أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريا

نحو تأسيس هيئة سوسيولوجية وطنية في سوريا: دعوة إلى التفكير في مؤسسة مستقلة لإنتاج المعرفة بالمجتمع السوري وتنوعه/ باسم محمود

04-02-2026

        من الصعب اليوم تَخيُّلُ مستقبل سوريا دون التوقف مطولاً أمام التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدتها البلاد خلال أكثر من عقد من الزمن، فالمجتمعُ السوري لم يعد ذلك الكيان الذي عرفناه قبل الثورة السورية عام 2011، التي أعقبتها حربٌ ما تزال تهدد بانفجارات مستقبلية كبرى؛ المدن تبدّلت، والقرى تغيّرت، وأنماط العيش القديمة تراجعت لصالح أشكال جديدة من العلاقات، بعضها مُرتَهَنٌ لتجارب الحرب، وبعضها نتاجُ التحولات الاقتصادية والسياسية. ملايين السوريين نزحوا، وأُجبروا على الرحيل، وهناك من عاد منهم بعد سقوط نظام الأسد إلى أوضاع مختلفة جداً عمّا كان عليه الحال قبل النزوح والتهجير. توزّعَ السوريون داخل البلاد وخارجها بطرق لم تعهدها البلد من قبل، وتعمقت الانقسامات الطبقية والاجتماعية.

        وربما تكمن أخطرُ نتائج العقد الماضي في صعود الانقسامات الطائفية والإثنية والمناطقية إلى مستوى غير مسبوق، فهي لم تَعُد مجرد توترات ظرفية، بل تحولت إلى بنى اجتماعية جديدة تُعيد تشكيل الهويات وتُهدِّدُ الهوية الوطنية السورية، وتُحدِّدُ خيارات الأفراد، وتوجّه نظرتهم إلى غيرهم وإلى الدولة. غياب الثقة المتبادلة، وانهيار شبكات التعايش القديمة، وتمدّد الهويات الضيقة كملاذ للنجاة، كلها عوامل تهدد وحدة البلاد على المدى الطويل. وما لم تُدرَس هذه الظواهر دراسة علمية دقيقة، فإنها في أحسن الأحوال تبقى تحت الرماد وتستمر في إنتاج الصراع.

        هذه التحولات، بعمقها واتساعها، لم تُصاحبها مؤسسات قادرة على قياسها وتتبُّع تحولاتها أو فهم آثارها، فغياب المعرفة العلمية بالمجتمع لم يعد مجرد نقص أكاديمي، بل أصبح عائقاً أمام قدرة السوريين على رسم مستقبلهم. لقد بقيت السياسات لعقود طويلة تُبنى على تقديرات عامة، أو على اعتبارات أمنية وسياسية، دون الاستناد إلى بيانات اجتماعية منهجية. ومع سقوط النظام، أصبحت الحاجة إلى فهم الواقع الاجتماعي حاجة وطنية لا يمكن تأجيلها، لأن الصراعات التي ظهرت ليست سياسية فقط، بل تعبير عن تحولات أعمق في القيم والعلاقات والتصورات والبنى الانفعالية.

        وفي هذا السياق تبرز الحاجة الملحّة إلى تأسيس هيئة سوسيولوجية وطنية مستقلة لإنتاج المعرفة المتعلقة بالمجتمع السوري وتنوعه وتَحوُّلاته؛ هيئة لا تُختزَلُ في صورة مركز بحثي تقليدي، ولا في جهاز تنفيذي يتبع هرم السلطة، بل في مؤسسة معرفية تتجاوز الحدود الأكاديمية الضيقة لتصبح جزءاً من بنية الدولة الجديدة. فاختيار كلمة «هيئة» لا يتعلق بالصياغة اللفظية، بل بطبيعة الدور الذي يُفترَض أن تنهض به: كيان عام مستقل يمتلك شرعية وطنية وصلاحيات واضحة، قادر على بناء منظومة معرفية متكاملة حول المجتمع السوري: جمعاً للبيانات، وتحليلاً للاتجاهات، وتفسيراً للتحوُّلات، وتوفيراً للدعم التقني للوزارات والمؤسسات التي تحتاج إلى فهم اجتماعي دقيق لصياغة سياساتها. إن وجود هيئة بهذا الطابع يعني أن عملية إنتاج المعرفة لن تكون عملاً بحثياً هامشياً أو منفصلاً عن الدولة، بل جزءاً من عملية التخطيط الوطني، وركيزة ضرورية لبناء سياسات تستند إلى الواقع لا إلى الانطباعات.

        وتُعزِّزُ أهميةَ هذا المقترح تجاربُ بعض الدول التي نجحت في إنشاء مؤسسات بحثية وطنية تمتلك استقلالية منهجية وتمويلاً حكومياً، وفي مقدمتها التجربة الإسبانية مع مركز الدراسات السوسيولوجية (CIS)، الذي أصبحَ مرجعاً معتمداً للجامعات والباحثين وصُنّاع القرار. ما يُميز هذا النموذج عن غيره من المؤسسات في بلدان أخرى هو قُدرته على الجمع بين شرعية الدولة وحياد المعرفة، إذ يُنتِجُ المركزُ بيانات ومُسوحاً اجتماعية تُعَدُّ الأكثر موثوقية على المستوى الوطني والدولي عن إسبانيا، وتُستَخدَمُ في التدريس الجامعي وفي صياغة الأطروحات الأكاديمية، وفي تحليل الاتجاهات الاجتماعية والسياسية. وعلى عكس المراكز الخاصة أو تلك التابعة للمانحين الدوليين، استطاعت هذه التجربة أن تمنح المجتمع والدولة مرجعية موثوقة للمعرفة الاجتماعية، شفّافة، مفتوحة، ومستقلة في منهجيتها. واستلهامُ هذه المبادئ يعني: أن فهمَ المجتمع يجب أن يكون مشروعاً وطنياً، وأن البيانات الدقيقة شرطٌ أساسي لبناء الثقة وصُنع السياسات.

        إن الطابع السوسيولوجي لهذه الهيئة ليس مجرد توصيف علمي، بل هو جوهرُ وظيفتها ودلالةُ وجودها. فالسوسيولوجيا ليست مجالاً أكاديمياً مُنغلِقاً، بل أداة لفهم التحولات العميقة التي يمر بها المجتمع، وتفكيك أنماط السلوك والانتماء والثقة، ورصد الفوارق بين الفئات والمناطق، وهي كلها عناصرُ لا يمكن للسياسات العامة أن تنجح دون الإحاطة بها. فالسياسات لا تُصاغ في الفراغ، ولا يمكن لها أن تستجيب لاحتياجات الناس إذا تجاهلت القيم المُتغيّرة، أو البنى الاجتماعية الجديدة، أو مصادرَ التوتر، أو أشكال التهميش التي تتعمّقُ بمرور الوقت. ومن هنا لا تعمل الهيئة بمعزل عن الإطار السياسي أو في موقع موازٍ له، بل تعمل في صُلب عملية صياغة القرار عبر تزويد صُنّاع السياسات ومؤسسات الدولة بما يحتاجونه من معرفة دقيقة تُمكِّنهم من رؤية الواقع كما هو، بكامل تعقيداته وتحولاته. فالغرضُ ليس أن تحلَّ المعرفة مَحلَّ السياسة، بل أن تُوفِّرَ لها الأساس الذي يجعلها أكثر واقعية وفعالية واستدامة.

        ومن المهم التمييز بوضوح بين طبيعة العمل الذي تقوم به الهيئة السوسيولوجية المقترحة، وبين الدور التقليدي الذي يضطلع به مكتب الإحصاء. فمكتبُ الإحصاء يُنتِجُ البيانات الأساسية التي تحتاجها الدولة حول عدد السكان، تَوزُّعهم، معدلات الولادة والوفاة، الهجرة، مؤشرات الأسعار، والبيانات الاقتصادية والديموغرافية العامة. وهذه البيانات ضرورية، لكنها لا تكشف شيئاً عن كيف يفكّر الناس، وما الذي يثقون به، وكيف تتشكل علاقاتهم اليومية، أو ما هي القيم والانفعالات والهويات التي تتحكم بسلوكهم. أما الهيئة السوسيولوجية فتركّز على نوع مختلف من المعرفة: بيانات دورية تقيس التمييز، القيم، أنماط الاندماج، المشاعر الجمعية، الثقة بين المكوّنات، التحولات التي أحدثها النزاع، الهويات الناشئة، مصادر التوتر، وشبكات الدعم الاجتماعية وغيرها. أي أنها تنتج بيانات كمية أيضاً (بالإضافة إلى النوعية)، ولكنها بيانات تتعلق بالبنية السوسيولوجية للمجتمع، لا بالبنية السكانية. ويكمنُ الفارق بين المؤسستين في طبيعة الظواهر التي تُقَاس أو في كيف تتم مقاربتها: مثلاً مكتب الإحصاء يُجيب على سؤال: كم عدد السكان؟ وكيف يتوزعون؟ أما الهيئة السوسيولوجية فهي تجيب على أسئلة مثل: كيف يعيش السكان؟ وكيف يرون بعضهم؟ وإلى أي قيم ينتمون؟ وما مستوى الثقة بينهم؟ ولذلك، فالهيئة لا تُكرِّرُ عملَ مكتب الإحصاء ولا تُنافسه، بل تُكمله. هي الجهة التي تُمكِّنُ الدولة من فهم المجتمع لا فقط عَدِّه، وتُوفِّرُ الأساسَ العلمي لإدارة التنوع وصياغة السياسات المرتبطة بالتحولات الاجتماعية العميقة.

        إن القيمة الجوهرية للهيئة السوسيولوجية تكمن في قدرتها على تحويل الظواهر الاجتماعية إلى مؤشرات قابلة للقياس، ومتابعتها بمرور الزمن، وتقديم صورة ديناميكية للمجتمع السوري: أين نقف؟ إلى أين نتجه؟ وما السياسات التي تُقرِّبنا من التعافي؟ وبدون هذا النوع من المعرفة، تبقى القرارات العامة أسيرة التخمين، وتبقى السياسات مُعرَّضة لإعادة إنتاج الأزمات بدلاً من تجاوزها. فدور الهيئة لا يقتصر على إنتاج البيانات لمرة واحدة، بل يمتد إلى مراقبة تحولات الظاهرة وفهم مسارها ورصد إيقاعها الزمني، ليصبح اتخاذ القرار مبنياً على قراءة دقيقة للواقع بدلاً من الانطباعات العامة. ومن هذا المنظور يُمكن فهم طبيعة المهام التي قد تضطلع بها الهيئة في سوريا ما بعد الصراع.

        فعلى مستوى بيئات العمل، تستطيع الهيئة قياسَ مستويات الاندماج والتوتر والثقة بين العاملين من خلفيات متعددة، ورصدَ تطور هذه المؤشرات مع الزمن. وتكمن أهمية هذا الدور في أن التعافي الاقتصادي لن يعتمد على التمويل وحده، بل على قدرة المؤسسات على إدارة فِرَقِ عمل متنوعة وخفض الاحتكاكات المُحتملة بينها. إن معرفة اتجاهات هذه المؤشرات (هل تتحسن أم تتدهور؟ في أي القطاعات؟ ولماذا؟) تُشكل أداة لا غنى عنها لتطوير السياسات الإدارية وإعادة بناء ثقافة الثقة داخل سوق العمل.

        وينطبق الأمر ذاته على التحولات الديموغرافية الناجمة عن النزوح والتهجير، وهي من أعمق الظواهر التي أعادت تشكيل البنية الاجتماعية السورية خلال العقد الماضي. فالهيئةُ تستطيع قياس هذه التحولات بشكل دوري: أين تتغير الكثافة السكانية؟ أين تُعاد صياغة التركيبة العمرية والمهنية؟ وكيف يؤثر ذلك على الهوية المحلية والعلاقات بين الجماعات؟ إن تحويل هذه الظواهر إلى مؤشرات قابلة للقياس يسمح بفهم اتجاه الحركة الديموغرافية، وبناء سياسات إعادة الإعمار والتنمية على أساس واقعي، لا على خرائط اجتماعية تنتمي إلى زمنٍ سابق.

        أمّا أزمة الثقة، التي باتت بنية اجتماعية متجذرة، فتُشكِّلُ مثالاً آخر على الحاجة إلى قياس الظواهر غير المرئية وتتبُّع تطورها. تستطيع الهيئة، عبر أدوات المسح والتحليل النوعي والكمّي، تحديد مستويات الثقة بين المكوّنات، وتسجيلَ التغيرات التي تطرأ عليها، ورصدَ مصادر الخوف والتوتر التي تُعيق المصالحة والاندماج. فإعادةُ بناء الثقة ليست عملية خطابية، بل تحتاج إلى مؤشرات حقيقية تسمح بتقييم التقدُّم أو التراجُع، ومعرفة أين تتشكل الجروح الاجتماعية وكيف يمكن مُعالجتها.

        ويزداد هذا الدور أهمية حين يتعلّقُ الأمر بالتأثير المتصاعد لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تُعيد تشكيل الرأي العام وتغذّي الانقسامات أحياناً عبر المعلومات المضللة والخطابات التحريضية والمحتوى المُصنَّع. فحين تتوافر بيانات دقيقة وموثوقة (من قبل الناس والدولة) على المستوى الوطني، تتراجع قدرة السرديات المُلفَّقة على الهيمنة، لأن الجمهور والمؤسسات يجدون أمامهم مرجعيات معرفية واضحة يمكن الاحتكامُ إليها في تفسير ما يجري. تستطيع الهيئة قياسَ أنماط التفاعُل الرقمي، ورصدَ انتشار السرديات المتطرفة، وتحليلَ أثرها على المشاعر الجمعية، بما يساعد في بناء سياسات وطنية للحدِّ من الفوضى المعلوماتية. إن تَتبُّعَ هذه المؤشرات بمرور الزمن يسمح بفهم كيفية تَغيُّر المزاج الاجتماعي، وما إذا كنا نسير نحو مزيد من الاستقطاب أو نحو قدر من الاستقرار.

        وفي قطاع التعليم، تُمكِّنُ الهيئةُ المؤسسات التعليمية من بناء مناهج وإدارة تستجيب للتحوُّلات الاجتماعية الحقيقية، لا لتصوُّرات قديمة. فهي قادرة على قياس تَصوُّرات الطلاب عن المُواطَنة والانتماء والآخر، ورصد الفجوات بين المناطق والفئات، وتحديد مصادر التحيُّز داخل المدارس، وتَتبُّع تغير هذه المؤشرات عبر السنوات. وبهذا تصبح المعلومات التعليمية جزءاً من قراءة شاملة لحركة المجتمع واتجاهاته، بحيث يسهم التعليم في بناء الثقة وتنمية قيم الاندماج بدلاً من إعادة إنتاج الانقسامات.

        قد يرى البعض أن السلطة الحالية لن تتقبَّلَ وجود هيئة مستقلة تمتلك هذا القدر من الحرية المعرفية والشرعية الوطنية، وأن بنية الحكم القائم لا تسمح بمستويات عالية من الشفافية أو جمع البيانات وتحليلها. غير أن هذا الاعتراض، مهما بدا واقعياً، لا ينبغي أن يَتحوَّلَ إلى سقف لطموحاتنا أو عائق أمام تَصوُّر ما يجب أن تكون عليه البلاد. فنحن اليوم في لحظة انتقالية مفتوحة، يتجاورُ فيها الانسداد السياسي مع إمكانات التغيير، وفي مثل هذه اللحظات لا تكون مسؤوليتنا التكيُّفَ مع حدود الحاضر، بل الدفعَ باتجاه تجاوزها. والمشروع المُقترَح هنا لا يُصَاغُ بوصفه امتيازاً لدولة مستقرة مكتملة المؤسسات، بل بوصفه أحد الشروط التي تجعل الوصول إلى تلك الدولة ممكناً أصلاً. فالأفكار التي تساهم في البناء لا تنتظر نُضجَ الظروف، بل تعمل على إنضاجها. ومن هذا المنطلق، يصبح طرح هيئة كهذه على طاولة النقاش خطوة ضرورية، لأنها تُجسِّدُ صورة النظام الاجتماعي والسياسي الذي ينبغي أن تتجه إليه سوريا إذا أرادت بناء مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً.

        إن تأسيس هيئة سوسيولوجية تُنتِجُ بيانات دقيقة وقابلة للقياس الدوري سيُحدِثُ تَحوُّلاً نوعياً في البيئة البحثية السورية، إذ إن المجتمع السوري يفتقر منذ عقود إلى قواعد بيانات اجتماعية موثوقة يمكن للباحثين والطلاب الاعتماد عليها في بناء فرضياتهم وتحليلاتهم. ومع توافر مصدر وطني للبيانات، سيُفتَح البابُ أمام جيل جديد من الدراسات المبنية على الأدلة، فتتمكن الجامعات من تدريس مَساقات أكثر اتصالاً بالواقع، ويحصل الطلاب على إمكان إعداد رسائل جامعية تستند إلى معطيات وطنية حقيقية، ويستطيع الباحثون قراءة المجتمع كما هو، لا كما يُتخيَّل أو يُروَى عنه.

        وإلى جانب هذا البُعد العلمي، فإن وجود الهيئة سيُخفِّفُ العبء المادي الكبير الذي ستتحمله الجامعات فيما لو سعت بشكل فردي لجمع البيانات عبر مُسوحات ومشروعات ميدانية مكلفة، إذ توفّر الهيئة قاعدة بيانات وطنية جاهزة وموثوقة، ما يُتيح تحويل الموارد الجامعية من الإنفاق على جمع البيانات إلى الاستثمار في التحليل، والإشراف البحثي، وتطوير برامج الدراسات العليا. لأن هذه البيانات تُنتَج محلياً وتعكس الواقع الاجتماعي السوري بمختلف تحولاته، فإنها ستُسهم في تعزيز الصلة بين الجامعات وسياقها المجتمعي، بحيث لا تبدو المؤسسات الأكاديمية وكأنها تعمل في فضاء منفصل عن المجتمع، بل تصبح جزءاً من عملية فهمه وتحليل تحولاته، وقادرة على تطوير مناهج وأسئلة بحثية نابعة من بيئتها المحلية لا مُستورَدة من سياقات أخرى.

        ومع الزمن، يسمح القياس الدوري وتَتبُّعُ تَطوُّرِ الظواهر الاجتماعية ببناء تراكم معرفي لم يكن متاحاً في سوريا سابقاً، فيتحول البحث السوسيولوجي من نشاط محدود إلى مشروع علمي مُستدَام قادر على إنتاج معرفة تتجاوز حدود الجغرافيا. فعندما تتوافر بيانات وطنية موثوقة، يُصبح بالإمكان إدماج التجربة السورية في النقاشات العالمية حول الهجرة، والتحول الاجتماعي، وإدارة التنوع، وإعادة بناء الثقة بعد النزاعات، لا بوصفها حالة استثنائية بل بوصفها حالة تُقدِّمُ إضافات معرفية للعلوم الاجتماعية العالمية. وبهذا يمكن للبحث العلمي في سوريا أن ينتقل من موقع التلقّي إلى موقع المساهمة، وأن يُشكِّلَ مصدراً للمعرفة تستفيد منه مؤسسات بحثية دولية وجامعات ومراكز سياسات في مختلف أنحاء العالم.

        وعند هذه النقطة تُصبح الهيئة، كما نراها، بيت الخبرة الاجتماعي الأول في سوريا: مؤسسة تُصدر تقارير سنوية، ودار نشر علمية متخصصة بالكتيبات والكتب السوسيولوجية المُحكَّمة، تُوفِّرُ بيانات ومُسوحات وطنية تشكل أساس التخطيط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه تضع البحث السوري على خريطة المعرفة العالمية. إنها مشروع لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر طرف ثالث هو المعرفة العلمية: معرفة تمنح الدولة البوصلة التي تحتاجها لتوجيه سياساتها، وتمنح المجتمع الثقة بأن واقعه يُرَى ويُفهَم ويُحترَم كما هو. الهيئة مشروعٌ للثقة قبل أن تكون مشروعاً للبحث: ثقة الدولة بالبيانات، وثقة الناس بالبيانات وبالدولة، وثقتهم بأن المستقبل يُمكن بناؤه على أُسس واضحة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى