سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الخوف من الكارثة.. لماذا ينتظر السوريون قرارًا من “الشيخ”؟/ هيثم سليمان

27 أغسطس 2025

لا يمكن قراءة اللحظة السورية بمعزل عن تاريخ طويل من الانقسامات التي تتفجّر كلما غابت الدولة الجامعة. فحين تنهار المؤسسات، تندفع العصبيات لتملأ الفراغ مدّعية أنها البديل الطبيعي. هذا ليس خللًا إداريًا عابرًا، بل استمرار لانفجار هويات وتعصّبها، وعودة للفئات بدل المؤسسات. وهكذا تحوّل الانتقال السياسي من أفق للتجديد الوطني إلى مسرح للولاءات الضيقة، حيث يتقدّم “الشيخ” بسلطته الغامضة على حساب المؤسسات الرسمية.

ثمانية أشهر فقط كانت كافية لتكشف فشل السلطة الانتقالية في الحفاظ على رصيدها المعنوي لدى السوريين، خاصةً العلويين والدروز بعد مجزرتي آذار/مارس وتموز/يوليو الماضيين. فقد تعاظمت المؤشرات على تكريس دولة دينية قائمة على العصبية الضيقة التي تمنع أي إجماع سياسي جامع، وتعيد إنتاج الإجماع العصبوي السلبي، تحت سطوة اللون الواحد وهيمنة الفريق الواحد في التعيينات العامة والمفاصل الرئيسية والفرعية.

الأخطر أنّ هذا المسار ترافق مع بروز دور استثنائي لشخصية “الشيخ”، الذي تحوّل إلى مرجعية مبهمة لا يُعرف اسمه الصريح، وتُمرَّر القرارات بتوقيعه أو بتأشيرته باسم “أبو فلان”. والأغرب أنّ توقيع الوزير المختص غالبًا ما يكون غائبًا، ويُكتفى بتأشيرة الشيخ، في مسّ خطير بالبنية الإدارية السورية واختراق لهيكليتها المعتادة.

لم يتوقف نفوذ الشيخ عند حدود التعيينات الإدارية، بل تمدّد ليطال المؤسسات الحساسة التي تشكّل العمود الفقري للدولة. فإلى جانب حضوره في الوزارات والمفاصل البيروقراطية، بات توقيعه جواز مرور للكتب الصادرة والواردة في الدوائر المركزية، كالعدلية والنيابة العامة والكهرباء والاتصالات. والأخطر أنّ السلطة الانتقالية لم تكتسب منذ بداياتها أي شرعية حديثة، لا عبر صناديق الاقتراع ولا عبر مشاركة وطنية واسعة، الأمر الذي يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن أن يمنح توقيع الشيخ شرعية بديلة عن الشرعية المؤسسية والتمثيل المجتمعي؟ أم أنّ وجوده يكشف عن توغّل اقتصادي لفئات دينية داخل المجتمع السوري، بحيث يصبح الاقتصاد والقرار السياسي معًا بيد مرجعية غير منتخبة؟

وما يزيد المشهد التباسًا هو ارتباط الرتب العسكرية بالشيخ، إذ تندمج السلطة الدينية مع السلطة العسكرية لتنتج ازدواجية خطيرة في مراكز القرار، حيث يصبح “الشيخ اللواء” أو “الشيخ العميد” عنوانًا لمزج غير مسبوق بين العصبية والبيروقراطية العسكرية. هذا التلاقي لا يفتح أفقًا للدولة، بل يعيدنا إلى بنية ما قبل الدولة، حيث تُدار السلطة بالهويات لا بالقوانين.

إن “النصر” الذي تكلّل بإسقاط نظام الإبادة، كان من المفترض أن يكون ملكًا للجميع، ومدخلًا لإعادة العافية للجسد السوري المحطَّم والمخرّب. لكن المقاتلين الجدد اكتفوا بنعمة إسقاط النظام، وتغاضوا عن نقمة المكوّنات التي جرى تهميشها لصالح تشكيلات قائمة على الاصطفاء العنصري للون الواحد، الذي بات يتحكّم بمفاصل السلطة الانتقالية على مبدأ الولاء لا الكفاءة.

إلى جانب ذلك، فإن تهميش الدروز والعلويين بعد المجازر الكبرى عمّق المخاوف من أن يكون هذا الانتقال مجرد استبدال لاستبداد بآخر، لا انفتاحًا على مواطنة جامعة. فالمشايخ أنفسهم الذين باتوا اليوم يمسكون بأختام الدولة، هم الذين قادوا في أحيان كثيرة حملات دم ضد فئات أخرى. والتجربة التاريخية للمشيخات في سوريا لم تُقدَّم يومًا كبديل جامع أو وطني، بل غالبًا ما ارتبطت بالعنف أو بالتمايز الهوياتي الضيق، لا بالعدالة ولا بالتمثيل المتوازن.

ويزداد المشهد قتامة حين تتضح أن المحاسبة تجري على أساس الهوية أكثر مما تجري على أساس المسؤولية الجرمية أو الفعل المرتكب، وكأن الانتماء وحده يكفي لتجريم الفرد أو تبرئته. كما تحوّل “النصر” إلى غنيمة موزعة بين المنتصرين بدل أن يكون تأسيسًا لعقد وطني جديد، مما عمّق شعور المجتمع بأنه خارج اللعبة السياسية بالكامل. وإذا لم يُعترف بالمجازر ويتم التعاطي معها بجدّية، فإنها ستظل سقفًا يمنع أي مصالحة حقيقية، وتتحول إلى وقود لانقسامات دائمة، وهو ما تكرّر بوضوح في أحداث السويداء، حيث أُعيد إنتاج المنطق نفسه: محاسبة بالهوية، وتوزيع للسلطة كغنيمة، وتجاهل للحوار الوطني.

تجربة المشيخات في التاريخ السوري لم تُقدَّم يومًا كبديل جامع، بل ارتبطت في الذاكرة بالعنف والدم أكثر مما ارتبطت بالعدالة أو المواطنة. واليوم، حين يُعاد إنتاج هذا النموذج في ثوب جديد، فإن ما يُقدَّم للسوريين ليس دولة حديثة، بل سلطة هوية مغلقة تُدار بالرموز لا بالمؤسسات. إن تغليب منطق العصبية والدم على منطق العدالة والمحاسبة العادلة، لا يفتح أفقًا لمصالحة، بل يرسّخ انقسامًا قابلاً للتعمّق. وإذا استمر هذا النهج، فإن الخطر الأكبر يظل قائمًا: أن تتحول سوريا إلى كيان متشظٍ، هشّ لا قيامة له، حيث تحل التسويات القبلية بين العصبويات محل العقد الوطني الجامع، ويتبدّد حلم الدولة في أفق قبلي ممزّق.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى