أزمات الداخل السوريالناستشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريا

قرار حصر بيع الكحول في دمشق متابعة وبيانات ومقالات تناولت الأمر تحديث 08 نيسان 2026

قرار حصر بيع الكحول في دمشق متابعة وبيانات ومقالات تناولت الأمر تحديث 08 نيسان 2026

عندما يختلف السوريون/ حسين عبد العزيز

05 ابريل 2026

“السلطة هي من تقرّر القانون لا الحقيقة”… من مفارقات التاريخ أن هذه العبارة قالها الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز في القرن السابع عشر، وكرّرها المفكر الألماني كارل شميت خلال حكم جمهورية فايمار السابقة للعهد النازي، ويكرّرها اليوم سوريون كثيرون.

كان هوبز مسكوناً بهاجس إنشاء سلطة قوية تقيم الدولة السيدة لمواجهة الاحتراب الداخلي في بلده، وعندما أعاد شميت هذه العبارة كان مسكوناً بهاجس النظام الديمقراطي المضطرب والعاجز عن اتخاذ قرارات مصيرية في مرحلة مفصلية من تاريخ ألمانيا، فكان يبحث عن سلطة دكتاتورية قادرة على أخذ القرارات اللازمة لحماية البلاد… ليس هذا ولا ذاك، كان في خاطر سوريين حين ردّدوا عبارة هوبز (من دون أن يعرفوها) على طريقتهم: “الذي حرّر البلاد هو الذي يقرّر”.

مناسبة هذه العبارة الاحتجاجات ضد قرار محافظ دمشق رقم (رقم 311 م. ت) الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وهو القرار الذي حظر تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية، وحصر بيعها بزجاجات مغلقة في محال مجازة ضمن مناطق محدّدة، مثل باب توما، القصاع، باب شرقي، ذات الأغلبية المسيحية… لم تعد الإشكالية مرتبطة هنا في قرار المحافظ، على الرغم من خطئه، بل أصبحت مرتبطة في طريقة دفاع جمهورٍ لا بأس به عن هذا القرار.

حمل المشهد العام لهذه المسألة نقيضين، لا على مستوى المواقف فحسب، بل الأهم على مستوى أدوات التعبير: اكتفى المندّدون بقرار المحافظ بالتجمّع في ساحة باب توما شرقي دمشق، مستخدمين لغة حقوقية ـ دبلوماسية ـ سلمية للتعبير عن موقفهم، مع ما لحق ذلك من بيانات موجهة للسلطة بقدر ما هي موجهة للرأي العام.

في مقابل هذا المشهد، تظاهر مواطنون في محافظات دمشق وإدلب واللاذقية تأييداً لقرار محافظة دمشق، وكانوا جميعهم من لون طائفي واحد، وفيما بدا المتظاهرون، المُعتدى على حرّياتهم، في باب توما هادئين في التعبير عن موقفهم، بدا الغضب والاستخفاف بالآخرين جلياً في المظاهرات المؤيدة لمنع بيع المشروبات الكحولية ومنع تقديمها في المطاعم والحانات. ظهر هذا أولاً في الشعارات المرفوعة “ما بدنا سكرجية، وهزّ كفّك هزّه هزّ، دين محمد دين العزّ”، ثم في شعار “مندوسهم مندوسهم، كل الفلول مندوسهم، وبالسيف نقطع رؤوسهم، حرّية، حرّية”. وضمن هذه الشعارات، كان بعض المتظاهرين، مع تأييد ضمني من البقية، يقولون “الذي حرّر البلد هو الذي يحكم ويقرّر”، ثم أضاف بعضهم “من لم يعجبه القرار فليخرج من البلد، نحن لا نريد سكرجية وعلمانية!”.

في ما يخص متظاهري باب توما، لم تكن المسألة تتعلق بالخمور فقط، بل بقضية الحريات الأساسية (الحرّيات الاجتماعية، المدنية، السياسية). وفي ما يخص الفريق الثاني، لا تتعلّق المسألة بالحريات، فهذا أمر خارج المُفكّر عندهم، وإنما تتعلق بهيمنة الأكثرية، فلما كانت السلطة امتداداً لهذه الأكثرية، فهي تمتلك الحق في إصدار قرارات تعكس “أخلاقية” الأكثرية و”هويتها”.

إن هذه الحدية في رفض الآخر ووصفها بصفات شنيعة، بعضها يعلم معناها (سكرجية) وأخرى لا يعرف معناها (العلمانية) هو انعكاس لثقافة الاختلاف لا لثقافة الاتفاق والتفاهم، ولعل من يلقي نظرة سريعة على السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي، لهاله ما سيقرؤه ويسمعه، فإهانة الآخر وتخوينه ونعته بأبشع الصفات، أصبحت سمة التخاطب السوري ـ السوري، إلا ما رحم ربي.

نعم، قرار المحافظ خطأ كبير جداً على مستويين: الأول، على مستوى المضمون، فبيع المشروبات الروحية أصبحت ظاهرة عامة في كل الدول، وحتى في الدول التي كانت حتى الأمس القريب جدّاً تمنع بيعه إلا في حدود ضيقة، أصبحت توسع من عملية البيع، لا لأن الأمر مرتبط بالسياحة والاقتصاد فحسب، بل الأهم لأنه مرتبط بالحريات الشخصية، وليس له تداعيات مجتمعية، فلا بيع الخمور يؤثر على ثقافة المجتمع ولا منعه يؤثر في ذلك.

الثاني، على مستوى الشكل والصياغة، فقرار حصر بيع المشروبات الروحية في فئة دينية دون أخرى، وفي منطقة دون أخرى، ليس تقسيماً مكانياً، بل تقسيم هُوياتي، سرعان ما ينشئ ظاهرة الـ”نحن” والـ”هم”، وسرعان ما تصبح الـ”نحن” أخلاقية والـ”هم” غير أخلاقيين، وسرعان أيضاً ما تتداخل الأبعاد الأخلاقية بالهُوياتية.

ولمّا كان من الاستحالة بمكان ضبط الشارع في عمومه بشأن مثل هذه القضايا، وطريقة التعبير عن مواقفه، لن يكون أمامنا سوى “الدولة”، باعتبارها المؤسسة الحاكمة الأكثر تنظيماً في سورية، أو التي يُفترض أنها كذلك، بأن تكون قراراتها مدروسة بعناية فائقة من جهة، ويتم صياغتها وإخراجها بطريقة لا تدفع نحو الاشتباك السياسي، أو الهُوياتي، أو الطائفي، أو المناطقي.

العربي الجديد،

——————————-

 ليست كأساً من الخمر.. إنها الدولة/ عمر قدور

السبت 2026/04/04

أثناء حوار موسع في معهد تشاتام هاوس/ لندن، قال الشرع: “مهمتنا تطبيق القانون، وليس فرض معايير جديدة على الناس”. وكان الحديث في سياق تعامل حكومته مع الحريات الشخصية، حيث ثارت ضجة قبل مدة قصيرة بسبب قرار أصدره محافظ دمشق، منع بموجبه تقديم المشروبات الكحولية، مع السماح ببيع الزجاجات المختومة، فقط في أحياء ذات حضور مسيحي.

قبل توضيح الشرع، كان محافظ دمشق قد أصدر أيضاً توضيحاً يُظهر من خلاله أنه ينفّذ تعليمات وقوانين موجودة سابقاً، ولم يكن النظام السابق يعمل بموجبها. والحق أن الأمر لا يتعلق بإهمال من النظام السابق، بل بأن الزمن تجاوز تلك القوانين، وفرضت حركة الواقع نفسها. هذا ليس حكراً على سوريا، ففي الكثير من بلدان العالم ثمة قوانين موجودة بنصوصها، وتجاوزها الواقع فلم يعد أحد ينتبه إليها، وهناك العديد من الأجيال التي لا تعلم إطلاقاً بوجودها، ولو حاولت السلطات تطبيقها من جديد لأثارت أزمات كبرى.

الملاحظة الأولى على نبش قوانين فات زمنها هي في كونه أصلاً سلوكاً انتقائياً، ولا يأتي في سياق تطبيق القوانين في كل المجالات، وفي رأسها ما يتعلق بالفلتان الأمني الذي يتطلب حضوراً صارماً للقانون. وتبقى الأهم هي روحية القوانين، في حال احترامها وعدم التعامل معها بانتقائية وتسييس. وروحية القوانين مستمدة من العصر، لا فقط من نصوص تخضع لاجتهادات حقوقيين. فالقانون في الدولة الحديثة يعني أولاً المساواة بين الأفراد، بصرف النظر عن الجنس والدين والعرق. ثم تأتي الحقوق الجماعية التي لا تكون على حساب حقوق الأفراد، وغايتها في معظم الديموقراطيات تمكين الجماعات الهشّة والمهمّشة.

في الدولة الحديثة لا يحق للناس الشكوى من سلوك لا يعجبهم، ما لم يتسبب هذا السلوك بأذى من النوع الذي يعاقب عليه قانون قائم على المساواة الحقيقية. ولو اجتمع عشرون مليون سوري مقابل آلاف قليلة فيجب ألا يكون للكثرة حق يفوق حقوق أفراد قلائل. ليس للقانون من حيث الشكل أية أهمية أو احترام، ما لم يكن في مضمونه يتعامل مع الأفراد على قدم المساواة. وأي قانون تمييزي، تحت أية ذريعة، يعني أن الدولة قائمة على التمييز، ولو على نحو غير معلن. لا يغيّر من هذا أن يكون الدستور مثلاً يكفل المساواة، بينما تأتي القوانين الخاصة بالحريات لتنتقص منها أو لتقوّضها.

من المفهوم بالطبع أن المجتمعات غير متماثلة، لا في سوريا ولا في أي بلد آخر، بما فيها المجتمعات التي حققت قدراً متقدماً من الحريات والمساواة فيها. لكن يلزم على هذا الصعيد أن يكون هناك وعي للاختلاف، ووعي لمكانه وفعاليته، ثم التمييز بين ذلك كله والقانون بوصفه التعبير الحقوقي عن الدولة المعاصرة. والملاحظ أن السجال السوري مؤخراً حول الحريات الشخصية بقي بعيداً عن التفريق بين المفاهيم التي تحكم الدولة والمفاهيم المتباينة التي تحكم كل مجتمع على حدة، وهذا الخلط بينها ينتقص من مفهوم الدولة نفسه، ويساعد الذين يريدون الإجهاز عليه.

بإيجاز، يمكن التمييز بين ثلاثة ضوابط فاعلة مجتمعياً وضمن الدولة، هي الأعراف والدين والقانون. الأعراف يحددها عادة مفهوم “العيب”، وهو بطبيعته نسبيّ زمانياً ومكانياً. فالعيب يتغيّر مع الزمن ضمن المجتمع نفسه، وما هو عيب في مكان لا يكون عيباً في مكان آخر ضمن الدولة نفسه. خارج الجانب الروحي الإيماني؛ يُفترض أن حضور الدين في الفضاء الاجتماعي قائم على مفهوم “الحرام”، وهو نسبيّ بين مجتمعات مختلفة دينياً، والتزام الأفراد به نسبي ضمن كل مجتمع، حيث يزيد أو ينقص بحسب الظروف. وحدها القوانين/ الدولة يُفترض بها ألا تكون نسبية مكانياً، فلا تختلف بين مكان وآخر ضمن الدولة نفسها، إلا بما يجيزه نظامها السياسي في حال كان قائماً على لامركزية موسَّعة.

بدءاً من ستينيات القرن الماضي شهد العالم بأكمله ارتحالات اجتماعية، بسبب تدفق الهجرات الريفية إلى المدن. ذلكَ أدى إلى تراجع فاعلية الأعراف التي هي بنت الاستقرار الاجتماعي. حدث هذا في سوريا أيضاً، وإن تحوّلت بعض أطراف المدن إلى مجتمعات صغيرة من الوافدين من الأرياف نفسها. وحدثت تغييرات ضمن المدن عائدة إلى التوسع العمراني، وإلى صعود طبقات جديدة بفضل النشاط الاقتصادي، ثم بفضل الثروات المتحصّلة من السلطة.

إلا أن الضربة الأعنف للاستقرار الاجتماعي في سوريا أتت بعد اندلاع الثورة، والحديث عن نصف السكان من المهجرين والنازحين يشير إلى حجم التحطيم الاجتماعي، وعلى الأرجح لن تكون ثمة عودة نهائية عمّا حدث. ترافق التحطيم مع غياب الدولة كلياً عن بعض المناطق، وغيابها شبه الكلي عن مناطق أخرى. عملياً، هناك غالبية من السكان لم يعودوا مستقرين في مجتمعاتهم التي كان لها أعرافها، ولم تعد هناك دولة بوصفها ممثّلة للقانون، سواء بسبب غيابها التام، أو بسبب وجود سلطة تدعس على القوانين.

في هذا الظرف الاستثنائي تقدّم الدين ليملأ الفراغ الذي خلّفه غياب الأعراف وغياب القوانين، وليكون بديلاً عن الاثنين وفق فهم قوى الأمر الواقع له، فتحْت سيطرة فصائل إسلامية كان تطبيق الشريعة الإسلامية مختلفاً من مكان لآخر. وقد كانت واضحةً نيّةُ استغلال الفراغ الحاصل، فالفصائل التي حكمت “المناطق المحررة” سارعت إلى إيقاف العمل بالقوانين السورية، مع أن الثورة بالتأكيد لم تنطلق لإيقاف العمل بالقوانين المدنية والجزائية، وطالبت صراحةً بإيقاف ما يعيق دولة القانون والمواطنة المتكافئة، مثل أحكام الطوارئ والمحاكم الاستثنائية ومختلف أنواع التجاوزات على القوانين.

وبينما يكثر الحديث عن الدولة والسيادة، منذ إسقاط الأسد، فإن الكلام يقلّ عن مضمون الدولة نفسها بوصفها منظومة حيادية تجاه مواطنيها، فهذا هو فحوى الدولة العادلة وهو فحوى القوانين المعاصرة. وكلما كانت مجتمعات الدولة أكثر تنوعاً فهذا يجعل قيامها أشد إلحاحاً على العدل والقانون الذي يضمن المساواة، وهذا يقتضي الجرأة الفكرية أولاً فيما يخص فهم كلّ من الضوابط الثلاثة الفاعلة، الأعراف والدين والقانون، لمصلحة الأخير منهم من دون أن يكون معادياً للدين، أو لأية ثقافة مجتمعية، لأن مفهوم المواطنة المتكافئة بالحقوق مختلف عن القوانين التي تهدف إلى المساواة من خلال الهندسة الاجتماعية.

على نحوٍ خاص، أثبت خطاب الهويات نجاحه في تشتيت السوريين وتقسيمهم إلى طوائف ومجموعات عرقية، ولا يظهر في الأفق أدنى احتمال لإعادة تعايشهم بناء على أية أيديولوجيا. وحده القانون الذي ينقذ اجتماعهم السياسي مجدداً، القانون الذي هو الدولة، ولا نغالي إذا قلنا إنَّ الحديث عن كأس من الخمر ليس حديثاً عن الحريات الشخصية فحسب، إنه حديث عن الدولة التي إما أن تكون، أو لن تكون.

المدن

——————————–

تحريض وعناصر منفلتة في سورية/ مالك ونوس

02 ابريل 2026

عند أيّ حادثة تؤدّي إلى توتّر طائفي، يضع السوريون أيديهم على قلوبهم خوفاً من تطوّرها إلى مشكلةٍ أكبر، وربّما إلى حرب أهليةٍ لا سمح الله في هذه البلاد التي يكثر فيها المحرّضون، ويقلّ فيها أصحاب العقل الراجح، مع تراجع مؤسّسات الدولة وغياب المحاسبة. وبينما وُصِمَ شهر مارس/ آذار بشهر الثورة والمجازر، بسبب انطلاق ثورة السوريين فيه خلال عهد بشّار الأسد، ووقوع الانتهاكات في جرمانا والمجازر في الساحل خلال العهد الجديد، آثر هذا الشهر ألّا يغادرنا من دون حادثة تندرج ضمن هذا السياق. لذلك جاءت حادثة الهجوم الليلي على مدينة السقيلبية في حماة، لتجعل دائرة الطوائف السورية المستهدَفة بعد سقوط الأسد، تشارف على الاكتمال، وتهدّد السلم الأهلي الذي أصبح هشّاً أكثر من أيّ فترة مضت.

وفي ليلة الجمعة التي دُعي فيها جميع السوريين إلى الخروج إلى الساحات لدعم قرار محافظ دمشق بمنع بيع المشروبات الكحولية، وحصرها في الأحياء التي يقطنها سوريون مسيحيون، هاجم عشرات، وربّما مئات، من أبناء مدينة قلعة المضيق التي يقطنها سوريون من الطائفة السنّية، مدينة السقيلبية التي يقطنها مسيحيون. روّع المهاجمون أهالي المدينة، مهدّدين سكّانها من مغبة الخروج من منازلهم، فكسروا واجهات المنازل وأحرقوا بعضها، واقتحموا المحالّ التجارية والمقاهي وكسّروا محتوياتها وسرقوا ما تمكّنوا من حمله. ولم تسلم الرموز الدينية من التخريب والتكسير في مدينة تعرّضت قبل أكثر من سنة لحادثة حرق شجرة الميلاد التي نُصبت في ساحتها، وقالت قوات الأمن يومها إنّها أوقفت المتورّطين، وهم غير سوريين، ربّما في إشارة إلى الجهاديين الأجانب المحاربين ضمن الفصائل السورية.

وجاء التبرير الحكومي كالمعتاد في حوادث كهذه، إذ صنّف الهجوم حادثاً فردياً لعناصر منفلتة، تطوّر إلى الشكل الذي رأيناه. غير أنّ هذا التبرير لاقى رفضاً من كثيرين، خصوصاً أهالي المدينة المستهدَفة الذين ربطوا الحادثة بالتحريض الذي انطلق طوال الأسبوع الذي سبق، وركّز فيه على المسيحيين، فوصمهم بأنّهم مروّجو الخمور، بعد قرار محافظ دمشق حصر بيع الخمور في أحيائهم. وهو القرار الذي لاقى استهجاناً، ونظّم اعتصام في حي باب توما للاحتجاج عليه، وعلى التضييق على الحرّيات الشخصية. وبعد هذه المظاهرة، دعا بعضهم إلى مظاهرات مضادّة بعد صلاة الجمعة، تأييداً لقرار المحافظ، لكنّها لم تشهد المشاركة المرجوّة، في وقت يرزح فيه السوريون تحت ثقل ضائقة مادّية ومعيشية غير مسبوقة، ولا وقت لديهم إلا ليسعوا فيه من أجل إيجاد السبل التي تدفع عنهم المجاعة.

هل تبدو سورية مرشّحةً لحرب طائفية؟ سؤال يتبادر إلى الذهن كلّما حصل إشكال طائفي يستدعى من بعضهم الدعوة إلى الفزعة (أو الجهاد) ضدّ إحدى الأقلّيات، فنشهد إراقة دماء وتوسيع الشرخ بين أبناء البلاد، وتغييب الثقة المجتمعية وتزايد حدّة الاستقطاب الداخلي. وفي هذا الوقت، لا تتوقّف موجات التحريض الطائفي، والتحريض على المختلفين بالرأي وعلى معارضي الحكومة، سواء داخل البلاد أو خارجها. وهو تحريض يترافق مع انتشار خطاب الكراهية، وانضمام أفراد جدد كلّ يوم إلى الجوقة المكوّنة من أصحاب هذا الخطاب. وقد وصل هذا الخطاب إلى ذروته مع التحريض ضدّ المسيحيين بعد تأطيرهم بأطر غير لائقة، هم ومعهم من احتجّ على قرار المحافظ.

ليست هذه الحوادث، واستسهال كثيرين استهداف مدينة ينتمي أهلها إلى طائفة مختلفة وتخريب ممتلكاتهم وتوجيه الشتائم الطائفية والاتهامات إليهم، سوى نتيجة لقصور أجهزة الدولة المتمثّلة في القضاء الذي يمتنع عن محاسبة المحرّضين، والذين يثبت تورّطهم في أعمال شغب واعتداء طائفي. ويجري هذا الأمر في وقت يظهر فيه غياب الدولة مع انسداد الأفق السياسي في البلاد، نتيجةً لعدم السير في عملية التسوية السياسية إلى آخرها، ولتأجيل البتّ في الملفّات العالقة، ولعدم الدخول في مسار العدالة الانتقالية. وهي معوّقات أدّت إلى ظهور فوارق مجتمعية وطبقية حادّة بين السلطة (ورموزها) وأبناء الشعب، في وقت تبدو فيه السلطة قد تخلّت عن مسؤولياتها تجاه المجتمع وتحسين مستوى معيشة أبنائه. وهي لذلك تترك فئات المجتمع تتصارع، وتتركهم يغوصون في وحول المصاعب المعيشية، لكي يفقدوا القدرة على مراقبة هذه السلطة، أو الاحتجاج على إخفاقها ومطالبتها بالاستقالة، لفسح المجال لمَن لديه القدرة على حلّ مشكلات البلاد.

وبينما تقامر السلطة في الامتناع عن محاسبة المشاركين في المجازر والانتهاكات ضدّ فئات مجتمعية واسعة، وضدّ طوائف بعينها، فإنها تعطي الانطباع أنها ضعيفة، كما استنتج كثيرون. من لا يُحاسَب على أفعال كهذه يشعر أنّ لديه حصانة لفعل ما يريد، خصوصاً لجهة التعدّي على الآخرين وإهانة كرامة الناس. وهذه الحصانة ترسّخ قناعة هؤلاء أنّ انتماءهم الطائفي بات ميزةً، فيزداد فائض القوة التي يختزنونها، ما قد يتطوّر في مرحلة لاحقة إلى ترسيخ ضعف الدولة وهشاشتها، ما يزيد من غياب الاستقرار ويقدّم صورةً عن سورية البلد الطارد للأعمال والاستثمارات.

فرض سيطرة الدولة على المجتمع السوري بهذه الصورة، خصوصاً على أبناء الأقلّيات، وممارساتٍ كهذه، إنّما تزيد الضغط الذي سيؤدّي حتماً إلى انفجار. وهذا الانفجار لن يشارك فيه أبناء الأقلّيات ردّاً على ما طاولهم من انتهاكات فقط، بل يشارك فيه أناس من جمهور السلطة ذاتها، وممَّن حملوا السلاح معها في المعارك ضدّ أبناء البلاد الآخرين، حين يصلون إلى نقطة يصبحون فيها على قناعة تامّة بصعوبة تأسيس دولة بهذه الشاكلة من السلوك. عندها لن تكون الحرب الأهلية بين أقلّيات وأكثرية، بل بين أقلية حاكمة وأكثرية محرومة ومهمّشة ومقصية. أمّا إذا ما لعبت السلطة دورها في حماية جميع أبناء البلاد، فعليها البدء من فورها في محاسبة من شاركوا في الانتهاكات وأعمال التحريض على السواء، عندها تضع البلاد قدمها على أولى درجات التعافي، وربّما يجري تنفيذ ما وُعِدَ السوريون بتحقيقه.

العربي الجديد،

—————————

 “النهي عن المنكر” في سوريا: وصاية اجتماعية ومنع شرب الكحول

الأربعاء 2026/04/01

الساعة العاشرة ليلاً في باب شرقي، لا تعبر شارعاً بقدر ما تدخل حياةً كاملة. الازدحام هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل هو المشهد ذاته. أجسادٌ متلاصقة، أصواتٌ متداخلة، وضحكاتٌ ترتطم بالحجارة القديمة التي شهدت آلاف الخطوات قبلك، حتى صار المارّون جزءاً من ذاكرة المكان، وصار المكان جزءاً من قلوبهم. في تلك اللحظة، تدرك أن دمشق لا تُرى فقط، بل تُعاش بكل تفاصيلها.

شبابٌ من محافظات سورية مختلفة، أجانب، مثقفون، طلاب، وفنانون، يتبادلون الأحاديث الثقافية بصوتٍ عالٍ، بينما تُقال السياسة بلغةٍ أخرى، أقرب إلى الهمس أو التورية، بكلماتٍ ملغّمة يفهمها الجميع، قبل أن تنطلق الضحكات كنوعٍ من التواطؤ الجماعي على الخوف. في أحياء قريبة، مثل المالكي، يتكرر المشهد ذاته، وكأن المدينة كانت مساحةً مفتوحةً للحياة، بلا حدودٍ واضحة، بلا محاذير معلنة، لكنها كانت تفتقد شيئاً واحداً يعرفه الجميع دون أن يسمّيه مباشرة: الحرية.

غرف سياسة غير معلنة

كان يكفي أن يغيب شخصٌ عن إحدى الحانات القديمة، حتى يفهم أصدقاؤه السبب من دون سؤال: تم اعتقاله. لم تكن تلك الحانات مجرد أماكن للترفيه، بل كانت أشبه بغرف اجتماعاتٍ غير معلنة، تُنسج فيها العلاقات، وتُناقش فيها السياسة، وتُبنى فيها أولى الأفكار للخروج إلى الشارع وتأسيس ما عُرف لاحقاً بالتنسيقيات على منصات التواصل.

في حي العدوي، قرب أحد الحواجز العسكرية، كان “القصبجي” أكثر من مجرد مكان، كان ذاكرةً ثقافيةً ومتنفساً شبه سري. في إحدى الليالي، خلال جلسة سمر، كان الروائي الراحل خالد خليفة يتحدث عن أهمية سقوط النظام البائد، فتسلل الحماس إلى الحاضرين، ووُضعت أغنية “بدنا نسقط هالنظام”، ليرتفع الصوت جماعياً كأنه صادر عن حنجرةٍ واحدة. لم تمر لحظات حتى دخل عناصر الحاجز إلى المكان، أسلحتهم مصوّبة نحو الوجوه. صمتٌ ثقيل خيّم على المكان، قبل أن تنكسر المفارقة: ضحك أحدهم، وبدأ يردد الأغنية مع الحاضرين، في مشهدٍ يلخص تناقضات تلك المرحلة.

تخرج من المكان، وتمشي باتجاه جسر الرئيس، الذي أصبح يُعرف لاحقاً بجسر الحرية. هناك، كانت مكتبةٌ صغيرة تشكل ملاذاً مختلفاً، كتبٌ تُباع بأسعارٍ رمزية، وأخرى ممنوعة تُعطى مجاناً أو تُعار لمن لا يملك ثمنها. لم تكن القراءة رفاهيةً، بل مساحة تنفّس، وفعل حريةٍ صامت في مدينةٍ كانت تراقب الكلام.

تبدّل المشهد اليوم

اليوم، بعد سنوات، يعود المشهد في المكان ذاته، لكن ما تغيّر ليس الحجر، بل معنى الحياة فيه. تحت الجسر نفسه، في كراجات دمشق، يظهر مشهدٌ جديد لما بات يُعرف بين الناس بـِ “السائق الداعية”. مجموعاتٌ من الشباب بلباسٍ ديني تجول بين السائقين، تطلب إيقاف الأغاني واستبدالها بتلاواتٍ قرآنية، وتوزع ملصقاتٍ تحمل عباراتٍ دينية ومقولة دمشق إلى يوم القيامة، وتقدّم نصائح مباشرة. لا توجد جهة رسمية تعلن تبني هذه المبادرات، لكن تكرارها واتساعها يمنحها طابعاً منظّماً، ويحوّل الفضاء العام إلى ما يشبه درساً دينياً مفتوحاً لا يمكن الانسحاب منه بسهولة.

تمدّد الخطاب

ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فبمجرد مغادرة هذه المساحات، تبدأ الرسائل بالوصول إلى الهواتف الشخصية، دعواتٌ للعمرة، أناشيد، أدعية، ومحتوىً ديني مكثف يتكرر بإيقاعٍ يومي، وهذا ما يعكس انتقال الخطاب من الشارع إلى الحياة الخاصة. المشكلة هنا لا تتعلق بالدين نفسه، بل بطريقة حضوره بوصفه خطاباً عاماً مفروضاً، لا خياراً فردياً.

في الوقت نفسه، تتصاعد حوادث تعكس هذا التحول. موظفةٌ تُطرد أمام زملائها لأنها تناولت دواءً خلال الدوام، مع عباراتٍ مهينة، ورجلٌ يتعرض للضرب لأنه يدخن في الشارع خلال شهر رمضان. هذه الوقائع، التي تتكرر في شهاداتٍ متعددة لـ”المدن”، تشير إلى نمطٍ آخذ في الاتساع، حيث يتحول المجتمع نفسه إلى جهةٍ رقابية تمارس سلطةً مباشرة على الأفراد.

وهنا، تداولت منصات إعلامية خبراً عن نية إنشاء هيئةٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعتمد على التبليغ عبر الهواتف، ما يعزز فكرة إشراك المواطنين في مراقبة السلوك العام، ما دفع بالكثير منهم إلى تصوير مواطنيهم في المطاعم وهم يجاهرون بإفطارهم وإرسالها إلى اشخاص محددين. ورغم غياب إعلانٍ رسمي واضح، إلا أن ما يحدث على الأرض يوحي بأن هذه الفكرة تحولت إلى واقعٍ فعلي عبر مبادراتٍ فردية تتزايد يوماً بعد يوم، وكأنها قطع دومينو تسقط الحرية واحدة تلو الأخرى ومحاولة لقتل الحياة الطبيعية وإعادة هندسة المجتمع من جديد

قرار تنظيمي؟

وسط هذا المناخ، أعلنت محافظة دمشق قراراً بمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية داخل المدينة، وحصر بيعها في مناطق محددة مثل باب توما والقصاع وباب شرقي، ضمن محلاتٍ مرخصة، مع فرض شروطٍ مكانية صارمة، ومنع تقديمها للاستهلاك داخل المحل، ومنح مهلة ثلاثة أشهر لتسوية الأوضاع. وقد بررت الجهات الرسمية القرار بأنه استجابةٌ لشكاوى من المجتمع المحلي، وضمن جهود الحد من الظواهر المخلة بالآداب العامة.

لكن على أرض الواقع، يقدّم أصحاب محال في باب شرقي روايةً مختلفة. يؤكد بعضهم لـِ “المدن” أن المنع أصبح شبه كامل، وأن الإجراءات تُطبّق بصرامةٍ تتجاوز نص القرار، لتطال حتى الأماكن المرخصة. هذا التباين بين النص والتطبيق يفتح باب التساؤل حول طبيعة القرار: هل هو تنظيمي إداري، أم خطوة ضمن مسارٍ أوسع لإعادة تعريف الفضاء العام؟

في اللاذقية، بدا المشهد أكثر حدّة. فقد أُغلقت عدة مطاعم وحانات في حي “الأميركان” خلال شهر رمضان، بذريعة تقديم مشروباتٍ كحولية. ووفق شهادات أصحابها، تم الإغلاق بشكلٍ مفاجئ ودون إنذاراتٍ مسبقة، مع تكسير محتويات داخل بعض المنشآت. ورغم نفيٍ أولي من جهاتٍ رسمية، إلا أن الوقائع الميدانية أكدت تنفيذ الحملة، وهذا ما أعاد فتح ملف غياب الوضوح القانوني وفجوة التراخيص التي تترك هذه الاستثمارات عرضةً لإجراءاتٍ مفاجئة.

ما يجري في دمشق وغيرها من المدن السورية يتجاوز القرار الإداري، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بشكل الحياة العامة وحدود الحرية الفردية. ففي حين تبدو البلاد وقد خرجت من مرحلةٍ من القمع السياسي الصريح، يظهر شكلٌ آخر من الضبط، أكثر انتشاراً وأقل وضوحاً، يمارسه المجتمع نفسه.

دمشق التي كانت تخاف من الكلام، كانت تجد طرقاً لتعيش. أما اليوم، فبينما تتسع مساحة التعبير، يشعر كثيرون بأن مساحة العيش تضيق. هنا تكمن المفارقة: الحرية لا تتجزأ، ولا يمكن أن تكون سياسيةً فقط من دون أن تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.

من يملك المدينة؟

في النهاية، لا يعود السؤال مرتبطاً بالكحول أو بقرارٍ بعينه، بل بمن يملك الحق في تحديد شكل الحياة في المدينة: الدولة، أم المجتمع، أم الفرد نفسه. وفي دمشق، المدينة التي تعيش على طبقاتٍ من الذاكرة والتناقض، يبدو أن الإجابة لا تُفرض بقرار، بل تتشكل يوماً بعد يوم، في الشارع ذاته الذي لا يزال ينبض بالحياة… رغم كل شيء.

المدن

————————-

 حريات مقيدة وثقة مفتقدة!/ عبدالرحمن مطر

2026.04.02

لا يمكننا اعتبار ما حدث الأسبوع الماضي في دمشق، ومدن أخرى، على أنه حدث جانبي، طارئ وبسيط. وإنما هو مؤشر على درجة من الانقسام في الشارع السوري، أخذ يتشكل بصورة تستدعي المراجعة، والتوقف عندها، بعد ما يقارب من عام ونصف على تولي السلطة الجديدة، زمام الحكم في سوريا.

وإذا أضفنا إليه، العودة إلى رفع الراية البيضاء، بقوة كما في “الجمعة” الأخيرة في التظاهرات المضادة للاحتجاجات المطلبية، فإن ذلك يعود بنا إلى المرة الأولى التي رفع فيها علم “التوحيد” على وقع الإنزال القسري لعلم الثورة السورية، في مدخل الرقة (أكتوبر 2013)، عقب تحرير المدينة في مارس آذار 2013، وما تلا ذلك من توترات وأحداث، أسهمت في إقصاء التيار المدني في الثورة، ومحاصرته تدريجياً، وصولاً الى إنحساره، أمام صعود القوى المسلحة، كواجهة فاعلة للمعارضة السورية في السنوات اللاحقة.

العقيدة والقوة: الخوف

هل يمثل ذلك مؤشراً مقلقاً للجمهور السوري؟ الجواب في اعتقادي هو: نعم. فثمة استعادة لمنطق القوة، ولفكرة الخوف، من السطوة التي سادت في سنوات “الرماد، والدم، والتضحيات” وشغلت المواطنين السوريين، كهاجس مرير، في ظل من الحذر، والانصياع حيناً، والتمرد والاعتراض في أحايينَ أخرى، في مواجهة كل القوى التي احتكمت إلى تمركز علاقة القوة بين “السلاح و العقيدة”، خاصة تلك التي تمكنت من بسط إدارتها في المناطق الخارجة عن سلطة النظام السوري البائد، ضمن مشروعية التحرير، وإسقاط الأبدية الأسدية.

تبرز هذه الحالة/ الظاهرة، في الاستقطاب الحاد الذي يتشكل اليوم، ويتجلى في مظاهر عديدة، منها الخروج والعودة إلى الشارع، بمعنى التجييش والاحتكام إليه، وفي مواجهة حادة للقوى والمجموعات ذات الطابع المدني، التي بدأت بالتعبير عن مخاوفها من الاستمرار في نهج ” غياب المؤسساتية” وتغليب ” الفتاوى ووجهات النظر” على مبادئ الحقوق والحريات، وعلى القوانين الناظمة لعمل الدولة، كما حدث في قرارين أشعلا الجمهور السوري، على ضفتيه: المعترض، والمؤيد على حدّ سواء: قرار محافظ دمشق بشأن الخمور، وقرار وزارة الإعلام

بشأن منع منصات إعلامية من العمل في سوريا. وبين أصداء هذين القرارين، تُكمل أحداث السقيلبية، هرم الإشكاليات العميقة، التي تَسمُ حالتنا الراهنة، بتفاعلاتها المتلاحقة.

حريات مقيدة

من دون الخوض في مجريات ” جمعة السقيلبية ” فإن المطالب التي أعلنها أهالي المدينة تلخص جوهر المعضلات المركبة: الحرية والمواطنة والعدالة. هي في حقيقة الأمر، مسائل أساسية يطالب بها الجميع، هي صوت الناس التي خرجت في سبيلها ثورة شعبية عام 2013. وكلما عدنا إلى جذور المشكلات اليومية، وجدنا أن الشعور بالمواطنة المتساوية، يتراجع، ويفقد الجمهور بذلك جزءا من حقوقه وحرياته، في ظل غياب العدالة والمحاسبة. ومن الطبيعي أن يسود شعور عامّ بالخيبة، وبالخذلان والمرارة.

يتفاقم ذلك مع الإجراءات المتعلقة بتقييد الحريات العامة. صحيح أن التظاهر، ما يزال غير مقيّد حتى اليوم، وأنه لا معتقلين بسبب الرأي وحرية التعبير. لكن قرار وزارة الإعلام بإيقاف عمل منصات إعلامية، هو سعي لتقييد حرية الإعلام، والتدخل في الحق في حرية الرأي وفي نقل الأخبار وفي تفسير الأحداث. مسألة الترخيص جانبية، وهي ذريعة، بما أن المؤسسات الثلاث، لديها تراخيص مؤقتة سارية. وهذا ما كشفه مسؤولو وزارة الإعلام في ردهم التوضيحي، بشأن “تلفيق الأخبار، وبث الكراهية والتحريض، والتضليل”. لكن ثمة مسألة مهمة، لا ينبغي تجاهلها: تعتبر القوى والجماعات الموالية للسلطة، كل رأي مخالف لها، وكل نقد لمسلك سياسي أو أمني، هو بمنزلة بث للكراهية، وتحريض على السلطة. من هنا يمكننا أن ننظر إلى خطاب السلطة وجماعاتها، على أنه دعوة مباشرة لتقييد الحريات، وإنتاجٌ لخطاب التمييز، والتنمر، خاصة أن وسائل إعلام “الدولة” لا تفتح أبوابها للرأي الآخر.

رايات متعددة

في الوقت الذي أثارت فيه حادثة المساس بالعلم السوري، في احتفالات النوروز في عين العرب، احتجاجات وإدانات واسعة، نجد أن المظاهرات المضادة التي دعا إليها أنصار السلطة، قد شهدت غياباً شبه كامل للعلم السوري. لقد رُفعت رايات التوحيد البيضاء، والسوداء، يوم الجمعة الماضي في دمشق وحماة، واللاذقية، وغيرها. هذا مثير للتساؤل عما يراود المنظمين من ذلك، وما الذي يعنيه ذلك، سوى أنها تحريض ضد “مدنية الدولة السورية”، دولة المواطنة والحرية والعدالة. بل إنها تتجاوز ذلك، لتمثل تهديداً ضمنياً، بالعودة لحمل السلاح دفاعاً عن “سلطة إسلامية” لا سواها. إن ذلك ليس سوى تغليب الولاءات غير الوطنية، على الراية الجامعة لكل السوريين.

السلطة وأزمة الثقة

السلطة السورية ليست ضعيفة بالمطلق، وهي تمتلك كل مقدرات القوة ومقوماتها، وربما في مقدمها إيمان المجتمع السوري، بالعمل المشترك لاجتياز المرحلة المؤقتة بسلام، في سياق إعادة بناء الدولة. لكنها تبدو وكأنما تراقب بحياد نسبي أحداث الداخل، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تتدخل بقوة “القانون” لمنع إهدار الحريات، ووقف خطاب التحريض العدائي، والتنمر الذي يرتقي لاعتباره “خطاب كراهية منظم”. مسؤولية الدولة تتجلى أيضاً بتشديد فرض الأمن، وفي حظر حيازة السلاح خارج الدولة، وفي منع عناصرها من الانحياز إلى طرف دون آخر، وفي أن تعمل أجهزتها على استعادة الثقة مع الجمهور، وتعزيز حضورها كمظلة قانونية ترعى الجميع في ظل المواطنة، وهذا ما يقود البلاد نحو الخلاص، والمستقبل الآمن، وهو ما يمكن أن يجيب عن سؤال يُطرح بقوة: ألهذا خرج السوريين بثورة غالية التضحيات؟

تلفزيون سوريا

————————————-

============================

قرار حصر بيع الكحول في دمشق “متابعة وبيانات ومقالات” تناولت الأمر تحديث 31 أذار 2026

 دمشق الذاكرة المثقوبة/ محمد علي الأتاسي

27 آذار 2026

قرار منع بيع الكحول

في 16 آذار 2026، أعلن محافظ دمشق ماهر الإدلبي، في ليلة عصماء، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، قراره منع بيع الكحول بشتى أنواعها في ما سمّاه «كافة مطاعم وملاهي مدينة دمشق». وحدّد متكرمًا ثلاثة أحياء في العاصمة، وهي باب توما وباب شرقي والقصاع، سُمِح فيها لمن لديه رخصة بيع مشروبات روحية ببيع زجاجات الكحول المختومة مع التعهّد بعدم تقديمها بالأقداح داخل المحل، أي بيعها فقط للاستهلاك المنزلي خارج المحل. وأشار نص القرار إلى موافقة أعضاء المكتب التنفيذي بالإجماع على بنوده.

قرار محافظ دمشق، عن صفحة المحافظة.

لم يهبط هذا القرار فجأة من السماء، بل سبقه على مدى عام كامل من حكم هيئة تحرير الشام والفصائل الإسلامية المتحالفة معها للدولة السورية، العديد من الممارسات الجائرة التي تتناول الحريات الفردية وتخص مواضيع الملبس والمأكل والاختلاط ومكانة المرأة في المجال العام. من بين هذه الممارسات:

منع الاختلاط في باحة الجامع الأموي، الأمر الذي لم يطبق على مدى ثلاثة عشر قرناً وأصبح ساريًا اليوم في عهد هيئة تحرير الشام، وإلغاء الاختلاط في المدارس الرسمية، والتضييق على الاختلاط في وسائل النقل العام لا سيما في محافظة ادلب، والتضييق على أي فتاة سافرة ومنعها، لا بقوة القانون ولكن بقوة الزجر والتهديد، من ارتياد الفضاء العام سافرة في محافظة ادلب، ومنع لباس البحر للنساء على الشواطئ في بعض المحافظات الساحلية، ومنع الموظفات من وضع المكياج او التضييق على محلات بيع واستهلاك المشروبات الروحية ومحاصرتها بالقرارات الاعتباطية بخصوص الرخص وصلاحيتها وشروط تجديدها، ومنع أي مواطن سوري أو أجنبي من ادخال او اخراج أي زجاجة كحول في المنافذ الجوية والبرية والبحرية السورية، حتى لو كانت هذه الزجاجات مصنعة في سورية ومعدة للتصدير.

يبقى أن قرار محافظ دمشق هو الأول من نوعه لجهة صدوره ممهوراً بتوقيع جهة رسمية ووضوح نصه في منع تقديم المشروبات الكحولية في كافة أحياء مدينة دمشق باستثناء الأحياء الثلاثة.

الاستثناء الخطير

ما فات السيد المحافظ، ابن مدينة قطنا وعديل الرئيس أحمد الشرع، ومستشاريه في مجلس المحافظة، الذين على ما يبدو لا يفقهون شيئا من تاريخ المدينة، أن هذا القرار المتهور، سواء لجهة منعه بيع الكحول في كل مطاعم العاصمة أو لجهة تقييده بيع زجاجات الكحول المختومة في ثلاثة أحياء مسيحية في قلب المدينة القديمة، ينمّ عن جهل عميق بالتاريخ الاجتماعي والسياسي الحديث لمدينة دمشق، وهو يتجرأ ويوصم جغرافيا واجتماعيا ثلاثة أحياء في قلب المدينة القديمة وفي قلب تاريخ سوريا الحديث كمكان مخصص فقط لبيع المشروبات الروحية بمعزل عن بقية أحياء عاصمة الدولة السورية.

تُرى ألم ينتبه أحد من جهابذة المحافظة، أن هذه الأحياء الثلاثة التي يريدون تخصيصها جغرافياً فقط لبيع الكحول، تضمّ كراسي ثلاث بطريركيات لأنطاكية وسائر المشرق للمسيحيين المشرقيين وتضم عشرات المطرانيات لبقية الطوائف المسيحية وعشرات المدارس والإرساليات، كما تضم كنيسة حنانيا وباب كيسان الذي نزل من على سوره بولس الرسول لينشر المسيحية في أوروبا والعالم؟

تُرى ألم يهمس أحد في إذن المحافظ ومستشاريه أن هذه الأحياء التي خصصها بالاسم لبيع المشروبات الكحولية، هي ذاتها لا غيرها، التي شهدت في العام 1860 مجازر مروعة، ارتُكبت تحت حجج واتهامات واهية تخص قضايا السلوك في المجال العام، وقد قتل في هذه المجازر الطائفية آلاف المسيحيين الدمشقيين ودمرت معظم هذه الأحياء وهُجّر سكانها ونُكبت المدينة في أسس وجودها وتعايشها المشترك. 

تُرى ألم يعلم المحافظ ومستشاروه، قبل أن يقرّروا فصل هذه الأحياء عن بقية المدينة ووصمها ببيع الكحول، حجم الجهود الشاقة والامكانيات الهائلة والتعويضات الكبيرة التي وُظِّفت ودُفعت من أعيان المدينة في نهاية عهد الإمبراطورية العثمانية، من أجل إعادة تأهيل واعمار هذه الأحياء والسماح لأهاليها بالعودة للعيش داخلها والاندماج مجددا في نسيج المدينة الديني والاجتماعي والتجاري والسياسي، ومنع الدول الكبرى من استخدام مسألة حماية الأقليات للتدخل في الشؤون الداخلية للبلد؟ وقد تحققت هذه العودة تدريجيا مع بداية عصر النهضة في سوريا ولبنان والتي ساهم فيها المسيحيون العرب بشكل فاعل، وتكرّست مع ولادة الدولة السورية الأولى في العام 1920 ودستورها الذي أسس لمفهوم المواطنة والدولة المدنية، وصولاً لنيل الاستقلال التام وولادة الجمهورية السورية في العام 1946.

زيارة المسجد بعد توضيح القرار

طبعاً أثار هذا القرار الخنفشاري الكثير من الاعتراضات والاعتصامات، مما اضطر المحافظة إلى إصدار توضيح لم يوقعه المحافظ شخصياً على عكس القرار السابق. وفيه تعتذر المحافظة لأهالي هذه الأحياء الثلاثة وتعد بإعادة النظر بتخصيصها الجغرافي فيه من دون ان تتراجع عن مضمونه.

أما المحافظ نفسه، فلم يجد غداة إصدار القرار أفضل من زيارة مسجد تنكز في قلب العاصمة للصلاة والاجتماع بالشيخ عبد الرزاق المهدي (أبو عبد الرحمن الشامي) وأخذ صور الى جانبه. وهذا الشيخ هو أحد شرعيي جبهة النصرة السابقين، وانفصل عنها في العام 2017 وهو ملاحق في تركيا وسبق له أن اعتقل في مطارها قبل عدة أشهر ورحل من جديد الى سوريا. هو واحد من أكثر دعاة السلفية الجهادية تشددًا في سوريا وله صولات وجولات في التحريض على العنف الطائفي وفي التضييق على الحريات العامة وفي الدعوة إلى إقامة الحكم الإسلامي وتحكيم شرع الله.

ترى هل كان يعلم السيد المحافظ ماهر الادلبي عندما قرر زيارة الشيخ السلفي المتشدد عبد الرزاق المهدي في جامع تنكز رمزية هذا المكان في تاريخ سوريا الحديث، ومعنى هذه الزيارة بعد قرار المحافظة الطائش؟ أغلب الظن أنه لا يعلم. لكن القليل من التاريخ ومن الذاكرة هنا قد يفيد في استخلاص العبر لمن يريد أن يقرأ ويتعظ، حتى لا تتكرر أخطاء وخطايا الماضي، مع أنها لا تنفك تتكرر من قبل قيادات سياسية وعسكرية تفتقد للمشروعية الشعبية وتدير ظهرها عمداً لتاريخ البلد ولأحداثه التأسيسية ورموزه الوطنية.

فمسجد تنكز الذي كان في الأربعينات مقرّاً للجمعية الغراء، الجمعية الاسلامية الأبرز في المدينة، شهد في ذلك الزمن أحد أهمّ الأحداث التأسيسية لولادة الدولة السورية ولمكانة الحريات الشخصية في الفضاء العام ولعلاقة الدين بالسياسة.

بعد انتخابات العام 1943 التي أتت بالكتلة الوطنية إلى الحكم وانتخب على اثرها شكري القوتلي رئيساً للبلاد، شهدت العاصمة دمشق والعديد من المدن السورية بين العامين 1943 و1944 مظاهرات وحوادث شغب متعددة بتحريض من بعض المشايخ القريبين من الجمعية اعتراضًا على ما سمّوه مظاهر التغريب وتعليم النساء والاختلاط في الأماكن العامة والتراموي وخروج النساء سافرات وارتياد النساء لدور السينما. وفي منتصف شهر أيار من العام 1944، تواردت أنباء مغلوطة عن قيام الجمعية الخيرية، «نقطة حليب»، التي ترأسها زوجة وزير المعارف نصوح بخاري، بتنظيم حفل راقص مختلط في نادي الضباط لجمع التبرعات من أجل أنشطتها في توزيع حليب الأطفال على الأمهات المحتاجات في المدينة. ورغم تأكيد حكومة سعد الله الجابري أن هذه الأنباء مغلوطة وأنه ليس هناك من اختلاط ولا تواجد للنساء المسلمات في هذا الحفل، إلا أن شيوخ الجمعية الغراء والشيخ محمد الأشمر، الزعيم الشعبي في حي الميدان، تداعوا لاجتماع في جامع تنكز وألقى الأشمر خطاباً حماسياً حمل فيه على الحكومة ومظاهر التغريب وخرجت على أثره مظاهرات عنيفة تمّ فيها تكسير واجهات بعض المحلات ومهاجمة بعض النساء السافرات في الشوارع وصولاً إلى اقتحام سينما أمبير ومحاولات الاعتداء على النساء المتواجدات مع عائلاتهنّ داخلها، الأمر الذي تطور إلى اشتباك مسلّح مع عناصر الشرطة، ما أدى إلى سقوط قتيلين من المتظاهرين. ونجم عن هذه الاحداث اعتقال الشيخ محمد الأشمر ونفيه خارج دمشق، وهو من هو، مقاتل شارك في معركة ميسلون في العام 1920 وفي الثورة السورية الكبرى في العام 1925 وفي الثورة الفلسطينية في العام 1936. لكنه عندما حرّض على العنف وعلى انتهاك حريات الناس الفردية، لم تتأخر حكومة سعد الله الجابري المتمتعة بالمشروعية الانتخابية في محاسبته واعتقاله لتحريضه الناس على الفتنة والقلاقل في أدق الأوقات وأصعبها عندما كانت هذه الحكومة تفاوض الفرنسيين والانكليز على انسحاب قواتهم ونيل الاستقلال الكامل للبلاد.

لا شك أن هذه القضية كانت من الحوادث التأسيسية للدولة السورية الحديثة ولعلاقة الدين بالدولة ولمكانة الحريات الشخصية في حرية الملبس والمشرب في الفضاء العام.

ويمكننا العودة لخطاب رئيس الوزراء سعد الجابري التاريخي في مجلس النواب بعد إخماد الأحداث في 22 أيار 1944 لأننا سنجد فيه العديد من الإضاءات الهامّة لنا اليوم من قبل رجل دولة يدرك معنى الحرية ومعنى مسؤولية الدولة في صيانتها. فالجابري يؤكد بدايةً أن حكومته تتمتع وحدها بثقة المجلس الذي يمثل الأمّة أصدق تمثيل وأنها لم تشأ إلا أن تفتح المجال للأفراد والجماعات بالحرية الكاملة بالرأي والقول والعمل… ولكن يا للأسف أخذت بعض العناصر المختلفة تلقى في روع بعض الناس بأن هذه الحرية يمكن أن تنقلب إلى تحكم في الحكم أو تحكم في الحرية نفسها. ويقول الجابري أن هذه الحوادث جاءت نتيجة هذه الحرية التي يظنّ بعض الجهلة أنه يستطيع بواسطتها أن يحصل على ما يرغب به من تجاوز على أرض أو استيلاء على ملك او التدخل في أمر كبير أو الحد من حرية بعض الناس إلى ما هنالك. ويضيف الجابري لا نريد في حال قيام الدستور والحياة النيابية أن تكون عرضةً دائماً لحملات في الشوارع والأزقة، فلا بد من أحد أمرين إما أن نفسح المجال لأن تكون الأزقة والشوارع هي صاحبة الأمر والبت في الحوادث، وإما أن يكون مجلسكم ورئيس الجمهورية هم أصحاب هذا الحق ولا فاصل بين هذين الأمرين أبداً.

ومن المهمّ أن نقرأ بتمعّن كيف المجلس لخطاب الجابري وصوّت بالآتي: إن المجلس بعد أن سمع إيضاحات رئيس الوزراء عن حوادث يومي السبت والأحد، يعلن أنّ حماية الحرية الشخصية من أقدم الواجبات التي تقع على عاتق الحكومة ومجلس النواب، وهذا يدعو الحكومة إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة التي تؤول إلى منع الاعتداء على الحريات الشخصية ما دامت ضمن حدود القانون والدستور.

سلخ سوريا عن تاريخها

طبعاً، نحن للأسف في سوريا اليوم بعيدون كلّ البعد عن التعلّم واستخلاص العبر من هذه اللحظات التأسيسية لولادة الدولة السورية. لا بل إنّ هناك محاولات مضنية وخبيثة لسلخ الجمهورية السورية عن تاريخها الحقيقي، من إلغاء عيد شهداء 6 أيار الذين أعدمهم جمال باشا إلى التشكيك بمشروعية المؤتمر السوري وحكومة فيصل في دمشق، مروراً بمعركة ميسلون والثورة السورية الكبرى ودور سلطان باشا الأطرش فيها، ووصولاً إلى معركة الاستقلال وولادة الدولة السورية ودساتيرها الحديثة، بدءاً بدستور 1928 ووصولاً إلى دستور العام 1950. كما يتمّ على قدم وساق تغيير أسماء الشوارع والمدارس وتغييب أسماء رجالات ونساء سوريا الحديثة الذين ساهموا بنهضتها العلمية والأدبية والسياسية من مثل القرار الأخير لمجلس محافظة دمشق ذاته الذي تداولت صورته بعض وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن تنشره المحافظة على صفحتها الرسمية، ويتمّ بمقتضاه تغيير أسماء مدارس حملت أسماء مفكرين وكتاب، من مثل زكي الأرسوزي وسامي الدروبي والعلامة محمد كرد علي والشهيد الطيار في حرب تشرين فايز منصور.

قرار المحافظة بتغيير اسماء المدارس كما جرى تداوله على صفحات التواصل الاجتماعي.

واليوم، إذ تتوالى دعوات بعض الموتورين للتظاهر بعد صلاة الجمعة يوم 27 آذار دعمًا لقرار محافظة دمشق والمطالبة بتعميمه على باقي المحافظات، لا بدّ لنا أن نستعيد مؤرخ دمشق ومؤسس المجمع العلمي فيها وصاحب خطط الشام محمد كرد علي الذي كتب في مذكراته تحت عنوان «الحنبليات الضارة»، مذكرًا بحادثة تبرع فيها واحد من المغتربين السوريين في الأرجنتين وأصله من دير عطية، بمبلغ مئة ألف ليرة لبناء جامع ومدرسة إناث ومدرسة ذكور، وكان هذا المبلغ معتبراً في ذلك الزمن. لكن من يسميهم كرد علي بالثرثارين قالوا بأن هذا حرام لأن صاحبها يملك في الأرجنتين كرومًا واسعة ويعصر عنبها ليبيعه خمراً. فما كان من كرد علي إلا أن سأل العلامة الشيخ عبد المحسن الأسطواني، وكان من أكبر علماء الحنفية في الديار الشامية. فأتاه بالنص من كتب الفقه وقرأه على كرد علي: وجاز بيع عصير العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً، لأن المعصية لا تقوم عليه. وهكذا كان، وابلغ كرد علي هذه الفتوى لمواطنه الكريم المغترب في الأرجنتين وتمّ قبول التبرع.

فأين نحن اليوم من ذلك الزمان!

ميغافون

—————————–

كحولية”دمشق: النموذج التركي هو الحل/ منهل باريش*

2026-03-27

للمرّة الثانية في أقلّ من أسبوع، تُنتزع تصريحات الرئيس السوريّ أحمد الشرع من سياقها، تارةً عبر “بروباغندا” إسرائيليّة مضلّلة، وتارةً أخرى عبر توظيفها بوصفها إعلان…

لا يُعدّ الجدل في تنظيم أو تقييد بيع المشروبات الكحوليّة جديداً في المنطقة، وخصوصاً في الدول التي وصلت فيها أحزاب ذات مرجعيّة إسلاميّة إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع. لقد أظهرت تجارب متعدّدة، من تركيا إلى مصر وتونس، أنّ هذه الأحزاب غالباً ما تتجنّب الذهاب إلى الحظر الشامل، وتكتفي بسياسات تنظيميّة أو ماليّة، إدراكاً لحساسيّة الملفّ اقتصاديّاً واجتماعيّاً، وارتباطه المباشر بقطاعات مثل السياحة والخدمات، علاوة على صلته بالحرّيّات الفرديّة.

يبرز النقاش في قرار محافظة دمشق المتعلّق بتقييد بيع وتقديم المشروبات الكحوليّة، ليس فقط من زاوية تنظيم المهنة، بل من زاوية أوسع تتعلّق بحدود السلطة الإداريّة ومفهوم الحرّيات العامّة. إذ إنّ الاستناد إلى “الخصوصيّات المحليّة” لتبرير تقييد أنشطة قانونيّة قائمة يُعدّ إشكاليّاً لأنّه يفتح الباب أمام تدخّلات إداريّة قد تمسّ الحقوق الفرديّة تحت ذرائع اجتماعيّة أو أخلاقيّة فضفاضة. لا يمكن اعتبار إبطال أو سحب تراخيص قائمة، أو فرض شروط تجعل ممارسة النشاط شبه مستحيلة، تنظيماً، بل يقترب من كونه تقييداً مباشراً للحرّيات العامّة.

حكم حزب العدالة والتّنمية

استغرق حزب العدالة والتنمية التركيّ قرابة أحد عشر عاماً بعد وصوله إلى الحكم حتّى أصدر قانون تنظيم بيع وتسويق المشروبات الكحوليّة عام 2013. لقد شدّد القانون، الذي أقرّه البرلمان، على حظر الإعلانات عن الكحول، ومنع بيعها بين الساعة العاشرة مساءً والسادسة صباحاً، ومنع بيعها قرب المدارس ودور العبادة، إلى جانب تشديد شروط الترخيص. انتهجت الحكومة أيضاً سياسة واضحة لمحاربة التدخين والكحول، من خلال فرض ضرائب متكرّرة على المنتجين، وتقييد أماكن التدخين، ومنعه في الفنادق والمطاعم والمقاهي المغلقة.

لا يزال “الراكي” في تركيا يُنظر إليه لدى فئات واسعة بوصفه مشروباً ذا طابع قوميّ، يرتبط في ذاكرة شرائح من المجتمع بصورة مصطفى كمال أتاتورك. الجدير بالذكر أنّ رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، الذي يُعدّ الأب الروحيّ لتيّار الإسلام السياسيّ في تركيا، لم يعمل على إصدار قانون يقيّد أو ينظّم بيع المشروبات الكحوليّة، على الرغم من مواقفه المعلنة منها.

دمشق اليوم بحاجة إلى سياسات أكثر توازناً وعقلانيّة تحمي النظام العامّ دون التغوّل على الحرّيات الفرديّة أو ما بقي من النشاط الاقتصاديّ في بلدٍ مُنهك

مصر وتونس في زمن “حكم الإخوان”

في مصر، تقدّم تجربة حكم الرئيس الراحل محمّد مرسي مثالاً واضحاً على حدود قدرة التيّارات الإسلاميّة على فرض تغييرات جذريّة في هذا الملفّ. على الرغم من الضغوط التي مورست من قواعده الانتخابيّة ومن قوى دينيّة مثل حزب النور السلفيّ، لم يتّجه مرسي إلى حظر الكحول أو إغلاق المنشآت السياحيّة التي تقدّمه. على العكس من ذلك، أدرك أنّ قطاع السياحة يشكّل أحد أعمدة الدخل القوميّ، علاوة على التخوّف من ردود فعل داخليّة وخارجيّة قد تهدّد الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ. لذلك اكتفت الحكومة بسياسات أقلّ صداميّة، تمثّلت في رفع الضرائب وتشديد الرقابة والحدّ من التوسّع في منح التراخيص الجديدة، خصوصاً في التجمّعات السكنيّة الحديثة. مع ذلك، حافظت الدولة على الإطار القانونيّ القائم دون المساس بجوهر النشاط، في محاولة لتحقيق توازن بين الاعتبارات الدينيّة والاقتصاديّة.

أمّا في تونس فقد كانت التجربة أكثر وضوحاً في هذا السياق. حركة النهضة، على الرغم من مرجعيّتها الإسلاميّة، وجدت نفسها في بيئة سياسيّة واجتماعيّة ذات طابع علمانيّ قويّ، حيث يشكّل نمط الحياة المرتبط بالسياحة والانفتاح جزءاً من الهويّة الاقتصاديّة والثقافيّة للبلاد. لذلك لم تسعَ الحركة إلى فرض حظر على الكحول، بل تعاملت مع الملفّ بحذر شديد، إدراكاً منها أنّ أيّ محاولة للمنع ستؤدّي إلى صدام مباشر مع النخب السياسيّة والمدنيّة، وربّما إلى اضطرابات اجتماعيّة واسعة. إلى ذلك لا يحتمل الاقتصاد التونسيّ، المعتمد بشكل كبير على السياحة، قرارات من هذا النوع قد تؤدّي إلى تراجع الإيرادات وتسريح أعداد كبيرة من العاملين. لهذا بقيت سياسات النهضة ضمن حدود التنظيم والرقابة، دون المساس بالإطار العامّ الذي يضمن استمرار هذا النشاط.

أمّا في المملكة السعوديّة فقد بدأت تظهر مؤشّرات إلى توجّه حذر نحو تنظيم محدود ومقنّن ضمن نطاقات ضيّقة للأجانب والدبلوماسيين، بما يراعي التوازن بين التحوّلات الاقتصاديّة والخصوصيّة الاجتماعيّة.

نموذج سنغافورة

في بلدان آسيويّة، مثل سنغافورة، التي يتردّد ذكرها في الأوساط السوريّة بوصفها مثالاً يُحتذى وهدفاً تسعى الإدارة السوريّة الجديدة للتشبّه به والوصول إلى نموذجه، لا يزال شرب الكحول مسموحاً في الحدائق العامّة والشواطئ، ويُمنع ليلاً ابتداءً من الساعة العاشرة والنصف مساءً حتّى السابعة صباحاً فقط. يُسمح أيضاً، في بعض الحالات، بالحصول على ترخيص يمتدّ حتّى ساعات الفجر. وتُعدّ السياحة واحدة من ركائز الاقتصاد السنغافوريّ المتنوّع.

في المملكة السعوديّة بدأت تظهر مؤشّرات إلى توجّه حذر نحو تنظيم محدود ومقنّن ضمن نطاقات ضيّقة، بما يراعي التوازن بين التحوّلات الاقتصاديّة والخصوصيّة الاجتماعيّة

دمشق: الإشكاليّة القانونيّة أوّلاً

تكتسب المقارنة مع هذه النماذج معناها الحقيقيّ عند الانتقال إلى حالة دمشق، حيث لا يقتصر الجدل على مضمون القيود المفروضة، بل يمتدّ إلى الجهة التي أصدرت القرار، وطريقة صياغته، وطبيعة نتائجه. يثير قرار محافظة دمشق، الذي يقضي بمنع تقديم الكحول في المطاعم والملاهي وحصر بيعه في نطاقات جغرافيّة محدّدة، إشكاليّات عميقة لا يمكن اختزالها في إطار “تنظيم المهنة”.

في مقدَّم هذه الإشكاليّات تبرز المسألة القانونيّة بوصفها الأكثر جوهريّة. القرار، بصيغته الحاليّة، يبدو متجاوزاً لحدود صلاحيّات المحافظ، إذ لا يملك إلغاء أو تعطيل مراسيم وتشريعات نافذة، أو الانتقاء منها بشكل استنسابيّ. تشكّل المراسيم القائمة جزءاً من منظومة قانونيّة ملزمة، ومهمّة المحافظ تقتصر على تنفيذ القوانين الصادرة عن السلطة التشريعيّة، لا إعادة تفسيرها أو الالتفاف عليها بقرارات إداريّة قد تفتقر إلى السند الدستوريّ. من هنا، أيّ مساس بالتراخيص القائمة أو تضييق يؤدّي عمليّاً إلى إبطالها ويطرح إشكالاً قانونيّاً يتجاوز “التنظيم”.

أمّا الإشكاليّة الثانية فتتمثّل في الأثر الاقتصاديّ المباشر. يؤدّي القرار، وإن قُدِّم بوصفه إجراءً تنظيميّاً، عمليّاً إلى تغيير نموذج عمل قطاع كامل من المنشآت السياحيّة والخدميّة. إنّ فرض هذا التحوّل خلال مهلة زمنيّة قصيرة يضع العديد من المستثمرين أمام خيار الإغلاق أو الخسارة، ويهدّد بفقدان عدد كبير من فرص العمل، في ظلّ اقتصاد يعاني أصلاً من الهشاشة والتراجع.

على المستوى الاجتماعيّ، قد يُفهم حصر هذا النشاط في مناطق بعينها بوصفه نوعاً من الفرز الجغرافيّ، وربّما الدينيّ، وهو ما يتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية، ويقوّض فكرة أنّ القانون يجب أن يُطبّق على الجميع دون تمييز أو استثناءات مرتبطة بهويّة المكان.

في المحصّلة، لا تكمن الإشكاليّة في مبدأ تنظيم بيع الكحول بحدّ ذاته، بل في الكيفيّة التي يُمارس بها هذا التنظيم وحدوده. حين يتحوّل التنظيم إلى شكل من أشكال المنع غير المعلن، وتُستخدم الأدوات الإداريّة لإعادة تشكيل المجال العامّ دون مراعاة التوازن بين القانون والاقتصاد والحرّيات، لا تكون النتيجة ضبطاً للفوضى، بل خلق بؤر توتّر جديدة في مجتمع مثقل أصلاً بأزماته.

إنّ دمشق اليوم بحاجة إلى سياسات أكثر توازناً وعقلانيّة تحمي النظام العامّ دون التغوّل على الحرّيات الفرديّة أو ما بقي من النشاط الاقتصاديّ في بلدٍ مُنهك.

أساس ميديا

—————————-

اعتصام باب توما في دمشق امتحان للسلطة والمعارضة/ برهان غليون

27 مارس 2026

بعكس ما ذكر كثيرون، شكّل الاعتصام في حي باب توما في دمشق، وما تبعه من ردود فعل هنا وهناك، نجاحاً كبيراً للسوريين، في أول امتحان لدخولهم الحياة السياسية. ليست القضية ولم تكن قضية “كحول”، مع أو ضد، وأين ومن، إنما قضية الحرّيات الأساسية، والشخصية منها بشكل خاص، وتعيين حدود سلطة الدولة وحدود سلطة القانون وحدود سلطة الأخلاق. وهذا يعني ما يحقّ للدولة أن تفرضه على الفرد وما لا يحقّ، وما يحقّ للقضاء أن يحاسب الفرد عليه وما لا يحقّ، وأي مرجعية أخلاقية يستند إليها إلقانون ويحتكم إليها وباسمها المتنازعون.

كان ما حدث في ساحة باب توما الأسبوع الماضي بداية تعرّف السوريين على لغة السياسة المدنية ومصطلحاتها. وهذه اللغة هي التعبير عن الموقف السياسي بالطرق السلمية التي تبدأ من نشر البيانات الموجّهة للرأي العام إلى تنظيم الندوات أو الاعتصامات أو وقفات الاحتجاج أو التظاهرات التي تعكس تصعيداً أكبر في تأكيد المواقف أو التعبير عن رفض سياساتٍ أو قراراتٍ تعتبرها هذه الفئة الاجتماعية أو تلك جائرةً بحقها.

هذه هي السياسة وهذه مصطلحاتها: ساحة النقاش والجدل النظري والعملي المفتوحة، التي تسمح لكل طرفٍ أن يعبّر عن مطالبه وتطلعاته، ويدافع عن مصالحه بحرّيةٍ لا تؤذي الآخرين، ولا تحرمهم من حقهم في الدفاع عن مصالحهم وتطلعاتهم ومطالبهم بالطريقة نفسها، فلكل جماعةٍ أو فردٍ يشعر أنه تعرّض، أو يمكن أن يتعرّض لأذى أو غُبن، الحقّ في أن يظهر لبقية الأطراف الاجتماعية وقطاعات الرأي العام، ما يشعر به، طلباً لتضامنها معه ووضعاً للسلطة أمام مسؤولياتها في تحقيق العدالة وتصحيح الخطأ. وقد يحصل التضامن أو لا يحصل، كما أن الأطراف الأخرى يمكن أن تتعاطف فتعزّز المسيرة أو الاحتجاج أو تعبّر عن عدم موافقتها، بمصطلحات السياسة نفسها، أي بتجاهل أو ببيان استنكار أو بندوة أو باعتصام مقابل أو تظاهرة.

هذه هي لغة السياسة التي يعبّر فيها الناس عن مصالحهم المختلفة والمتباينة، وأحيانا المتناقضة، في أي مجتمع حي. والبديل الوحيد لهذه اللغة السياسية التي تساعد الناس على التعبير عن أنفسهم ومواجهة بعضهم بالمشكلات التي تؤرّقهم وفتح الحوار العملي، ثم السياسي، فيما بينهم، بشكل منظّم، هو ترك المظالم تتفاقم تحت الأرض إلى أن يحصل الانفجار الكبير، وننتقل من لغة السياسة والاحتجاج بالكلام أو الأقدام إلى لغة الانتفاضة والتمرّد والثورة، التي تمثل العنف في جميع أشكاله المادي والفكري والنفسي أيضا. ولذلك بالرغم من بعض التجاوزات التي عانى منها بعض المشاركين من الصحفيين، يمكن اعتبار ما جرى أول درسٍ إيجابي لممارسة الحريات السياسية بين الأطراف المتنافسة في الساحة العامة بعد غياب طويل. وأعتقد أننا لو نجحنا في الحفاظ على هذا المسار، الذي أرى فيه الخطوات الأولى في الحوار السياسي والاجتماعي الغائب حتى الآن، وتعلّمنا جميعا ضبط الأعصاب وتحكيم العقل والتفكير على المدى البعيد، لن يكون من الصعب علينا أن نواجه الأمواج العالية التي تنتظرنا على الطريق، وأن ننجو من المخاطر التي تتربّص بنا.

علينا أن نعترف لأنفسنا أننا نمرّ بحقبة قاسية على الجميع، فالدولة التي لا تكاد تخرج من تحت الأنقاض تواجه مشكلاتٍ متراكمة منذ عقود، ليس لديها القدرة ولا الموارد لمواجهتها، وتتعرّض لضغوط داخلية وإقليمية هائلة. وذلك في وقتٍ لا تزال فيه السلطة نفسها في حالة غير مستقرّة تبحث عن توازناتها الداخلية، بينما تواجه تحدّيات دخولها في عالم مركّب ومعقّد لم تعرفه من قبل. كما أن الضغوط سوف تزداد قساوة على جمهور الشعب الذي يحاصره الفقر والحرمان وتعثّر الإنجاز. وليس هناك ما يحمل الناس على الصبر إلا الأمل بالمستقبل، وبامكانية التغيير وصدق نية السلطة في العمل عليه وفي سبيله. ويكاد لا يبقى لدى السلطة، ولا لدى عموم الناس هامشٌ ولو ضيّق للمناورة أو الصبر. أي خطأ في الحسابات من السلطة أو الجماعات الشاعرة بالغبن يمكن أن يفجّر الأوضاع ويعيدنا إلى المربع الأول.

نحن الآن في لحظة دقيقة في أول خطواتنا الصعبة للانتقال من نظام الإقصاء الشامل وفرض الإذعان بالقوة والعنف إلى نظام الحرية، الذي لم نتعلّم لغته، ولا نملك الكثير من أسسه وشروط وجوده، ولا نعرف مآله بعد. نعرف فقط أننا لن نستطيع أن نعبر هذا الجسر الضيق وغير المستقر إلا بمقدار ما ننجح في الحفاظ على توازنٍ هشّ ودقيق بين تطلعات هائلة ووعود مكتومة وإمكانات محدودة، إن لم تكن معدومة، في جميع الميادين. أي عودة إلى لغة العنف والتسلط سوف يقوض هذا الانتقال، ويعيدنا إلى نقطة الصفر، أي العنف والانفجار. ويدرك قادة الحكم الجديد ان هذه لغة لم تعد صالحة للتداول بعد ثورة الأربعة عشر ربيعا، قدّم فيها السوريون مئات آلاف الضحايا وملايين المشرّدين. وهي تجربة مأساوية شكّلت وسوف تبقى تشكّل مرجعا للسوريين في حياتهم السياسية، ورصيداً معنوياً وسياسياً لا ينفد، ولا يمكن تجاهله، للتمسّك بقيم الحرية والكرامة والدفاع عنها. وأي محاولة لفرض الصمت والإذعان بالقوة على السوريين سوف تُواجَه بالتمرّد والعنف، وتدفع إلى توسيع دائرة الاحتجاج والاحتجاج المضادّ، وتهدّد بإشعال فتيل الصراع من جديد.

ما هو مطلوبٌ من النظام مطلوبٌ أيضاً من حركات الاحتجاج وتجمّعاته المختلفة، فأي تجاوز لمنطق السياسة والخروج عن مصطلحاتها واللجوء إلى لغة العنف سوف يجرّ إلى عنفٍ مضادٍّ أكثر حدّة، ولن يخدم مصالح أحد. فمن مصلحة جميع الأطراف، السلطة والمؤيدين والمعارضين، تمرين أنصارهم المستعجلين على النصر، على منطق الحكمة والتدرّج والصبر، وعلى تجنّب انتهاك حريات خصومهم وكرامتهم. وعلينا جميعاً أن ندرك أنه لا توجد دولة أجنبية تضمن البقاء لأي نظام، كما لا توجد أيضا دولة تضمن تحقيق الديمقراطية والدفاع عن الحرّيات العامة لأي شعب.

إذا أردنا أن نتجنب خطر العودة إلى مستنقع الحرب، وأن نتقدّم في المرحلة الانتقالية، علينا أن نتجنّب أمرين مدمّرين لمعنوياتنا ولقدرتنا على التوصل إلى حلول عقلانية لخلافاتنا: لغة العنف الرمزي والمادي، ولغة التمييز العنصري، في شكله الاجتماعي أو الديني أو الطائفي أو القومي. أي عنف من أي طرف سوف يجرّ العنف من الطرف الآخر ويرمينا في هوّةٍ لا نعرف نهايتها. وهذا يعني أن نكفّ عن كيل المسبّات وتبادل الاتهامات وتحقير بعضنا بعضنا الآخر. أي تحقير للآخر هو تحقير للذات، وهو منبع للعنف. يحقّ للناس، من أي طبقة أو وسط اجتماعي أو قومية، أن يدافعوا عن النظام القائم من دون أن يكونوا مطبّلين أو انتهازيين أو مكوّعين او بدائيين. كما يحقّ لهم أن ينتقدوه من دون أن يكونوا “فلولاً” أو مهووسين بالسلطة أو “علمانيين” كفرة، أو عملاء لإسرائيل. كل هذه الالفاظ هي من معجم العنف والتمييز “العنصري” البدائي الذي يتعارض مع الحقّ المتساوي للمواطنين في التعبير.

يحقّ لأي مواطن أن ينتقد افكار أي مواطن آخر ومواقفه، بمن في ذلك المسؤولين الحكوميين. ما لا يحقّ له، مهما كان موقعه ومكانته، أن يتهجّم على آخر أو يتهمه من دون دليل أو يوجه إهانة له بسبب وضعه الاجتماعي أو أفكاره ومواقفه. وليس ل”ثوري”، سابق أو لاحق، حقّ إضافي في وصم الآخرين، سواء بقوا صامتين أو كانوا مؤيدين. كل من لا يُثبت عليه القضاء تهمة هو بحكم البريء، وينبغي ألا تُنتقص أي من حقوقه السياسية والمدنية، فالمواطنة هي التمتع بالحقوق. وخطأ الفرد مهما كان حجمه يحدّده القضاء ويحاسب عليه القانون. وطالما لم يحكم القضاء بسحب الجنسية أو التجريد من الحقوق السياسية أو المدنية، تبقى حقوق المواطنة جميعا محفوظة للفرد، بما فيها الترشّح لمناصب المسؤولية. والشعب هو الذي يقرّر في صندوق الانتخابات أهليته للمناصب التي يترشّح لملئها من عدمها.

مسيرتنا نحو حياة ديمقراطية حقيقية وثابتة طويلة، كما كانت، وكما هي دائماً، مسيرة جميع الشعوب. وليس هناك حلٌّ جاهز عند أحد، لا سلطة ولا معارضة ولا منظومة دولية. حتى لو نجحت المعارضة في إسقاط السلطة القائمة أو في إجبارها على تسليم صلاحياتها، وهذا أكثر من بعيد المنال، لا أحد يضمن أن تستطيع أن تسيطر على القوى المسلحة العسكرية التابعة لها، وأقل من ذلك أن لا تقع هي ذاتها في خلافاتٍ تذهب بسورية إلى ما ذهبت به إليه مجالس وطنية وأحيانا انتخابات “ديمقراطية” حصلت بعد الثورة في ليبيا والسودان والعراق.

والقصد، ليس هناك ديمقراطية تنتظر وراء الباب، ولا عقد اجتماعي سحري جاهز للاستخدام. والنظم الديمقراطية لا تنزل ب”البراشوت”، ولا تُختزل في انتخابات، ولا تأتي بانقلاب، داخلياً كان أم خارجياً، حتى لو نجح في إثارة حماس بعض الفئات. ينبغي أن نبدأ ببنائهما انطلاقاً من العمل على تغيير الواقع القائم وشروط بقائه، وفي الصراع ضد السياسات والخيارات السياسية التي تحدّ من الحرّيات وتمارس الإقصاء أو تعمل عليه، وقبل ذلك ومن خلاله، في العمل على توحيد إرادة الشعب حول أهداف مرحلية ممكنة التحقيق، أبرزها انتزاع الحق القانوني في العمل السياسي السلمي، والارتكاز عليه في سبيل توسيع هامش الحريات، وتعزيز المبادرات الأهلية والمدنية، فمن خلال الصراع لتحقيق هذه الأهداف المرحلية، الاجتماعية والسياسية، وبناء منظّمات قوية للمجتمع المدني، وتفاعل النخب السياسية مع الجمهور، وبناء رأي عام قوي مؤمن بقيم الديمقراطية، تبنى القوى الاجتماعية الحاملة للتغيير الديمقراطي أو نصف الديمقراطي. ومن خلاله يتبلور أيضاً العقد الاجتماعي الذي لا يعني شيئاً آخر سوى وصول عموم الجمهور، من خلال النقاش والصراع وتذليل الخلافات التي تحول دون تفاهمه، إلى مجموعة المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تلهم أي نظام حكم قادم وتضبط سلوكه. ولا ضمان لالتزام الحاكم بها إلا يقظة هذا الجمهور واتفاقه أو اجماعه عليها. المبادئ “المفروضة”، حتى لو جاءت من  نخبة عبقرية، تحرّرية ومخلصة وصادقة ونزيهة، لن تتحوّل إلى عقد اجتماعي ما لم تكن قد استقرّت في ضمير الأغلبية من أفراد المجتمع وأصبحت معياراً ومنارة لهم. فهي ليست بصمة أو “دمغة” نطبعها على الناس ليصبحوا شركاء في عقد اجتماعي، كما يصبح قطيع الأغنام واحداً بالدمغة المتماثلة.

يحتاج إنتاج العقد الاجتماعي، أي حصول التوافق على مبادئ مشتركة وجامعة للحكم والحياة الاجتماعية، والتعهّد بالتزاماتٍ متبادلة، إلى عملٍ واسعٍ وطويلٍ على المجتمع، والصراع، من داخله ومعه، في سبيل تجديد الوعي العام، وتعميم الثقافة، وبناء الثقة، وتأكيد التضامن بين أبناء المجتمع، وبشكل أكبر استعادة الثقة المفقودة بين أكثرية أفراده والنخب الاجتماعية من المثقفين والسياسيين ورجال الدين والأعمال الذين يملكون جزءاً من السلطة ويمارسونها. وهذا هو مضمون “أجندة” السياسة الديمقراطية ومهمّة العاملين عليها والداعين إليها. ولا يمكن في هذا الميدان حرق المراحل. وقد كنّا، أعني النخب السورية، أكثر من راهن، من بين النخب العربية، على حرق المراحل والرهان على الانقلابات العسكرية والسياسية والقانونية، بدلاً من العمل الجدّي الطويل على جمهور الشعب والرأي العام الذي هو الطريق الوحيد لبناء حياة سياسية حقّة وثابتة ومستقرّة، أي قائمة على مبادئ وقواعد راسخة في الذاكرة وفاعلة في السلوك، وقائمة على قاعدة اجتماعية صلبة. هذا ما حوّل التاريخ السياسي السوري إلى سلسلة من الانقلابات والانقلابات على الانقلابات، وانتهى بانهيارات متواترة للدولة.

لم ينشأ ذلك بسبب تجهيل الأغلبية الاجتماعية وتهميشها التاريخي، أو لصعوبة التفاهم بين أطراف النخبة ذاتها فحسب، وانما، اكثر من ذلك، بسبب انعدام ثقة النخبة بمجتمعها، والقطيعة شبه الكاملة معه، ووهم كثيرين منا بأن “الشعب” (الجاهل والمتديّن والمتخلف وفاقد “ثقافة العقل”) لا يمكن أن يرتفع بوعيه إلى مستوى المشاركة والقرار، ولا يستحقّ بالتالي الإدماج في الحياة السياسية، وأننا، نحن الذين تشرّبنا قيم الحداثة وأتقنّا علومها، أو تعرّفنا على التجربة التنويرية في الغرب، الوحيدون القادرون على وضع المبادئ والمعايير، والمؤهلون لقيادة المسيرة التاريخية نحو التقدّم والحرّية. إلى درجة أننا أصبحنا نتعامل مع أنفسنا بوصفنا طبقة المتفوقين و”المتطوّرين”، وأصبحنا نرى في المثقف والثقافة وسيلة للتميز عن الآخرين، ليس في الوعي وإنما في الحقوق والواجبات. وهذا “العرق” الصافي، من “العلماء” و”المثقفين” و”المتنوّرين” المتمثلين لعلوم العصر، وحده القادر، والذي يستحقّ، أيضا، القيادة والحكم في كل مجال. وفي المحصّلة الذي يستحقّ الحياة.

هذا ما كرّسه مفهوم الطليعة والطلائعية التي تبنّته الأحزاب اليسارية، ثم نظرية “الحزب القائد للدولة والمجتمع”، و”العلمانية” التي تصرّ على وضع نفسها في مواجهة الدين، و”الإسلاموفوبيا” المعمّمة، واسطورة “العقد الاجتماعي” المحول الى “عقيدة” لعزل الدين، والشعبوية التي اصبحت تهمة جاهزة لوصم كل من يذكّر بحقوق المغلوبين والمضطهدين.

لن أكفّ عن التذكير بأن العطب الرئيسي الذي عانت منه الحياة السياسية في سورية هو قطيعة النخبة عن الشعب، ومن ثم افتقار النخب المتعاقبة والمتنازعة على السلطة إلى القاعدة الاجتماعية التي لا تقوم من دونها حياة سياسية مستقرّة وناجعة، بل لا دولة ولا قانون، (فما بالك بإنتاج سلطةٍ ديمقراطية، بل حتى منفتحة على المجتمع ومهمومة بشؤونه وسبل عيشه ومعتقداته وطموحاته). وهذا ما حصر الحياة السياسية كلها في دائرة نخب ضيقة مفصولة عن المجتمع، تتنافس على خطْب ودّ القوى الأجنبية ودعمها، هو ما قوّض مفهوم السياسة نفسها حتى أصبحت مطابقة لمفهوم المؤامرة والمؤامرة المضادّة، الداخلية والخارجية، وربط مصير النجاح فيها بمقدرة كل طرفٍ من الأطراف المتنازعة على والحصول على دعم القوى الأجنبية وتقديم العروض المغرية لها. هكذا لم يعد من المشروع استخدام أي وسيلة للوصول إلى السلطة والبقاء فيها فحسب، وإنما صار من الممكن الحكم بالموت على كل من يظهر العداء لها ويطمح إلى قلبها. في هذا السياق، لم تعد حرب الإبادة، التي قام بها نظام، هو في جوهره مؤامرة على المجتمع والدولة، ولا ما رافقها من صمت كثيرين، ان لم يكن قبولهم، مستحيلة.

العربي الجديد

——————————

 الحرية ليست كأس خمر/ بشير البكر

الاثنين 2026/03/30

صدر عن محافظ دمشق قرار يتعلق بتنظيم بيع واستهلاك المشروبات الروحية في العاصمة السورية، لكن مفعوله جاء عكسيا. وسرعان ما خلق حالة من التوتر المجتمعي، واستقطابا حادا على وسائل التواصل، بين شرائح اجتماعية وفئات من خلفيات سياسية وثقافية مختلفة. نُظمت مظاهرة احتجاجية في حي باب توما ضد القرار، طالبت باحترام الحريات الفردية على اختلاف أشكالها، وعبرت عن رفض المشاركين تقسيم الأحياء بين المسموح والممنوع فيها بيع وتعاطي الكحول، وذلك على أساس طائفي، لم يسبق له مثيل في سابق عهود المدينة.

بعض ردود الفعل على القرار صدرت من حرص على الحريات الفردية كميدان واسع، وعدم زج البلد بمواجهات لا طائل منها، في توقيت هو بحاجة إلى التقاط أنفاسه، بعد قرابة 15 عاماً من حرب طاحنة، شنها النظام السابق ضد جميع السوريين، والبعض الآخر وجدها فرصة سانحة لانتقاد السلطة الجديدة التي لم تتخذ خطوات جادة لجهة الانفتاح السياسي، بما يساهم في معالجة التراث الهائل للأسدية التي دمرت سوريا.

من التعسف اختصار الحريات على المشروبات الروحية. فهي ليست كأس خمر على قارعة الرصيف، ولا تقف عند هذا الحد، وذات مضامين ومعان أوسع، ولا تقتصر على نخبة من السوريين، يصورهم البعض أنهم نخبة ضيقة تريد أن تعيش حياة مختلفة داخل مجتمع يحمل نظرة وموقفا مغايرا. الحقوق لا تتجزأ، ولا يمكن اختزالها إلى مجموعة من المظاهر. ليست هدية من سلطة حاكمة تمنحها لرعاياها وتمننهم بها، ولذلك اسمها حقوق وليس مكرمة. وعلى هذا هي في صلب حقوق الإنسان، فإما أن تكون كاملة أو لا تكون، لا تحتمل النقصان أو التجزئة على درجات. ومهما يكن من أمر، وبغض النظر عن قانون محافظ دمشق، لن يأتي أحد بجديد في هذا المجال مهما اجتهد، فالمسألة واضحة، ولا تحتاج إلى جدل واسع، في بلد لا يمتلك ترف إضاعة الوقت والجهد، وافتعال خلافات عقيمة لا طائل منها.

قد يتحجج البعض بمراعاة الظرف العام، وعلى هذا الأساس يسمح لنفسه بممارسة الرقابة على سلوك البشر إلى حد وضعهم في خانات، ووصمهم بما يميزهم سلبا في التفكير الجماعي العام، بين أخيار يقصدون المساجد، ولا يقربون الخمر، وأشرار يرتادون الملاهي الليلية والبارات والمطاعم التي تقدم الخمور. وقد لا يكون ذلك في خلفية من أصدر القرار من دون دراسة معمقة. وفي الحال هذا، هناك تجاوز، وتصرف في غير محله، لأنه ليس من مهمة محافظ العاصمة، زج نفسه في موقف من هذا القبيل، خاصة وأنها لم تشهد في تاريخها الحديث تدخلا من جانب السلطات، في تنظيم هذا المجال على أسس تقسم الناس، وفق منطق الحلال والحرام، ومن منطلق الأخلاق، وليس القانون، الذي يسري على جميع الناس في الدول العصرية.

وسط النقاش المحتدم حول هذه المسألة، لا بدّ من الاعتراف بأن الحريات شهدت انتعاشاً ملحوظاً بعد سقوط نظام بشار الأسد. ارتاح الناس في الحديث والكتابة، بعد أن رفعت السلطة حواجز الرقابة، وانتهى بطش الأجهزة الأمنية، وبات النقد على صفحات الصحف وعلى شاشات القنوات التلفزية الرسمية، وكان تنظيم معرض الكتاب في شباط الماضي من دون منع أو رقابة على الكتاب مسألة تستحق التقدير، خاصة وأن هناك عددا من الكتب التي تم عرضها، وهي تنتقد “هيئة تحرير الشام” التي تقود الدولة السورية.

هذا السقف العالي من الحرية يجب أن يدوم ويتحوّل إلى قوانين تحكم الدولة والمجتمع، لا على أساس أن الحكم الجديد قرر أن يهدي السوريين الحرية، بل لأن الحرية كانت البند الرئيسي على جدول أعمال الثورة السورية التي أسقطت نظام الجريمة الأسدي “ثورة الحرية والكرامة”. فالسوري الذي ثار من أجل حريته وكرامته وقدم ثمنا كبيرا، لن يقبل بأقل من ذلك، ثم أن سوريا الجديدة، لا يمكن أن تكون دولة ديكتاتورية مغلقة على ذاتها، لأنها ستحكم على نفسها بالفشل.

ليس المأمول بأن تتحوّل سوريا إمارة دينية تسير وفق مزاج هذا المسؤول أو ذاك، بل دولة حديثة تقوم على القانون والعدالة، تحترم تراثها، وتثمن اختلافاتها وتعددها، التي كانت على الدوام مصادر قوة، وليست عوامل نزاع. هناك مكان لجميع السوريين في بناء المستقبل، مثلما كان لهم ذلك في التضحيات التي قادت لانتصار الثورة. وفي نهاية المطاف يجب أن تتقبل السلطة أن هناك قطاعا من الشارع السوري في موقع المعارضة، وقد أشهر نفسه من خلال التظاهر السلمي والبيانات والمطالب الاحتجاجية، وبوصفها تتحمل مسؤوليات الحكم يتوجب عليها أن تحمي هذا التوجه، وتشجعه لأنه صمام أمان، كونه يفكر تحت الشمس، وليس في الظل.

من المفارقات اللافتة، أن هناك من رأى في التظاهر والاحتجاج على القرار فعلا مستهجناً، رغم أنه التزم بحرية التعبير السلمي، ولم ترفع خلاله شعارات خارج سياق الحقوق والحريات، ولا رايات غير العلم السوري. وقد كان الحري بأصحاب هذا الرأي أن ينتقدوا رجل الدولة الذي اتخذ القرار الذي أثار هذا التحركات، وأدى لتوليد أجواء اجتماعية وسياسية مشحونة في وقت لا يزال البلد يعاني من آثار أحداث الساحل والسويداء، التي خلقت شروخا سياسية واجتماعية ذات مفعول سلبي وضار على مستوى استعادة السلم الأهلي الهش بفعل ممارسات الأسدية التي خربت البنية العامة لسوريا التعددية والتعايش.

قد يكون تنظيم واستهلاك الكحول مهما، ولكن هناك ما هو أكثر أهمية في هذا الوقت، يمكن لمحافظة دمشق التفرغ له من أجل الحفاظ على الصحة العامة، وحماية حقوق سكان وزوار العاصمة، ومن ذلك تنظيم تدخين السجائر والنرجيلة في المقاهي والمطاعم، وإتاحة مساحة لغير المدخنين، تنظيم حملة وطنية من أجل نظافة شوارع وساحات المدينة التي يشبه بعضها مكب نفايات، تنظيم حركة السير والمرور، وكبح فوضى الدراجات النارية، تحرير الأرصفة من البسطات والسيارات التي استولت عليها، حتى صار المشاة يسيرون وسط الشوارع، جمع المتسولين القادمين من وراء الحدود.

العربي الجديد

————————–

في هذه الشؤون وغيرها/ معن البياري

31 مارس 2026

أنهى سوريون اعتصاماً لهم، في حي باب توما، وقد تظاهروا فيه ضد قرار محافظ دمشق يتعلّق ب”تنظيم” بيع المشروبات الكحولية في مناطق معيّنة، وتقديمها في مطاعم دون أخرى، بتوجيه الشكر إلى الشرطة التي وفّرت لهم الحماية في أثناء احتجاجهم الذي قالوا فيه ما قالوا، مؤكّدين على وحدة سورية ومواطنيها. وقد بدا هذا النشاط ذا دلالةٍ على بعض الحيوية في مجتمعٍ مدنيٍّ ناهضٍ في سورية، يحتاج، بالطبع، إلى مفاعيل كثيرةٍ لتصبح له فاعليّته، ولتتبدّى تأثيراتُه. وفي المقابل، تجمّع مؤيدون لقرار المحافط في إحدى ساحات دمشق، وآخرون في إدلب واللاذقية، ورفعوا رايات هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً). ولئن أظهرت الوقفة الاحتجاجية الرافضة ما اعتبرته في القرار “مسّاً بالحرّيات وكرامة السوريين” تنوّع المشاركين فيها، رجالاً ونساء، ومسلمين ومسيحيين، فإن ما عوين في الوقفات التي ساندت رؤية المحافظ أن المشاركين فيها من سمْتٍ واحد، ولونٍ محدّد. … ومع صحّة ما ذهب إليه كثيرون خاضوا في أبعاد الأمر وزواياه أن المسألة هنا لا تتعلّق بمشروباتٍ كحولية، وإنما بحدود ما للدولة وما للمواطن، يجوز الذهاب هنا إلى أن ثمّة حاجةٌ قصوى في سورية الجديدة إلى تسريع بناء مؤسّسات المرحلة الانتقالية، ومنها مجلس الشعب، بعيداً عن تحفّظاتٍ وجيهةٍ بشأن كيفيّات انتخاب أعضاء هذا المجلس واختيارهم، ليمكن المضي، من دون تأخّر، باتجاه صياغة مشروع دستورٍ ثم تنظيم استفتاءٍ شعبيٍّ عليه، وباتجاه صياغة قوانين الأحزاب والانتخابات والنقابات والصحافة وعموم تمثيلات المجتمع الأهلي، فلا تبقى ساحات “السوشيال ميديا”، واعتصامات نشطاء معدودين في هذه الساحة وتلك، الفضاءات المتاحة لتعبيرات المجتمع عن نفسه، ليطرح فيها مطالبه وتصوّراته في هذا الشأن وذاك، ومنظوراته إلى قرارات السلطة وخياراتها، في أقنيةٍ متعدّدةٍ تحضُر فيها فاعلياتٌ منتخبةٌ في أطر أحزابها ومجالس نقاباتها وفي هيئاتٍ للعمل المهني.

وفي هذه الغضون، يرى بعضٌ واسعٌ أن الأولويات الأكثر إلحاحاً لدى العموم السوري العريض ليست في هذا المطرح، وإنما تتعلّق بالعامل المعيشي والاقتصادي الضاغط، مع غلاء الأسعار وتآكل المداخيل وارتفاع أكلاف الحياة، الأمر الذي قد يسوّغ ما يردّده عارفون ومن هم أكثر اتصالاً بشرائح المجتمع الموزّعة في مدنٍ وأريافٍ ونواح وقرى، يتحدّث ناسٌ فيها عن نقصانٍ في الخدمات ونوعٍ من التهميش يغالبونهما، إن قضايا الحرّيات العامة وبناء مؤسّسات المرحلة الانتقالية ليست أولى المشاغل التي يُفترض أن يتركّز عليها الجهد من الدولة وناقديها، من الدولة ونخب الفعل المدني، بالنظر إلى أن وعوداً ليست قليلة أشهرتها السلطة بخصوص الارتفاع بمستوى المعيشة العام في البلاد، وتوفير فرص العمل للشباب، والحد من البطالة، والنهوض بقطاعات الإعمار والبناء والتشغيل وغيرها، لم يتبيّن أنها تحقّقت بالمقدار المأمول، وإن التحسّن الطفيف في هذا الموضع أو ذاك لا يلبّي احتياجاتٍ بلا عدد، كثيرٌ منها ظاهرٌ، ولا يقصر الإعلام في تعيينها. وفي الوقت نفسه، ليس مداهنة للسلطة قولُ من يقولون إنها تدرك هذا الحال وتعرفه، وإنها تجتهد وتحاول، غير أن ما عليها أن تعرفه أن أي رصيدٍ شعبيٍّ لها، ويصبّ في طواحينها، بدأ يُستهلك، فمنسوب التذمّر، وربما الغضب، يرتفع يوماً بعد آخر، ما يوجِب على السلطة ودواليبها أن تكون مكاشفاتها في الشأن المعيشي العام أكثر شفافيّة، وأوضح تفصيلاً، فلا يتعلّق الأمر بأرقام وبيانات، ولا بانتظار هذه المشاريع أو تلك، وإنما بخياراتٍ وسياساتٍ وخطط اقتصادية، يُفترض أن يكون التعجّل في تحقيق منجزاتٍ مشهودة عنوانها الأول، ومسارها الذي تذهب إليه.

مؤكّدٌ أن الأمور متكاملة، وأن المشهد مركّبٌ وله تعقيداتُه وإكراهاتُه، وأن ما ينكتب على الورق ويرسّم مشاريع تنتظر أموالاً ومنحاً وداعمين ليس بالضرورة ما ستكون عليه كيفيّاته المنتظرة والمأمولة والمطلوبة. ومؤكّدٌ، من قبلُ ومن بعد، أن من المقلق أن تبقى سورية الجديدة شأناً مبذولاً لمن يفترض في نفسه الأوهام التي يريد، عندما يرمي هنا وهناك في وسائل التواصل الاجتماعي ما يفضح أورامه عن نفسه. المربح والأدعى أن يشترك أهل الاختصاص والدراية في السلطة، وفي التسيير والتخطيط، وفي المضي إلى إنتاجية أكثر وكلامٍ أقل.

العربي الجديد

—————————

 باب توما… حين يخرج “الخاص” إلى الشارع بحثاً عن عموميته/ أسامة منير ابراهيم

2026.03.27

لنا أن ننطق بلسان الحال لنقول: لا يكمن أخطر ما قيل في وصف اعتصام باب توما بأنه “اعتصام بصبغة طائفية”، وإنما في أن ذلك قيل بسهولة، من دون أن يكلّف أحد نفسه عناء التبصّر في خطورة ما قيل، وفي تبعات هذا التصنيف والفرز التي ثار الشعب السوري يوماً عليها. ولعل هذه السهولة تكشف أكثر مما تُخفي؛ فهي، من جهة، تكشف هشاشة اللغة التي نصف بها أنفسنا حين نرى الناس في الشارع، ومن جهة أخرى تكشف كم أصبح المجال العام في سوريا ضيقاً إلى درجة أن أي تمظهر له يبدو شاذاً أو مريباً أو مؤطَّراً مسبقاً.

ما جرى في باب توما لم يستوقفنا لأنه حدث عادي، ولا لأنه حدث كبير في ذاته، بل لأنه كسر قاعدة الصمت. في بلد ما زال يعيش مرحلة انتقالية، لم تُفعَّل فيه المؤسسات التمثيلية على نحو مكتمل، ولم تكتمل قنوات التمثيل الرسمية المرعية دستورياً، يصبح الشارع—حتى لو كان محدوداً ومحلياً—بديلاً مؤقتاً عن السياسة المؤسسية. وهنا تبدأ القصة: ليس باعتصام يُنعت بكلام لا يتصل بالواقع، ومجحف بحق كثر ممن خرجوا، بأنه اعتصام “مسيحي”، ولا بأنه “مدني” بالمطلق، بل بوصفه—والحق يُقال—محاولة أولى، مرتبكة، للخروج من الخاص إلى العام.

هل يولد المجال العام السوري من جرح غائر؟

يُسجَّل أن يورغن هابرماس (1929–2026)، الفيلسوف الألماني الذي رحل عنا مؤخراً، قد صاغ تعريفاً كلاسيكياً للمجال العام، بوصفه الفضاء الذي يلتقي فيه الأفراد كمواطنين، لا كجماعات مغلقة، ليناقشوا الشأن العام ويؤثروا فيه. غير أن هذا التعريف يفترض شروطاً شبه مستقرة، منها: وجود مؤسسات فاعلة، إعلام حقيقي، قانون نافذ، وأمان نسبي يتمتع به المجتمع ويشكّل رافعة لأي فعل سياسي.

أما في الحالة السورية، فنحن أمام شيء مختلف يمكن توصيفه بـ”مجال عام جنيني”، له خصوصية كونه يولد من “نقطة ألم” لا من فكرة مجردة. يبدأ من قرار إداري يمس حيّاً من أحياء أقدم عاصمة مأهولة، لا بالعمران فقط، بل بالفعل الإنساني الممتد لآلاف السنين. ويتغذى هذا الألم من خدمات مفقودة، أو حريات شخصية مقيّدة، أي أنه يبدأ من الخاص لا من العام. وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها، بل هي القاعدة التي وسمت تجارب التحول كافة. لكن المشكلة تظهر لاحقاً في سؤال جوهري: هل يبقى هذا الألم محلياً، أم يُترجم إلى لغة عامة؟

ولا يقودنا هذا النقاش إلا إلى مواجهة السؤال الذي أصبح قدراً ماثلاً أمامنا: كيف ننطلق نحو مجال عام يجمعنا؟ فالمسألة ليست إن كنت أؤيد شرب الكحول أو أرفضه، بل إن كنت أقبل أن تتحول قناعتي الشخصية إلى قاعدة تُفرض على الجميع. فالدفاع هنا لا يتجه إلى الفعل بحد ذاته، بل إلى المبدأ الذي ينظم العيش المشترك: أن تُدار حياة الناس بقانون عام، لا بذوق فئة، أياً كانت. بهذا المعنى، يمكن للإنسان أن يرفض الشيء لنفسه أخلاقياً، وأن يرفض في الوقت ذاته أن يُدار المجتمع بمنطق المنع الانتقائي، لأن ما يُمنع اليوم باسم الأخلاق قد يُمنع غداً باسم آخر ويطوله هو نفسه. وهنا تبرز الفكرة الكلاسيكية لدى جون لوك عن التسامح: الدولة لا تُدير خلاص الناس، بل تُدير تعايشهم؛ أي إنها لا تفرض الفضيلة، بل تضع الإطار الذي يسمح للناس أن يختلفوا من دون أن يُقصي بعضهم بعضاً. وهكذا يتحول النقاش من جدل حول الكحول إلى سؤال أعمق: من يملك حق تعريف المجال العام؟ وكيف نحمي هذا الحق بحيث يبقى متسعاً لاختلافنا من دون أن يتحول إلى أداة إقصاء؟

من باب توما إلى السؤال الصعب: هل أدافع عن قضية لا تعنيني؟

لا يُقاس نجاح المجال العام بعدد المشاركين، بل بنوعية التضامن. فلو افترضنا أن شخصاً لا يشرب الكحول دافع عن حق غيره في شربه، فإن هذا الفعل لا يكون موقفاً أخلاقياً فقط، بل قفزة سياسية تعكس نضجاً اجتماعياً يحدّ من الخوف المتبادل بين الناس. هنا نكون قد انتقلنا من “ذوق شخصي” إلى “مبدأ عام”. وهذه ليست طوباوية، بل خطوة أولى نحو مجتمع متماسك رغم اختلاف مكوناته.

عند هذه النقطة يبدأ المجال العام بالنضج. حين يدرك الناس أن القضية ليست “كحولاً” بل من يملك حق تحديد أسلوب الحياة، يتحول النزاع من خلاف محلي إلى نقاش تأسيسي حول الحرية والقانون. غير أن ما جرى في باب توما أظهر أن هذه القفزة لم تكتمل بعد، ليس لأن الناس رفضوها، بل لأن شروطها لم تنضج: الخوف، ضعف التنظيم، وغياب تقاليد التضامن العابر.

الدولة… حامية أم مُطوِّقة؟

من المفارقات الدالة أن التجمع لم يُقمع، بل حُمِي. ظاهرياً، يبدو ذلك مؤشراً إيجابياً على الاعتراف بحق الاحتجاج. لكن سياسياً، الصورة أكثر تعقيداً؛ فحين تسمح الدولة باحتجاج محلي وتحميه، فإنها قد تفتح نافذة تقول إن الشارع لم يعد محرّماً بالكامل، لكنها في الوقت ذاته قد ترسم سقفاً له: الاحتجاج مسموح ما دام محصوراً جغرافياً وخطابياً.

بهذا المعنى، لا تكون الحماية مجرد حماية للأفراد، بل احتواءً للحدث ضمن إطاره المحلي، ليبقى “شأناً خاصاً” لا قضية عامة.

هل كان الاعتصام مسيحياً؟

الإجابة الأدق أن السؤال نفسه يكشف الفخ. فالحراك وُضع في هذا القالب. المحرك كان مكانياً وحقوقياً، لكن السياق العام هو من حمّله دلالات طائفية. والأهم أن داخل الاعتصام ذاته كان هناك صراع بين خطاب هوياتي وآخر حقوقي. وهنا تكمن قيمة الحدث: في هذا التوتر، لا في نتيجته.

ابن خلدون في دمشق: من عصبية الحارة إلى عصبية المدينة

يمكن قراءة ما جرى بوصفه تعبيراً عن “عصبية” محلية؛ تضامن يقوم على القرب والثقة، لكنه محدود. والتحدي يكمن في انتقال هذه العصبية إلى مستوى أوسع، حيث يرى الفرد أن ما يحدث في حي آخر قد يمسه أيضاً. عندها فقط تتحول العصبية إلى مواطنة.

بين الشللية والمبالغة في التضامن

الرهان على “الاحتجاج المثالي” وهم، كما أن تضخيم أي حراك منذ بدايته وهم آخر. بين هذين الحدين يولد المجال العام: بالتجربة، وبالتعثر، وبالصراع على المعنى.

في معنى الحراك الوطني الجامع

إذا فتح حراك باب توما نافذة، فالسؤال: هل ستبقى منفردة أم تتحول إلى مسار؟ المستقبل قد يشهد استمرار الاحتجاجات المحلية، لكن الحسم سيكون بقدرتها على التواصل تحت مظلة وطنية جامعة.

خاتمة

لم يكن الخطأ أن الناس خرجت من باب توما، بل أن يُطلب منها أن تخرج بلا قضية. فالمجال العام لا يولد نقياً، بل يُنقّى، ولا يبدأ وطنياً، بل يصبح كذلك. وما حدث لم يكن “اعتصاماً مسيحياً”، بل محاولة مواطنة في بيئة دفعت طويلاً نحو التصنيف الضيق. وقيمته ليست في شعاراته، بل في كونه أعاد طرح فكرة بسيطة وخطيرة: أن الشارع ما زال ممكناً.

ومما سبق، يبرز السؤال البنيوي: ليس إن كنت أؤيد شرب الكحول أو أرفضه، بل إن كنت أقبل أن تتحول قناعتي إلى قاعدة عامة. فالدفاع هنا هو عن مبدأ إدارة الاختلاف، لا عن الفعل ذاته. وهنا تتجلى فكرة جون لوك: الدولة لا تُدير خلاص الناس، بل تُدير تعايشهم. أي إنها لا تفرض الفضيلة، بل تضمن إطاراً يسمح بالاختلاف دون إقصاء. وهكذا نعود إلى السؤال الأعمق: من يملك تعريف المجال العام؟ وكيف نحميه ليبقى متسعاً للجميع؟

————————

ما الذي تكشفه قرارات حظر الكحول عن المرحلة الانتقالية في سوريا؟/ حايد حايد

تكتنف المرحلةَ الانتقالية في سوريا شكوك عميقة في شأن طبيعة النظام الذي يسعى حكامها إلى تشييده

25 مارس 2026

فرضت محافظة دمشق أخيرا حظرا على تقديم المشروبات الكحولية في أنحاء المدينة كلها، وقصرت بيعها للاستهلاك الخارجي على المحال المرخصة في ثلاثة أحياء ذات غالبية مسيحية. وقدّم المسؤولون هذا القرار على أنه مسألة تتصل بـ”الآداب العامة”.

لكن كثيرا من السوريين رفضوا هذا التبرير، وعدّوا أن أي مخاوف حقيقية من سوء السلوك كان يمكن معالجتها بتطبيق القوانين النافذة، لا بفرض قيد شامل على مستوى المدينة. وأثارت الخطوة موجة غضب واسعة على الإنترنت، فضلا عن احتجاج شارك فيه مئات الأشخاص رفضا لما رأوه تدخلا في الحريات الشخصية.

وعلى وقع هذا الغضب، أصدرت محافظة دمشق بيانا إلحاقيا شددت فيه على أن القرار “لا يتدخل في الحريات الشخصية للمواطنين”، وأنه، في جوهره، “إجراء تنظيمي بحت ضمن إطار القانون”. وأوضحت أن حظر تقديم المشروبات الكحولية لا يسري على المنشآت التي تملك أصلا تراخيص لبيعها.

غير أن التراجع عن جزء من القرار لا يكفي. فالتدبير يكشف نمطا أخذ يتكرر، يلجأ فيه المسؤولون إلى شعار الآداب العامة لحظر سلوكيات لا يستسيغونها، ويستعينون بالسلطة الإدارية لفرض تفضيلاتهم الأخلاقية. والمطلوب، في المقابل، تبدل في عقلية الحكم نفسها، عقلية ترى في الإدارة العامة وسيلة لصون التنوع، لا أداة لتقويمه وضبطه.

وصدر القرار في 16 مارس/آذار، وقُدّم على أنه استجابة لشكاوى محلية ومحاولة للحد من ممارسات قيل إنها تخالف الآداب العامة.

غير أن هذا التفسير لا يصمد. فاستهلاك الكحول ظل، منذ زمن طويل، جزءا مألوفا من الحياة في دمشق، ومع ذلك يعامله البيان الرسمي كما لو أنه خطر طارئ على النظام العام. ولو كانت المشكلة الحقيقية هي السلوك الفوضوي، لكان في وسع السلطات التعامل معها بأدوات إنفاذ القانون المعتادة. أما فرض حظر شامل على تقديم الكحول في المطاعم، فلا يشكل ردا متناسبا على تجاوزات فردية. إنه قيد أخلاقي صيغ في هيئة سياسة إدارية.

ويزداد هذا الأمر وضوحا عند النظر إلى المسار الأوسع منذ بداية المرحلة الانتقالية. فقد أفاد مسافرون بوجود حظر غير معلن على إدخال الكحول إلى سوريا، مع مصادرة الزجاجات أثناء التفتيش، وأحيانا إتلافها في الحال عند المعابر البرية. كذلك تحدثت حانات ومطاعم تقدم الكحول عن مداهمات وتشديد في القيود وضغوط متزايدة، يبدو أنها ترمي إلى إرغامها على التوقف عن البيع نهائيا.

ويعد تراجع السلطات، في 21 مارس/آذار، عن حظر تقديم الكحول استجابة للغضب العام خطوة إيجابية. لكنه لا يمس الذهنية الأوسع التي أفضت إلى إقراره من الأصل.

ولا تبدو القيود المفروضة على الكحول في دمشق حالة معزولة. فهي تندرج ضمن مسعى أوسع لفرض تصور اجتماعي بعينه عبر الوسائل البيروقراطية. ومرة بعد مرة، استخدم المسؤولون اللغة الفضفاضة لـ”الآداب العامة” لتبرير حظر ممارسات لا يروق لهم أمرها.

ففي اللاذقية، فرض المحافظ حظرا شاملا على وضع النساء لمستحضرات التجميل داخل مؤسسات الدولة خلال ساعات العمل، متذرعا بتنظيم المظهر المهني. وفي الفترة نفسها تقريبا، منع رئيس بلدية وادي بردى المطاعم من استقبال مجموعات مختلطة تجتمع للرقص أو السمر، متذرعا بالأخلاق الدينية. وفي العام الماضي أيضا، أصدرت السلطات توجيهات بشأن ملابس السباحة “المحتشمة” على الشواطئ والمسابح العامة، ففرضت قيودا محددة على لباس النساء، مع استثناء الأماكن الخاصة أو الراقية.

وقد قُدّم كل إجراء من هذه الإجراءات دفاعا عن الأعراف الثقافية أو الأخلاق العامة. أما في الواقع، فقد وسّع كل منها نطاق تدخل الدولة إلى مجالات من الاختيار الشخصي لا تكاد تمس السلامة العامة أو النظام المدني بصلة. ويغدو هذا أكثر دلالة في بلد عُرف طويلا، على رغم كل ما شهده من توترات وقمع، بقدرته على إدارة التنوع عبر إفساح المجال لتعايش جماعات وأنماط عيش مختلفة.

تكتنف المرحلةَ الانتقالية في سوريا أصلا شكوك عميقة في شأن طبيعة النظام الذي يسعى حكامها من ذوي  التوجه الإسلامي إلى تشييده. وقد حاول الرئيس أحمد الشرع مرارا تبديد هذه المخاوف، مقدما النظام الجديد على أنه جامع وتعددي ويحترم الحقوق والحريات.

وجاءت مقابلته مع هيئة الإذاعة البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2024 في هذا السياق. فعندما سئل عن الكحول، قال إن سوريا تواجه تحديات أشد إلحاحا، وإن هذه المسألة ينبغي أن تترك للخبراء القانونيين الذين يضعون الدستور والقوانين المقبلة.

أما اليوم، فتبدو تلك المقاربة أقل إقناعا بكثير. فالأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية في سوريا ما برحت تتفاقم منذ ذلك الحين، ما يجعل من العسير الزعم أن الكحول صار فجأة أولوية وطنية ضاغطة.

ويبدو أيضا أن الأساس القانوني للحظر هش. فالقانون السوري النافذ لا يجرّم استهلاك الكحول. ومن ثم، يبدو هذا التدبير أقرب إلى فرض التفضيلات الأخلاقية لفئة بعينها على بقية المجتمع، لا إلى تنظيم يستند إلى القانون.

وإذا كانت السلطات مستعدة للتراجع بهذه السهولة عن مسألة سبق أن قللت من شأنها وأحالتها إلى المسارات القانونية المقبلة، فمن المشروع التساؤل عن مدى متانة التزاماتها الأخرى. فوعود التعددية تفقد معناها حين يجري التخلي عنها ما إن تسمح الظروف بذلك.

من أسوأ ما قد يرتكبه الحكام الجدد في سوريا اليوم أن يعمّقوا المخاوف من أن المرحلة الانتقالية تتحول إلى أداة لإعادة هندسة المجتمع على أسس أيديولوجية. غير أن هذا هو بالضبط ما تفعله قرارات من هذا النوع.

فهي تعزز الشكوك في أن اعتدال السلطات تكتيكي أكثر منه مبدئي، وأن التزاماتها بالتعددية لا تصمد إلا ما دامت ملائمة، وأن النظام الآخذ في التشكل أقرب إلى منظومة أخلاقية مشددة الرقابة منه إلى دولة مدنية.

وليس الحظر مضرا سياسيا فحسب، بل يشكل أيضا عبئا اقتصاديا يسير في الاتجاه المعاكس. فسوريا يفترض أن تكون في طور السعي إلى التعافي وجذب الاستثمار وإحياء الحركة التجارية في المدن. ويمثل قطاع الضيافة والمطاعم والترفيه ركنا أساسيا في هذا المسار.

فهذه القطاعات تخلق فرص عمل، وتعيد الحياة إلى مراكز المدن، وتعطي إشارة إلى عودة شيء من الإيقاع الطبيعي. لكن السلطات، بدلا من ذلك، تضخ قدرا جديدا من الارتياب والقيود في القطاعات نفسها التي يفترض أن تقود هذا التعافي.

وسيتضرر القطاع السياحي بدوره. فأي محاولة جدية لاستعادة الزوار إلى سوريا لا تتوقف على الأمن وحده، وإنما تقوم أيضا على الشعور بأن البلاد منفتحة، ويمكن توقع مسارها، وتبدو جاذبة. أما اللوائح الأخلاقية المفاجئة، حتى حين يجري التراجع عنها، فترسل الرسالة النقيضة، وتجعل البلاد أقل جاذبية في أعين الزوار والمستثمرين معا.

إن التراجع عن حظر الكحول خطوة مرحب بها، لكن دلالة هذه الواقعة تتجاوز موضوعها المباشر. فهي تكشف مدى سهولة توظيف الإجراءات الإدارية لفرض معايير اجتماعية خلافية من دون سند قانوني واضح.

أما الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية في سوريا، فهو ما إذا كانت الإدارة ستصبح محكومة بقواعد واضحة وقابلة للتوقع، أم ستظل رهينة قرارات تقديرية تصوغها الأهواء والتفضيلات الشخصية. وإذا استمر هذا النمط، فإنه يهدد بأن يعرّف المرحلة الانتقالية لا على أنها انتقال نحو نظام مستقر وجامع، وإنما على أنها ترسيخ لبنية أشد تقييدا وأكثر التباسا.

المجلة

———————————–

 سوريا: معركة القانون والحريات في مواجهة “الوصاية”/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2026/03/25

تكرر في الآونة الأخيرة صدور قرارات وتعاميم ومراسيم ذات طابع تشريعي تخالف نصوص الإعلان الدستوري، التي خصّت المجلس التشريعي وحده بسلطة التشريع. وأصبحت هذه الممارسات نهجاً متصاعداً يعيد رسم علاقة الدولة بالمجتمع على أسس دينية وهويّاتية، ويضع الحريات العامة والخاصة تحت ضغط وصاية إدارية متزايدة، ويقوّض مبدأ الفصل بين السلطات.

آخر هذه المخالفات كان قرار محافظ دمشق، الذي أعاد طرح السؤال حول حدود السلطة التنفيذية وموقع الحريات العامة في ظل هذا النهج. هذا القرار لم يكن سوى حلقة في مسار متصاعد تتبعه السلطة التنفيذية بمستوياتها المختلفة، فقبل دمشق أصدر محافظ اللاذقية قراراً يتدخل في مظهر المرأة ومكياجها، ومحافظ حماة فرض قيوداً على النشاطات المدنية وربطها بموافقته الشخصية، وتعيينات قضائية مخالفة للقانون، وتدخل مجلس القضاء في مسائل خارجة عن اختصاصه بتحديد نسب العجز والوفاة، ومرسوم العفو الذي أصدره الرئيس خارج صلاحياته. كل هذه القرارات والمراسيم تشترك في أمرين:

أولاً، مخالفة نصوص الإعلان الدستوري التي حصرت سلطة التشريع بالجهة التشريعية وحدها.

ثانيًا، تحويل الإدارة إلى سلطة وصاية تُصدر قواعد وتفرض قيوداً على المجتمع خارج أي سند دستوري أو تشريعي، وبما يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع وفق اعتبارات دينية وهويّاتية لا وفق مبدأ المواطنة المتساوية.

قرار المحافظ: من تنظيم النشاط إلى إعادة تشكيل المجال العام

بالعودة إلى قرار محافظ دمشق رقم 311 وتوضيحه اللاحق، يتبيّن أنه تجاوز نصاً تشريعياً نافذاً ينظّم مسألة المشروبات الكحولية بدقّة، هو المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952 (*)، الذي حدّد شروط ترخيص الحانات ومواعيد افتتاحها وإغلاقها والفئات الممنوعة من ارتيادها. بينما القرار منع منعاً باتاً ما سمح به المرسوم صراحة، وسمح فقط ببيع المشروبات المختومة، وحصر بيعها في مناطق ذات طابع ديني محدّد مثل باب توما والقصاع وباب شرقي.

هذا القرار لا يندرج في إطار تنظيم النشاط، بل في إطار الفرز المناطقي وإعادة ترتيب المجال العام وفق تصوّر ثقافي–ديني يوزّع الحقوق تبعًا للانتماء والمكان، وهذا ما يحوّل المدينة تدريجياً من فضاء مدني مشترك إلى خريطة جيوب أهلية تُضعف معنى المواطنة والهوية الوطنية المشتركة.

الاحتجاجات: رفض متراكم ومحاولات لإنتاج صورة مضادة

من هذه الزاوية، يصبح مفهوماً أن الاعتراض على القرار لم يكن بسبب تنظيم بيع المشروبات بحدّ ذاته، بل بسبب ما يكشفه من اتجاه أوسع لإعادة تشكيل المجال العام وفق اعتبارات دينية وهويّاتية لا تعبّر عن المجتمع كله. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإدارة نشاط اقتصادي، بل بتغيير وظيفة الإدارة نفسها: من جهاز يطبّق القانون كما هو، إلى سلطة وصاية تتدخّل في أنماط العيش والسلوك الاجتماعي.

في هذا السياق، لم يكن اعتصام باب توما حدثاً منفصلاً أو معزولاً، إذ سبقه بيومين تظاهرة سلمية في حي جوبر الدمشقي رفضًا لسياسة المحافظ، جرى التعتيم عليه بالكامل. وفي المقابل، شهد حي العباسيين مظاهرة مؤيّدة لقرارات السلطة أكدت على وحدة السوريين وتنوعهم، وهو ما يلتقي في جانب منه مع الرسالة المدنية التي حملها اعتصام باب توما، وإن اختلفت دوافع كل تحرك. وإضافة لذلك ركّز المشاركون في اعتصام باب توما على رفض أي تدخل يفرض تصوراً واحداً للسلوك الاجتماعي، والدفاع عن المجال العام وحرية التعبير والاجتماع بوصفها من صلب الدولة القانونية ولا يجوز تقييدها إلا بنص واضح وبأضيق الحدود..

هذا التباين بين طبيعة التحركات الثلاثة يكشف أن الاعتراض لم يكن ردّ فعل لحظي، بل تعبيراً عن رفض متراكم لنهج إداري يتجاوز القانون ويمسّ الحريات، وهذا الرفض لا ينفصل عن مسار تتوسع فيه صدور قرارات ومراسيم وتعاميم يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على نحو يوسّع من سلطة الإدارة على حساب الحقوق، ويغيّر موقع المواطن في المجال العام، يتحوّل تدريجياً من فضاء للمواطنة إلى ساحة للضبط، ما يجعل الدفاع عن مبدأ الشرعية واحترام حدود النص ضرورة لحماية الثقة العامة وحقوق الأفراد.ميلٌ إيجابي محدود… وحقوق هشّة

وفي كل تلك التظاهرات والاعتصامات أظهرت السلطة ميلاً للتعامل معها كحق مشروع، فيما خلا بعض التجاوزات التي قد تُعزى إلى سياق مرحلة انتقالية لم تتكرّس فيها بعد قواعد واضحة للتعامل مع الناس. غير أن هذه التجاوزات، مهما بدت محدودة، تكشف أن الاعتراف بالحقوق ما زال هشّاً ومشروطاً، وأن الانتقال نحو إدارة قائمة على القانون لا يزال في بداياته، ويحتاج إلى ترسيخ ضمانات مؤسسية تحمي حرية التعبير والاجتماع وتمنع أي ارتداد نحو منطق التحكم الأمني.

أدوات المجتمع: من الانتفاض إلى الفعل المدني اليوم

وفي مواجهة هذا الواقع القديم الجديد، لا يملك المجتمع سوى أدواته المدنية للتعبير عن مطالبه والدفاع عن حقوقه، من تظاهر واعتصام واحتجاج سلمي، أي الأدوات نفسها التي انتفض من أجلها الشعب السوري ضد نظام الأسد الإجرامي ليستعيد حقه في التعبير الحرّ عندما تُنتهك حرياته، وليتمكّن من رفع صوته في الشارع والفضاء العام.

فالتظاهر والاعتصام لم يكن يومًا ترفاً ولا نزوة، بل محاولة لاستعادة أبسط حقوق المواطنة، لا ليُحاسَب الناس اليوم بأسئلة تبخيسية من قبيل: “أين كنتم منذ خمسة عشر عامًا؟” أو “ليش ما شفناكم؟”. إن جوهر الاحتجاج كان ولا يزال لأجل استعادة القدرة على التعبير الحرّ في الفضاء العام، لا الدخول في مزايدات مع مؤيدي السلطة أو معارضيها.

القانون أم الوصاية؟

باختصار، النقاش اليوم لا يقتصر على مرسوم أو قرار أو تعميم، بل يتعداه إلى سؤال أعمق يتعلق بشكل الدولة التي تتكوّن اليوم في سوريا، وعلى الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها السلطة في تعاملها مع حقوق الناس وحرياتهم. فعندما تتقدّم الوصاية على القانون، ويتحوّل المجال العام إلى مساحة للضبط بدل أن يكون فضاءً للمواطنة، يصبح الدفاع عن الشرعية واجباً عاماً لا مهمة قانونية فحسب.

واستعادة هذا المبدأ تبدأ من الالتزام بحدود النص بما يخدم الصالح العام، لا سلطة تُعيد تشكيل المجتمع وفق تصوّراتها. وفي المقابل، يبقى صوت الناس في كل فعل مدني سلمي هو الضمانة الأخيرة كيلا تنزلق الدولة إلى أنماط حكم لا تشبههم ولا تعبّر عنهم.

(*) نص المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952

المدن

——————————–

الغيتو المسيحي/ بسام القوتلي

مارس 25, 2026

قال المدرب الروحي الأمريكي فريدريك لينز: “الغيتو ليس المكان الذي نعيش فيه، بل هو داخل عقولنا. ومن يفترض أننا لا نستطيع التخلص منه، فهو لا يفقه شيئاً”. هذه العبارة تختصر بدقة مأساة المجتمعات التي تعجز عن التحرر من التصنيفات القسرية، وتصرّ على إعادة إنتاجها عبر القانون والإدارة بدل تفكيكها.

الغيتو، بهذا المعنى، ليس جداراً مادياً ولا حياً مغلقاً بالضرورة، بل هو طريقة تفكير، ومنظومة قرارات، وخيال سياسي عاجز عن رؤية المواطن كفرد حر مستقل.

في هذا السياق، جاء قرار محافظة دمشق بمنع تقديم المشروبات الروحية في كامل مدينة دمشق، مع إلغاء جميع تراخيص الحانات والملاهي الليلية. حتى هنا، قد يختلف الناس أو يتفقون مع القرار من منطلقات أخلاقية أو اجتماعية أو اقتصادية. لكن البند اللافت والخطير في القرار هو السماح ببيع هذه المشروبات (بالمختوم) حصراً في مناطق محددة من دمشق، وهي مناطق معروفة تاريخياً بأنها ذات أغلبية مسيحية.

يضاف إلى ذلك أن بيع هذه المشروبات محصور قانونياً بالمسيحيين فقط، رغم أن المسيحيين السوريين يقطنون اليوم في مختلف أحياء دمشق، كما أن هذه الأحياء نفسها لم تعد متجانسة طائفياً منذ عقود.

بعيداً عن البعد الإيديولوجي للقرار، وبعيداً عن طريقة اتخاذه من دون أي مشاورات حقيقية مع أصحاب المصلحة، وبعيداً أيضاً عن الانتقائية الصارخة في إلغاء بعض قرارات الماضي والإبقاء على قرارات أخرى أشد خطورة، مثل مصادرات الأراضي أو الاستملاكات الجائرة، فإن جوهر المشكلة هنا يكمن في التمييز الجغرافي القائم على توزيع طائفي مفترض. توزيع لا نملك أي دليل حديث على دقته في ظل غياب الإحصاءات السكانية، لكنه يستدعى كحقيقة ثابتة لتبرير سياسات تمييزية.

القرار يميز بوضوح بين فئات المجتمع، ويفترض تمايزاً قانونياً وأخلاقياً مبنياً على الانتماء الديني كما هو مسجل في قيود النفوس، لا على الإنسان بوصفه فرداً حراً له حق الاختيار وتحمل المسؤولية. يفترض القرار، ضمناً، أن المسيحي يشرب بالضرورة، وأن المسلم لا يشرب بالضرورة، متجاهلاً الواقع المعقد والمتنوع للمجتمع السوري. وهو بذلك لا ينظم سلوكاً اجتماعياً، بل يفرض هوية نمطية على الناس منذ لحظة ولادتهم، بناءً على العائلة والطائفة، لا على قناعاتهم الشخصية.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من القرارات يضع اللبنة الأولى لبناء مجتمع تدار فيه الحياة العامة بمنطق “لكل جماعة قوانينها”، لا بمنطق قانون مدني موحد يعامل الجميع على قدم المساواة. فاليوم يحصر بيع المشروبات في مناطق معينة، وغداً قد يمنع نقلها خارج هذه المناطق، وبعد غد تفرض قيود أخرى على أنماط اللباس أو الترفيه أو حتى العمل. وهكذا، ننتقل تدريجياً من دولة مواطنة إلى “فسيفساء” غيتوهات صغيرة، لكل منها قواعدها غير المكتوبة، وتصورها الخاص لما يليق أو لا يليق بسكانها.

هذا المنطق يعيدنا فعلياً إلى أنماط حكم ما قبل الدولة الحديثة، حيث كان الفرد يعامل بصفته عضواً في جماعة دينية أو طائفية، لا بصفته مواطناً متساوياً في الحقوق والواجبات. وهو منطق يفتح الباب واسعاً أمام التمييز، والتدخل في الحريات الشخصية، وتسييس الدين والطائفة، حتى لو تم ذلك تحت عناوين “الخصوصية الثقافية” أو “الانسجام الاجتماعي”.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس سؤال المشروبات الروحية بحد ذاتها، بل سؤال الدولة التي نريد. هل نريد دولة تدخل السوريين قسراً في غيتوهات طائفية، وتعيد رسم المدن والعلاقات الاجتماعية وفق خرائط ذهنية قديمة؟ أم نريد دولة تخرج الغيتو من عقول متنفذيها، وتتعامل مع مواطنيها كأفراد أحرار، مسؤولين عن خياراتهم، ومتساوين أمام القانون؟

الإجابة على هذا السؤال ليست نظرية ولا مؤجلة. هي تكتب اليوم، بقرارات إدارية تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها ترسم ملامح المستقبل. مستقبل إما أن يكون دولة مواطنة حديثة، أو مجموعة غيتوهات متجاورة، تعيش جنباً إلى جنب، لكنها لا تعيش معاً.

الثورة السورية

—————————–

في ضرورة حفظ الحريات الشخصية – الاجتماعية/ حمزة رستناوي

مارس 25, 2026

إنّ الحريات الشخصية – الاجتماعية،  والحريات الفكرية، هي الأساس الذي تنبني عليه نهضة الأمم والشعوب. الأصل في الحريات هو الإباحة، وأي تقييد للحريات يجب أن يكون وفقاً لمعايير واضحة ومقبولة بمرجعية عامة الناس عبر العصور والمجتمعات، وليس بمرجعية سلطة زمنية أو رأي عام ظرفي أو مزاج مسؤول حكومي أو تقليد قبلي-عشائري منتشر أو حتى عقيدة دينية معينة مهما كان انتشارها!

التقييد يجب أن يكون  فقط في حال وجود ضرر بيِّن على سلامة الآخرين أو تعذر تقديم خدمات أساسية للمواطنين. الحريات الشخصية – الاجتماعية هي اللبنة الأولى لبناء حرية الرأي والتعبير، ومن ثم الحريات الاقتصادية والسياسية. الاستبداد السياسي المعزول رغم سوئه يبقى أخف  شدة على الناس في حال عدم تقييده للحريات الشخصية- الاجتماعية ، لكونه لا يتدخل في الحيز الخاص والحميمي للإنسان من شراب وطعام ولباس وتنقل ومناسبات اجتماعية ونحوها.

بالمقابل، كل استبداد اجتماعي – فكري يقترن لزوماً بالاستبداد السياسي، فالسلطة التي تُعطي لنفسها الحق في التدخل في خصوصياتك التي لا تؤذي الآخرين، سوف تعطي لنفسها الحق أيضاً في مُصادرة رأيك وتقييد حرية التعبير والنقد والمعارضة لها. لا يوجد دولة متقدمة واحدة -يقصدها اللاجئون والباحثون عن مستقبل شخصي ومهني أفضل حول العالم- تمارس قيوداً شديدة على الحريات الشخصية – الاجتماعية للناس!

لا يمكن توفير مناخ جاذب للاستثمارات عالمياً في ظل وجود سلطة وتقاليد اجتماعية تقيد الحريات الاجتماعية والفعاليات الفنية، ويظهر هذا بشكل واضح في القدرة على جذب الشركات العالمية متعددة الجنسيات، وكذلك في قطاع السياحة والترفيه والإنتاج الفني. إنّ القيود التي تفرضها أي سلطة على اللباس والشراب وحرية التجمع سوف تنعكس سلباً في القدرة على جلب السياح من ثقافات مختلفة، وعدم القدرة على منافسة دول شرق أوسطية مجاورة، كتركيا ولبنان والأردن مثلاً!

عموماً، إن الدول التي تمارس قيوداً واسعة على الحريات الشخصية – الاجتماعية للأفراد تحتاج لتسخير موارد مادية وبشرية وأجهزة رقابية في سبيل تطبيق هذه القيود. وغالباً ما يحتاج ذلك إلى تطبيق فائض عنف وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية من غير  تناسب وضرورة! أليس من الحكمة توجيه هكذا جهود وموارد في تحقيق أولويات حياتية تنموية يحتاجها وبشدة بلد مُنهك وخارج من الحرب!

إن توسيع صلاحيات أجهزة الدولة التنفيذية للتدخل في الحيز الشخصي – الاجتماعي الخاص بالأفراد يفتح الباب أمام التجاوزات الفردية والتطبيق الغير متناسب، وبما يشمل إساءة استخدام السلطة، ولنا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية في مرحلة ما قبل الإصلاحات خير مثال.

إن انتشار ثقافة الانشغال بالآخرين، ومراقبتهم، والتجسّس عليهم، واعتقاد سوء النية، يمثل أنماطاً ثقافية وأخلاقية خطيرة تؤدي إلى انتشار النفاق وتشتيت الناس في أمور ثانوية غير مفيدة. السلطة التي تنشغل بمثل هذه القضايا هي سلطة تفهم الأولويات بطريقة معكوسة. وظيفة الحكومة في البلدان المتقدمة هي إشرافية وتنظيمية، مع ترك مساحات واسعة للناس والنشاطات الاجتماعية والثقافية والسياسية. وهنا ينبغي التمييز جيدا بين ثلاث مجالات مختلفة غير متطابقة: الدين والأخلاق والقانون.

لو شاهدت شخصاً يدخن في الحديقة في نهار رمضان أو غير رمضان، ما هو الضرر الذي سوف يلحقه بالآخرين؟ لو شاهدت شخصاً جالسا في مطعم ويتناول مشروباً كحولياً أو غير كحولي مع الطعام، ما هو الضرر الذي سوف يلحقه بالآخرين؟

لو شاهدت رجلاً يلبس شورت ويضع قلادة على صدره أو خرجت سيدة ترتدي نقاباً أو حجاباً أو كاشفة عن شعرها، ما الضرر الذي سوف تلحقه بالآخرين؟ لو خرجت سيدة بمكياج أو غير مكياج خلال مناسبة عامة، أو حفّ أحدهم شاربه أو أطال لحيته أو أطال شعره، ما الضرر الذي سوف يلحقه بالآخرين؟!

ربّما كثير من السلوكيات السابقة لا تعجبنا ونتحفَّظ عليها وفقا لقناعاتنا الاجتماعية أو الدينية، ولكن هذا لا يعطينا الحق ولا يعطي القائمين على السلطة الحق في منعها أو التقييد، ما دامت لا تؤذي الآخرين ولا تخل بالسلامة العامة. كأشخاص، علينا التأقلم وتقبل التنوع البشري، وتقبل وجود أشياء كثيرة في الحياة لا تعجبنا، وليس كل ما لا يعجبنا هو جريمة ومخالفة قانونية!

بالمقابل لنفترض شخصاً يقود سيارته تحت تأثير الكحول، أو شاباً يقوم بالتحرش اللفظي بفتاة تمشي في الشارع، أو متجراً يقوم ببيع الدخان لمراهقين  صغار، أو شخصاً يتلفظ بكلمات عنصرية تجاه عقيدة دينية معينة. فهذه كلها سلوكيات تؤذي الآخرين وتشكل انتهاكاً للسلامة العامة للمجتمع، وبالتالي يجب تقييدها والتدخل لمنعها بقوة القانون.

غاية الدين هو تهذيب النفس وتقويمها “قد أفلح من زكّاها” وتقديم نموذج أخلاقي – سلوكي جيد، وليس تتبع تفاصيل حياة الآخرين والوصاية عليهم؛ “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. قد يقول قائل: بالمقابل يوجد نصوص تقول غير ذلك؟ وفي ذلك يُقال “واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم” (الزمر55). فمن مسؤولية الإنسان حسن الفهم والتدبر والملاءمة. ينبغي تعزيز فهم حيوي- حضاري للإسلام يؤكد على مركزية الدولة الحديثة، الدولة التي تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية والعدل واحترام القانون.

الدول الحديثة تنظر إلى الناس بصفتهم مواطنين لديهم حقوق وواجبات، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية. إن قرار محافظة دمشق بحصر محلات بيع المشروبات الكحولية في ثلاث أحياء ذات غالبية مسيحية (باب توما، القصاع، باب شرقي)، يعزز فكرة أن الحكومة تتعامل مع السوريين ليس بصفتهم مواطنين بل بصفتهم مسلمين ومسيحيين!

ببساطة لن يقوم أحد بطلب ترخيص محل لبيع المشروبات الكحولية في مكان لا يوجد  فيه طلب على بيعها، ولن يقوم مطعم بتقديم مشروبات كحولية في حال عدم وجود عدد كاف من الزبائن يطلبون ذلك.

يمكن للجهات الحكومية والبلديات تقييد عدد بيع هذه المحلات أو المطاعم بضوابط معينة. فمثلاً، في أمريكا الشمالية يتم حصر بيع المشروبات الكحولية في منافذ معينة، وبما يشمل إبراز بطاقة الهوية الشخصية للتأكد من كون عمر المُشتري أكبر من 21 أو 25 سنة.

الثورة السورية

——————————–

عن قرار محافظة دمشق رقم 311، الاعتصام، الوعود، والمواطَنة:

بدأت القصة بقرارٍ إداري مُعلَن: منع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي، وحصر بيعها ضمن متاجر تقع في مناطق محددة ذات طابع ديني وبشروط صعبة جدًا.

لم يمر القرار بوصفه تفصيلًا تقنيًا، بل فجّر ردود فعل متباينة، سرعان ما تبلورت في دعوة إلى اعتصام يرفضه، ويرفض ما اعتُبر تدخلًا متدرجًا في الحريات الشخصية.

في خضم هذا التفاعل، برز تصريح لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، بنصٍ منشور على فيسبوك يستعيد تاريخًا ودورًا، ويؤكد قيم التعايش والانفتاح، قبل أن ينتهي إلى نفي أي صلة بين (الجماعة) التي تتحدث باسمها وبين الممارسة التي يدور حولها القرار.

بالتوازي، بدأت تسريبات تتحدث عن احتمال التراجع عن القرار، بل وإقالة المسؤول عنه، ما دفع بعض الداعين إلى الاعتصام للتفكير بإلغائه.

لكن الاعتصام حصل.

وجاء، خلافًا لبعض التوقعات، حضاريًا، متنوعًا، تتسمُ لافتاته بوطنية لا لبس فيها، وهنا تحديدًا تظهر المفارقة:

في اللحظة التي يُعاد فيها تقسيم الفضاء من أعلى على أساس الانتماء، يُعاد إنتاجه من الأسفل بوصفه مساحة مشتركة.

لم يكن الاعتصام مجرد رد فعل على قرار، بل ممارسة فعلية للمواطَنة كما يُفترض أن تكون:

أفراد مختلفون، لا بوصفهم ممثلين لجماعاتهم، بل كذوات مدنية/سياسية تدافِع عن حق عام.

لكن ما يبدو كتعاقب أحداث (قرار، اعتراض، خطاب تمثيلي، ثم وعود بالتراجع) هو في الحقيقة ما يستحق التوقف عنده: ليس فقط ما قيل أو ما تقرر، بل كيف قيل، وعلى أي أساس تم النقاش كله.

إذ إن المسألة ليست تفصيلًا يخص تقديم المشروبات الروحية كممارسة مدنية (استهلاكية)، بل شكل الدولة التي يتم إنتاجها أمامنا.

حين يُمنع تقديم المشروبات في المطاعم والبارات، ويُحصر بيعها في مناطق مصنّفة دينيًا، فنحن لا نكون أمام تنظيم إداري، بل أمام تدخل مباشر في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول الممارسة الفردية إلى موضوع ضبط، ويُعاد تعريف المقبول والمرفوض وفق ترميز أخلاقي-هوياتي.

بهذا المعنى، لا تكتفي السلطة بالتشريع، بل تُعيد إنتاج الأفراد أنفسهم ضمن حدود مرسومة سلفًا.

والأهم أن هذا القرار لا ينظّم الفضاء، بل يُعيد إنتاجه:

فالمدينة هنا لا تُفهم كحيّز مشترك، بل كخريطة استعمالات مرتبطة بالانتماء، حيث تُنسب الأفعال إلى جماعات، وتُفصَّل الأمكنة على قياسها.

وهكذا، يتحول الفضاء العام من مجال مفتوح للمواطنين إلى بنية موزّعة، تُدار عبر الفصل لا عبر المشاركة.

غير أن ما جرى في الاعتصام يفتح مستوى آخر من القراءة.

فالجزء الأكبر من الدعوة والحشد جاء من فئات متضررة مباشرة: أصحاب محال، مستثمرون صغار، وشرائح يمكن وصفها بتعبير تقريبي بالبورجوازية المدينية الصغيرة.

هذه الفئات لعبت دورًا واضحًا في لحظة التعبئة الأولى، حيث يتقاطع الدفاع عن “الحرية” مع الدفاع عن شروط العمل والربح.

لكن هذه القوة نفسها تكشف حدودها سريعًا. فبمجرد ظهور إشارات غير رسمية عن احتمال التراجُع، تراجَع الزخم، وتحوّل جزء من الدعوة إلى تريّث أو انسحاب، وهنا لا يتعلق الأمر بتذبذب أخلاقي، بل بطبيعة موقع هذه الفئات نفسها:

فهي قادرة على الدفع نحو الاحتجاج حين يُمسّ مجالها المباشر، لكنها أقل قدرة (أو أقل استعدادًا) على الاستمرار حين يتحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة.

بهذا المعنى، لا تشكّل هذه الفئات قوة تغيير مستقرة، بل قوة ضغط ظرفية:

تُساهم في فتح المجال، لكنها نادرًا ما تستطيع تثبيته أو الدفاع عنه حتى النهاية.

وما يجعل هذا التراجع ممكنًا أصلًا، ليس فقط موقع هذه الفئات، بل شكل السيطرة الذي تعمل ضمنه، فالسلطة هنا لا تواجه الاعتراض بوصفه خطرًا يجب كسره، بل كطاقة يمكن امتصاصها وإعادة توجيهِها.

لا تُنكر التوتر، بل تسمح له بالظهور ضمن حدود، ثم تتدخل لتفريغه، عبر إشارات، ووعود غير مُعلنة، واحتمالات معلّقة.

بهذا المعنى، لا تعمل السيطرة فقط من خلال القرار، بل من خلال إدارة رد الفعل عليه.

ليس المطلوب فرض الامتثال بالقوة، بل إنتاج لحظة يختار فيها الفاعلون أنفسهم التراجع، تحت انطباع أن الاستجابة قد تحققت أو هي في طريقها للتحقق.

هنا تحديدًا، لا يعود التراجع مجرد نتيجة، بل يصبح جزءًا من آلية الحكم نفسها.

وإذا كان الاعتصام قد نجح، ولو مؤقتًا، في استعادة الفضاء بوصفه مشتركًا، فإن ما تلاه يكشف حدود هذه الاستعادة:

إذ سرعان ما أُعيد إدخاله ضمن نفس المنطق الذي خرج عليه.

فبدل أن يتحول إلى لحظة تراكم، جرى تفكيكه عبر استيعاب مطالبه جزئيًا على مستوى الخطاب، دون ترجمتها فعليًا.

وهكذا، يتم الحفاظ على الشكل (وجود اعتراض، وجود استجابة)، مع تعطيل المضمون (تغيير فعلي في القواعد).

أما غياب أي إجراء حكومي واضح حتى الآن، مقترنًا بوعود غير رسمية، فيعمل كآلية احتواء فعّالة: يكفي لتفكيك الحشد، دون الحاجة إلى التراجع الفعلي.

ما بين فضاء يُعاد تقسيمه من أعلى، وحراك يُفتح من الأسفل ثم يتراجع، تتحدد اليوم حدود الممكن السياسي في هذه اللحظة.

التراجع عن القرار، إن حصل، لا يكون كافيًا بحد ذاته، إذا بقي المنطق الذي أنتجَه قائمًا.

فالمسألة لا تتعلق بقرار يمكن سحبه، بل بطريقة حكم تُعيد إنتاج نفسها عبر كل أزمة، مستفيدة حتى من لحظات الاعتراض عليها.

المواطَنة، بهذا المعنى، لا تعني فقط ضمان الحقوق، بل كسر الآلية التي تجعل هذه الحقوق نفسها قابلة للتفاوض في كل مرة.

وما جرى في الشارع خلال الأيام الماضية يُظهر أن هذا الكسر ممكن، لكنه لم يتحول بعد إلى قوة قادرة على فرض نفسها.

حزب العمل الشيوعي في سوريا

———————————

========================

حدث في دمشق!/ بكر صدقي

أصدر محافظ دمشق قراراً بشأن “تنظيم” بيع المشروبات الكحولية في المطاعم والمتاجر في المدينة أثار موجة واسعة من اللغط بدأ كالعادة على وسائل التواصل الاجتماعي ليصل إلى تنظيم وقفة احتجاجية صامتة كان عنوانها رفض الوصاية على الحريات الشخصية. وحاول أنصار السلطة في الرأي العام التبخيس من شأن المعترضين بوصفهم “سكرجية” (مدمني كحول في اللهجة السورية)، في حين ركز المعترضون على قرار المحافظ على أن الأمر لا يتعلق بالخمور بحد ذاتها بقدر ما يتعلق برفض محاولات السلطة لهندسة المجتمع وفق منظورها الإيديولوجي الضيق. ومن جهة أخرى احتج ممثلون للمسيحيين على صيغة قرار المحافظ الذي استثنى “المناطق المسيحية” في دمشق من حظر بيع الخمور، في نوع من التمييز السلبي الذي يخلق الانطباع وكأن المسيحيين لا يكترثون بـ”الإخلال بالآداب العامة” (وفق الصيغة التبريرية التي وردت في نص القرار) أو أنهم حصرياً يستهلكون الكحوليات.

أدى الرفض الواسع للقرار، بمضمونه وصيغته، إلى تراجع المحافظ خطوة إلى الوراء بالاعتذار من المكون المسيحي من جهة، وبإسناد القرار إلى نصوص تشريعية تعود إلى الخمسينيات والستينيات من جهة أخرى، ولكن لم يتم سحب القرار نفسه. وظهرت دعوة على وسائل التواصل لتنظيم مظاهرة مضادة في اليوم التالي، في المكان والتوقيت نفسهما، في تكتيك معروف للقول إن للقرار أنصاراً أيضاً (من المحتمل أن يتم حشد أعداد كبيرة كنوع من التصويت “الشعبي” يمكن توقع نتيجته سلفاً).

سبق هذا القرار “ممارسات فردية” لعناصر مسلحة محسوبة على السلطة اقتحمت أماكن سهر في دمشق واعتدت على بعض الزبائن وكسرت بعض المحتويات، في عدد من الحالات خلال العام الماضي. لكن الحدث الأقرب في التشابه هو قراران لمحافظ اللاذقية، أحدهما يمنع ارتداء ثياب السباحة على الشواطئ، والثاني يمنع تبرج النساء الموظفات في الدوائر الرسمية. فمن الواضح أن القرارات الثلاثة نابعة من خلفية إسلاموية تسعى إلى التحكم بالخيارات الشخصية للسوريين، أي ما هو خارج اختصاص السلطات العامة ويتبع مجال الحريات الشخصية. الأمر الذي أدى إلى مخاوف جدية عند قطاع واسع من السوريين، لا يقتصر على “المكونات” الموصوفة بالأقليات، بل يشمل قطاعات واسعة من جميع الانتماءات. ويمكن مجادلة هذه التوجهات باعتبارات كثيرة، منها مثلاً لماذا يتم تخصيص مدينة بعينها بهذه القرارات إذا كان يتم إسنادها إلى قوانين قديمة، فالقانون يعم ولا يخص. ومنها ما يمكن أن يطرحه إسلاميون متشددون من قبيل “لماذا لا يتم تحريم الخمر بصورة تامة بدلاً من تنظيم تداوله؟” (وبالمثل فيما يتعلق بالسلوكيات الأخرى المتعارضة مع الشريعة).

الفكرة هي أن السلطة تتخبط بإصدار قرارات لا تقوم على توافق اجتماعي، وتضطر للتراجع عنها أحياناً، أو تقديم توضيحات أحياناً أخرى. ومرد الأمر هو أن أهل السلطة نفسها ليسوا منسجمين فلا يتشاورون فيما بينهم قبل إصدار قرارات تمس حياة الناس في القطاع الذي يحكمون، بل يعتمدون على خلفيتهم الأيديولوجية وحدها بعيداً عن روح المؤسسة والسلطة العمومية. وهكذا يتم خرق الإعلان الدستوري ليس فقط من قبل سلطات محلية بل كذلك من قبل رئيس المرحلة الانتقالية نفسه، فقد أصدر مرسوم العفو العام، ثم تحدث عن الميزانية العامة التي لم تصدر أصلاً.

من المحتمل أنه ثمة تياران داخل السلطة، الأول “براغماتي” بحسب الوصف الشائع، يسعى بالدرجة الأولى لإرضاء “المجتمع الدولي” للحفاظ على قبوله له، كما لعدم إثارة تحفظات قطاعات اجتماعية واسعة لا تقبل بأسلمة الدولة. أما الثاني فهو التيار الإيديولوجي الذي يستعجل قطف ثمار ثورته من خلال فرض الشريعة الإسلامية. وفي الحالتين لا يتعلق الموضوع بالدين أو الشريعة، بل بالسلطة والثروة كحال جميع الحكام، فيتم استخدام الدين وسيلة للسيطرة على الناس.

تذكرت حادثة تتعلق بالتذرع بقوانين قديمة لابتزاز الناس، كتبها أحد الصحافيين المعروفين في صحيفة تشرين. كان ذلك قبل اندلاع الثورة ببضع سنوات، أي في عهد بشار الأسد الموصوف بالعلمانية. كان هذا الصحافي يقود سيارته، ترافقه زوجته، في أحد شوارع العاصمة دمشق حين أوقفته دورية شرطة وسألته عمن تكون المرأة المرافقة. فقال إنها زوجته. “وما الذي يثبت ذلك؟ أعطني دفتر العائلة!” وإذ لم يكن يحمله معه اقتادتهما الدورية إلى قسم الشرطة. طبعاً كان الموضوع يتعلق بابتزاز مالي. الفكرة هي أن التسلح بقوانين عفا عليها الزمن يتيح استغلالها للتضييق على الناس وابتزازهم. سوريا اليوم تسعى لإعادة تأسيس نفسها بعد ثورة كلفت مليون شهيد وملايين المهجرين، من أجل الحرية والكرامة ودولة مؤسسات وقانون يقوم على المساواة بين المواطنين وسلطة قابلة للمحاسبة. وليس لإقامة نظام استبدادي جديد يخنق المبادرات الاجتماعية ويضيّق على الحريات الشخصية.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

———————————-

سوريا: تبادل الأدوار بين المسيرة والمظاهرة/ عمر قدور

الثلاثاء 2026/03/24

تظاهر يوم الأحد قرابة 1500 سوري ضد قرار لمحافظ دمشق، يمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والبارات والملاهي، ويحصر بيع الزجاجات المختومة في أحياء قليلة ذات صبغة مسيحية. مع انفضاض التظاهرة بلا قمع، راح البعض من الموالين يطبّل للسلطة التي لم تتعاطَ مع المتظاهرين على النحو الذي كان يفعله الأسد، من دون أن يتوقف هذا البعض عند قرار يتطاول على الحريات الشخصية لعموم السوريين، إذ يتطاول على شريحة منهم. وسيكون من الهزلي حقاً الإشادة بسلطة سمحت بالتظاهر لأنها قبل ذلك اعتدت على الحريات الشخصية، والتوضيح الذي قدّمته لاحقاً لقرارها يتضمن الإصرار عليه وعدم التراجع عنه.

البعض الآخر من الموالين أيّد القرار، ووقف بالمطلق ضد المتظاهرين. وربما كانت الفئة المعتدلة من هذا الصنف هي التي تولّت الإعلان عن “وقفة”، في ساحة باب توما التي تظاهر فيها المحتجون على قرار المحافظ، ظهر اليوم التالي على المظاهرة، ثم تم تعديل المكان لتكون في ساحة العباسيين. الداعون إلى الوقفة برروها بأنها تأتي “إحياءً لذكرى التهجير، مبارَكةً لأهلنا وصمودهم، تأكيداً على ثوابت ثورتنا، رفضاً للاعتداء على علمنا ورمزيته، دعماً للقرارات التي تحمي مستقبل أجيالنا القادمة”!

لم تستقطب الوقفة المؤيدة للسلطة والمحافظ عدداً ضخماً، وهتف المتحمسون فيها هتافات من قبيل: “ما بدنا سكرجية، وهزّ كفّك هزّه هزّ.. دين محمد دين العزّ.. مندوسهم مندوسهم.. كل الفلول مندوسهم.. وبالسيف نقطع رؤوسهم.. حرية.. حرية”! واستباقاً لها انتشرت دعوة أخرى على وسائل التواصل، تحت عنوان أضيق هو “حظر أم الخبائث”، لكن على نطاق أوسع إذ يدعو أصحابها إلى وقفات في ساحات المدن السورية ضد “الخمور والنوادي الليلية”. والواضح في هذه الدعوات مجيئها على قاعدة شارع مقابل شارع، وإنِ اقتصر الأمر حتى الآن على التلويح بشارع أكثري مقابل شارع أقلوي، بالرغم من أنَّ الاحتجاج على قرار المحافظ لم يأخذ طابعاً أقلوياً بالمعنى الطائفي للكلمة.

ومع الدفع بشارع مقابل شارع تأتي دائماً التغطية القائلة بأن هذه هي الديموقراطية، بما أن السلطة سمحت بالتظاهر للمحتجين عليها ولمؤيديها. وأول ما ينتقص من هذه اليافطة الشكلانية أن الديموقراطية تقتضي، قبل الاحتجاج ونقيضه، أن تعامل السلطة الجميع على قدم المساواة من خلال القوانين العامة. فالقوانين العامة الناظمة للحريات الأساسية يُفترض أنها ليست ملكاً لأية فئة، سواء كانت أكثرية مذهبية أو أقلية، وسواءً كانت أكثرية سياسية أو أقلية.

وأن تنبري فئات مؤيدة للسلطة للنزول إلى الشارع، والدفاع عن قرار يستهدف الحريات الفردية، فهذا سلوك لا يمتّ إلى الحرية بصلة. إنه في عمقه يشبه مسيرات التأييد للعهد السابق، حيث نزل موالون ليشتموا الحرية جهاراً. وقد كان ذلك مفهوماً في حينه، وإن أثار السخرية، لأن شتم الحرية من قبل جمهور الاستبداد ينسجم مع طبيعته التي لا يُفصَح عنها دائماً على هذا النحو. المفارقة هي عندما ينزل إلى الشارع أناس يزعمون الانتماء إلى الثورة، ثم يؤيدون بصراحة التضييق على حريات الآخرين.

ومن المظاهر التي أضحت معتادة أن يُبرر هذا السلوك تجاه المحتجين على السلطة بأنهم لم يحتجوا أيام النظام السابق على ممارساته الوحشية، وهو المأخذ الذي يُترجم بأن من سكت أيام الأسد عليه أن يسكت حتى الأبد. ولا يخفى في هذه المناسبة، ومناسبات سابقة مماثلة، أن استحضار الماضي يأتي أولاً بالتذكير بوحشية قديمة، غير ذات صلة أحياناً من قبيل شعار “إحياء ذكرى التهجير” في وقفة مؤيدة لقرار منع تقديم الخمور. والملاحظ عدم وجود رادع أمام الذين يستخدمون آلام الماضي برخص شديد لابتزاز محتجين على قرارات أو أوضاع راهنة، فالمشكلة ليست في الابتزاز الرخيص فحسب، بل هي في تحويل معاناة السوريين إلى مادة رخيصة في سجال رخيص، أي الإساءة إلى آلام ملايين السوريين، والنطق باسمهم من دون تفويض.

وبالعودة إلى الطلب الصريح من الذين سكتوا سابقاً أن يخرسوا الآن؛ من المستغرب لأي عاقل أن يزعم هؤلاء تحرير سوريا من الاستبداد، ثم أن يطلبوا من الذين حرروهم أن يكونوا رعايا من الدرجة الثانية لأنهم سكتوا يوماً بدافع الخوف. وبصراحة أكبر، يتم ترهيبهم اليوم كما في الأمس ليبقوا صامتين. والقول إن بين المحتجين هنا أو هناك مؤيدين للنظام السابق فيه الكثير من التضليل، فإما أن يكون هناك بين المحتجين مَن يستحق المحاكمة على جرائم محددة أيام النظام السابق، ويجب ملاحقته تالياً بصرف النظر عن مشاركته أو عدمها في أي احتجاج، أو أنه يحظى بقرينة البراءة ولا يحق لأحد تجريده من حقه في ممارسة حرية التعبير أو النشاط السياسي.

لا يُعرف ما إذا كانت الدعوة إلى وقفات في كافة المدن السورية ستُلبّى على نطاق واسع، لكن يمكننا استحضار تجارب قريبة العهد لوضع شارع مقابل شارع. فعندما انتشر تسجيل يسيء للنبي محمد نزلت مظاهرات غاضبة، جزء منها في جامعات سورية حيث عمد مؤيدون للسلطة إلى الاعتداء على طلاب دروز أو تهديدهم. جدير بالذكر أن صاحب التسجيل المسيء، الذي أُلصِق آنذاك برجل دين درزي، تبيّن لاحقاً أنه من مؤيدي السلطة، وحظي برفقة مسؤولين فيها والتقاط صور معهم بالرغم من انكشاف أمره.

أيضاً، ولأكثر مرة، عمد جمهور السلطة إلى تنظيم مسيرات تأييد مضادة لمظاهرات في الساحل وحمص، حين احتج علَويون على ممارسات يرونها تمييزية ضدهم في الوظائف أو غيرها، وحين احتجوا على انعدام الأمن وتعرّضوا للقتل والترهيب. في تلك المناسبات لم يكتفِ الذين خرجوا في مسيرات مؤيِّدة بالهتاف ضد المحتجين، بما في ذلك ترديد الهتافات الطائفية، ومعروفة هي الحالات التي قام فيها هؤلاء بالاعتداء على أشخاص أو على ممتلكات لعلويين على سبيل الترهيب، كي لا يفكّروا مجدداً بالاحتجاج على أي غبن.

إذا أُخِذت المزاعم الثورية بحرفيتها، فإن ما حدث ويحدث يوضّح كيف تحوّل أصحاب المظاهرات إلى أصحاب مسيراتٍ موالية ما أن صاروا في السلطة. وإذا عادت محافظة دمشق إلى قرار صدر عام 1952 لتبرر جزءاً من قرارها الخاص بمنع تقديم المشروبات الكحولية، فلا بأس بالعودة قرناً إلى الوراء لاستخلاص العبَر من تجارب عالمية وخيمة لأنظمة حظيت بدايةً بدعم شعبي واسع النطاق، واستخدمت شارعاً ضد شارع بموجب زعْمٍ ديموقراطي مشابه، لعلّ فيها درساً جيداً للذين يظنون أنهم بغنىً عن التعلم من الدرس المحلي السابق.

المدن

——————————

بروفات فاشلة في دمشق/ ماهر حميد

مارس 23, 2026

من المثير أن دمشق قد عاصرت كل مدن التاريخ الأولى التي بناها البشر، وفي حين بقيت دمشق متواصلة في الحياة، ومتألقة ومؤثرة في كل فترات التاريخ. فإن جميع المدن الأولى للحضارات المجاورة هي اليوم عبارة عن ركام يعمل فيه منقّبو الآثار.

ويندر أن تجد مثلها مدينة في العالم متصالحة مع تاريخها، فدمشق المدينة التي لم تكتفِ بالبقاء، بل صهرت المتناقضات في بوتقة واحدة، حيث يتعايش فيها المتخاصمون تاريخياً في أسماء وأفعال شوارعها وساحاتها، وتحتفظ به دون أن تلقي بالاً لما يتقاتلون من أجله.

فأين لك بمكان يجتمع فيه نهر يزيد بنهرعيشة بالسيدة زينب إلا دمشق؟

وأين تجد إلا في أسماء ساحاتها أن العباسيين والأمويين والبرامكة متصالحون متجاورون؟ وقد لا يستوعب عقل الغريب، أو حتى برنامج تحديد المواقع، أن ابن عساكر سيوصلك إلى باب توما، الذي يدلك بدوره إلى مدحت باشا.

أما أن توصلك فكتوريا إلى ساحة الحجاز، فتلك قصة لا تحدث إلا في كوابيس التاريخ أو أحلام دمشق المهلوسة.

ويبدو أن دمشق القديمة، تلك العجوز التي عاصرت كل التاريخ، لم تعد تعجب الذوق العام للقائمين على أمرها اليوم. فالتاريخ بالنسبة لهم ليس تراكم حضارات، بل هو “بوفيه مفتوح” يختارون منه ما يشتهون، ويرمون الباقي في سلة المنكرات.

والموضة الجديدة ليس فقط تنميط المدينة، وتلوين الذاكرة بلون واحد، لكن الإبداع الحقيقي تجلّى مؤخراً في جغرافيا المزاج.

ففي نوبة تقوى مفاجئة، قرر المحافظ أن دمشق يجب أن تكون “صائمة” في شوارع، و”ثملة” في شوارع أخرى! وأصبح للخمور الآن هوية طائفية وجواز سفر محلي؛ فإذا أردت “كأساً” عليك أن ترينا إثباتاً بتنزيل بنطالك إلى الأسفل، أو أن تبرز إخراج قيد يثبت أنك تسكن في زواريب باب توما أو القصّاع.

تخيّل المشهد السريالي بأن الأخلاقيات أصبحت تقاس بالمتر الطولي، تمر في شارع يُمنع فيه بيع البيرة لأن “تاريخه” لا يسمح، ثم تقطع زقاقاً واحداً لتجد نفسك قد دخلت الى “واحة الحرية السائلة” لأن الحي مسيحي! وكأن ما يسمّونه في عرفهم رذيلة تخجل من دخول أحيائنا، وتأخذ راحتها فقط عند الجيران.

وفي تلك الأثناء، يمر موكب مسؤول ورع بسياراته المفيمة التي تساعده على الخلوة، جامعاً بين صوفية ابن عربي، وهيبة الخليفة، ورفاهية الملياردير، في خلطة لا تحدث إلا في بلاد الشام.

هذا الموكب يستهلك من البنزين ما يكفي لإنارة حي ركن الدين ليلة كاملة، ويريد سيد الموكب الورع أن يقنعك أنه يسّر لك السير في الصراط المستقيم، لأن ذلك أفضل من تعبيد المتحلق الجنوبي المليء بالحفر.

وفي خشوعك الطارئ هذا، ترى رجلاً يحمل الجرّة على كتفه كأنه “سيزيف دمشقي” يحمل صخرته للأبد، ويمشي بها في شوارع دمشق العتيقة بخشوع تام، خائفاً من أن يتطاير ذلك الغاز الذي أصبح لا يمسّه إلا المطهّرون.

المضحك في الأمر أن هؤلاء يحاولون حتى خصخصة العادات، يريدون إقناعنا أن دمشق لم تبدأ إلا معهم، وأن كل ما سبق كان مجرد “بروفة” فاشلة بانتظار العرض المسرحي الكبير الذي نعيشه اليوم.

وهم يحاولون الإطاحة بجغرافيا دمشق وتغييرها عن طريق القص واللصق كي تشبههم، وكان عليهم أن يتشبهوا بها لأنها هي المسطرة التي يقاس عليها. 

حتى المستعمرون الذين مروا من هنا، حاولوا مراراً وتكراراً أن يعيدوا صياغة جغرافيا المدينة لتناسب مقاساتهم، فقسموها إلى دويلات ورقية، لكنها راقبتهم ببرود الإنكليز ثم ابتلعت خرائطهم وبقيت هي الخريطة الوحيدة الحقيقية. ومن ظن أنه كان يكتب فصلاً جديداً، لم يكن سوى مجرد حاشية باهتة في كتابها العظيم.

لكن المشكلة يا سادة أن دمشق “نحسة”، وتتمتع بذاكرة الفيلة. يمكنك أن تغيّر اللافتة على أول الشارع، وتدهن الحائط باللون الذي تحب، وتغيير أسماء مدراسها، وتمنع “العرق” في الميدان وتسمح به في باب شرقي، لكن الدمشقي حين يقول نازل عند البرامكة أو رايح على ذي قار، هو لا يستخدم أسماءً جغرافية فحسب، بل يستحضر، بعناد ثقافي دفين، طبقات من التاريخ يرفض أن يمحوها قرار.

ولأن دمشق باقية، بينما تظل قرارات “الفصل المذهبي” على الرفوف، والتي لا تتسق مع مزاجها، فهي أول ما يصدأ ويذوب في أول شتوة وعي دمشقية، فهي تقول لكم ببرود: “غيركم كان أشطر”.

الثورة السورية

———————–

 كأسُ دمشق وراحُها… أبعد عن التديّن أقرب إلى السياسة/ إبراهيم الجبين

الأحد 2026/03/22

 لا يصدر كثيرٌ من المنشغلين بالمشهد السوري وتحولاته اليوم، عن لغة أكبر وزناً من لغة السوشيال ميديا التي تفشّت واتسع تأثيرها حتى غدت نمطاً للتفكير، بديلاً عن التدقيق والتحقق قبيل اتخاذ موقفٍ نقدي أو مؤيد حيال هذه الظاهرة أو تلك.

ولا يزال قرار محافظة دمشق بحصر بيع الخمور في المناطق التي عدّها البعض “مسيحية”، وحظرها في بقية جغرافيا المدينة، ومن ثمّ إصدارها بياناً توضيحياً مذيلاً باعتذارٍ ووعدٍ بإعادة النظر، يتفاعل مستدرجاً ردود فعل أوسع على شكل آلاف المنشورات التي جادلت وخوّضت فيه.

قصة الكأس في دمشق قصة طويلة، لم تبدأ اليوم أو البارحة، بل تعود في جذورها إلى عهد الفتح الإسلامي لبلاد الشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (القدس ودمشق وغيرها من الحواضر المدنية) وتنفتح على أبواب أوسع من المسكرات لتصل إلى فكرة “أهل الذمة” وعلاقتها اليوم بـ”المواطنة” والمساواة.

وقد نوقش موقف عمر من بيع الخمور في أوساط الفقهاء، كي يحددوا كيف تعامل معه، فوجدوا أنه استند إلى ما فعله النبي في المدينة، فلم يكن يأمر اليهود بالكف عن تصنيع الخمور وبيعها بل اقتصرت أحكامه على المسلمين. ولكن حين اتسعت الدولة في عهد عمر وبات من الضروري تنظيم الخراج والضرائب، سُئل عمر كيف يتصرف الولاة مع الخمور وعائداتها المالية وما العمل إذا اختار بعض المسيحيين واليهود دفع تلك الضرائب خموراً لا أموالاً؟ وأورد ابن القيم في “أحكام أهل الذمّة” العديد من الروايات من بينها “حدثنا الأنصاري عن إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن بلالاً قال لعمر: إن عُمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوها منهم، ولكن ولّوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن”. إذاً قال عمر “ولّوهم بيعها” أي اتركوا هذا الأمر للمسيحيين واليهود، حسب شريعتهم، ولا تتدخلوا فيه.

وعلى ذلك المبدأ مضت كل العهود الإسلامية المتعاقبة حتى ما قبل نشوء الدولة الحديثة في سوريا بقليل، حين ظهر القانون العثماني المتخصص في شأن التنباك والمسكرات. وأول ظهور له كان ضمن قانون الجزاء في العام 1858 في النظامنامات الإدارية والمالية المتصلة بالأشربة المسكرة والتبغ والتنباك والريجي و”الميخانات” (وهي كلمة مركبة من مقطعين “مي” أي خمر بالفارسية، و”خانة” أي محل أو موضع، وتقابلها شايخانه وسفرخانه وكرخانه وغيرها).

ولا تزال الحساسيات المسبقة تجاه تلك الكلمات، وما يختبئ خلفها من أفكار، تتحكم في نظر من يريدون التفكير في مثل هذه القضايا التي تستجد أمامهم وهي ألغام مدفونة ستنفجر يوماً ما دون أن يتم تفكيكها وتحليلها بعقل حر.

ورد في التنظيمات العثمانية حينها ما نصه أن “كل من فتح محلًا لبيع الأشربة المسكرة بدون إذن من الحكومة أو خالف الشروط المفروضة يُعاقب بالحبس أو الغرامة، ويُغلق محله” بعدها سيظهر مفهوم جديد سوف يتكرر معنا كثيراً عند الحديث في هذا الشأن إدارياً وقانونياً، وسيتطور ليصبح “النظام العام” وذلك عندما نصت قانون الجزاء العثماني على أنه “يُمنع إحداث محال لبيع المسكرات في المحلات التي يكون فيها ذلك مخلًا بالآداب أو مسببًا للفتنة، ويعود تقدير ذلك للإدارة”، ويُعاقب كل من تسبب في الشغب أو الإخلال بالراحة العامة بسبب السكر وفقًا لأحكام هذا القانون. وتم وضع نظام خاص للميخانات ينطلق من شروط ترخيصها، وينص على أنه “لا يجوز فتح ميخانة أو محل لبيع الخمر إلا بإذن رسمي من الوالي أو المتصرف”. وفي هذا المبدأ تم تحديد الجهة المخولة بالترخيص إلى السلطة المحلية (الوالي، المتصرف، المحافظ حالياً) وذلك حسبما يقتضيه “النظام العام” مجدداً. كما حُدّدت الفئات المسموح لها بالحصول على الترخيص صراحة في نص نظام الميخانات في هذه المادة “لا يُرخّص للمسلمين ببيع الأشربة المسكرة، ويُسمح بذلك لغير المسلمين ضمن الشروط المحددة”. كما جرى تحديد موقع الميخانة بشكل يراعي حساسيات المجتمع (كل المجتمع لا المسلمين وحدهم) في فرض “ابتعاد الميخانات عن المساجد والمدارس والأماكن الدينية”، وباشتراط ألا تُفتح في الأحياء الإسلامية “إلا بإذن خاص”، على أن تخضع للتفتيش بصورة دائمة ويمكن أن تُغلق حين تخالف النظام. وكم هو معلوم فقد استمرت القوانين والتنظيمات العثمانية تعمل في سوريا بعد رحيل الأتراك ونشوء المملكة العربية السورية في عهد فيصل بن الحسين حتى عزله وإلغائها على أيدي الفرنسيين في العام 1920.

مضت أربع سنوات بعد ذلك، والحانات في دمشق تعمل وفقاً للنموذج العثماني، إلى أن قرّر الانتداب الفرنسي وضع قانون خاص ينظم عملها من جديد. فأصدر المندوب السامي القرار رقم 24 في العام 1924 والذي تم إعلانه في النشرة الرسمية مع جملة القرارات التي نظمت الإدارة والاقتصاد لسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي آنذاك.

في هذا القرار لم يتم التطرق إلى التمييز الديني في مسألة منح التراخيص لصناع وباعة الخمور، ولكن.. أرجع القرار الفرنسي كما في القانون العثماني صلاحية منح ونزع تلك التراخيص للسلطة المحلية، والسبب كما يمكن لك أن تتوقع “النظام العام” وأناط بالإدارة في كل مدينة أو بلدة أن تحدّد الموقع المناسب ومن المتضرر ومن غير المتضرر من افتتاح حانة أو مطعم يقدّم الخمور. إلا أن القرار حظر بيع وتقديم الخمور للقاصرين و”السكارى” أي لمن هم تحت السن القانوني وللذين تظهر عليهم علامات فقدان الوعي التام مما قد يؤثر بدوره على النظام العام والجوار والأهالي واحتمال إثارة الشغب.

واستمرت الدولة الوطنية في سوريا بتطبيق المبدأ ذاته الذي وضعه الانتداب على المستوى الإداري، مع الالتزام بتنظيم الميخانات العثماني ضمناً، أي مع منح التراخيص للمسيحيين لا للمسلمين ومع ضرورة الابتعاد عن أماكن العبادة المختلفة، وصدر المرسوم التشريعي رقم 180 في 23 آذار عام 1952 في عهد الحكم العسكري لأديب الشيشكلي وكان رئيس الجمهورية آنذاك فوزي سلو، وقد حظر المرسوم على كافة المطاعم والحانات تقديم المشروبات الروحية في أوقات محددة من السنة، وكانت المادة 11 منه تنص على وجوب “غلق الحانات والملاهي حتمًا ليلة المولد النبوي الشريف، وليلة  27 رجب، وليلة منتصف شعبان، وليلة 27 رمضان من كل سنة”.

مع تطور الحياة المدنية في دمشق، انتشرت حانات في أماكن عديدة، غالبيتها كانت تراعي التحفظات المذكورة في القوانين، وكان أبرزها جوار شركة الكهرباء “الكوبانية” في البحصة، أي شارع شيكاغو الشهير المتفرع من شارع بورسعيد، بجوار النادي العربي الذي احتضن المؤتمر السوري وأعلن الاستقلال وقيام المملكة السورية، وقد تم إغلاق حانات شارع شيكاغو ومرابع السهر فيه بعد عودة ملكيته إلى أوقاف دمشق، وتحوّل إلى شارع متخصص في بيع كاميرات التصوير ومعداتها.

أما مركز دمشق فقد اشتهرت فيه حانات ومطاعم تقدم الكحول كان يلتقي فيها العامة والمثقفون والسياسيون والفنانون، كمطعم “القنديل” في الصالحية، و”الإتوال” قرب مدرسة ودير الآباء الفرنسيسكان، و”النورماندي” (الريّس) في ساحة يوسف العظمة، و”فريدي” في شارع العابد، و”ماجدولين” قرب مدرسة التجهيز ومطعم “الندوة” في الشرف الأعلى من دمشق، وحانة بلا اسم ثابت كانت تختبئ خلف فندق سمير أميس في فيكتوريا، وغيرها من الأماكن. وكانت الأسماء المسيحية لمدراء تلك الحانات، الأكثر سماعاً بين بقية أسماء الملاك والمشغّلين، باستثناء مطعم القنديل “اللاتيرنا” الأكثر شهرة، والذي افتتحه برهان قصاب حسن وشقيقه الصديق القدير المحامي والأديب الراحل نجاة قصاب حسن، وحتى هذا المكان كانت رخصة بيع وتقديم الكحوليات فيه، باسم أحد العاملين المسيحيين لا باسم مالكه.

يضاف إلى ذلك الالتفاف الاجتماعي على الحظر الديني، فسحٌ من نوع آخر كانت تتيحه النقابات، والتي لا تعود ملكية مطاعمها إلى أفراد وبالتالي لا تخضع للتقييد ذاته، كنقابة الفنانين التشكيليين (الرواق) واتحاد الصحافيين في حي العفيف أيضاً ورابطة المحاربين القدماء مقابل حديقة السبكي في الشعلان، وشرفة اتحاد الكتّاب العرب في مقرّه بالمزة ونقابة الفنانين في شارع بغداد، وجميعها كانت تقدم الخمور بلا أي تحفظ. ناهيك عن نادي الضباط في الصالحية والذي كان يستقبل غير العسكريين بطرق مختلفة.

في الفنادق والمطاعم الدمشقية لم تكن هناك أية حساسية في تقديم المشروبات الروحية، وكانت تراخيص تلك المطاعم تتضخم بتضخم الحياة العامة واندفاع أصحاب رؤوس الأموال لتدشين هكذا مشاريع. وفي الوقت ذاته بدأت تتمتع بما أتاحه الفساد والمحسوبيات في تجاهل القانون، ومنح رخصة بيع خمور لضباط أمن وواجهات وتجار مقربين من نظام الأسد فانتشرت تلك المحلات المتخصصة على شكل مطاعم صغيرة وكبيرة بلا ضوابط، تضاف إليها أكشاك صغيرة لبيع الخمور المهرّبة وكان أغلب من يعملون فيها من العسكريين و”الشبيحة”.

أما في دمشق القديمة التي يغلب الطابع الأثري على حاراتها وأزقتها، بالإضافة إلى التنوع الثقافي والديني فقد بدا التقييد أكثر صعوبة. وانطلاقاً من سور دمشق وأبوابها الغربية والجنوبية والشمالية، تبدأ الحياة الاجتماعية الإسلامية والتي عانت من محاولات طويلة للتغيير الديموغرافي مارسه فيها الأسد والإيرانيون وغيرهم، لكنها صمدت في النهاية وحافظت على هويتها، فيما لم تكن أحياء باب شرقي وباب توما وحي القصاع، والتي عرفت بأنها ذات غالبية مسيحية، تواجه الإشكالات ذاتها، لأنها استفادت من الاعتبارات سابقة الذكر، وكان من السهل الحصول على ترخيص بافتتاح مطعم أو حانة ذات طابع سياحي ثقافي جذاب للسوريين والقادمين إلى دمشق من العرب والأجانب.

 ولم يكن يُنظر إلى هذه الأحياء على أنها أحياء للرذيلة أو كما وصفها البعض مؤخراً بأنها “ريد لاين” دمشق، بل على العكس من ذلك بقيت تحظى بالاحترام والتقدير من كافة السوريين على الرغم من الاختلاف الواضح في العادات والتقاليد واللباس والمأكل والمشرب، وكان هذا جزءاً من التنوع الثقافي السوري الذي يباهي به السوريون عادة. وبالحديث عن الجهل وانحطاط المعرفة لدى من يدلون بآرائهم في هذا الشأن فإن “الشارع الأحمر” لدمشق لم يكن في أي من أحياء الأقليات الدينية تاريخياً بل في آخر سوق السنانية بدمشق، يُعرف بزقاق قليط، واستمر كذلك حتى نقله العثمانيون إلى محلة المرقص بشارع البدوي في الشاغور وبقي كذلك إلى أن توافق أهل الشام على إغلاقه واستيعاب ساكناته الشهيرات في المدينة و”الستر عليهن” كما قيل حينها. وكان قبل ذلك حياً معروفاً تقبّله المجتمع الدمشقي وورد في أوراق المؤرخين ومن بينهم البديري الحلاق الذي ذكر أن بعض الدمشقيين حاول التخلص من تلك الظاهرة آنذاك وطلب لقاء أسعد باشا العظم أبرز ولاة الشام، واشتكى له من كثرة المنكرات واجتماع بنات الهوى في الأزقة والأسواق، واقترحوا على أسعد باشا حينها أن يرحلوهن أو يحصروهن في مكان واحد لا يتجاوزنه، فرد الباشا بالقول “إني لا أفعل شيئاً من هذه الأحوال، ولا أدعهم يدعون عليّ في الليل والنهار”، بل اتجه نحو تنظيم عملهن والتفتيش عليهن، وعيّن لهن الشوباصية من العسكر ليشرفوا على شؤونهن، وفرض عليهن الضرائب بمعدّل “عشرة غروش في كل شهرٍ على كل واحدةٍ منهنّ”.

ووفقاً لما سلف فإن موضوع النظام العام ومراعاة حساسية المجتمع لمثل هذه المظاهر، يبرز كعامل أساسي وراء القرار الذي اتخذته اليوم محافظة دمشق، إلا أنه لا يراعي الكيفية، فجميع العهود الماضية سارت على الأعراف نفسها من دون أن تعلن ذلك صراحة، كي لا تصطدم بالذهنيات غير المؤهلة لمناقشة الملف دون تعصّب، وكي لا تجد نفسها بمواجهة أسئلة لا ضرورة لطرحها عن التمييز الديني والاجتماعي، أسئلة لم يكن بوسع برلمانات وسلطات أكثر استقراراً التصدي لها، فضلاً عن كونها خارج اختصاص الإدارة وحدها، فهي مسائل غير محسومة في مراكز البحث والأوساط الفقهية ومجامع العلماء والعمران والسوسيولوجيين.

أخيراً شهدت سنوات ما قبل العام 2011 والثورة السورية، تلاعباً كبيراً من طرف مافيات نظام الأسد في هذا الحقل، ولعل أبرز أمثلته ما وقع مع مطعم “الندوة” في دمشق، الذي أراد رامي مخلوف الاستحواذ عليه، وكي يرغم مستثمره على التخلي عنه، قام بالضغط على المحافظة لتغيير تصنيف مدفن قديم قريب منه، هو المدرسة العزية في منطقة الشرف الأعلى من دمشق، فزعموا أن المدرسة جامع، وبالتالي أصبح من الممنوع على مطعم “الندوة” أن يقدّم الخمور وهو لا يبعد عنها سوى بضعة أمتار. وفوق ذلك ادعى مخلوف والمجموعة التي عملت معه أن هذا القرار جاء حفاظاً على التراث الدين والتاريخي لعز الدين أيبك وشجرة الدر، بينما الحقيقة أن المدفون في ذلك المكان كان الأمير عز الدين أيبك المعظمي، الذي طرده الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 643 للهجرة من دمشق بعد سيطرته على بلاد الشام فمات في مصر ونقل ابنه جثمانه بعدها إلى دمشق. وأيبك هذا هو غير عز الدين أيبك الذي اغتيل في الحمام بعد زواجه من شجرة الدر التي لقيت حتفها بعده بالطريقة ذاتها رمياً بالقباقيب.

وهكذا هي حال النقاشات في سوريا حول القضايا كافة؛ لم يسأل أحدٌ؛ ماذا عن معامل تصنيع المشروبات الروحية التي تملكها وتديرها الدولة في القطاع العام؟ وكيف وأين ستبيع منتجاتها؟ وماذا عن عالم استيراد تلك المشروبات وخفاياه؟ وماذا عن خط التهريب الكبير للمشروبات الروحية من لبنان إلى سوريا؟ كل تلك الأسئلة تأتي قبل الحديث عن الهوية الدينية والحريات الشخصية والعامة، ولا علاقة لا للإسلام ولا للمسيحية ولا للعلمانية بأي منها، بل بالثقافة أولاً وأخيراً، وعلى الرغم من أنك ستشاهد اليوم أينما ولّيت وجهكَ في دمشق لافتاتً رفعتها الحكومة السورية ذاتها، كُتبت عليها كلمات قصيدة نزار قباني الدمشقية، غير أن الواقع يقول إن هذي هي دمشق على مرّ الزمن وهذي هي الكأس والراحُ.

المدن

————————–

“يقوّض العيش المشترك”.. انتقادات كنسية ومدنية لقرار حصر بيع الكحول في دمشق

20 مارس 2026

انتقد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، المطران عطالله حنا، قرار حصر بيع المشروبات الروحية في المناطق المسيحية في العاصمة السورية دمشق، معتبرًا أن صدور مثل هذا القرار “مسيء للمسيحيين”، فيما رأت لجنة حي باب توما أنه يشكّل مخالفة صريحة لمواد “الإعلان الدستوري” التي تضمن المساواة بين المواطنين وتحمي الحريات الشخصية.

“أمر مسيء للمسيحيين”

في تسجيل صوتي جرى تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، أكد المطران حنا أن “المسيحية في سوريا ليست بضاعة مستوردة من الغرب، كما هي المسيحية في فلسطين وفي هذا المشرق”. وأضاف: “المسيحيون في سوريا هم أصيلون، وجذورهم عريقة وعميقة في تربة هذه الأرض المقدسة والمباركة والمجبولة بدماء الشهداء”.

ووصف رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس قرار “مسألة الخمور وبيعها في حارات أو أماكن مسيحية، وخاصة في القصاع” بأنه “أمر في غاية الخطورة، وهو مسيء للمسيحيين”.

وتابع المطران حنا مستدركًا: “ليس لأننا نحث وندعو إلى شرب الكحول، أنا شخصيًا لا أشرب الكحول، ولكن أن تتحول المناطق المسيحية إلى أماكن للسكر والشرب، يأتي إليها كل راغب في أن يشرب، هذا أمر غير مقبول وغير مبرر”.

وأضاف رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس: “كأنهم يقولون إن الأماكن المسيحية هي أماكن للسكر، وفيها محلل السكر واعملوا اللي بدكم إياه”، مؤكدًا أن “هذا أمر لا يمكن قبوله بأي شكل من الأشكال”.

ومضى المطران حنا قائلًا: “أنا مع أن تكون هنالك ضوابط لمسألة محلات بيع الكحول وما إلى ذلك، الضوابط مطلوبة في كل مكان، ولكن حصر بيع الكحوليات في أماكن فيها مسيحيون هذا أمر مرفوض”، معتبرًا أن القرار “فيه إساءة للمسيحيين ولحاراتهم ومواقعهم”.

لجنة باب توما: “يقوّض مبدأ العيش المشترك”

في السياق، قالت لجنة حي باب توما، في بيان جرى تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، إن “القرار الذي اتخذ دون دراسة كافية أو تشاور المجتمع المحلي، ومنها حي باب توما، يشكل مخالفة صريحة لمبادئ الإعلان الدستوري، ولا سيما المواد /7/ و/12/ و/13/، التي تضمن المساواة بين المواطنين، وتحظر التمييز، وتؤكد على وحدة المجتمع السوري وحقوق المواطنة المتساوية”.

واعتبرت اللجنة، في بيانها، أن “مضمون القرار يحمل مخاطر جدية على السلم الأهلي”، والتي لخصتها بـ”التمييز المناطقي والطائفي عبر ربط مهنة معينة بمناطق محددة دون ذكرها”، بالإضافة إلى “التحريض الضمني على أحياء بعينها عبر الإيحاء بأنها المكان “الطبيعي” أو “المناسب” لممارسة نشاطات لا يسمح بها في بقية المدينة”.

كما رأت اللجنة أن القرار من شأنه “تعزيز الفصل المجتمعي وتقويض مبدأ العيش المشترك الذي شكّل عبر عقود هوية دمشق وتاريخها”، فضلًا عن “الإيحاء الخاطئ بأن استهلاك أو شراء المشروبات الروحية مرتبط بطائفة أو فئة بعينها، في حين أنه سلوك فردي يمارسه مواطنون من مختلف الانتماءات، ولا يجوز تحميله هوية دينية أو مناطقية”.

وأشارت اللجنة إلى أنه انطلاقًا من حرصها على وحدة المجتمع الدمشقي، واحترام الحقوق الدستورية لجميع السوريين دون استثناء، فإنها “تستنكر هذا القرار وتعتبره غير مدروس، ومخالفًا لمبادئ المواطنة والمساواة”.

ودعت اللجنة محافظة دمشق والجهات المختصة إلى “التراجع الفوري عنه، وإعادة النظر في أي إجراءات من شأنها المساس بالسلم الأهلي أو خلق تمييز بين أبناء المدينة”، مؤكدةً “تمسكها بالعيش المشترك، وبالنسيج الاجتماعي المتنوّع الذي ميّز دمشق عبر تاريخها”.

وأعربت اللجنة، في ختام بيانها، عن رفضها “أي خطوة قد تؤدي إلى تصنيف الأحياء أو تحميلها أعباءً اجتماعية أو رمزية لا تمت لواقعها بصلة”، مشددة على أن “دمشق مدينة لجميع أبنائها، وحقوق المواطنين لا تُجزأ، ولا يجوز أن تحمل منطقة ما لا تتحمله بقية المدينة”.

ماذا تضمن القرار؟

وكانت محافظة دمشق قد أصدرت قرارًا، في 15 آذار/مارس الجاري، نصّ على حصر بيع المشروبات الروحية في أماكن محددة بمدينة دمشق، مدعية أن القرار جاء “بعد ورود شكاوى وبناءً على طلب المجتمع المحلي بهدف التخلص من الظواهر المخلّة بالآداب العامة”، وفق تعبيرها.

كما نص القرار على منع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية، والسماح ببيعها مختومة حصرًا في مناطق (باب توما، القصاع، باب شرقي)، وفي المحلات المخصصة لذلك وفق رخصة البناء التجاري.

وحدد القرار مسافة 75 مترًا على الأقل بين محلات بيع المشروبات الروحية ودور العبادة (الجوامع والكنائس) والمقابر والمدارس بشتى أنواعها، مع مراعاة وجود دائرة قطرها 20 مترًا حول المخافر والدوائر الرسمية.

واشترط القرار تقديم تعهد موثق لدى الكاتب بالعدل بعدم تقديم المشروبات الروحية داخل المحل بالقدح، تحت طائلة إلغاء الترخيص وإغلاقه، مانحًا مهلة ثلاثة أشهر للمحلات التي تمارس بيع المشروبات الروحية بالمختوم داخل مدينة دمشق لتسوية أوضاعها وفق أحكام هذا القرار.

قرار يخالف مبادئ “الإعلان الدستوري”

سبق أن أكد “الإعلان الدستوري”، الذي صدر في 13 آذار/مارس 2025، على “بناء دولة المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون”، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة السابعة على أن “تلتزم الدولة بتحقيق التعايش والاستقرار المجتمعي وتحفظ السلم الأهلي، وتمنع أشكال الفتنة والانقسام وإثارة النعرات والتحريض على العنف”. كما نصت الفقرة الثالثة من المادة ذاتها على أن “تكفل الدولة التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته، والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين”.

وأكدت الفقرتان الأولى والثانية من المادة الـ12 على التوالي “أن تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته”، في حين “تُعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءًا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري”.

وأشارت الفقرات الواردة في المادة الـ13 إلى أن “تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة”، بالإضافة إلى أن “تصون الدولة حرمة الحياة الخاصة، وكل اعتداء عليها يعدّ جرمًا يعاقب عليه القانون”، مؤكدةً أن “للمواطن حرية التنقل، ولا يجوز إبعاد المواطن عن وطنه أو منعه من العودة إليه”.

وتعليقًا على قرار حظر محافظة دمشق بيع المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية، حذّر الباحث في القانون الدولي المعتصم الكيلاني، في منشور على منصة “فيسبوك”، من أن القرار “قد يكرّس الانقسام الطائفي والتمييز بين المناطق، ويُسهم في تعميق الانقسام المجتمعي بدل الحدّ منه”.

في حين اعتبر المحامي ميشال شماس أن “ما يجري اليوم في سوريا هو تشويه لنهج الإسلام السني المعتدل عبر قرارات مرتجلة تخدم فئة قليلة متشددة، وممارسات كعسكرة الأطفال ومراقبة وتصوير الناس المفطرة والتشهير بهم”.

وأضاف شماس أن “منع المسلمين من بيع الكحول وحصر بيعه بالمناطق المسيحية.. تتناقض مع تاريخ “السنة” الذين حافظوا على توازن سوريا لعقود”، لافتًا إلى أن “نهج الإسلام السني في سوريا كان دائمًا وسطيًا ومتسامحًا حاملًا لفكرة الدولة ورافضًا لفرض التدين بالقوة”.

——————————–

بيان صادر عن مطرانيّة بصرى وحوران وجبل العرب للروم الملكيين الكاثوليك

 إلى أبناء وطننا الأحبّاء، وإلى أصحاب القرار في دمشق الفيحاء، مدينة التنوّع والعيش المشترك،

    نتابع ببالغ الاهتمام والحرص كلّ ما من شأنه الحفاظ على النظام العامّ والسلم الأهلي في مجتمعنا السوري الأصيل، الذي لطالما تميّز بنسيجه المتآلف وانفتاحه الحضاري. ومن هذا المنطلق، توقفنا بأسف بالغ أمام القرار الأخير الصادر عن محافظة دمشق، والذي يقضي بحصر بيع المشروبات الكحوليّة في أحياء ومناطق محددة (كالقصاع وباب توما).

    إننا نتفهّم تماماً حرص الجهات المعنيّة على الاستجابة لشكاوى وادعاءات بعض المواطنين بشأن تصرّفات فردية غير مسؤولة تصدر عن بعض الشباب – إذا كانت بالفعل تصدر – وما قد يرافقها من إزعاج للمارة. إلّا أنّنا نرى، وبحكمة العقل والوطنيّة، أنّ معالجة أيّ خلل أو تجاوز للقانون لا تكون بفرض قيود جماعيّة، ولا بتقليص مساحات الحريّات الشخصيّة التي كفلها الدستور، بل تكون بتفعيل دور الضابطة العدليّة، وتطبيق قوانين حفظ النظام العامّ على المخالفين أنفسهم.

    إنّ هذا القرار، وإن كان ظاهره تنظيميّاً، إلّا أنّه يحمل في طيّاته فرزاً جغرافيّاً غير مقبول، يوحي بفرز ديموغرافي واجتماعي يتنافى مع تاريخ دمشق الموحد. إنّ حصر ممارسات معينة في أحياء ذات طابع ديني معين هو تقزيم لصورة العاصمة، وتحويل لأحيائها إلى جزر معزولة، وهذا أشد خطراً على مجتمعنا من أيّ تجاوز فردي.

    كما لا يخفى علينا أنّ البعض قد يتّخذ من هذا القرار أو من شكاوى الإزعاج ذريعة لفرض نمط حياة معيّن باسم الدين، والدين السمح من ذلك براء. فالدين جوهره الهدايّة، والقدوة الحسنة، واحترام حريّة الإنسان وكرامته، وليس الوصاية وإكراه الناس أو التضييق على أرزاقهم وحريّاتهم. الفضيلة تُبنى في النفوس بالتربية والوعي، ولا تُفرض بعزل الأحياء وتقييد الحريات.

    في هذا السياق، نستحضر الكتاب المقدّس: “إِنَّكم، أَيُّها الإِخوَة، قد دُعيتُم إِلى الحُرِّيَّة، بِشَرطٍ واحِدٍ وهو أَن لا تَجعَلوا هذِه الحُرِّيَّةَ فُرصَةً لِلجَسَد، بل بِفَضلِ المَحَبَّةِ اخدِموا بَعضُكم بَعضًا” (غلاطية 5: 13).

    الله خلق الإنسان حراً، والحريّة هي هبة إلهيّة ودعوة مقدّسة لا يجوز سلبها. ولكنّ هذه الحريّة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمسؤوليّة، فلا يجوز استخدامها كغطاء لتلبية الشهوات بتهوّر أو الإساءة للآخرين، بل يجب أن تُتوّج بالمحبة وخدمة المجتمع.

    بناءً على ما سبق، نناشد السيّد محافظ دمشق والجهات المعنيّة التحلّي بالحكمة المعهودة، وإعادة النظر في هذا القرار، والعمل بدلاً من ذلك على تعزيز الرقابة الأمنيّة والقانونيّة التي تمنع الشغب، وتحفظ كرامة الجميع وحريّاتهم في كلّ شبر من مدينتنا الغالية دون تمييز أو عزل.

——————————–

لوموند الفرنسية تكتب مقالة عن منع الكحول في مطاعم دمشق .

بيروت – المراسلة-20 آذار 2026

​في إشارة إلى التحول المحافظ الذي فرضه الإسلاميون القابضون على السلطة في سوريا على المجتمع، منعت السلطات تناول الكحول في مطاعم العاصمة ومقاهيها والحانات.  ويقضي مرسوم أصدرته محافظة دمشق، يوم الاثنين 16 آذار، بتحويل تراخيص الملاهي الليلية ومحال بيع المشروبات إلى تراخيص “مقاهٍ”. وكذلك حصر بيع الكحول في الزجاجات المختومة التي تباع في متاجر التجزئة، وحصراً في الأحياء ذات الأغلبية المسيحية وهي “باب توما” و”باب شرقي” و”القصاع”، على أن تكون مخصصة للاستهلاك المنزلي فحسب.

​وينص المرسوم على أن أي منشأة توزع الكحول يجب أن تبعد 75 متراً على الأقل عن دور العبادة أو المدارس، و20 متراً على الأقل عن مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية. ويمنح القرار أصحاب الحانات مهلة ثلاثة أشهر للامتثال للقواعد الجديدة.

​صدر القرار عن محافظ دمشق، ماهر مروان، وهو كادر سابق في “هيئة تحرير الشام”، الجماعة المسلحة التي كان يقودها رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع. وتقول السلطات إنها تحركت استجابة لشكاوى السكان ومنعاً لممارسات تخالف “الآداب العامة”.

​وبالفعل أزال عدد كبير من مطاعم دمشق

الكحول من قوائمها، أو باتت تقدمه بتكتم شديد، خوفاً من أن تصبح هدفاً لحملات الأخلاق التي يقودها دعاة إسلاميون. وتجبر هذه الإجراءات الجديدة حانات العاصمة على الإغلاق نهائياً. ويقول صاحب حانة في دمشق، طلب عدم كشف هويته: «الأمر لا يتعلق بالترفيه فحسب، بل هي مشكلة اقتصادية بامتياز. تعتمد عائلات وأفراد كثر على السياحة والفندقة لكسب عيشهم. أشخاص من الخلفيات والطوائف كافة يعتمدون على هذا العمل، فهو مصدر دخل ووسيلة للبقاء وليس مجرد تسلية».

​«فصل»

​يتعارض قرار محافظة دمشق مع الوعود التي قطعها رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، للسوريين بحماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية. وكان “الجهادي السابق التائب”، الذي يقدمه القريبون منه كحامل لخط إسلامي معتدل، كثف رسائل الطمأنة الموجهة للمجتمع الدولي لتلميع صورته. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، أكد أن سوريا تعمل الآن على «بناء مؤسسات دولة القانون التي تضمن الحقوق والحريات».

​أما في رأي المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني، فإن هذا المرسوم ينتهك مبادئ الحرية الفردية والمساواة بين المواطنين التي ضمنها الإعلان الدستوري الذي أقره السيد الشرع في آذار 2025. ومن جهته، يطعن محمد العبد الله، مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة ومقره واشنطن، في الأساس القانوني لمنع بيع الكحول، مؤكداً أن التشريعات السورية النافذة لا تمنع استهلاك أو بيع المشروبات الكحولية. وأضاف أن هذا القرار يخالف المادة 12 من الإعلان الدستوري، التي تدمج كل المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان التي وقعتها سوريا، والتي يحمي العديد منها الحق في استهلاك الكحول.

​عمليات دهم للشرطة

​كتب جهاد يازجي، رئيس تحرير النشرة الاقتصادية “سيريا ريبورت”، على منصة “إكس”: «من الناحية العملية، هذا يعني أن القادة الجدد في سوريا، أسوة بمعظم الدول ذات الغالبية المسلمة، يعتقدون أن من واجبهم إملاء السلوك على مواطنيهم المسلمين، ما يمكنهم شربه أو عدم شربه، وما يمكنهم أكله، وفي النهاية كيف يجب أن يرتدوا ملابسهم». وأضاف: «الأخطر من ذلك أن هذا القرار يكرس فعلياً “فصلاً” بين المسلمين والمسيحيين، إذ يوحي أن على المسيحيين البقاء في أحيائهم والمسلمين في أحيائهم. حتى في نهاية العهد العثماني، كان هذا النوع من الفصل قد بدأ يتلاشى».

​وتعمل السلطات الجديدة، المنبثقة من الفصائل الإسلامية التي أطاحت الدكتاتور بشار الأسد في كانون الأول 2024، على فرض رؤيتها المحافظة للمجتمع تدريجياً في سوريا. ولا يحظى الخط “المعتدل” الذي يروج له الرئيس الشرع بالإجماع حتى داخل قاعدته الشعبية، التي تطالب بتطبيق نسخة متشددة من الشريعة الإسلامية.

​وفي هذا السياق، تم تطبيق قواعد صيام شهر رمضان في شكل أكثر صرامة هذا العام. ففي مدينة حماة وسط البلاد، جرى توقيف امرأة بتهمة «المساس بالآداب العامة» بسبب الإفطار علناً قبل الموعد، بينما طُرد موظفون في مخبز بدمشق للسبب نفسه.

​كما نُفذت مداهمات للشرطة في كانون الثاني الماضي استهدفت مطاعم كانت تقدم الكحول خلال شهر رمضان في اللاذقية. وكانت المدينة الساحلية قد تصدرت الجدل في نهاية كانون الثاني، بعد قرار محافظ الإقليم منع الموظفات من وضع مساحيق التجميل أثناء العمل.

[21/03/2026 6.16] All4Syria News كلنا شركاء: ​وكان وزير السياحة، مازن السلحاني، قد أدخل توجيهات تتعلق بالملابس التي يمكن للنساء ارتداؤها على الشواطئ باسم “الحشمة”. وفي حزيران 2025، وقع مرسوماً يوصي النساء بارتداء «البوركيني أو ملابس السباحة التي تغطي مساحة أكبر من الجسد»، مع استثناء الفنادق الفاخرة والشواطئ والنوادي الخاصة.

​هيلين سالون

———————–

دمشق.. وقفة احتجاجية في باب توما رفضاً لقرار المحافظة حول المشروبات الكحولية

آذار 22, 2026

نفذت وقفة احتجاجية في ساحة باب توما بدمشق، الأحد 22 آذار، رفضاً لقرار المحافظة المتعلق بالمشروبات الكحولية.

وطالب المحتجون بإعادة النظر في القرار وإلغائه، معتبرين إياه مساساً بالحرية الشخصية وتمييزاً بين المناطق، بحسب ما أفاد مراسل الإخبارية.

وكان المكتب التنفيذي لمجلس محافظة دمشق قد أصدر، في 16 آذار الجاري، قراراً يقضي بمنع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية في مدينة دمشق.

ونص القرار على حصر السماح ببيع المشروبات الروحية المختومة حصراً في (باب توما، القصاع، باب شرقي) وذلك في المحلات المخصصة بأساس رخصة البناء التجاري، محدداً المسافة بين محلات بيع المشروبات الروحية ودور العبادة (الجوامع/ الكنائس) والمقابر والمدارس بشتى أنواعها بـ75 مترًا على الأقل، كما يراعى وجود دائرة قطرها 20 متراً حول المخافر والدوائر الرسمية.

لكن محافظة دمشق أصدرت، أمس، توضيحاً حول القرار بعد الجدل الذي أثاره، مؤكدة أنها لا تتدخل بالحريات الشخصية للمواطنين، وأن قرارها رقم (311 م.ت) هو تنظيمي بحت تحت سقف القانون.

وأشارت المحافظة إلى أن القرار جاء تلبية لشكاوى المجتمع المحلي من إزعاج رواد النوادي والحانات ونتيجة للفوضى في المحلات غير المرخصة وبيع المشروبات للقصر، مبينةً أن الفعاليات المرخصة لدى وزارة السياحة كالفنادق لم يتعرّض لها القرار، كما قدمت المحافظة اعتذاراً لأهالي مناطق باب توما والقصاع وباب شرقي عما أُسيء فهمه من القرار.

المصدر: الإخبارية

————————————

إثر انتقادات واسعة.. دمشق تصدر توضيحًا بشأن قرار تنظيم بيع الكحول

22 مارس 2026

أصدرت محافظة دمشق، ليل السبت، بيانًا توضيحيًا بشأن القرار رقم 311 الخاص بتنظيم مهنة بيع المشروبات الكحولية، وذلك عقب جدل واسع أثاره خلال الأيام الماضية، وسط انتقادات اعتبرته تقييدًا للحريات العامة وإساءة للمكون المسيحي في سوريا.

وأوضحت المحافظة، في بيانها، أن القرار ذو طابع تنظيمي، ويُعد امتدادًا لمنظومة تشريعية سابقة وليس إجراءً مستحدثًا، مشيرةً إلى أنه يستند إلى “المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952، ثم القرار رقم 34/1998، والقرار رقم 46 الصادر عام 2010، والقرار رقم 38 لعام 2013، والقرار رقم 41 لعام 2018، وهي كلها قرارات قديمة تنظم عمل محلات بيع المشروبات الكحولية”.

وأضافت أن “المسافة المقررة بين محلات بيع المشروبات الكحولية وبين دور العبادة والمدارس معمول بها قديمًا في سوريا وفقًا للمرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952″، موضحةً أن “المرسوم التشريعي رقم 180 هو الذي حدد أماكن تواجد بيع المشروبات الكحولية، وينص حرفيًا بأن تباع في (الأحياء التي غالبية سكانها من غير المسلمين) احترامًا لخصوصية هذا المكون”.

كما أشارت إلى أن المرسوم ذاته يشترط “موافقة سكان الجوار قبل إعطاء ترخيص مزاولة العمل التجاري”، مؤكدةً أن القرار جاء استجابةً “للكثير من شكاوى المجتمع المحلي نتيجة قيام رواد النوادي والحانات والملاهي الليلية بأذى وإزعاج الجوار، فضلًا عما يسيء للعامة والذوق العام”.

وأضاف البيان أن “جاء القرار نتيجة الفوضى الحاصلة في محلات بيع المشروبات الكحولية، وانتشار المحلات غير المرخصة، وبيع المشروبات للقُصَّر وصغار السن، مما استدعى العمل على الحد من التجاوزات على القوانين والأنظمة”.

وفي سياق متصل، وجهت المحافظة اعتذارًا إلى أهالي “باب توما والقصاع وباب شرقي عما أُسيء فهمه من القرار الذي تم تداوله في غير محله، إذ تعتبر هذه المناطق جزءًا من قلب العاصمة النابض، وتشكل أيقونة من هويتها وثقافتها، وستعيد المحافظة النظر في المناطق الثلاث المذكورة في القرار بما ينسجم مع طبيعتها الديموغرافية لكل مكون من المكونات”.

وختمت بالتأكيد على أنها ستعمل خلال المهلة المحددة في القرار، والبالغة ثلاثة أشهر، على تنظيم المهنة “وفق القرارات والأنظمة السابقة، وإيضاح آلية التنفيذ، والأخذ بعين الاعتبار المطاعم السياحية ذات الخصوصية”.

وكان القرار قد أثار جدلًا واسعًا وانتقاداتٍ اعتبرته تقييدًا للحريات العامة وإساءةً للمكون المسيحي في سوريا، إذ رأت شخصيات دينية مسيحية أنه يمثّل إساءةً للمسيحيين، فيما اعتبر ناشطون وحقوقيون أنه يُحدث شرخًا في مبدأ المساواة بين المواطنين، ويقيّد الحريات الشخصية، في مخالفةٍ لمواد الإعلان الدستوري.

وانتقد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، المطران عطالله حنا، القرار معتبرًا أنه “مسيء للمسيحيين”، فيما رأت لجنة حي باب توما أنه يشكّل مخالفة صريحة لمواد “الإعلان الدستوري” التي تضمن المساواة بين المواطنين وتحمي الحريات الشخصية.

وقالت اللجنة، في بيان جرى تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، إن “القرار الذي اتخذ دون دراسة كافية أو تشاور المجتمع المحلي، ومنها حي باب توما، يشكل مخالفة صريحة لمبادئ الإعلان الدستوري، ولا سيما المواد /7/ و/12/ و/13/، التي تضمن المساواة بين المواطنين، وتحظر التمييز، وتؤكد على وحدة المجتمع السوري وحقوق المواطنة المتساوية”.

————————————-

رفضا لقرار محافظة دمشق.. ناشطون ينظمون وقفة احتجاجية في باب توما/ جولي بيطار

2026.03.22

نظم عشرات من الناشطين السوريين وفقة احتجاجية اليوم الأحد، في منطقة باب توما، رفضا لقرار محافظة دمشق الخاص بتنظيم بيع المشروبات الروحية في ثلاثة أحياء (باب توما، القصاع، باب شرقي) في ما اعتبروه قرار تمييزيا بحق أهالي هذه المناطق.

ومساء أمس السبت أصدرت محافظة دمشق توضيحا قالت فيه إن القرار يأتي في إطار مسؤوليتها في ضبط الأمن والاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي والآداب العامة، مؤكدة أنه “لا يتدخل بالحريات الشخصية للمواطنين” وأنه في جوهره “تنظيمي بحت تحت سقف القانون”.

وأقام الناشطون الوقفة في ظل وجود لعناصر الأمن الداخلي وعدد من عناصر الدفاع المدني السوري، وتخلل الوقفة كلمات تحدثت عن الوحدة الوطنية، والعيش المشترك وضرورة حماية الحريات الفردية.

ماذا يقول المشاركون في الوقفة؟

نورا مراد (ممثلة وإحدى المشاركات في الوقفة) قالت لموقع تلفزيون سوريا: إن “مسألة الحريات محفوظة في الدستور السوري والفوضى بالقرارات الإدارية غير مقبول لأن نسيج المجتمع السوري نسيج متوافق ومتعايش منذ آلاف السنين، لا أحد يستطيع تغييره لذلك يجب أن نقول لا.. الموضوع لا يرتبط بتفصيل القرار.. هناك مطالب أهم لا أحد يستجيب إليها، مساحة الحرية التي يتحدثون عنها لا معنى لها إذا لم يتم التجاوب لمطالب الناس، الحرية والكرامة التي خرجت من أجلها الثورة السورية يجب أن تصان حتى النهاية”.

وقالت د.أنجيلا جورج خوري إنها شاركت في الوقفة “لأن سوريا واحدة وهي ترفض تنميط المناطق”.

ويرى عدد من المشاركين أن القرار يرتبط بالحرية الشخصية لذلك جاء تنظيم الوقفة، وتقول لبنى الفيومي (طالبة ماجيستير): جئت لامارس حقي في التعبير عن الرأي بكل حرية، وأؤكد أن الموضوع لا يرتبط فقط بمسألة تنظيم الكحول، بل لنقول نحن نرفض التدخل بالحرية الفردية التي هي حق لكل إنسان، رسالتي واضحة أحبوا بعضكم لنعيش بخير وسلام ونطعم الجوعى..”.

محافظة دمشق توضح: القرار ليس استحداثاً جديداً

أوضحت المحافظة أن القرار ليس استحداثاً جديداً، بل هو تنظيم لقرارات وقوانين سابقة تعود لعقود مضت، أبرزها المرسوم التشريعي 180 لعام 1952، والقرارات رقم 34/1998، و46/2010، و38/2013، و41/2018، التي تنظم عمل محال بيع المشروبات الكحولية.

وأشارت إلى أن تحديد المسافة بين محال بيع المشروبات الكحولية ودور العبادة والمدارس معمول بها قديماً وفق المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952، الذي ينص على أن يكون البيع في “الأحياء التي غالبية سكانها من غير المسلمين” احتراماً لخصوصية هذا المكون، كما يفرض موافقة سكان الجوار قبل منح الترخيص.

القرار جاء استجابة لشكاوى المواطنين

لفتت المحافظة إلى أن القرار جاء تلبية لكثير من شكاوى المجتمع المحلي نتيجة “قيام رواد النوادي والحانات والملاهي الليلية بأذى وإزعاج الجوار فضلاً عما يُسيء للعامة والذوق العام”، بالإضافة إلى الفوضى في محال بيع المشروبات الكحولية وانتشار المحال غير المرخصة وبيع المشروبات للقصّر.

جدل قانوني مستمر

من جهته قال المحامي السوري ميشال شماس في منشور على “فيس بوك” تعليقا على توضيح المحافظة، “إن قرار محافظ دمشق رقم 311 وتوضيحه اللاحق يطرحان مخالفة قانونية جوهرية تتعلق بتجاوز حدود السلطة الإدارية ومخالفة نص تشريعي”.

وأضاف أن “المرسوم التشريعي رقم 180 لعام 1952وتعديلاته هو التشريع الناظم للحانات، وقد عرّفها في مادته الأولى بأنها الأماكن التي تُباع فيها الخمرة بالقدح للاستهلاك داخل المحل. ومواعيد فتحها وإغلاقها، ومن هم الممنوعين من ارتياد هذه الحانات. ولم يتطرق أبداً لأماكن بيع المشرويات الروحية المختومة”.

وأوضح أن “المرسوم التشريعي حدد بوضوح المنطقة الممنوعة فقط، بعدم عدم جواز فتح الحانات في الأحياء التي يكون أكثر أهلها من المسلمين”. ولم يحدد مناطق بعينها، ولم يمنح المحافظ سلطة تحديد المناطق المسموحة.

مشيرا إلى أن “أي قرار إداري يذهب إلى أبعد من هذا الحد، يكون قد تجاوز النص التشريعي وتعدّى على صلاحيات السلطة التشريعية”.

وتابع “بناءً عليه، فإن قرار المحافظ وتوضيحه يشكّلان مخالفة صريحة للقانون، وتجاوزاً فاضحاً لمضمون المرسوم 180 لعام 1952، والمرسوم 1 لعام 1967 وتفسيرهما بطريقة تُنشئ أحكاماً جديدة غير واردة في نص المرسومين. وكل ما خرج عن هذا الإطار هو قرار إداري فاقد للسند القانوني وواجب الإلغاء. لمخالفته للإعلان الدستوري الذي نص على سريان مفاعيل القوانين والتشريعات مالم يتم تعديلها أو الغائها من قبل المجلس التشريعي”.

————————

منع الكحول في دمشق يطل ثانية.. توضيح واعتذار من المحافظة

الرياض- العربية.نت

22 مارس ,2026

بعدما أثار جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية، عاد مجدداً قرار تقييد بيع المشروبات الكحولية في دمشق إلى الواجهة ثانية.

فقد أصدرت محافظة دمشق توضيحاً بخصوص قرار تنظيم مهنة بيع مشروبات الكحول، واقتصارها على بعض المناطق. وأكدت أن القرار لم يشمل المحال والفنادق التي تملك رخصة بيع الكحول من وزارة السياحة.

كما أشارت في بيان أمس السبت إلى أنها مستعدة لاستقبال المقترحات المتعلقة بالمطاعم “التي لها خصوصية سياحية” ودراستها.

اعتذار من باب توما وباب شرقي

إلى ذلك، قدمت الاعتذار إلى أهالي أحياء باب توما والقصاع وباب شرقي عما أسيء فهمه من القرار والذي تم تداوله في غير محله.

وأكدت أن هذه المناطق تعتبر جزءاً من قلب العاصمة السورية النابض. وأضافت أن المحافظة ستعيد النظر في المناطق الثلاث المذكورة في القرار بما لا يسيء لأي مكون من المكونات.

وكانت محافظة دمشق أعلنت في بيان يوم الاثنين الماضي، أنه تقرر “منع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية في مدينة دمشق، لورود مجموعة من الشكاوى، وطلبات من المجتمع المحلي، وبهدف التخلص من الظواهر المخلة بالآداب العامة”، لكنها أوضحت أن “السماح ببيع المشروبات الروحية يشمل حصراً مناطق باب توما، القصاع، باب شرقي (وهي مناطق ذات أغلبية مسيحية)، وذلك في المحلات المخصصة بأساس رخصة البناء التجاري”.

كما فرضت أن تكون متاجر بيع الكحول على بعد 75 متراً على الأقل من المساجد والكنائس والمدارس والمقابر، وعلى بعد 20 متراً على الأقل من مراكز الشرطة والمكاتب الحكومية.

هذا وأمهلت سلطات دمشق متاجر بيع الكحول ثلاثة أشهر للامتثال للقواعد الجديدة.

إلا أن هذا القرار أثار موجة واسعة من الجدل بين السوريين، لا سيما أبناء وسكان العاصمة التي تنتشر فيها المقاهي والمطاعم والملاهي.

يشار إلى أن السلطات السورية الجديدة لم تفرض قيوداً “رسمية” على السلوك العام منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.

لكن بعض الحوادث أثارت مخاوف بشأن تنامي النزعة المحافظة، إذ أثار حظر استخدام مواد التجميل في يناير الماضي على موظفات القطاع العام جدلاً واسعاً.

كما فرضت السلطات العام الماضي ارتداء ملابس سباحة تغطي كامل الجسم في الشواطئ العامة.

——————–

 باب توما تعتصم رفضاً لتقييد الحريات ومنع بيع الكحول

الأحد 2026/03/22

شهدت ساحة باب توما في العاصمة السورية دمشق، اليوم الأحد، اعتصاماً شعبياً سلمياً شارك فيه العشرات. وعبّر خلاله المشاركون عن رفضهم لما اعتبروه مساساً بالحريات الفردية والشخصية، وذلك على خلفية القرار الصادر عن محافظة دمشق والمتعلق بمنع بيع المشروبات الكحولية.

جاء الاعتصام، الذي نُفذ تحت حماية الأمن العام، في سياق حالة من الجدل المجتمعي المتصاعد، حيث شدد المشاركون على أن تحركهم يركّز على الدفاع عن الحريات العامة، ورفض أي توجهات يُنظر إليها على أنها تمسّ نمط الحياة الخاصة للمواطنين، أو تفرض قيوداً غير مبررة على خياراتهم الشخصية.

رفض الفرز الطائفي

عبّر المعتصمون عن رفضهم القاطع لأي محاولات لفرز الأحياء على أساس طائفي، مؤكدين أن مثل هذه المقاربات تُعد تهديداً مباشراً لوحدة المجتمع السوري وتنوعه، وتتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية الذي يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. وطالب المشاركون بالالتزام الصارم بالإعلان الدستوري، ورفض أي قرارات أو ممارسات يُعتقد أنها تخالفه أو تخرج عن روحه العامة.

ورفع المعتصمون شعارات تؤكد أن “سوريا تحتضن جميع مكوناتها”، ورفض التمييز بين المواطنين”، و”الحريات الفردية جزء من كرامة الإنسان”، إلى جانب الدعوة إلى محاربة الفقر والفساد، والحفاظ على السلم الأهلي، مع التشديد على أن الاعتصام يأتي في إطار مدني سلمي بعيد عن أي طابع تصعيدي.

وعبر مشاركون لـ”المدن ” عن دوافع مشاركتهم في الاعتصام. وقال محمد (35 عاماً، موظف)، فضّل عدم ذكر العائلة: “جئنا اليوم لنؤكد أن مطلبنا أساسي وبسيط احترام الحريات الفردية. لسنا ضد التنظيم أو القانون، لكننا نرفض أي فهم قد يستخدم لتقييد حياة الناس الخاصة أو فرض وصاية عليهم. ما نريده هو دولة قانون تحمي الجميع دون تمييز”.

ورفض إصدار قرار يخصّ يطبق بشكل مغاير بين منطقة وأخرى بحسب الطائفة لأنه يؤدي إلى تفسّخ المجتمع ويلغي معنى المواطنة، وقد يؤدي الى شرخ جديد في مجتمع عاني ولازال يعاني من ويلات الحرب.

من جهتها، قالت سارة (28 عاماً، معلمة): “وجودنا هنا سلمي وصامت، وهذا بحد ذاته رسالة. نحن نرفض بشكل واضح أي حديث عن فرز الأحياء على أساس طائفي، لأن ذلك يهدد التعايش الذي اعتاد عليه السوريون. التنوع قوة، وليس سبباً للانقسام”.

أما زكريا (42 عاماً، تاجر)، فركّز في حديثه على الإطار القانوني الأوسع، قائلاً: “دمشق للجميع بمختلف الطوائف  والمعتقدات ونطالب بالالتزام بالإعلان الدستوري، لأنه المرجعية التي يفترض أن تحكم أي قرار. الاعتراض اليوم لا يتعلق بالقرار نفسه فحسب، بل بطريقة تطبيقه وما إذا كان يراعي العدالة والمساواة بين المواطنين دون استثناءات غير مبررة”.

بدورها رأت ريم (30 عاماً، ناشطة اجتماعية) أن الاعتصام يعكس هواجس أوسع لدى شريحة من المجتمع. وقالت: “الاعتصام يعبّر عن قلق حقيقي لدى الناس من أي سياسات قد تُفهم على أنها تمييزية. نحن نؤمن بأن الحفاظ على السلم الأهلي يبدأ من تعزيز المواطنة المتساوية، وليس من خلال تقسيم المجتمع أو تصنيفه”.

توضيح الجهات الرسمية

وكانت محافظة دمشق أصدرت بياناً توضيحياً اليوم حول القرار ذاته، أكدت فيه أن القرار (311) لا يندرج ضمن أي إجراءات مستحدثة، بل يأتي امتداداً لسلسلة من القوانين والقرارات التنظيمية السابقة التي تعود إلى عقود، مشيرة إلى أن هدفه يتمثل في ضبط المهن والأنشطة التجارية، وتنظيم التراخيص، والحد من الفوضى، بما ينسجم مع مسؤولياتها في حفظ الأمن والاستقرار والسلم الأهلي.

غير أن استمرار الجدل حول القرار يعكس، بحسب مراقبين ومشاركين في الاعتصام،  إلى أنه ” زاد الطين بلة ” وتساؤلات أوسع  تتعلق ليس فقط بطبيعة التنظيم القانوني، بل أيضاً بطريقة تطبيقه وتفسيره على الأرض، ولا سيما ما يثيره البعض من ملاحظات حول التركيز على مناطق أو أحياء بعينها دون غيرها، وهو ما يعتبره منتقدون مدخلاً لإثارة حساسيات اجتماعية غير مرغوبة، في حين تؤكد الجهات الرسمية أن الإجراءات ذات طابع تنظيمي عام ولا تستهدف فئة أو منطقة بعينها.

وفي ظل هذا التباين في وجهات النظر، يبقى المشهد مفتوحاً على نقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين التنظيم الإداري من جهة، وصون الحريات الفردية والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي من جهة أخرى، بما يضمن الاستقرار ويعزز الثقة بين المجتمع والجهات المعنية.

——————————

لجنة حي باب توما: قرار تنظيم بيع الكحول صدر دون تشاور ويحمل أبعادا تمييزية/ جولي بيطار

2026.03.20

بعد بيان استنكاري أصدرته لجنة حي باب توما في دمشق، انتقدت فيه قرار محافظة دمشق القاضي بحصر بيع المشروبات الروحية المختومة في مناطق محددة، قال المحامي جورج نبيل اصطفان، المتحدث الإعلامي والقانوني باسم اللجنة، في تصريح خاص لـتلفزيون سوريا، إن القرار “صدر دون أي اجتماع أو تنسيق أو أخذ رأي” من اللجنة.

وأوضح اصطفان لموقع تلفزيون سوريا أن اللجنة تواصلت سابقاً مع الجهات المعنية بشأن المخالفات المرتبطة ببيع المشروبات ولم تلقَ استجابةً.

اصطفان: لسنا ضد التنظيم نحن ضد الصيغة المطروحة

وأوضح اصطفان أن اللجنة لا تعارض ضبط المخالفات، ولا سيما بيع المشروبات بالقدح في الشارع العام، مشيراً إلى أنها سبق أن وجّهت كتباً رسمية بهذا الخصوص، وقال: “نحن ضد البيع بالقدح في الشارع العام، وتم توجيه عدة كتب بخصوص هذا الموضوع، لكن القرار جاء بعيداً كل البعد عما كنا نطرحه”.

وأضاف أن الإشكالية، من وجهة نظر اللجنة، لا تتعلق بمبدأ التنظيم بحد ذاته، بل بالآلية التي جرى اعتمادها، والتي اعتبر أنها لا تعكس المطالب التي طُرحت سابقاً.

وقال اصطفان لموقع تلفزيون سوريا مؤكداً على ما ورد في البيان أن القرار “اتُّخذ دون دراسة كافية أو تشاور مع المجتمع المحلي.”، مع أن قرار المحافظة جاء بناءً على طلب “المجتمع المحلي” حسب البيان.

ويُعد هذا البند من أبرز نقاط الاعتراض التي تطرحها اللجنة، إذ تؤكد أن أي قرار يمس طبيعة الأحياء وسكانها يفترض أن يمر عبر قنوات تشاركية، لا أن يصدر بشكل أحادي.

تحذير من التمييز المناطقي والطائفي

واعتبر اصطفان أن القرار قد يؤدي إلى “تمييز مناطقي وطائفي”، من خلال ربط نشاط معيّن بأحياء محددة دون غيرها، وهو ما رأت فيه خروجاً عن مبدأ المساواة بين المواطنين.

كما حذّر من أن حصر بيع المشروبات الروحية في مناطق بعينها، ومن بينها باب توما، قد يحمّل هذه الأحياء دلالات اجتماعية ورمزية لا تعبّر عن واقعها، ويكرّس صورة نمطية عنها داخل المدينة خاصةً مع ربط الأمر بـ “الآداب العامة”.

مخاوف على السلم الأهلي

وأشار إلى أن القرار قد تكون له انعكاسات على النسيج الاجتماعي في دمشق، محذّراً من أنه قد “يعزز الفصل المجتمعي ويقوّض العيش المشترك” الذي ميّز المدينة عبر تاريخها.

وتربط اللجنة بين هذا البعد وبين طريقة توزيع النشاطات داخل المدينة، معتبرة أن تحميل أحياء محددة طابعاً معيناً قد يؤدي إلى حساسيات اجتماعية غير مبررة.

مشروع بديل ومطالبة بالإلغاء

وفي حديثه لـتلفزيون سوريا، كشف اصطفان أن اللجنة أعدّت مشروع قرار بديل، قائلاً: “لدينا مشروع قرار يتناسب مع الحريات العامة والخاصة”.

وأوضح أن موقف اللجنة يتجه نحو المطالبة بإلغاء القرار الحالي، لا تعديله، مضيفاً: “برأيي هذا القرار يجب أن يُلغى، لأنه إذا كان سيُعدّل، فهو يحتاج إلى تعديل نحو 90 بالمئة منه”.

كما اعتبر اصطفان أن تحديد مسافة لا تقل عن 75 متراً بين محال بيع المشروبات الروحية ودور العبادة أو المدارس أو المقابر “يشكّل شرطاً شبه تعجيزي”، ويرمي عملياً إلى الحد من منح التراخيص.

كما دعت اللجنة في ختام بيانها محافظة دمشق إلى التراجع عن القرار، وإعادة النظر في أي إجراءات قد تمس، بحسب تعبيرها، “السلم الأهلي أو تخلق تمييزاً بين أبناء المدينة”، مؤكدة تمسكها بمبادئ العيش المشترك ورفضها تصنيف الأحياء أو ربطها بأنشطة محددة.

————————–

تقــرير حقـــوقي حول اعتصام ساحة باب توما في دمشق

مارس 24, 2026

تقرير فريق”العدالة للجميع” حول اعتصام باب توما

الحدث: اعتصام سلمي للدفاع عن الحريات الاساسية

المكان: دمشق ساحة باب توما

التاريخ: الأحد 22 آذار / مارس 2026

التوقيت: 12:00-1:15 مساء

إعداد التقرير: فريق “العدالة للجميع Justice for all”

أولاً: مقدمة

شهدت ساحة باب توما في العاصمة السورية دمشق، تجمعًا مدنيًا سلميًا شارك فيه قرابة 2000 مواطن بحسب بعض التقارير الاعلامية، في خطوة تعكس تصاعد المطالب المرتبطة بحماية الحريات الفردية وتعزيز الحقوق المدنية.

جرى الاعتصام في أجواء سلمية، مع تأكيد واضح من المشاركين على الطابع الوطني الجامع ورفض أي خطاب طائفي أو تقسيمي.

ثانياً: سياق الاعتصام وأهدافه

جاء هذا التحرك المدني في سياق مطالبات متزايدة بـ:

•⁠ ⁠صون الحريات الفردية

•⁠ ⁠احترام التنوع المجتمعي

•⁠ ⁠تعزيز مبدأ المواطنة المتساوية

•⁠ ⁠رفض أي إجراءات تُفسَّر على أنها تقييد للحقوق الشخصية

أكد المشاركون أن تحركهم لا يرتبط بأي أجندة سياسية ضيقة، بل يندرج ضمن إطار الدفاع عن الحقوق الأساسية.

ثالثاً: مجريات الاعتصام

أ- الحضور والمشاركة:

تراوح عدد المشاركين، وفق تقديرات غير رسمية، بين 1500 و2000 شخص، مع مشاركة لافتة لمواطنين من مختلف الخلفيات الدينية والاجتماعية.

ب- الطابع السلمي:

اتسم الاعتصام بـ:

– التزام كامل بالسلمية

•⁠ ⁠غياب اية شعارات تحريضية

– غياب أي مظاهر للعنف

– تنظيم مدني ذاتي

الشعارات والرمزية:

رفع المشاركون العلم الوطني السوري ولم يلحظ تواجد اية علم أو راية تمثيلية أخرى إثنية أو دينية

حمل المشاركون لافتات تؤكد على الوحدة الوطنية والحريات الفردية

لم تُسجل أية هتافات طائفية أو تحريضية أو مهينة

رابعاً: دور قوات الأمن

تواجدت قوات الأمن في محيط موقع الاعتصام دون تدخل مباشر في مراحله الأولى، حيث أشارت روايات الشهود إلى أن هذا التواجد ساهم في تنظيم الوضع العام ومنع الاحتكاك طيلة فترة الاعتصام، إلا أن تقارير لاحقة أفادت بوقوع حالات توقيف فردية.

خامساً: الحوادث والانتهاكات المسجلة

1.⁠ ⁠اعتراض صحفيين وتوقيفهم خلال ممارستهم عملهم:

•⁠ ⁠تعرض مجموعة من الصحفيين الذين كانوا يغطون الاعتصام للتوقيف في مخفر باب توما، وهم:

شادي الترك\ صحفي

غيلان الغبرة\ مراسل موقع جسور نيوز

صحفي ومصور\ مؤسسة الأيام التنموية

صحفيتان\ منصة هاشتاغ

صحفي\ مؤسسة الشرق

•⁠ ⁠تم إجبار الصحفيين المحتجزين على حذف جميع ما صوروه رغم حيازتهم تصاريح اعلامية رسمية سارية المفعول

•⁠ ⁠تم الافراج عن الموقوفين بعد التأكد من حذف ما قاموا بتصويره

2.⁠ ⁠اعتقال الناشط بدر الدين جحا

تم توقيف الناشط بدر الدين جحا خلال مشاركته في الاعتصام، وسط تقارير تفيد بتعرضه لسوء معاملة واهانات لفظية قبل احتجازه واقتياده إلى مخفر باب توما.

أ- داخل مركز الاحتجاز:

•⁠ ⁠تعامل بعض العناصر مع بدر الدين جحا باحترام

•⁠ ⁠في المقابل، قام أحد العناصر بالتعامل معه بطريقة مهينة، تخللتها إساءات لفظية ومحاولة إذلال

ب- التطورات:

•⁠ ⁠تدخل فريق “العدالة للجميع” لمتابعة القضية مع الجهات المختصة في مخفر باب توما، ورافق المحتجز طيلة فترة احتجازه.

•⁠ ⁠قام السيد بدر بتوكيل الفريق رسمياً للدفاع عنه بموجب القانون.

•⁠ ⁠قام الفريق بمراجعة السجلات القضائية ولم يجد أية مذكرات بحث أو توقيف بحق السيد بدر الدين جحا.

•⁠ ⁠لم تُعلن السلطات أي تهم رسمية بحق السيد بدر، وتم الإفراج عنه لاحقًا.

دلالات حقوقية:

•⁠ ⁠توقيف صحفيين يحملون تصاريح عمل رسمية وسارية المفعول يدخل تحت توصيف التوقيف التعسفي.

•⁠ ⁠تفاوت سلوك عناصر إنفاذ القانون قد يشير إلى عدم وجود انضباط

•⁠ ⁠هناك حاجة لضمان معاملة إنسانية موحدة داخل أماكن الاحتجاز

سادساً: مزاعم بتهديدات من عنصر أمني

أفادت شهادات من مشاركين أن عنصراً أمنياً يُعرف بـ “أ.ص”، ويعمل في قسم الدراسات في قسم القصاع، قام بإطلاق تهديدات مباشرة بحق بعض المشاركين بالاعتصام، ومنهم المذكورون في متن التقرير أعلاه.

وبحسب هذه الشهادات:

•⁠ ⁠هدد العنصر باعتقال أي شخص يدافع عن الصحفيين أو يعترض على حذف تسجيلاتهم

•⁠ ⁠صرّح بقدرته على توقيف أي شخص دون قيود

•⁠ ⁠وجّه تهديدات لمحامين دافعوا عن بدر الدين جحا

•⁠ ⁠نُسبت إليه عبارات تفيد باستعداده لاعتقال الجميع

التقييم الحقوقي:

في حال صحت هذه الادعاءات، فإنها قد تشكل:

•⁠ ⁠إساءة لاستخدام للسلطة

•⁠ ⁠انتهاكاً لحق الدفاع القانوني

•⁠ ⁠تهديداً لحرية الصحافة

– مساساً بضمانات المحاكمة العادلة

*ملاحظة: لم يتسنَّ التحقق المستقل من هذه المزاعم حتى لحظة إعداد التقرير.

سابعاً: التقييم الحقوقي العام

مؤشرات إيجابية:

•⁠ ⁠ممارسة حق التجمع السلمي

•⁠ ⁠خطاب وطني غير طائفي

•⁠ ⁠مشاركة مجتمعية متنوعة

•⁠ ⁠حماية عناصر الأمن للاعتصام

مخاوف حقوقية:

•⁠ ⁠توقيفات دون توضيح قانوني كافٍ

•⁠ ⁠عدم انضباط لدى بعد عناصر رجال القانون

•⁠ ⁠مزاعم إساءة معاملة داخل الاحتجاز

•⁠ ⁠تهديدات محتملة لمحامين وصحفيين

•⁠ ⁠غياب الشفافية في الإجراءات

ثامناً: توصيات نهائية

يعكس اعتصام باب توما نموذجًا لتحرك مدني سلمي يطالب بالحريات ضمن إطار وطني جامع.

في المقابل، تسلط الحوادث المرافقة الضوء على تحديات مستمرة تتعلق بضمان حماية الحقوق الأساسية، خاصة حرية التعبير والعمل الصحفي والحق في الدفاع القانوني.

بناء على ما سبق، نوصي السلطات الرسمية السورية بما يلي:

•⁠ ⁠ضمان عدم التوقيف التعسفي

•⁠ ⁠ضرورة حماية الصحفيين أثناء عملهم

•⁠ ⁠ضمان معاملة إنسانية ومتساوية داخل مراكز الاحتجاز

•⁠ ⁠وجوب التحقيق في أي مزاعم تهديد أو إساءة استخدام سلطة

•⁠ ⁠ضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة

——- انتهى التقرير——

صدر في سورية- دمشق

24 آذار\مارس 2026

فريق: العدالة للجميع

————————–

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى