أزمات الداخل السوريالناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 15 نيسان 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

أزمات الداخل السوري

تحديث 15 نيسان 2026

 طائفة الفقراء في سوريا والمظلومية المؤجلة/ عبد القادر المنلا

2026.04.15

كان من المتوقع أن تشهد سوريا ما بعد الأسد حالة من التماسك الاجتماعي ترتق الخروق المجتمعية التي خلفها النظام الفاشي البائد ولا سيما على مستوى التفكك الطائفي الذي اعتمده الأسد كقنبلة موقوتة يفجرها متى يشاء في خطة حربه على الشعب السوري، وقد فعلها حقيقة حينما احتاج لذلك، ولا تزال شظايا تلك القنبلة تتناثر في كل مكان من سوريا، ولهذا نرى تراكم مفردات اللغة الطائفية ونبرتها العالية، وكل طرف يتحدث عن مظلوميته، ولكل طرف أنصاره ومؤيدوه، غير أن الطائفة المهملة حقاً اليوم في سوريا هي طائفة الفقراء وهي تشكل الأغلبية الساحقة في المشهد السوري، وتبدو حتى الآن بلا مؤيدين ولا أنصار ولا مدافعين عنها وعن حقها في الخلاص من معاناتها..

وما إن يطلق المنتمون إلى هذه الطائفة/الفئة صرخاتهم المحتجة على الأوضاع الاقتصادية المتردية، حتى يواجهون بجملة من الحقائق التي تحولت مع مرور الوقت إلى ذرائع تكرس التبريرات وتحيل من خلالها أسباب الأوضاع الاقتصادية الهشة إلى السنوات الأربع عشرة العجاف التي دمرت كل شيء في سوريا، وتؤكد على أن استعادة التموضع الاقتصادي تحتاج إلى وقت، وكثيراً ما يُواجَه المطالبون بشروط حياة أفضل بتهمة الاستعجال وقلة الصبر، والرغبة بالوصول إلى الحلم دفعة واحدة وما بين يوم وليلة، وبأنهم لا يراعون الظرف الصعب الذي تمر به البلاد بعد التحرير..

لا يستطيع أحد بالطبع أن ينكر كل تلك المبررات والتي هي حقائق لا تقبل الشك، ولا سيما بالقياس إلى حجم الخراب والدمار المادي والمعنوي الذي خلفه الأسد، كما لا يمكن التقليل من صعوبة الوصول إلى احتياجات الناس، ولا حجم التحديات التي تقع على عاتق الحكومة الحالية في انتشال المواطنين من دوامة العجز المالي، ولكن هل الأمر كله متعلق حقاً بتلك الظروف؟ وهل هذا هو ما يعيق الوصول إلى الحد الأدنى من التوازن الاقتصادي؟ وإلى متى ستبقى مطالب الناس تواجه بحائط الصد هذا؟ أم أن ثمة خللاً في الإدارة وتقصيراً في صناعة الأولويات أو إهمالاً لآلام الناس من قبل المسؤولين الجدد الذين لا يبدو أنهم يشاركون الفقراء معاناتهم؟

نظرياً، تم تبديد العثرات الكبيرة أمام عجلة الاقتصاد من خلال منجزات عديدة تحسب للإدارة السورية الجديدة، كان أهمها إنهاء العمل بقانون قيصر، ولكن نتائج إلغاء هذا القانون لم تبدأ بالظهور والانعكاس على حياة السوريين حتى الآن، صحيح أن ثمة كثير من المشكلات التقنية التي ما زالت بحاجة إلى إجراءات عملية لحلها والوصول إلى النتائج المرتقبة، ولكن القانون نفسه لم يعد موجوداً، مما يرتب على المسؤولين التعامل مع نتائج إلغاء القانون بطريقة تعود على المواطن ببعض الفائدة، وتشعرهم بأن ثمة بداية ولو كانت بطيئة بدأت ترتسم معالمها في الأفق، وأن ثمة أفقاً ما ينذر بنهاية معاناتهم أو تقليصها بالحد الأدنى..

ولكن حسناً، سندع ذلك جانباً ونركز على أهم تطور شهدته سوريا في الأشهر الأخيرة وهو المتعلق بعودة مناطق الجزيرة إلى الدولة السورية (الرقة- دير الزور- الحسكة) بعد التسوية السلمية مع قسد، حيث انعقدت الآمال على ذلك التطور الذي كان من شأنه أن يحدث فارقاً نوعياً ملموساً وسريعاً وإسعافياً في حياة المواطن، فبعودة منطقة الجزيرة عادت الثروات الهائلة لتكون بيد الحكومة السورية وذلك يعني إمكانية حل كثير من الأزمات الخانقة التي كانت تقيد الحياة الاقتصادية، صحيح أن المسألة تحتاج إلى وقت أيضاً قبل أن تتضح ملامح تلك النتائج الإيجابية وتتبلور بصيغة مرضية، ولكن كان من المنتظر أن تبدأ تجليات ذلك التطور الإيجابي بالظهور، وفي الحد الأدنى أن يكون لذلك دور في لجْم الارتفاع غير المبرر لأسعار السلع والمواد الغذائية بشكل خاص، وتوليد فرص عمل، وكثير من المنعكسات الإيجابية الأخرى التي كان السوريون ينتظرون حدوثها بعد عودة ثروات الجزيرة لتكون ملكاً للدولة، ولكن المواطن لم يلمس شيئاً من ذلك حتى الآن بل على العكس، فقد بدأت الأوضاع الاقتصادية تشهد تدهوراً أكبر في الوقت الذي كان المواطن ينتظر انفراجة ما..

بالتأكيد لعبت ظروف الحرب الأميركية الإيرانية في الفترة الأخيرة دوراً وأحدثت أثراً سلبياً على حركة التجارة وبالتالي على الاقتصاد العالمي، ولكن كان من المفترض أن تكون سوريا أقل المتضررين، كما أن الاضطرابات التي يشهدها العالم والمنطقة أيضاً لا تزال مفتوحة الهوامش، فهل على المواطن السوري أن ينتظر نهاية الأزمات الدولية والإقليمية أيضاً ليشعر بشيء من الراحة وليكون قادراً على التنفس بعد سنوات طويلة من الاختناق والمعاناة؟

بالإضافة إلى ذلك، فإن ثمة أمرين هامين يشغلان تفكير السوريين ممن ينتمون إلى طائفة الفقراء، أولهما حملات التبرعات التي لم يلمس المواطن أثرها لا على المستوى الخدمي ولا على مستوى التعافي الاقتصادي، رغم أن الوعود التي تأسست على تلك الحملات فتحت باب الأمل واسعاً أمام مختلف الشرائح في سوريا، وثانيهما الاستثمارات التي من المفترض أنها باتت قيد التنفيذ بما تحمله من انتعاش وفرص عمل وارتفاع مفترض لدخل الفرد، غير أن كل ذلك بقي في إطار التصريحات والوعود ولم يجد المواطن أثراً له في حياته العملية..

في المقابل، ثمة أموال ضخمة تم إنفاقها على مشاريع غير إسعافية وتحتمل التأجيل، أو مشاريع تحمل الجانب الترفيهي مثل الفعاليات الثقافية الضخمة كمعرض الكتاب، أو حتى الميزانية التي تم تخصيصها لمشروع الهوية البصرية وغيرها، كل ذلك يجد فيه المواطن تأجيلاً لقوت يومه على حساب فعاليات قابلة للتأجيل، بما يعطي انطباعاً أن الحكومة تضع المواطن وهمومه في آخر جدول أولوياتها، وصولاً إلى قناعة لاحقة بأنه -المواطن- ليس ضمن أولويات الحكومة، وهو أمر بالغ الأثر على السوريين في هذه المرحلة وبعد مأساتهم التي امتدت لما يقارب عقداً ونصف..

يفترض المواطن، وبعد كل الإجراءات الاقتصادية الحكومية، أن السياسة الاقتصادية تعتمد على التقشف، بل يتوجب على الدولة الجديدة أن تعتمد تلك السياسة نظراً للمشكلات البنيوية العميقة التي تتحكم في الاقتصاد بشكل أساسي، ولكن هذا التقشف كان من نصيب المواطن نفسه ولا يشمل المؤسسات الحكومية واحتياجاتها التي تقترب من حالة البذخ، وما على المواطن إلا الانتظار، في حين يمكن قلب المعادلة، ليكون التقشف من نصيب المؤسسات الحكومية ليس من أجل رفاهية المواطن بل من أجل احتياجاته الأساسية، وحماية كرامته التي بذل من أجلها الغالي والنفيس، وهنا نجدنا أمام الأولويات المقلوبة التي تعتمدها الحكومة ويرى المواطن نتائجها، الأمر الذي من شأنه أن يهدم جسور الثقة مع الناس.

وبصرف النظر عن ذلك كله، فإن من الملفت أن المسؤولين في الدولة لا يعيشون نمط حياة يدل على حالة تقشف، لا على المستوى الشخصي ولا على المستوى الرسمي، فلا معاناة لدى المسؤولين، ولا احتياجاً مالياً ولا ضائقة، الأمر الذي يزيد من مرارة المعاناة حينما يشعر المواطن أنه ينتمي لطبقة أدنى، وأن طبقة المسؤولين ليست فقط ثرية وميسورة بل أيضاً لا تحس به ولا تسعى لحل أزماته.

لقد بات بوسعنا اليوم الحديث عن بطالة صريحة، فثمة نسبة كبيرة من السوريين لا تجد عملاً، أو تفقد عملها بالتدريج، ويعود ذلك كله إلى الخطأ في ترتيب الأولويات، وإذا استمرت المشكلة بالتفاقم فربما نشهد حالة مجاعة حقيقية، فثمة كثيرون اليوم ممن يعانون من الجوع، ولا تزال معاناة طائفة الفقراء تشتد تدريجياً من دون حلول عملية تلوح في الأفق، وإذا كانت ثمة حلول مؤجلة لصالح مشاريع أخرى، فعلى المعنيين المباشرة بإعادة ترتيب الأولويات ليس من أجل اقتلاع المشكلة من جذورها فهذا يتطلب وقتاً وصبراً بالتأكيد، ولكن لكي يتلمس المواطن بداية فعلية قد تفضي لاقتلاع الضرس المنخور في عجلة الاقتصاد.

لقد انتظر السوريون طويلاً وهم على استعداد للانتظار بالتأكيد لفترة أطول، لأنهم يدركون المرحلة المعقدة التي تمر بها البلاد، ولكنهم يطالبون بالحد الأدنى الذي يعينهم على ذلك الصبر، فطائفة الفقراء لا تسعى وراء الرفاهية، وتبحث فقط عن الكفاف، وهو ما لم تحققه الحكومة لهم حتى الآن، ولا مؤشرات واضحة إلى متى ستطول أزمتهم، وهو ما يهدد بانفجار محتمل قد يعيد الأمور إلى ما لا تحمد عقباه..

يفرق المحللون دائماً بين ثورة الكرامة وثورة الجياع، ولكننا لا يمكن أن نفصل النوعين بشكل حاسم، فالفقر والجوع وإهمال المتطلبات الأولية للحياة المواطن، يعني أيضاً إهانة كرامته، وبالتالي فإن توفير فرص العيش المقبول يعني الاهتمام بكرامة الإنسان، وكل الآمال تعلقت بالإدارة الجديدة لانتشال السوريين من حفرة الذل التي احتجزهم فيها نظام الأسد، فهل ستلتفت الحكومة السورية إلى هذا الملف باعتباره أولوية، أم أن الهوة ستتسع باطراد بشكل تعيد السوريين إلى الحفرة التي ضحوا بكل شيء للخروج منها؟

تلفزيون سوريا

—————————

 نحو “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي”.. مشروع برسم التفعيل/ أسامة قاضي

2026.04.15

يقدّم القرآن الكريم رؤية متكاملة لبناء الإنسان والمجتمع، إذ لا يقتصر خطابه على الجوانب الروحية فحسب، بل يمتد ليؤسس لمنظومة اقتصادية واجتماعية قائمة على العدالة والكرامة الإنسانية. ومن أبرز الآيات التي تعكس هذا البعد التنموي قول الله تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَاهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ النَّاسَ إِلۡحَافٗا﴾.

وتؤسس هذه الآية لمفهوم عميق من التمكين الاقتصادي للفئات التي مُنعت من العمل بسبب ظروف قاهرة، مع الحفاظ على كرامتها الإنسانية. وفي السياق السوري، حيث خلّفت سنوات الصراع آثارًا إنسانية واقتصادية عميقة، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترجمة هذا التوجيه القرآني إلى سياسات عملية تعيد دمج الفئات المتضررة في دورة الإنتاج.

تمثل الأرامل والأيتام وذوو الهمم، ولا سيما من فقدوا أطرافهم، إضافة إلى العاطلين عن العمل والمتضررين من عسف النظام السابق، نموذجًا معاصرًا للفئة التي وصفها القرآن الكريم بقوله «لا يستطيعون ضربًا في الأرض». ومن هنا تنبع أهمية الانتقال بهذه الفئات من دائرة الحاجة إلى دائرة الإنتاج، وهو ما يجسد جوهر مشروع تأسيس “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي”. إذ يهدف المشروع إلى نقل هذه الفئة من حالة العجز إلى التمكين الاقتصادي، ضمن رؤية وطنية اقتصادية وإنسانية تستند إلى القيم الأخلاقية التي رسخها القرآن الكريم، وتستفيد في الوقت ذاته من أدوات التنمية الاقتصادية الحديثة لإعادة بناء سوريا.

يجدر التذكير بأن سوريا امتلكت تجربة رائدة في هذا المجال من خلال “هيئة مكافحة البطالة”، التي تم تأسيسها خلال الأعوام 2002–2003 بهدف دعم المشاريع الصغيرة وتوفير فرص العمل. وقد أثبتت هذه الهيئة نجاحًا ملموسًا خلال فترة قصيرة، إذ تمكنت من منح نحو 14,400 قرض للمواطنين، ما أسهم في تحسين مستوياتهم المعيشية وتنشيط الاقتصاد المحلي. إلا أن هذه التجربة الواعدة لم يُكتب لها الاستمرار، إذ تم إغلاقها عام 2006 من قبل النظام السابق وبعض المتنفذين الفاسدين بعدما لمسوا الأثر الإيجابي لهذه المبادرة، وهو ما لم يتوافق مع مصالحهم.

وفي ذلك الوقت، قمتُ بإعداد دراسة ميدانية شاملة استغرقت أربعة أشهر، خلصت إلى أن استمرار عمل هذه الهيئة كان كفيلًا بالقضاء على البطالة في سوريا خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات، نظرًا لما أظهرته من قدرة عالية على تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة. وقد شكّلت هذه النتائج دليلًا واضحًا على أهمية الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأداة فعّالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وبعد التحرير، أُعيد طرح هذا المقترح انطلاقًا من الإيمان بأهميته الاستراتيجية في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، إلا أنه لم يحظَ بالتفعيل المطلوب آنذاك. ويُعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك كان نقص السيولة النقدية بالليرة السورية قبل طباعة العملة الجديدة. أما اليوم، وبعد أن مكننا الله من طباعة عملة وطنية جديدة، فقد أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لتنفيذ هذا المشروع الحيوي، مما يجعله مشروعًا برسم التفعيل بانتظار الإرادة السياسية اللازمة لتحويله إلى واقع ملموس.

يقترح المشروع تخصيص مبلغ تريليون ليرة سورية بالعملة القديمة، أو ما يعادل 10 مليارات ليرة سورية بالعملة الجديدة، أي ما مجموعه نحو 90 مليون دولار أميركي، كمرحلة أولى لتمويل المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في مختلف أنحاء البلاد. ويتم توزيع هذا التمويل بما يحقق التوازن بين حجم المشاريع وقدرتها على خلق فرص العمل، حيث يُخصص 40٪ للمشاريع متناهية الصغر التي تقل كلفتها عن عشرة آلاف دولار، و30٪ للمشاريع الصغيرة التي تتراوح كلفتها بين عشرة آلاف وثلاثين ألف دولار، و20٪ للمشاريع المتوسطة التي تتراوح كلفتها بين ثلاثين ألفًا ومئة ألف دولار، إضافة إلى تخصيص نسبة 10٪ للتدريب والإدارة والمتابعة لضمان استدامة هذه المشاريع.

وتُمنح هذه القروض دون فوائد ولمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، مع اعتماد نظام نقاط يضمن توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر استحقاقًا مثل الأرامل والأيتام وذوي الهمم والمتضررين من الحرب، مع إعطاء أولوية للمشاريع التي تخلق فرص عمل أكبر، ولا سيما في المناطق الريفية. كما يُكتفى بتقديم ضمانات اجتماعية من ثلاثة أفراد بدلًا من الضمانات العقارية المعقدة، مما يسهم في تسهيل الوصول إلى التمويل وتعزيز روح التكافل المجتمعي، إلى جانب تخصيص برامج تدريب وبناء قدرات ومتابعة مستمرة لضمان نجاح المشاريع واستدامتها.

ومن المتوقع أن يسهم هذا البرنامج في تمويل ما لا يقل عن 6800 مشروع من المشاريع الإنتاجية والخدمية والزراعية ومشاريع الثروة الحيوانية، وخلق ما لا يقل عن 37000 فرصة عمل مباشرة، فضلًا عن فرص العمل غير المباشرة، مما يعزز الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويوسّع القاعدة الضريبية للدولة، ويسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما أن سداد القروض سيتيح إعادة تدوير رأس المال لتمويل مشاريع جديدة، مما يضمن استدامة البرنامج على المدى الطويل.

إن تأسيس “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي” لا يمثل مجرد مبادرة اقتصادية، بل يجسد رؤية حضارية متكاملة تستلهم مقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة الإنسان. فالانتقال من فئة «لا يستطيعون ضربًا في الأرض» إلى فئة منتجة يعكس تحولًا استراتيجيًا يضع الإنسان في قلب عملية التنمية، ويؤكد أن إعادة بناء سوريا تبدأ بتمكين أبنائها اقتصاديًا. ومع توفر السيولة النقدية اليوم، لم يعد هناك ما يعيق تنفيذ هذه المبادرة، لتبقى “الهيئة الوطنية للتمكين الاقتصادي” مشروعًا برسم التفعيل بانتظار تبنّيه من قبل صُنّاع القرار، ليكون نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وعدالةً لسوريا وأبنائها.

تلفزيون سوريا

—————————

 بعد منع الاستيراد.. أسعار الدراجات النارية تشعل أزمة معيشية في سوريا/ محمد موسى محمد ديب

2026.04.15

لم يكن قرار منع استيراد الدراجات النارية إجراءً تنظيمياً فحسب، بل أصبح عاملاً فعالاً في الضغط على حياة الأهالي، خصوصاً في المناطق التي يعتمد فيها الأهالي على الدراجات النارية بشكل كبير، باعتبارها، وسيلةً شبه وحيدة للتنقل والعمل.

ففي مدن مثل معرة النعمان جنوبي إدلب، الواقعة على الأوتوستراد الدولي، برزت انعكاسات القرار بشكل مباشر، مع ارتفاع ملحوظ في الأسعار وتراجع القدرة على الشراء، وسط حديث عن مضاربات في السوق واحتكار لبعض الكميات المتوفرة.

 وبينما يرى البعض في القرار محاولة للحد من الازدحام، يؤكد عاملون في القطاع أنه ضيّق على شريحة واسعة من الأهالي، وفتح الباب أمام فوضى تسعيرية غير منضبطة.

هذا الواقع يطرح تساؤلات حول توازن القرار بين تنظيم السوق وحماية سبل العيش، خاصة في ظل غياب بدائل حقيقية أمام آلاف السوريين الذين يعتمدون على الدراجة النارية كوسيلة رزق يومي.

وفي نهاية كانون الأول الماضي أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير القرار رقم /5/ لعام 2025، القاضي بمنع إدخال الدراجات النارية بجميع أنواعها واستخداماتها إلى الأراضي السورية، سواء كانت جديدة أم مستعملة، اعتباراً من 1 نيسان 2026.

الأسعار تقفز.. والسوق يدخل دائرة الاحتكار

يقول محمد بربش لموقع تلفزيون سوريا، مدير شركة لبيع الدراجات النارية في معرة النعمان، إنّ قرار وقف الاستيراد انعكس بشكل مباشر وسريع على السوق، مشيراً إلى أن الأسعار شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال فترة قصيرة، نتيجة قلة المعروض ودخول بعض التجار في حالة مضاربة على الكميات المتوفرة.

ويضيف أن القرار رغم طابعه التنظيمي، “أضرّ باليد العاملة والتجار على حد سواء”، موضحاً أن شريحة واسعة من الأهالي تعتمد على الدراجات النارية كوسيلة أساسية للعمل والتنقّل، في ظل عدم القدرة على تحمّل كلفة السيارات.

ويؤكد أن أسعار الدراجات، التي كانت تتراوح سابقاً بين 400 و700 دولار، تجاوزت اليوم حاجز الألف دولار بحسب النوع، ما جعل اقتنائها أكثر صعوبة بالنسبة للكثيرين.

كما يشير بربش إلى أن استمرار القرار قد يهدد عمل أصحاب المكاتب في هذا القطاع، في حال نفاد الكميات المتوفرة، مطالباً الجهات المعنية بإعادة النظر فيه، إلى جانب معالجة إشكاليات أخرى مرتبطة بترخيص الدراجات، مثل اشتراط شهادة المنشأ، والتي لا تتوفر في بعض الحالات رغم وجود فواتير نظامية.

من ناحيته يروى حمزة الموسى، وهو شيف يعمل في أحد مطاعم ريف معرة النعمان لموقع تلفزيون سوريا، أن الدراجة النارية لم تكن يوماً خياراً ثانوياً بالنسبة له، بل الوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها للوصول إلى عمله والتنقل بين القرى، في ظل غياب وسائل نقل منتظمة وارتفاع تكاليف البدائل الأخرى.

ويقول إن القرار الأخير بمنع استيراد الدراجات النارية انعكس بشكل مباشر على حياته وحياة كثيرين مثله، موضحاً أن الأسعار ارتفعت بشكل مفاجئ، ما جعل شراء دراجة جديدة أو حتى استبدال القديمة أمراً صعباً.

ويضيف أن هذا الواقع وضع عبئاً إضافياً على الأهالي، خاصة في مناطق مثل ريف المعرة الشرقي، حيث عاد كثيرون إلى قراهم دون منازل جاهزة أو بنية تحتية، ودون مصادر دخل مستقرة.

ويشير الموسى إلى أن الاعتماد على الدراجات النارية في هذه المناطق لا يقتصر على العمل فقط، بل يشمل تأمين الاحتياجات اليومية والتنقل بين القرى، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها أو نقص في توفرها ينعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية.

ويرى أن استمرار هذا الوضع قد يزيد من معاناة العائدين، في وقت هم بأمسّ الحاجة فيه إلى تسهيلات لا إلى أعباء جديدة.

بين التنظيم والواقع.. قرار يحمل وجهين

في الوقت الذي تبدو أهداف القرار تنظيمية في ظاهرها، تكشف تداعياته في السوق عن واقع أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع مساعي الحد من الفوضى المرورية مع ضغوط معيشية متزايدة يواجهها المواطنون.

وفي هذا السياق يرى عمر عبد الكريم حرحش، صاحب مكتب لبيع الدراجات النارية في معرة النعمان، أن قرار منع الاستيراد لا يمكن النظر إليه من زاوية واحدة، موضحاً أنه قد يحمل جانباً تنظيمياً يهدف إلى الحد من الازدحام المتزايد في المدن.

لكنه في الوقت ذاته يشير حرحش في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن انعكاساته على السوق جاءت سلبية بالنسبة لشريحة واسعة من الأهالي، خاصة مع ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ نتيجة قلة المعروض، مضيفاً أن المشكلة لم تتوقف عند حدود القرار نفسه، بل امتدت إلى حالة من المضاربة والاحتكار لدى بعض التجار الذين استغلوا الكميات المخزنة لرفع الأسعار بشكل كبير، ما ضاعف الأعباء على المواطنين.

ويؤكد حرحش أن ضبط السوق بات ضرورة ملحّة، من خلال رقابة أكبر على الأسعار ومنع الاحتكار، مشدداً على أن أي قرار تنظيمي يجب أن يراعي الواقع المعيشي للأهالي، خاصة في مناطق تعتمد بشكل كبير على الدراجات النارية كوسيلة أساسية للحياة اليومية.

الصيانة.. كلفة تتضاعف

وفي سياق متصل يقول عمر العمر، وهو شاب من بلدة معرشمشة في ريف المعرة الشرقي لموقع تلفزيون سوريا إن تأثير قرار منع الاستيراد لم يقتصر على أسعار الدراجات نفسها، بل امتد بشكل واضح إلى قطع الغيار وكلفة الصيانة، حيث شهدت الأسعار ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة.

ويضيف العمر أن إصلاح الأعطال البسيطة بات يشكّل عبئاً مالياً، ما يدفع البعض إلى تأجيل الصيانة رغم الحاجة إليها، وهو ما قد يعرّضهم لمخاطر إضافية أثناء التنقل.

إحدى ورش تصليح الدراجات النارية في ريف إدلب – تلفزيون سوريا

ويشير العمر إلى أن الاعتماد على الدراجة في المناطق الريفية، مثل معرشمشة، يبقى ضرورة يومية، سواء للوصول إلى العمل أو لتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يجعل أي ارتفاع في كلفة تشغيلها ينعكس مباشرة على قدرة الأهالي على الاستمرار في حياتهم الطبيعية.

وينوه العمر إلى أن استمرار هذا الواقع قد يزيد من الضغوط على الشباب تحديداً، الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.

وبين قرارٍ يسعى لتنظيم السوق، وواقعٍ معيشي يزداد تعقيداً، تبقى الدراجات النارية في ريف إدلب الجنوبي أكثر من مجرد وسيلة نقل، بل شرياناً يومياً لحياة آلاف الأهالي، ومع غياب بدائل حقيقية، يتحول أي خلل في هذا القطاع إلى عبء مباشر على العمل والتنقل وحتى القدرة على الاستقرار.

وفي ظل تصاعد الأسعار واتساع فجوة القدرة الشرائية، يبرز التحدي في إيجاد توازن بين ضبط السوق ومنع الفوضى من جهة، وحماية سبل العيش من جهة أخرى، خاصة في مناطق لا تزال تعيش آثار الحرب وتفتقر إلى بنية اقتصادية مستقرة.

تلفزيون سوريا

———————————–

جيل معلّق: كيف يعيد النزاع تشكيل معنى الاستقرار لدى الشباب السوري؟/ هيلين علي

15 أبريل 2026

في شمال وشرق سوريا، يكبر جيل كامل في ظل واقع لا يمنحه الكثير من اليقين. حياة يومية تتقاطع فيها فرص العمل المحدودة مع تعليم متقطع وظروف اجتماعية متقلبة، ما يجعل التخطيط للمستقبل مهمة معقدة بقدر ما هي ضرورية.

بالنسبة لكثير من الشباب، لم يعد الاستقرار يُختزل في منزل أو وظيفة ثابتة، بل بات يرتبط بالشعور بالأمان، والقدرة على اتخاذ قرارات شخصية ومهنية بحرية، ومواصلة التعليم، وتأجيل خطوات مصيرية مثل الزواج أو تأسيس أسرة.

“أشعر أن حياتي معلّقة، كل يوم يحمل تغييرات جديدة لا أستطيع التنبؤ بها”. يقول محمد العلي، شاب في العشرينات من القامشلي، في حديثه لموقع “الترا سوريا”. بعد أكثر من عقد من النزاع، لم يعد مفهوم الاستقرار كما كان سابقًا؛ إذ أعاد الواقع المتغير تشكيله لدى جيل الشباب، ليصبح مرتبطًا بدرجة القدرة على التكيف مع ظروف غير مستقرة، بدلًا من الارتباط بثبات المكان أو العمل فقط.

التأجيل اليومي: الانتظار كاستراتيجية للبقاء

أصبح التأجيل نمط حياة لدى كثير من الشباب في هذه المنطقة. فكل خطوة نحو المستقبل قد تتغير بين ليلة وضحاها بفعل تقلبات السوق أو الأوضاع السياسية أو الظروف الأمنية. هذه الحالة لا تُعد خيارًا فرديًا بقدر ما هي آلية للتكيف مع بيئة غير مستقرة. يضيف محمد العلي: “كل شيء مؤجل، لا أستطيع التفكير في المستقبل البعيد، حتى الزواج أو العمل، لأن الواقع متقلب جدًا”.

يعيش الشباب حالة من عدم اليقين المستمر، حيث تتبدل الفرص بسرعة، وتتحول القرارات اليومية إلى عبء نفسي إضافي. هذا الواقع ينعكس على مختلف جوانب الحياة، ويؤثر على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، ويجعل التخطيط طويل الأمد أكثر صعوبة.

التعليم والعمل: فجوة بين الطموح والفرص

أثر النزاع بشكل مباشر على قطاع التعليم، ما أدى إلى فجوات واضحة في المهارات والمعرفة. فقد واجهت المدارس والجامعات انقطاعات متكررة وتراجعًا في مستوى الخدمات التعليمية، الأمر الذي انعكس على فرص الشباب في الحصول على تعليم مستقر وفعّال. في المقابل، يعاني سوق العمل من محدودية الفرص واعتماده على وظائف مؤقتة أو مشاريع قصيرة الأجل، ما يضع طموحات الشباب في مواجهة واقع اقتصادي غير مستقر.

ملسة إسماعيل، من ريف القامشلي، تقول لـ”الترا سوريا”: “كنت أحلم بالدراسة والعمل في مجالي، لكن كل شيء توقف. أحيانًا أفكر بالسفر للخارج لإيجاد فرصة حقيقية”. وتضيف: “حتى مع شهادتي في الهندسة المعلوماتية، لم أحصل على أي وظيفة منذ سنوات. أحاول أن أكون قوية، لكن أحيانًا أشعر أن الأمور خارج عن سيطرتي”.

تشير تقديرات محلية إلى أن نسبة كبيرة من الشباب تواجه صعوبات في الوصول إلى التعليم العالي، فيما يعتمد قسم واسع منهم على أعمال مؤقتة أو غير مستقرة. هذه الفجوة بين الطموح والفرص تعزز الشعور بالإحباط، وتدفع بعضهم للتفكير بالهجرة، بينما يواصل آخرون التكيف مع واقع اقتصادي محدود.

الهجرة كخيار مفروض: بين الداخل والخارج

لم تعد الهجرة بالنسبة لكثير من الشباب خيارًا ترفيهيًا، بل تحولت في كثير من الحالات إلى ضرورة. بعضهم يغادر مناطق داخل سوريا بحثًا عن فرص أفضل أو ظروف أكثر استقرارًا، فيما يتجه آخرون إلى دول مجاورة أو أبعد سعيًا لتحقيق طموحاتهم التعليمية والمهنية.

هذا التنقل المستمر يعيد تشكيل مفهوم الانتماء، ويضع الشباب في حالة دائمة من الترقب وعدم الاستقرار، سواء على المستوى الجغرافي أو الاجتماعي. يقول إيفان شاويش (20 عامًا)، وهو من ديرك، لـ”الترا سوريا”: “نعيش في انتظار اللحظة التي يمكننا فيها بناء حياتنا، لكن الواقع لا يسمح بذلك. الاستقرار بات حلمًا بالنسبة لنا”.

ولا تقتصر آثار الهجرة على البعد الجغرافي، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية، حيث تتغير الروابط التقليدية، ويصبح الحفاظ على الانتماء تحديًا إضافيًا في بيئات جديدة ومتغيرة.

الصحة النفسية: ضغط مستمر وقلق متراكم

يُعد الضغط النفسي أحد أبرز نتائج العيش في بيئة غير مستقرة، حيث يفرض النزاع قيودًا متعددة على الحياة اليومية. وتشير تقديرات محلية إلى أن نسبة كبيرة من الشباب تعاني من صعوبة في التخطيط لمستقبلها بثقة. يضيف إيفان شاويش: “الانتظار المستمر يثقل كاهلنا نفسيًا، ويجعلنا نشعر بالعجز أمام حياتنا ومستقبلنا”.

تظهر آثار هذا الضغط في شكل قلق دائم، صعوبة في التركيز، اضطرابات في النوم، وتوتر في العلاقات الاجتماعية. وتبقى الصحة النفسية هنا مرتبطة بشكل وثيق بالعوامل الاقتصادية والسياسية، أكثر من كونها قضية فردية منفصلة.

الواقع الاجتماعي والسياسي: حدود غير مرئية للخيارات

يتفاعل الشباب مع بيئة أوسع تتأثر بتغيرات اجتماعية وسياسية مستمرة، تنعكس بشكل مباشر على فرصهم في التعليم والعمل والتنقل. أي تحول في هذه البيئة قد يفرض إعادة ترتيب الأولويات أو تأجيل قرارات مصيرية.

هذا الواقع يعزز الشعور بأن العديد من الخيارات الحياتية ليست بالكامل ضمن نطاق السيطرة الشخصية، بل تتأثر بعوامل خارجية متغيرة، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى مفهوم الاستقرار.

آفاق الاستقرار: نحو إعادة بناء الفرص

يرى عاملون في مبادرات محلية ومجالس مدنية أن الاستثمار في التعليم، ودعم المشاريع الشبابية، وتوسيع فرص العمل المستقرة، تمثل ركائز أساسية لإعادة تعريف مفهوم الاستقرار. كما أن برامج التدريب المهني والتعليم المستمر يمكن أن تسهم في سد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، في حين تتيح المشاريع الصغيرة والمتوسطة فرصًا لتعزيز الدخل والاستقلالية الاقتصادية.

إشراك الشباب في صياغة السياسات المحلية يُعد أيضًا خطوة مهمة نحو تمكينهم من لعب دور فعّال في رسم مستقبلهم، وتحويل الاستقرار من مفهوم نظري إلى واقع يمكن تحقيقه تدريجيًا.

صمود الشباب السوري

يواجه جيل الشباب في شمال وشرق سوريا تحديات مركبة تتداخل فيها العوامل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا من النزاع، أعاد هذا الواقع تشكيل معنى الاستقرار، وجعل من الانتظار جزءًا من التجربة اليومية.

ورغم هذه الظروف، يواصل الشباب التكيف مع واقعهم، في محاولة للحفاظ على طموحاتهم وبناء مسارات مستقبلية ممكنة، في بيئة لا تزال تفرض عليهم إعادة تعريف مفاهيم أساسية مثل الأمان والاستقرار والانتماء.

الترا سوريا

———————————–

=====================

تحديث 14 نيسان 2026

——————————–

 انزلاق إلى قاع الفقر.. كيف اختفت الطبقة المتوسطة من الساحل السوري؟/ مظفر إسماعيل

2026.04.13

“خلف الأبواب الموصدة في أحياء اللاذقية وطرطوس، لم تعد رائحة القهوة الصباحية تعلن عن يومٍ من الاستقرار كما كانت قبل سنوات. هناك، حيث كانت تجتمع عائلات الطبقة المتوسطة حول موائد بسيطة لكنها عامرة بالرضا والضحك، بات الصمت اليوم سيد الموقف، تقطعه فقط حسابات الجيوب الفارغة ومرارة المفاضلة بين أساسيات البقاء. لقد انفرط عقد تلك الطبقة التي كانت يوماً صمام أمان المجتمع السوري وحاملة إرثه الثقافي والتعليمي؛ فالموظف الذي كان يطمح للرفاهية صار يطمح لربطة خبز، والمعلمة التي كانت تدخر لغد أبنائها باتت تبيع ما تملك لتسد رمق يومها. إنها قصة انزلاق مؤلم من ضفاف الاستقرار إلى قاع الهشاشة، حيث يختفي ‘الوسط’ ليترك المجتمع منقسماً بين فقرٍ مدقع وثراءٍ فاحش، في تحول بنيوي يهدد بهدم ما تبقى من أعمدة النسيج الاجتماعي.”

دور محوري للطبقة المتوسطة

تعتبر الطبقة المتوسطة الركيزة الأساسية التي يستند عليها استقرار أي مجتمع، كما تمثل خط التوازن والتماس بين الأغنياء والفقراء، واللاعب الأساسي في تخفيف الفجوة الاقتصادية في المجتمع.

وتعد تنمية هذه الطبقة أساسا في معالجة الفقر وتخفيف عدد الفقراء تمهيدا لرفع مستوى المعيشة في أي مجتمع، علاوة على دورها الكبير في تحريك عجلة الاقتصاد باعتبارها طبقة منتجة ومستهلكة في آن واحد.

كما أن دور الطبقة المتوسطة لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل تلعب دورا محوريا في دعم الثقافة والتعليم، وترسيخ القيم المدنية، حيث كانت هذه الطبقة عبر التاريخ، الأقدر على التأثير باعتبارها تشكل الغالبية العظمى من المعلمين والموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.

 وتخشى الكثير من الدول من تآكل وتقلص حجم الطبقة المتوسطة ، خوفا من اتساع الفجوة بين الطبقات، وانعدام الانسجام الاجتماعي، بما ينعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع المنقسمين بين فقراء حاقدين على أغنياء، وأثرياء يعيشون في طبقة مخملية.

ويشير تقرير للأمم المتحدة صدر في 20 شباط 2025، بعنوان “أثر الصراع في سوريا: اقتصاد مدمر وفقر واسع وطريق صعب نحو التعافي الاجتماعي والاقتصادي”، إلى أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون اليوم في الفقر.

كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من نصف قيمته منذ عام 2011، في حين تضاعف معدل البطالة ثلاث مرات، وأصبح واحد من كل أربعة سوريين عاطلا عن العمل، مع تدهور كبير في البنية التحتية العامة.

وارتفعت نسبة الفقر من 33 بالمئة قبل الحرب إلى 90 بالمئة حاليا، بينما قفز الفقر المدقع من 11 بالمئة إلى 66 بالمئة، في حين يتراوح عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس بين 40 و50 بالمئة من الفئة العمرية بين 6 و15 عاما.

في الساحل.. مزيد من الأسر تنزلق نحو قاع الفقر

لا يخلو حديث في الساحل السوري عن تآكل الطبقة المتوسطة، أو عن انزلاق المزيد من الأسر نحو قاع الفقر، الذي فرضته الكثير من العوامل خلال الأعوام الماضية.

يرى “ياسر”، وهو موظف حكومي في اللاذقية، أن الطبقة المتوسطة بدأت بالاندثار في العام 2011، خاصة مع التراجع المستمر في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، وما رافقه من انحسار في قيمة الليرة وفق قوله.

ويقول: “مع انطلاق الثورة السورية، لجأت السلطات إلى أساليب قذرة بغية إطالة عمر النظام، خاصة وأن الفساد كان منتشرا إلى حد كبير في جميع مفاصل الدولة، فعمدت الحكومة حينها إلى تحديد الرواتب بالليرة، وربط الأسعار بالدولار، فكان انهيار الليرة ينعكس فقط على الطبقة المتوسطة “.

ويوضح: “الطبقة المتوسطة هي الموظف الحكومي والعامل في القطاع الخاص، وكان متوسط دخلها آنذاك بين 400 إلى 800 دولار، وبدأت الرواتب بالتراجع إلى أن بلغت 20 إلى 40 دولارا قبل سقوط النظام، ما يعني أن الطبقة المتوسطة انعدمت حرفيا في السنوات الماضية”.

وتوافقه الرأي “رنا أحمد”، وهي موظفة من طرطوس، مشيرة إلى أن معظم الناس كانوا في السابق يدرسون فروعا جامعية تلتزم بها الدولة، كي يصبحوا موظفين برواتب جيدة نوعا ما، معززين الطبقة المتوسطة في المجتمع.

وتضيف: “جميع الناس كانوا يطمحون إلى التوظف في الحكومة أو التطوع في الجيش، وفي الحالتين لدينا طبقة ليست فقيرة ولا غنية، تشبه العاملين في الأعمال الحرة من حيث القدرة المالية”.

وتكمل: “ما حدث في العام 2011، ومع انطلاق المظاهرات الشعبية، هو أن الحكومة لفت حولها طبقة غنية لحمايتها، مؤلفة من كبار الفاسدين، ونقلت قسما من الطبقة المتوسطة إلى الطبقة الغنية، وهم ما نسميهم أثرياء الحرب، بينما انهار باقي الشعب إلى ما دون خط الفقر بدرجات، بسبب النهب والفساد الذي مارسه نظام الأسد”.

من الاستقرار إلى الهشاشة

قبل عام 2011، كانت الطبقة المتوسطة في الساحل السوري تتمتع بدرجة مقبولة من الاستقرار، موظفون حكوميون، معلمون، مهندسون، وأصحاب أعمال صغيرة، كانوا قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، بل والادخار أحيانا، أما اليوم، فالمشهد تغير جذريا.

يقول “أبو أحمد”، وهو موظف حكومي في الخمسين من عمره من مدينة اللاذقية: “كنت أتقاضى راتبا معقولا، وكان الراتب يكفيني أنا وعائلتي إلى آخر الشهر، لكن اليوم، للأسف، لم يعد يكفي ثمن طعام لأسبوع، من هنا نقول نحن لم نعد طبقة وسطى، فنحن بالكاد نعيش”.

ويضيف: “حدث هذا التحول بسبب التراكمات الاقتصادية القاسية، من انهيار الليرة، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني لا يتوافق مع الأجور، وما رافقه من تضخم هائل، حيث تضخمت أسعار المواد الرئيسية عشرات المرات خلال السنوات الأخيرة، فحدثت الفجوة الواسعة بين الدخل والإنفاق”.

اللاذقية

تنتشر البسطات في مدينة اللاقية مع تدهور الوضع المعيشي في البلاد، 12آذار 2025 ـ غيتي

أما “أم لؤي”، وهي معلمة من طرطوس، فتوضح أن السنوات الأخيرة شهدت انخفاضا مستمرا في قدرة عائلتها الشرائية، مؤكدة أنها كانت تشتري كل ما يلزم البيت براتبها، بينما تضطر حاليا للاستدانة في منتصف الشهر.

وتضيف: “المشكلة أننا اضطررنا في السنوات الماضية لبيع سيارتنا، ثم قطعة أرض بسبب طارئ صحي أصابنا، واليوم أعتقد أننا من الطبقة الفقيرة جدا”.

من جهتهم، لم يسلم أصحاب المهن الحرة من الواقع الاقتصادي الهش، فورشات الحرف والمحال التجارية والمطاعم الصغيرة، باتت تعاني من تراجع كبير في القدرة الشرائية.

يقول “طارق”، صاحب محل ألبسة في اللاذقية: “كان الزبائن في السابق يدخلون ويشترون، بينما الآن يسألون عن الأسعار ويغادرون.. نحن عالقون حاليا بين مشكلتي ارتفاع الكلفة وضعف الطلب والقدرة الشرائية”.

ويتابع: “للأسف، وصلنا إلى مرحلة بتنا فيها لا نربح كلفة عملنا، وأنا أفكر بالإغلاق والسفر إن تمكنت من إيجاد عمل في الخارج”.

زيادة رواتب من دون تأثير!

رغم أن السبب الرئيسي في اختفاء الطبقة المتوسطة أو تراجع حجمها بمعنى أدق، هو انخفاض الأجور، فإن زيادة الرواتب لم تقدم علاجا للمشكلة، ولم تحرك ساكنا، خاصة في الساحل.

“عبدالله”، مدرس في جبلة، يوضح أن زيادة الرواتب شملت الموظفين الذين استمروا على رأس عملهم، بينما تم فصل عدد كبير من الموظفين، إضافة إلى جلوس أفراد الجيش السابق في منازلهم من دون مدخول وفق تعبيره.

ويقول: “إذا كانت الزيادة حسنت مستوى معيشة ألف عائلة مثلا، فإن الفصل من الوظائف دهور وضع ألف عائلة مقابلها، لذلك نحن نراوح في المكان”.

ويوافقه “أحمد”، وهو موظف مفصول من عمله، قائلا: “تم فصلي من عملي أنا وزوجتي، والآن نحن بدون مدخول، وحتى الموظفين برأيي لم يتحسن وضعهم إطلاقا، فارتفاع سعر الكهرباء والخبز والمواصلات، جعلت من الزيادة وهمية”.

في الختام، لا يشكل اختفاء الطبقة المتوسطة تدهورا اقتصاديا وحسب، بل يحمل في طياته أزمات اجتماعية وثقافية عميقة وخطيرة، خاصة وأن الطبقة المتوسطة تعد الطبقة الأهم في أي مجتمع مهما بلغ مستواه الحضاري والاقتصادي.

ومع استمرار غياب السياسات الاقتصادية الفعالة، بات اختفاء الطبقة المتوسطة في الساحل ينذر بتحول بنيوي قد يستمر لسنوات، تختفي خلاله شريحة لطالما كانت رمزا للاستقرار، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تعيشها البلاد.

 تلفزيون سوريا

———————–

 التعافي في سوريا بعد الحرب.. بين ضرورات العدالة وضغوط الواقع الاقتصادي/ طالب الدغيم

2026.04.14

إن مسألة التعافي والاستشفاء الوطني السوري، ليست عملية تقنية أو مساراً إدارياً قابلاً للضبط عبر أدوات التخطيط الاقتصادي أو إعادة الإعمار المادي. ولا شكّ أن المجتمعات الخارجة من الحروب لا يمكن أن تعود إلى سابق عهدها، بل تدخل في طور تاريخيّ جديد يتمثّل في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والشرعية، وبين الذاكرة الجماعية والهوية والانتماء الوطني. ومن هذه الزاوية، يغدو سؤال التعافي في قلب معادلة التغيير التي شهدتها سوريا بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهو سؤال يتجاوز المؤشرات الاقتصادية ليطال بنية المجال العام، وأنماط توزيع القوة، وشروط إنتاج المعنى الاجتماعي في سوريا في الوقت الراهن.

فالتعافي الوطني السوري بدأ يواجه، في مستوياته الشكلية والعميقة، جملة من التحديات والعثرات؛ نظراً لغياب العدالة الانتقالية بوصفها أداةً لإعادة تأسيس الشرعية والعقد الاجتماعي وتضميد الجراح المفتوحة، فضلاً عن اختلال البنية الاقتصادية والإنتاجية، وهو ما يعيد إنتاج الهشاشة الاجتماعية، إلى جانب استمرار حضور الذاكرة الجمعية بوصفها عنصراً فاعلاً في تشكيل السلوك السياسي والاجتماعي والنفسي. وهذه المحددات تتقاطع ضمن ما يمكن تسميته بـ”حقل ما بعد النزاع”، حيث تطفو على السطح قضايا تتعلق بطبيعة السلطة الجديدة، وحقوق الضحايا، والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والدستوري.

– العدالة الانتقالية بوصفها شرطاً لتعزيز شرعية السلطة الجديدة

تُظهر أدبيات التغيير والتحولات السياسية أن الانتقال إلى حالة الاستقرار لا يمكن أن يتم عبر تعليق سؤال العدالة أو تأجيله. فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على البعد القانوني، بل تُعدّ آليةً لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال الاعتراف بالانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وإدماج الماضي ضمن إطارٍ سرديٍّ قابلٍ للتداول العام. وفي غياب هذه العملية، تبقى الدولة في موقعٍ ملتبس، تمارس فيه السلطة من دون أن تمتلك شرعيةً متجددة.

ومن منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة ذلك في ضوء مفهوم “العنف الرمزي” عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930 – 2002م)، حيث لا يقتصر تأثير السلطة على أدوات العنف المباشر، بل يمتد إلى قدرتها على فرض تعريفٍ معيّنٍ للواقع، بحيث يغدو هذا التعريف مقبولاً بوصفه طبيعياً أو غير قابل للنقاش. وفي الحالة السورية الراهنة، فإن إعادة إدماج شخصيات أو شبكات مرتبطة ببنية النظام السابق لا تمثّل مجرد خيارات سياسية، بل تُعدّ آلية لإعادة إنتاج أنماط الهيمنة ذاتها، مع إجراء تعديلات شكلية لا تمس البنية العميقة. وهذا ما يُضعف إمكان تشكّل مجالٍ عام قائم على الاعتراف المتبادل، ويُبقي الضحايا خارج الميزانين السياسي والقانوني.

وتُظهر تجارب دول مثل ماليزيا، ورواندا، والبوسنة، وجنوب إفريقيا، فضلاً عن دول أميركا اللاتينية مثل السلفادور وتشيلي، أن التعامل مع الماضي لا يكون بتجاهله، بل بتنظيمه ضمن إطار مؤسسي يتيح إعادة بناء الثقة. وأما في غياب هذا التنظيم القانوني لحقوق المتضررين، فإن المجتمع يدخل في حالةٍ من عدم الاستقرار، حيث لا تُعالَج جذور المشكلات، بل تعلّق، وقد يُدفع ذوو الضحايا إلى خياراتٍ غير قانونية ولا أخلاقية في بعض الأحيان، بما يهدد السلم والاستقرار الأهلي.

– الاختلال الاقتصادي يخلق هشاشة اجتماعية وفوضى أخلاقية

يرتبط مسار التعافي بطبيعة البنية الاقتصادية السورية التي ظهرت ملامحها بعد سقوط نظام الأسد، والتي تمثّلت في بدء محاولات الإصلاح الاقتصادي والخصخصة، ومصادرة منظومة النظام السابق، والتقارب مع الغرب والولايات المتحدة لرفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وإطلاق حزمةٍ من المشاريع تبنّتها المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وتركيا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، وأوكرانيا، وأذربيجان، في المجالات الصحية والتعليمية والصناعية والزراعية والسياحية والخدمية والتشغيلية، إلى جانب انطلاق حملات التبرع والمبادرات الشعبية لإصلاح البنى التحتية. غير أن هذا الزخم كان أكبر من الواقع، ولم يُطبَّق منه حتى اللحظة إلا بعض المشاريع المحدودة.

وفي واقع الأمر، فإن التدهور في مستويات المعيشة، واتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، لا سيما في الاحتياجات اليومية والسكن، إلى جانب التفاوت في الأجور بين موظف وآخر داخل المؤسسة نفسها، وارتفاع معدلات البطالة، تمثّل جميعها مؤشرات على اختلالٍ عميق. ولا شك أن هذه الظواهر تعد نتائج ظرفيةً للحرب، غير أنها تعكس أيضاً نمطاً اقتصادياً غير قادرٍ على إعادة إنتاج التوازن الاجتماعي حتى اللحظة، وهو ما يجعل الاقتصاد عاملاً مركزياً في تحديد مدى قابلية المجتمع للاستقرار أو الانكشاف نحو عدم الاستقرار والفوضى الأخلاقية التي قد تدفع الأفراد إلى خياراتٍ تهدد المجال العام.

ويتيح تحليل المؤرخ الاقتصادي المجري كارل بولاني (1886 – 1964م)1 للتحولات الاقتصادية الحديثة فهماً معمقاً لهذه الظاهرة، حيث يشير إلى أن تحرير السوق من القيود الاجتماعية يؤدي إلى تفكك البنى المجتمعية، إذا لم تُرافقه آليات حماية تضمن الحد الأدنى من العدالة في توزيع الثروة والعمل والدخل المناسب. وفي الحالة السورية، لا يبدو أن هناك توازناً بين منطق السوق ومنطق الحماية الاجتماعية، إذ تطفو على السطح مظاهر هيمنةٍ لآلياتٍ غير منظمة، تتداخل فيها المضاربة والاحتكار وضعف الرقابة، إلى جانب استمرار بعض أنماط الفساد السابقة، ما يؤدي إلى تحويل الاقتصاد إلى مصدر ضغط دائم على الشرائح المجتمعية الأوسع.

ومن منظور بورديو، لا يتعلق الأمر فقط بتوزيع الموارد الاقتصادية، بل بإعادة توزيع أشكال متعددة من الرأسمال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. فالاختلال الاقتصادي يؤدي إلى تقليص فرص الوصول إلى التعليم، وإضعاف الشبكات الاجتماعية المستقلة، وتعزيز الاعتماد على علاقات الوساطة والولاء. وهذا النمط الاقتصادي لا يعيد إنتاج الفقر فحسب، بل يعيد أيضاً إنتاج أنماط الهيمنة ذاتها، ويحدّ من قدرة الأفراد على الفعل داخل المجال العام.

وتُظهر تجارب ما بعد الصراع، في البلقان والعراق، أن غياب إصلاحٍ اقتصاديٍّ عادل أدى إلى تشكّل نخبٍ اقتصاديةٍ جديدة استفادت من الهشاشة العامة ومن إرث الفساد الإداري، وعزّزت أنماط المحسوبية والشللية، وأسهمت في ترسيخ طبقةٍ أوليغارشيةٍ على حساب الأغلبية الساحقة من المواطنين. وبهذا، فإن التعافي الوطني، بمفهومه الشامل، يغدو عمليةً غير متكافئة، تتراكم فيها المكاسب في أطرافٍ محددة، بينما تستمر الأغلبية في مواجهة ظروف معيشية قاسية، قد تصل إلى حدودٍ يصعب التنبؤ بمآلاتها.

– الذاكرة الجمعية تؤسس العقد الاجتماعي والسياسي الجديد

لا يمكن التعامل مع الذاكرة في المجتمعات الخارجة من العنف بوصفها بقايا ماضٍ يمكن تجاوزه بمرور الوقت. فالذاكرة، وفقاً لعالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس (1877–1945م)، تتشكل داخل أطرٍ اجتماعية، وتؤثر في أنماط الإدراك والسلوك. وهذا يعني أن التجربة السورية لا تُختزن فقط في الوعي الفردي، وإنما في بنىً جماعية تُعيد إنتاج نفسها في الخطاب واللغة، وفي الحياة اليومية والعالم الافتراضي، وفي العلاقات الاجتماعية، والمواقف السياسية، وحتى في المشكلات القانونية والجوار الجغرافي بين المناطق والمكونات الاجتماعية والإثنية في سوريا.

وفي هذا الإطار، فإن الدعوات إلى “تجاوز الماضي” من دون معالجة واقعية للذاكرة غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ بدأنا نشهد مظاهر انتقام فرديّ في بعض المناطق، مثل حلب وحمص وحماة. فالذاكرة التي لا تُدمج في سرديةٍ عامة تبقى حاضرةً بشكلٍ غير منتظم، وتتحول إلى مصدر للشك وانعدام الثقة بين السوريين، وهو ما لوحظ في تجاربٍ مثل لبنان والعراق، نتيجة العنف والانقسام الاجتماعي وغياب العدالة وردّ الحقوق إلى أصحابها، الأمر الذي دفع، في بعض الحالات، إلى اللجوء إلى العنف المباشر كوسيلةٍ لحل النزاعات.

وفي الحالة السورية، تتخذ الذاكرة بُعداً إضافياً، نظراً لتعدد مستويات العنف وتداخل التجارب الفردية والجماعية، ما يجعلها عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، لا مجرد انعكاسٍ للماضي. وبالتالي، فإن أي مشروعٍ للتعافي يتجاهل هذا البعد، أو يسعى إلى تحييده، يظل مشروعاً منقوصاً، لأنه لا يعالج أحد الشروط الأساسية لإعادة بناء الثقة، وترميم النسيج الاجتماعي، ومعالجة القضايا الأمنية معالجةً جادة، بدلاً من الاكتفاء بمصالحاتٍ قد تبدو للناس وكأنها عفوٌ عن الماضي مقابل تنازلاتٍ معينة لصالح السلطة.

ولا يمكن اختزال التعافي في استقرارٍ أمنيٍّ جزئي، أو في تحسنٍ محدودٍ لبعض المؤشرات الاقتصادية، كما يظهر في الخطابات الرسمية المتعلقة بالناتج المحلي أو الانفتاح الاقتصادي أو تحسن ميزانية الدولة أو رواتب العاملين. فالتعافي، في معناه العميق، يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الاعتراف والعدالة، وإعادة بناء الاقتصاد وفق معطيات الواقع المعيشي وتطوراته المتصاعدة، وهو ما يسمح بإنتاج حدٍّ أدنى من التوازن الاجتماعي، وإدماج السوريين في إطار سياسيّ وأخلاقيّ وقيميّ يؤسس لمستقبلٍ أكثر استقراراً وعدلاً.

وفي غياب هذه الشروط، يبقى ما يُسمى بالتعافي أقرب إلى إعادة ترتيبٍ شكليٍّ لا يغيّر جوهر الأزمة العالقة بعد التحرير، والمتعلقة بحقوق الضحايا والمفقودين والمنكوبين، وبضرورة معالجة الأسباب التي أدت إلى دمار سوريا. فالتعافي من دون عدالة سيُعيق تشكّل العهد الجديد، ويجعل البلاد عرضةً لانتكاساتٍ محتملة عند عودة التدخلات الخارجية أو تفاقم الأوضاع المعيشية.

فالتاريخ يُظهر أن الاستقرار الذي لا يقوم على معالجة جذور الصراع يظل قابلاً للانكشاف والانهيار، حتى وإن بدا متماسكاً في ظاهره. ومن ثم، فإن التعافي والاستشفاء الوطني السوري له مقوماته التي تبدأ بصياغة رؤية وطنية جامعة، ومعالجة المشكلات القانونية والمعيشية والأمنية معالجةً شاملة، وهو ما يشكّل المدخل الحقيقي للنهوض الوطني الشامل.

تلفزيون سوريا

——————————–

التحدّي البنيوي الذي يهدد المرحلة الانتقالية

تحاول هذه المطالعة قراءة ما ينتظر سورية: التحدّي البنيوي الذي يهدد المرحلة الانتقالية قبل أن تتوطد، والمتمثل في الضغط البيئي المتزايد الناتج من شحّ المياه، والتلوث النفطي، والصيد الجائر، والحرائق، والرعي المفرط. وهي تحديات لم تعد قضايا تنموية أو بيئية منفصلة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن البيئي (Environmental Security)، أي قدرة الدولة والمجتمع على إدارة الموارد الطبيعية بطريقة تمنع تحوّل الضغوط البيئية إلى عوامل عدم استقرار سياسي أو اجتماعي. وقد كشفت دراسات المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسّطة المدى أن شرق المتوسّط بات من أكثر مناطق العالم عرضةً للجفاف المتكرر نتيجة تغير المناخ.

من التدهور إلى التوتّر الاجتماعي

يمكن فهم طبيعة المخاطر البيئية عبر مسار سببي واضح أثبتته التجارب الدولية في دول ما بعد النزاع: فالجفاف المستمر، والتلوث، والحرائق، والرعي الجائر تؤدّي جميعاً إلى تراجع الإنتاج الزراعي، فيفقد المزارعون مصادر رزقهم، ومن ثم تتصاعد الهجرة الريفية، فترتفع البطالة الحضرية، وتتصدّع بنية التماسك الاجتماعي؛ وهو تسلسل وثّقته أبحاث متعددة في سياقات مختلفة تمتدّ من السودان إلى اليمن. وما يجعل الحالة السورية أشد حساسية تقاطع هذا المسار مع مرحلة انتقالية هشّة لم تتوطد فيها المؤسسات بعد، ما يضاعف قدرة الضغوط البيئية على إشعال التوترات الاجتماعية أو استغلالها من قوى مزعزعة للاستقرار.

أرقام تعكس حجم الأزمة

رصد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقاريره أخيراً أن منسوب المياه الجوفية في محيط دمشق انخفض بأكثر من 65 متراً خلال العقدين الماضيين. وتحوّل نهر بردى، الشريان التاريخي للعاصمة، إلى مجرى شديد التلوث في أجزاء واسعة منه جرّاء الصرف الصناعي وانهيار شبكات معالجة المياه. كما وثّقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن سورية فقدت نحو 30% من غطائها الحرجي منذ عام 2011 نتيجة الحرائق والقطع غير القانوني للأشجار.

وفي حوض الفرات والجزيرة السورية، تفيد تقديرات المنظمة نفسها بأن إنتاج القمح والشعير انخفض بنسب تراوحت بين 40% و60% مقارنة بالمتوسط التاريخي لمطلع الألفية. وعلى صعيد الإنسان، يُقدّر برنامج الغذاء العالمي أن نحو 14.5 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي أو المائي الحاد. وقبل الحرب، كانت الزراعة تمثل نحو 20%–25% من الناتج المحلي الإجمالي، وتُشغّل قرابة ربع القوى العاملة السورية وفق بيانات البنك الدولي. أما الجفاف الذي اجتاح البلاد عام 2025، فقد أفضى إلى عجز في إنتاج القمح يُقدَّر بنحو 2.7 مليون طن متري، وهو ما يكفي نظرياً لتغطية الاحتياجات الغذائية السنوية لأكثر من 16 مليون شخص.

وفي مناطق سورية متعددة، بدأت آثار التدهور البيئي تتجلى في الحياة اليومية بصورة ملموسة؛ ففي قرية جدوعة قرب سلمية بريف حماة، جفّت آبار زراعية رئيسية ما دفع بعض المزارعين إلى بيع مواشيهم أو هجر أراضيهم. وفي ريف دير الزور، تراجع إنتاج القمح إلى نحو سدس مستواه السابق جراء انخفاض تدفق مياه الفرات وتدهور شبكات الري. وفي ريف كوباني، بدأ مزارعون يتخلون عن الزراعة كلياً بسبب ارتفاع تكاليف الري وتراجع العائد الاقتصادي.

والأكثر دلالةً ما رصده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقاريره الميدانية عام 2025، إذ تبيّن أن نحو 72% من النزاعات المحلية المرصودة في ريف دمشق الشرقي ترتبط بالمياه والأراضي، وهو رقم يلوّح بأن البذرة الأولى لموجة هجرة ريفية جديدة ربما بدأت تنبت في ظل غياب تدخلات فعّالة وعاجلة.

تسارع التصحّر والتلوث النفطي

شهد الساحل السوري خلال عام 2025 موجات حرائق واسعة التهمت آلاف الهكتارات من الغابات في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة. وتشير بيانات منظمة Global Forest Watch إلى احتراق أكثر من 16.6 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية، فيما سُجّل أكثر من 2100 حريق حراجي وزراعي خلال العام الواحد. وفي البادية الشرقية والجزيرة السورية، أدى الرعي الجائر والفلاحة غير المنظمة إلى تسارع التصحر وتدهور المراعي الطبيعية، مما ساهم في زيادة شدة العواصف الترابية في مناطق دير الزور والحسكة.

وفي مناطق إنتاج النفط بدير الزور والحسكة والرقة، تعرّضت البنية التحتية النفطية لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى تسربات متكرّرة وتلوث واسع للتربة والمياه. ورصد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في وثائقه الصادرة بين عامي 2023 و2024 ثلاثة أشكال رئيسية لهذا الإرث البيئي الثقيل: تسرّب مركبات هيدروكربونية ومعادن ثقيلة إلى نهر الفرات وروافده، ما يهدد مياه الشرب والري لملايين السكان. تشكّل بحيرات نفطية ملوثة في بعض الحقول تحول دون نمو النباتات لسنوات طويلة. انبعاث غازات سامة وجسيمات دقيقة من عمليات التكرير البدائي، تحتوي على مركبات مسرطنة كالبنزين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.

الصيد الجائر والمياد سلاحا

تواجه الموارد السمكية في سورية تراجعاً حادّاً نتيجة الصيد الجائر وغير المنظم؛ ففي الساحل السوري، أدى استخدام الشباك المحظورة والمتفجرات إلى استنزاف المخزون السمكي بصورة ملحوظة، فيما أدى الصيد بالسموم والكهرباء في نهر الفرات إلى تدمير أجيال كاملة من الأسماك الصغيرة. وقد جمعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) شهادات صيادين محليين تُفيد بأن كميات الصيد اليومية انخفضت بنسبة تتراوح بين 60 و80% مقارنة بعقد 2010.

ولا يمكن فهم الأزمة المائية في سورية بمعزل عن بعدها الإقليمي العابر للحدود؛ فنهر الفرات، الذي يُمثّل شرياناً حيوياً لنحو 15 مليون سوري، يخضع لمعادلة قوة غير متوازنة تحكمها تركيا من المنبع. يضم مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) أكثر من 22 سداً، في مقدمتها سد أتاتورك الذي تبلغ طاقته التخزينية نحو 48 مليار متر مكعب. وقد انخفض تدفق الفرات عند الحدود السورية التركية في بعض السنوات إلى أقل من 500 متر مكعب في الثانية، مقارنة بمتوسّط تاريخي يتجاوز 800 متر مكعب وفق ما ترصده محطة جرابلس المائية.

وتدخل سورية المفاوضات المائية من موقع ضعف مزدوج: فمن الشمال تواجه التحكم التركي في منابع الفرات، ومن الشرق ترتبط بالعراق الذي يعاني من ضغوط مائية مشابهة، ومن الداخل تفتقر إلى سلطة مركزية راسخة قادرة على التفاوض باسم الدولة. وعلى الرغم من أن اتفاقية عام 1987 بين تركيا وسورية حددت حصة سورية بـ 500 متر مكعب في الثانية، فإن هذا الرقم لم يُلتزم به دائماً، كما أنه يظل دون المستوى الكافي لتلبية الاحتياجات الزراعية في ظل الجفاف المتصاعد.

ثمة نافذة دبلوماسية قد تفتحها المرحلة الانتقالية؛ فتركيا أبدت اهتماماً ببناء علاقات مع الحكومة السورية الجديدة، وهو ما يمكن توظيفه للمطالبة بمراجعة الاتفاقيات المائية ضمن إطار تفاوضي شامل. وتُلهم التجربة العالمية في هذا السياق من اتفاقية مياه النيل إلى معاهدة السند بين الهند وباكستان بأن المؤسّسات المشتركة لإدارة الأنهار العابرة للحدود يمكن أن تُحوّل التنافس على المياه من منبع توتّر إلى أداة استقرار إقليمي.

هل البيئة أولوية حالياً؟

يرى فريق من صانعي القرار والمانحين الدوليين أن ربط إعادة الإعمار بالاشتراطات البيئية ترف لا تتحمّله دولة تسعى أولاً إلى الاستقرار الأمني وإعادة تشغيل اقتصادها، وأن الأولويات ينبغي أن تنصبّ على البنية التحتية والتعليم والصحة، لا على سياسات مناخية معقدة التطبيق ومكلفة التمويل. ويحمل هذا الاعتراض منطقاً واقعياً يستحقّ الجدّية، غير أنه يرتكز على تقاطع زمني وهمي بين الأولويات، وكأن تحقيق الاستقرار والاهتمام البيئي أمران متنافيان، في حين أن الوقائع تُثبت العكس. فقد وثّق فريق من الباحثين بقيادة كولن كيلي في دراسة نُشرت في المجلة العلمية الأمريكية PNAS عام 2015، أن موجة الجفاف التي اجتاحت سورية بين عامي 2006 و2010 ساهمت في نزوح نحو 1.5 مليون مزارع نحو المدن، وضخّت وقوداً اجتماعياً في صراع لاحق. ولن يعيد إهمال هذا الدرس في مرحلة إعادة الإعمار التاريخ فحسب، بل سيُكرّره بشكل أكثر مرارة؛ إذ ستجد الدولة الانتقالية الهشة نفسها أمام توترات متراكمة اجتماعية ناجمة عن نزاعات مياه وأرض قبل أن تُكمل بناء مؤسّساتها. … والمعادلة الحقيقية ليست مسألة بيئة أو استقرار، بل هي: إدارة بيئية ذكية الآن أم أزمات اجتماعية أكثر كُلفةً لاحقاً؟

إعادة إعمار أخضر

شهد موسم الأمطار 2025- 2026 تحسناً ملحوظاً، إذ بلغت كميات الهطول في بعض المناطق نحو 60% من المعدّل السنوي حتى فبراير/ شباط الماضي. غير أن هذا التحسّن لا يعوّض عقداً من التراجع التراكمي في المياه الجوفية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتصاعد معدلات التبخر التي يرصدها برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لرصد المناخ.

ورغم خطورة التحديات، تفتح مرحلة إعادة الإعمار نافذة لسياسات بيئية أكثر استدامة. فقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أكثر من 550 ألف متر مكعب من الركام الناتج من الحرب أُعيد تدويره حتى الآن. وتنتشر مبادرات تشجير وطنية كـ “غرسة وطن” و”دمشق خضراء”، فيما تُشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تقنيات الري بالتنقيط توفر ما يصل إلى 60% من المياه مقارنة بالري السطحي التقليدي. كما يمكن لسورية الاستفادة من صندوق المناخ الأخضر المتاح للدول الخارجة من النزاعات والذي لم يُستغل بعد بالقدر الكافي.

توصيات للمرحلة الانتقالية

• إنشاء هيئة وطنية عليا للموارد المائية والبيئة تتبع أعلى مستوى حكومي لضمان التنسيق المؤسسي.

• إصدار قانون شامل لإدارة المياه والثروة السمكية يمنع الاستغلال غير المنظم للموارد.

• توجيه جزء من الاستثمارات الدولية نحو مشاريع الإدارة المستدامة للمياه والطاقة المتجددة.

• إدماج التعويضات البيئية ضمن برامج العدالة الانتقالية للمزارعين والصيادين المتضررين.

• إشراك المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في إدارة الموارد الطبيعية عبر تعاونيات المياه ولجان إدارة البيئة.

• فتح مسار تفاوضي مع تركيا حول تقاسم مياه الفرات في إطار القانون الدولي للمياه.

وليس الخيار أمام سورية بين الاهتمام بالبيئة أو تجاهلها، بل بين دفع تكلفة الإدارة البيئية المدروسة الآن، أو دفع تكلفة الانهيار الاجتماعي لاحقاً؛ وهي فاتورة أثقل بكثير. يُقدّر البنك الدولي أن تكلفة التدهور البيئي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبلغ ما بين 3% و5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً. وفي اقتصاد ناشئ كالاقتصاد السوري الساعي إلى استعادة عافيته، يُمثّل هذا النزيف البطيء عائقاً بنيوياً أمام أي مسار تعافٍ مستدام.

الدرس الذي كان ينبغي تعلّمه من جفاف 2006–2010 لم يُستوعَب بشكل كافٍ حين اندلعت الأزمة. اليوم، وبعد كل التكاليف الباهظة التي دفعتها سورية وشعبها، يغدو تكرار هذا الإخفاق في تجاهل الضغوط البيئية ومخاطرها على التماسك الاجتماعي أمراً لا يحتمل الاعتذار عنه.

ليس الأمن البيئي في سورية ملفاً تقنياً يُحال إلى لجان خبراء؛ إنه قضية سياسية بامتياز تستوجب قراراً سياسياً رفيعاً. والمرحلة الانتقالية بكل ما تحمله من هشاشة هي في الوقت نفسه اللحظة الوحيدة التي يمكن فيها إرساء قواعد مختلفة قبل أن تتكلس الأنماط القديمة من جديد. الأرض السورية تحمل من الجروح ما يكفي، والمطلوب اليوم ألا تُضاف إليها جروحٌ كان بالإمكان تجنبها.

العربي الجديد

——————————–

=======================

تحديث 12 نيسان 2026

——————————–

صراع الموظفين/ عبسي سميسم

12 ابريل 2026

تشهد مؤسسات الدولة السورية حالة صراع بين موظفيها على أكثر من مستوى، بدأت تظهر تداعياتها للعلن، فيما يحمّل كل طرف من أطراف هذا الصراع الحكومة مسؤولية ما يحصل في تلك المؤسسات بسبب سياسات التوظيف والإدارة التي تتّبعها. ويتجلّى الصراع الأبرز بين الموظفين الحكوميين الذين كانوا في عهد النظام السابق وأُبقوا على رأس عملهم، والموظفين الجدد الذين استُقدموا لملء مواقع شاغرة معظمها قيادية في تلك المؤسسات، ممن يُسمون بموظفي إدلب (أي الذين هُجّروا خلال فترة الثورة إلى محافظة إدلب من كل المحافظات فضلاً عن سكان المحافظة)، والذين يرى فيهم الطرف الآخر أشخاصاً بلا خبرة إدارية، يديرون شؤون المؤسسات بطريقة ديكتاتورية، وفيها تهميش كبير لهم. كما يشتكي الموظفون القدامى من الفرق الكبير في الرواتب بينهم وبين الموظفين الجدد الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي وبقيم تصل إلى أكثر من 2000 دولار في بعض المواقع، فيما لا يزال سقف رواتبهم يراوح بين 100 و300 دولار في أحسن الحالات، هذا عدا احتمالية الاستغناء عنهم في أي لحظة.

أما الموظفون الجدد، فيرون في موظفي النظام السابق امتداداً لمنظومة فساد غير قابلة للتطوير ولا تمتلك أي إرادة للخروج من روتين وبيروقراطية الإجراءات التي كانت متّبعة والمصممة لممارسة كل أنواع الفساد الإداري، كما يرون أنه بعد تحرير البلاد من حقهم أن تكون لهم الأولوية في التوظيف وشغل المناصب الإدارية بعد الثمن الباهظ الذي دفعوه ثمناً لمعارضة النظام، ولحريتهم. ويبرر الموظفون الجدد رواتبهم العالية بأنّ قسماً كبيراً منها يذهب ثمناً لإيجارات البيوت وكلفة المعيشة الغالية في العاصمة بعد تركهم أماكن سكنهم الأصلية للالتحاق بتلك الوظائف، عدا كون تلك الوظائف لا تزال تُشغّل بعقود عمل مؤقتة لا تمنحهم أياً من حقوق الموظفين الحكوميين. كما يتهم كل طرف من الموظفين الحكومة بمحاباة الطرف الآخر، ووصل الصراع أوجه بتنظيم وقفات احتجاجية من طرفي الموظفين، كان آخرها يوم أمس السبت للموظفين الجدد في مدينة إدلب.

أما المظلومية الأخرى لموظفي الحكومة، فهي مظلومية الموظفين الذين فصلهم النظام المخلوع وصدر مرسوم رئاسي بعودتهم إلى عملهم، ولكن في الواقع أُعيد قسم منهم بعقود خارجية من دون دمجهم ضمن نظام العمل ومن دون استعادة أي من حقوقهم بصفتهم موظفين دائمين، بالإضافة إلى أنّ قسماً كبيراً منهم لا يزال ينتظر دراسات أمنية للموافقة على العودة إلى العمل، على الرغم من مرور ما يقارب عشرة أشهر على مرسوم الإعادة.

وما يزيد الطين بلة في موضوع مظلوميات الموظفين هي السياسة التي تتّبعها الحكومة في عمليات التوظيف التي تتم من دون اتّباع أدنى معايير الكفاءة، فهي تعتمد بالدرجة الأولى على الولاء، كما ظهرت مجموعة من المدراء في مؤسسات الدولة هي من إخوة وأقارب من الدرجة الأولى لموظفين كبار في الدولة من وزراء وشخصيات ضمن الكتلة الصلبة للسلطة، يتعاملون مع تلك المؤسسات باعتبارها ملكيات خاصة ويصدرون قرارات ليست من صلاحياتهم ويفرضون إجراءات تحتاج إلى قوانين.

العربي الجديد

———————————-

أزمة معبر سيمالكا تفاقم الغلاء في سورية/ سلام حسن

12 ابريل 2026

تشهد مناطق شمال شرقي سورية تطورات متسارعة على خلفية الخلافات بين الحكومة السورية وإدارة معبر سيمالكا الحدودي، وسط مؤشرات على تغيرات اقتصادية قد تنعكس بشكل مباشر على حياة السكان، في ظل ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية والكهربائية ومواد البناء. وأفاد مصدر مطلع من إدارة معبر سيمالكا، فضل عدم ذكر اسمه، بوجود خلاف مالي كبير بين إدارة المعبر ووفد من الحكومة السورية، يتمحور حول السيطرة على الإيرادات الجمركية. وأوضح أن عدة وفود حكومية زارت المعبر خلال الأيام الماضية، كان آخرها يوم الخميس الماضي، مطالبةً بتسلّم الإدارة المالية للمعبر.

وبحسب المصدر، رفضت إدارة المعبر هذا الطلب، ما دفع الوفد الحكومي إلى المطالبة بحصة مالية من عائدات الجمارك، إلى جانب ممارسة ضغوط إضافية، أبرزها التدخل في مسألة ختم جوازات سفر اللاجئين الكرد القادمين من أوروبا. وأشار المصدر لـ”العربي الجديد” إلى أن الحكومة السورية تسعى لرفع الرسوم الجمركية بنسبة تتجاوز 300% على البضائع، إضافة إلى فرض رسوم تصل إلى ألف دولار على السيارات السياحية، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تؤدي إلى تعطيل المعبر أو الحد من نشاطه التجاري.

شريان اقتصادي مهدد

يعد معبر سيمالكا، الذي أنشئ لأغراض إنسانية قبل أن يتحول إلى معبر تجاري عام 2013، أحد أهم المنافذ الحيوية لسكان المنطقة، حيث يربطهم بالعالم الخارجي ويوفر السلع الأساسية. ويرى متابعون أن فرض رسوم مرتفعة قد يدفع التجار إلى البحث عن بدائل، مثل معابر أخرى محتملة مستقبلاً، أو الاعتماد بشكل أكبر على التجارة الداخلية، ما قد يقلل من تدفق السلع ويزيد من تكلفتها. وفي مدينة القامشلي، انعكست هذه التطورات بشكل واضح على الأسواق، حيث سجلت أسعار الخضراوات والمواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً. ويقول أحمد إبراهيم لـ”العربي الجديد”، وهو تاجر خضراوات، إن قلة دخول البضائع عبر المعبر وارتفاع الرسوم الجمركية أديا إلى شح في الأسواق.

وأضاف أن سعر كيلو البندورة في سوق الجملة وصل إلى 15 ألف ليرة سورية، بينما يباع في الأسواق بنحو 21 ألف ليرة (الدولار = 12800 ليرة تقريباً)، مع تسجيل أسعار مرتفعة لباقي الخضراوات والفواكه، مثل الخيار (10 آلاف)، والثوم (40 ألفاً)، والليمون (25 ألفاً). من جانبه، أوضح التاجر حميد صفوك لـ”العربي الجديد” أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بالجمارك، بل يتأثر أيضاً بعوامل إقليمية، مثل التوترات الدولية وإغلاق بعض طرق الإمداد، ما أدى إلى إطالة مسارات الشحن وزيادة التكاليف.

زيادات مرتقبة في الرسوم

تشير معلومات متداولة إلى نية الجهات المعنية رفع التعرفة الجمركية على عدد من السلع الأساسية، حيث قد تصل الزيادة إلى مئات الدولارات على الطن الواحد، بما في ذلك مواد غذائية مثل السردين والمعكرونة والزيت والسمنة. كما تم رفع الرسوم على الأجهزة الكهربائية بنسبة 40%، ما ينذر بارتفاع إضافي في أسعارها، إلى جانب مواد البناء، وهو ما قد يؤثر على مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية. ويحذر مواطنون وتجار من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى موجة غلاء جديدة، قد تتجاوز قدرة السكان على التحمل، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها المنطقة. ومع ترقب صدور تسعيرة جمركية جديدة خلال الأيام المقبلة، تتجه الأنظار إلى مستقبل معبر سيمالكا، الذي بات محوراً رئيسياً في معادلة الاقتصاد المحلي، بين اعتبارات السيطرة السياسية وضغوط الواقع المعيشي.

——————————–

 أزمة معيشية تغير مسار الخريجين.. لماذا يعمل أصحاب الشهادات بمهن إضافية في سوريا؟/ هديل عدره

2026.04.12

“من المكتب إلى الممسحة”، هذه هي يوميات المهندس السوري أحمد، فنهارا يرتدي بدلته الأنيقة ويجلس بمكتبه المرتب ويرسم المباني، وبعد انتهاء الدوام الرسمي في إحدى الوزارات ويحل المساء يحمل “ممسحته” لينظف السيارات في شوارع دمشق.

هذا هو الواقع الحقيقي لكثير من حاملي الشهادات في سوريا مثل المهندسين والمعلمين والحقوقيين، الذين يواجهون صعوبة في تأمين احتياجاتهم اليومية لعائلاتهم.

ويقول المهندس المدني أحمد لموقع تلفزيون سوريا: “إن رواتب المهندسين لا تكفي لتغطية إيجار المنزل، وفواتير الكهرباء والماء وأسعار المواد الغذائية”، مشيرا إلى أن العمل بعد ساعات الدوام النظامي هو قرار إجباري وليس خيارا ترفيهيا.

وأما سامي “خريج حقوق” يقول “لم تمكني الظروف من التدريب والعمل في مكتب محام لأني لا أستطيع تأمين أجور المواصلات يوميا، لذلك أتدرب 3 أيام في الأسبوع (الأحد، والإثنين، والثلاثاء) وباقي الأيام أذهب للعمل في ورشة دهان أو بناء على حسب الموجود”.

ويضيف “بعد سنوات عدة من الدراسة لم أعمل بشهادتي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية في البلاد، أشعر بالتعب الشديد من العمل في أعمال البناء ولكن لا خيار لدي”.

سميرة معلمة مدرسة تقول: “أعمل بعد دوام المدرسة مباشرة في سوبر ماركت قريب من منزلي للساعة السابعة مساء، لكي أستطيع تأمين القليل من احتياجات أطفالي فراتب المدرسة لا يكفي إلا لدفع الفواتير فقط، وفي أغلب الأحيان الرواتب تتأخر ولا نقبض في أول الشهر، وأحيانا ننتظر شهران وثلاث ولكن صاحب المنزل لا ينتظر لدفع الإيجار 3 أشهر. وتضيف المعلمة أن الواقع سيء جدا، ولا يمكن إغماض الأعين عنه من قبل الحكومة أكثر من ذلك”.

ظاهرة تتفاقم

تقول المرشدة الاجتماعية ضحى سليمان لموقع “تلفزيون سوريا” إن مشهد عمل حاملي الشهادات الجامعية تطور في السنوات الأخيرة، وأصبح مشهد محزن وينذر بالخطر على الفرد السوري والمجتمع بشكل كبير.

وتوضح سليمان قائلة “بعد أن كانت الشهادة الجامعية تعتبر بوابة لمستقبل مستقر ووظيفة مرموقة، بات كثير من الخريجين اليوم مضطرين للعمل بعد الدوام الرسمي، في مجالات بعيدة تماماً عن اختصاصهم، وذلك لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة”.

وتشير إلى أن هذه الظاهرة تتسبب في تراجع قيمة التعليم فعندما لا تؤدي الشهادة إلى وظيفة مناسبة، يشعر الخريج بالإحباط، مما قد يؤثر على الأجيال القادمة ويضعف رغبتهم بالتعليم.

ومن الناحية النفسية تقول سليمان أن الضغط النفسي كبير جدا على الفرد السوري فهو عاش 14 عاما من الحرب والتهجير ومع ذلك استمر في التعليم وكسب الشهادات وأصبح اليوم يشعر أنها بلا فائدة، وتضيف أن العمل لساعات طويلة في أكثر من وظيفة يؤدي إلى الإرهاق والتوتر، ويؤثر سلباً على الصحة النفسية.

وتشرح أيضا أن القيم والمبادئ لدى الفرد والمجتمع السوري تغيرت بشكل سلبي، وتحوّل التفكير من البحث عن وظيفة تناسب الاختصاص إلى القبول بأي عمل يحقق دخلاً، ما يعكس تحولاً في أولويات المجتمع.

وتشير إلى أن العمل فقط لشراء الاحتياجات اليومية يؤخر في عملية الاستقرار الأسري، فإن ضعف الدخل يدفع الكثير من الشباب إلى تأجيل الزواج أو الاستقرار.

“بدنا ناكل بدنا نعيش”

ويشار إلى أنه نتيجة للواقع الاقتصادي السيء، خرج بائعو البسطات في مظاهرة أمام مبنى المحافظة بدمشق يوم الجمعة الماضية تحت شعار “بدنا ناكل بدنا نعيش”، احتجاجا على الواقع المعيشي والقرارات الحكومية الأخيرة.

كذلك دعا ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي في المدن الكبرى كدمشق وحلب للتظاهر يوم الجمعة القادمة تحت ذات الشعار “بدنا ناكل بدنا نعيش”، وتعكس الدعوات حالة الاحتقان في الشارع السوري إثر تردي الوضع المعيشي والخدمي.

والجدير ذكره أن اضطرار حاملي الشهادات للعمل بعد الدوام في سوريا ليس خياراً، بل هو حالة إجبارية فرضها الواقع الاقتصادي السيء، وبينما يحاول الأفراد التكيف مع هذا الواقع والعمل بأشغال شاقة بعد سنوات من الدراسة والتعليم، تبقى الحاجة ملحة لإصلاحات اقتصادية حقيقية تعيد التوازن إلى سوق العمل، وتمنح التعليم قيمته الفعلية كأداة للتقدم والاستقرار.

وبحسب منظمة العمل الدولية، بلغ معدل المشاركة في القوى العاملة 37.9 في المئة في عام 2024، حيث قُدّر بـ62.8 في المئة للرجال، مقابل 13.3 في المئة فقط للنساء. كما ارتفع معدل البطالة إلى 13 في المئة في العام نفسه، منها 24.7 في المئة بين النساء و31.5 في المئة بين الشباب. وتشير هذه المعدلات المرتفعة إلى نقص واضح في فرص العمل المنتجة، وفق المنظمة.

وتضيف أن الصراع والاضطرابات الاقتصادية، إلى جانب تراجع التقدم في التعليم والإنتاجية، أسهمت في تشكيل سوق عمل يعاني من نقص في فرص العمل اللائق.

وبالنسبة للعاملين، يعمل كثير منهم في القطاع غير المنظم أو في أعمال فردية لحسابهم الخاص. وتشير التقديرات إلى أنه في عام 2024، كان نحو ربع العاملين يعيشون في أسر يقل دخلها عن خط الفقر البالغ 2.15 دولار يوميا وفق تعادل القوة الشرائية.

تلفزيون سوريا

————————–

 إقصاء الكوادر القديمة في سوريا خلال مرحلة بناء الدولة.. التداعيات والانعكاسات/ طارق كتيلة

2026.04.11

يشهد الشارع السوري مؤخراً تصاعداً ملحوظاً في الجدل حول مصير الكوادر التي استمرت في العمل ضمن مؤسسات الدولة خلال سنوات الثورة، ما أثار انقساماً بين من يرى ضرورة الاستفادة من خبراتهم، ومن يدعو إلى إقصائهم بسبب ارتباطهم بالنظام المخلوع.

وتشير المعطيات إلى أن بعض المسؤولين الجدد فضّلوا الإبقاء على هذه الكفاءات، إدراكاً لأهمية الخبرة المتراكمة في ضمان استمرارية عمل المؤسسات، خصوصاً في مرحلة انتقالية معقدة تتطلب قدراً عالياً من الاستقرار الإداري والفني.

إلا أن ما يثير القلق يتمثل في لجوء بعض الجهات، ممن حصلوا على وثائق من النظام المخلوع، إلى استغلال أي مستند يحمل اسم أحد هؤلاء الموظفين، وتسريبه إلى بعض الصفحات الإعلامية، بهدف تشويه السمعة والضغط على المسؤولين لإقصائهم.

ويعكس هذا التوجه ثلاث إشكاليات رئيسية، في مقدمتها الحاجة الملحّة للاستفادة من الكفاءات والخبرات المتراكمة داخل مؤسسات الدولة، بما يضمن عدم انهيارها، خاصة في ظل صعوبة إيجاد بدائل مؤهلة بسرعة خلال المرحلة الانتقالية.

أما الإشكالية الثانية فتتمثل في مخاطر تسريح الموظفين بشكل تعسفي ومن دون أدلة قاطعة، إذ قد يؤدي ذلك إلى خلق حالة استياء واسعة داخل المجتمع السوري، وربما يتحول إلى غضب شعبي تجاه الحكومة الجديدة، خصوصاً أن المساس بمصدر الرزق يبقى من أكثر الملفات حساسية.

في حين تتعلق الإشكالية الثالثة بضرورة محاسبة كل من ثبت تورطه في دعم أو تنفيذ جرائم النظام المخلوع، وإبعاده عن أي موقع مسؤولية، لكن ضمن إطار قانوني واضح، يستند إلى أدلة دامغة وإجراءات عادلة.

وتتضح هذه الإشكاليات أكثر عند النظر إلى بعض الأمثلة الواقعية، ففي جانب إيجابي، جرى مؤخراً توقيف أبناء الفرفور عن لعب دور قيادي ديني في دمشق وكفّ يدهم، وهو قرار بدا منطقياً في ظل وجود فيديوهات موثقة تُظهر دعمهم الصريح للنظام المخلوع.

في المقابل، يبرز جانب مقلق، إذ أصدر وزير الطاقة قراراً بتعليق عمل مدير إدارة العلاقات الدولية والاتصال في الشركة السورية للبترول، استناداً إلى وثائق متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لم يُتحقق من صحتها بعد، إضافة إلى شهادة صوتية من سيدة لم تُفصح عن هويتها، وذلك من دون انتظار نتائج تحقيق رسمي، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: ماذا لو ثبتت براءته لاحقاً؟

وهنا يبرز المبدأ القانوني الأساسي بأن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، وليس العكس، وبالتوازي تتزايد حالة الاحتقان في دمشق، حيث يشعر البعض أنهم يُقصَون من مؤسسات الدولة لأنهم لم يغادروا البلاد أو لم ينخرطوا في العمل الثوري، رغم أن كثيراً منهم لم يكن جزءاً من النظام، بل أجبرته الظروف على البقاء والعمل لتأمين لقمة العيش.

وفي ظل هذه المعطيات، تفرض المرحلة الراهنة ضرورة تحقيق توازن دقيق بين العدالة والمحاسبة من جهة، وضمان الحفاظ على الكفاءة واستمرارية عمل المؤسسات من جهة أخرى، لا سيما أن الانتقال من الثورة إلى بناء الدولة يُعد من أعقد المراحل، ويستدعي قدراً عالياً من الحكمة والتروي، بعيداً عن أي اندفاع غير محسوب العواقب.

تبفزيون سوريا

——————————–

 السورية للبترول تحذر من محاولات “تخريب إعلامي”.. بداية القصة وتفاصيلها

2026.04.12

حذّرت الشركة السورية للبترول من “محاولات تخريب إعلامي” قالت إنها تستهدف عملها وعلاقتها بوزارة الطاقة، متوعدة بمحاسبة كل من يمس سمعتها  وسمعة كوادرها، وذلك في أحدث بيان لمديرها التنفيذي، عقب سلسلة أحداث وبيانات احتلت تفاصيلها منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية، وفتحت باب الانتقادات والتكهنات بشكل واسع.

البيان الذي نشره مدير السورية للبترول يوسف قبلاوي أمس السبت، على حسابه في فيس بوك، جاء رداً على أنباء تدّعي وجود خلاف بينه وبين وزير الطاقة السوري محمد البشير، على خلفية إصدار توجيه وزاري بكفّ يد مسؤول في الشركة اتهمه ناشطون سوريون بارتكاب انتهاكات خلال حقبة النظام المخلوع. 

وقال قبلاوي في بيانه إن “الشركة السورية للبترول تتابع باهتمام ما يتم تداوله في بعض المنصات الإعلامية”، مضيفاً أنه يود توضيح “المبادئ الثابتة التي تحكم عملنا في هذه المرحلة الحساسة، انطلاقاً من إيماننا بالشفافية كمنهج عمل”.

وأكد أن الشركة “تعمل ضمن رؤية وطنية شاملة تتكامل فيها الأدوار مع كافة الوزارات ومؤسسات الدولة. وعلاقتنا بوزارة الطاقة هي علاقة تنسيق وتناغم تام، حيث ننفذ استراتيجية الحكومة السورية الرامية إلى تعافي الاقتصاد الوطني”.

وأشار قبلاوي إلى أن “أي محاولة لتصوير تباين في المواقف بين أركان الإدارة هي محاولات يائسة لشق الصف المؤسسي”، على حد تعبيره.

“حملات تشويه ممنهجة ومشبوهة”

وفي حين أكد قبلاوي على “صون واحترام حرية التعبير بوصفها أحد المكتسبات الوطنية”، إلا أنه شدد على ضرورة التمييز بين “النقد البنّاء الذي يهدف للتطوير، وبين حملات التشويه الممنهجة التي تستهدف الكوادر الوطنية لغايات مشبوهة، والشركة “لن تتهاون في استخدام السبل القانونية والدستورية لمحاسبة من يحاول المساس بسمعتها أو سمعة كادرها”.

ورأى أن الرد الحقيقي على ما وصفها بـ “محاولات التخريب الإعلامي” ستكون “في الميدان”، وبأن “توقيع الاتفاقيات الاستراتيجية وتطوير الآبار، وتعزيز التعاون الدولي”، هي الإنجازات التي تترجم الدور الوطني للشركة.

تفاصيل القصة.. استقالة وانتقادات وبيانات

تعود بداية الأحداث إلى منتصف الأسبوع الفائت، حين قدّم مسؤول الإعلام في الشركة السورية للبترول، عدنان الإمام، استقالته احتجاجاً على ما وصفه بـ “اختراق مفاصل الشركة من قبل شخصيات مرتبطة بالنظام المخلوع”، معتبراً أن الاستمرار في العمل ضمن إدارة تفتقر إلى الشرعية الثورية والأخلاقية يُعدّ تنازلًا عن المبادئ التي قامت عليها المؤسسة في بداياتها.

وأرفق الإمام صوراً لمحاضر تعود لأجهزة استخبارات تابعة لنظام الأسد، تشير إلى تورط مدير العلاقات الدولية والاتصال في الشركة السورية للبترول “طلال الحلاق”، وعمله مع تلك الأجهزة في ملاحقة المعارضين السوريين خلال سنوات الثورة.

5685

تداول ناشطون سوريون عبر منصات التواصل الاجتماعي نبأ الاستقالة وصور المحاضر على نطاق واسع، معلنين تضامنهم مع الإمام ومطالبين بإعادة النظر إزاء عمليات تعيين شخصيات متورطة مع أجهزة أمن النظام المخلوع في مؤسسات الدولة، وكف يد الموظف الذي كان الدافع لاستقالة مسؤول الإعلام.

وبناء على تلك المطالبات، نشر وزير الطاقة محمد البشير عبر حسابه على منصة إكس، تدوينة أكد فيها توجيهه “بإيقاف المدعو طلال الحلاق في الشركة السورية للبترول عن العمل، إلى حين استكمال التحقق من المعطيات المتداولة بحقه”.

وأكد الوزير البشير على أنه “لن يكون في سوريا الجديدة مكان لأي شخص تحوم حوله شبهات تمس دماء السوريين أو كرامتهم أو معاناتهم”.

في اليوم التالي، وبخلاف ما كان ينتظره السوريون من إجراء تنفيذي يتوافق مع توجيهات الوزير، أصدر مدير السورية للبترول تعميماً طلب فيه من العاملين منع “عدنان فيصل الإمام” من دخول الشركة وكافة الجهات التابعة لها، مشيراً إلى أن الشركة “فصلت” الأخير بعد أن وجهت إليه العديد من التنبيهات والإنذارات.

صورة التعميم أرفقها الإمام في منشور على حسابه، قال فيه إنه “يتعارض مع واقع ما حدث، ويقدّم رواية مختلفة تماماً عن حقيقة استقالته”. وطالب “بتصحيح ما ورد من معلومات غير دقيقة بشكل رسمي، بما يحفظ الحقائق والاعتبار المهني، ويضع الأمور في إطارها الصحيح”، معتبراً أن التعميم الذي أورد اسمه الصريح “يمسّ سمعته المهنية”.

بالتوازي مع التعميم الأخير، نشرت منصات إعلامية تقارير قالت إنها مبنية على معلومات حصلت عليها من “مصادر مطلعة”، تفيد بوجود خلاف بين وزير الطاقة ومدير الشركة السورية للبترول، نتيجة عدم تنفيذ توجيهات الوزير بكف يد “الحلاق” عن العمل في الشركة.

وبحسب المصادر، فإن ذلك الخلاف ينم عن “صراع نفوذ مكشوف”، على حد تعبيرها.

وجاء “البيان التوضيحي” الأخير لمدير الشركة السورية للبترول، ليرد على تلك التقارير، وينفي مزاعم وجود “صراع نفوذ” داخل المؤسسة، متوعداً بـ “محاسبة من يحاول المساس بسمعة الشركة أو سمعة كادرها عبر السبل القانونية والدستورية”.

الموارد البشرية ورواية جديدة

آخر البيانات المتعلقة بالقصة، أصدرتها دائرة الموارد البشرية للشركة السورية للبترول منتصف ليلة السبت، وذلك بعد ساعات من بيان مديرها. وأبرز ما ورد فيه أن قضية “فصل” الإمام منفصلة تماماً عن قضية طلال الحلاق.

وقالت الدائرة إن الموضوعين “منفصلان تماماً ولا رابط بينهما على الإطلاق”، مشيرة إلى أن “محاولة الربط بينهما هي ادعاءات مغلوطة تفتقر للمصداقية وتهدف لتضليل الرأي العام، خصوصاً وأن قرار الإدارة بإقالة الأخير جاءت بوقت سابق”، دون تحديد ذلك الوقت.

وبحسب البيان، فإن قرار فصل الإمام جاءت “نتيجة تجاوزات مهنية وقانونية مثبتة، وليس بناءً على استقالة كما ادعى”.

واستعرض البيان مخالفات إدارية وقانونية قالت إدارة الموارد البشرية إن الإمام ارتكبها خلال “الفترة التجريبية”، من بينها: الجمع بين مكاني عمل في وقت واحد، وعدم الالتزام بسياسة الحضور والدوام الرسمي، والاستهتار بأصول الشركة وتسببه بخسائر مالية موثقة. بالإضافة إلى عدم اجتيازه للفترة التجريبية بإجماع إدارته المباشرة، والموارد البشرية، والإدارة التنفيذية.

وأكد البيان على أن قسم الموارد البشرية “لم يستلم منه أي استقالة، كما لم يقم المذكور بإجراء براءة ذمة أو تسليم عهدته رغم الطلب المتكرر منه”.

أما بالنسبة لوضع طلال حلاق، فأوضحت الإدارة أن الشركة، انطلاقاً من إيمانها بأن “الموظف بريء حتى تثبت إدانته”، فقد قررت كف يده مؤقتاً كإجراء احترازي ومسؤول، بهدف إتاحة الوقت الكافي للتواصل مع الجهات المختصة واستيضاح كافة الحقائق المتعلقة بالادعاءات المثارة، بعيداً عن ضجيج الإشاعات”، دون أن تربط ذلك الإجراء بتوجيهات وزير الطاقة .

تلفزيون سوريا

——————————

================

تحديث 11 نيسان 2026

تقرير: الحرب والجفاف والانهيار الاقتصادي تعمّق أزمة الأمن الغذائي في سوريا

تحذيرات من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين في سوريا

2026-04-10

حذّرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) من أن سياق الأمن الغذائي في سوريا لا يزال متأثراً بشكل عميق بتداعيات أكثر من عقد من الحرب، التي تسببت في أضرار واسعة بالبنية التحتية، وأدت إلى انهيار اقتصادي حاد، وفاقمت آثار الصدمات المناخية الزراعية المتكررة.

وأوضحت الشبكة في تقرير نشرته على موقعها الرسمي، أنه خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، تسببت الحرب في نزوح ملايين السوريين، وتدمير البنية الزراعية، وتقييد الوصول إلى الأسواق، وإضعاف الخدمات العامة وقدرات الدولة، كما عطّلت قطاعات إنتاجية رئيسية، بينها الزراعة وإنتاج النفط والتجارة، ما جعل الاقتصاد هشاً وأدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر.

وأشار التقرير إلى أنه مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتشكيل حكومة انتقالية في آذار/ مارس 2025، دخلت البلاد مرحلة انتقالية تتسم بتعدد مراكز السلطة وتفكك الحوكمة، في وقت لا تزال فيه أعمال العنف المحلية مستمرة بمشاركة مجموعات مسلحة غير حكومية، ما يؤدي إلى موجات نزوح جديدة.

وبالتوازي مع ذلك، ساهمت موجات الجفاف المتكررة في تسريع تدهور سبل العيش الزراعية، حيث كان موسم الأمطار 2024/2025 من بين الأشد جفافاً منذ عقود، مع انخفاض الهطولات بأكثر من 50 بالمئة عن المعدل، الأمر الذي أدى إلى تراجع حاد في إنتاج الحبوب وتدهور المراعي في المناطق الرئيسية لزراعة القمح البعلية، وفق ما ذكرته شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة.

ولفتت إلى أن هذه العوامل مجتمعة تواصل تقويض النشاط الزراعي، وتعطيل حركة التجارة ووظائف الأسواق، وإضعاف دخل الأسر وقدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية في مختلف أنحاء البلاد.

وبيّنت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أن النزوح لا يزال يشكل سمة أساسية في مشهد الأمن الغذائي في سوريا، فعلى الرغم من عودة نحو 1.4 مليون لاجئ و1.7 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم منذ ديسمبر 2024، لا يزال أكثر من 5.5 مليون شخص نازحين داخل البلاد، في حين يعيش نحو 4.6 مليون لاجئ سوري خارجها.

وتشمل هذه الأرقام نحو 170 ألف شخص في المناطق الساحلية بمحافظات حماة وحمص واللاذقية وطرطوس، وحوالي 155 ألفاً و200 نازح في السويداء، إضافة إلى ما يقارب 174 ألف شخص نزحوا حديثاً بسبب تجدد التصعيد السابق في شمال شرق سوريا.

وذكرت أن معظم النازحين يقيمون خارج المخيمات الرسمية، غالباً ضمن مجتمعات مضيفة تعاني من محدودية الوصول إلى الخدمات العامة الأساسية، وندرة فرص الدخل المستقر، وارتفاع أسعار الغذاء، ما يفاقم من هشاشتهم.

وأوضحت الشبكة أن أنماط سبل العيش تختلف باختلاف المناطق البيئية والاقتصادية في سوريا، إذ تعتمد الأسر الريفية بشكل رئيسي على إنتاج المحاصيل وتربية المواشي والعمل الزراعي الموسمي والتجارة البسيطة والتحويلات المالية والمساعدات الغذائية، بينما تعتمد الأسر في المدن على العمل المأجور والتجارة الصغيرة وفرص العمل المحدودة في القطاع الرسمي.

وأكدت أن الأسواق توفر الجزء الأكبر من الغذاء لكل من السكان في المدن والأرياف، ما يجعل القدرة الشرائية عاملاً حاسماً في الوصول إلى الغذاء، في ظل ارتفاع النفقات الأساسية الأخرى مثل الوقود والكهرباء والرعاية الصحية والسكن والنقل.

وأضافت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أن الأضرار الناجمة عن النزاع في البنية التحتية، والقيود على الحركة بسبب انعدام الأمن، والجفاف، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، أدت إلى تقلص المساحات المزروعة وتراجع فرص العمل الزراعي في العديد من المناطق، كما أسهمت آثار النزاع والجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف في تقليص إنتاج الثروة الحيوانية، ما اضطر العديد من المربين إلى بيع مواشيهم أو الخروج من هذا النشاط بشكل كامل.

وفيما يتعلق بالوضع الاقتصادي، أكدت الشبكة أن اقتصاد سوريا لا يزال هشاً خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام، فعلى الرغم من تسجيل بعض التحسنات المحدودة خلال عام 2025، مثل ارتفاع طفيف في التحويلات المالية وزيادات في رواتب القطاع العام وتراجع نسبي في تضخم أسعار الغذاء في بعض المناطق، فإن القدرة الشرائية للأسر لا تزال ضعيفة بسبب استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية.

وذكرت أن الرواتب الشهرية المتوسطة، التي تتراوح بين 75 و150 دولاراً، لا تزال قريبة من أو دون كلفة الحد الأدنى لسلة الإنفاق الضرورية للبقاء، في ظل الاعتماد الكبير على الواردات، والانخفاض السابق في قيمة العملة، وضعف الإنتاج المحلي، ما يبقي أسعار المواد الغذائية الأساسية عند مستويات مرتفعة.

كما لفتت إلى أن الزيادات الحادة في تكاليف الاتصالات والكهرباء، تفرض ضغوطاً إضافية على ميزانيات الأسر، في وقت تعيق فيه تكاليف الوقود المرتفعة، ومحدودية وسائل النقل، ونقص السيولة، وقلة فرص العمل، النشاط الاقتصادي وتوليد الدخل في معظم أنحاء البلاد، ما يجعل أي تحسن اقتصادي قائماً هشاً وغير متكافئ، خاصة في المناطق المتضررة من الجفاف أو التي تعاني من انعدام الأمن.

وفي ختام تقريرها، شددت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) على أن المساعدات الغذائية الإنسانية أصبحت عنصراً أساسياً في تأمين احتياجات الأسر، بعد سنوات من النزاع والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية، مشيرة إلى أن البرامج التي تنفذها المنظمات الإنسانية وشركاؤها المحليون لعبت دوراً مهماً في دعم الفئات الأشد ضعفاً، رغم أن حجم هذه المساعدات وتغطيتها واستمراريتها لا تزال متفاوتة بسبب القيود التشغيلية وتذبذب التمويل وصعوبات الوصول المرتبطة بواقع الحوكمة المجزأة في البلاد.

+963

——————————–

=======================

تحديث 10 نيسان 2026

——————————–

غضب من “خصخصة” مستشفيات سوريا.. والدولة تطمئن

تعليقات أكدت أن الخطوة ستضعف الدور الاجتماعي للدولة وسط قدرة مالية ضئيلة جداً

الرياض – العربية.نت

نشر في: 10 أبريل ,2026

انشغل السوريون خلال الساعات الماضية بإعلان رئيس هيئة الاستثمار طلال الهلالي، أن البلاد ذاهبة إلى “خصخصة المستشفيات”، ما أثار انتقاداً واسعاً، خصوصاً على المنصات.

“غضب كبير”

فقد رأى معارضو القرار أن الخطوة لا تصلح بواقع المعيشة السوري، حيث ما زال أغلب السوريين تحت خط الفقر.

وشددوا على أن خصخصة القطاع الصحي ستخلق خللاً كبيراً في قدرة معظم السوريين على الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية.

كما أشاروا إلى أن الخطوة ستضعف الدور الاجتماعي للدولة، خصوصاً وسط قدرة مالية ضئيلة جداً.

أمام هذا الغضب، اضطر رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي لإصدار بيان توضيحي.

وشدد الهلالي على أن ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير صحيح، لافتاً إلى أن القطاع الصحي سيبقى ضمن مسؤولية الدولة ولن يعرض للبيع تحت أي ظرف.

أيضاً أكد أن المخاوف التي يعبر عنها السوريون محل تقدير واحترام، معتبراً تفاعل السوريين الواسع دليل حرص على صون حقهم في الرعاية الصحية.

وبين أن ما تم طرحه لا يتعلق بخصخصة المشافي بل بدراسة نماذج إدارية حديثة قد تشمل شراكات مع القطاع الخاص، بهدف تطوير آليات العمل وتحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة، بما يضمن رفع الكفاءة وتسهيل وصول العلاج إلى جميع المواطنين.

وأعلن أن الدولة ستبقى الضامن الأساسي لتقديم الرعاية الصحية، مؤكداً أن أي نموذج يتم اعتماده سيخضع لإشراف حكومي كامل ورقابة صارمة بما يكفل حماية حقوق المرضى وعدم حرمان أي مواطن من العلاج بسبب وضعه المادي.

وختم مؤكداً أن الهدف من أي إصلاحات مطروحة هو الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية، وتحقيق معايير طبية أفضل، وتقديم خدمة أكثر كفاءة وتكلفة أقل لجميع السوريين.

أزمة حادة

يذكر أن هيئة الاستثمار السورية سارعت لاحتواء الغضب ووضع تصريح الهلالي في مكانه، لكن التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي لم تتوقف، وسط تأكيد السوريين أن الوضع المعيشي مازال كارثياً ولا يتحمل أعباء إضافية، خصوصاً بعد ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات.

إلى ذلك، وبعد 14 عاماً من الحرب الدامية، تواجه سوريا التي كانت في عزلة دولية خلال عهد الأسد العديد من التحديات، من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق عجلة الإعمار، فضلاً عن إعادة تأسيس البنى التحتية، والقوات المسلحة، وإعادة اللاجئين، والنهوض بالاقتصاد المتهالك، وغيرها الكثير.

كما لم يكن القطاع الطبي بعيداً عن هذه المشاكل، إذ تواجه سوريا أزمة حادة تعاني بسببها المستشفيات الحكومية من نقص شديد في المعدات الطبية الأساسية، بما فيها أجهزة التنفس الاصطناعي والمراقبة الحيوية وغيرها.

————————–

إصلاح إداري لا بيع للقطاع الصحي.. هيئة الاستثمار تصدر توضيحاً بشأن مستقبل المشافي

المستشفيات الحكومية

أبريل 9, 2026

أصدرت هيئة الاستثمار السورية بياناً توضيحياً أكدت فيه أن الصحة ليست للبيع ولن تكون، مشددة على أن القطاع الصحي لن يشهد أي تغيير يمس جوهر دوره الوطني.

وجاء البيان استناداً إلى التفاعل الواسع على منصات التواصل الاجتماعي، والآراء التي عبّر عنها الرأي العام عقب تصريحات سابقة حول مستقبل المشافي الحكومية.

وأكدت الهيئة في بيانها أن قلق المواطنين مفهوم ومحل تقدير، مشددة على أهمية التفاعل وإيصال الآراء والتعبير عن المخاوف.

وأوضحت أن الصحة ليست للبيع ولن تكون، وأن الواقع الطبي لن يشهد أي تغيير يمس جوهر دوره الوطني، مبينة أن ما تم التصريح عنه سابقاً حول خصخصة المشافي الحكومية يندرج ضمن بحث نماذج إدارة حديثة بالشراكة مع القطاع الخاص.

وبيّنت أن هذه النماذج تهدف إلى تحسين آليات العمل والخدمات المقدمة، بما يرفع الكفاءة ويخدم المواطن أولاً، ويضمن وصول العلاج لكل مواطن بكرامة.

وأكدت الهيئة أن الدولة ستبقى الضامن الأساسي للعلاج، ولن يُحرم أي سوري من حقه في الطبابة بسبب وضعه المادي، مشيرة إلى أن أي نموذج سيتم اعتماده سيكون تحت إشراف الدولة ورقابتها الكاملة، بما يصون حقوق المواطنين ويرتقي بمستوى الخدمات الصحية.

وختمت الهيئة بيانها بالتأكيد على أن الهدف هو تقديم خدمة أفضل، بتكلفة أقل، ومعايير طبية أعلى لكل سوري، مشددة على أن صحة السوريين تمثل خطاً أحمر والالتزام بها ثابت.

——————————–

 “شريان دمشق” عاد للحياة.. بردى ينتظر “قثطرة” قلبية سريعة/ زيد قطريب

2026.04.10

النهر الميتُ عادَ للحياة. وبكامل هيبته وغموضه وشلالاته البيضاء، شاءَ أن يكون انهماره متزامناً مع أعياد الفصح والربيع ورأس السنة السورية “الأكيتو”، دلالةً على التجدد وقيامة السوريين من الظلام، مثل أزهار “الليلك”، التي تحدثت عنها قصيدة “الأرض اليباب” الشهيرة.

نهر بردى، أو “برد” كما دُعي بالآرامية، أو نهر “الذهب” مثلما وصفه الإغريق، بدأ منذ أيام، هبوطَ المنحدرات القاسية والوديان الصخرية، من منبعه في عين الفيجة، إلى حيث تنتظره “أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ”، بشجرها وغوطتها وأهلها العطشى، كأن هذا النهر القديم، يتابع مهمته التاريخية في جرف الأحزان.

لم يكن غريباً، إصرار كثير من الناس، على مشاهدة النهر عند تدفقه من النبع، في لحظة يشبهونها بالولادة بعد عقم، والارتواء إثر جفاف. يقول أحد الزائرين: “هذا المشهد يردّ الروح”، بينما يؤكد آخر، أنه جاء إلى حضرة النبع “حتى يشفى من الكآبة والمرض”.

احتفاء شعبي ببردى من منبعه في عين الفيجة

استقبال شعبي، يلقاه نهر بردى لحظة تدفقه من عين الفيجة. حيث لا طقوس سياحية ولا مقاهٍ أو مطاعم، بل جلسات عائلية في الهواء الطلق، مع زوّادة بسيطة يحضرها الناس من المنزل، أو يقومون بشرائها من السوق، حسب إمكانياتهم المادية.

تقول إحدى الزائرات: “أحرص على حضور هذه اللحظة عند تجدد النهر دائماً. وآتي مبكراً كي أحجز أقرب مكان إلى النبع”. لكن لماذا يتسابق الناس على الاقتراب من النبع؟ هل لأن مياهه البيضاء، تبدو بكراً، لم يَمْسَسْها تراب؟ تجيب الزائرة بثقة مشيرةً إلى شلال الماء العذب: “طبعاً.. ألا تلاحظ كم هو مدهش هذا النقاء”.

نتابع الطريق، مشياً على الأقدام إلى “عين الخضرا”، وكلما زاد الانحدار، اشتدت غزارة النهر وسرعته، ليهدأ بعدها في الأرض المستوية، كأنه يلتقط الأنفاس.. ترى ماذا يقول أحد أقدم الأنهار بالعالم؟.

يظن البعض، أن صوت تدفق المياه، يشير للعتاب، بسبب اعتداءات البشر على المجرى والمنبع.. بينما يعتقد آخرون أنه سيمفونية تنسجم مع اللون الأخضر والأزهار المزينة للوادي.. لكن بعضاً آخر، يفضل عدم إعطاء المشهد أية تأويلات، والنظر إليه كمنظر خلاب في الربيع.

ولأن نهر بردى، كلما أوغل في قعر الوادي، أصبح قصيدة احتمالية كثيرة المعاني، يحاول المرء اكتشاف النهر من وجوه الناس الساهمين بشرود نحو المياه، وأولئك المنهمكين بنفث الدخان من “الأراكيل”، أو المتنقلين بأنظارهم عبر جماليات اجتماع الجبال والوديان مع جريان النهر بمكان واحد.

يتابع النهر جريانه السريع نحو الهدف.. فالأفكار هنا، لا يمكنها السباحة بمياه النهر مرتين، كما تضيف إحدى الزائرات، وتقول: “ربما ينجح التأمل في الأماكن ذات المياه الهادئة البطيئة في الجريان، مثل الربوة”.

يحافظ بردى، على شخصيته وسحره، في عين الخضرا وجديدة الوادي والشيباني، وبقية الأماكن القريبة من المنبع، لكنه لا يلبث أن يبدأ بالتلوّن تدريجياً، كأنه أصيب بالإنهاك، من كثرة جرفه للنفايات والأحزان والأعشاب القديمة، طوال الطريق.. فيميل للون الرمادي تدريجياً، ليصبح في أول الربوة، نهراً آخر غير الذي شاهدناه في قرى المنبع.

“النهر يزعل”، كما يقول زائر عابر، بينما يصف آخر سلوك الناس بـ”العقوق”، لأنهم لا يحافظون على نظافة المجرى، ويتحدث ثالث عما تلحقه مياه الصرف الصحي من تلوث يدمر النهر رويداً..

تلوث نهر بردى وتعكر المياه بشكل تدريجي

يشحب لون بردى، كلما ابتعد عن المنبع، فيخفف الجريان ويهدأ، غير مصدقٍ ما أصابه.. لكنه كلما تقدم خلال مسيره الممتد نحو 71 كيلومتراً، يصاب بانخفاض الضغط، ويتباطأ قلبه بالخفقان، ليصل إلى بحيرة “العتيبة” حيث يصب، كأنه بحاجة لنقل سريع إلى غرفة الانعاش!.

“يمكن اكتشاف حال الأنهار من مياهها”، تضيف الزائرة الجالسة على الرصيف في بداية الربوة، مؤكدةً أن بردى في هذه المنطقة، يبدو أفضل من حاله في المناطق اللاحقة، حيث تتراكم وتزدحم الأوساخ والاعتداءات على النهر، فيبدو وكأنه يستغيث!.

لكن السياحة الشعبية العفوية والبسيطة، تختلف في قرى المنبع، عنها في منطقة الربوة، التي تأخذ الطابع الرسمي ضمن المقاهي والمطاعم، فتكثر فيها ألعاب الأطفال والأغنيات الصاخبة، مع ازدحام السيارات على الشارع العام.. لكن بردى يبدو غير مكترث بكل ذلك، خاصة بعد أن أيقن مصيره، وبدت مياهه أكثر حزناً وبطءاً، كأنه ينتظر من ينتشله من مجراه ومعاناته التي تتكرر سنوياً.

أين “نهر الذهب”؟ الواقع يقول إنه قد ذهب، ولا مجال لاستعادته إلا بوضع خطة حمايةٍ كاملةٍ للنهر، تبدأ من النبع، وتسير معه في جميع الأماكن التي يعبرها.. تتساءل زائرة: “ترى كيف يستطيع زائر، جاء للتمتع بمنظر النهر، إلقاء نفاياته في مجراه؟”.

نهر بردى يتحول لقصائد في الشعر العربي

يتذكر الزائر، قول محمود درويش: “وفي بردى، ينكسر الضوء من هيبة الماء”، فيشعر بالأسى لحال النهر، ثم يستدعي قصائد لشعراء مشهورين، خلدها صوت فيروز الذي كان يزين معرض دمشق الدولي في بداياته الأولى.. “أنا صوتي منك يا بردى” تغني فيروز من أشعار سعيد عقل، لكن مشهد مياه النهر لا يؤكد ذلك!.

وعند نزار قباني، كان لبردى مكانة مميزة، حيث يقول: “بردى يبيت في قلبي ويشرب من دمي”، أما الأخطل الصغير، فكتب قصيدته الشهيرة: “بردى هل الخلد الذي وعدوا به” التي غنتها فيروز أيضاً.. أما خليل مردم، فقال في قصيدته: “سقى بردى وحيّا ضفتيه.. سحاب راح يضحك من بكاه”.

أما أمير الشعراء أحمد شوقي، فاشتهر بقصيدته المؤثرة التي كتبها عام 1925، تضامن مع الشام إثر قصف الاحتلال الفرنسي، ويقول فيها: “سلامٌ من صبا بردى أرقُّ.. ودمعٌ لا يكفكف يا دمشق”.

لكن القصائد، لا تبدو قادرة، على حماية بردى، خاصة في مواسم قلة الأمطار والقحط، حيث يضعف المجرى وتختفي عزيمة النهر، عدا عن النفايات التي تغزوه من كل الأنحاء..

إذا صحّت التسمية الشعبية لبردى بأنه “شريان دمشق”، فلا شك أن النهر محتاجٌ لعملية “قثطرة” قلبية سريعة، تضمن عودة تدفق الدم بشكل حرّ وكافٍ، إلى الأعضاء، وتكفل أن نردد مع سعيد عقل:

“أنا على بردى والذكرياتُ معي.. حشدٌ، وكيف يغيب الحشد والأثر”.

تلفزيون سوريا

——————————–

=======================

تحديث 09 نيسان 2026

——————————–

جذور البيروقراطية الإدارية غير المبررة في سوريا/ ثائر دوري

أبريل 9, 2026

كتب المربي الكبير ساطع الحصري، المؤسس الثاني للتعليم في سوريا (المؤسس الأول هو الشيخ طاهر الجزائري)، والمؤسس الأول للتعليم في العراق، مجموعة تقارير عن أحوال المعارف في سوريا خلال سنة 1945. يتحدث في الصفحة الأولى من التقارير عن “ماكينة الإدارة و تعقيد المعاملات”. 

يقول إن أول أمر استوقفه هو “غرابة القواعد الإدارية المرعية وكثرة المعاملات القرطاسية المعتادة في جهاز الحكومة”. و يقترح إصلاحها بأقصى ما يمكن من السرعة، “لأنها تتلخص في تعقيد المعاملات و تطويل المخابرات من غير لا موجب ولا مبرر”.

ويعزو الحصري الأسباب للانشغال بالأمور التافهة، والمركزية المفرطة مقرونة بالبيروقراطية الشديدة، التي لا تفسح مجالاً لتحكيم العقل في تسيير الأمور والمعاملات.

وشرح المحاذير التي تتولد من هذه النظم العقيمة؛ وهي: زيادة عدد الموظفين زيادة كبيرة، تجعل سلطات رؤساء الدوائر بمثابة اسم بلا جسم، تؤدي إلى انطفاء شعلة الإقدام و نزعة الابتكار عند الموظفين و تعودهم على التراخي و التباطؤ في الأعمال، وتقوي فيهم روح التشكي و الانتقاد، من غير أن تفسح مجالاً لاقتران هذه الرغبة بروح الإصلاح، تؤدي في كثير من الأحوال إلى تأخر دفع رواتب الموظفين وتضطرهم أحياناً إلى أعمال غير شريفة.

وكي لا يُبقي حديثه معلقاً في الهواء يضرب ساطع الحصري أمثلة من معاملات حقيقية مثل تعيين خادم (آذن) في مدرسة، ومعاملة تعيين معلم، وأخرى لتعيين ممرض في المعهد الطبي. مثلاً؛ قرار تعيين معلم في معرة النعمان يحتاج في ترويسته إلى اثنتي عشر “بناء على..”، و يذكر في قرار التعيين دزينة من المراسيم والقوانين والقرارات. ولم يتم العمل به إلا بعد أربعة شهور من صدوره لاستكمال الإجراءات البيروقراطية.

يتساءل ساطع الحصري عن مصدر هذه النظم الغريبة في سوريا، و كيف دخلت في عداد تقاليد دوائرها الحكومية؟ ثم يجيب أن أحد المطلعين على تاريخ هذه النظم ودخائلها أخبره أنها وضعت لخدمة الدولة الفرنسية المنتدبة على سوريا بعد تسليمها السلطة الشكلية للسوريين، وذلك لغايتين.

الأولى، إلهاء الموظفين بمعاملات قرطاسية مطولة ومعقدة لا تترك مجالاً للالتفات إلى الأمور الجوهرية من جهة، وتُخفي عن الأنظار زمام السلطة الحقيقية (بيد الفرنسيين) من جهة أخرى. والثانية، تنظيم مجاري المعاملات الإدارية على أساس “مركزية مفرطة” لا تترك مجالاً لإفلات معاملة من المعاملات من نطاق اطلاع رجال الانتداب الفرنسي، وشبكة سيطرتهم السافرة أو المُقنّعة.

يتابع الحصري أن هذا هو السر الحقيقي في نشأة البيروقراطية المضحكة، والمركزية الغريبة التي تشاهد في جميع نظم الإدارة في سوريا. ورثنا عن فرنسا دولة مهلهلة يمكن أن نكتب مطولاً عن ذلك، لكن نشير إلى ما ذكره علامة الشام محمد كردعلي في مذكراته، و مفاده أن الفرنسيين عينوا مشرفاً على وزارة المعارف السورية رجلاً فرنسياً كان يمتلك خمارة في حيفا!

لم تجر بعد الاستقلال محاولات جدية لإصلاح الإدارة في كل العهود، الديمقراطية والعسكرية. والأدهى من ذلك أن حافظ الأسد أعاد تفعيل البندين سابقي الذكر واستثمر فيهما إلى أقصى حد. إلهاء الموظفين لإخفاء سلطة المخابرات الحاكم الحقيقي للبلد، والمركزية المفرطة كي لا تفلت أية معاملة من أيدي رجال المخابرات.

بعد عدة شهور من التحرير و تعيين طاقم جديد على رأس المؤسسات لاحظ الناس أن التعقيدات البيروقراطية والمركزية الشديدة لم تتغير، رغم تغير الرجال. فبدأ يتعالى الصوت بالشكوى، والناس محقة بشكواها، فانتصار الثورات يخلق توقعات عالية. 

كما شكا كثير من المستثمرين الآتين من خارج البلاد من تعقيدات بيروقراطية ومعاملات قرطاسية لا يفهمون سبباً لها خاصة في عصر الحكومات الالكترونية، التي تستطيع إنجاز أعقد معاملة خلال دقائق. و لعب الجهاز البيروقراطي الضخم المتخلف تقنياً عن العصر، الذي ما زال يعتمد على الورقيات و قسم كبير منه غير مؤهل للتعامل مع الكمبيوتر، دوراً في تصاعد الشكوى.

إن إصلاح جهاز الإدارة ضروري لاكتمال نجاح ثورة الشعب السوري. ويتضمن هذا الإصلاح تحديث جهاز الدولة برفده بالكوادر الشابة المتعلمة التي تفرض هي شروط العمل ولا تخضع للبيروقراطية السائدة. و أيضاً تسريع الإجراءات، و تجاوز العقلية البيروقراطية السابقة، وتخفيف المركزية المفرطة، التي لم تعد حكومة الثورة المنتصرة بحاجة لها لأنها من الشعب ولا تخاف منه. دون هذه الإصلاحات لن نرى تقدماً حقيقياً في سوريا التي تنفتح أمامها نافذة تاريخية كبيرة لتكون مركزاً أساسياً في المنطقة.

الثورة السورية

——————————–

 السوق السوري بلا ضوابط.. تفاوت الأسعار يكشف عمق الانقسام الاقتصادي/ عبد الغني العريان

2026.04.09

نفذت مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق واللاذقية وحماة وإدلب، يوم الثلاثاء السابع من نيسان الجاري، جولات رقابية متزامنة، أسفرت عن إغلاق محل لبيع اللحوم وتنظيم عدد من الضبوط التموينية، بعد رصد مخالفات تتعلق بعدم الإعلان عن الأسعار والامتناع عن إصدار الفواتير، إلى جانب التحقق من الشروط الصحية وسلامة المواد الغذائية في الأسواق.

الحدث، رغم اعتياديته في سياق الإجراءات التموينية، يعكس جانباً من أزمة أعمق تعيشها الأسواق السورية، حيث لا يقتصر الخلل على المخالفات الفردية، بل يمتد إلى تفاوتات صارخة في الأسعار بين محافظة وأخرى، ما يطرح تساؤلات جدية حول عدالة السوق، وقدرة الجهات المعنية على ضبطه، في ظل واقع اقتصادي متآكل وضغوط معيشية متصاعدة.

فوضى الأسعار

تبدو الأسواق السورية اليوم وكأنها تعمل وفق قواعد غير مكتوبة، حيث تتحكم الجغرافيا، وتكاليف النقل، وتفاوت العرض والطلب، بل وحتى اختلاف العملات المتداولة، في تحديد الأسعار بشكل لافت.

ففي إدلب، حيث التعامل بالليرة التركية إلى الآن، يبلغ سعر كيلو لحم الغنم نحو 700 ليرة تركية (15.5 دولاراً)، بينما يصل في دمشق إلى 2750 ليرة سورية (22 دولاراً)، وفي حلب إلى 2200 ليرة سورية (17.6 دولاراً)، ولا تقف الفروقات عند اللحوم، بل تمتد إلى الدواجن والخضراوات والفواكه، ما يعكس اختلالاً واضحاً في منظومة التسعير.

يقول راسم العيسى (33 عاما) والمقيم في دمشق لـ موقع تلفزيون سوريا: “لم يعد بمقدورنا تفسير الأسعار أو التنبؤ بها، كيلو البندورة في دمشق يصل إلى 170 ليرة، بينما هو أقل في إدلب، والمشكلة ليست في الغلاء فقط، بل في غياب منطق واضح يحكم السوق؛ نحن أمام فوضى حقيقية، يدفع ثمنها المستهلك وحده”.

في المقابل، تبدو محافظة إدلب أقل سعراً في بعض المواد، مثل الدجاج الذي يبلغ 160 ليرة تركية (3.5 دولارات)، مقارنة بـ800 ليرة سورية (6.4 دولارات) في دمشق، لكن هذا لا يعني أن الوضع أفضل، إذ إن القوة الشرائية هناك متدنية أيضاً، ما يجعل الأسعار مرتفعة نسبياً قياساً بالدخل.

وتعكس هذه الفوضى غياب مرجعية سعرية موحدة، حيث تتحول كل محافظة إلى سوق مستقل بذاته، له شروطه الخاصة، ما يفتح الباب أمام استغلال واسع، ويضعف ثقة المستهلك بأي تسعيرة معلنة.

وجع المعيشة

لا تترجم الأرقام وحدها حجم الأزمة، بل تكشفها تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، الذين باتوا يقيسون مشترياتهم بالغرام لا بالكيلو، في حلب، حيث يبلغ سعر كيلو لحم البقر نحو 1900 ليرة سورية (15 دولاراً).

يقول أحمد بيطار (48 عاماً) لموقع تلفزيون سوريا: “دخلي الأسبوعي لا يكفي لشراء كيلو لحم، لذلك أصبحت أشتري 100 غرام، وأحياناً أستغني عنها تماماً، وحتى الدجاج لم يعد خياراً رخيصاً كما كان، نحن نعيش حالة تقشف قاسية”.

وفي دمشق يقول مصطفى العساف (39 عاماً) وهو موظف حكومي، لموقع تلفزيون سوريا: “أصبحنا نحسب كل شيء، حتى الفاكهة التي كانت جزءاً أساسياً من غذائنا، باتت تُشترى بالغرام مرة في الأسبوع، التفاح بـ300 ليرة سورية (2.4 دولار) لم يعد في متناول الجميع”.

ويفسر الناس في المحافظات السورية المختلفة الغلاء بأنه لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تحول إلى أزمة معيشية خانقة، تمس تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض عليهم أنماطاً جديدة من الاستهلاك، تقوم على التقليل والتخلي، أكثر مما تقوم على الاختيار.

اختلال السوق

ورغم الجهود الرقابية التي تقوم بها مديريات التموين، كما في حادثة إغلاق محل اللحوم في ريف دمشق وعدة مخالفات في باقي المحافظات، إلا أن هذه الإجراءات تبدو محدودة التأثير أمام حجم التحديات.

فالسوق يعاني من اختلالات بنيوية، تتعلق بتعدد مصادر التسعير، وغياب الرقابة الفعالة في بعض المناطق، إضافة إلى تأثير سعر الصرف، وتكاليف النقل، والاحتكار.

ويفسر الخبير الاقتصادي الدكتور نادر الخطيب هذا التفاوت لموقع تلفزيون سوريا: “الاختلاف في الأسعار بين المحافظات لا يرتبط فقط بمصدر السلعة، فالغنم الذي يُباع في دمشق لا يأتي بالضرورة من إدلب، لكن المشكلة الأعمق تكمن في تعدد المرجعيات الاقتصادية”.

ويضيف: “هناك أكثر من سعر صرف، وأكثر من نظام تسعير، كما أن ضعف الترابط بين الأسواق المحلية يجعل كل منطقة شبه معزولة اقتصادياً، ما يسمح بتشكل أسعار مختلفة حتى للسلع نفسها”.

في المقابل، يرى بعض المستهلكين أن جزءاً من المشكلة يعود إلى استغلال التجار، خاصة في ظل ضعف الرقابة.

وتكشف المقارنة بين المحافظات حجم هذا الاختلال، فبينما يبلغ سعر الباذنجان 50 ليرة تركية (1.1 دولار) في إدلب، يصل إلى 275 ليرة سورية (2.2 دولار) في دمشق، أي ضعف السعر تقريباً.

ويعتبر “الخطيب” أن هذه الفروقات لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل النقل أو العملة، بل تشير إلى غياب سياسة سعرية متماسكة، تضمن الحد الأدنى من العدالة بين المناطق.

ويضيف: “تبدو الإجراءات الرقابية، رغم أهميتها، كمسكنات مؤقتة لأزمة أعمق تتطلب حلولاً شاملة، فالسوق السورية اليوم ليست مجرد فضاء للتبادل التجاري، بل مرآة لاختلالات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تتجلى في تفاوت الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية”.

تكشف حركة الأسعار في الأسواق السورية عن واقع يومي يعيشه المواطن بين رفوف المتاجر أكثر مما يظهر في الأرقام الرسمية أو الجولات الرقابية.

فالتباين الكبير بين المحافظات لا ينعكس فقط على قوائم الأسعار، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة البسيطة للأسر التي باتت تضطر لإعادة ترتيب أولوياتها الغذائية والاستهلاكية باستمرار.

وبين محاولات الضبط والواقع المتغير للأسواق، يبقى المستهلك أمام معادلة صعبة يحاول التكيف معها يوماً بعد يوم، في انتظار استقرارٍ يخفف من وطأة التقلبات التي أصبحت جزءاً ثابتاً من المشهد المعيشي.

تلفزيون سوريا

—————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى