كيف يتحوّل “الشرف” إلى أداة لتبرير قتل النساء؟/ روز هلال

جريمة بلا شرف: مقتل شيرين أوسو يعرّي تواطؤ المجتمع والقانون ضد النساء
2026-01-01
تشكل جريمة مقتل الشابة شيرين أوسو واحدة من عشرات الجرائم التي تُرتكب بحق النساء في سوريا، والتي يتم تبريرها بذريعة ما يُسمى “الشرف”، في سياق اجتماعي وقانوني يسمح بالإفلات من العقاب ويكرّس العنف بوصفه سلوكاً مقبولاً. فمقتل شيرين لم يكن حادثة فردية، بل نتيجة مباشرة لمسار طويل من العنف الأسري الممنهج، انتهى بجريمة قتل مكتملة الأركان.
وأثارت الجريمة ردود فعل غاضبة في أوساط نسوية وحقوقية، حيث أصدرت نساء عفرين بياناً في مدينة القامشلي أدنّ فيه الجريمة، مؤكدات أن تبرير القتل تحت أي ذريعة يمثل انتهاكاً صارخاً لحق المرأة في الحياة والكرامة الإنسانية. وشدد البيان على رفض أي محاولات للتسوية أو المصالحة، مطالباً بمحاسبة الجناة وضمان حماية النساء، والعمل على بناء مجتمع قائم على العدالة والمساواة.
وأكد البيان أن مقتل شيرين أوسو لا يمكن التعامل معه كواقعة معزولة، بل هو نتاج مباشر لعنف أسري طويل الأمد، شمل التعذيب النفسي والجسدي، في ظل ذهنية ذكورية قاتلة، وصمت مجتمعي وقانوني ساهم في توفير بيئة خصبة لارتكاب الجريمة.
بين القيمة الإنسانية والجريمة المقنّعة
وفي هذا السياق، ترى الباحثة الاجتماعية الدكتورة شفاء صوان في تصريحات لـ”963+” أن مفهوم “الشرف” في السياق السوري يشهد تحوّلاً خطيراً من قيمة اجتماعية يُفترض أن ترتبط بالكرامة الإنسانية، إلى أداة لتبرير العنف الممنهج ضد النساء عبر الأعراف الاجتماعية والقوانين السابقة.
وتؤكد أن هذا التحوّل لا يحدث بمعزل عن بنية اجتماعية ذكورية تُعيد إنتاج السيطرة على المرأة، وتمنح العنف شرعية أخلاقية وقانونية ضمنية.
من التبرير الاجتماعي إلى المساءلة الغائبة
وتوضح الدكتورة صوان أن الأعراف القبلية والعشائرية تُشرعن قتل النساء تحت ذريعة حماية الشرف، بينما كان القانون السوري، حتى عام 2020، يساهم في ذلك عبر المادة 548 من قانون العقوبات التي تمنح القاتل أعذاراً مخففة. وترى أن هذا التلاقي بين العرف والقانون يحوّل الشرف من قيمة أخلاقية إلى سلاح يُستخدم للقتل والتحكم بمصير النساء، وصولاً إلى سلب حقهن في الحياة.
وتؤكد أن الصمت المجتمعي والعائلي لا يُعد موقفاً حيادياً، بل يشكّل نوعاً من التواطؤ غير المعلن، لأنه يمنح الجاني شرعية ضمنية ويُعيد إنتاج الخوف داخل المجتمع. وتضيف أن هذا الصمت يُقوّض قدرة النساء على طلب الحماية أو العدالة، ويُكرّس الرقابة الذاتية والخضوع القسري.
وتشير صوان إلى وجود خلل بنيوي في فهم مفهوم القوامة، حيث يتم تحريفه من كونه مسؤولية قائمة على الرعاية والحماية والدعم، إلى ممارسة سلطوية قائمة على السيطرة وانتهاك الكرامة، نتيجة فهم متطرف وخاطئ للدين. وتستشهد بسيرة الرسول محمد، ولا سيما موقفه في حادثة الإفك، بوصفه نموذجاً للقوامة القائمة على الثقة، والاحترام، والمساندة العاطفية، لا على الاتهام أو الإلغاء أو العنف.
وترى أن تقديم جرائم الشرف على أنها حوادث فردية يُخفي الطبيعة البنيوية للمشكلة، ويُبعد الأنظار عن كونها جزءاً من منظومة ذكورية تعتبر جسد المرأة ملكاً للعائلة. كما أن هذا الخطاب يسمح للمجتمع بتجنب تحمّل مسؤوليته الجماعية، ويُبقي الجريمة في دائرة الاستثناء بدلاً من التعامل معها كظاهرة اجتماعية متجذّرة.
وعلى المستوى القانوني، توضّح صوان أن المادة 548 من قانون العقوبات السوري لعام 1949 كانت تمنح العذر المخفف لمن يرتكب القتل بدافع “الشرف”، ثم جرى تعديلها عام 2011 دون إلغاء جوهر التخفيف، إلى أن تم إلغاؤها نهائياً عام 2020. لكنها تؤكد أن إلغاء النص القانوني لا يعني زوال الثقافة التي أنتجته، إذ لا يزال المجتمع يمنح القاتل حماية صامتة تُفرغ العدالة من مضمونها.
وتعبّر عن موقفها كناشطة اجتماعية بقولها إن العدالة الحقيقية تقتضي عقوبات رادعة ومشدّدة، تصل إلى السجن المؤبد أو القصاص، دون أي تبرير أو تخفيف، لأن الجاني ينصّب نفسه قاضياً وينفّذ حكماً بالموت على إنسانة بلا ذنب. وترى أن غياب الردع الصارم يفتح الباب أمام تكرار الجريمة.
وفي تحليلها للبنية الذكورية، تؤكد أن المجتمع ما يزال ينظر إلى المرأة بوصفها رمز شرف العائلة، بينما لا يُحاسَب الرجل بالمعايير نفسها، ما يكشف عن خلل عميق في توزيع السلطة والمسؤولية.
وتخلص إلى أن هذه البنية، حتى بعد إلغاء القوانين المميِّزة، تظل قادرة على حماية الجناة عبر التبرير، أو الصمت، أو تحميل الضحية المسؤولية، وهو ما يستدعي مواجهة ثقافية وتربوية عميقة لا تقل أهمية عن الإصلاح القانوني
فشل بنيوي للدولة والمجتمع
من جانبها، تقول الإعلامية والناشطة الحقوقية إيمان أبو عساف لـ”963+” إن مقتل شيرين أوسو ليس سوى رقم جديد في سلسلة طويلة من جرائم قتل النساء في سوريا بذريعة “الشرف”، مؤكدة أن هذه الجرائم لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي تشكلت فيه البنى المجتمعية السورية.
وتوضح أبو عساف أن المجتمعات التي تشكلت في سوريا جاءت من خلفيات عرقية وطائفية وقومية متعددة، لكنها لم تنجح في أي مرحلة في بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة والقانون. ومع تعاقب الأنظمة السلطوية والأمنية، جرى تكريس العرف والتقاليد على حساب القانون، ما جعل المرأة الحلقة الأضعف في بنية اجتماعية مأزومة.
وتضيف أن جرائم قتل النساء تصاعدت بشكل ملحوظ منذ بداية الأزمة السورية، نتيجة التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وغياب العدالة بمستوياتها التشريعية والتنفيذية والإدارية، حيث غالباً ما تنتهي هذه الجرائم دون محاسبة حقيقية، ويتم تغليفها بأسباب عرفية.
وتشير أبو عساف إلى أن الأخطر من الجريمة نفسها هو قبول المجتمع بتبريرها، وهو ما يسهم بشكل مباشر في تغييب العدالة، والتلاعب بسير التحقيقات عبر المساومات والضغوط العائلية.
كما تؤكد أن هذا الواقع يعكس فشلاً كاملاً تتحمل مسؤوليته مؤسسات رسمية ومجتمعية معنية بتأسيس القيم والأخلاق، لكنها غالباً ما تتواطأ بالصمت أو التستر.
بدورها تقول ندى سلام، محامية مقيمة في هولندا، لـ”963+” إن إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات السوري بموجب المرسوم التشريعي رقم 2 لعام 2020 شكّل خطوة قانونية مهمة أنهت أي نص تشريعي يمنح ما كان يُعرف بجرائم قتل النساء بذريعة الشرف وضعاً استثنائياً أو معاملة خاصة، مؤكدة أن هذه الجرائم باتت، من حيث المبدأ، تُكيف قانوناً اليوم بوصفها جرائم قتل مكتملة الأركان، وتخضع للقواعد العامة في قانون العقوبات، سواء كقتل عمد عند توافر القصد الجرمي وسبق الإصرار، أو كقتل قصد عند توافر النية دون سبق الإصرار، من دون أي اعتبار قانوني للدوافع الاجتماعية أو الأخلاقية التي تُساق لتبرير الفعل.
وتضيف سلام أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في النص القانوني بحد ذاته، بل في الثغرات التي تسمح بالالتفاف عليه في التطبيق العملي، مشيرة إلى أن القضاء ما يزال قادراً، عبر نصوص عامة، على تخفيف العقوبة استناداً إلى سلطة تقديرية واسعة، ولا سيما من خلال مواد تتعلق بما يُسمى “الدافع الشريف” أو “ثورة الغضب الشديد”، وهو ما يعيد إدخال منطق الشرف من أبواب غير مباشرة، تحت مسميات مثل الغضب أو الاستفزاز أو الدافع الاجتماعي، ويفرغ الإلغاء التشريعي من مضمونه الفعلي، مع بقاء جوهر التمييز قائماً رغم غياب اسمه من النصوص.
وتوضح أن خطورة هذا الالتفاف تتفاقم عبر ممارسات توصيفية في بعض القضايا، حيث يُعاد توصيف الجريمة على نحو أخف من القتل العمد أو القصد إلى أفعال من قبيل “الإيذاء الذي أفضى إلى الموت” أو “الوفاة نتيجة شجار”، رغم أن الوقائع المادية في كثير من الحالات تُظهر قصداً جرمياً واضحاً، سواء من خلال أداة الجريمة المستخدمة، أو موضع الإصابة، أو تكرار العنف، أو سلوك الجاني قبل الواقعة وبعدها.
وتلفت سلام إلى أن القرابة ما تزال تؤدي دوراً عملياً في تخفيف التقدير القضائي، رغم أنها لا تشكل عذراً قانونياً، إذ يُنظر إلى الجريمة أحياناً بوصفها شأناً عائلياً داخلياً، لا اعتداءً صريحاً على الحق العام في الحياة.
وتشير ندى سلام إلى أن المصالحات والتسويات العرفية، رغم أن جريمة القتل من جرائم الحق العام التي لا تسقط بالصلح، تُستعمل عملياً للتأثير على مسار العدالة عبر تغيير الإفادات أو تليين موقف الادعاء والتقدير القضائي، ما يحوّل الجريمة من اعتداء خطير على الحق في الحياة إلى نزاع عائلي، ويضعف الردع ويكرّس الإفلات من العقاب.
وتؤكد أن استمرار تخفيف العقوبات في جرائم قتل النساء بذريعة الشرف لا يعود إلى نقص النصوص بل إلى تداخل تشريعي وقضائي وإجرائي، مشددة على أن المعالجة الحقيقية تتطلب نصاً صريحاً يعتبر القتل القائم على النوع الاجتماعي قتلاً عمداً مشدداً دون أعذار مخففة، مع تقييد الأعذار التقديرية وتجريم مستقل للعنف القائم على النوع الاجتماعي، لأن جوهر الإشكال يكمن في غياب الإرادة المؤسسية لتطبيق القانون دون تبرير اجتماعي أو مساومة عرفية.
+963



