الخيار الأفضل والأكثر سلامة والأقل تكلفة على جميع الأصعدة».

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد قال في اجتماع مع وجهاء من محافظة القنيطرة والجولان المحتل، قبل أيام، إن سوريا تعمل عبر قنوات دبلوماسية ومفاوضات غير مباشرة مع وسطاء دوليين على وقف هذه التوغلات والاعتداءات، مشدداً على أن الحفاظ على السيادة السورية فوق كل اعتبار.

وناقش اللقاء التحديات الخدمية والمعيشية والأمنية التي تواجه الأهالي، في ظل اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المتكررة. وأكد الشرع أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من الدعم للمناطق الحدودية.

——————————–

واشنطن تغازل دمشق وصورة للشرع في تل أبيب/ عمر قدور

السبت 2025/06/28

ما أن توقفت الحرب بين إسرائيل وإيران حتى انتشرت صورة لوحة إعلانية ضخمة في تل أبيب، يظهر فيها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، إلى جوار تسعة قادة عرب تحت شعار: فرصة جديدة لشرق أوسط جديد. الصور الإعلانية انتشرت في تل أبيب بأكثر من لغة، وهي من ضمن حملة أطلقها “التحالف من أجل الأمن الإقليمي” في إسرائيل، ليبدو الشرق الأوسط الجديد الذي تبشّر به الصورة تحالفاً إسرائيلياً-عربياً، أكثر من كونها دعوة إلى شرق أوسط جديد حقاً.

صورة الشرع في تل أبيب تم تجاهلها في دمشق، وكذلك تصريح توماس باراك (المبعوث الأميركي إلى سوريا) إلى قناة “الجزيرة”، وأكّد فيه وجود محادثات هادئة حول كل القضايا، بين الإدارة السورية وتل أبيب. مشيراً إلى أن “الإدارة السورية الحالية ليست على خلاف مع إسرائيل، أو أنها لا تريد القتال”. ليعود باراك إلى القول إن إدارته غير معنية بأن تملي على دمشق شيئاً، بل معنية بأن تساعدها.

تفسير العبارة الأخيرة نجده فيما نقلته سانا، وكالة الأنباء السورية الحكومية، عن باراك أيضاً في حديثه إلى قناة “العربية” يوم الخميس، وجاء فيه: “عندما رفع الرئيس دونالد ترامب العقوبات عن سوريا بالتنسيق مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كان الهدف إعطاء سوريا فرصة، وليس إملاء نظام جديد أو تصدير الديمقراطية أو حتى خلق دستور جديد”. وكانت صفحة “الحدث السوري” على فايسبوك، التابعة لشبكة “العربية” التي نقلت تصريحات باراك، قد نشرت في اليوم نفسه على نحو منفصل خبراً عاجلاً عن البيت الأبيض، مفاده أن “سوريا إحدى الدول العربية التي قد تنضم إلى اتفاقية مع إسرائيل”.

وقبل أيام قليلة كانت صحيفة “إسرائيل هيوم” قد سرّبت أقوالاً لرئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أدلى بها في جلسة سرية للجنة الخارجية والدفاع في الكنيست. مما قاله تساحي هنغبي هو إشرافه شخصياً على التنسيق الأمني والسياسي مع دمشق، وأشار إلى أن الطرفين في مرحلة من المفاوضات يناقشان فيها ما يتعلق بالتطبيع، وأن سوريا مرشّحة لعقد اتفاقية لتطبيع العلاقات، على غرار اتفاقيات أبراهام.

من السهل على أي متابع الانتباه إلى ما يربط رزمة التطورات المذكورة أعلاه، ومنها تطورات اليومين الأخيرين اللذين شهدا تسريباً من البيت الأبيض عن إمكانية إبرام اتفاق بين دمشق وتل أبيب، وتكرار المبعوث السوري إلى سوريا أقواله مرتين خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، خصوصاً تلك التي تنص على أن بلاده لن تُملي شيئاً على السلطة في دمشق، وتحديداً قوله إن هدف بلاده ليس “إملاء نظام جديد أو تصدير الديمقراطية أو حتى خلق دستور جديد”.

صدور هذه التصريحات المتزامنة يشي بمقايضة صريحة بين إطلاق يد السلطة في سوريا مقابل التنازلات التي ستُقدَّم في الاتفاق مع إسرائيل، ومن ثم التطبيع معها. لا تلزم في هذا السياق حتى الإشارة إلى صدور التصريحات عن إدارة أميركية لا يخفي رئيسها غرامه الشديد بالصفقات والمقايضات من هذا القبيل، فالتزامن يشرح نفسه بنفسه، ودحض الرابط بين تقديم التنازلات في الخارج والاستئثار بالداخل يلزمه مسار من الشفافية والتشاركية غير متوفرين، ولا تظهر هناك نية للذهاب في اتجاههما.

من حيث المبدأ، إن رغبة واشنطن وتل أبيب في عقد اتفاق بين الأخيرة ودمشق تعني تعاملهما مع سلطة المرحلة الانتقالية كسلطة دائمة، لها الحق في إبرام اتفاقيات مستدامة ذات طابع شديد الأهمية والحساسية. التصريحات الأميركية الخاصة بعدم إملاء الديموقراطية على دمشق هي لمزيد من الشرح، ولبعث رسالة سياسية واضحة في هذا الاتجاه؛ رسالة لا يُستثنى من مقاصدها سوريون يطمحون إلى الشروع في انتقال ديموقراطي، ولو آجلاً.

ومن أوجه الخطورة في المقايضة كونها لا تحدث بين طرفين متكافئين، فحكومة تل أبيب (مهما كان رأينا في وحشيتها إزاء الفلسطينيين) هي حكومة منتخبة ديموقراطياً، والاتفاق الذي تسعى إليه هو لخدمة مواطنيها من اليهود، حتى إذا حقق في جانب منه اعتبارات انتخابية مفيدة لها. أما الثمن فهو على الضد تماماً، إذ يُلوَّح بعدم اكتراث واشنطن بسلوك السلطة في دمشق فيما يخص الانتقال الديموقراطي تحديداً، بل ليس من التجنّي النظر إلى تصريحات مبعوثها كتشجيع للسلطة الانتقالية على فعل ما يحلو لها داخلياً.

أبعد من ذلك، ستحيل المقايضة، إذا مشت فيها سلطة دمشق، إلى أسوأ ما في العهد الأسدي السابق. أي إلى الاستئثار بالسلطة مع دعم خارجي، وبحيث يكون الأخير هو مصدر “الشرعية” الأكبر، ويُستخدم ضمناً أو علناً لقهر الداخل. وكما نعلم لم يقصّر الكثير من السوريين، منذ آذار 2011 على الأقل، في تخوين حافظ الأسد بموجب رواية تقول إنه “اشترى” كرسي الرئاسة من إسرائيل عندما كان وزيراً للدفاع عام 1967، بسَحْبه القوات السورية من الجولان أمام الهجوم الإسرائيلي.

عطفاً على ذلك، كانت الرواية ذاتها تنصّ على بقاء بشار في السلطة، بعد الثورة عليه، لأنه محميٌّ إسرائيلياً حسب الصفقة آنفة الذكر. بل إن عدم ردّ بشار الأسد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة لطالما نُظر إليه من زاوية كونه لا يستطيع الرد على رُعاته في تل أبيب، لا لأنه ضعيف لا يملك القدرة على الرد. هذه النظرة المعمَّمة على نطاق واسع تستحق شيئاً من التدقيق، إذ قد يتفرّع عنها مثلاً أن لإسرائيل حصة في تقرير من يحكم دمشق، وهذا الاستنتاج له تبعاته لجهة فهم الماضي والحاضر والمستقبل المنظور.

واليوم لا يفعل مناصرو السلطة؛ بحماسة بعضهم المعلن للسلام مع إسرائيل، وبصمت بعضهم الآخر عن الأخبار، سوى أنهم جميعاً يعززون الربط بين السلام والسلطة. فلا يبدو السلام مطلباً سورياً وطنياً، بل هو من ضرورات السلطة ليس إلا. بل إن العلاقة مع الصراع في المنطقة بأكملها تتمحور أيضاً حول السلطة، فلا يخفى أن نسبة ساحقة من الذين كانوا يسخرون من بشار الأسد لصمته أثناء الجرائم الإسرائيلية في غزة هم من الصامتين عنها منذ حدث التغيير في سوريا. وأثناء الأحاديث المتواترة منذ مدة حول التواصل بين دمشق وتل أبيب لا تُذكر غزة، ولو على هامش بسيط مما يحدث، وكأنّ مآل ما يحدث فيها منفصل تماماً عن المسار السوري.

ما نعود للتأكيد عليه هو عدم وجود رؤية سورية للسلام مع إسرائيل، ونستبعد أن يكون لدى تل أبيب حالياً مشروع للسلام يختلف في الجوهر عن ميزان القوى المائل بشدة لصالحها. بالأحرى لا يوجد نقاش سوري حول السلام، وحدود التنازلات المقبولة لأجله. ولا يوجد أيضاً نقاش واتفاق سوريين على معنى الحكم الانتقالي، وعلى الصلاحيات الممنوحة لأهله خلال السنوات الخمس المنصوص عليها في الإعلان الدستوري. هذا “الغموض” السوري، المتعمّد جراء الإحجام العام عن المكاشفة، تأتي التصريحات الأميركية فلا تستثيره رغم خطورتها. وكما نعلم، فإن الذين كان سيستفزّهم تصريح أميركي يطالب بالانتقال الديموقراطي لن يستفزّهم العكس عن “عدم تصدير الديموقراطية”، وكأن الأخيرة منتجٌ أميركي، وليست في صميم ما ثار السوريون من أجله. 

المدن

——————————————

دروس سوريا الجديدة من حرب إيران وإسرائيل/ أحمد مولانا

26/6/2025

قبل ساعات من اشتعال الحرب الإسرائيلية الإيرانية، اجتمع كبار قادة الجيش الإيراني في مبنى آمن في إحدى ضواحي طهران. كان من المفترض أن يكون الاجتماع روتينيا لتقييم مؤشرات التصعيد، لكن ما لم يعرفه الحاضرون هو أن المبنى تحت المراقبة وعلى وشك الاستهداف.

وفي ساعات الفجر، أصابت صواريخ دقيقة المكان الذي يضم رئيس هيئة الأركان اللواء محمد باقري ومساعديه، وعددا من القادة العملياتيين، فحوّلت غرفة القيادة إلى حفرة صامتة. وتزامن ذلك مع حملة اغتيالات طالت قائد الحرس الثوري حسين سلامي وعددا من المسؤولين الأمنيين والعلماء النوويين.

في لحظة واحدة، فقدت إيران عصبها القيادي، وتعطلت قنوات التنسيق بين وحدات الجيش والحرس، وانشغلت منظومة الردّ في تأكيد أخبار نجاة أو مقتل القادة بدل التخطيط لأي تحرك فعّال.

وقد كتب المُنظّر الإستراتيجي كولن غراي في أحد أشهر تأملاته أن “القيادة المركزية التي تُصاب في الضربة الأولى ليست ضحية الصاروخ، بل ضحية الغرور التنظيمي”، في إشارة إلى خطأ الدول التي تضع كل مفاتيح قرارها في غرفة واحدة، ثم تفترض أن الحرب ستمنحها وقتا لإعادة الترتيب.

وفي اليوم العاشر، جاء الدور على المنشآت النووية التي راهنت عليها طهران لتثبيت ميزان الردع. ثلاثة مواقع حساسة في عمق إيران تشمل مفاعلات نطنز وأراك وفوردو تعرضت لضربات أمريكية مباشرة.

لم يكن الهجوم سريًا أو موكلاً إلى حلفاء، بل جاء بإعلان رسمي من الرئيس ترامب، مما يمثل فصلًا جديدًا في الحرب، حيث انتقلت الولايات المتحدة من الدعم السياسي والاستخباري إلى الفعل العسكري الصريح. وكما جرت عملية إسرائيلية لشل القيادة في طهران فجر الحرب، نُفذت عملية أميركية للقضاء على المشروع النووي ومنعه من البقاء على قيد الحياة.

لم يكن ما حدث انتصارا لإسرائيل بقدر ما كان انكشافا لطبيعة الحرب الحديثة، ضربة دقيقة، تُطيح بالقيادة وتستهدف المواقع الاستراتيجية. والدرس الأثقل لا يخصّ طهران وحدها، بل يخصّ كل دولة قد تجد نفسها في مواجهة مشابهة.

وفي دمشق، حيث تتولى قيادة جديدة برئاسة أحمد الشرع مسؤولية إعادة تأسيس الدولة السورية من تحت ركام الحرب، تبرز المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية مرآةً يجب النظر فيها بعناية، إذ لا يمكن لسوريا الجديدة أن تستمد أمنها من محاكاة نماذج مهزومة، ولا أن تؤسس دفاعاتها على أوهام الاستعراض.

فالحرب كشفت أن التماسك المؤسسي والجاهزية الفكرية والإستراتيجية أهم من وفرة الصواريخ أو خطابات التهديد. كما كشفت أن الخطابات الدبلوماسية، والمفاوضات، والجلسات الأممية، قد لا تعني منهجا إستراتيجيا يتبناه الغرب للاحتواء، بل قد تعني مرحلة تكتيكية تنتظر الظروف المناسبة لشن الهجمات المباغتة.

وصحيح أن في هذه الحرب دروس وعبر لدول كثيرة، إلا أن سوريا تبرز كمنوذج فتيّ تعرض في أيامه الأولى لهجمات إسرائيلية سعَت لرسم قواعد وخطوط اشتباك جديدة مفادها أن إسرائيل لن تتسامح بظهور أي مؤشر قد ترى فيه تهديدا، ولو في المستقبل على أمنها.

ضربة افتتاحية تسقط القيادة

من بين أبرز دروس المواجهة الإيرانية الإسرائيلية ذلك الذي تجلّى في الساعات الأولى من الصدمة: لم تستهدف إسرائيل منظومات الدفاع الجوي فحسب، بل ركزت على “العقول”، لا “العضلات”.

فقد شملت الضربات الافتتاحية مقار القيادة والسيطرة، ومنازل القادة العسكريين، ومراكز الاتصال العملياتي للحرس الثوري، ما أحدث ضربة عميقة في جسد المنظومة القيادية وأربك الخطط الدفاعية الإيرانية.

إن هذا النمط من الضربات الاستباقية لا يستهدف فقط تقليل الفعالية العسكرية للخصم، بل يُحدث فجوة نفسية وتنظيمية تضرب في عمق البنية السياسية العسكرية، بهدف جعل طهران تحتاج إلى فترة لاستعادة توازنها المؤسسي، وقد حاول مرشد الثورة علي خامنئي سد الفراغ قدر الإمكان في اليوم ذاته عبر تعيين قادة بدلاء، لكن بعضهم تعرضوا للاستهداف مجددا خلال أقل من أربعة أيام.

بالنسبة لسوريا الجديدة التي لا تملك لا البنية المدنية ولا العسكرية الدفاعية بعد عقود من حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، فإن هذه التجربة تُمثِّل إنذارا واضحا لقيادة سوريا الجديدة: مركزية القيادة، رغم كونها مُغرية من حيث التحكم، تُعرض الدولة لشلل تام إذا ضُرب الرأس.

والقيادة التي تقوم على نمط مرن من القيادة الشبكية، التي تُوزّع الوظائف القيادية على وحدات مستقلة نسبيا، قادرة على مواصلة العمل في حال انهيار المركز. هذا لا يعني تفتيت القرار، بل ضمان استمراريته تحت الضغط.

التوزيع والتمويه والتناوب

الضربات الإسرائيلية لم تقتصر على القيادات، بل امتدت إلى قواعد إطلاق الصواريخ، ومنشآت الطائرات بدون طيار، والمستودعات اللوجستية الكبرى، وهي بنية دشنتها إيران على مدار سنوات في قواعد معروفة وثابتة.

كانت الحسابات الإيرانية قائمة على الردع عبر الحشد والتهديد، لكن الحسابات الإسرائيلية كانت مختلفة تماما: ضربة واحدة مركّزة على النقاط الحساسة تكفي لتحييد خطر كبير.

وقد أظهرت هذه التجربة هشاشة الدفاع حين تتركز القدرات في مواقع رمزية أو إستراتيجية، دون أخذ سيناريو الضربة المباغتة بعين الاعتبار. فما ضُرِب لم يكن فقط مواقع عسكرية، بل كان تصوّرات إستراتيجية عن الردع، قوامها تراكم الأدوات في أماكن محددة.

وبالنسبة لسوريا ليس المطلوب امتلاك أدوات عسكرية ضخمة، بل أن تكون لديها القدرة على نشرها بطريقة تجعل ضربها كلها دفعة واحدة مستحيلا. التوزيع، والتمويه، والتناوب، والنشر المتنقل، هي مفردات مهمة يجدر أن يُنتبه لها في القاموس العسكري السوري، بدلا من التمركز الثابت الذي يغري العدو ويدمر الدفاع من الضربات الأولى.

صعود الحرب السيبرانية والمعلوماتية

لم تكن الضربات التي تلقتها إيران محصورة في الجانب الصلب من الحرب، بل رافقتها موجة من الهجمات السيبرانية، استهدفت أنظمة الاتصال، وبعض المنصات الإعلامية، ما زاد من ضبابية الموقف لدى الجمهور الإيراني، بل حتى لدى القيادات الميدانية.

فالحرب الحديثة لم تعد فقط اشتباكا بين منصات إطلاق الصواريخ، بل هي صراع على المعلومات، وتدافع بين شبكات، حيث تتقدم الحرب السيبرانية والاستخباراتية لتضاهي في الأهمية ساحة المعركة.

في هذا السياق، من المهم أن تعي دول المنطقة وسوريا المستقبل ألا تهمل بناء قدرات الأمن السيبراني، ومواجهة التضليل، وتحصين شبكات القيادة والسيطرة، بل والتفكير في بنى مزدوجة يمكنها امتصاص الصدمة ثم مواصلة العمل.

كما أن أحد المسائل الهامة التي يجب أخذها بعين الاعتبار، هي أهمية توافر الحساسية الأمنية العالية لدى قطاعات واسعة من العاملين في مجال الأمن والدفاع والقطاعات الحساسة في الدولة، فالعمل الرئيسي لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لا يكون في أوقات الحرب، بل في أوقات “الهدوء”، وهو ما يتيح لها تشكيل قاعدة بيانات واسعة، على مستوى الأفراد والمنشآت، يسهل توظيفها لاحقا حينما تقرر الهجوم.

ففي غزة أيضا، تواردت التقارير الصحفية التي لا تتحدث فقط عن استهداف جيش الاحتلال للقيادات الأمنية والعسكرية، بل واستهداف المؤثرين في القطاعات المدنية، وذلك بغرض تفكيك النسيج الاجتماعي عبر ضرب قيادات المجتمع والأصوات المؤثرة فيه.

وعلى ذلك فإن زخم الانتصار بسقوط نظام الأسد، لا بد ألا يُنسي الأخطار المحدقة بها، وأن مرحلة التعبئة، والاستعداد، والسرية في التجهيز والبناء، كلها عوامل ينبغي استمرارها بمستويات متفاوتة، لمواجهة الأخطار المستقبلية الرابضة بجوار الجغرافيا السورية.

إضافة لما سبق، يعد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ونظم الإنذار المبكر، وأدوات تحليل البيانات، قضايا هامة يجب أن تُدرج ضمن أولويات العقيدة الدفاعية، فالحرب تبدأ حين يفقد الخصم قدرته على الرؤية لا فقط على الحركة.

الجاهزية العالية

إحدى أكثر المفارقات وضوحا في المواجهة الإيرانية الإسرائيلية كانت سيطرة إسرائيل الكاملة على المبادأة. فبينما استغرقت طهران عدة ساعات لبلورة ردٍّ منضبط، كانت تل أبيب قد أنهت موجتها الأولى. لقد جعلت إسرائيل من الضربة الأولى عقيدة قائمة بذاتها، ونسجت تفوقها من التوقيت والدقة والمفاجأة.

وهنا مكمن المفارقة: الدولة الأضعف ديمغرافيا وجغرافيا تفوقت لأنها بادرت، وخططت، وجمعت المعلومات، ونفذت في اللحظة الحاسمة، بينما الدولة ذات الامتدادات الجغرافية والوكلاء والإمكانيات ظلت حبيسة خطاب الردّ في الوقت المناسب، وهو توقيت قد لا يأتي أبدا بالصورة المرجوة والرادعة.

إن أرادت الدولة السورية الجديدة أن تنجو في محيط شديد الاضطراب، وعين إسرائيل التي تراقب عن كثب، فعليها أن تتبنى نمطا جديدا في التفكير الأمني: الاستباق لا الرد.

والاستباق لا يعني اشتراط المبادرة الهجومية بل الجاهزية العالية، والقدرة على الإنذار المبكر، وتحديد نِيَّات العدو في اللحظة الحرجة. الدولة التي تنتظر الضربة الأولى لكي تتحرك ميدانيا تكون قد سلّمت جزءا كبيرا من سيادتها للخصم، وهو ما حدث مع مصر وسوريا في عام 1967.

مركزية السلطة مقتل إستراتيجي

في تحليل بنية الإخفاق في المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، نجد تكرارا لصورة عراقية سابقة، لكن بشكل مختلف هذه المرة. فحين ضربت الولايات المتحدة العراق عام 2003، انهارت القيادة العسكرية والسياسية العراقية سريعا، لأن صدام حسين كان قد أسس دولة ذات بنية قيادية مفرطة في المركزية، خالية من المرونة، قائمة على الولاء الشخصي لا الكفاءة المؤسسية، مما حدّ من القدرة على التقدير الموضوعي للمخاطر، وأفضى إلى تهميش الكفاءات المهنية.

وحين نُعيد قراءة الدرس الإيراني حول مركزية القيادة التي حاولت تل أبيب شلها بالضربة الأولى، نجد صدى مباشرا لتحذيرات كولن غراي في كتابه “قرن دموي آخر: حرب المستقبل”، حيث قال: “في الحروب الحديثة، لم يعد بوسع أي قائد أن يحتكر الفهم أو السيطرة، فالشبكية التنظيمية صارت ضرورة وجودية، لا خيارا إداريا”.

بهذا المعنى، فإن سوريا ما بعد الانهيار مطالبة ببناء نمط قيادي لا يتمحور حول الزعيم الفرد أو مركز القرار الواحد، بل يقوم على منظومة قيادة موزعة، تضم قادة ميدانيين مدرَّبين على المبادرة، ومخوّلين بسلطة تنفيذية مرنة، تُمكّنهم من اتخاذ القرارات الحاسمة في اللحظات الحرجة دون انتظار توجيهات مركزية قد تتعطل أو تُستهدف.

إن الدولة التي تضع كامل ثقلها في مركز واحد، سرعان ما تفقد قدرتها على الاستمرار إذا أُصيب الرأس.

ومن ثم فإن توزيع الوظائف القيادية، وإنشاء بنيات “قيادة خلفية” في مناطق متفرقة قادرة على استيعاب الصدمة واستئناف الأداء، لم يعد ترفا تنظيميا أو خيارا إداريا، بل هو حجر الأساس لضمان استمرارية الدولة تحت الضغط، لا سيما في بيئة إستراتيجية تُدار فيها الحروب بضربات استباقية تستهدف البنية القيادية أولا.

الحاجة إلى جهاز استخبارات فاعل

من أبرز مظاهر الإخفاق الإيراني في هذه الحرب هو قصور المنظومة الاستخباراتية عن توقع طبيعة الضربة الإسرائيلية الأولى، وتحديد أهدافها، والتعامل مع موجاتها التالية. فالاستخبارات الإيرانية انشغلت بعمليات خارجية ودعائية، دون أن تمتلك منظومة تحليل إستراتيجي حقيقية تُمكّن صانع القرار من تقدير الموقف بناءً على مؤشرات موضوعية، وظهر أن الاستخبارات الإيرانية متخمة بالأدوات، لكنها فاقدة للرؤية.

يجادل كولن غراي بأن الاستخبارات ليست مجرد أداة مساندة في الحرب، بل أحد الأعمدة الأساسية للإستراتيجية نفسها. ففي كتابه “الإستراتيجية الحديثة”، يكتب بوضوح أن الإستراتيجية الجيدة تتطلب معرفة دقيقة بعدوّك، بمثل ما تتطلب وضوحا في أهدافك وواقعية في أدواتك.

وحين تفشل الاستخبارات، تفشل كلّ منظومة التقدير، ومن ثم تنهار قرارات الحرب أو السلام. ويُشدّد غراي على أن الفارق بين المفاجأة والانكشاف يُقاس بقدرة الدولة على تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرارات فعّالة تُترجم في الزمن المناسب.

انطلاقا من هذا التصور، فإن الدولة السورية الجديدة لا تحتاج فقط إلى أجهزة رصد، بل إلى منظومة استخبارات قادرة على جمع وتحليل المعلومات من الميدان إلى المركز، وربط التقدير الأمني بالقرار السياسي، وتغذية الإستراتيجية بالديناميات المتغيرة في البيئة الإقليمية، وبذلك لا يكون عمل الاستخبارات مقتصرا على الداخل، بل ويمتد إلى رصد وتتبع واستشراف التهديدات التي تحيط بالجغرافيا السورية.

فكما ينبّه غراي، الحرب ليست فقط صراع وسائل، بل اختبار للوعي، ومَن لا يرى ما يحدث، لا يستطيع أن يواجهه.

ضرورة المشروع الشامل

يشدد كولن غراي على أن الإستراتيجية ليست علما محضا، بل ممارسة ذات طابع سياسي وأخلاقي وتاريخي. ويشدد على أن قدرة الدولة على خوض الحرب أو تفاديها لا ترتبط فقط بقدراتها المادية، بل بقدرتها على فهم الحرب بوصفها امتدادا للسياسة، والتفكير الإستراتيجي بوصفه وظيفة شاملة للدولة غير محصورة في الجنرالات.

وبالتالي يرى غراي أن “النصر لا يُنتَج في ميدان القتال فحسب، بل في طريقة إدارة الحرب من غرفة القرار السياسي”.

وهذا ما بدا جليًّا في الفارق بين إسرائيل وإيران خلال الأيام الأولى من الحرب، فتل أبيب تدير المعركة ضمن إستراتيجية كبرى، وتضبط ردودها وفق أهداف واضحة. أما إيران، فقد دخلت الحرب بخطاب ثوري، لكنها لم تمتلك هندسة واضحة لإدارة الحرب، فكانت ردودها متأخرة، لكنها استطاعت امتصاص آثار الضربة الأولى ، ومن ثم أعادت توجيه أجهزتها العسكرية نحو نهج مدروس.

وعلى ضوء ذلك، فإن الدولة السورية الجديدة لا تحتاج فقط إلى إعادة تشكيل أجهزتها الأمنية والعسكرية من الناحية التنظيمية، بل أن تُعيد تموضع هذه المؤسسات داخل مشروع سياسي-وطني أوسع، تتكامل فيه السلطة المدنية مع البنية الدفاعية، وتُمارس فيه الإستراتيجية بوصفها وظيفة حكومية عليا، لا اختصاصا تقنيا محصورا في ثكنات الجيش.

فكما ينبّه غراي، لا يمكن للدولة أن تنجح في الحرب إن لم تكن قد نجحت أولا في فهم طبيعتها، وربط أدواتها بوظيفتها السياسية، ضمن تصور واقعي لموقعها في النظام الإقليمي والدولي.

خاتمة: سوريا بعد الحرب

إن سوريا الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، أمامها فرصة لإعادة بناء الدولة من خلال فهم عميق لطبيعة التهديد، وتأسيس بنية أمن قومي حديثة تستفيد من تجارب الدول المجاورة دون أن تستنسخها.

وإن الدرس الأبرز من الحرب الإيرانية الإسرائيلية هو أن الردع لا يُصنع بالأسلحة وحدها، بل بتماسك القرار، وتوزيع القيادة، ومرونة المؤسسات. وإذا كانت إسرائيل قد تفوقت بالمعرفة والمبادأة والتكنولوجيا الفائقة، فلتكن سوريا الجديدة دولة لا تلاحق الأحداث، بل تُبادر، وتُكيّف أدواتها، وتبني جيشا لا يُفاجأ، وقادة لا يُشلّون.

قد لا تستطيع سوريا مجاراة إسرائيل في التكنولوجيا أو النفوذ الدولي أو الهيمنة الجوية، لكنها تستطيع أن تتفوق في شيء آخر: في تأسيس عقيدة دفاعية ذكية، ومؤسسات مترابطة، وإستراتيجية بقاء مرنة لا تقوم على العاطفة أو التمحور حول القائد الرمز، بل على الفهم المتراكم لتجارب المنطقة، وعلى إرادة واعية لبناء دولة تتعلّم من حروب غيرها قبل أن تُختبر في حربها القادمة.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

———————————–

على تخوم ما بعد الإمبراطورية/ سمر يزبك

24 يونيو 2025

شنّت الولايات المتحدة ضربةً جوّيةً مركّزةً على منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. المشهد لم يكن جديداً في جوهره، بل حلقة مُكرّرة من سلسلة امتدّت منذ دكّ هانوي، مروراً بكابول فبغداد، ثمّ طرابلس، حيث تتقدّم القاذفات وتنسحب القيم، القنابل المستخدمة هذه المرّة، المصمّمة لاختراق أعمق التحصينات، ارتطمت بجدران معنى الإمبراطورية أكثر ممّا اخترقت الخرسانة؛ إذ لم يكن ما جرى فعلاً مُؤسِّساً، بل استدعاءً آلياً لقوةٍ فقدت قدرتها على الإقناع، واستعراضاً أجوفَ لِهيبةٍ منهكة. في ظاهر الحدث ضخامة تقنية، لكن خلفه ظلّ تكرار ثقيل لا يخلو من خيبة. بدا الأمر كأنّ العالم يُدار من غرفة عملياتٍ تُشغّل نفسها تلقائياً، بلا هدف جديد، بلا سردية، بلا ضرورة حقيقية. ما يُروّج له ضربةً استراتيجيةً كان في عمقه حركةً متأخّرةً ضمن نصّ انتهى. وكما كتب ابن خلدون، حين تتوهّم الإمبراطوريات أنها بلغت الذروة، تبدأ لحظة ارتعاشها الأخيرة. “المقاومة ومحورها” بدورها، التي أثارت يوماً تضامناً عابراً للحدود، بدت خاوية من الداخل. المشروع الإيراني، المتمدّد تحت راية التحرير، انكشف شبكةَ سلطاتٍ طائفية تتغذّى من هشاشة الآخرين. تورّط حزب الله في الحرب السورية لم يوسّع فكرة المقاومة، بل اختزلها في منطق السيطرة الطائفية، ففقد ما كان يمنحه الجاذبية الأخلاقية. تحوّلت الممانعة تكراراً قمعياً لنظام انقطع عن الناس. حين جاء القصف، كانت شرعية إيران الرمزية قد تآكلت، وفقدت القدرة على استدعاء أيّ تضامن.

في الخلفية تقف ثلاث خرائط دامية: العراق وسورية ولبنان. مناطق أُنهكت في صراعاتٍ لم تُصمَّم لناسها، وتوزّعت بين نفوذ خارجي يكشّر طمعاً وسلطات داخلية مُتعثّرة تحاول البدء من جديد. في هذه الأرض المتآكلة، لا أحد ينتظر مشروعاً للتحرّر، إنما مساحةً لالتقاط الأنفاس. الناس هناك لا يطلبون سوى أن يعيدوا بناء منازلهم، أن يؤسّسوا مدارس لا تخاف القصف، ومستشفيات لا تتبعها صواريخ الطائرات. أن يعيشوا، لا بطموح إسقاط إمبراطوريات، بل بتوق النجاة من بقاياها، بعيداً من الطغاة وتجّار الشعارات. وما يحدث في غزّة لا يمكن فصله عن هذا المشهد. هناك تتكثّف المعادلة بأشدّ صورها فظاعة. تتحوّل المعاناة البشرية بنودَ عمليات، ويُمنح القتل تفويضاً استراتيجياً مفتوحاً. إسرائيل، بصفتها الحارس الأمامي لترتيب عالمي يتهاوى، تمارس الإبادة تحت أعين راعية لا تخفي دعمها. الولايات المتحدة، وقد فقدت الأفق، ترى في دم الأطفال الفلسطينيين ثمناً ضرورياً لإبطاء التشظّي. ما يجري في غزّة ليس شذوذاً، إنما ذروة منطقٍ يفقد معناه، ويستبدل المستقبل بجثث، والمشاريع بالمجازر.

ربّما نرى الآن الفصول الأخيرة من سردية الإمبراطورية وقد أنهكها تكرار ذاتها. فكرة المركز الذي يُملي على الأطراف، والعقل الكليّ الذي يُدير العالم من قاعة عمليات، بدأت تتشظّى أشلاءً من خطاب وأجهزة وأطلال رموز. الإمبراطورية، التي تأسّست على ادّعاء المعنى، تفقد اليوم قدرتها على الإقناع. وباتت تتكلّم لغة منتهية الصلاحية. تتفكّك مقولاتها كما تتفكّك عضلات كائن يحتضر: الردع، السيادة، الهيبة، حتى فكرة العدو، تتحوّل بنىً خاويةً لا تصمد أمام ثقل الواقع. في هذا الزمن الرمادي، حيث لا إمبراطورية تنهض ولا منظومة تنهار دفعة واحدة، يبقى الأمل أن تمضي هذه المرحلة بانحلالها البطيء من دون أن تبتلع ما تبقّى من هشيمنا. أن تمرّ العاصفة ونحن نحتمي لا في الخنادق، بل في المعاني التي نصوغها معاً من اللغة، من الخبز، من ظلّ الشجرة التي لم تُقصف بعد. لعلّ ما بعد الإمبراطوريات لا يكون فجراً، لكنّه قد يكون هدنةً نُعيد فيها اختراع الحكاية، من دون سادة ولا أوصياء. في لحظات كهذه، لا نملك ترف النبوءة ولا رفاهية الإنكار، فقط هذا الوعي الحادّ بأننا نعيش في تخوم نهاية لم نكتبها، وبدايات لا نعرف لغتها بعد. العالم كما نعرفه يتفسّخ بهدوء مروّع، ونحن، أبناء الشقوق، لا نحلم بتغيير التاريخ، بل بأن ننجو من صخبه من دون أن نفقد قدرتنا على رواية ما جرى، لا ضحاياً، بل ناجين يُصرّون على أن يكون لهم صوت، ولو في الهامش.

العربي الجديد

—————————

سورية وهذه الحرب/ معن البياري

24 يونيو 2025

لم تعلن الحكومة السورية موقفاً بشأن الحرب النشطة التي تتبادلانها، إيران وإسرائيل، بعد أن بدأت الأخيرة بالعدوان. حتى كتابة هذه السطور صباح السبت، 21 يونيو/ حزيران الجاري، لم تستشعر دمشق حاجةً إلى قول شيءٍ في أمر هذه الحرب، على غير ما فعلت معظم الحكومات العربية، سيّما في دول الجوار، وقد دعت جميعُها إلى وقف الأعمال العسكرية، وعودة المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني. وأياً كانت الوجاهة في قول من يقولون إن لا نفع ملموساً للبيانات التقليدية مثل هذه، والتي درَج أن تُشهرَها حكوماتٌ قريبةٌ وبعيدة، في أحداثٍ من عيار الحرب المتحدّث عنها، وأقلّ منها حدّةً، فهذا لا يلغي القيمة الاعتبارية والسياسية لمواقف معلنةٍ تُبادر إليها الدول، سيّما فيما يخصّ وقائع لها أثرُها على الاستقراريْن، الإقليمي والدولي، وتضرب مجرياتُها وتداعياتُها في الاقتصادات والأمن والأمان في غير بلد. والقصفُ الجاري بالصواريخ بين إيران ودولة الاحتلال لا يُحدِث مفاعيله في المكسيك وجوارها، ولا في غينيا بيساو ومحيطها، وإنما في سورية وفلسطين والأردن والعراق أولاً، وليس تالياً في الخليج ومصر. ومن هذا الاعتبار، شديدِ البداهة، يُصبح مفترضاً من سورية، سيّما وأنها في مرحلة انعطافيةٍ وبالغة الحساسية، أن تقول شيئاً في الموضوع، وإنْ في البال أنه بالغ الفظاعة والروْع ما أحدثتْه إيران في الجسد السوري المُتعب، 14 عاماً في ظلال بشّار الأسد الذي والاها وارتضى أن يتبعها في كبائر وصغائر، ولا يدفع هذا إلى أي قسطٍ من التعاطف معها، وليس هذا هو المطلوب، وإنما المقصد والمقصود حضور سورية صاحبةَ موقفٍ يشدّد على الأخذ بالدبلوماسية بديلاً عن الحروب، وعلى أولوية الاستقرارعلى كل اعتبار.

ربما يجد صانع القرار في دمشق الصمت أجدى، والحيادَ أنفع، في الظرف الراهن. وقد يكون هذا اجتهاداً في محله، لكن التحسّب هنا من أن يشيع أن صمتاً وحياداً في هذا المقام يوحيان بالرغبة في أن تنتهي الحرب إلى غلبة إسرائيل وانتصار مشروعها في إزاحة النظام في ظهران، مع نجاحاتٍ في تدميرها مقدّرات بلاد فارس العسكرية والاقتصادية. وحاشا وألف حاشا، والعياذ بالله، أن ينحاز أهل سورية، حكّاما ومحكومين، إلى عدوّهم الأول، عدوّ الأمتين العربية والإسلامية، الكيان الذي يحتل أرضاً سورية، ويرتكب الفظاعات بحقّ أبناء فلسطين. وافتراضُ أمر كهذا مرفوضٌ أصلا، ذلك أن التشكيك، لا سمح الله، بوطنيّة السوريين، ممنوع، ولا يمكن التسامح مع كل من يخطر في مداركه ظنٌّ آثمٌ كهذا. ومن هذا المدخل، يكون نافعاً أن يأتي البيان المأمول من الحكومة السورية في شأن الحرب على صفة إسرائيل دولة عدوانٍ واحتلال، وأنها تعطي لنفسها الحقّ في رسم خرائط المنطقة كما تشتهي، ووفق منطقها، وأن سورية تتعرّض منها لاعتداءاتٍ واستباحاتٍ يدينها القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، لن يغفل بيانٌ مثل هذا الإتيان على رفض كل مراوغات إيران، وكل ممارساتها التي تتوخّى منها تمدّد مشروعها الخاص في المنطقة، بالتدخّل في شؤون غير بلد، الأمر الذي كابد منه الشعب السوري المرَّ الكثير، وقاومه وانتصر على الآلة العسكرية الإيرانية التي ناصرت نظام الاستبداد والفساد في بلده. وفي الوسع أن يمضي البيان إلى أن سورية تتمنّى للشعب الإيراني الصديق الخير والتقدّم.

يتابع السوريون الحرب الماثلة، ويراقبون في سماء بلادهم عبور صواريخ طرفيْها، وينشدّون إلى تطوّراتها، فهم في طليعة المعنيين بها ومساراتها ونتائجها. وفي الوارد أنهم يتوقّعون من أهل الحكم والقرار في بلدهم أن يتخفّفوا من اعتصامهم بالصمت، ويجهروا بأن سورية من موقعها ومكانتها، وهي في قلب الأمة، لا تمالئ عدوّاً انتقاماً من عدوٍّ آخر، وإنما هي دولةٌ تضع مصالح شعبها أولوية الأولويات، ولا تُغادر انتسابها العربيّ المؤكّد، ولا تتخلّى عن مركزيّتها في العالم الإسلامي. … وفي المبتدأ والمنتهى، لا تسلك الدول أمزجة الأفراد وأهواءهم، ولا قناعاتهم وخياراتهم، ذلك أنها الكيان الجامع الذي يدقّق في الحسابات والرهانات، ويوازن بين المقدّمات والنتائج، وينظر في المنافع والمخاطر. وصدوراً عن البديهية هذه، له كل الضرورة أن تقول الدولة السورية قولاً حكيماً ووطنيّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً في هذه اللحظة. … وأهل مكّة أدرى بشعابها، أولاً وأخيراً.

العربي الجديد

———————————

لماذا سوريا من أكثر البلدان تضررًا من حرب إسرائيل وإيران؟/ عمر كوش

23/6/2025

تختلف الحرب التي اندلعت مؤخرًا بين إسرائيل وإيران عن كل الحروب السابقة في المنطقة، فهي ليست مثل حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة، أو الحرب الإسرائيلية على “حزب الله” في لبنان، ولا تشبه حرب الخليج الأولى، ولا الغزو الأميركي للعراق، أو حرب العراق وإيران في ثمانينيات القرن الماضي.

كما أنها خرجت عن الطابع التقليدي للمواجهة بالوكالة، لتأخذ شكل مواجهة مباشرة. ولا تفسر من جهة الردع والرد فقط، فهي حرب مختلفة وغير تقليدية، وستكون لها تداعياتها على دول وشعوب المنطقة؛ كونها تمثل صراعًا على مستقبل الدور الإقليمي فيها، حيث تسعى إسرائيل إلى تكريس دورها كقوة مهيمنة لا تُردع، خاصة أنه في حال نجاحها في هزيمة إيران ستكون القوة الأولى، وصاحبة اليد الطولى في المنطقة.

الموقف السوري

كان طبيعيًا أن يتفاعل السوريون مع مجريات هذه الحرب، وأن تختلف مواقفهم حيالها، حيث اتخذ بعضهم موقف اللامبالي منها، فيما يترقب آخرون ما ستسفر عنه هذه المواجهة التصعيدية. ويساور كثيرًا منهم القلقُ من تداعيات الحرب على بلادهم، التي تحررت حديثًا من قبضة نظام الأسد البائد.

وكان المفاجئ لدى السوريين، وسواهم، هو حجم الهشاشة التي ظهر بها النظام الإيراني أمام الضربات الموجعة المتتالية وغير المسبوقة التي تلقاها، وطالت ليس مواقع نووية وعسكرية فحسب، بل قادة من كبار العسكريين في الجيش الإيراني، والحرس الثوري واستخباراته، وفيلق القدس، وعلماء ذرة وسواهم.

اللافت هو عدم صدور أي موقف رسمي عن الحكومة السورية حيال هذه المواجهة الطاحنة بين إسرائيل وإيران، في موقف قد يبدو مفهومًا لدى الكثير من المراقبين، بالنظر إلى الوضع الكارثي في سوريا، الذي ورثته الإدارة الجديدة من النظام السابق، ويستلزم القيام بجهود كبيرة من أجل التعافي، وإعادة إعمار ما خرّبه هذا النظام.

لذلك تحاول دمشق أن تنأى بنفسها بشكل كامل عن الحرب وتداعياتها؛ لأنه لا مصلحة لسوريا بالدخول في أي من تفاصيلها، كي تركز على محاولتها إطلاق عجلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، التي باتت تمثل شغلها الشاغل، وبالتالي فإن حربها الأساسية هي في الداخل من أجل بناء سوريا، ويتعين عليها تجنب تداعيات الحرب بين إسرائيل وإيران.

الآثار والتداعيات

تشير وقائع المواجهة العسكرية الدائرة بين إسرائيل وإيران إلى أنه على الرغم من أن سوريا ليست طرفًا فيها، فإنها ربما تكون من بين أكثر الدول تأثرًا بها، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى الاقتصادي أيضًا، حيث بات مطلوبًا من الحكومة السورية اتخاذ إجراءات لمنع ارتفاع مستوى التضخم، وأسعار السلع، والخدمات في الأسواق السورية.

إضافة إلى الآثار التي تطال مجمل النشاط الاقتصادي والتجاري في سوريا، والمتمثلة في تأجيل زيارات الوفود الاقتصادية والاستثمارية العربية، وإغلاق المجال الجوي في عدة دول في الإقليم، وخاصة المجاورة لسوريا، ما أفضى إلى توقف الحراك الدولي والإقليمي تجاه سوريا.

ولا شك في أن كل ذلك سيترك آثارًا على عملية نهوض الاقتصاد السوري المتهالك أساسًا نتيجة ممارسات النظام السابق.

الأخطرُ من الآثار الاقتصادية، الآثارُ المتصلة بموقع سوريا الجغرافي، مما جعلها تعيش بعض حيثيات المواجهة الإسرائيلية الإيرانية وإرهاصاتها، وذلك في ظل انتشار ادعاءات بأن سوريا فتحت مجالها الجوي لاعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية، الأمر الذي نفته الحكومة السورية بشكل قاطع، حيث تعتبر أن ما يجري في الأجواء السورية يمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدولة السورية من الطرفين؛ الإسرائيلي والإيراني، ويتجسد في قيام كل منهما بعمليات عسكرية في الأجواء السورية دون أي تفويض رسمي من السلطات السورية، وهو أمر مرفوض تمامًا، ويتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

الواقع هو أن السماء السورية الممتدة فوق المنطقة من محافظة درعا إلى القنيطرة وصولًا إلى محافظة طرطوس، تشهد تصعيدًا غير مسبوق منذ بداية المواجهة، إذ تحولت سماء المنطقة إلى مسار لعبور عشرات المسيرات والصواريخ، وسقط بعضها في مناطق سكنية، وأخرى في مناطق زراعية.

إضافة إلى سقوط خزانات وقود الطائرات، وبقايا صواريخ إيرانية تم اعتراضها من قبل الجانب الإسرائيلي وخلفت ضحايا ومصابين سوريين.

واستدعى ذلك توجيه وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح نداء للسوريين في المناطق الجنوبية بـ “عدم التجمهر أو الصعود للأسطح لمراقبة ما يحدث، وذلك حفاظًا على سلامتهم”، مع تحذيرهم من “الاقتراب من أي جسم غريب أو حطام قد يسقط نتيجة الأحداث، وعدم لمسه، وترك التعامل معه لفرق الهندسة أو فرق إزالة مخلفات الحرب، والإبلاغ فورًا عن أي بقايا أو مخلفات حرب”.

الإجراءات

لم تعد سوريا ساحة للمواجهة بين إسرائيل وإيران مثلما كانت في عهد النظام السابق، فقد خرجت إيران ومليشياتها من سوريا بشكل نهائي مع سقوط النظام الأسدي، وتغيرت بعده وجهة سوريا بشكل جذري، وبالتالي تغير شكل المواجهة بين طهران وتل أبيب.

ظهر تغير الموقف السوري فور وصول الإدارة الجديدة إلى دمشق، حيث أعلنت أنها لن تدخل في سياسة المحاور الإقليمية؛ لأن تركيزها سيتمحور على إعادة بناء دولة جديدة قادرة على استعادة السيادة الوطنية، وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية، بعيدًا عن أيدي المليشيات، أو المجموعات الخارجة عن القانون.

كان متوقعًا أن تحاول بعض المجموعات المسلحة إعادة خلق أرضية اشتباك مع إسرائيل في الجنوب السوري، كي تخلط الأوراق بالنظر إلى أن إسرائيل تعتبر ذلك أحد خطوطها الحمر الرئيسة، وتتخذ ذلك ذريعة لقيامها باعتداءات جديدة على سوريا.

وقد سبق لمجموعة تدعى “جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا” (أولي البأس) أن تبنّت إطلاق مقذوفات صاروخية على منطقة الجولان المحتل من الجنوب السوري في بداية مطلع شهر يونيو/ حزيران الجاري، اتخذته إسرائيل ذريعة لقيامها بقصف مواقع في الجنوب السوري.

ومنعًا لتكرار مثل هذه المحاولات، اتخذت الحكومة السورية جملة إجراءات أمنية واحتياطات عسكرية؛ بغية الحفاظ على الساحة السورية ساكنة، وخارج لهيب النار المتبادلة عبر سمائها بين إيران وإسرائيل. ومع ذلك تخشى الحكومة السورية من أن تستغل خلايا نائمة تابعة لإيران الوضع الجديد لإشعال مواجهة مع إسرائيل.

لم تقتصر الإجراءات التي قامت بها الحكومة السورية على المنطقة الجنوبية في سوريا فقط، بل أرسلت تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع كل من العراق ولبنان منذ بدء الحرب الإسرائيلية الإيرانية؛ تحسبًا لما قد تقوم به خلايا ومجموعات تابعة لإيران، حيث كشفت التطورات الأخيرة أن بقاياها ما تزال موجودة، ولم تكفّ عن محاولاتها تهريب الأسلحة والمخدرات، ونفذت بعض العمليات في الآونة الأخيرة في محافظة دير الزور، والمناطق الحدودية مع العراق ولبنان.

وبالتالي فإن الحكومة السورية مضطرة إلى صرف جزء من قدراتها من أجل ضبط الحدود، ومنع امتداد تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية إلى الداخل السوري؛ لأن ذلك قد يفضي إلى حدوث اختلالات بالوضع الأمني، ويمكن لقوى عديدة استغلالها من أجل ضرب الاستقرار في سوريا.

المستوى السياسي

ما يسجل على المستوى السياسي، هو الاتصال الذي أجراه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس السوري أحمد الشرع بعد اندلاع المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، وركز فيه على نقطتين جوهريتين؛ أولاهما ضرورة تحييد سوريا عن هذا الصراع الإقليمي، والثانية توخي المزيد من الحذر في ظل الظروف الحالية، كي لا تستغل التنظيمات المتطرفة أو “العناصر الإرهابية” حالة الفوضى لتوسيع نشاطها في سوريا والمنطقة.

تكمن أهمية اتصال أردوغان بالشرع في أنه جاء بعد عدة اتصالات قام بها مع قادة في دول العالم، وخاصة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يعني حصول توافق أميركي تركي حول ضرورة إبعاد سوريا عن الصراع الدائر في المنطقة.

ويلتقي ذلك مع توجه الحكومة السورية للنأي بنفسها عن الصراع، والعمل على منع ارتداداته على الداخل السوري، الأمر الذي وفّر لها التنسيق مع تركيا من أجل إرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع كل من العراق ولبنان، وبما يتسق مع ما ترغب به الولايات المتحدة، مما يصبّ في صالح التقارب السوري الأميركي، خاصة بعد رفع العقوبات الأميركية عنها وتطبيع العلاقات.

ولا يبتعد كل ذلك عن المتغيرات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، وإعادة اصطفاف القوى فيه وفق المعطيات الجيوسياسية الجديدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

—————————–

 القنبلة النووية في غرفة القيادة/ عبد الله مكسور

2025.06.23

في الفضاء السياسي الإيراني، لا تُعامل تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن احتمال انخراط واشنطن في عدوان إسرائيل على إيران، كحقائق ثابتة أو نوايا مؤكدة، بل تُقرأ ضمن منظومة أوسع من التقديرات التي تضع خطاب ترمب في خانة الأدوات التفاوضية لا التحضيرات العسكرية. فصانع القرار الإيراني بات متمرسًا – كما يبدو-  في تفكيك الخطاب الأميركي الترمبي، مدركاً أن التهديد بالحرب قد يكون مجرد وسيلة لتحسين الشروط أو الضغط على الداخل الإيراني بهدف إحداث تصدعات سياسية واجتماعية. هذه التصدعات دعت إليها إسرائيل بشكل واضح على شكل مطالبة الإيرانيين بالنزول إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط النظام.

من هذا المنطلق، تنظر طهران إلى تصعيد ترمب الكلامي على أنه جزء من “فن الصفقات” – لديه كتاب صدر عام 1987 يحمل اسم فن الصفقة – كسلوك يعتمده رجل الأعمال الذي يدير البيت الأبيض، وليس مقدمة حقيقية لضربة عسكرية شاملة. بل إن القناعة السائدة لدى المؤسسة الإيرانية هي أن الإدارة الأميركية، رغم خطابها الناري، ليست مستعدة لتحمّل تبعات مواجهة مفتوحة في منطقة استراتيجية بالنسبة لها، ولا تزال في عمقها الجغرافي تحت وطأة الفوضى، ولا سيما أن سجل ترمب نفسه اتّسم برغبة في تقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط وليس توسيعه.

لذلك، تتبع إيران استراتيجية مزدوجة تقوم على تحصين موقعها في الحرب والمواجهة مع إسرائيل من جهة، وتعطيل مفاعيل التصعيد الكلامي الأميركي من جهة أخرى. فهي لا تستجيب سريعًا لأي إشارة لاستئناف المفاوضات، بل ترفع من شروطها كلما شعرت أن واشنطن تقترب من حافة الحرب، لكنها لا تملك إرادة القفز فيها. كما أنها تُصعّد انتقائيًا في العمق الإسرائيلي، وتتوعد بشكل متكرر بأِشياء غير متوقعة لزيادة الكلفة على الإسرائيلي والأميركي دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.

أما الرأي العام الإيراني، فيجد في تصريحات ترمب مادة للسخرية أكثر من كونها مصدرًا للرعب، – على الأقل في التعليقات التي تظهر من المحللين الذين يظهرون من طهران- بخاصة أن السنوات الأخيرة راكمت لدى المجتمع الإيراني مناعة خطابية ضد الحرب، ودرّبته على التمييز بين التهديد التكتيكي والخطر الاستراتيجي. وفي هذا السياق، تدرك طهران أن الإدارة الأميركية – في عهد ترمب تحديدًا – تسعى لتحقيق نصر سياسي بصيغة اتفاق جديد، لا في خوض حرب لا يمكن ضبط نتائجها. ومن هنا، تستمر إيران في رسم خطواتها بناء على فرضية أن الحرب ليست الخيار المفضل لواشنطن، بل ورقة في لعبة النفوذ الطويلة. حتى وإن كانت تصريحات ترمب تلوِّح بها دائماً.

عقيدة “الثواني الأخيرة” الأميركية:

حين يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن “الثواني الأخيرة” باعتبارها لحظة اتخاذ القرار بالمشاركة في الحرب، فإنه لا ينطق فقط بوصف ظرفيّ أو لحظة شخصية، بل يكشف عن جوهر عقل الدولة الأمنية والسياسية الأميركية في إدارة الحروب. ففي الأدبيات السياسية والعسكرية للولايات المتحدة، لطالما ارتبطت “الثواني الأخيرة” بإستراتيجية التدخل المتأخر، لكنها ليست متأخرة على الأرض بقدر ما هي متقدمة على الخاتمة. هي تلك اللحظة التي تكون فيها كل عناصر المشهد قد اكتملت: القوات الأميركية انتشرت بشكل فعّال على تخوم جغرافيا المواجهة، المبعوثون أرهقوا مساحات التفاوض، والخصوم استُنزفوا حتى حافة الانهيار، ثم يأتي الدخول الأميركي كطلقة ختامية في مسرحية طويلة أُعدت من وراء الكواليس.

بمعنى صناعة الانتصار دون خوض الحرب كاملة. وهذه العقيدة لها جذورعميقة أميركياً. ففي الحرب العالمية الثانية، لم تدخل واشنطن الحرب منذ بدايتها. لقد تركت أوروبا تشتعل وتحترق، وسمحت للقوى الأخرى أن تخوض معركة البقاء. وعندما تحققت اللحظة المناسبة لها، اندفعت بقوتها، لا فقط لتغيير ميزان المعركة، بل لكتابة الفصل الأخير باسمها. لم تكن المعركة معركتها وحدها، لكن النصر كان أميركيًّا خالصًا، صُمم على مقاييس النظام العالمي الجديد الذي فرضته فيما بعد.

اليوم، يعيد ترمب إنتاج هذا النموذج بعبارة خاطفة: “سندخل في الثواني الأخيرة”. أو بعبارة أكثر إدهاشاَ ” لا أحد يعرف قراري”، هو لا يُنكر الحرب، لكنه لا يعترف بها إلا إذا كانت النهاية قد كُتبت مسبقًا. فبالنسبة له، المشاركة لا تعني التضحية، بل تعني امتلاك مفتاح الخاتمة. وهذه الخاتمة يجب أن تكون أميركية، حتى وإن بُنيت على جثث ومصائر الآخرين.

لكن السؤال الأخلاقي والسياسي الذي يتصاعد مع هذا النهج: ماذا لو لم تكن هناك “ثوانٍ أخيرة” أصلاً؟ ماذا لو أن الأحداث تجاوزت السيطرة، والنهايات لم تعد تُكتب من واشنطن؟ هل يمكن للولايات المتحدة أن تدخل حربًا في لحظتها الحاسمة، وتخرج منها كما خرجت من أوروبا في 1945  منتصرة ومحرّرة ومُشرِّعة لتلعب حتى اليوم دور الأخ الأكبر مع القارة العجوز؟ أم أن الزمن تغيّر، والمعارك الآن لا تُحسم في صور رسمية ولا في توقيع اتفاقات، بل في الرمال المتحركة للمنطقة، وفي ضباب المعارك التي لا تنتهي؟ وفي سحبُه النووية التي تثير الرعب في الإقليم كله.

ثمّة مخاطر في وهم “اللحظة المناسبة”. في الشرق الأوسط، لا شيء يُنتظر حتى  ينضج، ولا لحظة تتحقق دون ثمن. وحتى لو ظنت واشنطن أنها ستحصد النصر بالدخول المتأخر، فإنها قد تجد نفسها تُركّب خاتمة لا تُرضي أحدًا، بما فيهم الأميركيون أنفسهم. الانتصار الذي يأتي في الثواني الأخيرة قد يكون انتصارًا بلا سردية، بلا قاعدة يُبنى عليها سلام أو نظام أو استقرار. ترمب حين يتحدث عن هذه “الثواني” يتحدث وكأن التاريخ يتكرّر بلمسة زر، لكن الحقيقة أن الزمن لم يعد خاضعًا لإرادة واحدة. فالحرب – إن حدثت –  لن تكون عرضًا مسرحيًا يُختم بتصفيق أميركي، بل زلزالًا تتشظى فيه كل الأطراف، بمن فيهم أولئك الذين انتظروا حتى اللحظة الأخيرة ليقرروا إن كانوا سيشاركون أم لا. فهل ستكفي الثواني الأخيرة لصناعة انتصار؟ أم ستكون هي اللحظة التي تُولد فيها الهزيمة للجميع؟.

المرشد الإيراني “خطاب في عين العاصفة”:

ظهر المرشد الإيراني علي خامنئي على منصة الخطاب لا ليعلن موقفاً، بل ليؤسس رؤية. لم يكن الخطاب رداً مباشراً على التصعيد الأميركي، بل كان إعلانًا لمعادلة أيديولوجية واستراتيجية تحكم السلوك الحالي للسلطة في إيران بلحظة مفصلية. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات الأميركية ويشتد العدوان الإسرائيلي، جاء كلام المرشد كمن يضع إيران بين حدّين: الاختبار الوجودي والمواجهة القدرية بخاصة أن شهر محرم سيدخل بعد أيام بما يحمله من إرث كربلائي في العقيدة الإيرانية. المثير في خطاب المرشد ليس فقط ما قاله، بل كيف تم توظيفه داخل إيران. خلال ساعات، انتشرت مقاطع من خطابه عبر رسائل قصيرة على هواتف ملايين الإيرانيين، تدعوهم إلى “الثبات”، إلى “مواصلة المعركة”، إلى إدراك أن “العدوان لا يُرد فقط بالسلاح بل بالإيمان”. لم يكن ذلك مجرد تعبئة نفسية، بل استدعاء صريح لفكرة “الأمة المقاومة” التي تتحمّل الحرب كجزء من قدَرها التاريخي، لا كحدث طارئ. هنا تبرز رؤية طهران تجاه المواجهة فالشعب هو امتداد للعقيدة، وأن الحرب لا تخاض في الجبهات فقط، بل في المصارف، في الشوارع، وفي داخل الوعي، وأن أي تراجع هو خيانة للزمن الذي تراكمت فيه أوراق القوة الإيرانية. من هنا، لم يكن الحديث عن الصبر دفاعًا، بل كان توصيفًا لمرحلة “صنع النصر”، حتى وإن بدا مكلفاً أو دموياً. وفي هذه الرؤية، يبدو أن إيران لا تسعى إلى تجنب الصدام بقدر ما تسعى إلى تحميله كلفة سياسية وأخلاقية وأمنية لا تحتملها واشنطن. فخامنئي قال بوضوح: “إن أضرار الحرب لا يمكن إصلاحها”، بمعنى “لن تكون هناك حرب دون أن يشعر بها الجميع في عمق قلوبهم ومدنهم”، وكأنه يلوّح بأن أي تدخل أميركي لن يكون محصورًا في سماء طهران أو مفاعل نطنز أو فوردو، بل سيمتد إلى ما وراء البحار، إلى حيث يوجد الأميركيون أنفسهم.

المرشد كما يُفهَمُ من كلامه يعد بـ”تغيير التوازن” والتغيير لا يأتي من ضربة واحدة، بل من معركة طويلة، تخسر فيها إسرائيل رصيدها الاستراتيجي أكثر من منشآتها. فالحرب – إيرانياً- ليست حدثًا طارئًا، بل جزء من حركة التاريخ. ولهذا لا يتم التعامل معها كرهان قصير المدى، بل كفرصة لإعادة تشكيل الإقليم على قواعد أكثر “عدلاً”،وفق معركة الوجود التي لا تتضمن مفاوضات أو تنازلات أو استسلام بحسب رؤية طهران.

الضربة المركَّبة:

لأول مرة منذ سنوات، تواجه البنية التحتية النووية الإيرانية هذا الحجم من الدمار المتزامن. لم تعد الضربات الإسرائيلية محض رسائل ردع أو عمليات تسلل محدودة التأثير، بل تحوّلت إلى حملة منهجية استهدفت العمود الفقري للبرنامج النووي الإيراني. لم تُوجَّه النيران نحو الأهداف السهلة عسكرياً فوق الأرض فحسب، بل اخترقت الطبقات الصخرية والنظم الأمنية إلى حيث تُدار أخطر مراحل التخصيب وأكثرها تعقيدًا، في عمق المنشآت المحصنة التي طالما اعتُبرت عصيّة على الضرب. هنا يمكن الإشارة إلى نطنز، المحطة التي بُنيت لتكون “العقل المحصّن” للمشروع النووي، وجُهزت لتحمل الضغط، والعزلة، وحتى الحصار، شهدت انهيارًا كاملًا في منظومتها الكهربائية. تدمير محطة الكهرباء الرئيسية، والاحتياطية، ومنظومة الطوارئ، لم يكن مجرد قطع للتيار، بل هو ما يشبه “اجتثاث النبض من قلب صناعي” يعمل على مدار الساعة لإبقاء أجهزة الطرد المركزي في حالة دوران. هذه الأجهزة – التي تُمثل الشرايين الحيوية لتخصيب اليورانيوم – لا تتحمّل التوقف المفاجئ. فتعطلها لا يعني فقط تجمّد التخصيب، بل غالبًا تلف دائم في أجزائها الدقيقة، واحتراق محتمل في دوائرها المغلقة، وربما انفجارات صغيرة متسلسلة في قلب قاعاتها. إنها ليست منشأة خرجت عن الخدمة؛ إنها جسد تجرّد من دمائه فجأة. والصدمة هنا مزدوجة بالنسبة لإيران: تقنية ومعنوية. تقنيًا، قد تحتاج طهران أشهرًا – وربما أكثر – لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وتأمين البدائل. ومعنويًا، فإن هذه الضربة شكّلت خرقًا رمزيًا في جدار “الحصانة النووية الإيرانية”، وأحدثت شقًا في السردية التي بُنيت على أن نطنز لا تُمسّ، وأن العمق الإيراني بمنأى عن الاختراق المباشر. إنها لحظة فقدان وهم السيطرة، أو بالأحرى، إعادة تعريف حدود القوة. كما حدث في مجمع أصفهان النووي، حيث أصابت الهجمات أربع منشآت حيوية، بينها مرافق لتحويل اليورانيوم إلى معدن. وهي مفاصل نادرة لا تُرصد إلا حين تنفجر، رغم وجود أجزاء تحت الأرض. وقد أظهرت الصور الجوية التي تسرَّبت دمارًا مباشرًا، ما يكشف عن اختراق نوعي ومدروس استهدف البنية الأعمق والأكثر حساسية في النسيج النووي الإيراني. لم تكن ضربة سطح، بل جراحة في صمت النواة. وفي ظاهر هذا المشهد الحربي الحالي، تبدو منشأة فوردو وكأنها الناجي الوحيد – حتى الآن- من العاصفة التي اجتاحت البرنامج النووي الإيراني. لم تُسجّل عليها أضرار مرئية، ولم ترصد الأقمار الصناعية آثارًا مباشرة للقصف أو التخريب. محصّنة بجدران الجبل الصلب، ومغمورة في عمق الأرض، تحافظ فوردو على صمتها وعلى وظيفتها الدقيقة: إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي النسبة التي تقف على بعد خطوة واحدة فقط من صناعة السلاح النووي وفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن هذه “النجاة” الظاهرة حتى اللحظة لا تعني الاطمئنان، بل توحي بحالة من الترقب المشوب بالقلق. فالغموض يلفّ وضع فوردو الداخلي، ليس فقط من حيث مدى جاهزيتها التشغيلية بعد موجة الهجمات، بل من حيث احتمال أن تكون الهدف التالي في بنك الأهداف الإسرائيلية. وقد تكون فوردو اليوم أكثر خطورة مما كانت قبل الهجمات، لأنها باتت تمثل “الرصيد الأخير المعلن” لإيران في مشروعها النووي عالي التخصيب، والعقدة التي إن تم فكّها، قد يُعاد رسم كامل المعادلة. وفي هذه اللحظة الدقيقة، تغدو فوردو أشبه بجمرٍ تحت الرماد. لم تُقصف، لكنها محاصرة بالاحتمالات. لم تُشلّ، لكنها أصبحت مركزًا وحيدًا للتركيز النووي العالي، ما يجعلها مفتوحة على سيناريوهين متضادين: إما أن تكون بوابة استعادة التوازن النووي لإيران، أو أن تتحول في أي لحظة إلى هدف حاسم في موجة قادمة من الضربات، تُسدل الستار على قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم عند المستويات الحاسمة. وما يضاعف من حساسية فوردو هو موقعها في سردية الردع الإيرانية: منشأة مبنية لتصمد أمام القصف، لتكون “حصن البقاء النووي”. فإذا استُهدفت أو تعطلت، فإن ذلك لن يعني فقط ضربة تقنية، بل نزعًا لمفهوم الردع ذاته، وتعرية ما كان يُعتقد أنه “الملاذ الأخير” للقدرة النووية الإيرانية. فوردو الآن لم تعد مجرد منشأة نشطة، إنها قنبلة زمنية سياسية وتقنية، عقاربها تتحرك على وقع الحسابات الإسرائيلية والأميركية، وردود الفعل الإيرانية المحتملة. الصمت المحيط بها ليس علامة استقرار، بل إشارة إلى عمق المأزق القادم أو التي هي فيه الآن. الضربة المحتملة لها ليست فقط تدميرًا لموقع، بل كسرٌ لمنظومة حسابات. فمنشآت كهذه لا تُبنى فقط لحماية التكنولوجيا، بل لحماية الإرادة السياسية التي تقف خلفها. وعندما يتم الوصول إليها، تحييدها، وتخريب مكوناتها الحرجة، فإن الرسالة التي تصل لطهران وللعالم هي أن زمن “المنشآت الحصينة” قد انتهى، وأن المراكز التي تُدار في الظل باتت مكشوفة لضوء الصواريخ. في هذا السياق، تُفهم الضربة كمحاولة لا لإبطاء البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل لضرب رمزيته، وللضغط على طهران كي تدفع ثمنًا – وفق المنطق الأميركي والإسرائيلي- يتجاوز فقدان أجهزة أو مبانٍ، إنه ثمن فقدان الثقة بالحصانة نفسها.

ضرب المشروع والعقول:

في موازاة الضربات المادية التي طاولت المدن والمنشآت النووية الإيرانية، نفّذت إسرائيل ما يمكن اعتباره واحدة من أكثر العمليات حساسية واستهدافًا للبنية غير المرئية للبرنامج النووي الإيراني. تمثل ذلك باغتيال 14 عالماً نووياً خلال أيام معدودة، في هجمات دقيقة لم تُكشف كل تفاصيلها بعد. تسعة من هؤلاء العلماء، وفق ما أعلن الجيش الإسرائيلي، وُصفوا بأنهم “العقول المدبرة” و”الركائز الفنية” لمشروع إيران النووي. هم ليسوا مجرد أفراد في مختبر، بل تجسيد حي لذاكرة البرنامج ومعرفته التراكمية. وفي عالم التكنولوجيا النووية، لا تكون القيمة الحقيقية في الأجهزة والمنشآت فحسب، بل في الخبرات المعقدة التي تُكتسب عبر سنوات من العمل في بيئات مغلقة، محرومة من الدعم العالمي، وتعتمد على محاولات فك الشيفرة، والتحايل على القيود، وتطوير نماذج عمل تحت ضغط المراقبة والعقوبات. العلماء الذين تم اغتيالهم ليسوا مجرد تقنيين، بل هم بنية ذهنية تراكمت فوق تجارب فاشلة، نجاحات جزئية، واختراقات محدودة كانت تُعدّ بمثابة قفزات في نفق مظلم بطريق إيران النووي.

وحين يُستهدف هؤلاء، لا يُستهدف الجسد فقط، بل تُستهدف الذاكرة العملية. فالبرنامج النووي لا يُعاد بناؤه فقط من خلال إعادة تدوير الأوراق والمعدّات، بل يتطلب من يحمل المعرفة، من يفهم السياقات المخفية، من يستطيع أن يربط بين معادلة في ملف مغلق ونتيجة في مفاعل يعمل بصمت. هؤلاء العلماء هم الحلقات التي تربط بين المختبر والواقع، بين النظرية والتطبيق. بين القرار السياسي والإمكانية العسكرية، وأي فراغ يخلّفه غيابهم، لا يُسد بسهولة إيرانياً، حتى لو توفّرت البدائل على الورق. بتعبير آخر إنها ضربة للعقل، لا للجسم فقط. وفي كل علم دقيق، هناك “زمن للخبرة” لا يمكن تسريعه أو تسليمه ببساطة من شخص إلى آخر. في مجال الطاقة النووية، يكون هذا الزمن مشحونًا بالتوتر، بالحذر. وبالتجريب. وبالتالي، فإن عملية اغتيال العلماء ليست مجرّد تصفية لرموز، بل محاولة منهجية لاجتثاث جوهر المشروع النووي الإيراني. فحتى لو أعادت إيران بناء المنشآت، وحتى لو استوردت أو أنتجت أجهزة طرد مركزي جديدة، فإن استعادة ما فُقد من مهارات، ومن حدس علمي، ومن روابط العمل الجماعي، تحتاج إلى سنوات، وربما إلى أجيال كاملة.

وبالتالي فإن الضربات الإسرائيلية لا تقاس قوتها إيرانياً فقط بعدد الضحايا، بل بعمق الفجوة التي تُحدثها في مسار المعرفة النووية. إنها محاولة لكسر العمود الفقري غير المعلَن للمشروع: “الإنسان العالِم”، باعتباره ليس فقط من يُدير التخصيب، بل من يُؤسس لفكرته. لقد اختارت إسرائيل أن تهاجم العقل، لأن العقل هو ما يُنتج القنبلة، حتى قبل أن تُنتجها أجهزة الطرد المركزي. ومن هنا أتت فكرة إسقاط النظام الإيراني برمته.

تداعيات الرد غير المحسوم:

في ظل الانكشاف غير المسبوق للمنشآت النووية والمشروع ككل، تقف إيران عند حافة قرارات استراتيجية كبرى، أولها وأكثرها خطورة يكمن في التلويح بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي. هذا التهديد لا يعبّر فقط عن لحظة غضب، بل يكشف عن تحوّل جذري في فلسفة التعاطي مع الضغوط الدولية من زاوية الدفاع عن الحق في التخصيب تحت المراقبة، إلى التحرر الكامل من الالتزامات والرقابة، والانطلاق نحو “تخصيب بلا سقف”. وهذا بالتالي سيعيد رسم المشهد النووي العالمي، ويحوّل طهران إلى نموذج نووي يشبه كوريا الشمالية: دولة خارج النظام، وخارج التفاهمات، وخارج القدرة على الاحتواء. ستكون طهران حينها قد كسرت آخر الخطوط الحمراء الدبلوماسية، وأطلقت يدها لتخصيب اليورانيوم إلى المستويات اللازمة لصنع سلاح نووي، من دون قيود تقنية أو سياسية. لكن الأخطر، فيما لو حدث هذا الانسحاب سيفتح الباب أمام إنشاء محطة سرّية واحدة فقط، بعيدة عن أعين الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تكفي لإعادة إيران إلى نقطة الصفر في السباق نحو امتلاك القنبلة، أو بالأدق، إلى نقطة الانفجار. فالمعرفة التقنية متوفرة، والخبرة البشرية – رغم الاغتيالات- لم تُجتث بالكامل، والمخزون من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% كافٍ لصنع عدة رؤوس نووية بعد رفع النقاء وفقاً لخبراء في هذا الشأن.

الرد الإيراني إذن لا يُقاس فقط بالصواريخ أو التصريحات، بل بالقرارات الصامتة التي قد تُتخذ في عمق مؤسسات الدولة: الخروج من المعاهدة، إعادة ضبط السلاسل التقنية، وإطلاق مشروع موازٍ بلا أثر علني. هذا الرد قد لا يُعلن في طهران، بل يُكتشف لاحقًا عبر أجهزة استخباراتية أو من خلال حدث مفاجئ يفرض نفسه على الطاولة الدولية. فيجد العالم نفسه أمام لحظة حرجة ومفتوحة، حيث الصمت قد يكون ردًّا، والانفجار قد يكون إعلان موقف جديد.

طريق الحرب أو الاتفاق:

طرح ترمب فكرة الستين يوماً أمام طهران، باعتبار هناك طريقان فقط أمامها فإما اتفاق أو قصف، تلك الفكرة لم تكن دبلوماسية بقدر ما كانت إنذاراً وجودياً. وفي هذه اللحظة الدقيقة التي تشهد تصاعد التوترات الإقليمية، ترتفع إيقاعات ضبط حراك البيت الأبيض من الداخل الأميركي، حيث يتقدم نائبان ” أحدهما جمهوري والآخر ديمقراطي”، بالإضافة إلى السيناتور تيم كين، بمبادرة تشريعية جريئة تهدف إلى وقف الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة دون غطاء دستوري. ينص مشروع القرار المطروح على منع أي تدخل عسكري أميركي ضد إيران ما لم يُقر الكونغرس تفويضًا صريحًا باستخدام القوة، وذلك استنادًا إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي لا يزال يشكّل حجر الأساس في ضبط العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في قضايا الحرب والسلام بالنظام السياسي الأميركي.

هذه المبادرة ليست استجابة لظرف آني فحسب، بل هي ردّ متأخر على سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تعرض لها نص الدستور الأميركي وروحه، حيث تم تجاوز الكونغرس مرارًا في قرارات خطيرة تمس حياة الأميركيين ومصالحهم الاستراتيجية. إن المشروع يعيد التأكيد على أن قرار الحرب ليس امتيازًا رئاسيًا مطلقًا، بل هو اختصاص أصيل للسلطة التشريعية، ويمثل أحد أهم الضوابط التي تحول دون التورط في حروب خارجية مكلفة وغير محسوبة.

تاريخ الولايات المتحدة الحديث مثقل بنماذج من التدخلات العسكرية التي نُفذت دون تفويض صريح من الكونغرس، في تجاهل واضح وصارخ لمبدأ الفصل بين السلطات. من الحرب الكورية التي خاضها الرئيس ترومان تحت غطاء أممي، مرورًا بفيتنام التي اندلعت عملياتها قبل تفويض “خليج تونكين”، إلى غزو غرينادا وقصف ليبيا في عهد ريغان، ثم غزو بنما في ظل جورج بوش الأب، وصولاً إلى حرب الخليج التي سبقت قواتها قرار الكونغرس بأشهر. وهذا المسار لم يتوقف مع نهاية الحرب الباردة. بل توسع تحت شعارات “التدخل الإنساني” و”مكافحة الإرهاب”، كما في قصف يوغسلافيا السابقة دون غطاء تشريعي، ثم عمليات ما بعد 2003 في العراق التي تجاوزت تفويض 2002، فالتدخل في ليبيا لإسقاط القذافي دون الرجوع إلى الكونغرس، وأخيرًا توجيه ضربات للأراضي السورية والعراقية بين عامي 2014 و 2020.

تُبرّر هذه العمليات غالبًا – وفق منطق البيت الأبيض- بأنها “دفاع عن النفس” أو ضمن تفويضات قائمة، ولكنها في جوهرها تمثل انحرافًا خطيرًا عن الأصل الدستوري، وتفتح الباب أمام عسكرة السياسة الخارجية بعيدًا عن رقابة الشعب وممثليه. وأهمية المشروع الجديد تكمن في أنه لا يكتفي بتقييد تدخل عسكري ضد إيران، بل يعلن عن لحظة مراجعة دستورية وسياسية شاملة. المشروع يسعى إلى إعادة التوازن داخل منظومة القرار الأميركي، ويمنع الرئيس – أيًا يكن – من اتخاذ قرار الحرب بمفرده، تحت ضغط اللحظة أو حسابات انتخابية أو ضغوط خارجية. وبالتلي استناداً إلى الميزان الأميركي الشعبي الذي وعده ترمب بالرخاء وعدم الدخول في مغامرات عسكرية خلال حملته الانتخابية، فإن الحرب مع إيران لا تُخاض اليوم باسم الأمة الأميركية – على الأقل على غرار الحروب الأميركية السابقة- وإنما تُخاض تحت يافطة ترمب – نتنياهو.

نهاية مفتوحة على الجمر:

في عمق هذه المواجهة المتصاعدة، لم يعد الصراع بين إيران وإسرائيل، ومعهما الولايات المتحدة، مجرد نزاع تقني على أجهزة طرد مركزي، أو جدل قانوني حول تفويضات الحرب. لقد تجاوز الحدثُ والجغرافيا والدبلوماسية ذلك تماما، وتحول إلى اختبار فلسفي لكيف تعيش الأمم إرثها، وتقاتل من أجل سرديتها، وتعيد اختراع ذاتها عند الحافة.

كل طرف في هذا المثلث ينزف من ذاكرته. إيران تسير، لا نحو القنبلة، بل نحو إثبات أن مشروعها هو الامتداد الطبيعي لتاريخ مقاومة طويل، يسبق الثورة ويستبطن مفاهيم الخلاص، حيث لا يُهزم من يموت واقفاً. إنها لا تفاوض على تخصيب اليورانيوم فحسب، بل على شرعية وجودها كقوة إقليمية ذات إرادة. لهذا، فإن الحديث الإيراني عن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي لا يهدف فقط إلى الضغط، بل إلى إعلان: إذا كان السقف ممنوعاً، فسنبني غرفة تحت الأرض. هذا ما يعرف في الشخصيات الروائية بمنطق “الصمود المستحيل”، حيث البقاء يتحول إلى فعل إيمان، والبرنامج النووي يصبح دلالة ودرعًا لسبب الوجود، لا مشروع قنبلة.

في المقابل، إسرائيل لا ترى في إيران دولة، بل ” تهديد وجودي”، مهما كان الزمن أو المسافة. لذا فإن ما تسميه “الردع الاستباقي” ليس سياسة، بل عقيدة محفورة في جدار نجاةٍ طويل بدأ في أوشفيتز، ويمتد إلى نطنز. ضربات إسرائيل لا تهدف فقط إلى تدمير المنشآت، بل إلى انتزاع ما هو أخطر: الطمأنينة من عقل الخصم. ولهذا، فإن ضرب العلماء الإيرانيين، وتفجير مراكز تحت الأرض، هو فعل وجود أيضاً، يُمارَس كما لو أنه صلاة أمنية لا مجال للتراخي فيها.

ثم تأتي أميركا، بثقلها وزمنها الطويل، لتمارس إرث “الهيمنة المتأخرة”. بتدخل محتمل في “الثواني الأخيرة”. وهذا ليس تردداً، بل جزء من بنية القرار الأميركي: دخول محسوب، في لحظة انهيار الجميع، لتُعلن الانتصار من فوق الركام. لأن أميركا تُفضل أن تكتب التاريخ بأثر رجعي، حين لا يبقى في المشهد أحدٌ سواها.

هكذا، تتقاطع ثلاث سرديات في لحظة واحدة: إيران تقاتل لتصنع قدَرها، أميركا تتأمل اللحظة التي تُعلن فيها الانتصار، وإسرائيل تمارس فكرة الوجود كفعلٍ دفاعي مستمر. لا أحد يريد الحرب، لكن لا أحد يقبل أن يُهزم. لا أحد يسعى إلى انفجار شامل، لكن الجميع يضع يده على الزناد.

وهكذا، تشتعل الجغرافيا بالنصوص القديمة. كل طرف يقترب من لحظة قراره الكبير، لا بوصفه مجرد رد على الآخر، بل كفعل رمزي يحقق نبوءة في ضميره الجمعي. ولأول مرة منذ عقود، نصبح أمام نهاية لا تحددها نتائج المعركة، بل هشاشة السرديات نفسها. لأن من يخسر اليوم، لا يخسر الأرض أو الهيبة فقط، بل يخسر القصة التي بناها لنفسه على مدى نصف قرن.

وقد لا تُطلق القنبلة النووية في نهاية المطاف، كما حدث في هيروشيما وناغازاكي حين طالب هاري ترومان الرئيس الأميركي الثالث والثلاثين اليابان بالاستسلام غير المشروط – كما فعل ترمب مع إيران- إلا أن الامبراطور الياباني هيروهيتو رفض الاستسلام بالمنطق الأميركي فارتكب الأميركيون الجريمة. قد لا يحدث هذا في المدن الإيرانية اليوم، لكنّ ما أطلقته واشنطن ترمب هو ما لا يمكن استعادته: وهم الاستقرار. الثقة التي اختفت من الطاولة. فلا أحد في العالم كله سيصدق أن اللعبة يمكن أن تُدار كما كانت في السابق. والذي نشهده اليوم ليس نهاية أو بداية حرب نووية. إنها بداية عالم لا يمكن التنبؤ بمستقبله، لا يؤتمن على حياة الأطفال فيه، لأن أبطاله لم يعودوا يكتبون البيانات بل يصوغون الأقدار بعد أن صعدوا على الشجرة وضيَّعوا طريق الهبوط!.

تلفزيون سوريا

———————————–

مستقبل عدم: إسرائيل وصراعاتها الوجودية المستمرة/ ياسين الحاج صالح

ليس هناك دولة أخرى في العالم تعتبر أن كل صراعاتها وجودية غير إسرائيل. في مواجهة غزة، في مواجهة إيران، في مواجهات سابقة مع دول عربية، تخوض إسرائيل صراعاتها وجودياً، أي عدمياً، صراعات مطلقة لا تقبل حلولاً سياسية. هذه الأخيرة تقوم على المساومات والتسويات والتنازلات المتبادلة، وتستبعد بالتالي إفناء الخصم أو إبادته. الإبادة بالمقابل مسجلة في التصورات الوجودية العدمية للصراعات، وهو ما يظهر بيسر أكبر في الجذور الإنكليزية لكلمتي إفناء وعدمية: annihilation و nihilism أكثر من العربية. النازيون خاضوا ضد اليهود صراع إبادة لأنهم فكروا فيهم كخطر وجودي يستهدف الأمة الألمانية والعرق الآري. والجينوسايد الإسرائيلي في غزة يقوم على تفكير مماثل يطال الشعب الفلسطيني بمجمله، التفكير في الوجود الفلسطيني كخطر وجودي على إسرائيل. لا يلزم أن تعني الإبادة قتل الجميع، بل خفض المرتبة الوجودية، أو إخراج الأعداء المتصورين من الحرب، وبالتالي من السياسة. هذا أكثر من عنصرية، إنه ضرب من صنع مرتبة دون بشرية، مثلما فكر النازيون في اليهود قبل تسعين عاماً.

ومفارقة حصر إسرائيل لصراعاتها في صورة الصراعات الوجودية أنها تبقي الوجود الإسرائيلي موضع نزاع بالفعل. فصراعاتك الوجودية المتواصلة تجعل وجودك صراعياً، وليس هناك ما يضمن لأي صراع بأن يكون منتصراً دوماً. أي أن إسرائيل هي من تبقي السؤال حياً حول وجودها والحق فيه، وحول التطلع إلى إزالتها من الوجود. أو هي التي تصدر عن شعور عميق بوجود غير شرعي، لا يبدو أنه يتملك أياً من الدولة الشرق أوسطية الأخرى. تعاني هذه الدول، ومنها الدول العربية بطبيعة الحال، من مشكلات شرعية سياسية، من نواقص مؤسسية وفيرة، من نظم حكم مستبدة وفاسدة، لكن لا يتملك أيا منها قلق وجودي يحيل إلى الشك في فرصها في البقاء مثل إسرائيل. وليس سبب ذلك هو الرفض العربي، الذي يريد غير قليل من أهله أن يزول. بالعكس، سبب عدم زوال الرفض العربي هو السلوك الإسرائيلي المتأصل في تكوين المشروع الصهيوني كمشروع سيطرة غريب، يحمي نفسه بالقوى المسلحة المتفوقة، ولا يعترف بالمساواة لا مع ضحاياها المباشرين من الفلسطينيين، ولا مع المجال العربي. ولا مع أي كان في العالم بفعل ما يكنه اليهود الصهيونيون، المتدينون بخاصة، من كره للجميع، على ما كان يؤكد الراحل إسرائيل شاحاك في كتابه: أسرار مكشوفة. في المشروع الإسرائيلي بجميع نسخه، تلتقي فوقية يهودية متأصلة، تفوق بأضعاف ما نعرف من فوقية الإسلاميين وصلفهم، مع مظلومية يهودية فريدة من نوعها، تفوق هي الأخرى مظلوميات الإسلاميين السنيين، والمظلومية الشيعية العريقة، وكل ما نعرف من مظلوميات. المحصلة حالة من البارانويا الكيانية المؤسّسة، المحددة للسياسة وغير المتحددة بها، مزيج من هذيان عظمة وهذيان اضطهاد، يقوم على خلل مستديم في العلاقة مع الواقع، ويحول دون الدخول في علاقة سوية مع أي شركاء في العالم. هذه البنية هي التي تجعل من سلام حقيقي مع إسرائيل ممتنعاً في النهاية. إنها بنية انتحارية، تنحر كثيراً هرباً من انتحارها الذاتي.

ولا يعترض على ذلك بأن علاقة إسرائيل بالقوى الغربية قوية. إنها أكثر من قوية في الواقع، لكنها ليست سوية، ليست من نمط العلاقات المألوفة بين الدول، وليست حتى علاقة تحالف. إنها تنتمي إلى نطاق العبادة الديني، وليس نطاق التحالف السياسي العقلاني. ولا أعني بذلك ما يقال عن تراث يهودي مسيحي، بل بالأحرى ما يحيل إلى ما يسميه إنزو ترافرسو «الدين المدني»، القائم على شعور بالديْن والذنب (الهولوكوست والاضطهادات السابقة) دين تجري عولمته في العقود الثلاثة الأخيرة، ويشغل الفلسطينيون فيه موقع الضحية الوجودية الواجبة.

ويقود الحصر الوجودي لإسرائيل إلى مراكمة لا تنتهي لوسائل القوة، بما في ذلك السلاح النووي الذي يستحق تسمية السلاح الوجودي، أو السلاح العدمي، لأنه قادر على الإفناء أو «الإعدام» الجماعي. هذا تكوينياً سلاح جينوسايد، وإن كان ذلك لا يقال فلأن مالكي السلاح النووي هم من عرفوا الجينوسايد ويثابرون على تعريفه. لدى إسرائيل ما لا يقل عن 200 قنبلة وجودية تصلح مؤشراً على ما لا يقل عن 200 قلق وجودي يتملك هذا الكيان الفريد من نوعه. ولأن الأمر كذلك، تدخل إسرائيل اليوم في صراع عدمي مع إيران التي تعرف مثل إسرائيل كم أن السلاح الوجودي مهم لوجودها وبقائها في عالم اليوم، وكم أن الحرمان منه يهددها بالعدم، نظاماً، وربما كياناً. الدول الحائزة على السلاح النووي تتمتع بوجود أعلى، قياساً إلى الدول غير المالكة له، منحدرة الوجود ومنقوصة السيادة.

ليس هذا لتزكية امتلاك السلاح النووي من طرف بلداننا. فعدا أنه ليس هناك فرصة لذلك مثلما نعاين اليوم بجلاء تام، فإن أعباء وجود أخف، غير مطلق وغير سيادي وغير عدمي، تستحق أن يضطلع بها في مجالنا، مع ما يلزم من تعديلات في تصور الذات والعالم، ومنها بخاصة مقاطعة التطلعات الإمبراطورية التي تملكت الإسلاميين، وقادتهم (عبر تصور وجودي بدوره لصراعاتهم) في مسالك انتحارية وعدمية.

وغير السلاح الوجودي، تستأثر إسرائيل، ومن ورائها أمريكا، بما يمكن تسميته السلاح الإلهي، سلاح الطيران المتفوق تفوقاً حاسماً، الذي يتيح لمالكيه احتلال السماوات. وهذا عنصر أساسي في البعد الشاقولي للسيطرة الإسرائيلية، يوسع مساحتها الجوية لتتجاوز مساحة المجال العربي كله (الحرب ضد إيران أول حرب إسرائيلية ضد غير العرب) ويندرج ضمنه السيطرة على أجواء لبنان وسوريا بطائرات الدرون، وكذلك احتلال المرتفعات والقمم في فلسطين (وفي سوريا) ثم في اعتبار ما تحت الأرض كذلك ملكية إسرائيلية. كان إيال وايزمان قد ركز على هذا البعد في أعماله عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع.

أقرب كيان سياسي كان يشبه إسرائيل في حيثية التصور الوجودي لكل صراعاته كان الحكم الأسدي. وهو احتاط بكل صورة ممكنة كي يبقى «إلى الأبد». العبارة تشي بقلق متمكن، وجد ترجمة في شعارات عدمية مثل الأسد أو لا أحد! أو: الأسد أو نحرق البلد! لقد أبقى الحكم الأسدي وجوده موضع تساؤل ومنازعة بفعل منزعه السيادي الإطلاقي وغير السياسي، ودفع ذلك الوجود الثمين في النهاية ثمناً لعجزه عن السياسة. منطقياً، تبدو قوة تضع وجودها ذاته رهاناً في كل صراع تخوضها مرشحة لخسارة هذا الوجود، مثل مقامر يراهن مرة تلو المرة بكل ما يملك.

فإذا كان العدم عاقبة للصراع الوجودي، فهل يمكن لمثل ذلك أن يحدث لإسرائيل؟ إذا كان قد وقع للحكم الأسدي، وقد استخدم أسلحة دمار شامل، أي ما يملك من أسلحة وجودية، ضد محكوميه، واحتكر مع حُماته السلاح السماوي في مواجهتهم، فلا شيء يمنع أن يحدث مثله لإسرائيل. المفاجأة السورية تقبل التكرار في حقبة يبدو أنها تنحو بصور متعددة لأن تكون حقبة المفاجئ وغير المتوقع، حقبة المعجزة والمستحيل.

قد يبدو هذا بشارة زائفة بالخلاص لمن هم في الدرجة الأدنى من الوجود في عالم اليوم، مثل شعب غزة، وعموم الشعب الفلسطيني، ومثلنا في سوريا، لكنه مجرد محاولة لتخيل لا يفتقر إلى أساس منطقي. ليست المسألة أن من يفعل ما تفعله إسرائيل لا يستحق الوجود العادي، الهش والمعرض للأزمات والمتاعب والمحن القاسية، مثل كل وجود بشري على الأرض، بل إن من يفعل فعل دولة اليهود هو من يجازف بكيانه وفرصه في البقاء. الناس في كل مكان من العالم يرون ما جرى ويجري في غزة، ويرون ما جرى للتو لإيران، ويرون الاعتداءات المتكررة على سوريا ولبنان، وهم يسكتون خوفاً من مصير مماثل، أو من داعمي إسرائيل الذي يمارسون عنفاً مهولاً على مستوى الخطاب، يكمل العنف الإسرائيلي ويُشرِّعه ويثبته. لكن هذا السكوت ضحل، قد يحدث غير المتوقع في أي لحظة فيطيح به.

وغير المتوقع هو شيمة الحدث التاريخي في كل وقت، وفي أوقاتنا المتخلعة هذه أكثر من غيرها. يأتي المؤرخون بعد حين وربما يعبرون عن الدهشة بأن المعاصرين لم يروا قادماً ما كان يجدر بهم أن يروه حماية لأنفسهم أو توقياً من أسوأ المخاطر. لكنا كمعاصرين لا نستطيع أن نقفز كالآلهة فوق الحاضر لنرى ما يقع بعده. إسرائيل تفعل ذلك، واحتمال أن يدق عنقها في المحاولة لا يمكن استبعاده.

ليس عسكرياً حتماً، بل ليس عسكرياً بالقطع. لكن ربما في صورة خسارة معنى وشرعية؛ في صورة ضجر من شبيح مجنون تجاوز الحد ألف مرة، فصار خطراً على كل حياة، أو في صورة نازع علمنة لا بد أن ينهض في وجه أي سيطرة دينية، بما في ذلك السيطرة الرعناء لـ«الدين المدني».

كاتب سوري

القدس العربي

—————————————–

 مكانة سوريا الجديدة في تحوّلات الشرق الأوسط/ عبدالله تركماني

2025.06.18

يبدو أن طبول الحرب الإسرائيلية على إيران تعكس مآلات التداعيات التي انطوت عليها عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، على مجمل تحوّلات الشرق الأوسط.

إذ إن المنطقة مقبلة على تحوّلات تضبطها توازنات إقليمية وشروط القوى الدولية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأميركية، التي تُعتبر الراعي الأمني الأساسي للشرق الأوسط.

وتشير السرديات المتداولة والمساومات التي تتم بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة، إلى أنّ ثمّة إمكانية لرسم جديد لأدوار دول المنطقة. وفي هذا السياق، تندرج مكانة سوريا الجديدة، ذات الموقع الجيو-استراتيجي الهام، في المشروع الجديد للشرق الأوسط: “السلام على أساس النمو”، من خلال مشروع “جسر القارات”، بدءاً من الهند مروراً بالمشرق العربي، الذي تمثّل سوريا دوراً محورياً فيه. إذ قال باتريك سيل في كتابه الصراع على سوريا: إنها دولة محورية، تؤثّر وتتأثّر بمحيطها، فمَن يسيطر عليها يؤثّر في لبنان وفلسطين والأردن والعراق وتركيا، وعادةً ما تتداخل فيها الألعاب السياسية الدولية. وعلى اعتبار أن الجسر لم يُغلق بعد، يمكن لسوريا أن تكون جزءاً من هذا المشروع.

مع العلم أن المشروع ينطوي على محاولة للحدّ من تمدّد “طريق الحرير” الصيني، على أساس توظيف مزايا كل دولة في المشروع، بهدف ترسيخ الاعتماد المتبادل بينها، ضمن إطار ما يُسمى “النظم الإقليمية الوظيفية”. ويخطئ من يعتقد أن إضعاف محور “الممانعة” الإيراني سيؤدّي إلى تأكيد ريادة الدور الإسرائيلي، إذ إن احتضان السعودية وتركيا لسوريا الجديدة يشير إلى تحوّلات في موازين القوى الإقليمية، يمكن أن تلعب دوراً هاماً في إعادة صياغة اصطفاف هذه القوى، بحيث تكون إسرائيل أحد هؤلاء اللاعبين، خاصةً على ضوء ما ظهر من توجّهات سياسة إدارة الرئيس الأميركي ترامب، التي تقوم على رفع الوصاية الأميركية عن دول المنطقة، بل تحمّلها مسؤولية تقدّم شعوبها.

وفي الواقع، يحمل الاحتضان الإقليمي والدولي للتغيير السوري ملامح شرق أوسط جديد. وقد نشر موقع مركز المجلس الأطلسي في واشنطن تحليلاً لتشارلس ليستر، رئيس المبادرة السورية في معهد الشرق الأوسط، قال فيه: “على مدى ما يقرب من نصف قرن، كانت سوريا جرحاً مفتوحاً في قلب الشرق الأوسط، ومصدراً دائماً لعدم الاستقرار، تُغذّي الصراعات وتَقمع شعبها بوحشية”. مما يعكس الاحتضان الأميركي لقيادة المرحلة الانتقالية في سوريا، على ضوء تحوّلات الشرق الأوسط بعد تقليص النفوذ الإيراني، خاصةً بعد سقوط سلطة بشار الأسد، حيث كانت سوريا مرتكزاً أساسياً لاستراتيجيتها الإقليمية. وقد ظهر ذلك جلياً في تصريحات المبعوث الأميركي توماس باراك، لمضامين هذا الاحتضان، على قاعدة: “سيكون للشرق الأوسط كلمة في تحديد مصيره، وستكون الشراكة لا السيطرة بالقوة الغاشمة هي الوسيلة، وسيكون احترام الخصوصية في صميم هذه الشراكة”. مما يؤكّد أن احتضان سوريا مرهون بقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية، طبقاً لمتطلبات الحوكمة الرشيدة، بما يوفّر فرصة تاريخية لإعادة التموضع في عالم اليوم، الذي يتّجه نحو الإقلاع عن الصراع، في اتجاه الشراكات القائمة على الأمن الجماعي والمنافع المتبادلة.

وهكذا، فإنّ الاحتضان الدولي والإقليمي لسوريا الجديدة يندرج ضمن إطار إعادة التموضع في الشرق الأوسط، مما يشكّل فرصة للسوريين يجدر بهم عدم تفويتها. ويبدو أن الإدارة الأميركية ترى أن السعودية وتركيا هما الشريكان الإقليميان القادران على هذا الاحتضان، في حين أن أولوياتها الكبرى تتّجه نحو التنافس مع الصين تجارياً وعسكرياً.

كما يبدو أن مستقبل الاحتضان الإقليمي والدولي مرهون بمدى انتقال القيادة السورية الجديدة من الثورة إلى دولة الحق والقانون، وإقلاعها عن الرهان على مقولة “من يحرّر يقرّر”، ونجاحها في توظيف كل الموارد الاقتصادية والبشرية السورية، على قاعدة أهل الكفاءة لا أهل الولاء، في إعادة الإعمار. مما يعزّز مبادرات قيادة المرحلة الانتقالية لإقامة شراكات متعددة الأطراف، من خلال التزامها بضمان أمن واستقرار وازدهار المنطقة.

وفي سياق هذه الالتزامات والضغوط المتعدّدة عليها، يمكن تفهّم ميلها للتهدئة مع إسرائيل، ضمن إطار مقاربة ناضجة، تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الحالية، إضافة إلى حاجة سوريا إلى الأمن والاستقرار لإعادة عجلة الاقتصاد وتلبية الحاجات الضرورية للمواطن السوري. وهنا يبرز السؤال عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه عملية “التطبيع الناعم” تلبيةً للضغوط الأميركية والإقليمية، وهل تبقى في إطار تفادي التصعيد الإسرائيلي على أمل تفعيل اتفاقية “فك الاشتباك” لعام 1974، وتأجيل الحديث عن الانضمام إلى اتفاقات “السلام الإبراهيمي” ريثما ينفتح أفق السلام العادل، القائم على ضمانات وحدة الأراضي السورية؟

إنّ السوريين يأملون أن تتمكّن قيادة المرحلة الانتقالية من عدم تضييع فرصة إعادة التموضع في الشرق الأوسط الجديد، من خلال حرصها على ملاءمة خطابها البراغماتي في السياسة الخارجية مع سياسات داخلية تنتمي إلى قيم العالم المعاصر، القائمة على الحريات الفردية والجماعية، لا على التدخّل في خيارات السوريات والسوريين في لباسهن ولباسهم على الشواطئ.

تلفزيون سوريا

———————————

خيار شمشون” الإسرائيلي و”العتبة” الإيرانية.. مسار خمس دول إلى القنبلة النووية

2025.06.17

تقول وكالة الطاقة الذرية إن أهم المفاعلات النووية الإيرانية لم تتضرر بشكل لافت حتى الآن من الحملة الجوية الإسرائيلية التي بدأت أساساً لثني إيران عن إنتاج سلاح نووي، باعتباره تهديداً وجودياً لإسرائيل بحسب ادعائها. ويندرج تحت هذا الصراع تفاصيل كثيرة متشعبة، لكن العنوان الأساسي له هو سباق تسلح نووي في ظل تهديد وجودي مفترض، يتشابه إلى حد كبير مع مسار دول عدة حصلت على القنبلة النووية بعد مخاض طويل.

اختارت إسرائيل، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، سياسة “الغموض النووي”، رافضة الاعتراف رسمياً بامتلاكها للسلاح النووي، لكنها أبقت “خيار شمشون”، أي التلويح باستخدام الردع النووي كملاذ أخير في حال واجهت تهديداً وجودياً، وهو ملازم لها منذ لحظة نشأتها.

أما إيران فسارت في مسار مغاير، إذ استثمرت في تطوير برنامج نووي متقدم دون أن تتخذ الخطوة الأخيرة نحو إنتاج القنبلة فعلياً، محافظةً على ما يسمى بـ “العتبة النووية”. واختارت القيادة الإيرانية نهج المناورة بين دفع البرنامج إلى حدود الامتلاك الفعلي للسلاح، وبين تجنّب التصعيد الذي قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية شاملة أو عقوبات ساحقة. ويبرر النظام الإيراني استراتيجيته بحاجة أمنية أمام تهديدات مستمرة وتدخلات خارجية، مع التأكيد رسمياً على سلمية البرنامج. في الوقت ذاته، يستخدم ملف “العتبة النووية” كورقة ضغط إقليمية ودولية، في لعبة معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والرغبة في تثبيت مكانة إيران الإقليمية، والتي انتهت باعتداء إسرائيلي لم تتضح نتائجه بعد.

وحملت العملية منذ لحظتها الأولى ملامح عقيدة الردع القصوى التي لطالما اتبعتها إسرائيل، في محاولة جديدة لتكريس نفسها قوة نووية وحيدة في الشرق الأوسط وفرض معادلة “خيار شمشون” (نسبة للبطل التوراتي الذي انهار المعبد عليه وعلى أعدائه) مجدداً على الإقليم. وجاء ذلك امتداداً لسجلها في تنفيذ ضربات استباقية ضد برامج نووية اعتبرتها تهديداً وجودياً؛ فقد سبق أن دمرت المفاعل العراقي في عملية “أوبرا” عام 1981، وقصفت منشآت سورية عام 2007، ولعبت دوراً في تعطيل البرنامج الليبي في 2003.

وبعد خمسة أيام من الحرب، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الهجوم الإسرائيلي ألحق دماراً واسعاً بمحطة نطنز النووية، إذ يُحتمل أن نحو 15 ألف جهاز طرد مركزي دُمرت أو تعطلت جراء انقطاع الكهرباء عن المنشأة. كما تضررت منشآت أخرى في أصفهان، بينها مرافق معالجة وتحويل اليورانيوم، فيما لم تتأثر منشأة فوردو المحصنة تحت الجبل إلا بشكل محدود جداً. ورغم هذا الدمار، تبرز صعوبة قدرة إسرائيل على تدمير كامل البرنامج النووي الإيراني دون دعم أميركي مباشر، خاصة مع بقاء منشآت فوردو ومخزون اليورانيوم المخصب في مواقع محصنة تحت الأرض يصعب استهدافها بضربات تقليدية.

مسارات معقدة ومتشابهة

نستعرض كيف حصلت 5 دول خارج الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن على القنبلة النووية الأولى بعد ظهور تهديد خارجي لنظام الحكم أو الدولة، وكان السلاح النووي في معظم الحالات، وللمفارقة، ضامناً للاستقرار على حدود كادت أن تتحول إلى مناطق صراع تحصد آلاف القتلى، كما حصل بين الهند والصين، وباكستان والهند، والكوريتين الشمالية والجنوبية. ورغم ذلك، حاولت دول عظمى منع انتشار هذا السلاح وامتلاكه من قبل دول منافسة أو حتى صديقة.

على مدى العقود الماضية، تمكنت عدة دول من امتلاك قدرات نووية عسكرية منها كوريا الشمالية، باكستان، الهند، إسرائيل (رغم سياسة الغموض النووي وعدم الإعلان الرسمي)، وجنوب أفريقيا (قبل تخلّيها الطوعي عن برنامجها النووي)، بالإضافة إلى الحالة الخاصة لإيران. لكل من هذه الدول مسار سياسي وعسكري مميز سبق لحظة امتلاك (أو الاقتراب من امتلاك) السلاح النووي. تتضمن هذه المسارات أزمات أمنية وحروبًا ساهمت في تشكيل القرار النووي، وتبريرات رسمية أو ضمنية لتطوير القنبلة، وتفاعلات دولية بين ضغوط وعون خارجي، فضلاً عن تأثير تهديدات إقليمية وصراعات حدودية على تلك القرارات.

إسرائيل: غموض نووي و”خيار شمشون”

البدايات والسياق الأمني: تختلف الحالة الإسرائيلية عن غيرها كون إسرائيل اتبعت سياسة الغموض النووي دون إعلان رسمي عن امتلاكها للسلاح، رغم توفره بحوزتها منذ أواخر الستينات على الأرجح. بن غوريون أطلق المشروع النووي السرّي معتمدا على دعم خارجي حيوي. بحلول أواخر الخمسينات، حصلت إسرائيل على فرصة ذهبية عندما وافقت فرنسا (في إطار تفاهمات حرب السويس) على مساعدة إسرائيل في بناء مفاعل نووي في ديمونة بالنقب ومصنع لإعادة معالجة البلوتونيوم. ورغم أن الرئيس الفرنسي ديغول حاول مرتين وقف المشروع بين 1958 و1960، إلا أن المهندسين الفرنسيين بالتنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين استمروا سرا، حتى تم التوصل لحل وسط يقضي بانسحاب الحكومة الفرنسية رسميا مع بقاء عقود الشركات الخاصة قيد التنفيذ.

مع حلول أوائل الستينات، كان مفاعل ديمونة يعمل سرا. أثار اكتشاف الاستخبارات الأميركية للموقع (عبر صور جوية عام 1958) قلق واشنطن، فمارس الرئيس جون كينيدي ضغطا كبيرا على بن غوريون وخلفه ليفي أشكول لوقف مشروع القنبلة. وحتى 1969، أوفدت الولايات المتحدة فرق تفتيش إلى ديمونة، لكن الإسرائيليين تحايلوا على عمليات التفتيش، حيث أطلعوا المفتشين على أجزاء منتقاة وزيّفوا بعض المرافق لإخفاء النشاط العسكري. وقد تلاشت الضغوط الأميركية بعد اغتيال كينيدي، ومع نهاية 1966 كان لدى إسرائيل القدرة التقنية على تفجير جهاز نووي. يُعتقد أن إسرائيل امتلكت أولى القنابل عشية النكسة في 1967 أو بعدها بقليل. وأبلغ العالم الأميركي إدوارد تيلر (أبو القنبلة الهيدروجينية الأمريكية والذي زار إسرائيل عدة مرات كمستشار) وكالة المخابرات المركزية أن إسرائيل “ربما لديها القنبلة بالفعل”. ونقلت الـCIA المعلومة للرئيس ليندون جونسون، لكن الأخير اختار إبقاء الأمر سريا حتى عن وزيري خارجيته ودفاعه.

وفي 1968، كانت إسرائيل على وشك الحصول على طائرات فانتوم أميركية متطورة؛ حاول البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية ربط الصفقة بانضمام إسرائيل لمعاهدة عدم الانتشار وقبول التفتيش الشامل، غير أن السفير الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين استعان بنفوذ أصدقاء إسرائيل في واشنطن لإقناع الرئيس جونسون بالتراجع عن تلك الشروط. نجحت المساعي، فحصلت إسرائيل على الطائرات دون التزام نووي. وهكذا تشكل ما يُعرف بـالتفاهم الضمني بين إسرائيل والولايات المتحدة منذ 1969: تقبل واشنطن أمر واقع بامتلاك إسرائيل للقنبلة ما دامت الأخيرة لا تعلن ذلك ولا تختبره علنا.

على مدى السبعينات، استكملت إسرائيل بناء ترسانة صغيرة من القنابل. ويُرجح أنها أجرت اختبارا نوويا سريا (ربما بالتعاون مع جنوب أفريقيا) فيما عُرف بـ”حادثة الوميض المزدوج” عام 1979، رغم عدم تأكيد ذلك رسميا. كما تشير وثائق أفرج عنها في 2010 إلى لقاء سري عام 1975 بين وزير الدفاع الإسرائيلي شيمعون بيريز ووزير الدفاع الجنوب أفريقي بي. دبليو. بوتا، عُرض فيه بيع رؤوس نووية إسرائيلية مع صواريخ لجنوب أفريقيا. وعلى الرغم من التحفظ الإسرائيلي، فإن هذه الشواهد تدعم امتلاك إسرائيل قدرات نووية متقدمة منذ تلك الفترة.

الدعم والقيود:

كان حصول إسرائيل على التقنية النووية مرهونًا بدعم خارجي حاسم في الخمسينات والستينات. فبدون مساعدة فرنسا (تقنيًا وماديًا) ما كانت إسرائيل لتبني مفاعل ديمونة وتكتسب المعرفة اللازمة لإنتاج مادة انشطارية. كذلك لعبت الولايات المتحدة دورًا ملتبسا: فواشنطن عارضت بشدة سعي إسرائيل للقنبلة في عهد كينيدي وضغطت بتفتيشات دورية، لكنها بحلول أوائل السبعينات – في ظل الحرب الباردة ورغبة أميركية بعد 1967 في دعم إسرائيل كحليف إستراتيجي – غضّت الطرف عن البرنامج. منذ لقاء رئيسة الوزراء غولدا مائير والرئيس نيكسون عام 1969، يعتقد أنه تم التوصل لتفاهم بأن لا تسعى أمريكا لفتح ملف نووي إسرائيل علنًا ولا تعاقبها، مقابل أن تحافظ إسرائيل على سرية برنامجها ولا تقوم بتجربة نووية علنية قد تحرج واشنطن. هذا التفاهم صمد لعقود. على صعيد آخر، ورغم سخط العرب وإيران من الترسانة الإسرائيلية، لم تتمكن أي دولة من فرض تفتيش دولي عليها لأن إسرائيل لم تنضم قط لمعاهدة عدم الانتشار. حاولت بعض الدول العربية وإيران إبراز هذه الإزدواجية في المحافل الدولية – كيف يُغض الطرف عن إسرائيل فيما يُحاسب الآخرون – وأشاروا إلى صعوبة مطالبة دول المنطقة بالتخلي عن طموحات نووية طالما إسرائيل محتفظة بقنبلتها. لكن القوى الغربية ظلت تتفادى تناول ملف إسرائيل علنًا. ومن جهة موازية، كشفت تقارير عن تعاون نووي وعسكري سري بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا خلال السبعينات والثمانينات، شمل تبادل الخبرات وربما إجراء اختبار نووي مشترك عام 1979. كذلك استفادت إسرائيل من تسامح دولي تجاه ممارسات مثل حادثة اختطاف التقني موردخاي فعنونو عام 1986 – الذي سرب معلومات عن برنامج ديمونة – وإعادته قسرًا إلى إسرائيل حيث سجن لسنوات طويلة.

تأثير البيئة الإقليمية على البرنامج النووي الإسرائيلي:

عززت الظروف الإقليمية والسياسات العدوانية الإسرائيلية التوجه نحو امتلاك السلاح النووي، في ظل حالة العداء المستمر مع الدول العربية ومحاولات إسرائيل فرض وجودها بالقوة منذ النكبة عام 1948. شهد الفلسطينيون والعرب كيف استخدمت إسرائيل التفوق العسكري والدعم الغربي لفرض نفسها كدولة على حساب شعب فلسطين وأرضه، وتوسعت لاحقًا على حساب الجوار عبر الحروب المتكررة مع مصر وسوريا والأردن والعراق، مرورًا بعدوان 1956، ووصولًا إلى حرب 1967 التي انتهت باحتلال مزيد من الأراضي العربية.

لم يكن خيار التسلح النووي الإسرائيلي منعزلًا عن مناخ التصعيد في تلك الفترة؛ فإسرائيل استغلت مخاوفها من المحيط العربي، واستخدمت الخطاب العربي الداعي لتحرير فلسطين، مبررًا لتعزيز قدراتها العسكرية بشكل غير مسبوق. تعاملت إسرائيل مع نفسها كدولة معزولة في “بحر من الأعداء”، فعملت على بناء ما تسميه “الدرع الأخير” النووي لضمان أن أي محاولة جدية لإزالتها ستقود إلى دمار متبادل. وبرزت في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي فكرة “خيار شمشون”، المستلهمة من الرواية الدينية، والقائمة على التهديد بإسقاط الجميع في حال تعرض وجود إسرائيل للخطر.

هذا المنطق لعب دورًا في كبح خيارات بعض الجيوش العربية في الحروب الكبرى، كما في حرب تشرين 1973، إذ أصبح الرهان العربي على الحسم العسكري محفوفًا بعامل ردع نووي غير معلن. وعلى الرغم من تفوق إسرائيل العسكري التقليدي واستمرارها في امتلاك الدعم الغربي، ظل السلاح النووي عنصر توازن ورعب تلوح به إسرائيل ضد أي تغير في ميزان القوى الإقليمي.

إيران: البرنامج النووي “على العتبة”

خلفية البرنامج وأبرز الأزمات: بدأ السعي الإيراني للطاقة النووية في زمن الشاه محمد رضا بهلوي بدعم غربي في سبعينات القرن الماضي، وكان الشاه يطمح حينها إلى امتلاك خيار نووي عسكري أيضًا كجزء من رؤيته لجعل إيران قوة إقليمية عظمى. إلا أن الثورة الإسلامية عام 1979 أوقفت مؤقتًا معظم البرنامج النووي؛ إذ اعتبره آية الله الخميني في البداية مشروعًا “غير إسلامي” وتبدّد اهتمام النظام الجديد به خلال فورة الأحداث. لكن الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988) غيّرت كل الحسابات. خلال تلك الحرب الطويلة أدركت القيادة الإيرانية وبعدها أهمية وجود قوة ردع إستراتيجية تحول دون تكرار تجربة استفراد عدو قوي بها. مع نهاية الحرب التي أنهكت إيران، أُعيد إحياء الطموح النووي بشكل فعّال في عهد هاشمي رفسنجاني في أوائل التسعينات. وبالتوازي، بدأ الحرس الثوري وأنصار الخط المتشدد ينظرون إلى السلاح النووي كوسيلة لضمان أمن النظام ومكانة إيران الإقليمية، خاصة مع تزايد الوجود العسكري الأميركي في الخليج بعد حرب الكويت 1991.

منذ التسعينات واجهت إيران سلسلة أزمات أكدت مخاوفها الأمنية. فقد صنّفت الولايات المتحدة إيران ضمن “محور الشر” عام 2002 وهددت بتغيير نظامها بعد غزوها لأفغانستان والعراق. كما كثّفت إسرائيل العداء ضد إيران معتبرة برنامجها النووي تهديدًا وجوديًا، وبدأت بتنفيذ عمليات اغتيال لعلماء نوويين وتخريب منشآت (مثل هجوم فيروس Stuxnet الإلكتروني 2010). وفي هذا المناخ، كشفت جماعات معارضة إيرانية عام 2002 عن منشآت نووية سرية (كالمنشأة لتخصيب اليورانيوم في نطنز)، ما فتح فصلًا جديدًا من الأزمة النووية الإيرانية مع المجتمع الدولي. وجدت إيران نفسها تحت تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية ثم طائلة عقوبات مجلس الأمن بدءًا من 2006. لكنها سارت على حبل مشدود: فقد استمرت بتطوير قدراتها (أجهزة طرد مركزي، بناء مفاعل آراك للماء الثقيل، تخصيب اليورانيوم بنسب متصاعدة) مع تفادي اتخاذ خطوة تصنيع قنبلة فعلية التي قد تشعل حربًا وقائية ضدها. هذا النهج المزدوج – التقدم نحو العتبة النووية دون تجاوزها – تبلور خصوصًا بعد الغزو الأميركية  للعراق 2003. تُفيد تقارير استخباراتية غربية بأن طهران أوقفت برنامجًا لتصميم الأسلحة النووية العسكرية عام 2003 خوفًا من انكشافه، لكنها واصلت مسار التخصيب والتكنولوجيا الداعمة. وفي عام 2015 توصلت إيران لمفاوضات ناجحة مع مجموعة 5+1 أثمرت عن خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، التي قلّصت برنامجها مؤقتًا ورفعت عنها العقوبات. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أعاد التوتر، وعادت إيران لزيادة أنشطة التخصيب بشكل كبير وإن ظلت تؤكد أن “برنامجها سلمي”.

ردود الفعل الدولية والإقليمية: أثار البرنامج النووي الإيراني أخطر مواجهة دبلوماسية في مجال عدم الانتشار منذ مطلع القرن الجديد. فالمجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فرض سلسلة عقوبات موجعة شملت حظرًا نفطيًا وعزلًا مصرفيًا قلّص اقتصاد إيران. كما صدرت ستة قرارات من مجلس الأمن تطالب إيران بوقف التخصيب بين 2006 و2010، وضعتها تحت البند السابع. إسرائيل بدورها لم تخفِ خيار العمل العسكري الوقائي ضد منشآت إيران (كما فعلت ضد العراق 1981 وسوريا 2007)، وكثّفت استخباراتها داخل إيران لتنفيذ عمليات تخريبية وتصفية علماء. في المقابل، حصلت إيران على بعض العون أو الحياد من قوى كبرى: روسيا أقامت مفاعل بوشهر المدني وسلّمت الوقود ودربت الكوادر (مع أن موسكو أيدت قرارات أممية ضد طهران بشكل معتدل)؛ الصين وفّرت لإيران دعمًا اقتصاديًا وواصلت شراء النفط الإيراني متحدية العقوبات جزئيًا. وعلى الجانب الآخر، وفّرت شبكة عبد القدير خان الباكستانية لإيران في منتصف الثمانينات تصاميم ومكونات أجهزة طرد مركزي (طراز P-1) والتي كانت النواة التي انطلق منها برنامج التخصيب الإيراني. كما يُعتقد أن كوريا الشمالية زودت إيران بخبرات صاروخية وتعاونت في تطوير صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية. لكن لم يثبت نقل معرفة مباشرة بصنع قنبلة من أي جهة لإيران، ما يعني أن الجهد الإيراني ذو طابع محلي بشكل أساسي وإن بُني على اقتباس تقنيات مستوردة في البداية.

إقليميًا، أثار تقدم إيران النووي سباق نفوذ إقليمي غير مباشر. فدول الخليج العربية (السعودية والإمارات خاصةً) ضغطت على واشنطن لكبح إيران، ملوحة بأنها قد تضطر هي الأخرى لامتلاك قدرات نووية إذا صار لإيران سلاح. إسرائيل اعتبرت أي اتفاق دولي يترك لإيران قدرات تخصيب “تهديدًا وجوديًا مؤجلًا”، وبالتالي اتفقت مع الدول العربية ضمنيًا على ضرورة عدم السماح لإيران بالحصول على قنبلة. أسست دول المنطقة تحالفات ضغط (مثل المنتدى الأمني الإقليمي) لمواجهة ما اعتبروه “التهديد النووي الإيراني”. أما تركيا فتحفظت لكنها أعلنت أنها لا تريد سباق تسلح بالمنطقة. عمومًا، أدت الأزمة الإيرانية إلى طرح مفهوم إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي في المحافل الدولية، غير أن إسرائيل (القوة النووية الفعلية الوحيدة) رفضت الانضمام لأي ترتيبات قبل تحقيق السلام. وبقيت المنطقة في حالة توتر إستراتيجي: إيران لم تحصل على السلاح لكن امتلاكها المعرفة والبنية التحتية المتقدمة أبقى جيرانها في حالة قلق دائم.

كوريا الشمالية: برنامج نووي تحت وطأة التهديد الوجودي

الأزمات الأمنية والدوافع: نشأ طموح كوريا الشمالية النووي في سياق شعورها المزمن بالتهديد الوجودي. بعد الحرب الكورية (1950–1953) وتقسيم شبه الجزيرة، تبنت بيونغيانغ نهجًا يهدف لتحقيق قدرات دفاعية قصوى. حاول النظام في مطلع الستينات الحصول على عون سوفييتي وصيني لبناء برنامج نووي عسكري، لكن موسكو وبكين رفضتا ذلك واكتفتا بالدعم في المجال النووي السلمي. مع نجاح الصين في اختبار قنبلة ذرية عام 1964، كررت كوريا الشمالية طلب الدعم من حلفائها الشيوعيين لتطوير سلاح نووي لكن قوبل الطلب بالرفض مجددًا. بناءً على ذلك، اتجه كيم إيل سونغ نحو بناء برنامج نووي محلي يعتمد على مفاعل يعمل بالغرافايت لإنتاج البلوتونيوم في يونغبيون نهاية السبعينات، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج. بحلول منتصف الثمانينات، كان مفاعل يونغبيون جاهزًا للعمل. في 1985، وافقت بيونغيانغ تحت ضغط موسكو على الانضمام لمعاهدة عدم الانتشار (NPT) مقابل حصولها على مفاعلات طاقة سوفييتية، لكنها ماطلت لاحقًا في تطبيق إجراءات التفتيش.

تفكك الاتحاد السوفييتي نهاية الحرب الباردة شكّل صدمة أمنية لكوريا الشمالية. فخلال 1990–1991 وجدت بيونغيانغ نفسها بلا حليف عظيم؛ لقد انهار الاتحاد السوفييتي وأقامت كل من روسيا والصين علاقات دبلوماسية مع كوريا الجنوبية، مما أشعر القيادة الكورية الشمالية بانكشاف أمني حاد. في تلك الفترة طالبت كوريا الشمالية بضمانات أمنية أمريكية وبرفع “التهديد النووي” الأمريكي من شبه الجزيرة كثمن للانصياع لنظام الضمانات الدولية. وبالفعل، سحبت الولايات المتحدة أسلحتها النووية التكتيكية من كوريا الجنوبية أواخر 1991، الأمر الذي رحبت به بيونغيانغ مبديةً استعدادها لتوقيع اتفاق الضمانات. تكلل ذلك بإبرام إعلان مشترك لنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية (يناير 1992) حيث تعهد كل من الشمال والجنوب بعدم تطوير أسلحة نووية وبمنع عمليات التخصيب وإعادة المعالجة. لكن سرعان ما انقلبت الأجواء التفاؤلية مع انكشاف عدم شفافية كوريا الشمالية خلال عمليات تفتيش الوكالة الدولية في 1992–1993، حيث رُصدت مواقع سرية ومواد مفقودة أشارت إلى احتمال قيام بيونغيانغ بأنشطة نووية عسكرية مخفية. حين طالبت الوكالة بتفتيش خاص لمواقع مشبوهة، ردت بيونغيانغ في مارس 1993 بإعلان نيتها الانسحاب من معاهدة الـNPT، ما أشعل فتيل أول أزمة نووية خطيرة. تفاقم التوتر إلى حد وضع القوات الأمريكية والكورية الجنوبية في حالة تأهب وإجراء مناورات عسكرية، ورد الشمال بتحذير أن شبه الجزيرة “على شفا حرب”. رفضت الصين آنذاك تأييد فرض عقوبات أممية صارمة على حليفها الشمالي خوفًا من انهياره، بينما لوّحت واشنطن بالخيار العسكري إن فشل المسار الدبلوماسي. في النهاية نجحت وساطة دبلوماسية (قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر) بتهدئة الموقف، وتم إبرام اتفاق الإطار المتفق عليه Agreed Framework في أكتوبر 1994 الذي جمّد برنامج البلوتونيوم الكوري الشمالي مقابل مساعدات في مجال الطاقة وتطبيع العلاقات.

الدعم والضغوط الدولية: واجهت كوريا الشمالية خلال مسارها النووي ضغوطًا وعقوبات دولية متصاعدة. فبعد انكشاف برنامجها السري في مطلع التسعينات، فرضت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات اقتصادية وشكّلت إطارًا تفاوضيًا (المحادثات السداسية 2003–2009) لمحاولة تفكيك البرنامج. وعلى مدى السنوات، أصدر مجلس الأمن قرارات عقابية متتالية عقب كل تجربة صاروخية أو نووية (بدءًا من أول اختبار نووي عام 2006). ورغم علاقة الصين التاريخية مع بيونغيانغ، دعمت بكين بعض العقوبات المحدودة لكنها بقيت تتجنب أي ضغط يخاطر بانهيار النظام الكوري الشمالي نظرًا لقلقها من تداعيات ذلك (كأزمة لاجئين أو توسع النفوذ الأمريكي قرب حدودها). من جانب آخر، حصلت كوريا الشمالية على قدر من الدعم التقني غير المباشر؛ فقد كشف في أواخر التسعينات عن تعاون سري بين بيونغيانغ وشبكة عبد القدير خان الباكستانية لتهريب معدات وتقنيات تخصيب اليورانيوم. وتشير المصادر إلى أن كوريا الشمالية بدأت حوالي 1998 في تلقّي مساعدة من شبكة خان، مما مكّنها من تشغيل برنامج تخصيب موازٍ لبرنامج البلوتونيوم. إلى ذلك، استفادت كوريا الشمالية من علاقات تبادل مع دول أخرى (مثل تبادل تكنولوجيا الصواريخ مع باكستان مقابل تقنيات نووية). ورغم كل الضغوط، برهنت بيونغيانغ أنها قادرة على الصمود أمام العزلة؛ إذ نجح نظام كيم في امتصاص العقوبات الشديدة مستندًا إلى اقتصاد معسكر ومساعدات صينية، وواصل تطوير ترسانته حتى باتت الدولة النووية التاسعة في العالم بحكم الأمر الواقع.

باكستان: سباق نووي تحت شعار “لن تتكرر الهزيمة”

الأزمات والصدمات المؤدية للبرنامج: جاءت انطلاقة برنامج باكستان النووي كرد فعل مباشر لهزيمة باكستان المذلة في حرب عام 1971 التي انتهت بانفصال شرق باكستان (بنغلاديش). شكل سقوط نحو 90 ألف جندي باكستاني أسرى لدى الهند وضياع نصف البلاد صدمة كبرى للمؤسسة الباكستانية. في أعقاب تلك الحرب، تعهد رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو بألا تتكرر مثل هذه الهزيمة أبدًا، حتى لو اضطرت باكستان “أن تأكل العشب” في سبيل امتلاك القنبلة النووية. وبالفعل، أطلق بوتو عام 1972 مشروعًا سريًا لتطوير سلاح نووي، معتبرًا إياه “الضمانة المطلقة” لأمن بلاده حيال خصمها اللدود الهند. وجاء إجراء الهند تجربة نووية عام 1974 (أعلنت نيودلهي أنها “انفجار سلمي”) ليؤكد مخاوف باكستان ويدفعها لتسريع جهودها النووية. خلال أواخر السبعينات، تمكن العالم الباكستاني عبد القدير خان من تأمين تصاميم وتقنيات أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم بوسائل غير مشروعة (سرقة تقنية من أوروبا)، مما أعطى باكستان القدرة على بدء برنامج تخصيب محلي. بحلول منتصف الثمانينات يُعتقد أن باكستان وصلت مستوى إنتاج مادة انشطارية صالح لصنع أسلحة، وربما أنتجت قنبلتها الأولى سرًا في تلك الحقبة. لكن باكستان التزمت الغموض ولم تختبر أي جهاز نووي حتى عام 1998.

الأزمات العسكرية مع الهند وفرت السياق المباشر لاستمرار البرنامج. فبعد حرب عام 1971، شهدت العقود اللاحقة عدة حالات شبه صراع: أزمة مناورة “برازتاكس” عام 1987 حين حشدت الهند قواتها بشكل هدد باكستان، وأزمة إقليم كشمير عام 1990 التي بلغ فيها التوتر ذروته. يُعتقد أن باكستان خلال تلك الأزمات لوّحت بشكل خفي بقدرتها النووية الناشئة لردع الهند. وفي مايو 1998، عندما فجّرت الهند مجموعة من التجارب النووية معلنة نفسها قوة نووية رسمية، ردت باكستان بسرعة بإجراء تجارب نووية متتالية (خمسة تفجيرات في 28 مايو 1998) مؤكدة امتلاكها السلاح النووي. وهكذا أعلنت إسلام آباد نفسها قوة نووية حفاظًا على التوازن الإستراتيجي مع الهند ومنعًا لأي تفوق هندي حاسم.

التبريرات الرسمية وغير الرسمية: منذ البداية طرحت القيادة الباكستانية مشروع القنبلة في إطار قومي إسلامي تحت مسمى “القنبلة الإسلامية” أحيانًا، لكنها فعليًا كانت تراه سلاح بقاء في مواجهة الهند. صرّح المسؤولون مرارًا أن امتلاك الردع النووي هو الذي يحمي باكستان من جار أكبر حجمًا وأكثر تسليحًا سبق أن “عدوانيًا” تجاهها. وكما قال رئيس الوزراء عمران خان في تأبين عبد القدير خان عام 2021، فإن برنامج باكستان النووي “وفّر لنا الأمن في مواجهة جار نووي أكبر وأكثر عدوانية”. ضمنيًا، حمل البرنامج أيضًا بُعدًا نفسيًا يتعلق باستعادة الكرامة الوطنية بعد هزيمة 1971؛ فالقنبلة أصبحت رمزًا للعزّة الوطنية وللقدرة العلمية للدولة. يُشير المحللون إلى أن باكستان تبنّت شعار “لن نسمح بتكرار الهزيمة” لتسويغ أي ثمن اقتصادي أو اجتماعي يدفع مقابل القنبلة. وإلى جانب الأمن، اعتُبر السلاح النووي أداة لتوحيد الهوية الوطنية المتصدعة في باكستان (المنقسمة إثنيًا ومناطقيًا)، إذ منح المؤسسة العسكرية مزيدًا من النفوذ بوصفها حامي القوة النووية الإسلامية الأولى.

الدعم الدولي والضغوط: حظي برنامج باكستان النووي منذ بداياته بدعم ضمني أو صريح من بعض الدول، وفي الوقت نفسه واجه فترات من العقوبات والضغط. فعلى عكس الهند التي اعتمدت بدرجة كبيرة على قدراتها الذاتية، استفادت باكستان من دعم خارجي رئيسي من الصين في مرحلة حرجة من برنامجها. تشير تقارير إلى أن الصين قدمت لباكستان مساعدات تقنية ومادية، بما في ذلك تصاميم أسلحة نووية مجربة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. كما زوّدت الصين باكستان بتقنية صاروخية (مثل صواريخ “م-11”) ساعدت باكستان على تطوير وسائل إيصال لأسلحتها النووية. في المقابل، اتسم موقف الولايات المتحدة بازدواجية خلال الحرب الباردة؛ فواشنطن كانت على علم بنشاط باكستان النووي، لكنها غضّت الطرف في الثمانينات لأن باكستان كانت حليفًا محوريًا في دعم المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفييتي. خلال 10 سنوات من الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، كان الرؤساء الأمريكيون يُصدرون شهادات (مطابقة لقانون “تعديل برسيلر”) بأن باكستان لا تطور أسلحة نووية، لاستمرار تدفق المساعدات الأمريكية عبرها. لكن ما إن انسحبت القوات السوفييتية عام 1989 حتى غيرت واشنطن نهجها؛ ففي 1990 فرضت عقوبات قاسية على إسلام آباد بعدما بات من الواضح أنها تمتلك برنامجًا للأسلحة النووية. وفي عام 1992 أكد مسؤولون أمريكيون أن باكستان امتلكت بالفعل قدرة نووية، منهين عمليًا سنوات الإنكار.

بعد الاختبارات النووية في 1998، واجهت باكستان (كما الهند) موجة جديدة من العقوبات الاقتصادية الدولية وفقًا لتشريعات عدم الانتشار الأمريكية. أوقفت الولايات المتحدة واليابان ودول أخرى المساعدات والاستثمارات عن البلدين، وإن جرى رفع معظم تلك العقوبات عن باكستان بعد 11 سبتمبر 2001 حين عادت حليفًا مهمًا في “الحرب على الإرهاب”. تجدر الإشارة أيضًا إلى دور باكستان نفسه في شبكات الانتشار النووي الدولية: فبعد تطويرها للقنبلة، انخرط علماء باكستان (بقيادة عبد القدير خان) في نقل تقنيات أجهزة الطرد المركزي إلى دول أخرى مثل إيران وليبيا وكوريا الشمالية خلال التسعينات، مقابل مصالح مادية أو تكنولوجية. هذا الدور عرّض باكستان لانتقادات شديدة لكنه لم يؤثر جذريًا على مكانتها؛ إذ أصبحت إسلام آباد بحلول القرن الحادي والعشرين عضوًا معترفًا به ضمنيًا في النادي النووي، وتسعى بعض الأصوات لإدماجها “كدولة نووية طبيعية” رغم بقائها خارج معاهدة عدم الانتشار.

التهديدات الإقليمية ودورها: كان التهديد الهندي هو المحدّد الرئيس لكل حسابات باكستان النووية. فالهند، بسكانها وحجم جيشها واقتصادها الأكبر، كانت الخصم التقليدي منذ Partition عام 1947. خاض البلدان عدة حروب (1948، 1965، 1971) تكبّدت باكستان في الأخيرة هزيمة كارثية. بناءً عليه، نظرت إسلام آباد إلى القنبلة النووية كـ”موازن استراتيجي” يمنع الهند من التفكير في القضاء عليها عسكريًا. كما شعرت باكستان بالقلق من البرنامج النووي الهندي منذ بداياته، خاصة بعد التفجير النووي الهندي الأول عام 1974. وقد صرّح المسؤولون الباكستانيون أنهم سيكونون مستعدين للتخلي عن سلاحهم النووي فقط إذا تخلت الهند عنه أيضًا – في إشارة إلى أن السلاح موجّه بالأساس لردع الهند وليس لأطماع هجومية. كذلك أثّر العامل الصيني: فالهند لطالما بررت برامجها الصاروخية والنووية بالخطر الصيني، ما دفع باكستان للمسارعة في سد أي فجوة. وهكذا أصبح في جنوب آسيا معادلة ردع ثلاثية غير رسمية (الصين–الهند–باكستان)، حيث دعمت الصين باكستان لإبقاء الهند محاصرة إستراتيجيًا. ويمكن القول إن السلاح النووي أمّن لباكستان شعورًا بالأمان ضد أي حرب شاملة قد تشنها الهند، بدليل أنه حتى خلال نزاع كارغيل المحدود عام 1999، وظلّت الحرب دون التصعيد الشامل نظرًا لوجود الردع النووي لدى الطرفين.

الهند: تطلعات القوة العظمى أمام تهديد الصين

السياق السياسي-العسكري للبرنامج: رغم أن الهند كانت سباقة في آسيا إلى استغلال الطاقة النووية للأغراض السلمية (منذ الخمسينات)، إلا أنها تبنّت سياسة نووية مترددة فيما يخص السلاح خلال العقود الأولى من استقلالها. قاد جواهر لال نهرو – أول رئيس وزراء للهند – مشروعًا طموحًا للطاقة النووية المدنية واعتبر أن القوة الهندية العظمى يجب أن تتجلى أخلاقيًا بنبذ الأسلحة النووية. غير أن الهزيمة العسكرية المفاجئة أمام الصين في حرب حدودية عام 1962، ثم نجاح بكين في اختبار قنبلتها الذرية سنة 1964، دقّا ناقوس الخطر في نيودلهي. بدأت أصوات داخل النخبة الإستراتيجية الهندية (مثل العالم حومي بهابها وبعض السياسيين) تجادل بأنه لا يمكن الاعتماد على المثاليات وحدها، وأن الهند قد تحتاج الخيار النووي العسكري لحماية أمنها. توازى ذلك مع تصاعد الخصومة التقليدية مع باكستان، حيث خاضت الهند وباكستان حربين في 1965 و1971. خرجت الهند منتصرة في حرب عام 1971 وأصبحت القوة العسكرية المهيمنة في جنوب آسيا. وشعرت حكومة رئيسة الوزراء أنديرا غاندي في ذلك الحين بالثقة لإبراز قدراتها العلمية؛ فسمحت في 1974 بإجراء أول تفجير نووي هندي تحت اسم “بوذا المبتسم” مدعيةً أنه انفجار سلمي لأغراض مدنية. بالرغم من هذا الإعلان الملتبس، أثبتت تجربة 1974 أن الهند امتلكت قدرة تصنيع سلاح نووي ووفرت لها مخزونًا من البلوتونيوم يكفي لعشرات الرؤوس.

مع ذلك، امتنعت الهند عن إجراء اختبارات إضافية طوال 24 عامًا تالية، منتهجةً إستراتيجية “الخيار النووي المُؤجَّل”. خلال هذه الفترة، تذبذبت الحسابات الهندية بفعل عدة عوامل: فمن جهة، استمرت التحديات الأمنية من الجارتين الصين وباكستان، وتفاقمت في الثمانينات مع شروع باكستان سرًا في برنامج نووي بدعم صيني. ووجدت الهند نفسها بحلول أوائل الثمانينات تفقد تفوقها: فبعد أن كانت “القوة الإقليمية العظمى” عقب 1971، أدى تحالف الصين مع باكستان ودعم الولايات المتحدة للأخيرة خلال الغزو السوفييتي لأفغانستان إلى تراجع نسبي لمكانة الهند. شعرت نيودلهي أنها محاصرة إستراتيجيًا: الصين تساعد باكستان نوويًا، وواشنطن تتجاهل طموحات إسلام آباد النووية بسبب الحرب الباردة، مما جعل الهند ترى في الولايات المتحدة ذاتها خصمًا محتملاً آنذاك. حاولت الهند الرد عبر تعزيز تحالفها مع الاتحاد السوفييتي وزيادة الإنفاق العسكري بشكل ضخم في الثمانينات، لكن ذلك لم يبدد مخاوفها النووية. في الوقت ذاته، أثارت التطورات على صعيد النظام الدولي لعدم الانتشار قلق نيودلهي؛ فتمديد معاهدة عدم الانتشار إلى أجل غير مسمى عام 1995 ثم الدفع toward إقرار معاهدة الحظر الشامل للتجارب (CTBT) اعتبرتهما الهند خطوات ترسّخ “اللامساواة النووية” بين الدول وتجعلها دولة من الدرجة الثانية إذا استمرت دون سلاح. واعتبر الكثير من الهنود تلك المعاهدات “فخًا دوليًا” يهدف إلى منع الهند من تحقيق مكانتها المستحقة.

مع تغير المشهد السياسي الداخلي في الهند بوصول حكومة قومية هندوسية (حزب بهارتيا جاناتا BJP) إلى السلطة عام 1998، اتخذ القرار الحاسم بإجراء تفجيرات نووية كاملة في مايو 1998. بررت نيودلهي هذه الخطوة بأسباب أمنية مباشرة تتعلق “بالبيئة الإستراتيجية المتدهورة” – في إشارة إلى امتلاك الصين وباكستان أسلحة نووية وصواريخ قادرة على إصابة العمق الهندي. وأرسل رئيس الوزراء أتال بيهاري فاجبايي رسالة إلى قادة العالم (ضمنها الرئيس الأمريكي) يشرح فيها أن الهند وجدت نفسها مضطرة لحيازة الردع النووي بسبب التهديد الذي تشكله الصين نوويًا وبسبب العداء مع باكستان. وبهذا أعلنت الهند نفسها رسميًا دولة نووية، معتبرةً أن الاختبارات كانت لإثبات قدرتها على “تصميم أسلحة نووية ذات مردودات مختلفة ومنصات إيصال متنوعة”. عقب ذلك، التزمت الهند بمسؤولية عدم الاستخدام أولاً وعدم نقل التقانة النووية، وسعت إلى قبول دولي لوضعها الجديد.

جنوب أفريقيا: القنبلة في ظل نظام الفصل العنصري ثم التخلي الطوعي

السياق التاريخي للبرنامج: تُعد جنوب أفريقيا الحالة الفريدة التي قامت بتطوير أسلحة نووية ثم تخلّت عنها طواعية. بدأ برنامج بريتوريا النووي في ستينات القرن العشرين، مستفيدًا من وفرة اليورانيوم محليًا والتقدم التقني النسبي لديها. في البداية ركزت الأبحاث على استخدام المتفجرات النووية لأغراض مدنية مثل تفجير المناجم (مشروع PNE)، لكن مع تصاعد التوتر الإقليمي في السبعينات وتحول نظام الفصل العنصري إلى دولة منبوذة دوليًا، تحول البرنامج تدريجيًا نحو تصنيع أسلحة نووية فعلية. جاء ذلك على وقع أحداث رئيسية مثل استقلال المستعمرات البرتغالية في أفريقيا 1975 وصعود حكومات يسارية في أنغولا وموزمبيق المجاورتين بدعم كوبي/سوفييتي. واجه نظام الفصل العنصري الأبيض في جنوب أفريقيا آنذاك شبح تطويق شيوعي: قوات كوبانية وسوفييتية في أنغولا، تهديدات أمنية على حدود ناميبيا التي كانت تحت الإدارة الجنوب أفريقية، وضغط دولي متزايد لإنهاء الأبارتهايد. هذا المناخ الأمني دفع قادة جنوب أفريقيا العسكريين إلى النظر للسلاح النووي كـضمان لردع أي تدخل خارجي أو غزو محتمل لقوات معادية.

بحلول أواخر السبعينات، كانت جنوب أفريقيا قد أنشأت موقع اختبار نووي في صحراء كالاهاري. وفي عام 1977 التقطت أقمار اصطناعية سوفييتية دلائل على تحضيرات لاختبار نووي هناك، فمارست موسكو وواشنطن معًا ضغطًا دبلوماسيًا على بريتوريا لتعليق أي تجربة. تشير المعلومات المتاحة إلى أن جنوب أفريقيا تبنّت إستراتيجية تدريجية لردع الخصوم سُميت “خيار التفجير المُعلن تدريجيًا”. تضمنت هذه الإستراتيجية ثلاث مراحل متصاعدة: أولاً الإبقاء على الغموض المتعمد (“عدم التأكيد ولا النفي” لحيازة القنبلة) – أي خلق حالة شك لدى العدو بشأن القدرات. ثانيًا، في حال تعرض النظام لخطر عسكري جسيم (مثل اجتياح قوات كوبية/سوفييتية للحدود)، يتم الإفصاح السرّي للقوى الغربية الكبرى (أمريكا بالذات) عن امتلاك جنوب أفريقيا لأسلحة نووية، في مسعى لاستدراج دعم تلك القوى أو دفعها للضغط على العدو. وإذا فشل ذلك، تنتقل الخطة إلى إجراء اختبار نووي تحت الأرض بشكل استعراضي لإثبات القدرة بشكل لا لبس فيه. وأخيرًا، إذا استمر التهديد الوجودي، يتم التهديد العلني باستخدام السلاح أو حتى استخدامه ميدانيًا كخيار أخير. هذه الإستراتيجية السرية أقرّها رسميًا وزير الدفاع ماغنوس مالان عام 1986 تحت مسمى “خطة كرامات”. وضمن هذا التصور، صنعت جنوب أفريقيا ست قنابل نووية من نوع المدفع (يورانيوم عالي التخصيب) خلال الثمانينات وخزّنتها “على الرف” بانتظار الحاجة. لم يكن مخططًا استخدام هذه القنابل في ساحات القتال الأفريقية فعليًا، بل لتكون ورقة مساومة كبرى – “القنبلة في القبو” – بهدف منع “سقوط بريتوريا” إن جاز التعبير.

جنوب أفريقيا طوّرت برنامجًا نوويًا سريًا في ظل نظام الأبارتهايد بدافع الخوف من تهديدات خارجية، خصوصًا التدخل السوفييتي عبر أنغولا، ولتعويض العزلة الدولية المفروضة عليها بسبب سياساتها العنصرية. هدفت القنبلة إلى ردع الغزو المحتمل أو دفع الغرب للتدخل لحمايتها كحليف مناهض للشيوعية. كما أرادت بريتوريا أن يمنحها السلاح النووي مكانة استراتيجية تفرض على العالم التعامل معها رغم نبذ نظامها.

مع نهاية الحرب الباردة وتراجع التهديدات الأمنية، قررت القيادة السياسية بقيادة دي كليرك وقف البرنامج وتفكيك الترسانة النووية قبل انتقال الحكم للأغلبية السوداء. في 1993، أعلنت جنوب أفريقيا رسميًا عن برنامجها النووي السابق، مؤكدة تدمير 6 قنابل طوعًا والانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار.

تلقت جنوب أفريقيا دعمًا نوويًا محدودًا من الولايات المتحدة وألمانيا، لكن أبرز شريك لها كان إسرائيل، التي يُعتقد أنها ساعدت في تطوير الصواريخ وربما شاركت في اختبار نووي. واجهت بريتوريا عقوبات دولية ورفضًا واسعًا لسعيها النووي، ما جعل البرنامج عبئًا سياسيًا واقتصاديًا في نهاية المطاف.

التهديدات الإقليمية تمثلت في تصاعد النفوذ السوفييتي بأنغولا وموزمبيق، واحتمال اجتياح مدعوم من كوبا أو موسكو، ما دفع جنوب أفريقيا لامتلاك سلاح ردع نووي. ومع تفكك التهديدات ونهاية نظام الأبارتهايد، تحوّلت البلاد إلى داعية لنزع السلاح النووي، وشاركت في إنشاء معاهدة بليندابا لجعل أفريقيا منطقة خالية من الأسلحة النووية.

 تلفزيون سوريا

———————————

تهافت كل انحياز/ يوسف بزي

الخميس 2025/06/19

بديهية معاداة إسرائيل، التي كلما قويت كلما انسحق الشعب الفلسطيني، وتوارت أي عدالة سياسية. إسرائيل بلا رادع تعني استباحة لبلادنا وحدودنا، بل لجغرافيتنا كلها ومصالحنا وطموحاتنا ومناعتنا الوطنية. والعداء معها انحياز لحقوقنا ولحقوق شعب فلسطين المعذب، ولمستقبل بلا ظلم. عداء قائم على طلب العدالة والحق لا على الإبادة والظلم.

لكن ذلك لا يعني انحيازاً آلياً وأعمى لكل من يعارض أو يخاصم أو يتلفظ بعداوة إسرائيل.

إذ كان من المخجل جداً الانحياز إلى صدام حسين في غزوه الكويت باسم فلسطين. فبضعة صواريخ سكود التي أطلقها على إسرائيل، لم تحجب حقيقة أننا أمام نظام ديكتاتوري وحشي قتل مئات الآلاف من العراقيين، وحاول إبادة الكرد بالسلاح الكيماوي، وشن حرباً عبثية على إيران دامت ثمانية أعوام، أهلكت نحو مليون إنسان، وقوضت قدرات العراق. أما كذبة أن طريق فلسطين تمر عبر الكويت، فهي أفضت إلى خراب الكويت والعراق معاً، وأهدرت مئات مليارات الدولارات واستجلبت القوات الأميركية والأطلسية إلى المنطقة، وأكسبت إسرائيل دعماً هائلاً منحها المزيد من القوة. وكانت تلك آخر “مغامرات” القومية العربية وخلاصاتها القاتلة.

الخاتمة المأسوية أتت بعد 12 عاماً من الموت البطيء للعراق، كان فيها صدام حسين يكثر من أنصابه وقصوره وهذيانه العظامي منجزاً مذبحته الكبرى بحق شعبه، خصوصاً الشيعة والكرد. وبدل تحرير فلسطين كان احتلال العراق.

والأكثر مدعاة للخجل، الانحياز للنظام الأسدي (الأب والإبن)، الذي باسم فلسطين أيضاً، حكم سوريا بالكثير من الدم والنار وفتك بالسوريين واللبنانيين والفلسطينيين أضعاف ما فعلته إسرائيل أحياناً. سجلُّ هذا النظام البائد هو الأسوأ ربما في تاريخ الأنظمة الاستبدادية العربية وأشدها تخريباً. كان الأكثر تمرساً في استثمار كلمة فلسطين على نحو خبيث ومؤذ لقضيتها. إلى حد أن السوريين الذين تحرروا أخيراً من الأسدية كفروا بكل القضايا جملة وتفصيلاً.

اليوم، يُطرح الانحياز إلى إيران، وفق المعادلة البائسة إياها: “كل من يُشهر عداءه لإسرائيل ننحاز إليه”. تماماً كما فعلت “جماهير” و”نخب” على امتداد 70 عاماً، فكان الوله بالقذافي وعمر البشير وبشار الأسد وصدام حسين والحوثي وأسامة بن لادن.. وصولاً إلى حسن نصرالله وعلي خامنئي.

وإيران الخمينية، ولاستدامة شرعيتها وبحثاً عن أداة تصدير ثورتها، وجدت ضالتها في فلسطين، شعاراً لحرب دينية (ومذهبية). فكان تفتيت العراق وخراب سوريا وتحطيم لبنان وتشظية اليمن، وإنهاك الدول العربية وترهيبها وابتزازها، وتصديع مجتمعاتها.

تاريخ وتذكير

شهد الشرق الأوسط تمدداً هائلاً للنفوذ الإيراني، عسكرياً وسياسياً، لا يمكن تجاهله أو نكرانه. بل أن إيران نفسها كانت تتباهى بمدى توسع هيمنتها وتأثيرها على دول وجماعات في المشرق العربي ومنطقة الخليج. وغالباً ما يظهر هذا “الحضور” الإيراني في الدول العربية مصحوباً باضطرابات سياسية داخلية وباشتعال حروب أهلية وطائفية، أو بنشوء ميليشيات فئوية وطائفية موالية لإيران تساهم في إضعاف الدولة الوطنية وفي تفاقم الانقسامات الأهلية والدينية.

وفي المقابل، أجج هذا التدخل الإيراني المتعدد المستويات، مشاعر قومية ووطنية عربية كما المشاعر المذهبية، المناهضة لإيران وللشيعة. وبالتالي، بين العداء والولاء، باتت الجغرافيا العربية أرض فتنة تنبش الماضي السحيق بكل ما فيه من ضغائن وثارات وأساطير، لا تُبقي بشراً ولا حجراً.

فما الذي كانت تسعى إليه إيران من وراء هذا التدخل الواسع؟ هل هو مشروع قومي يستأنف طموح نظام الشاه السابق لجعل إيران دولة إقليمية كبرى؟ أم هو مشروع ديني أصولي يحلم باستعادة الامبراطورية الإسلامية الممتدة من الصين إلى الأندلس؟ أم هو مشروع الأيديولوجيا الخمينية في “تصدير الثورة” إلى دول الانتشار الشيعي؟ أم أن إيران – حسب شعاراتها – سعت إلى تحرير الشعوب الشرق الأوسط من التبعية للغرب ومن هيمنة الامبريالية الأميركية وتجد الطريق نحو القدس وتزيل دولة إسرائيل؟ أم ببساطة، النظام الإيراني يختلق عداوات خارجية لإدامة سلطة الملالي و”حرسها الثوري”؟

في كل الأحوال، ومهما تعددت الأسباب، كان يُطرح السؤال: ما السبيل للحد من هذا التدخل ووقفه؟ وهل من أمل باستعادة المجتمعات العربية لتوازنها وسلمها الأهلي واستقلالها السياسي؟ وهل العرب والإيرانيون محكومون بالعداء المطلق، أم حان الوقت لحوار حقيقي بينهم، توصلاً إلى التعايش رغم الاختلاف، بل إلى علاقة تكاملية في المصالح، تليق بأحلام التنمية والازدهار لشعوب المنطقة؟

البذور السامة والحصاد المّر 

العراق: عام 1981 وفي عز الحرب العراقية الإيرانية، أنشأت إيران معسكراً تدريبياً للمعارضة الشيعية العراقية، منه انطلق “فيلق بدر”، ومقاتلو حزب “الدعوة”، الذين أخذوا على عاتقهم ابتداء من العام 1982 مهمة إسقاط نظام صدام حسين البعثي. الثمرة الأولى: أول تفجير انتحاري بسيارة مفخخة تدمر السفارة العراقية في بيروت.

لبنان: في صيف العام 1982، وصل متطوعون إيرانيون من “الحرس الثوري” إلى شمال سهل البقاع اللبناني بتسهيل من الدولة السورية، بحجة المشاركة في التصدي للاجتياح الإسرائيلي الذي كان يحاصر بيروت آنذاك. ومن معسكر “الحرس الثوري” هذا بالقرب من مدينة بعلبك، ستنطلق الخلايا العسكرية الأولى لما سيعرف لاحقاً باسم “حزب الله”، الذي سيتحول إلى أكبر قوة عسكرية غير رسمية في الشرق الأوسط، ويخوض حروباً عدة مع إسرائيل، ويتورط في نزاعات داخلية دامية وحروب إقليمية كثيرة، وسيتحول “دولة داخل الدولة” في لبنان.

فلسطين: عند انتصار الثورة الإيرانية مطلع العام 1979، تقطع إيران علاقاتها بإسرائيل وتفتتح في طهران سفارة فلسطين، ويعلن الخميني بداية الاحتفال السنوي بـ”يوم القدس”، ما ألهب مشاعر العرب والفلسطينيين خصوصاً، لتبدأ علاقات حميمة بين النظام الإيراني الجديد ومنظمة التحرير الفلسطينية، لكن سرعان ما ستنحاز إيران إلى دعم وتمويل حركة “حماس” الإسلامية، الناشئة نهاية العام 1987، كما ستدعم بسخاء حركة “الجهاد الإسلامي” في فلسطين التي تأسست مطلع الثمانينات تأثراً بالثورة الإسلامية الإيرانية. هذا التأثير الإيراني، المادي والمعنوي، سيسهم بإضعاف شرعية منظمة التحرير، بل وسيغير طبيعة الصراع ومضمونه بين الفلسطينيين ودولة إسرائيل، من صراع قومي من الممكن الوصول به إلى حل عادل، إلى صراع ديني لا نهاية له.

البحرين: ظلت إيران تعتبر البحرين جزءاً منها حتى العام 1969 عندما صوّت البحرينيون في استفتاء عام تحت إشراف الأمم المتحدة على استقلال بلادهم، الذي نالوه من بريطانيا عام 1971. ولأن أكثرية السكان من الشيعة، فقد بدأت بعد الثورة الإيرانية سلسلة من الاضطرابات والقلاقل داخل المملكة، ولجأت السلطات إثرها إلى نفي عدد من الناشطين والمعارضين ومنعت مواطنيها من السفر إلى إيران. وعام 1996، تكتشف السلطات البحرينية حزباً سرياً باسم “حزب الله – البحرين” يعمل على قلب النظام. ورغم تحسن العلاقات فيما بعد، فإن الحراك الاحتجاجي الشعبي في البحرين عام 2011، سرعان ما سيتحول إلى حجة إيرانية للتدخل اليومي سياسياً وأمنياً وإعلامياً، تحت شعار رفع المظلومية عن “الشيعة”.

اليمن: “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”. تحت هذا الشعار خاضت حركة “أنصار الله” أو الحوثيون، أتباع المذهب الزيدي، ستة حروب ضد نظام علي عبدالله صالح. الحرب اليمنية الأخيرة كأنها حرب إيرانية – سعودية على أرض اليمن. وهي أفضت اليوم إلى تشظي اليمن.

مصر: في العام 2010 تكتشف السلطات المصرية وجود خلايا لـ”حزب الله”، تخطط لعمليات إرهابية في منطقة قناة السويس. قبلها وبعدها، السلطات المصرية تشتبه بنشاطات تهريب أسلحة إيرانية عبر السودان إلى عمق مصر فسيناء وصولاً إلى غزة. كما تكتشف نشاطاً دعوياً لنشر المذهب الشيعي في البلاد.

الكويت: عام 1983 يقوم “حزب الدعوة” المدعوم من إيران بسلسلة تفجيرات تستهدف مؤسسات كويتية ومقرات ديبلوماسية أجنبية. عام 1984 يقوم “حزب الله” بخطف طائرة كويتية، ويتكرر الأمرعام 1988. عام 1985، محاولة اغتيال أمير البلاد على خلفية دعم الكويت للعراق في الحرب ضد إيران.

السعودية: يعتبر تفجير “الخبر” عام 1996، ذروة العمليات الإرهابية الكبيرة التي تعرضت لها المملكة السعودية وقام بها “حزب الله الحجاز” الشيعي الموالي لإيران. وتعاني السعودية من اضطرابات دائمة في منطقتها الشرقية حيث غالبية السكان من الشيعة. وتتهم السلطات السعودية إيران بتحريض ودعم جماعات شيعية محلية.

سوريا: بدأت العلاقة الاستراتيجية بين سوريا وإيران منذ وصول آية الله الخميني إلى السلطة 1979. وأعلنت سوريا في زمن حافظ الأسد، ومنذ اللحظة الأولى وقوفها إلى جانب إيران أثناء حربها ضد عراق صدام حسين. هذا الموقف المعاكس لإرادة مجمل الدول العربية لا يُفسر بالضغينة الشخصية بين الرئيسين البعثيين فقط ونزاعهما الحزبي المديد، بل أن حافظ الأسد وطائفته العلوية اتخذا خياراً وجودياً مرتبطاً بالدولة الشيعية في إيران.

ربما لهذا السبب يمكن اعتبار التدخل الإيراني المباشر في سوريا منذ العام 2011، الأكثر سفوراً ووضوحاً. فمن وجود نخبة ضباط “الحرس الثوري”، إلى دعم النظام بمليارات الدولارات، إلى إنشاء جسر جوي عسكري، إلى تعبئة آلاف المتطوعين الأفغان والباكستانيين والعراقيين واللبنانيين والفلسطينيين وإرسالهم علناً إلى ساحات القتال، إلى قيادة قاسم سليماني ما يسمى بـ”فيلق القدس” الذي خاض المعارك من بغداد إلى الحدود اللبنانية والجولان.

خلال ثلاثة عقود يمكن سرد مئات الوقائع السياسية والأمنية التي تدل على سعة التدخل الإيراني وفداحته في شؤون دول المشرق العربي والخليج. وبغض النظر عن الدوافع الأيديولوجية أو الدينية.. فواقعياً وعملياً، لا يمكن تفسير هذا التورط العميق إلا بوصفه سياسة توسعية وطموحاً امبراطورياً للهيمنة على مصائر شعوب المنطقة ومواردها.

هل قدر إيران “ولاية الفقيه” أن تؤسس كياناً سياسياً (أشبه باتحاد سوفياتي جديد) يجمع الشيعة ويسيّدهم على جغرافيا تمتد من حدود أفغانستان إلى شواطئ المتوسط، ومن بحر قزوين إلى البحر الأحمر؟ وهل هذه هي حقاً رغبات الجماعات الشيعية في البلاد العربية؟ بل هل هي رغبة الشعب الإيراني أصلاً؟ أم أنها عقيدة سياسية تخص فقط أركان النظام الإيراني – كحزب شمولي حاكم – من “باسيج” و”باسدران” ومنظومة رجال الدين (الملالي) تعمل على استدامة سلطتها عبر “الحروب المقدسة”، تماماً كما فعل شعار “تحرير فلسطين” في تأبيد الأنظمة القمعية العربية؟ هل قدرات إيران ومواردها البشرية والمادية متناسبة مع هكذا غايات وأهداف؟

ما هو “محور الممانعة” الذي تتباهى به إيران؟ بل ما معنى “الممانعة”؟

هل حقاً أن علاقة العرب والفرس اليوم تتحكم بها خلفيات ثأرية تاريخية ابتدأت منذ “الفتح الإسلامي” وتجددت بالصراع الشعوبي في الحقبة العباسية، واستمرت مع الصراع العثماني – الصفوي، وظهرت مرة أخرى مع الطموح الشاهنشاهي الامبراطوري؟ أم أن إيران تشعر بمسؤولية أخلاقية وثقافية وسياسية تجاه المجموعات الشيعية العربية، التي إما تشتكي من “مظلومية” تاريخية أو من غبن سياسي أو اضهاد مذهبي، يحتّم على إيران التدخل لحمايتها والذود عنها؟ أم أن الخلفية التاريخية وسردياتها العرقية أو المذهبية ليست إلا “خطاباً” أيديولوجياً للتعبئة والتحريض، وإن “معاناة” الشيعة العرب لا تنفصل عن معاناة سائر المكونات الوطنية في الظلم والقمع وغياب مبدأ المشاركة السياسية، وأن ما يتحكم بالعلاقات الإيرانية – العربية هو تضارب المصالح والسياسات بمعناها المعاصر؟

هل دوافع إيران الحقيقية ليست موجهة ضد العرب بل العكس هي تضحي من أجلهم وتنقذهم من حروبهم الداخلية وفتنهم الطائفية وانهيار دولهم الوطنية ومن الغزو الأجنبي الأميركي وتساعدهم في نهاية المطاف على تحرير فلسطين واقتلاع “الكيان الصهيوني”؟

في المحصلة، يقال أن الباب المفتوح لا يحتاج منك أن تخلعه، وأبواب المجتمعات العربية مشرّعة لدخول أي كان إليها. بهذا المعنى، كان السلوك الإيراني طبيعي وبديهي وليس استثناءً.

ثورة دائمة أم حروب متناسلة؟

في العام 2005، انتهت ولاية محمد خاتمي الرئاسية، وانتهت معها مرحلة التطبيع الدبلوماسي والسياسة العقلانية الهادئة بين إيران والدول العربية. وكان الغزو الأميركي قد أطاح بحكم طالبان في أفغانستان (2001) وبحكم صدام حسين في العراق (2003). إيران التي شعرت بذلك أنها تخلصت من عدوين لدودين، عرفت في الوقت نفسه أنها باتت مطوقة بالجيوش الأميركية شرقاً وغرباً. تزامن هذا مع بداية انكشاف برنامج إيران النووي السري. في هذا الوقت، يواجه “حزب الله” والنظام السوري الحليف انتفاضة شعبية سلمية في لبنان ضد الوصاية السورية، وضغوطاً دولية هائلة لتنفيذ القرار الأممي 1559، الذي يقضي بإنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان وحل ميليشيا “حزب الله” خصوصاً.

إيران التي تشعر بالخطر، ترفع بقيادة أحمدي نجاد شعار “محور الممانعة”. فجأة تنبعث حركة “طالبان” كقوة مقاومة ضد الأميركيين في حرب استمرت إلى وقت قريب. وفي العراق، سريعاً ما ستنقلب بعض الجماعات الشيعية وتنخرط بـ”مقاومة الاحتلال الأميركي”. هذه المقاومة التي بدأتها مجموعات البعثيين وضباط الجيش المنحل وجماعات سنية متشددة، ستجد دعماً إقليمياً متعدد الجهات. وبين “المقاومتين” الشيعية والسنية سيتحول العراق إلى ساحة لأعنف حرب طائفية، وسيفشل المشروع الأميركي في بناء دولة حليفة ونموذجية للمنطقة. مع الانسحاب الأميركي واستتباب السلطة للشيعة، يتحول العراق في عهد نوري المالكي (2006- 2014) إلى محمية إيرانية بامتياز.

أما في لبنان، وبعد مسلسل اغتيالات دموية طالت قادة سياسيين ومثقفين وإعلاميين، فإن “حلف الممانعة” سيذهب إلى الحرب مع إسرائيل عام 2006، تنتهي بدمار البنية التحتية للبنان، ونجاح “حزب الله” في تجنب الهزيمة، فيستثمر “انتصاره الإلهي” انقلاباً سياسياً تحت تهديد إشعال حرب أهلية، توّجه في العام 2008، بفرض هيمنته التامة على القرار السياسي للدولة اللبنانية، لتكون بيروت بعد بغداد ثاني العواصم العربية التي تخضع للوصاية الإيرانية.

في فلسطين، وفي العام 2006 أيضاً، تقوم حركة “حماس” المدعومة من إيران و”حزب الله” (وتنظيم “الإخوان المسلمين”) بانقلاب دموي على السلطة الفلسطينية في غزة، وتسيطر على القطاع، لتكرس انقساماً أهلياً وسياسياً بين الفلسطينيين مستمراً حتى اليوم. تخوض “حماس” ثلاثة حروب مع إسرائيل (2008- 2012- 2014). يتباهى “محور الممانعة” ( إيران و”حزب الله” وسوريا) بالدعم اللوجيستي والمالي لحركة “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وأن هذا المحور نجح في إفشال عملية السلام أو التسوية العربية الإسرائيلية.

هكذا ارتسم “الهلال الشيعي” لأول مرة مرئياً من العرب والعالم، في قوس أو محور يبدأ من طهران ويمر من بغداد ودمشق ويصل إلى بيروت وغزة.

لكن إيران المنتشية بتلقف العراق وتعثر أميركا شرقاً وغرباً وبهيمنة “حزب الله” على لبنان، وبإحكام بشار الأسد قبضته على سوريا بعد ربيع دمشق الأول (2000-2001)، وبإمساكها القضية الفلسطينية، وبتأييد شطر وازن من شيعة لبنان والبحرين والكويت والسعودية لها، كما هي المنتشية بتسارع نجاح برنامجها النووي وبأسعار النفط المرتفعة.. ستواجه سلطتها “الثورية” أخطر تحد داخلي لها: الثورة الخضراء.

في العام 2009، سيكتشف العالم والعرب خصوصاً إيراناً أخرى، مجتمعاً حياً يريد الحياة الكريمة لا الموت، الديموقراطية لا الاستبداد، العدالة لا القمع. سترتفع شعارات لا تقول “الموت لأميركا”. شعارات مدنية لا تطالب بالثأر لدماء الحسين. شبان وشابات وسكان مدن إيران خصوصاً ينزلون إلى الشوارع في انتفاضة سلمية تبدو في مضمونها العميق ضد سلطة “ولاية الفقيه”، ضد هيمنة “الحرس الثوري” على الحياة العامة وعلى المؤسسات الاقتصادية، وضد تسلط رجال الدين على الحياة الاجتماعية والثقافية.

على الرغم من نجاح السلطة الإيرانية في قمع الحركة الاحتجاجية، إلا أن ما عبّرت عنه تلك الثورة ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو على الأرجح راسخ في المجتمع الإيراني، الذي بات بأغلبيته يصوّت باستمرار لـ”الإصلاحيين”.

هكذا تبدو إيران دولتين، أو سلطة من طبقتين: الجمهورية برئاستها ومجلس وزرائها وبرلمانها، و”ولاية الفقيه” بحرسها وشرطتها ومخابراتها السرية. الإدارة لسلطة منتخبة تستمد شرعيتها من الشعب، أما الأمر والقرار فلسلطة متعالية تستمد شرعيتها من “إمامة” معصومة وإلهية. “الثورة الخضراء” عبرت عن الصراع بين هاتين السلطتين، وعن شدة المنازعة بين إرادة الجمهورية وإرادة الثورة الخمينية المستمرة.

أزمة 2009، كشفت عن نقص أو نزيف في شرعية النظام الإيراني وعن تبرم المجتمع الإيراني من الكبت السياسي. لذا، وتعويضاً عن هذا النقص ستندفع السلطة في برنامجها النووي وتحدي المجتمع الدولي وإعادة تعبئة الإيرانيين بوجه “تآمر العالم” عليهم، كما ستندفع أكثر نحو القضايا الخارجية تغطية على أزمتها الداخلية.

بهذا المعنى لا بد من طرح أسئلة عدة: ما هي ولاية الفقيه؟ ما هما الباسيج والباسدران وبما يتميزان عن الشرطة والجيش؟ هل “الإصلاحيون” يعارضون حقاً فكرة تصدير الثورة والتورط في حروب أهلية طائفية، أم أنهم يرون في ذلك فرصة استراتيجية لتوسيع مصالح إيران وتنمية قدراتها وتأمين مجالها الحيوي في وسط آسيا وغربها؟ كيف ينظر المجتمع الإيراني إلى العرب عموماً وإلى الشيعة العرب خصوصاً؟ لماذا تصدّر إيران الثقافة الدينية المذهبية، في حين أن الثقافة الإيرانية المعاصرة والسائدة في طهران، تكاد تكون مختلفة جذرياً، في الموسيقى والفنون التشكيلية والشعر والمسرح والأدب والسينما؟

في المقابل، هل نظرة الشيعة العرب إلى إيران واحدة؟ هل تم تجاوز التباينات الفقهية بين التشيع الصفوي والتشيع العربي؟ وأصلاً هل يشكل الشيعة العرب جسماً سياسياً واحداً يدين بالولاء لـ”ولاية الفقيه”، أم أنهم يستنجدون ويستقوون بإيران على حكوماتهم الوطنية لأسباب مختلفة؟

أليس من المنصف القول أن التدخل الإيراني في الدول العربية له مبررات أكثر من التدخلات الأخرى (التركية والأوروبية والأميركية والروسية والإسرائيلية..إلخ)، وله شرعيته مثل شرعية التدخل السعودي أو المصري أو القطري أو الإماراتي في شؤون الدول العربية الأخرى؟ أم أن السياسة الإيرانية لا يمكنها إلا التسبب بفتنة مذهبية وبانهيار السيادة الوطنية أينما تدخلت؟

إن نظرة شاملة إلى ساحات “الوجود” الإيراني المباشر وغير المباشر ترسم صورة وافية عن ما حصدته إيران وجناه العرب:

اليوم، في اليمن، مرت أعوام على الحرب المدمرة. كيف تطورت علاقة إيران بالحوثيين، سياسياً ودينياً، ثم عسكرياً ومالياً؟ هل تحول الزيديون إلى المذهب الإثني عشري؟ هل شعار تحرير مكة من الوهابية واقعي أم أن لإيران أهدافاً أخرى؟

في سوريا، وبعد 14 عاماً من الثورة والحرب، ورغم أن التدخل الروسي هو الذي أنقذ النظام من السقوط حينها، إلا أن المدد الإيراني غير المحدود مالياً وعسكرياً وبشرياً هو الذي أتاح للنظام الصمود طيلة سنوات. واتخذ الوجود الإيراني في سوريا، والميليشيات المتعددة الجنسيات الموالية له، طابع حرب دينية مقدسة تحت شعار “لن تسبى زينب مرتين” والثأر من أحفاد يزيد ومعاوية، أي الأغلبية السنية. وترتب على هذه الحرب تغييراً ديموغرافياً هائلاً مع نزوح حوالى نصف سكان سوريا إلى الدول المجاور والأوروبية. وجرت عمليات وضع يد واستملاك واسعة النطاق على الأراضي والعقارات شملت بلدات وأحياء وضواحي مدن وقرى وأراض زراعية بهدف توطين جماعات شيعية فيها، كما تم إنشاء مؤسسات دينية واجتماعية وتربوية وصحية بتمويل إيراني، استئنافاً لحركة التشيع التي بدأت في سوريا قبل عقدين من الزمن. لقد كان هذا “احتلالاً” طمع بتغيير هوية سوريا ونسيجها، بما يتوافق مع قول بشار الأسد رداً على موضوع نزوح ملايين السوريين: “الآن بات المجتمع السوري أكثر انسجاماً وتماسكاً” وبما يرهن سوريا لإيران إلى الأبد؟

العراق الذي خاض الفصول الأخيرة من حربه على “داعش”، سيخرج منها وأمامه استحقاقات صعبة: السكان السنّة يشعرون بالمهانة والهزيمة وبأنهم أقلية مضطهدة. العملية السياسية لتحقيق الوفاق الوطني غائبة. ميليشيا الحشد الشعبي بقيادة الحرس الثوري الإيراني، ستعود إلى بغداد وتطالب بثمن لتضحياتها، تماماً كما فعل “حزب الله” في لبنان بعد العام 2000. الأحزاب الشيعية التقليدية وفساد الإدارة وضعف الحكومة المركزية، ستدفع جميعها هذا الثمن لصالح من يحمل السلاح وراية النصر وصور الشهداء. هكذا تحتل صورة خامنئي الفضاء العراقي.

عاش لبنان أسوأ عهوده منذ أن هيمنت عليه تسوية قائمة على نظرية “حزب الله” عن “الديموقراطية التوافقية”، حيث آلية إنتاج السلطة وصوغ السياسة الداخلية والخارجية وقرار الحرب والسلم، بقي عملياً وفعلياً بيد “حزب الله” الذي يرتبط ارتباطاً عضوياً لا بالدولة الإيرانية وحسب بل بنواتها الصلبة أي ولاية الفقيه والحرس الثوري. كان قادراً عبر ابتزاز اللبنانيين بسلمهم الأهلي أن يفرض مشيئته على وجهة لبنان وسياساته العامة. وهذا ما عطل ديناميكية النظام اللبناني، وهدد توازناته الداخلية الهشة وصادر عليه علاقاته ومصالحه الخارجية مع العالم العربي ومع دول العالم. هذا عدا عن أن احتكاره للسلاح غير الشرعي الذي أفسد على نحو مفجع علاقة الشيعة اللبنانيين بجميع الطوائف الأخرى، وراكم المخاوف والضغائن والأحقاد والكراهية الطائفية والمذهبية.

وهكذا، وبإسهام إيراني كبير، نحن أمام مجتمعات ما قبل الهوية الوطنية غارقة في هويات دينية وإثنية ومذهبية وجهوية، أسيرة الماضي والتاريخ.

مستقبل أفضل أم تكرار للتاريخ؟

الحروب المتناسلة والمتسلسلة في الشرق الأوسط، في العقدين الأخيرين كانت إلى حد بعيد سنية – شيعية، عربية – إيرانية، لكنها أيضاً وضمناً كانت حروباً ضد الثورات. هي حرب النظام الإيراني ضد وعود “الثورة الخضراء”، هي حرب الأنظمة العربية ضد طموحات “الربيع العربي”، هي حرب الإسلام السياسي بشقيه السنّي والشيعي ضد مطلب الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والديموقراطية، ضد الوعي المدني والجندري والبيئي، ضد عولمة حقوق الإنسان وقيم التسامح والتعايش والانفتاح.

الشعوب التي لديها هذه الأحلام تعرف أن المستقبل هو التلاقي، وهي لا تختلف في تجربتها عن تجارب الشعوب الأخرى التي تحاربت طويلاً في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. الشرق الأوسط ليس استعصاء تاريخياً أكثر مما كانته منطقة البلقان، أو منطقة جنوب شرق آسيا.

إن أسوأ ما في العلاقة العربية – الإيرانية هو انعدام التعارف، وبالتالي انعدام الثقة. فبعيداً عن السرديات التاريخية التي توظفها الأيديولوجيات الحاكمة، لا يعرف الإيرانيون ولا العرب ثقافة بعضهم البعض، ما من ترجمة فعلية متبادلة في الآداب، ما من تبادل في الموسيقى والمعارض الفنية والمسرح. السينما العربية غير معروفة لديهم، فيما السينما الإيرانية تصل إلى العرب بعد الاحتفاء بها في العالم. المشترك الثقافي التراثي بين الشعوب الإيرانية والعربية بالغ السعة والتشابك، وهو أهم وأكبر بكثير من أسباب العداء. تجربة الانفتاح التجاري والسياحي والثقافي، التركي العربي، مثال يحتذى هنا.

والأمل هناك، في التغيير الإصلاحي العميق داخل الدول العربية، وداخل إيران، مع أجيال جديدة طالعة من مرارة التجارب الدامية ومتحررة من الأساطير الأيديولوجية المميتة.

لكن هذا المسار ليس سهلاً ولا مفتوحاً الآن، فللأسف الشعوب تتعلم دروسها من أطول الطرق وأكثرها وعورة ومشقة.

المدن

————————–

حرب «دينية» بين مفهومين للتكنولوجيا/ وسام سعادة

22 حزيران 2025

ثمة تفاوت هيكليّ أساسيّ على صعيد المركّب العلمي – التكنولوجي بين كل من إيران وإسرائيل، لكنه ليس بتفاوت مطلق. أسوأ مسخ هزلي للحرب الحالية ردّها إلى صراع بين قطب، إيران، يمثّل «الأيديولوجيا»، وآخر إسرائيل، يجسّد «التكنولوجيا».

إيران محكومة من لدن نظام له سمات ثيوقراطية، ومن قبل ثيوقراطية لها تطلعات مهدوية. بيد أن هذا التأدلج ليس من النوع الذي يعتزل التكنولوجيا، أبداً، ولو كان يميل إلى التعـــسّف في مســـعاه لـ«تطهير» التــكنولوجيا الحديثة من «سموم الأفكار والقيم» الغربية.

إسرائيل دولة أيديولوجية بامتياز هي الأخرى، ولو لم تكن ثيوقراطية، أو كهنوقراطية، بل قائمة على تحويل الرباط الديني إلى رباط علماني قومي، إنما بمحمول خلاصوي، مشيحاني، مع احتساب نفسها في الوقت نفسه على أنها جزء من الغرب، ورأس حربته، ومتجاوزة له.

الصراع بين إيران وإسرائيل هو إذا صراع بين نموذجين، يختلط فيهما النظر إلى المستقبل مع التوترات الاسكاتولوجية – الأُخروية [في مقابل تلك الدنيوية، أو الدهرانية]، هي، في وجه منها، حرب «دينية» بين مفهومين للتكنولوجيا.

كثافة استحضار الاسكاتولوجيا متفاوتة بين النموذجين، والتفاوت العلمي التكنولوجي يحكم الصراع بينهما، إنما لا يمكن رد الأمر إلى اجتماع الاسكاتولوجيا بكليتها في جانب، والأيديولوجيا بتمامها في الجانب الآخر.

نظام الفجوة في إيران

لقد تطور البحث والابتكار في مجال العلوم والتكنولوجيا بشكل نوعي في إيران بعد الثورة الإسلامية. في المقابل، انعكس هذا التطور اتساعا في حجم الفجوة بينه وبين محدودية تطور الصناعات المدنية.

المفارقة أنه قبل الثورة، كان التركيز على التطوير في مجال العلم والتكنولوجيا أكثر تواضعاً، وكانت إيران أكثر «استيرادا» للتكنولوجيا، لكن التكامل كان أكبر بالنتيجة، بين موجة التحديث في قطاعي الزراعة والصناعة التي رعاها الشاه محمد رضا بهلوي وبين حجم متناسب من التركيز البحثي على مجالات العلوم والتكنولوجيا.

أجج هذا التحديث التناقضات في الريف، بين ملاكين عقاريين مستائين من الإصلاح الزراعي، وبين فلاحين لم يجدوا أن إعادة توزيع قطع الأرض ساعدتهم في شيء، بل صعّبت حياتهم، ودفعت بقسم كبير منهم نحو المدن الكبرى، حيث كان التوسع الصناعي واعداً، لكنه لا يقدم لهم فرص العمل الكافية، بل كان لا يزال يعطي الأولوية لاستقطاب الخبراء والكوادر الأجانب.

فاقم التحديث الصناعي الزراعي المعوج في زمن الشاه من التناقضات المجتمعية، ما ساهم بفتح الطريق للثورة. في المقابل، فقد تطور البحث العلمي والابتكار التكنولوجي في زمن الإسلاميين، إنما ظل هذا التطور مرتبطاً بالانفصال بين أولوية المواكبة التطويرية للصناعات العسكرية، وبين تطور أقل سرعة للصناعات المدنية.

فقد الشاه الدعامات الطبقية لنظامه تباعاً. استعدى كبار الملاكين العقاريين، ثم اغتاظ منه كبار التجار، بمثل ما زادت النقمة عليه في الطبقات الشعبية.

أما النظام الإسلامي فتقوى بدعامتين، واحدة شعبية، ريفية السمة، وثانية من مجموع «الكوادر» النظامية، العسكرية والأمنية… والعلمية – التكنولوجية أيضاً.

رغم الانتفاضات الشعبية المتكررة عليه، لم يفقد النظام الإسلامي هاتين الدعامتين، وبقيت الهوة قائمة بين المركز المديني للنقمة عليه، من موقع الحريات العامة والخاصة، وبين الشكوى منه من المناطق المهمشة أو الإثنيات التي تشعر بالضيم.

لماذا لم تترجم القفزة العلمية إلى تطوير تصنيعي شامل للبلاد؟ لماذا لم تصل «المعرفة» إلى «السوق»؟ لماذا يبقى الاقتصاد مرتكزا على الريوع النفطية والغازية رغم هذا التطور العلمي؟ العقوبات الاقتصادية تلعب هنا الدور الأساس. لكن السياق نفسه يحكم على الإنتاج العلمي التكنولوجي في إيران بالارتباط أكثر بالصناعات العسكرية.

ما يجري تضييعه في هذا المجال، هو أن التفاوت بين البحث العلمي التكنولوجي «المعسكر» في إيران، وبين «غربة» هذا البحث إلى حد ملحوظ عن الصناعات المدنية، لا يمكنه إلا أن يزيد من حجم التفاوت العلمي التكنولوجي بين إسرائيل وإيران، لا أن يقلل منه.

العلم والصناعات

ما يميز إسرائيل عن إيران هو التكامل فيها بين «تجنيد» العلم والتكنولوجيا لأغراض «عسكرية» وتجنيده لأغراض «غير عسكرية» بشكل مباشر. خذ مثلا تكنولوجيا النانو، المتصلة بالتحكم بالمواد على مستوى الذرات والجزيئات، إسرائيل من أكثر الدول تقدمًا في المنطقة في أبحاث النانو وتطبيقاتها لا لأنها «أكثر عبقرية» من سواها، بل لأن التطوير في مجال النانو تكنولوجيا مناطه المواءمة بين «الأغــــراض المدنية» وتلك «المدنية والعسكرية».

بواسطة ألياف النانو، يمكن تطوير أجهزة تشخيص دقيقة صغيرة الحجم، وتوصيل الأدوية أو الحمض النووي إلى الخلايا المريضة بدقة عالية، وتطوير رقائق كمبيوتر وأجهزة أكثر صغراً وأسرع، وتطوير بطاريات ذات قدرة تخزين أعلى وعمر أطول، وتنقية المياه من الملوثات باستخدام فلاتر نانوية. وللغرض نفسه، تساهم المواد النانوية في جعل المعدات العسكرية أكثر خفة في الوزن، وأفضل فعالية ودقة. ليست إيران منفصلة عن النانوتكنولوجيا أبداً، لكن المنفصل فيها هو ربط هذا القطاع بالصناعات المدنية بالشكل نفسه الذي يربط فيه بتطوير المسيّرات، ولو أن الإيرانيين اهتموا بتطوير طرائق الاستفادة من هذه التكنولوجيا للأغراض الطبية.

لكن، بيت القصيد هنا أن التسخير المدني لهذه التكنولوجيا لا يعود فيُستثمر أمنيا وعسكريا. في حين أن الأمور تطورت في الاتجاهين، وبشكل متداخل، وتأليفي، في حال إسرائيل. الطفرة العلمية التي تجنى من الحقل التجريبي المدني، تعود وتُستخدم لتطوير أجهزة استشعار للمراقبة وتحسين تقنيات الاتصالات وأنظمة التوجيه والتشفير باستخدام مواد نانوية.

في إسرائيل، تصل كل من الجامعة ومراكز البحث من جهة، والشركات الخاصة من جهة أخرى، بين المجالين، المدني والعسكري. وهذا ما يساعد على تحويل وجهة الابتكار. تقنيات تبدأ في المجال الطبي أو الصناعي تُطوّر لاحقاً لاستخدامات عسكرية، كما يحصل العكس.

النووي «الخلاصيّ» ومعادلته الراهنة

نصل إلى النووي. يصرّ النظام في إيران على أن مشروعه مجند فحسب للأغراض السلمية، ويستدل بذلك على فتوى تحريمية للقنبلة الذرية. إنما لا فتوى تحريمية في المقابل لتخصيب اليورانيوم بنسبة عالية. واليوم، بحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تمتلك إيران كمية معتبرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، تكفي أسابيع قليلة للوصول إلى نسبة 90 في المئة اللازمة لإنتاج قنبلة.

بخلاف إسرائيل، التي تحتاج إما لاستيراد اليورانيوم وإما لـ«إعادة التكرير النووي»، فما يميز إيران امتلاكها لمناجم عدة، أشهرها ساغند، من ناحية يزد. نحن أمام نظام يعتمد على مورد منجمي من اليورانيوم الخام، وان نقصته مواد كالفلور النقي، الذي أحتاج لتأمينها على مدار السنوات، لكوريا الشمالية وربما باكستان والصين، قبل ان يتطور تصنيعه في إيران أيضا. كذلك أجهزة الطرد المركزي، فقد حصلت عليها إيران بواسطة القنوات السرية. لا يلغي هذا، من التراكم العلمي التكنولوجي الكبير الذي حققته الجمهورية الإسلامية من خلال إقامة هذه المنظومة من منشآت تعدين وتحويل اليورانيوم ثم تحويل ما يعرف بالكعكة الصفراء إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم ومن ثم منشآت التخصيب كنطنز، بالإضافة إلى المفاعلات.

قد يكون البرنامج النووي الإيراني الحلقة الأهم في تاريخ تطوير البحث والإنتاج العلميين في بلاد المسلمين في عصرنا. إنما في بلد محكوم بعدم الانضمام إلى «الثورة الصناعية» الآسيوية، حتى إذا ما قورن بباكستان المجاورة، رغم كثرة تخبطاتها. في بلد محكوم، بحكم الثورة ونظامها والحجر الغربي عليه، بعدم التمكن من الوصل بين التطوير العلمي وبين التصنيع الشامل. مع أن هذه الفجوة لم تكن تفجيرية لتناقضات النظام الإسلامي حتى الآن، بل تراكمت هذه التناقضات حولها، كذلك فإن التقدم في التطوير النووي، رغم كل الظروف، اتخذ منحى «دينياً» على طريقته، كما لو أنه متصل بوعود الخلاص [في مقابل ارتباط النووي الإسرائيلي بالنظرة «الشمشونية»].

يحيلنا هذا رأساً إلى السؤال حول منشأة فوردو، وهو موقع تخصيب صغير نسبياً، مقارنة بنطنز، لكنه يتمتع بتحصين طبيعي ومجهز، بحيث يصعب ضربه.

التركيز على فوردو، القريبة من مدينة قم الدينية، في هذه الأيام للاشتباه بأنه المكان الذي يمكن أن تجري فيه رفع نسبة التخصيب بشكل سريع، في باطن الجبل، ومن ثم إمكانية نقل اللب الانشطاري بالممرات السرية إلى موقع آخر، والعمل على «التجميع» لاحقا، لإنتاج القنبلة العتيدة.

يدفع ذلك لسباق مع الوقت، فإيران الآن تقاتل بالصواريخ، «تتكتك» بالمخادعة في مقابل المخادعة، في نطاق ما يعرف «بالدبلوماسية»، وقد تحرك من جديد تشكيلات صديقة لها، لالهاء إسرائيل وأمريكا، لكن كل هذا في جانب، والعمل على زيادة نسبة التخصيب وتسريع «المهمة» في جانب آخر.

لا يمكن الذهاب بعيداً بالتكهنات إذا كان بمستطاع إيران صناعة القنبلة قبل الضربة القاضية على فوردو. لكن الأمر لم يعد مستحيلا، بخاصة وأنه، بعيد تمزيق دونالد ترامب للاتفاق مع إيران، بدأت الأخيرة بالتقليص التدريجي لالتزاماتها، ما انعكس تراجعا في قدرة الوكالة الدولية على مراقبة أجزاء أساسية من البرنامج النووي الإيراني، لا سيما في فوردو.

هل ما زال ممكنا أن يصل التخصيب في فوردو إلى لحظة «الاختراق النووي»؟ ممكن. نعم.

هل يمكن أن يتمكن الإسرائيليون لوحدهم من تدمير فوردو؟ صعب للغاية. لكن لا يمكن القطع باستحالة الأمر، إذا ما وضعنا بالحسبان مجالات الحرب السرية الأمنية وتقنياتها.

من شأن تمكن إسرائيل من تدمير فوردو تعزيز سرديتها بأنها بادرت للحرب ثم دمرت فوردو ونطنز حتى قبل دخول الأمريكيين.

هل يمكن أن يؤدي امتلاك إيران للقنبلة إلى توقف الحرب؟ الأرجح العكس.

هل يمكن أن يؤدي تفجير فوردو إلى توقف الحرب؟ الأرجح العكس.

القدس العربي

—————————

من يقتنص فراغ الشرق الأوسط؟/ فاطمة ياسين

22 يونيو 2025

رغم حدّة ترامب، التي تبدو أحياناً في إعلان مواقفه، وتذبذب تصريحاته في أحيان أخرى، إلّا أن بعض النوافذ قد فتحت فعلاً للحوار مع إيران، وأجريت في الواقع مكالمات هاتفية بين عبّاس عراقجي وستيف ويتكوف، ليس واضحاً ما دار فيها، ولكن مجرّد اتصال أحدهما بالآخر يعني أن باب الدبلوماسية لم يغلق بعد، وما زال ثمّة هامش كبير للمناورة والعودة إلى طاولة المفاوضات، وربّما تكون الولايات المتحدة قد تركت (قصداً البابَ) موارباً للعودة إلى الحديث حول البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، باعتبار ذلك خطّةً بديلةً أو خاتمةً سياسيةً بعد موجة القصف الجوي المتبادل، وقد بدأت حملة القصف هذه والطرفان الأميركي والإيراني يتحضّران لجولة مفاوضات أُعلن انعقادها في مسقط، وهو ما لم يحدث، ويبدو أن الولايات المتحدة فضّلت حدوث موجة من القصف تقصّر فيها اليد الإيرانية كثيراً، ومن ثمّ ترتيب العودة إلى الجولة التالية، أو قد يبدأ العدّ من جديد، لأنّ إيران بعد “الأسد الناهض” لن تكون كما قبلها، وربّما صمّمت هذه العملية كلّها لتشكّل جزءاً من آلية تفاوض خاصّة، تساعد الطرف الأميركي على تقليل أمد المفاوضات، والوصول إلى النتيجة المبتغاة من أقصر طريق، وللولايات المتحدة أمثلة في التاريخ لجأت فيها إلى القوة المفرطة للحصول على مواقف تفاوضية مستسلِمة من الطرف الثاني.

اليد الأميركية ليست بعيدة ممّا يحصل، رغم أن الولايات المتحدة تنأى بنفسها (حتّى الآن على الأقلّ) عن المشاركة المباشرة، ويطلق ترامب سلسلةً من التصريحات المضلِّلة فيما إسرائيل ماضية في هجومها، مستفيدةً من تعاطف أوروبي كبير مع عمليتها هذه، على نحوٍ يختلف عن الموقف من عملياتها العسكرية في غزّة، ولا يقتصر الدعم الأميركي على إرسال الأسلحة اللازمة والتغطية الكاملة للقوات الإسرائيلية، فالولايات المتحدة تلعب دوراً سياسياً في ضبط الإيقاع الدولي، وكان لافتاً مغادرة الرئيس ترامب قمّة الدول السبع، على نحوٍ مبكّر ومريب، وسط غمامة من التوقّعات التي تقول إنّه يتهيأ للدخول مباشرة في الحرب، ولكنّه كان يموّه، كما دأب منذ اليوم الأول، فقد فضّل التمهّل معطياً إسرائيل كامل المجال الجوي لتقوم بما تريد الولايات المتحدة القيام به، مع تزويدها بما هو لازم لتؤدّي المهمّة المطلوبة، على وقع الحديث المتقطّع حول بدء المفاوضات أو مواصلة القصف، والعالم برمته يقف على الحافّة بين الموقفَين، إن كان ثمّة مشاركة مباشرة من أميركا أو أنها ستكتفي بالدعم، وهو ما يبدو حرباً نفسيةً موازيةً يشنّها ترامب لإيقاع أكبر الخسائر في الجانب الإيراني.

دخل القصف المتبادل في الأيام الماضية حالةً روتينيةً، فهو يقتل ويوقع أذىً، لكنّه لم يعد يشكّل أيّ مفاجآت، لترتفع أكثر أصوات الدعوة إلى المفاوضات، وفي حال أذعنت إيران، أو استمرّت في الرفض، لن يعود نظامها كما كان على الإطلاق، فقد خسرت كثيراً من أجزاء برنامجها النووي وتحتاج سنوات طويلة لإعادة ترميمها، ولكن اتفاقيةً محتملةً ستجبرها على اتّخاذ إجراءات تمنعها من العودة إلى ذلك البرنامج، وسيعني الاتفاق انكفاء إيران إلى الداخل، وشطب ما كان يسمّى محور المقاومة من خريطة الشرق الأوسط. وهنا يجب التفكير ملياً، فلا تستطيع قوة واحدة أن تملأ فراغ الإقليم، خاصّة إسرائيل، فلا حجمها ولا مدى تقبل الدول الأخرى يتيحان لها التمدّد كثيراً، فيما يمكن أن تشغل تركيا نفوذاً كبيراً، أو أن تفكّر مصر في لعب دور أوسع، ومن خلفها السعودية، رغم ما يظهر من خلافات سطحية بين البلدَين، وهما قد عارضتا القصف على إيران من دون أن تتجاوزا تصريحاتهما. دول في المنطقة تعدّ العدة للتقدّم خطوةً، منتظرةً نتيجة الحرب التي ستنجلي عن إيران بوجه مختلف.

العربي الجديد

¨

———————————

إن هيمنت إسرائيل وإن لم تهيمن/ حازم صاغية

22 يونيو 2025 م

بين المواضيع الأشدّ تداولاً اليوم، على هامش الحرب الإسرائيليّة – الإيرانيّة، موضوع قدرة الدولة العبريّة على ممارسة «الهيمنة» على المنطقة، أي على مخاطبة القلوب والعقول والمصالح في جوارها والتفاعل معها. ذاك أنّ القوّة العسكريّة بذاتها، كما كتب ستيفن ولت في «فورين بوليسي» وآخرون سواه بطرق وأساليب شتّى، لا تكفي لهذه المهمّة التي تتعدّى القوّة. وعدم القابليّة الإسرائيليّة للهيمنة يبقى، رغم أنّه يُعزّينا، صحيحاً ومُقنعاً، خصوصاً أنّ التوحّش الذي أبداه الجيش الإسرائيليّ في غزّة، ولا يزال يبديه، يوصد القلوب والعقول حياله وحيال دولته. فوق هذا، ومن حيث المبدأ، فإنّ أيّ فارق في القوّة يبلغ الحدّ الذي نعرفه اليوم يجعل القلق مشروعاً جدّاً، بل مطلوباً، حيال الطرف القويّ، وهذا دونما إنكار لوجود مُصابين كثيرين بعبادة القوّة.

والقلق الواجب هذا قد لا يكفي لتبديده توقيع معاهدات سلام وتطبيع في حال حصول التوقيع. ذاك أنّ فعّاليّة المعاهدات ليست سحريّة، وهي دائماً تقلّ عن فعّاليّة التجربة وطرق تأوّلها. وإسرائيل، كأيّ طرف متغلّب آخر، قد تطلب أثماناً فادحة لانتصاراتها، بما يستجيب لشروط القوّة والسيطرة على حساب شروط الهيمنة.

ومن دون الهبوط إلى خرافات بعض الممانعين حول تهديد القوّة الإسرائيليّة لمصر وباقي العالم الإسلاميّ، بل للعالم كلّه بأمّه وأبيه، فالمؤكّد أنّ السيادات الوطنيّة في بلدان المشرق الضعيفة سوف تغدو، وهي الهشّة بما فيه الكفاية، أشدّ هشاشة ونحولاً. فلنتخيّل مثلاً، في ظلّ اختلال القوّة المريع هذا، أن ينشب خلاف بين إسرائيل وبين لبنان أو سوريّا حول ينبوع ماء أو حول حيّ صغير في قرية حدوديّة، وكيف سيكون الموقع التفاوضيّ للبلدين المذكورين.

وقد تترافق سطوة القوّة الكاسحة لتلّ أبيب مع كلّ ما يمعن في إضعاف السلطات المركزيّة في الجوار، وذلك على شكل استيلاد ميليشيات وأمراء حرب يوالونها بدل أن يوالوا طهران. وأفعال كهذه لا تترك أمام الأطراف الضعيفة سوى مزيد من التعويل على الولايات المتّحدة بوصفه العلاج النسبيّ الوحيد الممكن، رغم أنّه ليس مضموناً.

لكنّ ما هو أبعد من ذلك وأخطر هو أن لا تكون إسرائيل راغبة في الهيمنة، مرتاحةً فحسب إلى الاكتفاء الحصريّ بعلاقات القوّة المحض، وإلى ممارسة نفوذها بإدامة منطق الحرب الدائمة. ووفق ما كتبه ستيفن ولت، يُفترض بالقوّة المهيمنة أن تمتلك ما امتلكه الرئيس الأميركيّ الأسبق فرانكلين روزفلت لدى تبنّيه سياسة «حسن الجوار» حيال أميركا اللاتينيّة.

والحال أنّ سلوك بنيامين نتانياهو وحلفائه في الأحزاب الدينيّة المتطرّفة يوحي بعكس ذلك تماماً، وبارتكاز أفعالهم إلى مقدّمات إيديولوجيّة صلبة، قوميّة أو دينيّة، عديمة البراغماتيّة. وما إغلاقهم كلّ باب في وجه الدولة الفلسطينيّة، أو تشجيعهم الاستيطان في الضفّة الغربيّة، أو لغتهم الإملائيّة المتعجرفة التي تخلو من كلّ حوار أو مخاطبة للآخر، ناهيك عن طريقتهم الزجريّة في التعامل مع الوضعين الجديدين اللبنانيّ والسوريّ، سوى إشارات دالّة إلى خيارهم هذا. فوق ذلك، فإنّ تعويذة المقاومة، التي شكّلت تقليديّاً ردّ النضاليّين الثابت على أوضاع كهذه، باتت «عصفاً مأكولا»، مثلها مثل باقي شعارات المرحلة الآفلة. وهذا من غير أن يغيب عن البال أنّنا، كأوطان ودول في المشرق العربيّ، نعيش طوراً من التفكّك المتسارع الذي يضع المكوّنات الوطنيّة في مواجهة بعضها البعض، مُغرياً أيّ طرف خارجيّ بالاستثمار السينيكيّ في المعطى المذكور.

لهذا مثلاً بِتنا نجد أشرس النضاليّين وقد خلا وفاضهم من الوعود الخلاصيّة التي احترفوا إشاعتها، بحيث يذهب بعضهم إلى التعويل على قيام استقطاب إسرائيليّ – تركيّ، أو ربّما على يقظة روسيّة أو صينيّة تراودهم أكثر كثيراً ممّا تراود الروس أو الصينيّين.

وهذا المآل الرديء الذي انتهينا إليه ليس بعيداً عن شروط صناعته كما شهدناها في العقود «الإيرانيّة» الماضية، إضعافاً للدول والوطنيّات وتفسيخاً للمؤسّسات وتعميماً لمَيْلَشة السياسة والاقتصاد والقيم. فبعض الشبه بين الطور الإيرانيّ والطور الإسرائيليّ المحتمل هو بالضبط تغليب القوّة و»الاستراتيجيا» على السياسة والاجتماع، وتغليب ما يقع خارج الدول الأمم على ما يقع داخلها. فمرّةً يُترك لمحاربة إسرائيل أن تتحكّم بالواقع وبرسم المستقبل، ومرّةً تُناط المهمّة إيّاها بمحاربة إيران. وفي الحالتين، وباستثناء هامش ضيّق جدّاً من العقائديّين، تتحكّم بالعواطف أسباب أهليّة ومخاوف جماعات بعينها من جماعات أخرى. وهذا تعريفاً مصدر خصب للتحلّل الميليشيويّ يجعلنا نستقبل الاندفاعات الإمبراطوريّة الغازية بوصفنا أحزاباً، أو بالأحرى حزبيّات، لا بوصفنا شعوباً. وما يزيد البؤس بؤساً أنّ المشرق العربيّ لم يحرز، في مرحلة القوّة الإيرانيّة، وعلى الضدّ من ضجيج القوّة عهد ذاك، أيّاً من علامات القوّة الذاتيّة. وهو قد يكون مرشّحاً، إن لم يبادر سكّانه إلى بناء إجماعات وطنيّة معقولة، للمضيّ على الطريق ذاتها في ما يوصف بمرحلة القوّة الإسرائيليّة الصاعدة.

الشرق الأوسط

—————————–

 أين سوريا من الحرب الإسرائيلية الإيرانية؟/ محمود علوش

2025.06.18

خلال الحرب التي جرت في سوريا، تحوّلت سوريا إلى ساحة للصراع بالوكالة بين إسرائيل وإيران، لكنها اليوم تنأى بنفسها عن الحرب الجارية بين الطرفين.

يعود ذلك إلى التحول السياسي الذي أطاح بنظام حليف لطهران، وأخرج إيران من سوريا، وأتى بحكومة جديدة يقودها أحمد الشرع، تسعى إلى إعادة صياغة الهوية الجيوسياسية لسوريا ضمن المنظومة العربية-الإقليمية المناهضة لإيران ومشروعها التوسعي، وكحليف جديد للولايات المتحدة في المنطقة. يبدو أن هذا التحول وفر لسوريا شبكة حماية من تداعيات الحرب الراهنة، لكنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة من إسرائيل، التي احتلت أجزاء جديدة من الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، ودمرت جزءًا كبيرًا من الأصول العسكرية المتبقية للدولة الجديدة، وسعت حتى وقت قريب إلى تأجيج الانقسامات الطائفية في البلاد وتأليب المكون الدرزي ضد الحكومة الجديدة.

مع ذلك، لا يخلو الوضع الراهن من مخاطر التأثر بتداعيات الحرب على المديين القريب والبعيد. على المدى القريب، لا يزال الاستقرار الداخلي هشًا، والمخاطر الأمنية قائمة. وتوفر هذه البيئة الإقليمية المضطربة فرصًا لبعض الأطراف لمحاولة زعزعة هذا الاستقرار بهدف تقويض السلطة الجديدة.

كذلك، تبرز مخاطر استغلال إيران لهشاشة الوضع الأمني في جنوبي سوريا لإيجاد موطئ قدم جديد لها وتوظيفه في صراعها مع إسرائيل إذا طال أمد الحرب.

ويكشف الهجوم الصاروخي الذي استهدف الجولان السوري المحتل في 3 يونيو/حزيران 2025، والذي حمّلت الحكومة السورية ميليشيات موالية لإيران مسؤوليته، أن الفراغ الأمني في الجنوب يزيد من المخاطر على استقرار سوريا الهش. ولا يقتصر القلق السوري على هذا الفراغ، بل يمتد إلى احتمال استغلال إسرائيل للوضع في الجنوب كذريعة لإطالة احتلالها أو توسيعه في المستقبل، بدعوى التهديدات الأمنية وعجز الحكومة الجديدة عن بسط سيطرتها.

على المدى البعيد، تعتمد المخاطر والفرص المحتملة على مسار الحرب الإسرائيلية الإيرانية ونتائجها. إذا نجحت إسرائيل في تحقيق أهدافها، سواء بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتدمير برنامجها النووي أو إسقاط نظامها، فإنها ستعزز دورها كقوة إقليمية قادرة على إعادة صياغة المنطقة وفق رؤيتها.

هذا قد يدفعها لفرض تصوراتها على سوريا الجديدة، رغم تغيير خطابها مؤخرًا تجاه الرئيس أحمد الشرع واستعدادها للتفاوض مع دمشق حول اتفاقية أمنية تلبي مطالبها في الجنوب، استجابةً للنهج الأميركي الجديد في سوريا. غير أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى الحكومة الجديدة وعلاقتها بأنقرة وحضور تركيا في سوريا، كتهديد جيوسياسي كبير.

إن فائض القوة الناتج عن تحقيق إسرائيل لأهداف الحرب على إيران قد يؤدي في نهاية المطاف إلى مفاقمة تهديدها لسوريا. وحتى مع وجود سياسة الرئيس ترامب في سوريا كعقبة أمام طموحات إسرائيل، فإن مخاطر عدم استقرار هذه السياسة على المدى البعيد يبقي التحدي الإسرائيلي لدمشق تهديدًا عالي الخطورة.

في المقابل، قد يقلل فشل إسرائيل في تحقيق أهداف الحرب من نزعتها التوسعية في المنطقة في حقبة ما بعد حرب السابع من أكتوبر، مما قد يخفف التحدي الإسرائيلي لسوريا من دون القضاء عليه بالضرورة. على الجانب الآخر، لا تزال إيران تشكل تهديدًا لاستقرار سوريا الجديدة. وأي تحول في سياستها الإقليمية، سواء نتيجة لتفاقم ضعفها بعد الحرب، أو انهيار نظامها، أو استعادة بعض نفوذها الإقليمي إذا نجحت في إنهاء الحرب من دون هزيمة ميدانية أو دبلوماسية، سيكون له تداعيات على سوريا بدرجات مُختلفة. لا تقتصر الحرب الإسرائيلية الإيرانية على إعادة تشكيل ديناميكيات الصراع بين الطرفين، بل تمتد إلى إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. والتحول السوري، كنتيجة غير مباشرة لحرب 7 أكتوبر، كان محركًا رئيسيًا لهذا الصراع، وسيتحدد دور سوريا في النظام الإقليمي الجديد بناءً على نتائج هذه الحرب.

إن التموضع الجديد لسوريا في علاقاتها الإقليمية والدولية يساعدها جزئيًا في تحصين نفسها من الارتدادات الإقليمية المحتملة للحرب الإسرائيلية الإيرانية، خاصة إذا استمرت لفترة طويلة. وقد يعزز موقفها في النظام الإقليمي الجديد الذي سيتشكل كنتيجة لهذه الحرب. مع ذلك، فإن تداعيات الحرب ونتائجها على إسرائيل وسياستها في المنطقة ستحددان بشكل رئيسي حجم تأثيرها على سوريا في المستقبل. وحتى مع احتمال أن يتمكن النظام الحالي في إيران من استعادة بعض من نفوذه الإقليمي، فإن إسرائيل ستبقى التحدي الإقليمي الأبرز لسوريا الجديدة. وهنا تبرز أهمية استفادة دمشق من الفرص التي جلبها الانفتاح الأميركي عليها من أجل تعزيزها وتحويلها إلى مكسب استراتيجي بالنظر إلى الدور الحاسم الذي تلعبه السياسة الأميركية في تشكيل النهج الإسرائيلي في سوريا وفي التأثير على السياسات الإقليمية والدولية في الملف السوري.

أخيرًا، استحوذت الحرب الراهنة على الاهتمام الإقليمي والدولي، مما قد يدفع سوريا إلى الهامش إذا تصاعدت الحرب وتحولت إلى صراع متعدد الأطراف. ومع ذلك، ينبغي ألا تغيب سوريا عن أجندة السياسات الإقليمية والدولية، لأن أي تراجع في زخم هذه السياسات قد يؤدي إلى انتكاسة الاستقرار الداخلي في البلاد، ويجلب مخاطر كبيرة على المنطقة والمصالح الدولية فيها.

تلفزيون سوريا

————————–

 معادلة توازن القوى في الشرق الأوسط بعد الحرب الإسرائيلية–الإيرانية/ حسن الشاغل

2025.06.25

في ضوء التصعيد غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، تبرز الحاجة إلى قراءة جديدة لمعادلة توازن القوى في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل الأضرار التي تكبدها الطرفان خلال المواجهة العسكرية المباشرة. ومع احتمالية انكفاء النفوذ الإيراني والإسرائيلي، تلوح في الأفق فرص أمام قوى إقليمية صاعدة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وتركيا، للعب أدوار محورية في إعادة تشكيل خارطة النفوذ السياسي والأمني في المنطقة.

تحاول هذه المقالة أن تتناول السعودية وتركيا كقوتين إقليميتين فاعلتين وقادرتين على لعب دور في “اليوم التالي” لوقف الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، باعتبار أن الدولتين هما الأكثر قوة وتأثيرًا في المحيط الإقليمي، لما تمتلكانه من مقومات القوة العسكرية والاقتصادية، وما يرتبط بهما من أدوات.

الواقع الحالي لإسرائيل وإيران

حتى كتابة هذه المقالة، شهدت إيران أضرارًا كبيرة في منشآتها العسكرية والنووية، وبنيتها التحتية في قطاعات مختلفة، بفعل الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت قواعد ومراكز تصنيع ونقل الصواريخ.

في المقابل، تتعرض إسرائيل لعمليات قصف بمئات الصواريخ الإيرانية، والتي وصلت إلى مدن مثل تل أبيب، حيفا، رامات غان، وبت يام. واستطاعت إيران، عبر الصواريخ الفرط صوتية، استهداف مصفاة النفط في حيفا ومجمّع الطاقة “بزان”، وعدة مواقع حكومية وعسكرية مؤثرة.

ورغم الخسائر التي مُنيت بها الدولتان على كافة الأصعدة، إلا أنهما أظهرتا أدوات قوة عسكرية قد تغيّر معادلات القوة الإقليمية.

    فعلى الجانب الإسرائيلي، برز فرط كبير في القوة:

        اتخاذ القرار بشنّ حرب على دولة إقليمية كإيران، وهو ما يُعد تغييرًا كبيرًا في عقلية الدولة، لأن هذا القرار قد تكون نتائجه غير محسوبة بشكل دقيق.

        الفعالية الاستخباراتية الإسرائيلية، من حيث قدرتها على اختراق وتصفية الصف الأول من الشخصيات والمسؤولين الذين يديرون الدولة.

        تفوق القوة الجوية الإسرائيلية، التي سيطرت على الأجواء الإيرانية دون ردع فعّال، بعد تحييد منظومات الدفاع الجوي لطهران، وضرب نقاط مؤثرة أضعفت قدرات الدولة.

    وعلى صعيد القوة العسكرية الإيرانية، فقد استطاعت طهران الوصول وقصف قواعد عسكرية إسرائيلية وبنى تحتية مهمة، عبر الصواريخ الفرط صوتية، وتجاوز أنظمة الدفاع الجوي “القبة الحديدية”، والتي تُعتبر فخر الصناعة الإسرائيلية.

بالتالي، تقف قوى الإقليم أمام فرط قوة إسرائيلية، وإيرانية بدرجة أقل، ما قد يدفع الدول الإقليمية إلى تطوير أدوات قوتها العسكرية وتعزيز حالة الردع لمواجهة أي أخطار محتملة، علاوة على قدرتها على اقتناص الفرص لملء أي فراغات أمنية وسياسية قد تنجم عن تراجع النفوذ الإيراني والإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.

دور السعودية وتركيا في معادلة توازن القوى في الشرق الأوسط

من المهم التنويه إلى أن كلاً من تركيا والسعودية حليفان استراتيجيان للولايات المتحدة الأمريكية، وتندرج القوة العسكرية للدولتين ضمن المنظومة الغربية، بخلاف إيران التي تعتمد على منظومة شرقية.

أولاً: المملكة العربية السعودية

تُعد المملكة العربية السعودية لاعبًا محوريًا في الشرق الأوسط، وتتسم سياستها الخارجية بتحولات ديناميكية تهدف إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وحماية مصالحها الحيوية، وتتمتع بقدرات إقليمية ذات فاعلية.

– القوة العسكرية

الضربة الأولى التي نفذتها إسرائيل ضد إيران كافية لإعادة تفكير الدول الإقليمية في تدعيم قوتها العسكرية والاستخبارية. انطلاقًا من ذلك، من المتوقع أن تسعى السعودية إلى تعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية لمواجهة أي تهديدات محتملة، وقد تزيد من مشترياتها من الأسلحة وتكنولوجيا الدفاع، بالإضافة إلى تنويع وتعزيز تحالفاتها الاستراتيجية بما يخدم أمنها.

وقد تعزز السعودية من خططها لتبني مقاربات جديدة لتوطين تصنيع السلاح محليًا، عبر عقد شراكات مع شركات سلاح صينية وتركية وأوروبية، بما يقلل من حجم الاعتماد على صفقات السلاح الخارجية.

وفي الواقع، حققت السعودية خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في توطين الصناعات الدفاعية، وهي جزء من رؤية 2030 التي تهدف إلى توطين 50% من الصناعات العسكرية. حيث أبرمت أكثر من 30 اتفاقية مع شركات عالمية مثل بوينغ، لوكهيد مارتن، رينو، ورايثيون، بهدف نقل التقنية والمعرفة وتوطين خط الإنتاج داخل المملكة.

ورغم التحديات المتمثلة في محدودية الكفاءات الفنية المتخصصة والاعتماد على التقنية الأجنبية، إلا أن السعودية تسير بخطوات متدرجة نحو تحقيق اكتفاء عسكري. تعكس هذه الجهود رغبة واضحة في بناء قوة صناعية عسكرية ذاتية، تعزز السيادة الوطنية والاستقلالية الأمنية، وتُقوي من وزن المملكة في معادلة الردع الإقليمية.

– القوة الاقتصادية

تُعد السعودية واحدة من أبرز القوى النفطية على مستوى العالم، لما تمتلكه من مقومات استراتيجية واقتصادية تعزز نفوذها الدولي. فهي ثاني أكبر دولة في العالم من حيث احتياطي النفط المؤكد، بواقع يُقدّر بحوالي 267 مليار برميل.

بفضل هذه المقومات، تتمتع المملكة بنفوذ اقتصادي كبير وقدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، ما يمنحها مكانة استراتيجية في موازين القوى الدولية والإقليمية.

وقد حققت السعودية في عام 2022 إنجازًا اقتصاديًا كبيرًا بتخطي حجم ناتجها القومي الإجمالي حاجز التريليون دولار لأول مرة في تاريخها، حيث سجلت 1.01 تريليون دولار.

انطلاقًا من ذلك، توفّر الموارد المالية التي تمتلكها السعودية أدوات داعمة لسياستها الخارجية بما يخدم مصالحها ويعزز نفوذها في المنطقة. وقد يأتي هذا الدعم بأشكال متعددة، مثل المساعدات التنموية، وتدفقات الاستثمار، والودائع في البنوك المركزية، وتوفير النفط والغاز للدول الحليفة بأسعار تفضيلية.

– الدور السعودي المتوقع

على المستوى الأمني، من المتوقع—في حال لم تتوسع دائرة الحرب—وتمكنت الرياض من احتواء التداعيات الأمنية والاقتصادية، واستغلال تراجع النفوذ الإيراني، أن تكون قادرة على رفع مستوى الأمن القومي، والتحكم في ملفات إقليمية.

فضعف النفوذ الإيراني سينعكس بشكل كبير على ضعف جماعة الحوثي في اليمن، حليفة إيران، الأمر الذي سيحسن شروط أي مفاوضات مستقبلية قد تخوضها السعودية مع الحوثيين. وستكون الرياض قادرة على ملء أي فراغ ناتج عن ضعف الحوثيين عبر حلفائها، وعلى رأسهم الحكومة الشرعية في عدن.

وفي سياق متصل، ستسعى السعودية للعب دور سياسي أوسع في العراق، فور ضعف المجموعات الفصائلية المدعومة من إيران.

إن تحييد النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، يمنح السعودية فرصة لبناء قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية، مستفيدة من حالة الاستقرار الإقليمي التي ستُخلفها الحرب.

ثانيًا: تركيا

تُعد تركيا من الدول المحورية في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وتتحكم بموقع جيوسياسي مميز، وتملك شراكات سياسية واقتصادية وعسكرية مع دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

– القوة العسكرية

أعلن الرئيس التركي عن رفع جاهزية بلاده لإنتاج كميات ضخمة من الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وفق خطة عاجلة، مؤكدًا أن تركيا ستصل قريبًا إلى مرحلة الردع، وستمتلك قدرة دفاعية وهجومية تجعل من المستحيل على أي طرف في المنطقة التفكير حتى في استفزازها.

يوضح هذا التصريح أن تركيا ماضية في تعزيز قوتها العسكرية. وقد استطاعت خلال السنوات الأخيرة تطوير صناعات عسكرية محلية، وهي في صدد تحقيق اكتفاء شبه كامل من إنتاجها العسكري، وهو ما يعزز أمنها القومي.

وتشهد الصناعات الدفاعية التركية منذ عام 2014 تطورًا ملحوظًا من حيث الإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة التصدير، وتنوع مجالات التصنيع الدفاعي (جوي، بري، بحري).

فوق ذلك كله، تُعد أنقرة ثاني أقوى جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتمتلك منظومات عسكرية متطورة تكنولوجيًا، وهي شريك أساسي في صناعة السلاح مع العديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية.

– الاقتصاد التركي

يُعد الاقتصاد التركي من الاقتصادات الناشئة الكبرى، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.1 تريليون دولار (2023). ويستند إلى مجموعة من المقومات، أبرزها الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعل من تركيا نقطة وصل بين آسيا وأوروبا، ويمنحها ميزة كبيرة في مجالات التجارة والطاقة.

ورغم ما يتمتع به الاقتصاد التركي من تنوع ومرونة، إلا أنه يواجه تحديات هيكلية، أبرزها التضخم، وانخفاض قيمة الليرة، والعجز في الحساب الجاري، وارتفاع الدين العام. ويتأثر الاقتصاد التركي بشكل كبير بالأحداث والتوترات السياسية والأمنية، بسبب اعتماده الكبير على الخدمات والسياحة، فضلًا عن عدم امتلاكه موارد أولية طبيعية بكميات مؤثرة.

– الدور التركي المتوقع

لتركيا نفوذ سياسي وعسكري في منطقة الشرق الأوسط، في سوريا والعراق وليبيا وأجزاء من القارة الإفريقية. وتبدو فرص تحركها لملء الفراغ الأمني والسياسي المتوقع في المنطقة كبيرة جدًا، إذ تملك أنقرة عمقًا جغرافيًا وحدودًا مشتركة مع عدد من دول الشرق الأوسط، ما سهّل عليها خلق نفوذ وتحالفات استراتيجية، ويمنحها فرصًا أكبر للتمدد.

انطلاقًا من ذلك، قد تستغل تركيا تراجع النفوذ الإيراني لتوسيع دائرة تأثيرها في المنطقة، وتعزيز نفوذها الإقليمي. وستسعى أنقرة إلى أن تكون لاعبًا رئيسيًا في تشكيل مستقبل المنطقة، كما ستعمل على تعزيز نفوذها في شمال العراق وسوريا، بما يضمن أمن حدودها ومواجهة أي تهديدات محتملة، خاصة في ظل تراجع قوة إيران ووكلائها.

الخلاصة

ستُحدث الحرب الإسرائيلية–الإيرانية تغيرًا جوهريًا في معادلة توازن القوى في الشرق الأوسط، حيث سيؤدي التراجع في النفوذ العسكري والسياسي لكل من إيران وإسرائيل إلى إتاحة فرص جديدة للقوى الإقليمية الصاعدة، خاصة المملكة العربية السعودية وتركيا، لتعزيز مكانتهما وتوسيع نفوذهما في المنطقة.

تعكس هذه التحولات مسارًا نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب، يتسم بالتنافس الحاد والمرونة في التحالفات، مع اعتماد متزايد على تطوير القدرات العسكرية الذاتية والاستراتيجيات الأمنية المستقلة.

————————————–

الشرق الأوسط بعد المواجهة بين إسرائيل وإيران/ مروان قبلان

25 يونيو 2025

ما أن تضع الحرب الإيرانية- الإسرائيلية الأولى أوزارها حتى تسارع أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية، والمؤسّسات البحثية والأكاديمية، ومراكز التفكير، لإجراء تقييمات متنوّعة لنتائجها وتداعياتها على أطراف الصراع المباشرين، موازين القوى الإقليمية، والرابحين والخاسرين من حرب الـ 12 يوماً، كما صار يحلو للرئيس ترامب تسميتها، فما أبرز نتائج الحرب وما التوقعات المستقبلية بشأنها؟

نبدأ من إيران، حيث يرجّح أن ينكفئ النظام على نفسه لمعالجة آثار الضربات التي ألحقت دماراً كبيراً بالبنية الدفاعية للبلاد، وهذا يعني أن إيران سوف تنشغل سنوات عديدة بإعادة بناء قدراتها العسكرية، خصوصاً دفاعاتها الجوية وبرنامجها الصاروخي، لأنها إذا لم تفعل فسوف تصبح ساحة مستباحة لإسرائيل، شأن سورية ولبنان والعراق. لكن هذا لن يكون شاغل النظام الوحيد، في الفترة المقبلة، فما أن تغيب أصوات الطائرات عن سماء طهران حتى يبدأ طرح الأسئلة الصعبة عن أسباب انهيار العقيدة الدفاعية للبلاد مرّة واحدة، وعن جدوى سياسات النظام الخارجية والأمنية، التي تقدر كلفتها بنحو 500 مليار دولار ما بين نفقات على البرنامجين، النووي والصاروخي، ودعم للحلفاء والوكلاء، يضاف إليها تكاليف العزلة والحصار وعقود من التنمية الضائعة. وفي بلدٍ لديه تاريخ طويل من الثورات (مرة كل عقد تقريبا) يرجّح أن يواجه النظام موجة من الاحتجاجات قد تكون أكثر اتساعا من أي مرحلة سابقة، يقودها سؤال “ماذا الذي جرى ولماذا؟”. ويرجّح أن يكون هدف إسرائيل من تدمير سلاح الجو الإيراني، الضعيف أصلا، بما في ذلك المروحيات، وضرب مقرّات الحرس الثوري والباسيج، والشرطة والأمن العام، هو إضعاف قدرة النظام على مواجهة أي حركات تمرّد أو انفصال.

سوف تظهر بوضوح آثار ضعف إيران وانشغالها بنفسها في الفترة المقبلة في المشهد الداخلي في كل من لبنان والعراق وسورية واليمن وفلسطين، وهي مناطق أقامت فيها إيران لنفسها نفوذاً على امتداد العقود الماضية. يرجّح هنا أن ينتزع حلفاء إيران، خصوصاً في العراق ولبنان، هامش استقلال كبيرا عن المركز، وسوف يحاول بعضهم التأقلم مع الواقع الجديد والانخراط بشكل أكبر في البنى الداخلية لدولهم. وقد يذهب آخرون أبعد في الاستقلال عن القرار الإيراني، وقد يأخذون حتى توجّهات مختلفة تماماً عن التي تتبنّاها إيران. في فلسطين، يرجّح أن يصبح الوضع أكثر صعوبة مما هو عليه الآن، وقد تذهب إسرائيل نحو تبنّي سياسات قصوى في التعامل مع القضية الفلسطينية، في غزّة والضفة الغربية. وفي اليمن قد نشهد إعادة إطلاق العملية السياسية مع توقع أن يبدي الحوثي مرونة أكبر لإيجاد حل سياسي للصراع المستمر منذ سقوط صنعاء عام 2014.

إقليميا، سوف يؤدي إضعاف إيران إلى صعود الأدوار الإقليمية لتركيا خصوصاً (في عموم المشرق العربي، وآسيا الوسطى والقوقاز، والقرن الأفريقي)، وكذلك السعودية، وسوف تشعر المنطقة كلها بوطأة تنامي النفوذ الإسرائيلي (إنما ليس حد الهيمنة، كما يشاع)، وقد نشهد بداية تنافس قوي بين هذه الأقطاب الإقليمية الثلاثة، إنما تحت المظلّة الأميركية، مع تراجع أكبر لدور مصر، التي بدت وكأنها تخسر من إضعاف إيران بسبب تلاشي حاجة الخليج لها في موازنة الدور الإيراني. سوف تسقط، مع ضعف إيران، سردية “البعبع” الإيراني التي طالما غذّت سباق التسلح في الخليج، واستخدمتها الولايات المتحدة لدفع دوله إلى التطبيع مع إسرائيل، وإنشاء تحالف إقليمي في مواجهة إيران. وسوف تنتفي، كذلك، (نظرياً على الأقل) الحاجة إلى تخصيص موازنات هائلة للتسلح، كما تقل حاجة دول الخليج إلى قواعد عسكرية غربية، وضمانات أمنية، أميركية خصوصا، تكلف مليارات الدولارات سنوياً، وتسخيرها بدلاً من ذلك في عملية التنمية والبناء.

دولياً، سوف تراقب الصين وروسيا عن كثب تداعيات المواجهة الإيرانية الإسرائيلية على الداخل الإيراني، ووضع إيران الإقليمي، ومع أن البلدين فشلا في تقديم أي دعم لإيران، خلاف البيانات الكلامية، إلا أنهما قد يلعبان أدواراً أكبر في حال تعرّض النظام نفسه لخطر السقوط. وسيشكل احتمال تغيير النظام الإيراني، واستبداله بنظام أقرب إلى الولايات المتحدة، كما حصل في سورية، أكبر ضربة تتعرّض لها المصالح الصينية والروسية في منطقة الخليج والشرق الأوسط منذ انتهاء الحرب الباردة، بحيث يبدو أمامها سقوط نظام الأسد مجرّد تفصيل.

تلفزيون سوريا

—————————————

إسرائيل: نجري محادثات مباشرة وتنسيق أمني مع سوريا

كشف رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، عن إجراء اتصالات مباشرة بين إسرائيل وسوريا.

وأفادت صحيفة “إسرائيل هيوم” الإسرائيلية أمس الثلاثاء، أن هانغبي أكد خلال اجتماع سري عقد يوم الأحد الماضي مع لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في “الكنيست”، أن إسرائيل تحافظ على حوار مباشر ومستمر مع الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.

وقال، إنه “يشرف شخصياً على جهود التنسيق الأمني والسياسي مع سوريا”، متجاوزاً بذلك الاتصالات غير المباشرة التي أبلغ عنها سابقاً.

وأضاف، أنه “على الرغم من أن الزعيم السوري أحمد الشرع، أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بضرورة الحفاظ على حوار غير مباشر فقط مع إسرائيل، إلا أن الواقع يتطلب حواراً وتواصلاً يومياً على جميع المستويات الحكومية”.

وذكر، أنه “يجري بشكل شخصي هذه النقاشات مع الممثلين السياسيين للحكومة السورية”، مشيراً إلى أن “إسرائيل وسوريا تشتركان في العديد من المصالح المشتركة لاسيما ما يتعلق بإيران”.

اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يهدد باقتحام قرية جنوب سوريا بعد سقوط مسيرة تابعة له

وبشأن استفسارات من أعضاء “الكنيست” بشأن انسحاب محتمل من المنطقة العازلة مع سوريا والخاضعة حالياً لسيطرة الجيش الإسرائيلي، أبدى هنغبي مرونة تجاه ذلك، وقال: “إذا حدث تطبيع فسندرس هذا الخيار”.

ورداً على استفسار بشأن “ثبات مواقف الشرع الإيديولوجية”، والإشارة إلى تصريحات له عام 2014 قال فيها إنهم سيصلون إلى دمشق ومن ثم إلى القدس، أكد هنغبي، استمرار التقييمات بهذا الشأن، وذكر: “نواصل رصد هذا الأمر، الشرع يواصل تطوره من خلال خبرته القيادية”.

وحدد رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، سوريا ولبنان كمرشحين رئيسيين لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، بناءً على نموذج “اتفاقيات إبراهيم”.

ومطلع أيار/ مايو الماضي، كشفت مصادر مطلعة لوكالة رويترز، أن الإمارات العربية المتحدة “أنشأت قناة خلفية للمحادثات بين إسرائيل وسوريا”.

ونقلت الوكالة عن مصدر مطلع ومصدر أمني سوري ومسؤول استخبارات إقليمي، أن “هناك اتصالات غير مباشرة تركز على مسائل الأمن والاستخبارات وبناء الثقة بين إسرائيل وسوريا”.

وقال المصدر المطلع، إن “الجهود المبذولة التي بدأت بعد أيام من زيارة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع إلى الإمارات في 13 نيسان/ أبريل الماضي، تركز حالياً على مسائل تقنية”، مضيفاً أنه “لا حدود لما يناقش في النهاية”.

وذكر المصدر الأمني السوري، أن “القناة الخلفية تقتصر حصراً على القضايا الأمنية، مع التركيز على عدة ملفات لمكافحة الإرهاب”.

وأشار، إلى أن “المسائل العسكرية البحتة، وخاصةً تلك المتعلقة بأنشطة الجيش الإسرائيلي في سوريا، تقع خارج نطاق القناة الحالية”.

وأكد المسؤول الاستخباراتي، أن “مسؤولين أمنيين إماراتيين ومسؤولين في المخابرات السورية ومسؤولين سابقين في المخابرات الإسرائيلية شاركوا في هذه الآلية”.

——————————–

توسيع اتفاقات إبراهام على أرضيَّات منهَكة/ أسامة عثمان

28 يونيو 2025

قال المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف إنّ بلاده تُجري محادثات وصَفها بأنّها “ناجحة” مع دول عربية، بشأن الانضمام إلى “اتفاقات أبراهام”. وأوضح، في مقابلة مع قناة “CNBC”، أنّ “أحد الأهداف الرئيسية للرئيس دونالد ترامب توسيع نطاق “اتفاقيات إبراهام، وأنّه يأمل أن يشمل التطبيع دولاً ربّما لم يكن يخطر ببال أحدٍ أنّها قد تفكِّر في التطبيع، ذات يوم”. فيما صرّح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأنّ هناك فرصةً لـ”توسيع اتفاقات السلام”.

ولم يكن هذا المسعى الأميركي مفاجئاً، تثميراً لزخَمٍ تراه إدارةُ ترامب، بعد ما حققته؛ جرَّاء انخراط أميركي في استهداف منشآت إيران النووية، في سياق حرب إسرائيل على إيران؛ جرياً على نهج أميركي سابق، في استثمار أحداث كبرى، كما فعلت، عقب حربها على العراق، حين دعا الرئيس الأسبق جورج بوش الأب إلى عقد مؤتمر مدريد للسلام 1991، بعد أن قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً ضمَّ دولاً عربية لإخراج القوات العراقية من الكويت. لكنَّ فارقاً ماثلاً بين السياقين، إذ في مؤتمر مدريد كانت المتمنِّعة دولة الاحتلال، ولم يستطع بوش دفْع رئيس حكومة إسرائيل إسحاق شامير إلى المشاركة، إلا بعد التلويح بتعليق المعونة الأميركية السنوية لإسرائيل. أما اليوم، فتجد إسرائيل أمامها فرصةً سانحةً يجب المسارعة إلى اغتنامها، بناءً على تقدير قادتها أنّ الظرف مناسب لفرْض ما تريد، إلى أبعد الحدود؛ فما سرُّ هذه السانحة؟

بعد أن أُجهِض الربيع العربي، في دول عربية، ووقعَت دولٌ أخرى، في مخاضات، كما في سورية، التي لا تزال تُحاول وتعاني، انزلقت دولٌ عربية في حالة إنهاك، عامّ، لعلَّ المجال الاقتصاديَّ أبرزُه، ولا يُستهان بالآثار الاجتماعية والنفسية، تحت اهتزازات قِيَمية، ذات طابع شبه كلِّي، من دون أن يصحَّ الحكم، بحدوث انسلاخ عميق من تلك القيم، لكنها متاعب المرحلة. ومن النقاط الإيضاحية سورية، حيث أدَّت تفاعلاتُ الثورة وتداعياتُها؛ وصولاً إلى التخلُّص من نظام الأسد المروِّع، إلى تقديم أولويات الحالة السورية الملحَّة على اعتبارات خارجية، قومية، أو حتى وطنية.

ولم يقتصر هذا الإنهاك على بلاد عربية، بل طاول فلسطين المحتلة، ليس بفعل عملية طوفان الأقصى، وفي حدود جغرافية غزّة، بل كانت شراسة الاحتلال والاستيطان والتهويد قد قفزت قفزةً واسعةً، قبل الحرب الإبادية الطاحنة على القطاع، وعلى أهله المنكوبين. ومن دون أيِّ صلةٍ مباشرة أو ارتباط سببي معقول، تغوَّل المستوطنون من ذوي الطبيعة الإجرامية المؤسَّسة على نزعات دينية وقومية عنصرية ومتطرفة، في عمليات إرهابية منظَّمة، كان آخرها الاعتداء على قرية كفر مالك والقتل الهمجي لثلاثة من أبنائها، الذي نفَّذه مستوطنون إسرائيليون متطرفون، بحماية من جيش الاحتلال.

وبعد الضربة التي تلقَّاها ما سمَّى محور المقاومة، غير حركات المقاومة في فلسطين، كتلك الضربات المُوجعة لحزب الله، في لبنان، ثم أخيراً، ما تلقَّته إيران، في الحرب أخيراً، وإنْ لم تكن من دون ردٍ هزّ كيانَ إسرائيل بالنَّيْل منها، في مراكز ثقلها الديمغرافي، والعلمي، والدفاعي، حيث لم توفِّر منظومات دفاعاتها ضدَّ الصواريخ الإيرانية الحماية الكافية، فأمكن ذلك إيران من التلويح بحربِ استنزاف، لا تحتملها دولة الاحتلال، اقتصادياً ومعيشياً ونفسياً، (ما دعاها إلى الاستنجاد العلني بأميركا)، وخصوصاً بعد ما قارب العامين من المواجهة، في غزّة، مع حركات مقاومة لا تلين، ولا تزال تُوقع خسائر مؤلمة بجيش بدَت عليه علاماتُ الإنهاك، ونفاد الدافعية.

مع ذلك، لم تخرج إيران من هذه الحرب بنفَسٍ طامحٍ إلى أدوار كالتي كانت قبل سقوط الأسد، وقبل تضعضُع حزب الله، وقبل أن تخسر هي قيادات عسكرية وكفاءات علمية فريدة، وقبل أن تلمس جِدِّية الموقف الأميركي في دعْم أهداف إسرائيل، ولو بتجشُّم مخاطر حرب تتورَّط فيها أميركا، مرةً أخرى، في المنطقة. وهنا تلوح أخبار التطبيع وتوسيع اتفاقات إبراهام، على مثل هذه الأرضية وبخلفية يمينية إسرائيلية تستطيع ادِّعاء الردع، أو تستطيع المباهاةَ بفاعلية القوة، وبجدوى فرض السلام بالقوة، السلام المعادل للاستسلام والإملاءات.

خطورة هذه الحالة أنْ تُستغَلَّ في تمرير اتفاقات يرى نتنياهو أن فرصتها سانحة، وأن لكلَّ يوم أهميته، في المسارعة إلى تكريس وقائع ذات بعد مستدامٍ، عبر اتفاقات متعجِّلة، تقوم على ابتزازاتٍ ومقايضاتٍ تبتعد حتى عن مقولات العملية التفاوضية السابقة، من قبيل “الأرض مقابل السلام”، إلى معالجات سطحية تُقزِّم الآمال، وتُغلق الأبواب، وتُصادر حقَّ الأجيال المقبلة، بالحقوق الفلسطينية والعربية، أو تُكبِّلها بقيودها وسقوفها الخفيضة. هذا مع علمنا بمآلات مثل تلك التسويات، التي قامت على تثمير فترات تراجُع، أو انكسار، تاريخياً، وعالمياً.

وبالنظر المنطقي إلى السلام مع إسرائيل، يظهر أنّ الاشتراطات غير المحقَّقة، ليست إيرانيةً، بقدر ما هي عربية، عبْر الموقف العربي الرسمي المعبَّر عنه في القمم العربية، وخصوصاً قمَّة بيروت 2002، التي تبنّت المبادرة العربية للسلام، وهي التي تمثِّل الحدَّ الأدنى المقبول. وما دامت حكومات إسرائيل المتعاقبة تتجاهل تلك المبادرة، بل وترفضها، بل تعمل على إجهاض حلّ الدولتين بخطى حثيثة، على مستوى الأفعال والأقوال، كما تعمل، وبجدّية، في قطاع غزّة وفي الضفة الغربية، على ارتكاب نكبة ثانية، وتهجير واسع للفلسطينيين، فإن انكماش إيران، أو انشغالها، وفق ما يتوقَّع، ليس دافعاً منطقياً لاجتراح مثل هذه التنازلات الخطيرة.

ومع أنّ إيران تمثِّل داعماً حيوياً لحركات المقاومة في فلسطين، وانهماكها في التعافي وترميم القوة، واحتياجها إلى تركيز مقدَّراتها الاقتصادية ومواردها على هذه الغاية ذات الأولوية الملحَّة، مِن شأنه أن يُخفِت تأثيرَها، إلا أنّ المسألة هنا ليست حركات المقاومة، ومدى تأثيرها في عرقلة تسويات مجحِفة، بقدر ما هو الشعب الفلسطيني، وقضيته، ومستقبل أبنائه، بل ما يطاول تلك الحالة التطبيعية من إعادة صياغة ما يسمَّى بالنظام العربي، ومساحات القرار الوطني ومعنى الأمن القومي العربي، بعد اندماج إسرائيل المفترَض في المنطقة، على ما هي عليه من احتلال لا يوضع له حدّ.

لا شيء يُجبر دولاً إقليمية وعربية كبيرة (عندما تستحضر خطورة إبرام صفقات تطبيعية تتجاوز فلسطين وحقوقها، على الجميع) على الانسياق إلى هذه الحملة المصطَنعة. تستطيع دولٌ، كتركيا والسعودية، مثلاً، من دون إعفاء مصر، أو غيرها، بما لها من ثقل وأدوات الثبات على مواقفها واشتراطاتها التي لم يطرأ ما يدعو إلى التخفيف منها، بل طرأ ما يعزِّز الحذر والتشكيك، في ظلِّ طفوِ هذه الطبقة السياسية في دولة الاحتلال، هذه الطبقة المدجَّجة بالأيديولوجيا المتطرّفة، والمندفعة بالزَّهْو والصَّلَف، إلى دهْس المسلَّمات، وتوسيع الطموحات حتى خارج فلسطين.

كما أن من شأن الربط بين إنهاء الحرب العدوانية على غزّة والتوصل إلى تسوية سياسية دائمة، أن يُمثِّل عنصراً ضاغطاً ومساوِماً، فلو أراد نتنياهو، فإن خيارات عديدة يمكن أن تُقصى بها حركة حماس عن حكم غزّة، ولكنّه يعطي إشارات على مجاراته وزراء متطرّفين في ائتلافه، عن إعادة احتلال غزّة، وتهجير أهلها، كي يُعيق أيَّ حلٍّ ممكن.

وبعد، لا يُمكن أن تنجح أيُّ تصفية لفلسطين وقضيتها، ما دامت الدول العربية والإقليمية والسلطة الفلسطينية غير منخرطة فيها. والضغوط، والأثمان، التي قد تُهدِّد بها إدارة ترامب، لا تقارَن بفادِحة التساوُق مع طموحات نتنياهو وترامب، وكما أن ترامب ونتنياهو حريصان على قطْف الثمار، فإنهما، (وحالةُ دولتيهما)، ليسا في موقع السلامة من المتاعب، والطاقة والاستعداد لصراعات مفتوحة، وليسا في كامل التعافي؛ ما يعني أن أيَّ تغييراتٍ عميقة في المنطقة ستكون مقامرة مفتوحة على المجهول.

العربي الجديد

—————————————–

في الصراع الإيراني الإسرائيلي/ عبد الجبار عكيدي

28 يونيو 2025

جسّد الهجوم الإسرائيلي على إيران فجر 13 يونيو/ حزيران الجاري مفصلاً نوعياً في تاريخ الصراع بين الدولتين العبرية والفارسية، علماً أن الصراع بينهما منذ وصول الخميني إلى السلطة في طهران (1979) اكتسى طابعاً أثار تساؤلاتٍ كثيرة ترتقي إلى حالة الشك في أحيانٍ كثيرة، إذ على الرغم من الشعارات العدائية الصاخبة والساخنة التي يتبادلها الطرفان منذ عقود، إلّا أن تلك السخونة في الشعارات لم تلغ جسور “التخادم” التي لم تنقطع حتى في أشدّ الظروف حلكةً وتوتّراً، ولعل هذا الأمر يحيل إلى أن الطرفين المتصارعين يدركان أن لكليهما مشروعه الذي ينبغي أن يتحاشى الاصطدام بنقيضه الآخر. وبناء على ذلك، كانت إسرائيل تقرّ، في السرّ وعلناً، أن إيران دولة إقليمية كبرى، ولكن ينبغي لمشروعها ألّا يتجاوز أمريْن:

أولاً، امتلاك القوة العسكرية التي تمكّن مشروع إيران الانتقال من قوّة إقليمية كبرى إلى قوّة عالمية عظمى. ووفقاً لذلك، لم يكن لإسرائيل اعتراض كبير على تغوّل إيران على جيرانها العرب في المنطقة، وكذلك لم يكن لها أي احتجاج على تمدّدها في العراق وسورية، بل كانت تحتج حين يتجاوز هذا التمدّد خطوطاً متفقاً عليها. وغالباً ما تجسّد هذا الاحتجاج باستهداف مواقع تابعة لإيران في الجغرافيا السورية طوال السنوات الماضية، إلاً أن هذا الاستهداف يبقى محصوراً في حيّز “المخالفة” الصادرة من إيران وأذرعها، وقد جرى ضبط هذا النمط من التعامل عبر الوسيط الروسي، صاحب السطوة الكبرى على الأجواء السورية قبل سقوط بشار الأسد. … ثانياً، ألّا يمسّ مشروع طهران بمصالح إسرائيل أو يهدّد أمنها في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر.

مؤكّد أن “قواعد الاشتباك” التي جسّدت إطاراً للتعامل بين طهران وتل أبيب كانت محكومة بمعطيات ومصالح متبادلة، إلّا أنها لا تتصف بالديمومة المطلقة، وهذا ما جعلها عرضةً للتبدّل منذ عملية 7 أكتوبر (2023)، إذ أطاحت التداعيات المباشرة لتلك العملية عديداً من المحدّدات السابقة، ولم تعد مُقنعة لإسرائيل بإمكانية استمرار إدارة الصراع عبر الوكلاء، بل كان القرار الإسرائيلي صارماً باتجاه تحييد الوكلاء نهائياً، وهذا ما كانت ترجمته عبر عملية “البيجر”، ومن ثم الإجهاز على معظم قيادات حزب الله في لبنان، ثم سقوط نظام دمشق (8/12/2024)، وانكفاء الدور الروسي عن التأثير بسبب انشغاله في الحرب الأوكرانية، الأمر الذي جعل طهران تتجرّد من أذرعها في المنطقة، إلّا أن زوال الأذرع لم يكن مقنعاً للكيان الصهيوني الذي أراد تحويل الصراع إلى المواجهة المباشرة.

شهد شهر إبريل/ نيسان من العام الماضي (2024) هجوماً إسرائيلياً على إيران، ردّت الأخيرة بهجوم مماثل بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ولكن الرسائل المتبادلة آنذاك لم تكن مقنعة لأيٍّ من الطرفين، إذ أرادت إسرائيل أن تبلغ طهران آنذاك بضرورة الاعتراف بالواقع الجديد الذي يبدأ بتجريد إيران من أذرعها وفقدانها أوراق قوتها التقليدية، وعليها أن تقرّ بأن طموحها المتنامي لامتلاك القوة النووية لم يعد يملك مقوّماته السابقة. في حين أن إيران أرادت تجاهل هذا الأمر، لاعتقادها أن فقدانها تلك الأذرع لن يحول دون وصولها إلى إنتاج القوة النووية التي ستمكّنها من العبور إلى مرحلة التسيّد وشرعنة الهيمنة.

راهن كل طرف في الحرب التى انتهت فجر الثلاثاء الماضي على ما يملكه من وسائل قوّة. ووفقاً لذلك، يمكن التأكيد أن تفوّق إسرائيل من جهة سلاح الجو (طائرات، صواريخ، طائرات مسيّرة) وحرب إلكترونية وتشويش واختراقات استخباراتية، كان يجعلها أكثر قناعة باستمرار الحرب، ليس من أجل إضعاف موقف إيران التفاوضي فحسب، بل من أجل تجريدها من جميع وسائل القوة التي تشكل تهديداً لأمن إسرائيل (النووي، الصواريخ البالستية). فيما كانت إيران تراهن على ما تمتلكه من قوة صاروخية وصواريخ بالستية وفرط صوتية (قادر 110، خيبر شكن، فتاح1، سجّيل، خورا مشهر)، والتي تمكّن عدد منها من اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية الأكثر تطوّراً في العالم (القبة الحديدية، مقلاع داود، باتريوت، منظومة حيتس) مسببة أضراراً في المنشآت المدنية، وإصابات بشرية، بالإضافة إلى الطائرات المسيّرة التي طوّرتها لتصبح قادرة على الوصول إلى أهدافها في تل أبيب والقدس وبئر السبع، ومنها “شاهد131وشاهد 136وشاهد 149 وغزّة- أراش2″، ما يعني ازدياد الخسائر البشرية لدى إسرائيل، الأمر الذي يسهم في إضعاف موقف حكومة الكيان الصهيوني أمام الرأي العام الداخلي.

وفي سياق تلك السخونة العسكرية بين طهران وتل أبيب، بقيت عيون الجميع تراقب الموقف الأميركي، وواشنطن لا تختلف مع نتنياهو في ضرورة إجبار إيران على التخلّي عن أحلامها النووية.

————————————

الانحياز السوري المستحيل/ بشار نرش

27 يونيو 2025

وجد السوريون أنفسهم، في الأيام القليلة الماضية، وجهاً لوجه مع مشهد غير مألوف. إيران، التي تورّطت عميقاً في الدم السوري 14 عاماً من عمر الثورة السورية تتعرّض لضربات موجعة من إسرائيل، العدو التقليدي الذي لم يتوقف يوماً عن استباحة الأجواء السورية.

للوهلة الأولى، بدا المشهد كأنّه يفتح نافذة صغيرة للشماتة، أو لحظة ارتياح مؤجّلة، كأنّنا نشهد لحظة انتقام مؤجّلة نيابةً عن كل ما عانيناه من الخراب والدمار والتشريد، غير أنّ هذا الشعور سرعان ما بدأ يتآكل ويتراجع. كأنّ الارتياح نفسه يفقد معناه حين لا تجد من تشاركه إياه، أو حين لا تدري تماماً في أي صفٍّ تقف، فالمشهد، وإن بدا باعثاً على الرضا، كان في الحقيقة مشحوناً بالتناقض، ولا يخلو من الإحراج.

شهد السوريون الذين اعتادوا أن يكونوا ضحايا صامتين في مسرح الحروب، 12 يوماً، صراعاً عنيفاً بين قوتين مارستا عليهم صوراً مختلفة من القهر، من دون أن نكون هدفاً مباشراً له، رأوا من أذاقوهم الألم والضرر يتبادلون الضربات، ومع ذلك لم يسعهم الاحتفال، فالمشهد كان مشحوناً ومعقّداً، ولم يخلُ من التناقض، فإيران التي أرسلت مليشياتها لتقاتل دفاعاً عن نظام دمّر مُدنهم وقُراهم واستباح أعراضهم وأجرم في حق شعبه، وإسرائيل التي تعاملت مع سماء السوريين كأنّها حقل رماية بلا تكلفة وكرّرت قصفها الأراضي السورية وكأنّها أرض مستباحة، تصارعتا، ومع أنّ المشهد كان يفترض نوعاً من الرضا المشوب بمرارة الشماتة، إلا أنّه كان رضا ثقيلاً متردّداً لم يخلُ من الإحراج.

في مثل هذه اللحظات، يصبح الحياد صعباً، حتى في أكثر الأمور بساطة، كمشاهدة مباراة كرة قدم بين فريقيْن لا يعنيك أي فريق منهما، فجأةً تجد نفسك منحازاً إلى أحدهما. ولا يختلف الأمر في الحروب كثيراً، إذ يتضخّم هذا الميل ليأخذ طابعاً وجودياً: مع من نقف؟ ولماذا نشعر بما نشعر؟ فنحن لا نحتمل أن نكون مجرّد مراقبين، فالانحياز يمنحنا شعوراً بالدور، حتى لو كان وهمياً.

تدفعنا هذه الحاجة الملحّة لفهم مشاعرنا إلى بناء سرديات تبريرية، لا لتوضيح الموقف السياسي فقط، بل لفهم ذواتنا، ولأنّ مشاعرنا قد تكون محرجة أو غير مقبولة اجتماعياً، حاولنا أن نُلبسها لبوساً أكثر احتراماً، كأن يفرح السوريون لقصف إيران لأنّها أذاقتهم الويلات، ولقصف إسرائيل لأنّها عدو تحتل أرضهم وتنتهك سيادتهم. ربما يكون هذا صحيحاً، لكنّه لا يروي كل الحكاية، ففي أعماق السوريين ربّما فرحوا فقط لأنهم تعبوا من الخسارات المتكرّرة، وكانوا فقط بحاجة إلى لحظةٍ يروْن فيها من أذلّوهم وقتلوهم وشتتوهم يتألمون، حتى لو لم يكن السوريون أنفسهم من تسبّب بذلك، فأحياناً يكون الشعور بالعدالة مجرّد عزاء رمزي لا أكثر.

حتى هذه التبريرات لا تصمد طويلاً أمام الحقيقة المُرّة: لا يوجد اليوم مشروع وطني سوري مستقل يستطيع أن يحدّد من هو العدو ومن هو الحليف، أو يصوغ موقفاً جامعاً يُعبّر عن مشاعر السوريين الأخلاقية والوجودية، فإيران، التي دعمت بقاء نظام الأسد بالسلاح والمليشيات، لا يمكن الوثوق بها، وإسرائيل، التي تستثمر في الفوضى السورية لتحقيق تفوّقها الأمني لا يمكن الرهان عليها، وبين هذا وذاك، يغيب الصوت السوري المستقل، ويغيب معه المعنى.

سياسياً، يشير هذا الفراغ إلى عدم قدرة الإدارة السورية الجديدة، أقله حتى اللحظة، على إنتاج رؤية موحّدة لمستقبل البلاد، نابعة من الإرادة الشعبية، لا من الحسابات الإقليمية، فمع تحوّل الأرض السورية إلى ساحة صراع للآخرين، بات السوري محاصراً، لا يملك حتى ترف التعبير عن فرحه أو غضبه من دون أن يُتَّهم بالخيانة أو الجحود.

خلال 12 يوماً من الحرب الإسرائيلية الإيرانية، وجد السوريون أنفسهم في لحظة مسرحية كبرى، لم يملكوا فيها موقع البطولة، ولا حتى دور الكومبارس، بل مجرّد جمهور لا يستطيع مغادرة القاعة، ولا التأثير على النص. لم يستطيعوا أن يختاروا مع من يقفوا، لأنّ كل خيار بدا، في أحد وجوهه، خيانةً لجزء من ذاكرتهم، أو لجزء من مجتمعهم، أو تنازلاً عن قناعات لا تزال جراحها مفتوحة.

لهذا السبب، تبدو مشاعر السوري اليوم مربكة ومؤلمة ومتردّدة، هي مشاعر لا تُقال بسهولة، ولا تجد ترجمتها في لغة السياسة، فما بين عدوين لا يمكن الوثوق بأيّ منهما، نعود إلى المربع الأول: ماذا يعني أن نكون سوريين في عالم بات فيه الخصوم متشابهين في القسوة؟ ربما لهذا، تفرض هذه اللحظة أسئلة وجودية مؤجّلة: ما معنى أن نكون سوريين؟ كيف نبني مستقبلاً إن لم يستطيعوا بعد أن يعرّفوا حاضرهم؟ وهل يمكن للحياد أن يكون فضيلة، أم هو الوجه الآخر للعجز؟

قد لا تكون الإجابات قريبة، لكن وضوح السؤال هو البداية، وفي انتظار أن يُولد مشروع سوري يُعيد ترتيب المعاني والانتماءات، يبقى هذا الشعور الثقيل (بالغصّة والتردّد) أقرب ما يكون إلى الحقيقة.

العربي الجديد

—————————————-

إسرائيل وإيران وتصدّع «الحروب الوجوديّة»/ وسام سعادة

شكّل بنيامين نتنياهو، بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، عنواناً لدمج بين تصميمين استراتيجيين في إسرائيل: التصميم على تدمير أي قوة في الإقليم ترفع شعار القضاء على إسرائيل، والتصميم، في الوقت ذاته، على منع قيام دولة فلسطينية، أياً كانت صيغتها.

هذا التحول يشي بتعديل على ما كان يُشكّل جوهر خطّ «حيروت-الليكود» التاريخي قبل 7 أكتوبر.

صحيح أن نتنياهو عُرِفَ، منذ صعوده الأول إلى رئاسة الحكومة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، برفضه المبدئي لـ«حل الدولتين»، وتبرّمه العلني من اتفاق الحكم الذاتي الموقع مع منظمة التحرير في 1993. بل إنه، بعد أفول نجمه مؤقتاً داخل اليمين لصالح أرييل شارون مطلع الألفية، استعاد شرعيته الحزبية والأيديولوجية من خلال اتهامه شارون بالارتداد عن مبدأ «وحدة أرض إسرائيل»، وذلك في أعقاب قمع هذا الأخير للانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومن ثم تبنّيه خيار «فك الارتباط» مع قطاع غزة، بما شمل الانسحاب وتفكيك المستوطنات، وانشقاقه عن الليكود لتأسيس حزب «كاديما»، معلناً بوضوح أن «إسرائيل لا يمكنها أن تسيطر على الفلسطينيين إلى الأبد».

غير أن نتنياهو، وحتى السابع من أكتوبر، ظل يُراهن على إدارة الصراع لا على حله، سواء في السياق الفلسطيني أو الإقليمي الأوسع.

فقد اعتقد أن بوسعه الاستثمار إلى ما لا نهاية في وضعية فلسطينية انقسامية عصيّة على التجاوز: غزة تحت حكم «حماس» ومحاصَرة، مقابل سلطة حكم ذاتي ضعيفة ومنكمشة في الضفة الغربية. وقد عمد إلى هندسة دورات تصعيد تتبعها فترات تهدئة، موازياً ذلك بإعطاء الأولوية لفتح قنوات، ثم إبرام اتفاقيات تطبيع مع دول عربية غير مجاورة، كالمغرب والسودان ودول مجلس التعاون الخليجي.

استراتيجية نتنياهو كانت، حتى يوم الهجمات، تقوم على تحييد المسألة الفلسطينية وتجفيفها ببطء، من دون الذهاب إلى مواجهة اجتثاثية شاملة.

كانت استراتيجية متناغمة تماماً مع التصور الذي وضعه زئيف جابوتنسكي، رائد «الصهيونية التنقيحية»، في مقاله الشهير عن «الجدار الحديدي»، حيث كتب مطلع العشرينيات أن العرب لن يقبلوا طوعاً بقيام دولة يهودية، وبالتالي لا بد من بناء جدار حديدي من القوة يجعلهم ييأسون من المقاومة، وعندها فقط يمكن التفاوض.

وقد عمل نتنياهو على إقامة هذا الجدار، مستنداً إلى الجدار العازل باعتباره سجنًا جماعياً للفلسطينيين، وعبر تعميق انسداد الأفق والاستثمار في الجمود، ضمن إطار تطبيع إقليمي مشروط بوضع المسألة الفلسطينية بين مزدوجين.

احتاج حزب الليكود، بعد السابع من أكتوبر، إلى إعادة تأويل معنى «الجدار الحديدي». لم يعد مقبولا لديه ترك الجماعات التي ترفع، بشكل منهجي، شعار «تدمير إسرائيل» وشأنها، بانتظار أن تتجفف أو تذبل دوافعها واندفاعاتها من وراء الجدار.

في الأساس، لم يدعُ جابوتنسكي إلى «تدمير العدو»، بل إلى عزله وتركه يتحلل خلف الجدار. وكان له انتقاد لاذع لمرامي اليسار داخل الحركة الصهيونية، معتبرًا أنهم أضاعوا الوقت والجهد في محاولة تعديل نظرة العرب إلى المشروع، متعاملين معهم كأطفال، بينما المطلوب هو التعامل مع العرب ومع أعداء الفكرة الصهيونية باعتبارهم راشدين، وفرض الإرادة عليهم بالقوة، وترك عامل الزمن وحده كفيلابسحب فكرة تدمير هذا المشروع من أذهانهم.

لكن نتنياهو، بعد 7 أكتوبر، وجد نفسه مضطرًا إلى «تعديل جابوتنسكي»، فأعلن رفضه لاحتواء «أي تهديد وجودي يختبئ خلف حدودنا مترصدًا لحظة الانقضاض». اعتمد معياراً استئصالياً يؤدي الى حرب إقليمية شاملة، وإن تعددت جولاتها ولحظاتها وامتدت لسنوات: كل من يرفع، بشكل منهجي، شعار تدمير إسرائيل، اعتبر ضالعاً في المنظومة القيمية والعنفية التي أفضت إلى 7 أكتوبر، ويجب بالتالي ضرب كل أضلاع هذه المنظومة، أحيانًا بالتتابع وأحيانًا بالتزامن.

غير أن كلفة سحب شعار «تدمير إسرائيل» تباينت من ميدان إلى آخر. ففي غزة، اقترنت بحرب على السكان أنفسهم، اتخذت سمة إبادية مستمرة. أما في لبنان، فكانت حرباً تقويضية على حزب الله، استثمرت في الانقسام اللبناني الحاد حول الحزب وسلاحه وحروبه. وفي إيران، شنت الحرب المركزة على ضرب القدرات النووية الإيرانية وهو ما تحقق إلى حد كبير وعلى ترسانتها الباليستية، وهو ما يبدو أنه لم يحقق نتيجة حاسمة، بمثل ما جرى التركيز على إضعاف هيكل «الحرس الثوري». أما مسألة تغيير النظام «ككل»، فمرتبطة بالنسبة لإسرائيل بمعيار وحيد: إما أن يفكّ هذا النظام ارتباطه بما في ذلك العقائدي والدعائي بشعار تدمير إسرائيل، وإما أن الحرب عليه ستستمر «بعد الحرب».

المفارقة هنا مزدوجة. فمن جهة، استدعى تدمير منشآت فوردو ونطنز وأصفهان تدخلاً أمريكياً مباشراً، ثم استدعى هذا التدخل، بعد بضعة أيام، «تجميد الحرب» ووقفها، ما دامت قد تجاوزت «حدودها» وأخذت المواجهة «الجو-صاروخية» فيها منحى يتعارض، خصوصاً بعد الضربات الأمريكية، مع أولوية ترامب المُعلنة بعدم توريط مشاة البحرية الأمريكية مجدداً في نزاع لا طائل منه، واستنزافي للقوة العظمى.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الأسلوب غير المسبوق في إدارة النزاع التدخل النوعي السريع لتوجيه ضربة حاسمة، ثم تجميده مباشرة يدفع إيران إلى مغادرة عصر بأكمله من الشعارات الثورية، وعلى رأسها «الموت لأمريكا». ورغم استمرار النظام في تبنّي الموقف العقائدي الرافض لوجود إسرائيل، إلا أن ثمة ما تغيّر فعلياً في نظرته إلى الولايات المتحدة. بدلامن أن تفضي المشاركة الأمريكية، أولاً في التوطئة التضليلية للحرب الإسرائيلية على إيران، ثم في حسم مفصلها النووي عبر التدخل المباشر، إلى مزيد من الإدغام بين شعاري «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، فإنها تدفع اليوم في اتجاه فكّ الارتباط بينهما.

تجري إذاً، والحال هذه، عملية «إعادة توزيع» للعداء: إذ لم يعد للإيرانيين مصلحة في تصوير أمريكا وإسرائيل كجسم واحد لا ينفصل، وهذا من بعد حرب خاضتها كل من إسرائيل وأمريكا على إيران! لكن، ما تؤسسه أيام المواقعة الكبرى يتجاوز هذه العتبة: فتبنّي إسرائيل الليكودية لمنطق «الحرب الوجودية» بعد 7 أكتوبر، وذهابها الى الحرب الكلّية ضد إيران، يفتح أمام هذه الأخيرة، وللمرة الأولى بهذا القدر من الجلاء، باب مصلحة استراتيجية-ثقافية في النأي بنفسها عن منطق «الحرب الوجودية»، القائم على تقدير حتمية الإلغاء المتبادل: إما زوال إسرائيل إما سقوط النظام الإسلامي في طهران. دعك من كل مكابرة، لقد ظهر أن هناك فجوة بيّنة بين خوض إيران الحرب بشجاعة دفاعاً عن وجودها، وبين ربط استمرار النظام فيها بالعمل على «محو» إسرائيل من الوجود.

كاتب من لبنان

القدس العربي

————————————–

 اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل.. قبل نهاية 2025؟

السبت 2025/06/28

تتجه سوريا وإسرائيل إلى توقيع اتفاق سلام قبل نهاية العام الجاري 2025، يتضمن انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، حسبما ذكرت مصادر سورية “مطلعة” لإعلام عبري.

حديقة سلام

ونقلت قناة “آي 24 نيوز” العبرية عن المصادر، قولها إن “الاتفاق التاريخي من شأنه تطبيع العلاقات بشكل كامل” بين تل أبيب ودمشق، على أن تكون مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل، “حديقة سلام” بحسب وصف المصادر.

ويتضمن اتفاق التطبيع انسحاباً إسرائيلياً من المناطق السورية التي احتلها إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ديسمبر، بما في ذلك مرتفعات جبل الشيخ من الجانب السوري.

اتصالات مباشرة

وعلى حد زعم الإعلام العبري،  فإن المؤشرات تتزايد بشأن تطبيع محتمل بين سوريا وإسرائيل، واتصالات مباشرة تجري بين دمشق وتل أبيب.

والخميس، نقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤولين سوريين “كبار”، أن سوريا لا تستبعد سلاماً مع إسرائيل قبل نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن “حواراً مباشراً يومياً يجري مع إسرائيل في الأيام الأخيرة”.

وكشف رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، قبل أيام، عن وجود اتصالات مباشرة ومستمرة بين إسرائيل والحكومة السورية، مضيفاً أن الجانبين يناقشان إمكانية تطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب.

وقال هنغبي، خلال جلسة سرية للجنة الخارجية والدفاع في الكنيست الإسرائيلي، إنه يشرف شخصياً على التنسيق الأمني والسياسي مع دمشق، مضيفاً أن “الحوار مع سوريا لم يعد مقتصراً على قنوات خلفية أو وسطاء، بل أصبح تواصلاً مباشراً ويومياً، يشمل مختلف المستويات الحكومية”، بحسب صحيفة “إسرائيل اليوم”.

وتابع هنغبي: “أجري شخصياً هذه المحادثات مع ممثلين سياسيين عن الحكومة السورية، وهناك مصالح مشتركة كثيرة بيننا، خاصة فيما يتعلق بالوجود الإيراني في المنطقة”، لافتاً إلى أن سوريا ولبنان تُعتبران من الدول المرشحة لعقد اتفاقات تطبيع مع إسرائيل، على غرار “اتفاقيات أبراهام”، التي وُقّعت مع دول عربية أخرى.

شروط إسرائيلية

وأوضح وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر، أن بقاء إسرائيل في مرتفعات الجولان شرط أساسي للتطبيع مع سوريا. وأضاف لـ”آي نيوز 24″، أن اعتراف سوريا بسيادة إسرائيل على الجولان شرط لأي اتفاق مستقبلي مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

وقال: “إذا أُتيحت لإسرائيل فرصة التوصل إلى اتفاق سلام أو تطبيع مع سوريا، مع بقاء الجولان تحت سيادتنا، فهذا أمر إيجابي لمستقبل الإسرائيليين”.

وأمس الجمعة، كشف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، عن وجود “محادثات هادئة” بين دمشق وتل أبيب، تتناول كل القضاياس بين الجانبين.

وكان ترامب قد حثّ الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال اللقاء التاريخي الذي جمعهما في السعودية في أيار/مايو، على الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام” لتطبيع العلاقات السورية مع إسرائيل.

———————————–

 إسرائيل تشترط الاحتفاظ بالجولان للتطبيع مع سوريا

الشرع كان تحدث عن إجراء مفاوضات غير مباشرة لوقف اعتداءات إسرائيل

28 يونيو ,2025

أوضح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أن بقاء إسرائيل في مرتفعات الجولان شرط أساسي للتطبيع مع سوريا.

وأضاف ساعر، في حواره مع قناة “آي نيوز 24″، أن اعتراف سوريا بسيادة إسرائيل على الجولان شرط لأي اتفاق مستقبلي مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

وصرح: “إذا أُتيحت لإسرائيل فرصة التوصل إلى اتفاق سلام أو تطبيع مع سوريا، مع بقاء الجولان تحت سيادتنا، فهذا أمر إيجابي لمستقبل الإسرائيليين”.

ونقلت القناة الإسرائيلية، عن مصدر سوري مطلع، قوله سابقًا إن إسرائيل وسوريا ستوقعان اتفاقية سلام قبل نهاية عام 2025. وأشار إلى أن الاتفاقية تنص على انسحاب إسرائيل تدريجيًا من جميع الأراضي السورية التي احتلتها بعد التوغل في المنطقة العازلة في 8 ديسمبر 2024، بما في ذلك قمة جبل الشيخ.

وتزامنت تصريحات ساعر مع ما نقلته القناة نفسها عن مصدر سوري مطلع، توقع التوصل إلى اتفاق تطبيع كامل بين دمشق وتل أبيب قبل نهاية 2025. وأشار إلى أن المحادثات لا تزال جارية برعاية الرئيس الأميركي الحالي وتشجيع من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وطلب من الرئيس السوري أحمد الشرع.

ويتضمن الاتفاق، بحسب المصدر، انسحابًا تدريجيًا لإسرائيل من الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد دخول المنطقة العازلة في ديسمبر 2024، بما في ذلك قمة جبل الشيخ، على أن تُحوَّل مرتفعات الجولان إلى “حديقة للسلام”، من دون توضيح لمسألة السيادة النهائية.

وقبل يومين، صرح الرئيس السوري أن سلطات الإدارة السورية الجديدة تعمل على إيقاف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على المناطق الآمنة في محافظة القنيطرة جنوب غربي البلاد.

وأكد الشرع في بيان صادر عن مكتب الرئاسة، العمل على إيقاف “الاعتداءات الإسرائيلية عبر مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء دوليين”.

كما أشار البيان إلى أن الشرع التقى وجهاء وأعيان محافظة القنيطرة والجولان.

يشار إلى أن إسرائيل كانت شنت منذ ديسمبر 2024 وسقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، عشرات الغارات مستهدفة قواعد عسكرية جوية وبحرية وبرية للجيش السوري السابق.

كما توغلت قواتها في المنطقة العازلة، وتوسعت في مرتفعات الجولان المحتل وجبل الشيخ، ومناطق أخرى في الجنوب السوري.

——————————-

 هل تتجه سوريا نحو الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام؟/ محمود علوش

2025.06.28

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقاء أخير مع وفد من أهالي محافظة القنيطرة، عن مساعي حكومته لوقف الاعتداءات الإسرائيلية في جنوبي سوريا عبر حوار غير مباشر مع إسرائيل بوساطة دولية.

لم يكن هذا الإعلان الأول من نوعه، إذ سبق للشرع أن تحدّث عن محادثات مماثلة خلال زيارته إلى باريس. هذه المحادثات لا تقتصر على إيجاد ترتيب أمني يُلبّي المطالب الإسرائيلية في جنوبي سوريا، بل تمتد إلى قضايا أوسع، بما في ذلك إمكانية تطبيع العلاقات بين البلدين.

هذا التوجّه ليس مفاجئًا، إذ طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال لقاء تاريخي مع الشرع في الرياض، فكرة التطبيع مع إسرائيل، وفقًا لتقارير إعلامية أميركية. تُظهر الإدارة الأميركية اهتمامًا واضحًا بضمّ سوريا إلى اتفاقيات أبراهام، وهو هدف يسعى ترامب لتحقيقه خلال ولايته الثانية، بهدف إعادة تشكيل ديناميكيات الشرق الأوسط.

تأتي هذه التطورات في ظل بيئة سياسية جديدة تشهدها سوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، والاعتراف الأميركي بحكومة الشرع، إلى جانب رفع العقوبات الاقتصادية عن دمشق.

هذه العوامل، إلى جانب المحادثات غير المباشرة مع تل أبيب، تجعل فكرة التطبيع السوري-الإسرائيلي احتمالًا يتجاوز النقاش النظري.

ومع مراعاة الدوافع الجيوسياسية وراء الدعم الأميركي لحكومة الشرع، يبرز طموح ترامب لتحقيق اختراق تاريخي في الصراع العربي-الإسرائيلي من خلال توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام لتشمل دولًا عربية جديدة، مع ترشيح سوريا كطرف بارز في هذه العملية.

هذا الاهتمام لا ينبع بالضرورة من حماسة الشرع للتطبيع، بل من الضغوط الواقعية التي تواجه سوريا. فمن ناحية، يهدد النهج الإسرائيلي العدائي تجاه سوريا الجديدة جهود إعادة بناء الدولة، بل ويصل إلى حدّ تهديد وحدتها السياسية والجغرافية.

ويرى الشرع أن تعزيز العلاقات مع واشنطن قد يساعد في مواجهة هذا التحدي. ومن ناحية أخرى، فإن الانفتاح الأميركي على سوريا الجديدة مشروط، ويُعتقد أن التطبيع مع إسرائيل يمثل أحد هذه الشروط.

مع ذلك، يبقى السؤال الأكثر جوهرية: هل إسرائيل مستعدة فعليًا لتطبيع العلاقات مع سوريا؟ هذا التساؤل لا ينبع من الشك في رغبة تل أبيب في التطبيع، فمثل هذه الخطوة ستكون إنجازًا استراتيجيًا كبيرًا لها، بل يتعلق بالظروف التي يمكن أن تمهد لهذا التطبيع. وهنا تبرز ثلاث عقبات رئيسية:

    الأولى تتعلق بالأهداف الحقيقية لإسرائيل في سوريا. فعلى الرغم من تبرير إسرائيل لسياستها العدوانية بمخاوف أمنية، فإن احتلالها أراضٍ سورية جديدة بعد التحول السياسي، ودعوتها العلنية لتقسيم سوريا، يثيران تساؤلات حول نواياها. ويسود اعتقاد بأن إسرائيل قد ترى في سوريا المقسمة مصلحة أكبر من سوريا الموحّدة التي تُبرم معها اتفاق سلام.

    العقبة الثانية تتعلق بالمبادئ التي سيقوم عليها التطبيع، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الجزء المحتل من هضبة الجولان، والأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد التحول.

    أما العقبة الثالثة فتتمثّل في البيئة الإقليمية التي نشأت بعد حرب السابع من أكتوبر 2023، والتي تُشكّل تحديًا كبيرًا أمام طموحات ترامب لتوسيع اتفاقيات أبراهام.

فيما يخص العقبة الأولى، يلعب الانخراط الأميركي النشط في رعاية المحادثات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب دورًا في الضغط على استراتيجية إسرائيل تجاه سوريا. فقد بدأت إسرائيل تتعامل مع حكومة الشرع كواقع لا مفرّ منه، مع تراجع ملحوظ في نشاطها العدواني منذ الانفتاح الأمريكي على دمشق. وتعتمد استراتيجية المبعوث الأميركي إلى سوريا على ثلاثة مستويات:

    تجميد النشاط الإسرائيلي العدواني

    رعاية حوار غير مباشر للوصول إلى ترتيب أمني يُلبي المطالب الإسرائيلية في الجنوب

    تهيئة بيئة مناسبة لانضمام سوريا إلى اتفاقيات أبراهام

أما العقبة الثانية، المتعلقة بالجولان والأراضي المحتلة حديثًا، فهي الأكثر إشكالية. تسعى إسرائيل إلى اعتراف سوريا بسيادتها على الجزء المحتل من الجولان، وستحاول واشنطن إقناع الشرع بأن هذا الاعتراف سيقابله انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة بعد التحول، إلى جانب اتفاق سلام يُحدّ من التحركات الإسرائيلية العدوانية في المستقبل.

وتتمثل العقبة الثالثة في تداعيات حرب السابع من أكتوبر. فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا إن النصر على إيران سيفتح المجال لتوسيع اتفاقيات السلام بشكل هائل. الربط بين الحرب على إيران وتوسيع اتفاقيات السلام يبدو غامضًا في الظاهر، لكن الضربة الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية قد تُزيل هذا الغموض. أكّد ترامب أن الولايات المتحدة أنقذت إسرائيل في الحرب، كما تدخّل بشكل مفاجئ في قضية محاكمة نتنياهو قائلًا إن أميركا ستنقذه أيضًا. وتوقّع ترامب أن تنتهي حرب غزة خلال أسبوعين. لكن ترامب لا يُقدّم هذه الخدمات لنتنياهو دون مقابل. أكبر طموحاته في الشرق الأوسط هو توسيع اتفاقيات أبراهام، ومن أبرز العقبات التي تعترض هذا الطموح هي حالة إسرائيل بعد 7 أكتوبر، وليس إيران. وقد صُمّمت الحرب على إيران أميركيًا لإعادة إسرائيل إلى ما قبل 7 أكتوبر، من خلال منحها فرصة لضرب المنشآت النووية الإيرانية كهدية كبيرة.

في ضوء هذه التطورات، يصبح النقاش حول إمكانية التطبيع السوري-الإسرائيلي أكثر واقعية. لم يعد السؤال يتعلق بإمكانية التطبيع، بل بالمدة التي سيستغرقها تحقيقه.

تلفزيون سوريا

——————————-

 محاور الشر والصراع على الشرق الأوسط الجديد/ جمال الشوفي

2025.06.27

طوال سنوات الثورة السورية، تجنبت جميع الدول المتدخلة في الشأن السوري نشوب صراع مباشر إقليمي أو دولي فيما بينها. أما اليوم، فقد بات هذا الصراع أمرًا واقعًا، وأصبح انكفاء النظام الإيراني ونهايته هدفًا واقعيًا بعد سقوط مشروعه في سوريا.

وتشهد الساحة الإقليمية مقدمات صراع حاد بين قوتي الشر في المنطقة: إيران وإسرائيل، لتُتوَّج معادلة الصراع التي بدأت في أكتوبر 2023 بتقليم أذرع إيران في فلسطين ولبنان وسوريا، وصولًا إلى ضرورة منعها من امتلاك السلاح النووي، ودخولها النادي النووي العالمي بما يجعل منها قوة إقليمية تمتلك شروط الردع القصوى.

بعد عشرة أيام من الحرب الصاروخية الجوية بين مشروع الكيان الاستيطاني الإسرائيلي والهلال الفارسي، تدخل الولايات المتحدة الأميركية على الخط بضربات تُوصَف بالنوعية المركزة، استخدمت فيها قاذفاتها الاستراتيجية وأم قنابلها الفتاكة لضرب مولدات التخصيب النووي الإيراني. فهل ستتوقف عند هذه الحدود؟ أم ستتطور إلى اجتياحات برية أو تداخلات دولية متعددة الأطراف؟

الهدف المباشر من هذه الحرب هو منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، فإن نجحت الضربات العسكرية في ذلك، فقد تتوقف ريثما تدخل فرق الوكالة الدولية للتفتيش إلى المواقع السرية الإيرانية لتفكيك ترسانتها النووية. وبالضرورة، سنشهد جولات تفاوض قريبة بين الطرفين.

ولكن لدى إيران أوراق ضغط يمكن أن تستخدمها عسكريًا أو تفاوضيًا لتحسين نقاط قوتها والضغط المقابل، دون القبول بالاستسلام العسكري المباشر. فقد نشهد استخدام ورقة تهديد أمن الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز، وما ينتج عنه من تهديد لسوق الطاقة العالمي. وبما أن الولايات المتحدة وأوروبا تدركان هذا جيدًا، فستعملان أيضًا، إما على تيسير العملية التفاوضية، أو على تشديد الضربات العسكرية.

الصراع على الشرق الأوسط هو عنوان الحدث اليوم، ولن يتوقف إلا وفق خريطة دولية لإعادة ترتيب القوى الفاعلة فيه، سواء تركيا أو دول الخليج العربي، إضافة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وليس فقط، بل الصين الضالعة في معادلات الاقتصاد العالمي من خلال خط الحرير الدولي، ما يجعل المنطقة برمتها قيد احتمالات متعددة لا يمكن التنبؤ بطريقة نهايتها حتى اللحظة.

ثمة فرضية في هذا الصدد تتحدث عن أنه من غير الممكن التضحية بالنظام الإيراني كليًا، وهو الخادم المطواع للسياسات الأميركية والمستثمر فيها لاستنزاف الخليج العربي. وهنا، من المفيد العودة إلى مجريات الحدث الإيراني في المنطقة، الذي مثل تمدده وتحكمه في معظم دولها حتى عام 2025، وخاصة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وحتى في غزة في فلسطين. هذا التمدد أفصح عن رغبة إيرانية توسعية لما يسمى “الثورة الإسلامية الإيرانية”، الساعية إلى تصدير نموذجها “الثوروي” إلى دول الجوار والتحكم في قرارها السياسي والاقتصادي، تحت شعار تحرير القدس وفلسطين! في حين يُظهر السياق العام، بما لا يدع مجالًا للشك، أن إيران أسهمت في تدمير العديد من مدن المنطقة، ولم تسعَ للوصول إلى القدس، التي كانت على مقربة كيلومترات منها حتى ذلك التاريخ! وما تمددها في المنطقة سوى تَجلٍّ لحلم الإمبراطورية الفارسية، مستفيدة من التناقضات الدولية. فكان:

    تمددها في العراق تحت العين الأميركية مباشرة، خاصة منذ عام 2003.

    منذ 2013، ومع اتضاح تمدد الميليشيات الإيرانية في سوريا، عملت هذه الميليشيات على قتل الشعب السوري وتهجير حواضنه الداخلية، وإحداث تغيير ديموغرافي، وشيطنة العنف والعنف المضاد، بأبشع أشكال القتل الهمجي، وتأجيج الصراع الديني. وكانت النتيجة بتر الربيع العربي وقطعه في سوريا، وتحت العين الأميركية أيضًا.

    في نهاية عام 2013 وما تلاه، كان جلّ اهتمام الولايات المتحدة منصبًا على التفاوض حول ملفَّي الكيميائي السوري والنووي الإيراني، وهو ما تمكنت إيران من إدارته بما يخدم تثبيت حضورها على الساحة السورية ميدانيًا.

    منذ عام 2015، استفادت موسكو من الميليشيات الإيرانية في سوريا تحت غطائها الجوي، ما أتاح لإيران التمدد في غالبية الجغرافيا السورية.

    في عام 2023، وبعد المد والجزر في التفاوض على الملف النووي الإيراني، قايضت إيران الولايات المتحدة على عشرة مليارات دولار من الحصار الاقتصادي، مقابل الإفراج عن خمسة صحافيين أميركيين. وهو ما يوضح طبيعة الماراثون التفاوضي الذي تقوده إيران للضغط على دول العالم، بعد اتفاق القدس عام 2018 بين موسكو وواشنطن وتل أبيب، الذي أقر بضرورة إخراج أو تحجيم الدور الإيراني في المنطقة.

    لكن في يوم 8 كانون الأول 2024، ومع إعلان سقوط النظام السوري، أُعلن انتهاء المشروع الإيراني في سوريا، بعد أن تم تقليم أذرع إيران في المنطقة تدريجيًا، وانكفأت نسبيًا إلى الداخل الإيراني، وبات عليها الاستجابة لوقف مشروعها النووي، وهو ما لم تفعله، ويُعَد السبب الرئيسي لمجريات اليوم. في المقابل، بدأ مشروع الكيان الصهيوني بمحاولة التمدد والضغط على الحكومة السورية الوليدة لإعادة ترسيم اتفاقية 1974.

إن رؤية العلاقات الدولية على أنها علاقات عضوية إلى درجة “المصاهرة”، كما روجت لها مفاهيم الاشتراكية أو القومية التي سادت في القرن الماضي، أو كما في مفهوم “المؤامرة” الذي تقوده القوى الخفية العالمية كالماسونية على المنطقة، هي رؤية ضعيفة لفهم تبدلات المصالح الدولية. فالولايات المتحدة الأميركية، ومن خلفها إسرائيل، استفادت من الفورة الإيرانية في إفشال مشاريع الدول الوطنية في المنطقة، وإثارة النعرات الطائفية القاتلة. ولا يكفي إنهاء ملف إيران النووي لاستبعادها كمنافس، بل هو ضرورة لمنع فرض شروط قوة إقليمية على المنطقة. ما يظهر السياسة الدولية القائمة على إضعاف جميع دول المنطقة ومنع وجود قوى منافسة لإسرائيل فيها. وبالضرورة، تصبح قاعدة الاستفادة المؤقتة ثم الاستغناء الكلي عنوانًا للمصالح المتبدلة، التي تبيّن مدى اللعب بمصير شعوب المنطقة.

وإن كنا بصدد التركيز على مجريات المنطقة برمتها، وخاصة سوريا، فسنجد أن كلًا من إيران وإسرائيل كانا ولا يزالان مشروعين توسعيين لا يريدان لنا خيرًا. أما السيناريست العالمي الأميركي، والجيوبوليتيك الروسي والصيني، فهو الخلفية الدولية لإدارة هذا الصراع على الشرق الأوسط والاستثمار فيه. فيما على شعوب المنطقة، وخاصة في سوريا، أن تخرج من معادلات هذا الصراع العسكري، وتتخذ موقف الحياد منه جميعًا، وتتابع الاهتمام بالشأن السوري الداخلي، وبناء الدولة، والتمركز على الذات والهوية الوطنية. وأيضًا، الامتداد في العمق العربي، والبحث عن أقوى الصلات وأوثقها مع دول العالم العربي، وخاصة الخليج، والتوجه نحو تحقيق معادلات واتفاقات سلام مع دول الجوار جميعها، وتجنب الدخول في أي مواجهة عسكرية يمكن استثمارها في غير صالحها.

قد يشهد الشرق الأوسط ساحات متتابعة من الحروب الجزئية المحدودة النتيجة، على الحدود السورية العراقية مثلًا، وقد يتطور إلى حرب إقليمية واسعة إذا تم تهديد أمن الخليج. ولكن جميع هذه السيناريوهات لا تشير إلى نظرية المؤامرة الكاملة، أو الشراكة العضوية مقابل العداء الكلي، بقدر ما تشير إلى تبدّل الأدوار الوظيفية في طرق التحكم والسيطرة. والمؤكد اليوم أن الدور الوظيفي الإيراني أوشك على الانتهاء. وما على شعوب المنطقة، وخاصة في سوريا، إلا التمسك بمقومات المشروع الوطني، والخروج من التجاذبات الإقليمية والدولية، ودوائر الصراع الناشئة على أساسها، وأن يكون عنوان الحاضر والمستقبل هو: الاعتدال، والاستقرار، والسلام.

———————————

 هل يمكن لإسرائيل أن تكون القوة المهيمنة في المنطقة؟/ محمود سمير الرنتيسي

2025.06.29

بعد الجولة الأخيرة من المواجهة مع إيران، وتدمير دولة الاحتلال الإسرائيلي نسبةً كبيرةً من القدرات العسكرية الإيرانية، وقصف المنشآت النووية في نطنز وفوردو وأصفهان، واغتيال طبقة قيادية كاملة من النخبة العسكرية والأمنية في إيران، يسود شعور متزايد في أروقة صناعة القرار في دولة الاحتلال بأن الطريق نحو الهيمنة الإقليمية بات ممهَّدًا.

ويعزِّز هذا الشعور أن التفوق الملحوظ في المواجهة الأخيرة جاء بعد فرض تفوّق عسكري صهيوني في لبنان، وإضعاف حزب الله بدرجة كبيرة لم تمكّنه من إحداث أي ردّ فعل يُغيّر المعادلة حتى اللحظة، فضلًا عن الاعتداءات التي نفذتها إسرائيل جوًا وبرًا في سوريا. ولهذا، بدأ الحديث داخل إسرائيل عن الهيمنة الإقليمية يتزايد بصورة لافتة.

تعتقد إسرائيل أنها مهيمنة على المنطقة العربية منذ عقود، وعلى جميع جيرانها العرب. والآن، بعد الجولة الأخيرة من المواجهة مع إيران، ترى أنها كرّست تفوقًا عسكريًا عليها، وهي التي كانت تُعدّ التهديد الإقليمي الأبرز لإسرائيل منذ أكثر من أربعة عقود. فقد كانت إسرائيل ترى نفسها في حالة راحة إقليمية مع دول الجوار منذ عام 1979، تاريخ توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، إلا أن التهديد الإيراني ظلّ هاجسًا دائمًا لها. لذلك، تعتقد إسرائيل اليوم أن تراجع الخطر الإيراني إلى حدّ كبير يؤهلها لتكون القوة المهيمنة بلا منازع في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، هناك نقاط رئيسة تُبيّن صعوبة تحقق هذا الطموح، رغم حالة التفوق التي تتمتع بها إسرائيل حاليًا مقارنة بجوارها وعدد من دول المنطقة:

أولًا:

لقد حصلت إسرائيل على دعم مفتوح وغير مشروط من الولايات المتحدة الأميركية ومن عدد من الدول الغربية منذ عام 1948، وتلقّت دعمًا استخباراتيًا ضخمًا وتكنولوجيا عسكرية متقدمة مكّنتها من تحقيق هذا التفوق. غير أن هذا يؤكّد في الوقت ذاته مدى اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في أي خطوة تتعلق بمشروع الهيمنة الإقليمية.

ويُضاف إلى ذلك أن كثيرًا من دول المنطقة تعتمد بدورها على علاقتها مع الولايات المتحدة، ما يمنعها من اتخاذ أي موقف عدائي تجاه إسرائيل خوفًا من إغضاب الإدارة الأميركية. كما أن التدخل الأميركي في الشأن الإسرائيلي، لا سيما الداخلي، آخذٌ في التزايد، ويكفي أن نستذكر كيف أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه لن يسمح بمحاكمة صديقه بنيامين نتنياهو أمام القضاء الإسرائيلي في قضية فساد مستمرة منذ سنوات، رغم محاولات نتنياهو المستمرة للتهرب منها. وقد يبدو هذا تدخلاً في سبيل حماية شخصية سياسية، إلا أنه في جوهره يعكس عمق التدخل الأميركي في القرارين الداخلي والخارجي الإسرائيلي.

ثانيًا:

رغم ما سبق، هناك اعتقاد ما أن إسرائيل لم تستطع تحقيق أيٍّ من أهدافها المعلنة في قطاع غزة بعد أكثر من 620 يومًا من القتال ضد من تعتبرهم أضعف خصومها، وهي حركة حماس. كما أنها لم تتمكن من القضاء الكامل على حزب الله، ولا تزال جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن تطلق المسيَّرات والصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية. هذا فضلًا عن أن إيران، على الرغم من الضربات القاسية التي تعرّضت لها، لم تُظهر أي تراجع في دعمها لمحور المقاومة.

ثالثًا:

إن الناظر في الجغرافيا والديمغرافيا داخل فلسطين التاريخية، يدرك مدى صعوبة أن تصل إسرائيل إلى حالة “اللا تهديد” في محيطها وداخلها. فالتركيبة السكانية الفلسطينية المتنامية، ومعاداة الشعوب العربية الواسعة للاحتلال الإسرائيلي، تجعل من مهمة التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة أمرًا بالغ الصعوبة. إذ إن أي قوة مهيمنة لا بدّ أن تكون مطمئنة من الداخل، وخالية من التهديدات في جوارها، حتى تستطيع توسيع نفوذها الإقليمي بفاعلية.

رابعًا:

إن الصورة الوحشية والدموية التي التصقت بإسرائيل بفعل قتلها لعشرات الآلاف من النساء والأطفال في غزة، واستهدافها الصحفيين والمسعفين والمدنيين، أدت إلى نفور عالمي واسع منها. ولن تكفي سبعون سنة أخرى لمسح هذه الصورة من الوعي الجمعي العالمي. كما أن عملية 7 أكتوبر أعادت إسرائيل إلى حقيقتها كقوة احتلالية، بعدما حاولت تسويق نفسها كقوة “طبيعية” في المنطقة من خلال اتفاقيات التطبيع المعروفة باسم “اتفاقيات أبراهام” منذ عام 2018.

خامسًا:

لقد فشلت إسرائيل، منذ نشأتها عام 1948، في تصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الشعب الفلسطيني، رغم كل ما بذلته من حروب وسياسات عدوانية. وتجدد روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني بعد كل عدوان، يؤكّد أن هذه المعضلة ستبقى قائمة إلى أن ينتهي الاحتلال، ويُحقّق حلٌّ عادلٌ لقضية فلسطين.

سادسًا:

من أهم المعوقات أمام أي مشروع هيمنة إسرائيلية، أن تفوق دولة ما في منطقة مضطربة مثل الشرق الأوسط من شأنه أن يدفع دولًا أخرى إلى إعادة التوازن عبر تحالفات إقليمية مضادة. وربما نشهد في المستقبل تقاربًا استراتيجيًا بين دول مثل تركيا ومصر وبعض دول الخليج العربي، ما يعيد رسم خريطة المنطقة في شكل محاور جديدة، كما كان الحال في مراحل سابقة.

خلاصة القول

إن النظر إلى التاريخ، والجغرافيا، وتعريفات القوة المهيمنة، يجعل من الصعب تصوّر أن تصبح إسرائيل قوة مهيمنة في الشرق الأوسط. وقد تكون الجولة الأخيرة من المواجهة قد أغرت الإسرائيليين بالاعتقاد بأنهم دخلوا نادي القوى المهيمنة، لكنّ الآثار السياسية والاجتماعية والعسكرية لحرب طويلة مستمرة منذ عامين، لم تتضح بعد. وحين تتجلى هذه الآثار، ستكون النظرة الإسرائيلية أكثر تواضعًا، وأقرب إلى الواقع.

تلفزيون سوريا

——————————————

خيار شمشون” الإسرائيلي و”العتبة” الإيرانية.. مسار خمس دول إلى القنبلة النووية

2025.06.17

تقول وكالة الطاقة الذرية إن أهم المفاعلات النووية الإيرانية لم تتضرر بشكل لافت حتى الآن من الحملة الجوية الإسرائيلية التي بدأت أساساً لثني إيران عن إنتاج سلاح نووي، باعتباره تهديداً وجودياً لإسرائيل بحسب ادعائها. ويندرج تحت هذا الصراع تفاصيل كثيرة متشعبة، لكن العنوان الأساسي له هو سباق تسلح نووي في ظل تهديد وجودي مفترض، يتشابه إلى حد كبير مع مسار دول عدة حصلت على القنبلة النووية بعد مخاض طويل.

اختارت إسرائيل، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، سياسة “الغموض النووي”، رافضة الاعتراف رسمياً بامتلاكها للسلاح النووي، لكنها أبقت “خيار شمشون”، أي التلويح باستخدام الردع النووي كملاذ أخير في حال واجهت تهديداً وجودياً، وهو ملازم لها منذ لحظة نشأتها.

أما إيران فسارت في مسار مغاير، إذ استثمرت في تطوير برنامج نووي متقدم دون أن تتخذ الخطوة الأخيرة نحو إنتاج القنبلة فعلياً، محافظةً على ما يسمى بـ “العتبة النووية”. واختارت القيادة الإيرانية نهج المناورة بين دفع البرنامج إلى حدود الامتلاك الفعلي للسلاح، وبين تجنّب التصعيد الذي قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية شاملة أو عقوبات ساحقة. ويبرر النظام الإيراني استراتيجيته بحاجة أمنية أمام تهديدات مستمرة وتدخلات خارجية، مع التأكيد رسمياً على سلمية البرنامج. في الوقت ذاته، يستخدم ملف “العتبة النووية” كورقة ضغط إقليمية ودولية، في لعبة معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والرغبة في تثبيت مكانة إيران الإقليمية، والتي انتهت باعتداء إسرائيلي لم تتضح نتائجه بعد.

وحملت العملية منذ لحظتها الأولى ملامح عقيدة الردع القصوى التي لطالما اتبعتها إسرائيل، في محاولة جديدة لتكريس نفسها قوة نووية وحيدة في الشرق الأوسط وفرض معادلة “خيار شمشون” (نسبة للبطل التوراتي الذي انهار المعبد عليه وعلى أعدائه) مجدداً على الإقليم. وجاء ذلك امتداداً لسجلها في تنفيذ ضربات استباقية ضد برامج نووية اعتبرتها تهديداً وجودياً؛ فقد سبق أن دمرت المفاعل العراقي في عملية “أوبرا” عام 1981، وقصفت منشآت سورية عام 2007، ولعبت دوراً في تعطيل البرنامج الليبي في 2003.

وبعد خمسة أيام من الحرب، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الهجوم الإسرائيلي ألحق دماراً واسعاً بمحطة نطنز النووية، إذ يُحتمل أن نحو 15 ألف جهاز طرد مركزي دُمرت أو تعطلت جراء انقطاع الكهرباء عن المنشأة. كما تضررت منشآت أخرى في أصفهان، بينها مرافق معالجة وتحويل اليورانيوم، فيما لم تتأثر منشأة فوردو المحصنة تحت الجبل إلا بشكل محدود جداً. ورغم هذا الدمار، تبرز صعوبة قدرة إسرائيل على تدمير كامل البرنامج النووي الإيراني دون دعم أميركي مباشر، خاصة مع بقاء منشآت فوردو ومخزون اليورانيوم المخصب في مواقع محصنة تحت الأرض يصعب استهدافها بضربات تقليدية.

مسارات معقدة ومتشابهة

نستعرض كيف حصلت 5 دول خارج الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن على القنبلة النووية الأولى بعد ظهور تهديد خارجي لنظام الحكم أو الدولة، وكان السلاح النووي في معظم الحالات، وللمفارقة، ضامناً للاستقرار على حدود كادت أن تتحول إلى مناطق صراع تحصد آلاف القتلى، كما حصل بين الهند والصين، وباكستان والهند، والكوريتين الشمالية والجنوبية. ورغم ذلك، حاولت دول عظمى منع انتشار هذا السلاح وامتلاكه من قبل دول منافسة أو حتى صديقة.

على مدى العقود الماضية، تمكنت عدة دول من امتلاك قدرات نووية عسكرية منها كوريا الشمالية، باكستان، الهند، إسرائيل (رغم سياسة الغموض النووي وعدم الإعلان الرسمي)، وجنوب أفريقيا (قبل تخلّيها الطوعي عن برنامجها النووي)، بالإضافة إلى الحالة الخاصة لإيران. لكل من هذه الدول مسار سياسي وعسكري مميز سبق لحظة امتلاك (أو الاقتراب من امتلاك) السلاح النووي. تتضمن هذه المسارات أزمات أمنية وحروبًا ساهمت في تشكيل القرار النووي، وتبريرات رسمية أو ضمنية لتطوير القنبلة، وتفاعلات دولية بين ضغوط وعون خارجي، فضلاً عن تأثير تهديدات إقليمية وصراعات حدودية على تلك القرارات.

إسرائيل: غموض نووي و”خيار شمشون”

البدايات والسياق الأمني: تختلف الحالة الإسرائيلية عن غيرها كون إسرائيل اتبعت سياسة الغموض النووي دون إعلان رسمي عن امتلاكها للسلاح، رغم توفره بحوزتها منذ أواخر الستينات على الأرجح. بن غوريون أطلق المشروع النووي السرّي معتمدا على دعم خارجي حيوي. بحلول أواخر الخمسينات، حصلت إسرائيل على فرصة ذهبية عندما وافقت فرنسا (في إطار تفاهمات حرب السويس) على مساعدة إسرائيل في بناء مفاعل نووي في ديمونة بالنقب ومصنع لإعادة معالجة البلوتونيوم. ورغم أن الرئيس الفرنسي ديغول حاول مرتين وقف المشروع بين 1958 و1960، إلا أن المهندسين الفرنسيين بالتنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين استمروا سرا، حتى تم التوصل لحل وسط يقضي بانسحاب الحكومة الفرنسية رسميا مع بقاء عقود الشركات الخاصة قيد التنفيذ.

مع حلول أوائل الستينات، كان مفاعل ديمونة يعمل سرا. أثار اكتشاف الاستخبارات الأميركية للموقع (عبر صور جوية عام 1958) قلق واشنطن، فمارس الرئيس جون كينيدي ضغطا كبيرا على بن غوريون وخلفه ليفي أشكول لوقف مشروع القنبلة. وحتى 1969، أوفدت الولايات المتحدة فرق تفتيش إلى ديمونة، لكن الإسرائيليين تحايلوا على عمليات التفتيش، حيث أطلعوا المفتشين على أجزاء منتقاة وزيّفوا بعض المرافق لإخفاء النشاط العسكري. وقد تلاشت الضغوط الأميركية بعد اغتيال كينيدي، ومع نهاية 1966 كان لدى إسرائيل القدرة التقنية على تفجير جهاز نووي. يُعتقد أن إسرائيل امتلكت أولى القنابل عشية النكسة في 1967 أو بعدها بقليل. وأبلغ العالم الأميركي إدوارد تيلر (أبو القنبلة الهيدروجينية الأمريكية والذي زار إسرائيل عدة مرات كمستشار) وكالة المخابرات المركزية أن إسرائيل “ربما لديها القنبلة بالفعل”. ونقلت الـCIA المعلومة للرئيس ليندون جونسون، لكن الأخير اختار إبقاء الأمر سريا حتى عن وزيري خارجيته ودفاعه.

وفي 1968، كانت إسرائيل على وشك الحصول على طائرات فانتوم أميركية متطورة؛ حاول البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية ربط الصفقة بانضمام إسرائيل لمعاهدة عدم الانتشار وقبول التفتيش الشامل، غير أن السفير الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين استعان بنفوذ أصدقاء إسرائيل في واشنطن لإقناع الرئيس جونسون بالتراجع عن تلك الشروط. نجحت المساعي، فحصلت إسرائيل على الطائرات دون التزام نووي. وهكذا تشكل ما يُعرف بـالتفاهم الضمني بين إسرائيل والولايات المتحدة منذ 1969: تقبل واشنطن أمر واقع بامتلاك إسرائيل للقنبلة ما دامت الأخيرة لا تعلن ذلك ولا تختبره علنا.

على مدى السبعينات، استكملت إسرائيل بناء ترسانة صغيرة من القنابل. ويُرجح أنها أجرت اختبارا نوويا سريا (ربما بالتعاون مع جنوب أفريقيا) فيما عُرف بـ”حادثة الوميض المزدوج” عام 1979، رغم عدم تأكيد ذلك رسميا. كما تشير وثائق أفرج عنها في 2010 إلى لقاء سري عام 1975 بين وزير الدفاع الإسرائيلي شيمعون بيريز ووزير الدفاع الجنوب أفريقي بي. دبليو. بوتا، عُرض فيه بيع رؤوس نووية إسرائيلية مع صواريخ لجنوب أفريقيا. وعلى الرغم من التحفظ الإسرائيلي، فإن هذه الشواهد تدعم امتلاك إسرائيل قدرات نووية متقدمة منذ تلك الفترة.

الدعم والقيود:

كان حصول إسرائيل على التقنية النووية مرهونًا بدعم خارجي حاسم في الخمسينات والستينات. فبدون مساعدة فرنسا (تقنيًا وماديًا) ما كانت إسرائيل لتبني مفاعل ديمونة وتكتسب المعرفة اللازمة لإنتاج مادة انشطارية. كذلك لعبت الولايات المتحدة دورًا ملتبسا: فواشنطن عارضت بشدة سعي إسرائيل للقنبلة في عهد كينيدي وضغطت بتفتيشات دورية، لكنها بحلول أوائل السبعينات – في ظل الحرب الباردة ورغبة أميركية بعد 1967 في دعم إسرائيل كحليف إستراتيجي – غضّت الطرف عن البرنامج. منذ لقاء رئيسة الوزراء غولدا مائير والرئيس نيكسون عام 1969، يعتقد أنه تم التوصل لتفاهم بأن لا تسعى أمريكا لفتح ملف نووي إسرائيل علنًا ولا تعاقبها، مقابل أن تحافظ إسرائيل على سرية برنامجها ولا تقوم بتجربة نووية علنية قد تحرج واشنطن. هذا التفاهم صمد لعقود. على صعيد آخر، ورغم سخط العرب وإيران من الترسانة الإسرائيلية، لم تتمكن أي دولة من فرض تفتيش دولي عليها لأن إسرائيل لم تنضم قط لمعاهدة عدم الانتشار. حاولت بعض الدول العربية وإيران إبراز هذه الإزدواجية في المحافل الدولية – كيف يُغض الطرف عن إسرائيل فيما يُحاسب الآخرون – وأشاروا إلى صعوبة مطالبة دول المنطقة بالتخلي عن طموحات نووية طالما إسرائيل محتفظة بقنبلتها. لكن القوى الغربية ظلت تتفادى تناول ملف إسرائيل علنًا. ومن جهة موازية، كشفت تقارير عن تعاون نووي وعسكري سري بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا خلال السبعينات والثمانينات، شمل تبادل الخبرات وربما إجراء اختبار نووي مشترك عام 1979. كذلك استفادت إسرائيل من تسامح دولي تجاه ممارسات مثل حادثة اختطاف التقني موردخاي فعنونو عام 1986 – الذي سرب معلومات عن برنامج ديمونة – وإعادته قسرًا إلى إسرائيل حيث سجن لسنوات طويلة.

تأثير البيئة الإقليمية على البرنامج النووي الإسرائيلي:

عززت الظروف الإقليمية والسياسات العدوانية الإسرائيلية التوجه نحو امتلاك السلاح النووي، في ظل حالة العداء المستمر مع الدول العربية ومحاولات إسرائيل فرض وجودها بالقوة منذ النكبة عام 1948. شهد الفلسطينيون والعرب كيف استخدمت إسرائيل التفوق العسكري والدعم الغربي لفرض نفسها كدولة على حساب شعب فلسطين وأرضه، وتوسعت لاحقًا على حساب الجوار عبر الحروب المتكررة مع مصر وسوريا والأردن والعراق، مرورًا بعدوان 1956، ووصولًا إلى حرب 1967 التي انتهت باحتلال مزيد من الأراضي العربية.

لم يكن خيار التسلح النووي الإسرائيلي منعزلًا عن مناخ التصعيد في تلك الفترة؛ فإسرائيل استغلت مخاوفها من المحيط العربي، واستخدمت الخطاب العربي الداعي لتحرير فلسطين، مبررًا لتعزيز قدراتها العسكرية بشكل غير مسبوق. تعاملت إسرائيل مع نفسها كدولة معزولة في “بحر من الأعداء”، فعملت على بناء ما تسميه “الدرع الأخير” النووي لضمان أن أي محاولة جدية لإزالتها ستقود إلى دمار متبادل. وبرزت في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي فكرة “خيار شمشون”، المستلهمة من الرواية الدينية، والقائمة على التهديد بإسقاط الجميع في حال تعرض وجود إسرائيل للخطر.

هذا المنطق لعب دورًا في كبح خيارات بعض الجيوش العربية في الحروب الكبرى، كما في حرب تشرين 1973، إذ أصبح الرهان العربي على الحسم العسكري محفوفًا بعامل ردع نووي غير معلن. وعلى الرغم من تفوق إسرائيل العسكري التقليدي واستمرارها في امتلاك الدعم الغربي، ظل السلاح النووي عنصر توازن ورعب تلوح به إسرائيل ضد أي تغير في ميزان القوى الإقليمي.

إيران: البرنامج النووي “على العتبة”

خلفية البرنامج وأبرز الأزمات: بدأ السعي الإيراني للطاقة النووية في زمن الشاه محمد رضا بهلوي بدعم غربي في سبعينات القرن الماضي، وكان الشاه يطمح حينها إلى امتلاك خيار نووي عسكري أيضًا كجزء من رؤيته لجعل إيران قوة إقليمية عظمى. إلا أن الثورة الإسلامية عام 1979 أوقفت مؤقتًا معظم البرنامج النووي؛ إذ اعتبره آية الله الخميني في البداية مشروعًا “غير إسلامي” وتبدّد اهتمام النظام الجديد به خلال فورة الأحداث. لكن الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988) غيّرت كل الحسابات. خلال تلك الحرب الطويلة أدركت القيادة الإيرانية وبعدها أهمية وجود قوة ردع إستراتيجية تحول دون تكرار تجربة استفراد عدو قوي بها. مع نهاية الحرب التي أنهكت إيران، أُعيد إحياء الطموح النووي بشكل فعّال في عهد هاشمي رفسنجاني في أوائل التسعينات. وبالتوازي، بدأ الحرس الثوري وأنصار الخط المتشدد ينظرون إلى السلاح النووي كوسيلة لضمان أمن النظام ومكانة إيران الإقليمية، خاصة مع تزايد الوجود العسكري الأميركي في الخليج بعد حرب الكويت 1991.

منذ التسعينات واجهت إيران سلسلة أزمات أكدت مخاوفها الأمنية. فقد صنّفت الولايات المتحدة إيران ضمن “محور الشر” عام 2002 وهددت بتغيير نظامها بعد غزوها لأفغانستان والعراق. كما كثّفت إسرائيل العداء ضد إيران معتبرة برنامجها النووي تهديدًا وجوديًا، وبدأت بتنفيذ عمليات اغتيال لعلماء نوويين وتخريب منشآت (مثل هجوم فيروس Stuxnet الإلكتروني 2010). وفي هذا المناخ، كشفت جماعات معارضة إيرانية عام 2002 عن منشآت نووية سرية (كالمنشأة لتخصيب اليورانيوم في نطنز)، ما فتح فصلًا جديدًا من الأزمة النووية الإيرانية مع المجتمع الدولي. وجدت إيران نفسها تحت تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية ثم طائلة عقوبات مجلس الأمن بدءًا من 2006. لكنها سارت على حبل مشدود: فقد استمرت بتطوير قدراتها (أجهزة طرد مركزي، بناء مفاعل آراك للماء الثقيل، تخصيب اليورانيوم بنسب متصاعدة) مع تفادي اتخاذ خطوة تصنيع قنبلة فعلية التي قد تشعل حربًا وقائية ضدها. هذا النهج المزدوج – التقدم نحو العتبة النووية دون تجاوزها – تبلور خصوصًا بعد الغزو الأميركية  للعراق 2003. تُفيد تقارير استخباراتية غربية بأن طهران أوقفت برنامجًا لتصميم الأسلحة النووية العسكرية عام 2003 خوفًا من انكشافه، لكنها واصلت مسار التخصيب والتكنولوجيا الداعمة. وفي عام 2015 توصلت إيران لمفاوضات ناجحة مع مجموعة 5+1 أثمرت عن خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، التي قلّصت برنامجها مؤقتًا ورفعت عنها العقوبات. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 أعاد التوتر، وعادت إيران لزيادة أنشطة التخصيب بشكل كبير وإن ظلت تؤكد أن “برنامجها سلمي”.

ردود الفعل الدولية والإقليمية: أثار البرنامج النووي الإيراني أخطر مواجهة دبلوماسية في مجال عدم الانتشار منذ مطلع القرن الجديد. فالمجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فرض سلسلة عقوبات موجعة شملت حظرًا نفطيًا وعزلًا مصرفيًا قلّص اقتصاد إيران. كما صدرت ستة قرارات من مجلس الأمن تطالب إيران بوقف التخصيب بين 2006 و2010، وضعتها تحت البند السابع. إسرائيل بدورها لم تخفِ خيار العمل العسكري الوقائي ضد منشآت إيران (كما فعلت ضد العراق 1981 وسوريا 2007)، وكثّفت استخباراتها داخل إيران لتنفيذ عمليات تخريبية وتصفية علماء. في المقابل، حصلت إيران على بعض العون أو الحياد من قوى كبرى: روسيا أقامت مفاعل بوشهر المدني وسلّمت الوقود ودربت الكوادر (مع أن موسكو أيدت قرارات أممية ضد طهران بشكل معتدل)؛ الصين وفّرت لإيران دعمًا اقتصاديًا وواصلت شراء النفط الإيراني متحدية العقوبات جزئيًا. وعلى الجانب الآخر، وفّرت شبكة عبد القدير خان الباكستانية لإيران في منتصف الثمانينات تصاميم ومكونات أجهزة طرد مركزي (طراز P-1) والتي كانت النواة التي انطلق منها برنامج التخصيب الإيراني. كما يُعتقد أن كوريا الشمالية زودت إيران بخبرات صاروخية وتعاونت في تطوير صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية. لكن لم يثبت نقل معرفة مباشرة بصنع قنبلة من أي جهة لإيران، ما يعني أن الجهد الإيراني ذو طابع محلي بشكل أساسي وإن بُني على اقتباس تقنيات مستوردة في البداية.

إقليميًا، أثار تقدم إيران النووي سباق نفوذ إقليمي غير مباشر. فدول الخليج العربية (السعودية والإمارات خاصةً) ضغطت على واشنطن لكبح إيران، ملوحة بأنها قد تضطر هي الأخرى لامتلاك قدرات نووية إذا صار لإيران سلاح. إسرائيل اعتبرت أي اتفاق دولي يترك لإيران قدرات تخصيب “تهديدًا وجوديًا مؤجلًا”، وبالتالي اتفقت مع الدول العربية ضمنيًا على ضرورة عدم السماح لإيران بالحصول على قنبلة. أسست دول المنطقة تحالفات ضغط (مثل المنتدى الأمني الإقليمي) لمواجهة ما اعتبروه “التهديد النووي الإيراني”. أما تركيا فتحفظت لكنها أعلنت أنها لا تريد سباق تسلح بالمنطقة. عمومًا، أدت الأزمة الإيرانية إلى طرح مفهوم إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي في المحافل الدولية، غير أن إسرائيل (القوة النووية الفعلية الوحيدة) رفضت الانضمام لأي ترتيبات قبل تحقيق السلام. وبقيت المنطقة في حالة توتر إستراتيجي: إيران لم تحصل على السلاح لكن امتلاكها المعرفة والبنية التحتية المتقدمة أبقى جيرانها في حالة قلق دائم.

كوريا الشمالية: برنامج نووي تحت وطأة التهديد الوجودي

الأزمات الأمنية والدوافع: نشأ طموح كوريا الشمالية النووي في سياق شعورها المزمن بالتهديد الوجودي. بعد الحرب الكورية (1950–1953) وتقسيم شبه الجزيرة، تبنت بيونغيانغ نهجًا يهدف لتحقيق قدرات دفاعية قصوى. حاول النظام في مطلع الستينات الحصول على عون سوفييتي وصيني لبناء برنامج نووي عسكري، لكن موسكو وبكين رفضتا ذلك واكتفتا بالدعم في المجال النووي السلمي. مع نجاح الصين في اختبار قنبلة ذرية عام 1964، كررت كوريا الشمالية طلب الدعم من حلفائها الشيوعيين لتطوير سلاح نووي لكن قوبل الطلب بالرفض مجددًا. بناءً على ذلك، اتجه كيم إيل سونغ نحو بناء برنامج نووي محلي يعتمد على مفاعل يعمل بالغرافايت لإنتاج البلوتونيوم في يونغبيون نهاية السبعينات، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج. بحلول منتصف الثمانينات، كان مفاعل يونغبيون جاهزًا للعمل. في 1985، وافقت بيونغيانغ تحت ضغط موسكو على الانضمام لمعاهدة عدم الانتشار (NPT) مقابل حصولها على مفاعلات طاقة سوفييتية، لكنها ماطلت لاحقًا في تطبيق إجراءات التفتيش.

تفكك الاتحاد السوفييتي نهاية الحرب الباردة شكّل صدمة أمنية لكوريا الشمالية. فخلال 1990–1991 وجدت بيونغيانغ نفسها بلا حليف عظيم؛ لقد انهار الاتحاد السوفييتي وأقامت كل من روسيا والصين علاقات دبلوماسية مع كوريا الجنوبية، مما أشعر القيادة الكورية الشمالية بانكشاف أمني حاد. في تلك الفترة طالبت كوريا الشمالية بضمانات أمنية أمريكية وبرفع “التهديد النووي” الأمريكي من شبه الجزيرة كثمن للانصياع لنظام الضمانات الدولية. وبالفعل، سحبت الولايات المتحدة أسلحتها النووية التكتيكية من كوريا الجنوبية أواخر 1991، الأمر الذي رحبت به بيونغيانغ مبديةً استعدادها لتوقيع اتفاق الضمانات. تكلل ذلك بإبرام إعلان مشترك لنزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية (يناير 1992) حيث تعهد كل من الشمال والجنوب بعدم تطوير أسلحة نووية وبمنع عمليات التخصيب وإعادة المعالجة. لكن سرعان ما انقلبت الأجواء التفاؤلية مع انكشاف عدم شفافية كوريا الشمالية خلال عمليات تفتيش الوكالة الدولية في 1992–1993، حيث رُصدت مواقع سرية ومواد مفقودة أشارت إلى احتمال قيام بيونغيانغ بأنشطة نووية عسكرية مخفية. حين طالبت الوكالة بتفتيش خاص لمواقع مشبوهة، ردت بيونغيانغ في مارس 1993 بإعلان نيتها الانسحاب من معاهدة الـNPT، ما أشعل فتيل أول أزمة نووية خطيرة. تفاقم التوتر إلى حد وضع القوات الأمريكية والكورية الجنوبية في حالة تأهب وإجراء مناورات عسكرية، ورد الشمال بتحذير أن شبه الجزيرة “على شفا حرب”. رفضت الصين آنذاك تأييد فرض عقوبات أممية صارمة على حليفها الشمالي خوفًا من انهياره، بينما لوّحت واشنطن بالخيار العسكري إن فشل المسار الدبلوماسي. في النهاية نجحت وساطة دبلوماسية (قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر) بتهدئة الموقف، وتم إبرام اتفاق الإطار المتفق عليه Agreed Framework في أكتوبر 1994 الذي جمّد برنامج البلوتونيوم الكوري الشمالي مقابل مساعدات في مجال الطاقة وتطبيع العلاقات.

الدعم والضغوط الدولية: واجهت كوريا الشمالية خلال مسارها النووي ضغوطًا وعقوبات دولية متصاعدة. فبعد انكشاف برنامجها السري في مطلع التسعينات، فرضت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات اقتصادية وشكّلت إطارًا تفاوضيًا (المحادثات السداسية 2003–2009) لمحاولة تفكيك البرنامج. وعلى مدى السنوات، أصدر مجلس الأمن قرارات عقابية متتالية عقب كل تجربة صاروخية أو نووية (بدءًا من أول اختبار نووي عام 2006). ورغم علاقة الصين التاريخية مع بيونغيانغ، دعمت بكين بعض العقوبات المحدودة لكنها بقيت تتجنب أي ضغط يخاطر بانهيار النظام الكوري الشمالي نظرًا لقلقها من تداعيات ذلك (كأزمة لاجئين أو توسع النفوذ الأمريكي قرب حدودها). من جانب آخر، حصلت كوريا الشمالية على قدر من الدعم التقني غير المباشر؛ فقد كشف في أواخر التسعينات عن تعاون سري بين بيونغيانغ وشبكة عبد القدير خان الباكستانية لتهريب معدات وتقنيات تخصيب اليورانيوم. وتشير المصادر إلى أن كوريا الشمالية بدأت حوالي 1998 في تلقّي مساعدة من شبكة خان، مما مكّنها من تشغيل برنامج تخصيب موازٍ لبرنامج البلوتونيوم. إلى ذلك، استفادت كوريا الشمالية من علاقات تبادل مع دول أخرى (مثل تبادل تكنولوجيا الصواريخ مع باكستان مقابل تقنيات نووية). ورغم كل الضغوط، برهنت بيونغيانغ أنها قادرة على الصمود أمام العزلة؛ إذ نجح نظام كيم في امتصاص العقوبات الشديدة مستندًا إلى اقتصاد معسكر ومساعدات صينية، وواصل تطوير ترسانته حتى باتت الدولة النووية التاسعة في العالم بحكم الأمر الواقع.

باكستان: سباق نووي تحت شعار “لن تتكرر الهزيمة”

الأزمات والصدمات المؤدية للبرنامج: جاءت انطلاقة برنامج باكستان النووي كرد فعل مباشر لهزيمة باكستان المذلة في حرب عام 1971 التي انتهت بانفصال شرق باكستان (بنغلاديش). شكل سقوط نحو 90 ألف جندي باكستاني أسرى لدى الهند وضياع نصف البلاد صدمة كبرى للمؤسسة الباكستانية. في أعقاب تلك الحرب، تعهد رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو بألا تتكرر مثل هذه الهزيمة أبدًا، حتى لو اضطرت باكستان “أن تأكل العشب” في سبيل امتلاك القنبلة النووية. وبالفعل، أطلق بوتو عام 1972 مشروعًا سريًا لتطوير سلاح نووي، معتبرًا إياه “الضمانة المطلقة” لأمن بلاده حيال خصمها اللدود الهند. وجاء إجراء الهند تجربة نووية عام 1974 (أعلنت نيودلهي أنها “انفجار سلمي”) ليؤكد مخاوف باكستان ويدفعها لتسريع جهودها النووية. خلال أواخر السبعينات، تمكن العالم الباكستاني عبد القدير خان من تأمين تصاميم وتقنيات أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم بوسائل غير مشروعة (سرقة تقنية من أوروبا)، مما أعطى باكستان القدرة على بدء برنامج تخصيب محلي. بحلول منتصف الثمانينات يُعتقد أن باكستان وصلت مستوى إنتاج مادة انشطارية صالح لصنع أسلحة، وربما أنتجت قنبلتها الأولى سرًا في تلك الحقبة. لكن باكستان التزمت الغموض ولم تختبر أي جهاز نووي حتى عام 1998.

الأزمات العسكرية مع الهند وفرت السياق المباشر لاستمرار البرنامج. فبعد حرب عام 1971، شهدت العقود اللاحقة عدة حالات شبه صراع: أزمة مناورة “برازتاكس” عام 1987 حين حشدت الهند قواتها بشكل هدد باكستان، وأزمة إقليم كشمير عام 1990 التي بلغ فيها التوتر ذروته. يُعتقد أن باكستان خلال تلك الأزمات لوّحت بشكل خفي بقدرتها النووية الناشئة لردع الهند. وفي مايو 1998، عندما فجّرت الهند مجموعة من التجارب النووية معلنة نفسها قوة نووية رسمية، ردت باكستان بسرعة بإجراء تجارب نووية متتالية (خمسة تفجيرات في 28 مايو 1998) مؤكدة امتلاكها السلاح النووي. وهكذا أعلنت إسلام آباد نفسها قوة نووية حفاظًا على التوازن الإستراتيجي مع الهند ومنعًا لأي تفوق هندي حاسم.

التبريرات الرسمية وغير الرسمية: منذ البداية طرحت القيادة الباكستانية مشروع القنبلة في إطار قومي إسلامي تحت مسمى “القنبلة الإسلامية” أحيانًا، لكنها فعليًا كانت تراه سلاح بقاء في مواجهة الهند. صرّح المسؤولون مرارًا أن امتلاك الردع النووي هو الذي يحمي باكستان من جار أكبر حجمًا وأكثر تسليحًا سبق أن “عدوانيًا” تجاهها. وكما قال رئيس الوزراء عمران خان في تأبين عبد القدير خان عام 2021، فإن برنامج باكستان النووي “وفّر لنا الأمن في مواجهة جار نووي أكبر وأكثر عدوانية”. ضمنيًا، حمل البرنامج أيضًا بُعدًا نفسيًا يتعلق باستعادة الكرامة الوطنية بعد هزيمة 1971؛ فالقنبلة أصبحت رمزًا للعزّة الوطنية وللقدرة العلمية للدولة. يُشير المحللون إلى أن باكستان تبنّت شعار “لن نسمح بتكرار الهزيمة” لتسويغ أي ثمن اقتصادي أو اجتماعي يدفع مقابل القنبلة. وإلى جانب الأمن، اعتُبر السلاح النووي أداة لتوحيد الهوية الوطنية المتصدعة في باكستان (المنقسمة إثنيًا ومناطقيًا)، إذ منح المؤسسة العسكرية مزيدًا من النفوذ بوصفها حامي القوة النووية الإسلامية الأولى.

الدعم الدولي والضغوط: حظي برنامج باكستان النووي منذ بداياته بدعم ضمني أو صريح من بعض الدول، وفي الوقت نفسه واجه فترات من العقوبات والضغط. فعلى عكس الهند التي اعتمدت بدرجة كبيرة على قدراتها الذاتية، استفادت باكستان من دعم خارجي رئيسي من الصين في مرحلة حرجة من برنامجها. تشير تقارير إلى أن الصين قدمت لباكستان مساعدات تقنية ومادية، بما في ذلك تصاميم أسلحة نووية مجربة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. كما زوّدت الصين باكستان بتقنية صاروخية (مثل صواريخ “م-11”) ساعدت باكستان على تطوير وسائل إيصال لأسلحتها النووية. في المقابل، اتسم موقف الولايات المتحدة بازدواجية خلال الحرب الباردة؛ فواشنطن كانت على علم بنشاط باكستان النووي، لكنها غضّت الطرف في الثمانينات لأن باكستان كانت حليفًا محوريًا في دعم المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفييتي. خلال 10 سنوات من الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، كان الرؤساء الأمريكيون يُصدرون شهادات (مطابقة لقانون “تعديل برسيلر”) بأن باكستان لا تطور أسلحة نووية، لاستمرار تدفق المساعدات الأمريكية عبرها. لكن ما إن انسحبت القوات السوفييتية عام 1989 حتى غيرت واشنطن نهجها؛ ففي 1990 فرضت عقوبات قاسية على إسلام آباد بعدما بات من الواضح أنها تمتلك برنامجًا للأسلحة النووية. وفي عام 1992 أكد مسؤولون أمريكيون أن باكستان امتلكت بالفعل قدرة نووية، منهين عمليًا سنوات الإنكار.

بعد الاختبارات النووية في 1998، واجهت باكستان (كما الهند) موجة جديدة من العقوبات الاقتصادية الدولية وفقًا لتشريعات عدم الانتشار الأمريكية. أوقفت الولايات المتحدة واليابان ودول أخرى المساعدات والاستثمارات عن البلدين، وإن جرى رفع معظم تلك العقوبات عن باكستان بعد 11 سبتمبر 2001 حين عادت حليفًا مهمًا في “الحرب على الإرهاب”. تجدر الإشارة أيضًا إلى دور باكستان نفسه في شبكات الانتشار النووي الدولية: فبعد تطويرها للقنبلة، انخرط علماء باكستان (بقيادة عبد القدير خان) في نقل تقنيات أجهزة الطرد المركزي إلى دول أخرى مثل إيران وليبيا وكوريا الشمالية خلال التسعينات، مقابل مصالح مادية أو تكنولوجية. هذا الدور عرّض باكستان لانتقادات شديدة لكنه لم يؤثر جذريًا على مكانتها؛ إذ أصبحت إسلام آباد بحلول القرن الحادي والعشرين عضوًا معترفًا به ضمنيًا في النادي النووي، وتسعى بعض الأصوات لإدماجها “كدولة نووية طبيعية” رغم بقائها خارج معاهدة عدم الانتشار.

التهديدات الإقليمية ودورها: كان التهديد الهندي هو المحدّد الرئيس لكل حسابات باكستان النووية. فالهند، بسكانها وحجم جيشها واقتصادها الأكبر، كانت الخصم التقليدي منذ Partition عام 1947. خاض البلدان عدة حروب (1948، 1965، 1971) تكبّدت باكستان في الأخيرة هزيمة كارثية. بناءً عليه، نظرت إسلام آباد إلى القنبلة النووية كـ”موازن استراتيجي” يمنع الهند من التفكير في القضاء عليها عسكريًا. كما شعرت باكستان بالقلق من البرنامج النووي الهندي منذ بداياته، خاصة بعد التفجير النووي الهندي الأول عام 1974. وقد صرّح المسؤولون الباكستانيون أنهم سيكونون مستعدين للتخلي عن سلاحهم النووي فقط إذا تخلت الهند عنه أيضًا – في إشارة إلى أن السلاح موجّه بالأساس لردع الهند وليس لأطماع هجومية. كذلك أثّر العامل الصيني: فالهند لطالما بررت برامجها الصاروخية والنووية بالخطر الصيني، ما دفع باكستان للمسارعة في سد أي فجوة. وهكذا أصبح في جنوب آسيا معادلة ردع ثلاثية غير رسمية (الصين–الهند–باكستان)، حيث دعمت الصين باكستان لإبقاء الهند محاصرة إستراتيجيًا. ويمكن القول إن السلاح النووي أمّن لباكستان شعورًا بالأمان ضد أي حرب شاملة قد تشنها الهند، بدليل أنه حتى خلال نزاع كارغيل المحدود عام 1999، وظلّت الحرب دون التصعيد الشامل نظرًا لوجود الردع النووي لدى الطرفين.

الهند: تطلعات القوة العظمى أمام تهديد الصين

السياق السياسي-العسكري للبرنامج: رغم أن الهند كانت سباقة في آسيا إلى استغلال الطاقة النووية للأغراض السلمية (منذ الخمسينات)، إلا أنها تبنّت سياسة نووية مترددة فيما يخص السلاح خلال العقود الأولى من استقلالها. قاد جواهر لال نهرو – أول رئيس وزراء للهند – مشروعًا طموحًا للطاقة النووية المدنية واعتبر أن القوة الهندية العظمى يجب أن تتجلى أخلاقيًا بنبذ الأسلحة النووية. غير أن الهزيمة العسكرية المفاجئة أمام الصين في حرب حدودية عام 1962، ثم نجاح بكين في اختبار قنبلتها الذرية سنة 1964، دقّا ناقوس الخطر في نيودلهي. بدأت أصوات داخل النخبة الإستراتيجية الهندية (مثل العالم حومي بهابها وبعض السياسيين) تجادل بأنه لا يمكن الاعتماد على المثاليات وحدها، وأن الهند قد تحتاج الخيار النووي العسكري لحماية أمنها. توازى ذلك مع تصاعد الخصومة التقليدية مع باكستان، حيث خاضت الهند وباكستان حربين في 1965 و1971. خرجت الهند منتصرة في حرب عام 1971 وأصبحت القوة العسكرية المهيمنة في جنوب آسيا. وشعرت حكومة رئيسة الوزراء أنديرا غاندي في ذلك الحين بالثقة لإبراز قدراتها العلمية؛ فسمحت في 1974 بإجراء أول تفجير نووي هندي تحت اسم “بوذا المبتسم” مدعيةً أنه انفجار سلمي لأغراض مدنية. بالرغم من هذا الإعلان الملتبس، أثبتت تجربة 1974 أن الهند امتلكت قدرة تصنيع سلاح نووي ووفرت لها مخزونًا من البلوتونيوم يكفي لعشرات الرؤوس.

مع ذلك، امتنعت الهند عن إجراء اختبارات إضافية طوال 24 عامًا تالية، منتهجةً إستراتيجية “الخيار النووي المُؤجَّل”. خلال هذه الفترة، تذبذبت الحسابات الهندية بفعل عدة عوامل: فمن جهة، استمرت التحديات الأمنية من الجارتين الصين وباكستان، وتفاقمت في الثمانينات مع شروع باكستان سرًا في برنامج نووي بدعم صيني. ووجدت الهند نفسها بحلول أوائل الثمانينات تفقد تفوقها: فبعد أن كانت “القوة الإقليمية العظمى” عقب 1971، أدى تحالف الصين مع باكستان ودعم الولايات المتحدة للأخيرة خلال الغزو السوفييتي لأفغانستان إلى تراجع نسبي لمكانة الهند. شعرت نيودلهي أنها محاصرة إستراتيجيًا: الصين تساعد باكستان نوويًا، وواشنطن تتجاهل طموحات إسلام آباد النووية بسبب الحرب الباردة، مما جعل الهند ترى في الولايات المتحدة ذاتها خصمًا محتملاً آنذاك. حاولت الهند الرد عبر تعزيز تحالفها مع الاتحاد السوفييتي وزيادة الإنفاق العسكري بشكل ضخم في الثمانينات، لكن ذلك لم يبدد مخاوفها النووية. في الوقت ذاته، أثارت التطورات على صعيد النظام الدولي لعدم الانتشار قلق نيودلهي؛ فتمديد معاهدة عدم الانتشار إلى أجل غير مسمى عام 1995 ثم الدفع toward إقرار معاهدة الحظر الشامل للتجارب (CTBT) اعتبرتهما الهند خطوات ترسّخ “اللامساواة النووية” بين الدول وتجعلها دولة من الدرجة الثانية إذا استمرت دون سلاح. واعتبر الكثير من الهنود تلك المعاهدات “فخًا دوليًا” يهدف إلى منع الهند من تحقيق مكانتها المستحقة.

مع تغير المشهد السياسي الداخلي في الهند بوصول حكومة قومية هندوسية (حزب بهارتيا جاناتا BJP) إلى السلطة عام 1998، اتخذ القرار الحاسم بإجراء تفجيرات نووية كاملة في مايو 1998. بررت نيودلهي هذه الخطوة بأسباب أمنية مباشرة تتعلق “بالبيئة الإستراتيجية المتدهورة” – في إشارة إلى امتلاك الصين وباكستان أسلحة نووية وصواريخ قادرة على إصابة العمق الهندي. وأرسل رئيس الوزراء أتال بيهاري فاجبايي رسالة إلى قادة العالم (ضمنها الرئيس الأمريكي) يشرح فيها أن الهند وجدت نفسها مضطرة لحيازة الردع النووي بسبب التهديد الذي تشكله الصين نوويًا وبسبب العداء مع باكستان. وبهذا أعلنت الهند نفسها رسميًا دولة نووية، معتبرةً أن الاختبارات كانت لإثبات قدرتها على “تصميم أسلحة نووية ذات مردودات مختلفة ومنصات إيصال متنوعة”. عقب ذلك، التزمت الهند بمسؤولية عدم الاستخدام أولاً وعدم نقل التقانة النووية، وسعت إلى قبول دولي لوضعها الجديد.

جنوب أفريقيا: القنبلة في ظل نظام الفصل العنصري ثم التخلي الطوعي

السياق التاريخي للبرنامج: تُعد جنوب أفريقيا الحالة الفريدة التي قامت بتطوير أسلحة نووية ثم تخلّت عنها طواعية. بدأ برنامج بريتوريا النووي في ستينات القرن العشرين، مستفيدًا من وفرة اليورانيوم محليًا والتقدم التقني النسبي لديها. في البداية ركزت الأبحاث على استخدام المتفجرات النووية لأغراض مدنية مثل تفجير المناجم (مشروع PNE)، لكن مع تصاعد التوتر الإقليمي في السبعينات وتحول نظام الفصل العنصري إلى دولة منبوذة دوليًا، تحول البرنامج تدريجيًا نحو تصنيع أسلحة نووية فعلية. جاء ذلك على وقع أحداث رئيسية مثل استقلال المستعمرات البرتغالية في أفريقيا 1975 وصعود حكومات يسارية في أنغولا وموزمبيق المجاورتين بدعم كوبي/سوفييتي. واجه نظام الفصل العنصري الأبيض في جنوب أفريقيا آنذاك شبح تطويق شيوعي: قوات كوبانية وسوفييتية في أنغولا، تهديدات أمنية على حدود ناميبيا التي كانت تحت الإدارة الجنوب أفريقية، وضغط دولي متزايد لإنهاء الأبارتهايد. هذا المناخ الأمني دفع قادة جنوب أفريقيا العسكريين إلى النظر للسلاح النووي كـضمان لردع أي تدخل خارجي أو غزو محتمل لقوات معادية.

بحلول أواخر السبعينات، كانت جنوب أفريقيا قد أنشأت موقع اختبار نووي في صحراء كالاهاري. وفي عام 1977 التقطت أقمار اصطناعية سوفييتية دلائل على تحضيرات لاختبار نووي هناك، فمارست موسكو وواشنطن معًا ضغطًا دبلوماسيًا على بريتوريا لتعليق أي تجربة. تشير المعلومات المتاحة إلى أن جنوب أفريقيا تبنّت إستراتيجية تدريجية لردع الخصوم سُميت “خيار التفجير المُعلن تدريجيًا”. تضمنت هذه الإستراتيجية ثلاث مراحل متصاعدة: أولاً الإبقاء على الغموض المتعمد (“عدم التأكيد ولا النفي” لحيازة القنبلة) – أي خلق حالة شك لدى العدو بشأن القدرات. ثانيًا، في حال تعرض النظام لخطر عسكري جسيم (مثل اجتياح قوات كوبية/سوفييتية للحدود)، يتم الإفصاح السرّي للقوى الغربية الكبرى (أمريكا بالذات) عن امتلاك جنوب أفريقيا لأسلحة نووية، في مسعى لاستدراج دعم تلك القوى أو دفعها للضغط على العدو. وإذا فشل ذلك، تنتقل الخطة إلى إجراء اختبار نووي تحت الأرض بشكل استعراضي لإثبات القدرة بشكل لا لبس فيه. وأخيرًا، إذا استمر التهديد الوجودي، يتم التهديد العلني باستخدام السلاح أو حتى استخدامه ميدانيًا كخيار أخير. هذه الإستراتيجية السرية أقرّها رسميًا وزير الدفاع ماغنوس مالان عام 1986 تحت مسمى “خطة كرامات”. وضمن هذا التصور، صنعت جنوب أفريقيا ست قنابل نووية من نوع المدفع (يورانيوم عالي التخصيب) خلال الثمانينات وخزّنتها “على الرف” بانتظار الحاجة. لم يكن مخططًا استخدام هذه القنابل في ساحات القتال الأفريقية فعليًا، بل لتكون ورقة مساومة كبرى – “القنبلة في القبو” – بهدف منع “سقوط بريتوريا” إن جاز التعبير.

جنوب أفريقيا طوّرت برنامجًا نوويًا سريًا في ظل نظام الأبارتهايد بدافع الخوف من تهديدات خارجية، خصوصًا التدخل السوفييتي عبر أنغولا، ولتعويض العزلة الدولية المفروضة عليها بسبب سياساتها العنصرية. هدفت القنبلة إلى ردع الغزو المحتمل أو دفع الغرب للتدخل لحمايتها كحليف مناهض للشيوعية. كما أرادت بريتوريا أن يمنحها السلاح النووي مكانة استراتيجية تفرض على العالم التعامل معها رغم نبذ نظامها.

مع نهاية الحرب الباردة وتراجع التهديدات الأمنية، قررت القيادة السياسية بقيادة دي كليرك وقف البرنامج وتفكيك الترسانة النووية قبل انتقال الحكم للأغلبية السوداء. في 1993، أعلنت جنوب أفريقيا رسميًا عن برنامجها النووي السابق، مؤكدة تدمير 6 قنابل طوعًا والانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار.

تلقت جنوب أفريقيا دعمًا نوويًا محدودًا من الولايات المتحدة وألمانيا، لكن أبرز شريك لها كان إسرائيل، التي يُعتقد أنها ساعدت في تطوير الصواريخ وربما شاركت في اختبار نووي. واجهت بريتوريا عقوبات دولية ورفضًا واسعًا لسعيها النووي، ما جعل البرنامج عبئًا سياسيًا واقتصاديًا في نهاية المطاف.

التهديدات الإقليمية تمثلت في تصاعد النفوذ السوفييتي بأنغولا وموزمبيق، واحتمال اجتياح مدعوم من كوبا أو موسكو، ما دفع جنوب أفريقيا لامتلاك سلاح ردع نووي. ومع تفكك التهديدات ونهاية نظام الأبارتهايد، تحوّلت البلاد إلى داعية لنزع السلاح النووي، وشاركت في إنشاء معاهدة بليندابا لجعل أفريقيا منطقة خالية من الأسلحة النووية.

 تلفزيون سوريا

 —————————–

حكومة الشرع ومستقبل مسار التطبيع مع اسرائيل/ صادق الطائي

منذ سقوط نظام بشار الأسد، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة غير مسبوقة، فقد تمكنت قوى المعارضة الجهادية بقيادة «هيئة تحرير الشام» من فرض سيطرتها على دمشق، وأُعلن عن تشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع القيادي البارز في الهيئة. هذا التحول العميق فتح أبواب تساؤلات عديدة، أبرزها: هل تسير سوريا الجديدة نحو تطبيع محتمل مع إسرائيل تحت ضغط أمريكي؟ وما هي فرص وحدود هذا المسار في ظل الخلفية العقائدية للإدارة الجديدة؟

من اللحظة الأولى، كان واضحا أن المجتمع الدولي، وتحديدا الولايات المتحدة، لن يعترف بالحكم الجديد في سوريا دون شروط سياسية واضحة، على رأسها: محاربة الإرهاب وفك الارتباط بتنظيم «القاعدة»، وحماية الأقليات وضمان الحقوق المدنية والدستورية. والاستعداد للدخول في تسوية إقليمية تشمل ملف إسرائيل.

في هذا السياق، لا ينفصل التطبيع مع إسرائيل عن مشروع إعادة تأهيل النظام الجديد دبلوماسيا واقتصاديا، فمن وجهة نظر واشنطن، أن أي حكومة سورية – مهما كان ماضيها – يمكن أن تُقبل في المجتمع الدولي، إذا قدّمت ضمانات أمنية لإسرائيل، وابتعدت عن مشاريع العداء الأيديولوجي. وفي هذا المضمار كتب لازار بيرمان في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» يوم الاثنين 30 يونيو، أن مسؤولا إسرائيليا رفيعا قال؛ إن إسرائيل وسوريا تجريان «محادثات متقدمة» بشأن اتفاق ثنائي لوقف الأعمال العدائية بين البلدين. وتركّز هذه الاتصالات على التنسيق في المسائل الأمنية، وفقا للمسؤول، الذي رفض التكهّن بموعد إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام كامل بين الدولتين. وقال المسؤول: «هل يمكن أن يتطور الأمر إلى شيء يتجاوز الترتيبات الأمنية سنرى؟ حتى الآن، لا يوجد شيء ملموس». وأضاف: «هناك بالتأكيد طموح لتوسيع اتفاقيات إبراهام، وليس سرا أننا نريد أن نرى سوريا ضمنها، وربما تكون هناك فرصة».

ظلت سوريا وإسرائيل، على طرفي نقيض في صراعات الشرق الأوسط لعقود، بما في ذلك مواجهات ومعارك ضارية منذ حرب عام 1948 وحتى حرب لبنان الأولى عام 1982. وبعد أن فرّ الرئيس السوري السابق بشار الاسد في ديسمبر 2024 حرص الحكام (الإسلاميون) الجدد في دمشق، على الظهور بمظهر معتدل أمام الغرب. لكن رد فعل إسرائيل في بداية التغيير في سوريا كان متحفزا، إذ وصفت الحكام الجدد في سوريا بأنهم (إرهابيون) بسبب ارتباطهم السابق بـ»القاعدة»، وشنت حملة جوية شرسة ضد ما قالت إنه أهداف عسكرية. لكن ما لبثت الأعمال العدائية أن خفت منذ منتصف مايو السابق، عندما رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العقوبات عن سوريا، والتقى الرئيس أحمد الشرع في الرياض، في خطوة أنهت عقودا من سياسة واشنطن العدائية والمتعنتة تجاه دمشق. وحسب دبلوماسي أوروبي، صرح بأن مسؤولين سوريين كانوا قد أرسلوا إشارات للتفاوض مع إسرائيل في أبريل الماضي، عبر عدة دول أوروبية، بما في ذلك سويسرا، لكن الولايات المتحدة تولت زمام الوساطة، لذلك يمكننا أن نلاحظ أن حكومة نتنياهو في البداية تبنت موقفا عدائيا تجاه النظام السوري الجديد، لكن في الأسابيع الأخيرة تغيّر الخطاب في ظل الجهود الأمريكية، لإبرام اتفاق بين البلدين.

ويقود مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي المفاوضات عن الجانب الإسرائيلي، وقد أكد الأسبوع الماضي أن إسرائيل والنظام السوري على تواصل مباشر يومي، ويناقشان مسارات التطبيع المقبلة بين البلدين. وفي مؤتمر صحافي يوم الاثنين 30 يونيو، قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، إنه في أي اتفاق سلام محتمل مع سوريا «ستبقى هضبة الجولان جزءا من دولة إسرائيل». وكانت إسرائيل قد احتلت هضبة الجولان الاستراتيجية في عام 1967 وأصدرت قانونا بضمها فعليا عام 1981. وإبان ولايته الرئاسية الأولى بارك هذا الضم واعترف به رسميا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد ذكرت قناة (LBCI) اللبنانية، أن سوريا الشرع لا تطالب بعودة الجولان في أي اتفاق محتمل، وإنما تسعى للاعتراف الإسرائيلي بالنظام الجديد، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب السوري، وترتيبات أمنية محددة، وإن كل ذلك يتم بدعم أمريكي، لم تتضح تفاصيله الكاملة بعد. من جانبه أكد مسؤول سوري لتلفزيون (كان) الإسرائيلي، أن قضية الجولان «لم تُطرح بعد على طاولة المفاوضات»، موضحا أن الشاغل الرئيسي الآن هو انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة العازلة في الجنوب. وأضاف: «الاتصال بين إسرائيل وسوريا قد يكون ذا مغزى كبير، والحكومة الحالية في دمشق تعارض إيران ووكلاءها: حزب الله وحماس». وهنا يجب أن نسلط الضوء على الدور التركي والدور الخليجي، في معادلة التطبيع المقبلة، فيمكننا القول إن تركيا، التي كانت الداعم الأكبر لفصائل المعارضة السورية، تحتفظ بعلاقات معقدة مع «هيئة تحرير الشام»، رغم تصنيف الأخيرة كجماعة إرهابية. لكنها، في السنوات الأخيرة، لعبت دورا محوريا في احتواء هذه الهيئة، وتحويلها من قوة صِدامية إلى كيان أكثر انضباطا، خاصة في إدلب. ومع صعود نجم حكومة أحمد الشرع، بات من المرجّح أن تقوم تركيا بدور الوسيط في عدة اتجاهات، أهمها الوساطة الأمنية بين سوريا الجديدة وإسرائيل عبر قنوات غير رسمية لضمان الهدوء على الحدود الجنوبية، وضبط أي نشاط يُعد تهديدا لسوريا الشرع. كذلك يمكن لتركيا أن تلعب دور الراعية للتفاهمات الدولية حول إعادة الإعمار، باستخدام نفوذها لدى واشنطن وأوروبا، حيث يمكن لأنقرة أن تقدم نفسها كضامن لتحوّل هيئة تحرير الشام من «جهادية إلى إسلام سياسي براغماتي شبيه بتجربة طالبان، أو حماس في مراحل معينة. ومع ذلك، ستحرص تركيا على ألّا يتم التطبيع بشكل يُضعف أوراقها الإقليمية، خاصة أن علاقتها بإسرائيل في تحسّن تدريجي بعد سنوات من القطيعة.

أما الدور الخليجي في مسار التطبيع بين دمشق وتل أبيب، فقد بدا وكأنه يراوح بين الواقعية الإماراتية والحذر السعودي. فالإمارات تمثل نموذجا لاستراتيجية «التطبيع مقابل النفوذ»، كما فعلت مع إسرائيل منذ 2020. وفي حال رأت أبوظبي فرصة لدمج سوريا في الترتيب الإقليمي الجديد، فقد تدعم مشاريع اقتصادية مشتركة في الجنوب السوري، بشراكة إسرائيلية، لتشجيع الاستقرار. وتستخدم نفوذها المالي للضغط على حكومة الشرع لتقديم تنازلات واقعية، بما فيها التخلي عن الخطاب العدائي لإسرائيل. أما الرياض فتبدو أكثر حذرا، خاصة بسبب حساسية الملف الإسلامي السلفي، وجذور هيئة تحرير الشام، لكنها إن رأت أن حكومة الشرع قادرة على توفير بيئة مستقرة خالية من النفوذ الإيراني، فقد تدعمها «ضمنيا» بشرط وجود مظلة عربية وازنة. ومع تحوّل سياستها الخارجية إلى نهج الدبلوماسية الوقائية، فإن الرياض قد تبارك التطبيع إن كان يضمن مصالح الأمن الإقليمي.

وتظل العلاقة بين سوريا الشرع وإسرائيل مرهونة بجملة عوامل إقليمية معقدة. ورغم الخلفية الأيديولوجية للحكومة الجديدة في دمشق، فإن ضغوط الواقع السياسي، والرغبة في النجاة من العزلة، والوسطاء الإقليميين النشيطين، قد تفتح الباب لتفاهمات غير تقليدية، تبدأ من بوابة الأمن والاقتصاد لا السياسة. عند تقاطع المصالح التركية والخليجية والإسرائيلية، قد تُعاد صياغة «التطبيع» في سوريا، لكن بلغة تختلف تماما عن اتفاقيات إبراهام، وربما تحت تسميات أخرى. ورغم التناقض الظاهري بين أيديولوجيا «هيئة تحرير الشام» الجهادية السلفية ومفهوم التطبيع مع إسرائيل، إلا أن السياسة في الشرق الأوسط لا تعرف الثوابت الصلبة. وإن الضغوط الأمريكية والإقليمية، قد تدفع حكومة أحمد الشرع إلى تبني سياسات مرنة وتفاهمات ضمنية تضمن لها البقاء والشرعية، ولو دون اعتراف رسمي بإسرائيل. وبين البراغماتية الدينية والحسابات الجيوسياسية، سيكون شكل العلاقة بين سوريا الجديدة وإسرائيل جزءا من ترتيبات إقليمية أوسع تتجاوز الأسماء والرايات.

كاتب عراقي

القدس العربي

——————————

«وثيقة عهد» لأبناء الجولان المحتل تشدد على «السلام مقابل الأرض»/ موفق محمد

انطلاق حراك مدني وسياسي بعد سقوط الأسد وفي ظل مفاوضات محتملة مع الجانب الإسرائيلي

8 يوليو 2025 م

فتح التغيير السياسي داخل سوريا مع سقوط نظام الأسد وتسلم إدارة جديدة بقيادة أحمد الشرع، الباب واسعاً أمام أبناء الجولان السوري المحتل من قِبل إسرائيل منذ عقود، للقيام بحراك مدني مجتمعي علني تطور لاحقاً إلى حراك سياسي، مع توارد الأنباء عن أن الفترة القادمة ستشهد اتفاق سلام بين دمشق وتل أبيب.

وطوال حكم آل الأسد الذي امتد من عام 1970 حتى الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان محظوراً على أبناء الهضبة الذين نزح أغلبيتهم الساحقة إلى المحافظات السورية إثر حرب يونيو (حزيران) 1967، النشاطات المدنية والسياسية، وقد عانوا التهميش الخدمي والسياسي. لكن الأشهر الثمانية الأخيرة من سوريا الجديدة، شهدت ولادة تجمعات وملتقيات تضم الآلاف من أبناء الهضبة المحتلة.

وأثمر الحراك الحالي تشكيل «التجمع المدني لأبناء الجولان»، أعلن عنه بعد أسابيع من إطاحة نظام بشار الأسد، ويضم أكثر من 700 عضو، مستغلين مناخ الحرية الذي ساد في ظل الدولة الجديدة.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، لفت رئيس اللجنة التنفيذية في التجمع، أحمد رويان، إلى أنه في ظل حساسية المرحلة، حيث يجرى الحديث عن أن سوريا وإسرائيل مقبلتان على مفاوضات وتفاهمات بشأن الجولان، «رأينا أنه من الضروري رفع صوتنا والمطالبة بحقوق أبناء الجولان المشروعة في استعادة أرضهم المحتلة، وحقوقهم أيضاً بصفتنا نازحين في المحافظات السورية».

تجدر الإشارة إلى أن التجمع يضم مجموعة من النخب والكفاءات من أبناء الجولان من مختلف المكونات، عرب، شركس، تركمان، مسلمين مسيحيين، دروز. ويقول رويان إنه لا إحصاءات رسمية لعدد أبناء الجولان حالياً، ولكن إحصاءات غير رسمية تقدر عددهم بمليون و600 ألف نسمة، «بينما تقديراتنا هي مليون و250 ألف نسمة»، بحسب الرويان.

وإذ أوضح رويان، أن هناك «تواصلاً مستمراً مع الحكومة السورية»، أكد أن التجمع «بصدد استكمال أوراق ترخيصه بشكلٍ رسمي».

بدوره، أوضح عضو المكتب الإداري في التجمع، إبراهيم الثلجي، أن مهمة التجمع في بداية تأسيسه كانت في نقل هموم الناس ومشاكلهم إلى الحكومة، ولكن عندما بات الحديث يدور عن مرحلة مقبلة ستشهد مفاوضات بين سوريا وإسرائيل، اضطررنا إلى إصدار «وثيقة عهد» لأبناء الجولان، تشدد على استعادة أراضيهم وفق قرارات الشرعية الأممية.

واستبعد الثلجي، تسلح أعضاء الملتقى ضد إسرائيل في حال تعنتها بإعادة الهضبة، وقال: «إن قرار الحرب والسلم بيد الدولة… وإذا قدمت الدولة تنازلت خارج ميثاق العهد، فإننا سنرسل لها رسالة بأننا أصحاب الأرض، وهي أرض سورية محتلة ولا يحق لأحد التفريط بشبر واحد منها». وختم بالقول: «تجمعنا مع مبدأ (السلام مقابل الأرض، وليس السلام مقابل السلام)».

ملتقى «الجولان» في دمشق

وينهمك حالياً أكثر من ألف عضو من أبناء الزّويّة في مشاورات عبر تطبيق «واتساب» لعقد «ملتقى لأبناء المنطقة في الجولان المحتل» في دمشق، وقد حدد يوم 31 يوليو (تموز) الحالي موعداً لعقده.

الطبيب محمود الرهبان، وهو من أبناء قرية سكوفيا، وأحد أبرز الناشطين في المشاورات، أوضح أن الفكرة قديمة، ولكن منع ظهورها سابقاً، «المخاوف الأمنية والمراقبة الشديدة التي فرضها النظام المخلوع الذي اتخذ من قضية الجولان وسيلة للمتاجرة والابتزاز المحلي والدولي».

وأضاف الرهبان لـ«الشرق الأوسط»: «تجددت الفكرة بعد التحرير وانفتاح أفق الحرية، وقد سرّعنا خطانا للمّ شمل أهل الزّويّة والجولان عموماً لتشكيل قوة ضغط تضيء على مظلومية أهل الجولان». وأوضح: «سنحاول أن نجعل من الملتقى هيئة عامة ينبثق عنها مجلس إدارة يتفرع عنه لجان مختلفة تعمل على تمثيل أهل الناحية وتقديم الخدمات لهم في مختلف المجالات».

وقال: «الأعضاء المشاركون في النقاشات هم من قرى الناحية كافة، وفيهم كفاءات من مختلف الاختصاصات، وقد تحولت النقاشات منبراً ثقافياً وإعلامياً يتم فيه تقديم الطروحات ومناقشتها بمستوى عالٍ من الإحساس بالمسؤولية»، مؤكداً أن الملتقى مفتوح لكل مواطن سوري من أهالي الناحية بغض النظر عن أي اعتبار لعرق أو دين أو طائفة، وفيه من كل المكونات.

وذكر أنه لم يتم حتى الآن التواصل بشكل رسمي مع أي جهة حكومية «فنحن ما زلنا في مرحلة النقاش، وصولاً إلى الخروج بوثيقة خلال الاجتماع الموسع، سنحولها دستوراً ناظماً لعمل الملتقى واللجان التي ستنبثق عنه والتي سيكون مهمة إحداها التواصل والتنسيق مع الجهات الحكومية».

الرهبان أكد أن «توجهنا الرئيسي بعد عقد الملتقى هو نحو المكونات الأخرى من أهالي الجولان، كي نشكل ملتقى أوسع يشمل جميع أهالي الهضبة، ويعمل على إبقاء قضية الجولان حية والعمل أيضاً على رفع الظلم والإهمال عن أبنائه». وذكر أن البند الأساسي في البيان الذي سيصدر عن الملتقى، هو ألا تنازل عن شبر واحد من أراضي الجولان، وأن الأهالي يقدمون الدعم الكامل للقيادة الجديدة في أي مفاوضات تفضي لعودة الحقوق واستعادة الأرض.

ومن نتائج الحراك الذي بدأه أبناء الجولان، تشكيل «ملتقى الجولان للبناء والتنمية» الذي أسسه مدير منصة «النهار» الإخبارية، معمر فيصل نهار، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن التأسيس تم بعد التحرير بأيام وقد بدأنا بإجراءات إصدار ترخيص رسمي للملتقى من الحكومة.

ويضم الملتقى في الهيئة التأسيسية جميع المكونات السورية من أصحاب الكفاءات والسمعة الجيدة، وفق نهار، الذي أوضح: «نتواصل الآن مع عدد من الجمعيات والمنظمات الدولية والمحلية لدعم العمل التنموي في تجمعات أبناء الجولان ونطمح للتواصل مع جهات سياسية دولية تدعم قضيتنا وتعترف بالقرارات الدولية».

الجولان المحتل في سطور

– تقع هضبة الجولان جنوب غربي سوريا، وتقدَّر مساحتها بـ1860 كيلومتراً مربعاً. واحتلت إسرائيل في حربي عام 1967 و1973 معظم مساحة الهضبة؛ ما أدى إلى نزوح جماعي لأكثر من 130 ألف سوري باتجاه المحافظات السورية، وقد بلغ عددهم مع أواخر القرن العشرين نحو نصف مليون نسمة.

– لا توجد إحصاءات رسمية لعدد أبناء الجولان حالياً، ولكن إحصاءات غير رسمية تقدر عددهم بمليون و600 ألف نسمة، بمن فيهم من نزح عام 1967.

– تضم هضبة الجولان المحتلة، ست نواحٍ، هي: القنيطرة، خان أرنبة، الخشنية، مسعدة، البطيحة، فيق، الزّويّة. وكل ناحية تتبع لها عشرات القرى.

– عدد قرى الجولان قبل الاحتلال 164 قرية و146 مزرعة. ويشكل العرب السنة الأغلبية العظمى من سكان الهضبة، حيث كانت نسبتهم 95 في المائة من مجموع السكان، بحسب رئيس اللجنة التنفيذية في التجمع، أحمد رويان.

– توجد أقلية من طائفة المسلمين الموحدين الدروز تقطن في القسم الشمالي من الجولان، إضافة إلى أقلية علوية كانت تقطن في القسم الشمالي، وأقلية مسيحية كانت تقطن في مدينة القنيطرة. كما توجد أقلية من القومية الشركسية، كانت تقطن في مدينة القنيطرة، إضافة إلى أقلية تركمانية كانت تقطن في الجزء الأوسط من الجولان.

– لا يزال أتباع الطائفة الدرزية في قراهم حتى اليوم، إذ لم يتم إخراجهم منها بعد احتلال الهضبة، ويبلغ عددهم حالياً بحسب الأرقام المتداولة نحو 20 ألف نسمة يقطنون في أربع قرى هي: مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية.

– كان أتباع الطائفة العلوية يقطنون في ثلاث قرى، هي: عين فيت، زعورة، الغجر، وبينما نزح سكان عين فيت وزعورة، بقي سكان قرية الغجر فيها بعد الاحتلال.

الشرق الأوسط

————————–

رسائل ترامب- باراك لبيروت: ارصدوا طريق دمشق/ رنين عواد

10.07.2025

خرج باراك من قصر بعبدا “ممتنّاً للجواب اللبناني”، ما شكّل مفاجأة لبعض الأفرقاء السياسيين الذين كانوا يعوّلون على موقف أميركي أكثر حزماً في ملفّ نزع سلاح “الحزب”

جاء موقف المبعوث الأميركي توماس باراك، من الردّ اللبناني على ورقة إدارة ترامب بشأن نزع سلاح “حزب الله”، ليكسر الانطباعات التي روّج لها البعض عن أن المقترح الأميركي صيغ على قاعدة “خذها أو دعها” “Take it or leave it “، التي تعكس أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي عبّر عنه في كتابه “فنّ الصفقة” أو “The Art of the Deal”.

سبق وصول المبعوث الأميركي توماس باراك إلى بيروت سيناريوهات تشاؤمية، في ظلّ تصعيد إسرائيلي تمثّل بغارات كثيفة على الجنوب والبقاع. ورجّح محلّلون أن تزامن اجتماعات باراك مع المسؤولين اللبنانيين مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو البيت الأبيض، ليس محض مصادفة، بل قد يكون مقدّمة لاتّخاذ قرار ثنائي بشأن لبنان. وأُثيرت مخاوف من أن يشكّل الردّ اللبناني، في حال لم يلبِّ التوقّعات الإسرائيلية، ذريعة لتحرّك عسكري أوسع على الجبهة اللبنانية.

لكن، خرج باراك من قصر بعبدا “ممتنّاً للجواب اللبناني”، ما شكّل مفاجأة لبعض الأفرقاء السياسيين الذين كانوا يعوّلون على موقف أميركي أكثر حزماً في ملفّ نزع سلاح “حزب الله”.

وفي أعقاب لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وصف المبعوث الأميركي ردّ الحكومة اللبنانية بـ “المذهل”، وقال: “أنا راضٍ جدّاً عن هذا الردّ وما يتطلّبه الآن هو التركيز على التفاصيل”، ما يعكس انفتاحاً على النقاش، خلافاً لما أُشيع قبيل زيارته بيروت. في المقابل، يستمرّ “حزب الله” في التصعيد والتهديد، حيث صرّح أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم “الآن جاهزون، نحن نرمّم، ونتعافى”.

سلاح “حزب الله” شأن لبناني داخلي

وُصف المقترح الذي قدّمه باراك في منتصف شهر حزيران/ يونيو الماضي إلى المسؤولين اللبنانيين بـ “الإنذار”، فإما القبول به وإما الحرب. لكن ردّاً على سؤال الصحافيين حول ما إذا كان لبنان على مفترق حرب جديدة، في حال فشلت الولايات المتّحدة وإسرائيل في الحصول على ما تريدانه دبلوماسياً من لبنان، قال باراك: “نحن لا نتحمّل مسؤوليّة أي شيء. ليس هناك ضمانة أميركية لإسرائيل”.

دخل اتّفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لكنّه طُبّق من طرف واحد، إذ تجاوز عدد الخروقات الإسرائيلية 4000 خرق. وعلّق باراك على اتّفاق وقف الأعمال العدائية، بالقول: “لم تنجح الآلية لأن عناوين الهدنة لم تكن كافية لتغطية التفاصيل، وما تقوم به الحكومة اللبنانية اليوم هو ملء الفراغات”، مضيفاً أن “إسرائيل لا تريد الحرب مع لبنان ولا احتلاله، بل تريد السلام”.

اعتمد باراك لهجة ديبلوماسية، محمّلاً السلطات اللبنانية مسؤولية معالجة ملفّ التسلّح الخارج عن نطاق الدولة، وبعد تداول معلومات عن مهلة زمنية حدّدتها الولايات المتّحدة لتسليم “حزب الله” سلاحه خلال ثلاثة أو أربعة أو حتى ستّة أشهر، حرص المبعوث الأميركي على عدم التقيّد بأي إطار زمني، متجنّباً تحديد موعد واضح للتنفيذ.

وعكست تصريحات باراك تحوّلاً لافتاً في المقاربة الأميركية تجاه “حزب الله”. منذ تصنيفه كمنظّمة إرهابية في عام 1997، فرضت الولايات المتّحدة، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، عقوبات على عدد من وزرائه ونوابه، كما أدرج برنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية، أسماء شخصيّات محسوبة على الحزب، معلناً مكافآت بملايين الدولارات مقابل تقديم معلومات عنهم.

وفي شباط/ فبراير الماضي، صرّحت نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، أن الولايات المتّحدة وضعت “خطوطًا حمراء” على مشاركة “حزب الله” في الحكومة اللبنانية.

لكنّ باراك في زيارته الأخيرة، خالف هذا النهج المتشدّد، معتمداً لهجة دبلوماسية تميّز بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب، وطرح تساؤلات لافتة حول مسؤوليّة الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاحه، قائلاً: “أليس حزب الله حزباً سياسياً في لبنان؟ هل يُعقل أن تأتي الولايات المتّحدة أو بريطانيا أو فرنسا لحلّ حزب سياسي كبير في دولة ذات سيادة؟ هذه مسألتكم أنتم”.

يتضمّن المقترح الأميركي نزع سلاح “حزب الله”، لا سيّما الصواريخ الثقيلة، وإقفال المؤسّسات التابعة له، إلى جانب ترسيم الحدود مع إسرائيل وسوريا، والاعتراف بمزارع شبعا كأراضٍ سورية، كما يربط المقترح ملفّ إعادة الإعمار وعودة الأسرى، بإتمام عمليّة نزع السلاح بشكل كامل. لكن في المقابل، تتداول معلومات عن رسائل غير معلنة وجّهها باراك إلى “حزب الله”، تعرض مقايضة بين تسليم السلاح ومكتسبات سياسة، مقابل التخلّي عن السلاح والسلام مع إسرائيل.

في ظلّ مرونة الأميركي، جاء موقف “حزب الله” أكثر تشدّداً، متمسّكاً بثوابته التقليدية، ونشرت قناة “الميادين” يوم الثلاثاء الماضي مقابلة أجرتها مع الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، في حزيران/ يونيو الماضي، أكّد فيها أن “السلاح ليس هو ما يُبقي الحزب، لكن نزع السلاح ليس مشروعاً مقبولاً لأنه يُضعف لبنان”، وقال: “نحن نعتبر أن السلاح هو سبب بقاء لبنان قوّياً، ولا نقبل أن يُضعف لبنان”.

باراك، الذي تزامنت مقابلته مع قناة “أل بي سي” مع عرض مقابلة قاسم على قناة “الميادين”، علّق بسخرية على الموقف الرافض تسليم السلاح، بالقول: “هذا تفاوض لبناني نموذجي. تذهب إلى البازار تجد الأمر نفسه، إنها مفاوضات”.

وفي السياق نفسه، رأى الأستاذ الجامعي والناشط السياسي علي مراد أن “السؤال لم يعد ما إذا كان حزب الله سيسلّم سلاحه أم لا، بل متى، وكيف، وضمن أي آلية، وبأي خارطة زمنية”، معتبراً أن “تثبيت الدولة اللبنانية مبدأ تلازم الانسحاب الإسرائيلي مع تسليم السلاح هو مسألة بالغة الأهمية، لما لها من دور في تعزيز الموقف اللبناني في أي مفاوضات مقبلة”.

تأخّرتم عن قطار الإقليم

تبنّى باراك خطاباً يستند إلى لغة القانون الدولي، لا سيّما مبدأ السيادة وعدم التدخّل، خلال تقديمه الورقة الأميركية، مؤكّداً أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام، وقال: “ما نقوله هو: إذا أردتم التغيير، فنحن هنا لدعمكم. وإن لم تريدوا، لا مشكلة. لكنّ باقي المنطقة يتحرّك بسرعة، وسوف تبقون متأخّرين، وهذه هي رسالة الرئيس ترامب وكلّ العالم”.

وربط باراك مسألة نزع السلاح غير الشرعي باتّفاق الطائف، متسائلاً عن أسباب عدم تطبيقه حتى اليوم، معتبراً أن “الفرص المتاحة الآن لم تكن متوفّرة في السابق”.

وتتماشى تصريحات باراك مع رؤية أوسع للإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، إذ تعكس سعي ترامب إلى استكمال نهج الاتّفاقيات الإبراهيمية، مروراً ببيروت ودمشق.

تأتي هذه التصريحات في سياق تغييرات إقليمية واسعة، من بينها رفع تصنيف “هيئة تحرير الشام” في سوريا كمنظّمة إرهابية، ورفع العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع. وكان باراك قد صرّح لوكالة الأناضول التركية أن “الرئيس السوري أحمد الشرع أشار إلى أنه لا يكره إسرائيل، وأنه يريد السلام على تلك الحدود”، وقال: “أعتقد أن ذلك سيحدث أيضاً مع لبنان”.

وفي السياق نفسه، قال باراك من قصر بعبدا: “إن سوريا مذهلة لأنها انتقلت من فوضى مطلقة إلى الأمل”، مشيراً إلى بدء الحوار بين سوريا وإسرائيل، ومخاطباً اللبنانيين بالقول: “كيف تقبلون بالبقاء خلف العالم؟”.

في المقابل، يرى مراد أن لبنان يحتاج إلى إنهاء الحرب أكثر مما يحتاج إلى اتفاقية سلام. وفي مقابلة مع “درج”، قال: “لا يمكن فرض اتّفاقيات بهذا المعنى، طالما أن لبنان ملتزم بالمبادرة العربية وبالسقف العربي، خصوصاً في ظلّ وجود ملفّات عالقة مثل ترسيم الحدود. في هذه الحالة، يمكن الذهاب نحو تثبيت الهدنة، من دون الحاجة إلى اتّفاقيات خارج إطار الإجماع العربي، لا سيّما السعودي”.

ديلبوماسية باراك: خداع؟

يقول محلّلون سياسون إن غياب الضمانات الأميركية يثير قلقاً بشأن النوايا الحقيقية لواشنطن، وإن موقف باراك الديبلوماسي لا يعبّر عن تساهل الإدارة الأميركية، التي تريد نزع سلاح جميع الفصائل المسلّحة.

قبيل اندلاع الحرب الأخيرة بين “حزب الله” وإسرائيل، حاول المبعوث الأميركي آموس هوكستين طمأنة اللبنانيين، مؤكّداً أن “لا أحد يريد توسيع رقعة النزاع، خصوصاً إسرائيل”، مشيراً إلى أن “الحلّ الديبلوماسي ما يزال قائماً”. لكنّ الوقائع الميدانية سرعان ما ناقضت هذه التطمينات، إذ نفّذت إسرائيل عمليتي “البايجر” و”التوكي ووكي”، وصولاً إلى اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله وخلفه هاشم صفي الدين، وتوسيع الغارات لتطال مختلف المناطق اللبنانية، ما نقل رقعة الحرب من الجنوب إلى كلّ لبنان.

التعليق الأول لباراك كان ايجابياً، لكن الجواب النهائي “سيكون عبر السفير الأميركي بعد قراءة الردّ”، لافتاً إلى إنه “مشغول جيّداً ويتضمّن ١٥ نقطة مدوّنة في وثيقة من ٧ أوراق”، لم يتسنّ له الاطّلاع عليها.

وفي مقابلة مع قناة  LBCI وردّاً على سؤال حول رأيه الفعلي بالردّ اللبناني، أجاب باراك :”لا أناقش اتّفاقاً في الصحافة. لن أفعل ذلك أبداً”، مشدّداً على “احترامه للنظام”، لكنه شدّد في المقابل على أن الرسالة الأميركية كانت واضحة: “إن كنتم لا تريدون التغيير أخبرونا فقط ولن نتدخّل”.

 في هذا السياق يوضح مراد أن “الولايات المتّحدة تقول للبنان بوضوح: “افعلوا ما شئتم، لكن لا تنتظروا دعماً منّا”. ويعتبر أن “هذا الموقف يحمل تحدّياً كبيراً للسلطة اللبنانية، ويضعها أمام استحقاق تاريخي”، ويرى أنه “على حزب الله أن يدرك بأن الواقع الجديد يفرض عليه التعامل بمنطق مختلف”.

وشدّد باراك على أن مسألة التحلّي بالصبر والجداول الزمنية “من اختلاق الصحافة”، قائلاً: “لم أقل شيئاً عن موعد للطلب أو للردّ، فالأمر ليس بيدنا، بل بيد الشعب اللبناني”، وعند سؤاله عمّا إذا كانت الأمور ستُترك على حالها حتى موعد الانتخابات النيابية في أيّار/مايو المقبل، أجاب: “إذا أراد لبنان الاستمرار في ركل هذه اللعبة على الطريق، فليفعل، لكننا لن نكون هنا في أيّار لنجري محادثات حول هذا الشأن”، وأضاف أن الرئيس ترامب “يمتلك الشجاعة والتفاني والقدرة على العمل، لكنه لا يملك الصبر”.

وذكّر باراك بمواقف الإدارة الأميركية، مشيراً إلى أن الرئيس ترامب ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يكرّران الرسالة ذاتها: “شعب واحد، وطن واحد، جيش واحد، ليس فقط حزب الله، الفلسطينيون، والميليشيات، وإذا اختارت الطبقة السياسية في لبنان السير في هذا المسار، فسنساعد، وسنؤثر”، على حدّ قوله، لكنّه حذّر في المقابل من أن “الإطار الزمني يتقلّص، والعالم يتغيّر من حولنا”.

 واستعان باراك بما أسماه “التركيبة اللبنانية- السورية التي تعود إلى بلاد الشام”، قائلاً: “كما تذهب سوريا، يذهب لبنان”، مضيفاً أن “تشابك الحدود بين إسرائيل وسوريا ولبنان، يتطلّب أن تكون سوريا ولبنان يداً بيد”.

ردّ اللجنة الثلاثية

طالبت الولايات المتّحدة الأميركية بردّ واضح حول ما إذا كانت الجمهورية اللبنانية مستعدّة لتنفيذ خطّة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وآلية تسليمه، ووصف “حزب الله” الخطة التي  قدّمها المبعوث الأميركي توماس باراك  إلى المسؤولين اللبنانيين في 19 حزيران/ يونيو 2025 بـ “الاستسلامية”.

أُنجزت الصيغة النهائية للردّ اللبناني على الورقة الأميركية، بعد سلسلة لقاءات عقدتها اللجنة الثلاثية المؤلّفة من الرؤساء الثلاثة، وبالتشاور مع “حزب الله”، وهي مشاورات تولّاها رئيس مجلس النواب نبيه بري، واستمرّت حتى ساعات الفجر قبيل وصول المبعوث الأميركي توماس باراك إلى بيروت.

بحسب مراد فإن “الردّ اللبناني لم يأتِ وفقاً لما كانت واشنطن تطمح إليه، بل عكس محاولة لشراء الوقت وتنظيم شروط التفاوض على قاعدة خطوة مقابل خطوة، من دون تقديم التزامات حاسمة”، ولفت إلى أن “لبنان لم يعد يملك ترف إضاعة الوقت، إذ بات من الواضح أن ملفّ سلاح حزب الله أصبح أولوية مطلقة، وهو الذي سيُحدّد الموقف الأميركي من الملفّات الأخرى، وفي مقدّمها إعادة الإعمار والمساعدات”.

 وشدّد الردّ اللبناني على “أهمّية تجديد ولاية اليونيفيل وتمكينها من أداء مهامّها بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وتقديم الدعم اللوجستي والمالي للجيش مما يتيح له توسيع انتشاره جنوب نهر الليطاني”، كما ورد في البيان تفكيك منشآت “حزب الله” في جنوب الليطاني في سياق بسط سيادة الدولة، ونزع الأسلحة من الجماعات المسلّحة، وانسحاب إسرائيل من المواقع الخمسة، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، وإعادة الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل.

وبعد لقائه باراك في عين التينة، صرّح رئيس مجلس النواب نبيه بري أن “الاجتماع كان جيّداً وبنّاء، ويأخذ بعين الاعتبار مصلحة لبنان وسيادته، ومطالب اللبنانيين، بما في ذلك مطالب حزب الله”.

وعقب لقائه المبعوث الأميركي توماس باراك، جدّد رئيس الحكومة نوّاف سلام تأكيده على ما توافق عليه اللبنانيون في اتّفاق الطائف، الذي جرى اعتماده في البيان الوزاري وصوّت عليه أكثر من 80 نائباً، من ضمنهم جميع نواب “حزب الله”، وأشار سلام إلى أن “الأمين العام لحزب الله أعلن التزامه باتّفاق الطائف، واتّفاق وقف العمليّات العدائية الذي توصّلت إليه الحكومة، وبالبيان الوزاري”.

وقال سلام: “نحن ننطلق من المسلّمات التي أكّدنا عليها في البيان الوزاري، وأبرزها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف العمليات العدائية، وتسليم الأسرى، وحصرية السلاح بيد الدولة، كما نصّ اتّفاق الطائف، الذي ما زلنا متأخّرين في تنفيذه منذ سنوات. كذلك، نؤكّد ضرورة بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، واستعادة قرار الحرب والسلم”.

تنطلق ورقة باراك من اتّفاق وقف الأعمال العدائية الذي وُقّع في تشرين الأول/ نوفمبر الماضي، وتقترح آلية تنفيذية تستند إلى مبدأ “تلازم الخطوات”، ومع عودة باراك المرتقبة إلى بيروت بعد أسبوعين، وتزايد الحديث عن إمكانية انضمام لبنان إلى الاتّفاقيات الإبراهيمية، توجّهت الأنظار إلى واشنطن، حيث سلّم نتانياهو الرئيس ترامب رسالة ترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام.

يبقى السؤال: هل ستوفّر ورقة الإدارة الأميركية فرصة فعلية لتطبيق اتّفاق الطائف بعد أكثر من ثلاثة عقود على اعتماده؟ وهل تحمل في طياتها ما يتجاوز وقف الأعمال العدائية، نحو مقاربة أوسع لعلاقة لبنان بإسرائيل؟

درج

————————

هذيان عن لبنان وفيه/ أرنست خوري

09 يوليو 2025

ليس غريباً على لبنان أن تتعايش فيه عوالم متوازية، وفي ذلك من جمال التنوّع بقدر ما فيه من مخاطر الانقسام بشأن كل أمر مهما كبُر أو صغُر. فالذهاب في التنوّع إلى أقصاه يستحيل فصاماً عندما تندر المواضيع التي يتمكن اللبنانيون من إنشاء إجماع حولها، وهذا من تعريف ضعف الهوية الوطنية على حساب انتماءاتٍ أدنى، الطائفة في حالة البلد المذكور. ويعيش انفصام الشخصية الوطنية اللبنانية ربيعه منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية نهاية العام الماضي، وكأنّ حزب الله، بمغامرته الانتحارية التي جرّت البلد إلى دمار وإذلال يمارسه الإسرائيلي والأميركي يومياً، نَبَش كتاباً من قبو عتيق مدوّنة فيه كل التابوهات التي دفنها اللبنانيون منذ عقود، أو هكذا خُيّل لهم. وفَتْح ذلك الكتاب المشؤوم ينفخ الروح في شعوذات من نوع العودة إلى ما قبل لبنان الذي نعرفه بحدوده ومدنه التي جعلت منه “كبيراً” عام 1920. ومعروفٌ أن لترداد الهذيان والتداول به على نطاق واسع، مفعول التطبيع في عقل المتلقي، فيصبح الفظيع أقل فظاعة والرهيب أقلّ رهبة.

كذلك معلوم أنه في كل شعوذة، مهما غطست في الهلوسة، نذر ولو يسيراً من الحقيقة، بما أنّ حتى الساعة المعطّلة تعطي الوقت الصحيح مرّتين في اليوم الواحد. وهْمُ سلخ طرابلس وصيدا عن لبنان وضمّهما مع غيرهما من مدن وبلدات إلى سورية تعويضاً عن الجولان المحتل وعن انفصال يؤمن بعضهم باحتمال حصوله للاذقية وطرطوس، هو من الشعوذات التي تغزو أحاديث اللبنانيين هذه الأيام ووسائل إعلامهم، جميعها تقريياً، وإن كان البادئ في الترويج لهذه الخرافة إعلاماً عبرياً (تلفزيون i24) بعنوان خطة طرابلس مقابل الجولان.

منشأ الحدّوتة أحد أوامر المبعوث الأميركي إلى سورية ولبنان، توم برّاك، في ورقة إملاءاته للسلطة اللبنانية، وينص على عنوان فضفاض يحتمل تفسيرات عديدة توسّع حدود المخيّلة، وهو “حل القضايا العالقة مع سورية”. بند يمكن لمن يشاء تفسيره حصراً بتخلّص البلدين من “وديعة مزارع شبعا”، والتي بموجبها قرّر حكّام دمشق وحزب الله بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 أنها لبنانية قبل الظهر، وجولانية عند العصر، أو لبنانية فقط لكي يُبقي حزب الله سبباً لوجوده جيشاً إيرانياً بالواسطة على حدود إسرائيل، وسورية عندما يحين وقت الجد ويُطلب من دمشق تزويد الأمم المتحدة بإقرار رسمي بلبنانيتها فتمتنع طبعاً. والسكيزوفرينيا من أخطر الأمراض العقلية، فكيف إن التقت أجنحتها اللبنانية والسورية والإسرائيلية وروّجت، كل منها لحساباتها، خرافة إعادة تشكيل الخرائط بما أنه وقت مناسب في زمن دونالد ترامب والمعجبين فيه للّعب بالبلدان وبحدودها محواً وضمّا وشطباً وإزالة وترسيماً. هكذا خرجت مزحات سمجة من رحم شعور فائض القوة لدى مَن يريدون إحياء الدولة الأموية في دمشق، والتقطها لبنانيون لا فرق أحياناً بين خبثائهم أو بسطائهم، لتصل دسمة ومطبوخة إلى سوريين من أمثال كمال اللبواني، لحسن الحظ أنّ علاقتهم بالمصداقية هي نفس صلة دونالد ترامب بالاحترام والنزاهة.

ولأن كل فعل يُنتج عكسه، ولّدت هذه الخرافة التي انبثقت نكتة، ونمت لتحتل عناوين تقارير وتتصدّر نشرات أخبار وثرثرات سائقي التاكسي ومقالات نخب، ردّ فعل في لبنان من رداءة مماثلة لرثاثة الخبرية الأصلية، فوعيد كمال اللبواني بـ”زوال لبنان الأكذوبة” وزعمه “باسم السوريين إن سوريا لا تنوي الخير للبنان”، وتهديده بأن “السورين في لبنان أكثرية وجاهزون لأي احتلال سوري محتمل للبنان” أنتج تقارير تلفزيونية وأخرى مكتوبة كاذبة في لبنان من القماشة نفسها، عن تجهيز آلاف المقيمين السوريين من الدواعش للهجوم على اللبنانيين، وذلك كله مع أل تعريف لا يُفهم منها معنى مفيد سوى عنصرية حقيرة من لبنانيين تجاه سوريين لا يفعل اللبواني وهيثم المالح وأمثالهما سوى تغذيتها.

لكن من يدري، قد يُذكر غداً في كتب تؤرّخ لأحداث لبنان وسورية في الألفية الثالثة، أن اثنين أو ثلاثة من السوريين التافهين المجبولين بالكراهية، تمكّنوا من توحيد اللبنانيين على أمر ما.

العربي الجديد

————————–

 إسرائيل إزاء سوريا… “فرصة قائمة” لمصالحة الشرع أم ننتظر ترامب والمجهول؟

لقد غير انهيار نظام الأسد في سوريا صورة الوضع الإقليمية؛ فمنذ صعود أحمد الشرع إلى الحكم ازدادت التوقعات باختراق بين سوريا وإسرائيل. الظروف الحالية على الأرض معقدة جداً وتستوجب تفكيراً معمقاً عما يمكن وينبغي تحقيقه، في ظل الامتناع عن خطوات متسرعة من شأنها أن تضر في سياق الطريق.

النظام السوري الجديد لا يسيطر بشكل فاعل على كل أراضي الدولة. الشرع يبدي براغماتية مبهرة، لكن يتعين عليه الجسر بين الأيديولوجيا الإسلامية الراديكالية، وقدرته على تنفيذ المطلوب. وإن تدخل لاعبين خارجيين (تركيا، إسرائيل) يشكل تحدياً حقيقياً. وبالطبع، تحتاج سوريا إلى عملية إعمار هائلة. ومع ذلك، فإن روح الأسرة الدولية ملت نظام الأسد، ولهذا استقبلت النظام الجديد بأذرع مفتوحة. خروج إيران من سوريا حظي بإجماع شبه عالمي، عُزي كثيراً لصالح الشرع. والرئيس ترامب، في سلوك غير تقليدي، غير السياسة بجرة قدم، وعانق الشرع.

هذه العوامل، إلى جانب الخريطة الإقليمية الجديدة التي لا تزال في مسيرة إعادة تصميم، طرحت الإمكانية لتحقيق اتفاق بين سوريا وإسرائيل. كيف، إذن، يمكن تحقيق مثل هذا الاتفاق؛ فمن جهة حذار تفويت الفرصة الناشئة، ومن جهة أخرى عدم القفز أكثر مما ينبغي؟

في بداية الحرب الأهلية في سوريا، طرحت إسرائيل سؤالاً: هل نفضل استمرار حكم الأسد (“الشيطان المعروف”) أم البدائل المعارضة؟ فضلت إسرائيل الإبقاء على النظام. أدى هذا القرار إلى تفضيل “سوريا ضعيفة” عديمة القيادة الفاعلة. وهذا يستوجب أن توضح إسرائيل إذا بقي هذا المفهوم على حاله؟

ثمة مسألة أخرى تتعلق بشخصية الشرع. الشكوك في شأنه مفهومة، لكنها تستوجب قراراً: هل نرخي له الاستمتاع بالشك والتأييد الواسع الذي يحظى به في الساحة الدولية والعمل لتعزيز حكمه بشكل يخدم المصالح الإسرائيلية؟ هل يعد إنجاز طموح كاتفاق سلاح (بدون هضبة الجولان)، أو الانضمام لمظلة اتفاقات إبراهيم، أمراً يخدم الشرع في مسيرة تثبيت حكمه، ثم المصلحة الإسرائيلية، أم تعرضه للمصاعب؟

بعض من الأسئلة سيلقى جواباً ما في أثناء زيارة نتنياهو لواشنطن. في كل حل، من المهم أن تقترح إسرائيل منحى مسؤولاً، يتضمن بضعة بنود: تعهد متبادل للعودة إلى اتفاق الفصل في 1974 بما في ذلك جدول زمني وضمانات ضرورية تتيح انسحاباً إسرائيلياً إلى خط الحدود الملزم، واتفاق على إقامة آلية ثلاثية إسرائيلية – سورية – أمريكية، توصل إلى توافقات بشأن “احترام سيادة الدولتين”؛ وإعلان مشترك بشأن تطلع الدولتين إلى وقف حالة الحرب وتبني مسار متفق عليه لعلاقات سلام؛ والتزام أمريكي تجاه سوريا ولبنان لتسوية ترسيم الحدود البرية بينهما بشكل يسمح بحل الخلاف الحدودي الإسرائيلي – اللبناني؛ واتفاق على تشجيع الحوار غير الرسمي بين الجمهور في إسرائيل وسوريا؛ والدفع قدماً بخطوات لبناء الثقة في المستوى الإنساني أو الاقتصادي.

ميخائيل هراري

معاريف 9/7/2025

 القدس العربي

———————————–

 ناشط سوري بالكنيست: الشرع وصف التطبيع بأنه “فرصة لا تتكرر

الأربعاء 2025/07/09

زعم الناشط السوري شادي مارتيني، أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، وصف التحرك نحو التطبيع مع إسرائيل بأنه “فرصة لا تتكرر إلا كل مئة عام”، وذلك خلال لقاء جمعها قبل أسبوعين.

جاء ذلك خلال زيارة مارتيني إلى إسرائيل، اليوم الأربعاء، ومشاركته في جلسة للكنيست الإسرائيلي، إلى جانب الإعلامي السعودي المقيم في الإمارات، عبد العزيز الخميس.

زيارة “غير اعتيادية”

وقال موقع “واللا” العبري، إن مارتيني قام بزيارة “غير اعتيادية” إلى الكنيست الإسرائيلي، وشارك في في جلسة نظمها “اللوبي لدعم تسوية أمنية إقليمية”، الذي يهدف إلى إقامة “لوبي”، ينشط من أجل تعزيز “حل إقليمي” بين الدول العربية وإسرائيل.

وأشار الموقع في تقرير، إلى أن زيارة مارتيني، تأتي في خضم زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن والتصريحات “المتفائلة” بشأن إمكانية توسيع نطاق “اتفاقيات أبراهام” (اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل).

وزعم مارتيني خلال كلمة له في مؤتمر الكنيست، أنه التقى مطولاً مع الشرع قبل أسبوعين، ودار خلال اللقاء الكثير من النقاش حول إسرائيل.

ونقل الناشط عن الرئيس السوري قوله: “هناك فرص كهذه في الشرق الأوسط، لا تتكرر إلا مرة واحدة كل قرن، لكنها لن تكون متاحة دائما. فلنغتنم هذه الفرصة، لا أن نضيعها، لأنني أريد أن يكبر الأطفال الإسرائيليون والسوريون والسعوديون والفلسطينيون والأردنيون على أمل”، على حد زعم مارتيني، ووفق ما نقله الموقع العبري.

هجوم 7 أكتوبر

وعلى حد زعم موقع “تايمز أوف إسرائيل”، فإن مارتيني هو رجل أعمال وناشط سوري، وكان رئيس “منظمة التحالف الأديان”، والتي كانت ضمن “تحالف المنظمات السورية في أميركا” لسنوات، لافتةً إلى مارتيني باللغة الإنجليزية عن “الفرص الجديدة للتعاون” بين إسرائيل والحكومة السورية الجديدة.

وزعم مارتيني أنه التقى رفقة القسيس جوني مور والحاخام ابراهام كوبر، الشرع، لمدة ساعتين، “وكانت إسرائيل المحور الأساسي في النقاش”. وقال إن الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في 2024، واغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله، “كانت من الأحداث الحاسمة التي سمحت لقوى المعارضة السورية بإسقاط النظام السوري بسرعة” في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي.

وأضاف “بالنسبة لنا كسوريين، كنا سعداء جداً بما فعلته إسرائيل، لقد قدّرنا ذلك كثيراً. لكن هذا الشعور تغيّر بسبب النشاط العسكري الإسرائيلي الواسع داخل سوريا بعد سقوط بشار الأسد”.

كما “انتقد” قيام القوات الإسرائيلية بمنع المزارعين السوريين من الوصول إلى أراضيهم في الجانب السوري من الجولان، حسبما نقل الموقع العبري.

وتابع مارتيني أنه تربّى على “صور نمطية سلبية قوية” عن الإسرائيليين، وكان “مندهشاً عندما تواصل بعض الإسرائيليين معه وساعدوه هو وعائلته خلال الحرب” السورية، فيما وصف هجوم المقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بـ”المجزرة” و”المأساة الكبير”.

فرص إقليمية

وقال “واللا” إن المؤتمر الذي احتضنه الكنيست، يتناول “الفرص الإقليمية” في أعقاب الحرب على غزة والمواجهات مع إيران.

ونقل الموقع عن الخميس قوله خلال المؤتمر: “لنكن واضحين، من الرياض إلى أبو ظبي، الرسالة لا تتعلق بمن انتصر في الحرب، بل بما يليها. هناك إرهاق في الخليج من الحروب والطوارئ. هناك توق إلى الاستقرار والشراكة”.

وأضاف الإعلامي السعودي “نتساءل: هل تستطيع إسرائيل الانتقال من مرحلة القوة إلى عصر الشراكة وتحقيق ردعها العسكري، وهو موجود بالتأكيد، لتحقيق النجاح السياسي؟”، على حد تعبيره.

وتابع الخميس أن القضية الفلسطينية وإنهاء الحرب في غزة “قضيتان جوهريتان” بالنسبة للسعودية، مضيفاً أنه “لا يمكننا قبول وضع يسجن فيه الناس في غزة. نهج السعودية ليس محلياً، بل إقليمياً (…) يجب إقامة دولة فلسطينية لامركزية، مع التزام إسرائيلي واضح ليس فقط بالأمن، بل أيضا بالتعايش”.

وقال إن “هذه ليست مطالب كبيرة، بل هي الحد الأدنى والمطلب الإنساني. إذا انتهزت إسرائيل الفرصة لتعميق الاحتلال وإذلال غزة، فلن تخسر السعودية فحسب، بل العالم العربي بأسره. أرجوكم حولوا مزايا الساحة الحديدية إلى جسر أمل”.

——————————-

 تحرك في الكونغرس لإلغاء “قانون قيصر” والمجلس السوري الأميركي يدعو لتبني المقترح

2025.07.10

قدّم مشرعون أميركيون مشروع قرار في الكونغرس الأميركي لإلغاء العقوبات على سوريا بشكل كامل، بما في ذلك “قانون قيصر لحماية المدنيين”.

ووفق ما ذكرت صحيفة “ذا هيل”، تأتي هذه الخطوة عبر تعديل أُدرِج ضمن مشروع قانون موازنة الدفاع السنوية، والذي يُعتبر من التشريعات التي لا يمكن الاستغناء عنها وغالباً ما تُجاز في نهاية كل عام.

وفي تصريحات للصحيفة الأميركية، قال السيناتور الجمهوري، جو ويلسون، إنه “أحاول استخدام كل الآليات المتاحة لإلغاء هذا القانون في أقرب وقت ممكن”.

وأشار السيناتور ويلسون، والذي يشغل منصب رئيس اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط في لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي، أنه “تماماً كما جرى تمرير قانون قيصر كملحق في مشروع موازنة الدفاع، آمل أن نتمكن من تمرير إلغائه من خلال الآلية نفسها”.

وشدد السيناتور ويلسون على أنه “طالما لم نلغِ القانون، فلن يخاطر المستثمرون بالاستثمار طويل الأجل في سوريا، وهو أمر ضروري لإعادة إعمارها وجعلها عظيمة مجدداً”.

المجلس السوري الأميركي يناشد لجان الكونغرس

في سياق ذلك، أعلن المجلس السوري الأميركي أن مشروع إلغاء “قانون قيصر”، الذي عمل على طرحه في الكونغرس بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، قد أُدرِج رسمياً كملحق في مشروع موازنة وزارة الدفاع الأميركية.

وفي بيان له، أشار المجلس إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى تسريع تمرير مشروع الإلغاء عبر القنوات التشريعية، مستذكراً أن القانون ذاته أُقرّ عام 2019 بنفس الطريقة، كملحق ضمن موازنة الدفاع.

ورغم الترحيب بهذه الخطوة، شدّد المجلس على أن قبول المادة المقترحة، التي حملت الرقم 5259، ليس مضموناً حتى الآن، ويتطلب جهداً كبيراً لإقناع العديد من الأطراف داخل لجان الكونغرس المختلفة، لا سيما لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب.

ودعا “المجلس السوري الأميركي” جميع أعضاء لجنة القوات المسلحة في الكونغرس إلى تبنّي المادة المطروحة بأسرع وقت، مشدداً على أن “سوريا تستحق أن تُمنح فرصة للنهوض والتعافي من تركة الأسد العفنة”.

—————————-

التوغل الإسرائيلي في القنيطرة: استراتيجية الاحتلال الصامت أم تثبيت وقائع ما بعد الأسد؟/ محسن القيشاوي

10 يوليو 2025

تزامن سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع حدوث فراغ أمني وعسكري في محافظات سورية خاصة الجنوبية منها، وأبرزها محافظة القنيطرة.

هذا الفراغ شجّع إسرائيل على شنّ سلسلة من الغارات الجوية المكثفة، استهدفت مواقع عدة داخل سوريا، تزامنًا مع توغل في مناطق استراتيجية، أبرزها محافظة القنيطرة. ليتطور الأمر نحو إقامة نقاط عسكرية في مناطق شرقي خط الفصل، بحجج أمنية تتعلق بمخاوف من عودة إيران أو تسلل “العناصر الجهادية”.

توسّعت هذه التوغلات تدريجيًا لتشمل مناطق جديدة داخل القنيطرة كانت خارج النفوذ الإسرائيلي المباشر، وترافقت مع بناء بنى تحتية عسكرية، حفر خنادق، وتوسيع رقعة السيطرة والمراقبة على عمق الأراضي السورية، ما يشير إلى سياسة مدروسة تهدف إلى فرض واقع ميداني جديد دون إعلان رسمي.

خلفية تاريخية: القنيطرة رمز الجولان السوري المحتل

محافظة القنيطرة تقع في أقصى الجنوب الغربي من سوريا، وتشمل جزءًا من هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وضمّتها لاحقًا في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.

ورغم توقيع اتفاق فك الاشتباك عام 1974، والذي نصّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تحت إشراف قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الإشتباك (UNDOF)، بقيت مدينة القنيطرة مدمرة ومهجورة، تُرفع فوقها الراية السورية رمزيًا دون إعادة إعمار أو حياة فعلية.

وعلى مدى عقود، حرص نظام الأسد، في عهدي حافظ وبشار، على “هدوء الجبهة” في الجولان، متجنبًا أي تصعيد عسكري، واحتفظ بهذه الورقة كسلاح سياسي لا ميداني. لكن هذا الجمود بدأ يتآكل مع انهيار نظام الأسد وسيطرة فصائل المعارضة على العاصمة دمشق، مما دفع إسرائيل إلى التحرك ميدانيًا بذريعة مواجهة التهديدات المسلحة ومنع تمدد النفوذ الإيراني.

المناطق التي توسّعت فيها إسرائيل ميدانيًا

تشهد عدة قرى حدودية في الجولان توغلات إسرائيلية متكررة، حيث أقامت قوات الاحتلال قواعد عسكرية في عدد من قرى محافظة القنيطرة، من بينها القحطانية والحميدية وقرقس والكودنة وجباتا الخشب، إضافة إلى مساحات زراعية ومزارع حدودية تقع شرقي خط الفصل لعام 1974.

واضطر نحو 6 آلاف سوري إلى مغادرة منازلهم في قرية الحميدية، بعد أن أقام الجيش الإسرائيلي قاعدة عسكرية هناك، ما أثار مخاوف أمنية كبيرة بين السكان.

هذه المناطق، التي كانت سابقًا تحت إشراف قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الإشتباك، أصبحت فعليًا خاضعة لنفوذ ميداني إسرائيلي متصاعد. كما تحتفظ إسرائيل بمواقع عسكرية استراتيجية على مرتفعات جبل الشيخ، مثل جرز النفل، مستفيدة من الطوبوغرافيا العالية التي تمنحها إشرافًا واسعًا على مناطق الجنوب السوري.

ما الذي تقوم به إسرائيل على الأرض؟

منذ سقوط نظام بشار الأسد، شرعت إسرائيل في تنفيذ حملة توغل زاحفة داخل الأراضي السورية الواقعة شرق خط الفصل، في خرق مباشر لاتفاق فك الاشتباك لعام 1974. وتضمنت الحملة تجريف الأراضي الزراعية، تدمير مئات الأشجار المثمرة، وشق طرق عسكرية، فضلًا عن إقامة نقاط مراقبة وتحصينات في المناطق المرتفعة.

كما فرضت قوات الاحتلال قيودًا مشددة على حركة المدنيين، ومنعت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، واحتجزت سيارات الإسعاف، وقطعت المياه والكهرباء عن بلدات حدودية.

ورافقت هذه الانتهاكات عمليات استطلاع جوي وتنصّت، إضافة إلى تدخلات استخباراتية في نسيج القرى المحلية، ومحاولات تجنيد متعاونين. كما نُفذت اقتحامات متكررة واعتقالات عشوائية، وأُقيمت نقاط تفتيش مؤقتة، وتعرضت البنية البيئية الزراعية لتدمير واسع.

وفي موازاة ذلك، شنت إسرائيل غارات جوية دمرت مواقع عسكرية وآليات وذخائر للجيش السوري في المحافظة، بالإضافة إلى أهداف قريبة من خط الفصل، ما أثار حالة من الذعر بين سكان المناطق الحدودية.

وتقع هذه الممارسات ضمن النطاق  الجغرافي لاتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، التي تُلزم الطرفين بعدم استخدام المنطقة منزوعة السلاح لأي نشاط عسكري، ما يجعل هذه التحركات تمثل خرقًا مباشرًا للقانون الدولي، ويثير تساؤلات حول موقف المجتمع الدولي إزاء تقويض الوضع القانوني في الجولان والمناطق المحاذية.

استراتيجية إسرائيل: توسيع الردع وتثبيت الواقع

ما يجري في القنيطرة لا يبدو مجرد تحرك تكتيكي أو رد فعل أمني عابر، بل يُمثّل جزءًا من رؤية استراتيجية إسرائيلية متكاملة، تتجاوز حسابات اللحظة لتثبيت واقع ميداني جديد على طول الحدود السورية. فمنذ انهيار نظام الأسد وانكشاف الفراغ العسكري في محافظة القنيطرة، سعت إسرائيل إلى فرض معادلة ردع جغرافية جديدة، تقوم على التوسع الهادئ، المتدرج، دون ضجيج أو إعلان، لكنها ذات آثار بعيدة المدى.

أولًا، تحرص إسرائيل على استباق أي عودة محتملة للنفوذ الإيراني أو فصائل المقاومة إلى الجنوب السوري، مستندة إلى تجربتها مع حزب الله في الجبهة الشمالية، وما تعتبره خطرًا على حدودها. ولهذا تعمل على تحويل المنطقة إلى شريط أمني شبه خالٍ من السكان والبنى المدنية، يصعب استخدامه عسكريًا ضدها مستقبلًا.

ثانيًا، تسعى إسرائيل إلى توسيع مفهوم الردع، من خلال فرض “واقع جغرافي متقدم” يتمثل في شق طرق عسكرية، إنشاء نقاط مراقبة، وتدمير الغطاء الزراعي والسكاني في المنطقة، بما يجعل أي اقتراب منها مكلفًا أو مستحيلًا من الناحية اللوجستية. بهذا تتحول الحدود إلى جدار ناعم، لا تعترف به اتفاقات، لكن تثبّته القوة.

ثالثًا، يتقاطع هذا التحرك مع أهداف سياسية بعيدة المدى، أبرزها منع أي مفاوضات مستقبلية – دولية أو إقليمية – من استعادة الوضع القانوني لما قبل 1967. فالسيطرة الزاحفة على القنيطرة، والمناطق المحيطة بها، تُستخدم كأداة لتثبيت ضم الجولان وإقفال الباب أمام أي انسحاب مستقبلي محتمل.

وأخيرًا، تستغل إسرائيل الانشغال الدولي بالحرب على غزة وتصاعد التوترات الإقليمية، لتنفيذ هذه الاستراتيجية دون مواجهة ردود فعل تُذكر. فالمجتمع الدولي، المنقسم والمشلول، يغض الطرف عن خروقات اتفاق 1974، بينما تمضي إسرائيل في تقويض البنية الجغرافية والقانونية للجنوب السوري بشكل ممنهج، مدفوعة بحسابات أمنية لكنها مغطاة برؤية سياسية طويلة الأمد.

احتلال جديد بلا إعلان

تُمارس إسرائيل في القنيطرة سياسة “الضم بلا إعلان”، عبر خطوات مدروسة ومتدرجة تُجنّبها الصدام مع المجتمع الدولي لكنها تكرّس أمرًا واقعًا على الأرض. وفي ظل غياب سلطة سورية مركزية فاعلة، وتراجع الاهتمام الإقليمي والدولي، تتحول القنيطرة تدريجيًا إلى “هضبة جولان ثانية”من حيث السيطرة والتفكيك الجغرافي، لكن من دون أي تكلفة سياسية تُذكر.

ما يجري اليوم يتجاوز كونه إجراءات أمنية مؤقتة؛ إنه مشروع لإعادة ترسيم الحدود بالقوة، وتفكيك الترابط الجغرافي والوطني للجنوب السوري، وتحويله إلى منطقة نفوذ مفتوحة لإسرائيل، خارجة عن السيادة السورية وخارج أي مساءلة دولية. في غياب ردع أو مساءلة، تُصبح القنيطرة نموذج لإعادة إنتاج تجربة الجولان المحتل، لكن بنسخة أكثر هدوءًا وأكثر رسوخًا.

الترا صوت

—————————-

معاريف: كما فعل بيغن مع مصر.. هل يتجرأ نتنياهو على دعوة الشرع لزيارة “القدس”؟

4 – يوليو – 2025

“لا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا”، هكذا شخص السياسي الأمريكي الأعلى هنري كيسنجر، الشرق الأوسط في السبعينيات من القرن الماضي. منذ ذلك الحين، حظي برؤية هذا الثنائي المتضارب يتفكك: سلسلة من اتفاقات السلام وقعت بدون سوريا، وغير قليل من الحروب دارت ومصر تشاهد من بعيد.

الآن، حين تبدد الدخان من فوردو، قد نرى ألواناً تكتونية تتحرك، ونشأت في إسرائيل فرصة نادرة لإعادة تصميم مكانها. دخلنا إلى حرب 7 أكتوبر فيما كان الشرق الأوسط ينقسم بين محورين: المحور الشيعي بقيادة إيران، والمحور السُني المعتدل بقيادة السعودية. سقوط بشار الأسد في سوريا شكل إقامة محور ثالث جديد.

المحور الشيعي ضرب بشدة: حماس والجهاد الإسلامي في غزة لم يعودا يعملان كجيش، وحزب الله تلقى ضربة قاسية لقوته العسكرية وتآكلت مكانته في لبنان، وسوريا انتقلت إلى أياد سورية، والآن انكشفت إيران أيضاً في ضعفها. الدليل: الفروع التي تبقت لها أبدت انعدام رغبة للانضمام إلى الحرب ضد إسرائيل. في أثناء الـ 12 يوماً من الحرب، أطلق الحوثيون من اليمن صاروخين نحو إسرائيل، والميلشيات في العراق رفعت العتب بإطلاق بعض المُسيرات (رغم قدرتها على الإطلاق أكثر)، وحزب الله صمت تماماً.

أمام إسرائيل فرصة نادرة لنقل المنطقة إلى نقطة توازن جديدة. الرئيس ترامب، بأحاسيسه الحادة يشخص الآن فرصة لصفقة كبرى يرى في نهايتها جائزة نوبل اللامعة في قصر بلدية أوسلو. يخيل أن نتنياهو هو الآخر يفهم أنه لا يمكنه الآن الوقوف في طريق ترامب نحو الكأس المقدسة، وسيكون مطالباً بالتعالي على الاعتبارات التافهة المتعلقة بصيانة ملائكة التخريب في ائتلافه.

إن ضم السعودية إلى اتفاقات إبراهيم والتطبيع مع الدولة العربية الأهم قد يعيد تموضع إسرائيل كدولة رائدة في المنطقة. وهذا سيفتح لنا آفاقاً اقتصادية واسعة وعالماً من الإمكانيات مع الفلسطينيين في الضفة، وخلق واقع جديد في غزة. هذا في متناول اليد، وقد يتجسد في غضون أسابيع.

السعوديون، الذين تربوا على كراهية إسرائيل، اقتلعوا التحريض من مناهجهم التعليمية في يوم واحد. ولا يوجد خبراء مثلهم لتحقيق مسيرة نزع التطرف المطلوبة في غزة. مقدراتهم الهائلة قد تدعم هجرة سكان غزة، وفي نفس الوقت إعادة تأهيل أولئك الذين يختارون البقاء.

مستقبل أفضل

لكن احتمال الاتفاق مع سوريا دراماتيكي حتى أكثر من ناحية ضمان مستقبل إسرائيل في المنطقة. صحيح أن زعيم سوريا ذو ماض مشكوك فيه، ورجاله بقوا جهاديين في الحاضر أيضاً، لكن يخيل أن الشرع يقرأ على نحو صحيح تطلع الطوائف والقبائل التي تتشكل منها سوريا المدمرة؛ لضمان مستقبل أفضل لأبنائهم. مستقبل الشرع هو الآخر مشكوك فيه: في كل لحظة معطاة، قد يغتاله أحد رجاله. هو واع لذلك، ويواصل مسيرة تحوله من إرهابي إلى سياسي جسور.

الشك فيه مفهوم. ولهذا، المطلوب جسارة إسرائيلية أيضاً. عشية زيارة السادات إلى القدس، العدو الأعظم الذي سفك دماء آلاف الإسرائيليين، شككت قيادة الجيش بأنها مناورة تضليل. حتى أولئك الذين أمنوا دوافع السادات تساءلوا ما سيحصل إذا ما اغتيل. وبالفعل، تبينت دوافعه صادقة، وحتى اغتياله لم يوقف السلام الذي يبقى قائماً ومستقراً منذ 46 سنة. ثمة سياقات هي أقوى من الزعماء الذين يقودونها.

سوريا، على تعقيداتها الطائفية، التي على مدى أكثر من نصف قرن كانت دولة عربية علمانية، تتطلع للعودة إلى مكانها الطبيعي، في حضن الدول السنية المعتدلة. الشيعة غرباء عليها، والإيرانيون مكروهون فيها بعد أن سفكوا دماء مئات آلاف السوريين. وقد تحررت الآن من التدخل الإيراني، وهي ناضجة للتحرر أيضاً من العناق الروسي. تشكل فرصة لإسرائيل لتثبيت مكانها في المنطقة ولتحقيق رؤيا كيسنجر.

بعد أكثر من عقد من الحرب، سوريا تواقة لإعمار عاجل، يمكن من تعزيز أي اتفاق سلام أو حالة لا حرب معها، بمشاريع تحفز الاستقرار: مشاريع بنية تحتية برية في مجالات المواصلات، الطاقة والاتصالات، تعيد إقليم الشام (الهلال الخصيب) ليكون جسراً برياً يربط آسيا والشرق الأوسط في أوروبا.

المال الخليجي قد يبدأ في إعمار خرائب سوريا، والمال الأوروبي ربما يقيم فيها مؤسسات تعليم وبحث تخدم عموم المنطقة، وهذا المشروع الهائل ربما يحول سوريا الكبرى (سوريا، لبنان، الأردن، وإسرائيل) من أرض محروقة إلى محرك ازدهار إقليمي كجزء من النظام العالمي الجديد الذي يتشكل أمام ناظرينا.

أعرف أن هذا يبدو كرؤية ساذجة بعد سنتين من سفك الدماء. فسوريا لا تزال تحت نظام قمعي، والمنطقة كلها في وضع هش، لكن الشعوب في المنطقة، ومن بينهم نحن، منهكون من سنوات سفك الدماء وتواقون للأمن.

مصر كنموذج

عندما دعا رئيس الوزراء الرحال مناحيم بيغن، الرئيس المصري ليخطب في الكنيست 1977 كان هناك شكاكون كثيرون لم يصدقوا بأنه يمكن الجسر على العداء الذي بيننا وبين الدولة العربية الأكبر. لقد شخص بيغن الفرصة التاريخية واتخذ القرار الثاني في أهميته في تاريخ إسرائيل الحديثة (بعد إعلان الدولة): اتفاق السلام الذي وقع مع مصر غير وجه الدولة: طير اقتصادها عالياً، وثبت مكانتها في المنطقة.

كان بيغن يعرف أن التاريخ يعود للزعماء الذين يتجرأون على الحلم، وعلى شق الطريق والعمل أيضاً. في لحظة الحقيقة، توجه ضد أيديولوجيته وضد “القاعدة”، واتخذ الخطوة التاريخية الصائبة. نتنياهو هو الآخر، ابن المؤرخ، المعجب بالزعماء الذين يشقون الطريق، لكنه حتى اليوم لم يبادر إلى أي رؤية ولم يتجرأ على السباحة ضد التيار، بل حرص على السباحة مع التيار الأقوى الذي عصف به في تلك اللحظة.

الآن، بعد أن جلب له الطيارون الكبلانيون إيران على أجنحة الفضة، فهذه لحظته ليثبت بأنه رجل دولة وليس رجل سياسة حزب تافهة: أن يدعو الشرع لزيارة القدس، ويسجل في التاريخ كزعيم مخترق للطريق، كزعيم يعرف كيف يحول الكارثة إلى رؤية من الأمل.

ألون بن دافيد

معاريف 4/7/2025

القدس العربي

—————————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى