“الله سوريا الشرع وبس”.. ذهنية المقدس السياسي/ عبد الله مكسور

2025.07.14
في النظم السياسية، تبدأ السيطرة حين تتحوّل الفكرة إلى يقين، والزعيم إلى نصٍّ مغلق، والوطن إلى معبدٍ لا يُمسّ، في هذه اللحظة يولد “المقدّس السياسي”، ذلك الشيء الرمزي الذي وُصِفَ مراراً بأنه “نتاج الهيمنة لا القوة”، إذ لا يُفرض بالسيف بل يُزرَع في العقل، ويتغلغل في التفاصيل اليومية، حتى يُصبح التفكير خارجه فعلاً من أفعال التجديف.
تمجيد الحاكم
المقدّس السياسي، كما عاشه السوريون لعقود، لم يكن مجرد تمجيدٍ لحاكم، بل بناء متكامل من الشعارات والمناهج والطقوس الجماعية والمخاوف المزروعة، نسجت حول شخص القائد هالةً تُشبه القداسة الدينية.
ففي الدولة الأسدية، كما في جمهوريات الرعب الأخرى، لم يُقدَّم الحاكم كمسؤول يُحاسب، بل كرمز أبدي للوطن، وخلاصه، وضمانة بقائه، فالسلطة في سوريا لم تحتج يوماً إلى أن تقول الحقيقة، بل إلى استخدام كل الطرق لإجبار الآخرين على تصديق الكذب، وهذا ما حصل: تمّ احتكار المعنى، فباتت سوريا تُختزل في صورة، في خطاب، في اسم.
والمقدّس السياسي “في الحالة الطبيعية” لا يظهر فجأة، بل يُصنع على مهل، يبدأ من المدرسة، حيث يُدرَّس التاريخ كمرآة للحاكم، ويمرّ عبر الإعلام، حيث لا يُعرض الواقع بل يُعاد إنتاجه، ثم يستقرّ في النفس، حين يُصبح الخوف هو الفطرة، والتشكيك هو الانحراف.
يمكن الإشارة هنا إلى دراسات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تناولت “الشخصية التسلطية”، تلك التي ترى في الطاعة أعلى مراتب الفضيلة، وفي القوة مصدراً للحق، وقد زرع النظام الساقط في سوريا هذه الشخصية في اللاوعي الجمعي، حتى بات كثير من السوريين، وهم يختنقون تحت الرماد، لا يزالون يلهجون باسم النار.
في سوريا التي لا تملك رفاهية الوقت اليوم للمرور بكل تلك المراحل، يهتف بعضهم “الله، سوريا، الشرع وبس”، هم لا يحيون رجلاً، بل يعيدون بعث بنية قديمة: تلك التي تربط الوطن بشخص، وتختزل السياسة في الولاء، وتجعل من الخلاص فعلاً شخصياً لا مشروعاً عاماً.
وفي هذه اللحظة بالذات تُصبح السياسة امتداداً للعقيدة، لا ساحةً للعقل والجدل، وهنا لا يُخشى على الحريات فقط، بل على الحقيقة نفسها، وإن أخطر ما يفعله المقدّس السياسي هو محو الذاكرة الجماعية، وإقناع الناس أنهم إنما اختاروا القيد، فهو لا يقمع المعارضة فحسب، بل يسلب القدرة على تخيّل بديل، وهذا ما يفسر بقاء ظلال الأسدية حتى بعد سقوط النظام، لأن البنية العميقة لم تُهدم بعد، والرموز القديمة ما زالت قابلة لإعادة التدوير.
لذلك، فإن الثورة الحقيقية لا تكتمل عند تغيير الحاكم، بل عند تفكيك المقدّس السياسي ذاته، وكسر وهم العصمة عن أي مشروع أو زعيم أو فكرة، فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون على حقّ دائماً، بل أن يبقى حرَّاً في أن يخطئ، الحرية تبدأ حين يُكسر المقدّس، ويعود الإنسان سيداً لعقله، لا تابعاً لظلٍّ على الجدار، أو صورة بالألوان.
“الله، سوريا، الشرع وبس”، هذا الهتاف، الذي يحاكي في بنيته شعار النظام القديم “الله، سوريا، بشار وبس”، لا يمكن قراءته كسلوك عفوي أو انفعالي فقط، بل كعلامة سياسية خطيرة تكشف أن “المقدس السياسي” لم يُكسر بعد، بل أعيد تدويره.
بعد الثامن من ديسمبر/ كانون الأوّل، كتبتُ أن الرئيس القادم لن يكون له مساحةٌ في الأغاني الوطنية أو الهتافات العالية، لأن جيلاً كاملاً في سوريا نشأ وعاش على إيقاع تقديس القائد وتمجيد صورته وربط الوطن بشخصه والدولة باسمه والهوية بوجهه.. حافظ الأسد لم يكن مجرد رئيس، بل ظلّ يُقدَّم كـ”أب إلى الأبد”، ولم يكن بشار الأسد، حتى وهو يدمّر المدن، يُنظر إليه من قبل جزء من المجتمع السوري إلا كقدر لا يُناقش، تلك الآلية التي تُحيل السياسة إلى دين، والحاكم إلى نبي، هي أخطر ما زرعه النظام في وعي السوريين.
العقل الجمعي
“الله، سوريا، الشرع وبس” يُحوِّل “الشرعية” ضمن الهتاف من كونها مسألة دستورية أو سياسية إلى مسألة وجدانية، تُبنى على الرموز لا على المؤسسات، وعلى الانطباع لا على التحليل، وعلى الحنين لا على المحاسبة.
ووراء هذا الهتاف يكمن قلق جماعي من الفراغ الذي تركه انهيار النظام.، ففي المجتمعات الخارجة من الطغيان، يظهر غالباً ميلٌ لاستبدال رمز برمز، لا لكسر حلقة التقديس بل لتجنب رعب الفراغ، وهذا ما تؤكده نظريات الفلسفة بأنّ العقل الجمعي حين يُحرَم من “الرمز المركزي”، يسعى إلى خلق بدائل تمنحه تماسكاً نفسياً.
الثورات لا تُقاس فقط بإسقاط الأنظمة، بل بتفكيك البُنى العميقة التي أنتجت تلك الأنظمة: من الولاء الأعمى، إلى الانقياد الجماعي، إلى رفض النقد بحجة “الضرورة”، وحتى الخوف من الحرية نفسها..
وفي هذا السياق، يبدو “الشرع” بديلاً رمزياً يمنح الناس نوعاً من الاستقرار العاطفي، شخصية تُطمئن الجماعة بأنها لم تخرج تماماً من النظام القديم، بل فقط نقّته من شوائبه “السجون، البنية القمعية”، وهو ما يُظهر أن بنية الطاعة ما زالت حاضرة، وإنْ ارتدت قناع الاعتدال.
هتاف “الله، سوريا، الشرع وبس” لا يمكن فصله عن السياق النفسي والسياسي لما بعد السقوط، هو أكثر من تعبير عفوي، إنه مرآة تعكس عمق البنية الاستبدادية التي لم تُفكك بعد، ومحاولة لترميم المقدّس السياسي تحت ستار الاعتدال، وفي هذا المعنى، فإن الخطر لا يكمن فقط في من يهتف، بل في المنظومة الكاملة التي ما تزال تبحث عن خلاصٍ فردي، بدلاً من أن تؤسس لمعنى جديد للجمهورية.
“الشرع وبس” ليس مجرد تعبير عن الانحياز إلى شخصية سياسية يُنظر إليها كأقل سوءاً أو أكثر عقلانية، بل هو استمرار لنفس البنية النفسية والسياسية التي تجعل من الفرد صنماً، ومن الخلاص فعل ولاء لا فعل وعي، وهذا ما يدفع لإعادة التفكير في السؤال المؤلم: هل كسر السوريون فعلاً صورة “المقدس السياسي”، أم أنهم فقط استبدلوا وجهًا بآخر؟
الثورات لا تُقاس فقط بإسقاط الأنظمة، بل بتفكيك البُنى العميقة التي أنتجت تلك الأنظمة: من الولاء الأعمى، إلى الانقياد الجماعي، إلى رفض النقد بحجة “الضرورة”، وحتى الخوف من الحرية نفسها، وضمن هذا المعنى فإنّ الشعوب التي تستبدل طغياناً بآخر، ولو باسم الوطنية أو الأمن أو “الشرع”، هي شعوب لم تنهض بعد.
ما نحتاجه في هذه المرحلة ليس فقط العدالة والتمثيل والحكم الرشيد، بل ثورة على المفاهيم التي كبّلت الوعي لعقود، أن نكفّ عن رفع الأشخاص إلى مصافّ القداسة، وأن نُعيد السياسة إلى ميدانها الطبيعي: ميدان الاختلاف، المحاسبة، وتداول السلطة، وإنّ أخطر ما ورثته سوريا من النظام السابق، هو وهم الزعيم المخلّص، وما لم نكسره اليوم، سنظل ندور في الحلقة ذاتها، نُسقِط طاغيةً، لنرفع مكانه من نُحب، لا من يستحق.
الهندسة الذهنية للمقدس السياسي
المقدّس السياسي يرتكز في جوهره على هندسة ذهنية دقيقة تُبدّل مراتب القيم: فتصبح الطاعة فضيلةً أخلاقية، والنقد خللاً في الولاء، والمعارضة فعل خيانة لا يُغتفر، وهذا بصورته الأعم تأسيس لديمقراطيات منحرفة، تُعاد فيها صياغة الثقافة السياسية بحيث يُنتج النظام “المواطن الصالح” لا بوصفه فاعلاً عاقلاً، بل تابعاً مطيعاً، يُقاس إخلاصه بمقدار صمته، وتُوزن وطنيته بقدر ما يغضّ البصر عن الأخطاء المتراكمة.
وفي هذا السياق، لم تكن نبوءة جورج أورويل في 1984 مجرد أدب سياسي رمزي، بل مشروعاً استشرافياً لما يمكن أن يصير إليه الواقع حين تُستلب الحقيقة من جذورها.
لم يُطلب من الناس السكوت فحسب، بل أُرغموا على أن يؤمنوا بأنّ “2 + 2 = 5″، وأن الاستبداد أمان، والخضوع وعيٌ، والقيد حرية، هذه ليست معادلات رياضية أو اجتماعية مختلّة فحسب، بل منظومة فكرية متكاملة تُنتج وعياً مشوّهاً لا يدرك تشوّهه، وتزرع في الناس قناعة بأن النجاة تمر عبر التصديق والإيمان بالمشروع، لا عبر التساؤل.
هكذا دخل الواقع السوري، بعد عقود من القهر المنهجي، مرحلة أشد خطراً من القمع نفسه: مرحلة تزوير الوعي التي نمر بها اليوم، لم تعد السلطة تمارس السيطرة على الأجساد فقط، بل تتدخل في إعادة تشكيل وجدان الناس، وتعيد ترميز اللغة، وتبدأ بحرف المفاهيم حتى تقارب من إفراغ الحرية من معناها.
بات السوري، في لحظة مفجعة كالتي حدثت في الساحل، يرى الجرح مفتوحاً، ويقسم أنه مجرد ظلّ، يحسّ بالألم، ثم ينكره، لا لأنه لا يشعر به، بل لأن عقله لم يعد يملك أدوات التفسير خارج ما يُملى عليه.
تاريخياً استعانت الأنظمة الشمولية الكبرى في القرن العشرين بخطابات “الخلاص الوطني” لإدامة الطغيان، من ستالين الذي روّض الوعي الجمعي تحت شعار البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي، إلى بينوشيه الذي أجهز على السياسة تحت ستار إنقاذ الدولة، إلى صدام حسين الذي جعل الخوف نشيداً صباحياً للمدارس، سار نظام الأسد على الدرب ذاته، ثم تجاوزه حين طلب من الناس ألا يصفقوا فقط، بل أن يبتسموا وهم يفعلون، وألا يطيعوا فقط، بل أن يؤمنوا بأن الطاعة نابعة من مصلحتهم، وبأن القائد يُخطئ لحكمة، ويصيب بإلهام، فهو، كما يُراد لهم أن يظنوا، ليس مسؤولًا فقط بل مفسّراً للحقيقة ذاتها.
الكارثة السورية لا تتلخّص في بنية الاستبداد فقط، بل في تواطؤ الزمن الطويل مع المأساة المركّبة، حين اجتمع القمع السياسي مع الانهيار الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي مع التدخلات الخارجية، وغاب مركز المعنى في وطن بات بلا بوصلة. تفككت اللغة السياسية حتى غدت الكلمات كائنات هائمة بلا مرجع: “الوطن” يُستدعى في سياق تبرير القتل، و”الأمن” صار مرادفاً للخوف، و”الكرامة” لم تعد أكثر من أثر في خطابات النشرات الإخبارية أو مجازاً في بيت شعري ألقاه وزير الثقافة حين أدى القسم ضمن التشكيلة الجديدة بعد سقوط الأسد، ثم ما لبث أن بات مادةً للسخرية والهجوم على صفحات المنتقدين.
في المسار الحالي، لا تبحث الدولة عن شرعيتها، فهي قادرة على صناعتها ضمن معايير معينة، وأساسات ثابتة عندها، وأمامها مجتمع مُنهك لم يُمنح حتى لحظة الصمت الكافية للتفكير بما آل إليه. مجتمع ما يزال، في كثير من وجوهه، حبيساً داخل جدران وعي صيغت على مقاس الطغيان السابق، لا يعي عبوديته لأنه ظن، لفرط ما خُدع، أنه قد تحرر، والحرية الآن تعني أن الطاعة فضيلة والنقد نقيصة، المعارضة عداء للوطن والموالاة دفاع عن الوجود، وضمن هذه الخلطة المشوَّهة يُنتَج “المواطن الصالح” بوصفه من يطيع لا من يُفكِّر، إنه طور إعادة تشكيل الوعي ليقبل الزيف بوصفه حقيقة، والعبودية بوصفها حرية.
إن الدكتاتوريات لا تنهار فقط حين تُخلع رموزها من القصور، بل حين يستعيد الناس قدرتهم على التفكير خارج إملاءات السلطة، حين تُكسر المعادلة التي تقول إن 2 + 2 يمكن أن تساوي 5 إذا أراد الزعيم. فمعركة سوريا اليوم، في جوهرها العميق، لم تعد فقط على الجغرافيا، ولا على الموارد، ولا حتى على السلطة بحد ذاتها، بل على إمكانية استعادة الحقيقة من بين أنقاض الكذب، وعلى إعادة بناء وعي حر في زمن المسوخ. وهنا، فقط، يمكن أن تبدأ الحرية.



