وقائع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا تحديث 03 آب 2025

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع
————————————–
تحديث 03 آب 2025
——————————
قراءة في المهلة الأميركية التركية لإدماج “قسد” في الدولة السورية/ فايز الأسمر
2025.07.30
بعد أكثر من ثمانية أشهر، لا يزال ملف دمج ميليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الحكومة السورية الجديدة عالقًا ويراوح مكانه، رغم كل المباحثات والتفاهمات التي أُجريت في شهر آذار الماضي، والتي أفضت إلى إمكانية توقيع اتفاق رسمي بين الطرفين لتحقيق هذا الهدف.
ولكن، للأسف، لا تزال “قسد”، المدعومة أميركيًا، متمسكة برؤيتها التعجيزية، عبر اشتراطها على القيادة السورية قبول نظام اللامركزية السياسية واحتفاظها بـكتلة عسكرية مستقلة، الأمر الذي يعيد المباحثات في كل مرة إلى نقطة الصفر بسبب رفض دمشق القاطع لهذا الطرح.
باتت تلك المهَل التي منحتها الدولة السورية للميليشيات لتنفيذ بنود اتفاق “10 آذار” بين “مظلوم عبدي” والرئيس أحمد الشرع مجرد محاولات دون جدوى. ويتضمن الاتفاق وقف إطلاق النار، واندماج قسد الكامل في مؤسسات الدولة، إضافة إلى تفاهمات أخرى. إلا أن قيادات تلك الميليشيات تُماطل وتشتري الوقت، محاولةً التهرب من تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها.
لكن إلى متى؟
وإلى أي مدى يمكن للدولة السورية أن تواصل صبرها وتغليب الحوار على الخيار العسكري؟
هذا الصبر يأتي من حرص دمشق الصادق على صون الدم السوري، واعتبار أن كل نقطة دم تُراق في صراع داخلي بين أبناء الوطن الواحد من مختلف الإثنيات والطوائف هي دم حرام، ولا يمكن التساهل معها إلا في سبيل وحدة الأرض والدولة والشعب.
من جانب آخر، كررت القيادات التركية مرارًا أنها قبلت عرض دمشق بإعطاء فرصة للمفاوضات الدبلوماسية مع قسد على أمل الوصول إلى حل يُرضي جميع الأطراف. وعليه، فإن أنقرة تتابع بدقة جولات التفاوض الصعبة بين دمشق وقسد لتنفيذ اتفاق آذار، لكن، في حال استمرار المماطلة ورفض قسد الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة، فلا خيار سوى الحل العسكري.
وقد أظهرت أنقرة في عملياتها السابقة (درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام) عزمها الواضح على رفض وجود أي كيان مسلح قرب حدودها لا يكون مندمجًا فعليًا في جيش الدولة السورية. يأتي هذا الموقف أيضًا بعد الإعلان التاريخي لحزب العمال الكردستاني على لسان قائده عبد الله أوجلان بنهاية التمرد والعمل المسلح الذي استمر لأكثر من أربعة عقود.
أما اللقاء الثاني بين الرئيس أحمد الشرع ووفد قسد برئاسة مظلوم عبدي في بداية تموز، بحضور المبعوث الأميركي توماس براك، فقد جاء مخيّبًا للآمال، بعيدًا عن تطلعات دمشق وأنقرة. أصر عبدي خلال اللقاء الذي عُقد في قصر الشعب على إقامة حكم “لا مركزي”، وهو ما ترفضه الدولة السورية رفضًا قاطعًا، وتراه محاولة مدعومة خارجيًا لفرض واقع انفصالي، خاصة من قبل أطراف معادية في مقدمتها إسرائيل.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في السويداء دعم تل أبيب المباشر لمليشيات درزية مسلحة بقيادة ما يُسمى “الشيخ حكمت الهجري”، والتي استهدفت رموز الدولة السورية بالقصف، في محيط القصر الجمهوري، ووزارة الدفاع، ورئاسة هيئة الأركان.
واشنطن تدرك ذلك تمامًا، ويبدو أن صبر دمشق وأنقرة بدأ بالنفاد. وقد أفادت صحيفة “ميدل إيست آي” مؤخرًا أن الجانبين الأميركي والتركي عبّرا عن امتعاضهما الشديد من مماطلة قسد، وخاصة رفضها حل هيكليتها العسكرية والسياسية، وتمسكها بما تسميه “الإدارة الذاتية”.
وعليه، منحت الولايات المتحدة وتركيا قسد مهلة 30 يومًا لإنهاء عملية اندماجها الكامل مع الحكومة السورية، مع تحذير شديد اللهجة من المماطلة، والتنبيه إلى أن فشل الالتزام قد يؤدي إلى تداعيات سياسية وأمنية خطيرة.
ومن اللافت أن المبعوث الأميركي توماس براك دعا قسد للتخلي عن طموحاتها الفيدرالية لصالح دولة مركزية، مؤكدًا أن “النظام الفيدرالي لا يصلح في سوريا”، ومضيفًا أن “الطريق الوحيد أمام قسد هو الذهاب إلى دمشق”.
ويبدو أن قسد بدأت تدرك أن واشنطن لم تعد مهتمة بمطالبها التي تحاول فرضها على الدولة السورية، كإدراج ضمانات دستورية لحقوق القومية الكردية. كما أن التصريحات الأميركية الأخيرة تُشير إلى تراجع في الدعم السياسي، وربما بداية تقليص للدعم العسكري أيضًا، خاصة بعد تقارب واشنطن مع دمشق.
تشير مؤشرات كثيرة إلى أن الولايات المتحدة لا ترى في قسد شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، بل مجرد أداة مؤقتة في مرحلة معينة، وربما تكون مهمتها في قادم الأيام المساعدة على تنظيم انسحاب القوات الأميركية من سوريا، خصوصًا مع إعلان ترامب سابقًا نيته إنهاء الوجود الأميركي، وبقاء ملف معتقلي “داعش” هو العقبة الأخيرة.
في هذا السياق، من المتوقع أن تُسلم الولايات المتحدة هذا الملف إلى الدولة السورية، بتنسيق وإشراف تركي، مما يعني أن قسد باتت تعي أن الأميركيين لن يبقوا إلى الأبد، وقد يغادرون قبل أن تتمكن من التوصل إلى اتفاق مع دمشق.
ختامًا
لا شك أن دمشق وأنقرة وواشنطن ترفض مجتمعة مطالب قسد الانفصالية، وتدعم رؤية واحدة:
“سوريا موحدة، بجيش واحد، ودولة واحدة”.
هذا ما أكده بوضوح المبعوث الأميركي توماس باراك في تصريحات جديدة من نيويورك بعد اجتماع ضم ممثلي قسد، والحكومة السورية، ومسؤولين أميركيين وفرنسيين، حين قال:
“إذا لم تتفقوا، فلا تتفقوا، لكننا لن نبقى إلى الأبد”، مضيفًا أن فشل التوصل إلى اتفاق “قد يؤدي حتماً إلى خيارات صعبة بديلة”.
تلفزيون سوريا
———————————-
هل تنجح تركيا في فرض رؤيتها على واشنطن بشأن مستقبل “قسد”؟/ زيد اسليم
1/8/2025
أنقرةـ في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها الملفات الأمنية والسياسية على الأرض السورية، استقبل وزير الدفاع التركي يشار غولر، الاثنين الماضي، السفير الأميركي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا توماس برّاك في مقر الوزارة بالعاصمة التركية.
ورغم أن الإعلان الرسمي اكتفى بنشر صورة اللقاء دون تفاصيل، فإن برّاك كشف لاحقا أن المحادثات تناولت قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي، مؤكدا وصف العلاقات بين واشنطن وأنقرة بأنها “تحالف وشراكة في هذه الجهود”.
ويأتي الاجتماع بينما تكثف تركيا عملياتها ضمن مبادرة “تركيا خالية من الإرهاب” التي أطلقت في مايو/أيار الماضي لتفكيك حزب العمال الكردستاني وإعادة دمج عناصره في الحياة المدنية.
في المقابل، تعمل واشنطن توازيا مع دمشق على تنفيذ اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، في مسار يثير أسئلة عن مستقبل شمال سوريا والكيانات المسلحة فيه.
دمج قسد
كانت الرئاسة السورية قد أعلنت في 10 مارس/آذار الماضي توقيع اتفاق مبدئي مع قوات سوريا الديمقراطية لدمج هياكلها العسكرية والإدارية في شمال شرقي البلاد في مؤسسات الدولة.
لكن الاتفاق دخل في حالة جمود خلال الأشهر التالية، إذ لم تسجل خطوات تنفيذية ملموسة حتى يوليو/تموز الماضي، بسبب تمسك “قسد” بصيغة اللامركزية، تمنحها صلاحيات واسعة في إدارة مناطقها، وهو ما رفضته دمشق باعتباره انتهاكا لوحدة الدولة والجيش.
وفي محاولة لكسر الجمود، عقد في 9 يوليو/تموز اجتماع رفيع المستوى في دمشق جمع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بحضور المبعوث الأميركي توماس برّاك وممثل عن الحكومة الفرنسية.
ورغم الأجواء التصالحية، لم يسفر الاجتماع عن اختراق حاسم، إذ بقيت الخلافات عن صلاحيات الإدارة الذاتية ومستقبل التمثيل السياسي لقسد ومصير عناصرها المسلحين قائمة.
تحول أميركي
في تحول بارز في موقفها من الملف الكردي، عبرت الولايات المتحدة أخيرا عن رفضها أي مشروع انفصالي لقسد، معلنة دعمها جهود دمجها في مؤسسات الدولة السورية.
وخلال مؤتمر صحفي في نيويورك منتصف يوليو/تموز الماضي، أكد المبعوث الأميركي توم براك أن “الفدرالية لا تصلح لسوريا”، وأن واشنطن ترفض قيام أي كيان سياسي مستقل لقسد أو مشروع “كردستان حرة”.
وأضاف براك أن “الحل الوحيد المقبول هو دولة واحدة وجيش واحد وأمة واحدة”، مشددا على ضرورة اندماج وحدات حماية الشعب –العمود الفقري لقسد– في الجيش السوري الموحد. وحذر من أن مماطلة قسد في تنفيذ الاتفاق قد تترتب عليها “عواقب وخيمة” مع دمشق وأنقرة.
هذا التحول في نبرة واشنطن، التي كانت الحليف العسكري الأبرز لقسد خلال الحرب ضد تنظيم الدولة، انسجم لأول مرة بوضوح مع الموقفين التركي والسوري الرافضين لأي صيغة انفصالية في الشمال الشرقي.
تحذير تركي
على الجانب التركي، صعدت أنقرة خطابها ضد أي محاولات لتقسيم سوريا، مؤكدة أن إنشاء كيان كردي ذاتي الحكم في الشمال يمثل خطا أحمر يمس أمنها القومي.
ووجه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان رسالة تحذيرية قال فيها “لا يحق لأي طرف اتخاذ خطوات تؤدي إلى تقسيم سوريا.. وإذا حدث ذلك فسنتدخل”، مؤكدا أن تركيا سترد بحزم على أي محاولة لفرض “أمر واقع انفصالي”.
وجدد مجلس الأمن القومي التركي، الأسبوع الماضي، رفضه القاطع لأي نشاط انفصالي على الأراضي السورية، معلنا دعم بلاده الحكومة السورية الجديدة وجهودها في توحيد البلاد وضمان استقرارها، في موقف غير مألوف بعد سنوات من القطيعة مع دمشق.
وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الدفاع التركية متابعتها الدقيقة لتطورات عملية دمج قسد ضمن الجيش السوري بموجب الاتفاق الموقع مع حكومة أحمد الشرع.
تنسيق وتقاطع مصالح
يرى المحلل السياسي مراد تورال، أن لقاء وزير الدفاع التركي بالمبعوث الأميركي يعكس دلالات إستراتيجية في “لحظة مفصلية” تعيد رسم خريطة التوازنات في شمال سوريا.
ويقول تورال للجزيرة نت، إن الاجتماع يعكس سعي واشنطن إلى تنسيق أمني مباشر مع أنقرة، لضمان دمج قسد دون تهديد الأمن القومي التركي.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة، بعد رفضها العلني فكرة “كردستان حرة”، تسعى لاحتواء أي تصعيد تركي قد يعرقل ترتيباتها مع دمشق وقسد.
ويعتقد تورال، أن اللقاء ربما تطرق إلى سيناريوهات عسكرية بديلة إذا فشل تنفيذ الاتفاق خلال المهلة المحددة، خصوصا في ظل استمرار عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وتصاعد التوتر في الجنوب السوري.
أما المحلل السياسي عمر أفشار، فيرى أن تغيّر لهجة واشنطن لا يعكس تحولا إستراتيجيا كاملا، بل يعبر عن تقاطع مصالح تكتيكي فرضته التحالفات الجديدة في سوريا.
ويقول أفشار للجزيرة نت، إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حل “قسد” بل لإعادة تموضعها ضمن الدولة السورية بما يحفظ نفوذها، دون خسارة أوراق الضغط على دمشق أو إثارة غضب أنقرة.
ويخلص إلى أن هذا التفاهم المؤقت لا يلغي التباين العميق بين الطرفين، إذ تسعى تركيا لإنهاء البنية العسكرية والإدارية لقسد بالكامل، بينما تحاول واشنطن دمجها بطريقة لا تفقدها وزنها السياسي.
المصدر: الجزيرة
——————————-
قسد تعود لمضامين اتفاق 10 آذار.. مسار استراتيجي أم تفادٍ لتصعيد تركي؟/ فراس فحام
2025.07.30
عاد قائد قسد مظلوم عبدي للحديث عن وحدة سوريا وضرورة دخول المؤسسات الحكومية إلى محافظات الجزيرة السورية، وهذه بنود من ضمن اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 الذي وقعه عبدي مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وأقرت قسد بموجبه بوحدة الأراضي السورية.
اللافت في تصريحات عبدي التي أدلى بها بمقابلة تلفزيونية أنها خففت النبرة التي تحدث بها الناطقون باسم قسد تجاه الحكومة السورية في أعقاب المواجهات التي اندلعت في السويداء، والتي تخللتها هجمات إسرائيلية، حيث صعدت قيادات قسد من لهجتها فأشارت إلهام أحمد إلى أن اندماج قسد ضمن الجيش السوري مشروط بوجود هيكل واضح، وطالبت بأن تتخذ الحكومة موقفاً واضحاً من أحداث الساحل والسويداء، وهذا الموقف هو ما دفع الحكومة السورية لرفض عقد اجتماع مع وفد قسد على هامش لقاء باريس الثلاثي الذي ضم ممثلين عن الحكومة السورية ووفدا إسرائيل برعاية أميركية.
وأشارت بعض التصريحات التي صدرت عن فرهاد الشامي الناطق الإعلامي باسم قسد إلى أن عملية الاندماج العسكري ستتم بعد استكمال الانتقال السياسي ووجود حكومة تمثل الجميع.
استعداد للتفاوض وترحيل للقضايا المحورية
حملت تصريحات عبدي التأكيد على التمسك بوحدة الأراضي السورية، ومطلب اللامركزية، والاعتراف باللغة الكردية على الأقل في المناطق ذات الغالبية الكردية، لكنه أحال قضية اندماج قوات قسد في الجيش السوري إلى المفاوضات في مسار باريس.
ما قاله عبدي لا يختلف كثيراً عن المواقف السابقة لقيادات قسد، من حيث التأكيد على ضرورة وجود جيش واحد لسوريا، وتطبيق اللامركزية، لكن دون ذكر آليات تنفيذية محددة خاصة فيما يتعلق بالملف الخلافي الرئيسي مع الحكومة السورية حول كيفية اندماج قوات قسد، وهل ستبقى كتلة واحدة أم ستنصهر ضمن مؤسسة الجيش.
وتأكيداً على عدم وجود رؤية واضحة بخصوص موضوع سلاح قسد، أشار عبدي إلى أن بعض التيارات داخل قسد تريد ضمانات من أجل الموافقة على الاندماج بعد ما حصل في الساحل والسويداء.
حراك ميداني ودبلوماسي تركي
قبل يوم واحد من تصريحات عبدي أجرى مسؤولون أتراك على رأسهم وزير الدفاع يشار غولر لقاءات مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، وسربت وسائل إعلام تركية فحوى اللقاء، وتحدثت عن محاولات أنقرة إقناع واشنطن بالتحرك الميداني من أجل الدفع باتجاه تنفيذ اتفاق اندماج قسد ضمن الدولة السورية.
ووفقاً للمعلومات الميدانية، فمنذ أن أعلنت وزارة الدفاع التركية عن تلقيها طلباً من دمشق لتعزيز قدرات الجيش السوري الدفاعية، يقوم الجانب التركي بتسليم سوريا دفعات من المدرعات الخاصة بنقل الأفراد وبعض الذخائر.
ويبدو أن أنقرة لديها قلق من استمرار توجه قيادات حزب العمال الكردستاني الذين يغادرون الأراضي العراقية إلى سوريا، بعد إعلان الحزب إلقاء السلاح، لأن هذه التطورات من شأنها أن تشكل عائقاً أمام استكمال تنفيذ الاتفاقيات بين قسد والحكومة السورية.
نهج فعلي مغاير للتصريحات
لا يبدو أن تصريحات قسد التي تؤكد الحرص على تنفيذ الاتفاقيات مع دمشق، حيث تستمر قسد في تشييد التحصينات في عديد المناطق التي تسيطر عليها بريف حلب الشرقي.
وصدرت تسريبات عن قيادات فصائلية من السويداء أبرزهم القيادي في قوات شيوخ الكرامة قتيبة شهاب الدي، تؤكد أن قسد قدمت الدعم للمجلس العسكري في السويداء الذي يحظى بدعم شيخ العقل حكمت الهجري، والهدف عرقلة اندماج السويداء ضمن الدولة السورية، مما يعني أن قسد لعبت دوراً في تأزيم الأوضاع بين الحكومة السورية وأطراف محلية في السويداء.
وتشير المعلومات إلى أن قسد لا تزال تعمل على استقطاب وجهاء عشائر في محافظتي الحسكة ودير الزور للحصول على تأييد بعض العشائر لاستمرار مشروع الإدارة الذاتية على أرض الواقع، رغم التخلي عن استخدام المصطلح في وسائل الإعلام.
من المرجح أن قسد تتخوف من احتمالية تغاضي إدارة ترامب عن عملية عسكرية تركية وإن كانت محدودة تستهدف الهياكل القيادية لقسد، مما قد يدفعها لتقديم المزيد من التنازلات أمام دمشق، ولذا تريد التأكيد على التزامها بالمسار السياسي تفادياً لأي خسائر عسكرية في ظل اختلال موازين القوى بينها وبين تحالف أنقرة – دمشق.
تلفزيون سوريا
——————————
معركة النفوذ في سوريا: ضغوط تركية وتصلّب كردي حيال السلاح/ سركيس قصارجيان
اصطدمت محاولات أنقرة التوغّل العسكري جنوباً، من مناطق سيطرتها شمال الأراضي السورية، برسالة إسرائيلية صارمة معززة بالنار.
المصدر: النهار
شهد الملف السوري خلال الأيام الماضية تصعيداً إعلامياً بين كل من الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) على شكل رسائل غير مباشرة تضمنتها التصريحات الصادرة من كلا الطرفين، فيما واصلت دمشق، الغارقة في تداعيات مجازر السويداء، حربها الإعلامية غير المعلنة على “قسد” من خلال المنصات والمؤثرين القريبين منها.
أنقرة تشرعن نفوذها العسكري في سوريا
أجبر فشل جلسة التفاوض التي احتضنتها دمشق بين وفدي الحكومة المركزية والإدارة الذاتية، واضطرار الحكومة السورية إلى سحب قواتها من السويداء جنوباً تحت وابل الضربات الإسرائيلية، أنقرة على الدخول مجدداً على خط دعم حكومة الرئيس أحمد الشرع، من خلال الإعلان عن استعدادها لتقديم دعم عسكري شامل بناءً على طلب رسمي من الحكومة السورية الانتقالية، ترافق ذلك مع تهديدات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بالتدخل العسكري للحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسلامتها.
تركيا، التي دعمت سابقاً المعارضة السورية المسلحة ضد نظام بشار الأسد، تسعى الآن إلى هندسة تحالفها بشكل جذري، بناءً على أولويات التعاون العسكري التركي-السوري، من خلال تعزيز القدرات الدفاعية السورية عبر حزمة دعم تشمل برامج تدريبية كثيفة للقوات السورية، واستشارات فنية وتخطيطية من الخبراء الأتراك، وتوريد معدات عسكرية متطورة، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي.
وخشية تصدّر صورة المهيمن على القرار السياسي والعسكري في دمشق، غلّفت أنقرة هذا التعاون عبر عنوان عريض محبب غربياً، قائم على مكافحة التنظيمات الإرهابية، من دون أن تنسى في الوقت ذاته تكرار الإشارة إلى خطر “دعوات الانفصال”، والمطالبة بضرورة سيطرة دمشق على كامل الجغرافيا السورية.
اصطدمت محاولات أنقرة التوغّل العسكري جنوباً، من مناطق سيطرتها شمال الأراضي السورية، برسالة إسرائيلية صارمة معززة بالنار، حين أقدمت تل أبيب على قصف قواعد جوية في كل من حماة وحمص والبادية السورية، تمّت معاينتها من خبراء أتراك لاتخاذها مواقع عسكرية للجيش التركي.
ورغم الانخراط التركي الواسع النطاق في المفاوضات مع تل أبيب للتوصل إلى اتفاق لتحديد النفوذ في الجغرافيا السورية، وحث دمشق على التفاوض أيضاً لخفض التصعيد الإسرائيلي، إلا أن حوادث السويداء الأخيرة، وتمسك تل أبيب بموقفها الرافض أي اعتداء على الدروز أو تواجد لقوات عسكرية تابعة للحكومة السورية جنوب البلاد، دفع تركيا إلى تغيير خطتها، عبر شرعنة وجودها العسكري في سوريا من خلال الاتفاق الأمني-العسكري الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع التركية في 23 تموز/يوليو الماضي.
“قسد” وأنقرة في اختبار الإرادات
وفي ظل تصاعد حدة التنافس الإقليمي بين تركيا وإسرائيل على “الكعكة السورية”، باتت الاستراتيجية التركية الخاصة بالإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها ترتكز على محورين رئيسيين:
سياسياً، تدفع أنقرة باتجاه دمج “قسد” في المؤسسة العسكرية السورية، شرط إلغاء هياكل الحكم الذاتي وتفكيك و”حدات حماية الشعب”، من خلال ممارسة ضغوط قصوى عليها، عبر الإعلان عن دعم دمشق في رفضها أي نوع من أنواع اللامركزية، والتهديد بعملية عسكرية مشتركة ضد مناطق سيطرة “قسد”، وعزل “قسد” دولياً عبر قطع خطوطها الديبلوماسية مع القوى الخارجية.
عسكرياً، تظهر أنقرة، من خلال إعلانها عن تدريب الجيش السوري التابع للحكومة المركزية وتسليحه، وتزويده المعدات الثقيلة ضمن خطة إعادة تأهيله، مدى استعدادها للانخراط العسكري المباشر إلى جانب دمشق، في حال لجوء الأخيرة إلى سيناريو مشابه لاجتياح السويداء.
وتحاول أنقرة، في معرض إعادة تعريف سياساتها الخاصة بسوريا، من دعم الإطاحة بالأسد إلى السعي لدور إقليمي كقوة ضامنة للأمن الذي “لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الحكومة المركزية الحالية”، توسيع التفويض الأميركي الممنوح لها على أرضية التوافق الأميركي-التركي على الموقف الداعم لحكومة الشرع.
واجهت “قسد” هذه التطورات بموقف متصلب، رافضةً بشكل قاطع المطالب التركية نزع سلاحها، معتبرة ذلك “خيانة للمكاسب التي تحققت بدماء الشهداء”.
وفي اللقاءات الإعلامية الكثيفة للشخصيات الكردية في الإدارة الذاتية و”قسد” خلال الأيام الماضية، تم التأكيد على المطالب التي تتمحور حيال الحفاظ على شكل متقدم من اللامركزية يشمل إدارة محلية كاملة للخدمات المدنية، وقوات أمنية محلية تحت مظلة الجيش السوري، وصلاحيات تشريعية وثقافية واسعة، مع رفض الاندماج العسكري الكامل، والاحتفاظ بقيادة مستقلة لوحدات الحماية الشعبية، بحيث يكون التنسيق الأمني مع دمشق من دون تبعية كاملة.
في الوقت ذاته، باتت “قسد” تواجه تحديات متصاعدة من جهات عدة، بدءاً من الضغط الأميركي المتزايد للتنازل، والتهديدات التركية المباشرة بعملية عسكرية، والتلويح من دمشق بقدرتها على إحداث تصدعات داخلية في مناطق شمال سوريا وشرقها في سيناريو مشابه للسويداء وتحت مسمى “فزعة العشائر”، وغيرها.
رغم كل التعقيدات السابقة، يؤكد الطرفان السوريان حرصهما على تجنب الصدام العسكري، وذلك بفعل الإرادة الأميركية الواضحة لجهة حل المسألة بالتفاوض، والتدخلات الدولية التي تضغط لإنجاح التسوية.
أمام هذا الواقع، انتقلت المفاوضات بين “قسد” وأنقرة إلى مرحلة اللقاءات المباشرة، في خطوة غير مسبوقة قد تؤدي إلى تغيير معادلات الداخل السوري.
توازنات سوريا الجديدة: القرار لواشنطن
في ضوء التطورات المتسارعة، تبرز تركيا كلاعب إقليمي بات يمتلك أدوات حقيقية لإعادة هندسة المعادلة السورية، ليس من خلال دعم حكومة دمشق الانتقالية فحسب، بل أيضاً عبر فرض رؤيتها لشكل الدولة. في المقابل، تجد الإدارة الذاتية الكردية نفسها في لحظة مفصلية بين التشبث بمشروعها اللامركزي ومواجهة التحديات السياسية والعسكرية المتعددة، وسط فتور الدعم الأميركي.
أما الداخل التركي، فليس بمنأى عن هذا الصراع، إذ تنذر تلك التحولات بإعادة فتح جروح القضية الكردية، ما بين آمال التسوية ومخاوف الانفصال. ووسط هذه المعادلات المتداخلة، ترى إسرائيل في النفوذ التركي المتعاظم التهديد الأكبر، وتعمل في الخفاء وبالمباشر لتعطيل هذا التوازن الجديد.
لكن النتيجة النهائية ستتحدد ليس فقط بموازين القوى العسكرية، ولا بقدرة الأطراف المختلفة على تقييم مصلحتها في إطار رؤية شاملة للاستقرار الإقليمي، بل بناءً على الموقف الأميركي الذي لا يزال يتفاوت بين الضغوط العلنية والصمت التكتيكي من دون الاقتراب من الحسم.
النهار العربي،
——————————–
في باريس، تحذيرات للشيباني على مفترق طرق مصيري/ سمير التقي
لماذا استدعى باراك وماكرون الشيباني إلى باريس لتحذيره بحضور ديرمر؟علّق دبلوماسي فرنسي سابق ومتمرّس في الشأن السوري على سؤالي قائلاً: “لأنهم يعتقدون أن دمشق تظن أننا لا ندرك حقيقة ما يقولون ويفعلون”، ثم أوضح أنهم مطّلعون بدرجة مدهشة على تفاصيل ما تقوم به السلطات السورية، وما تعرضه الدبلوماسية السورية من وعود ومراوغات لكافة الأطراف الإقليمية والدولية. وشبّه لي تلك الدبلوماسية بتاجر عقارات يبيع الأرض ذاتها مراتٍ عدة ليحصل على العربون فحسب، دون نية حقيقية بالبيع.
في فترة سابقة، بدا لي أن الدبلوماسية السورية تتعامل مع الإقليم كما لو كان حديقة، تقطف من كل بستان زهرة. غير أن واقع الشرق الأوسط يُذكّرنا بأن رائحته أقرب لرائحة ساحات الحرب منها إلى عبير الزهور والياسمين.
المبدأ الجوهري في هذا الصراع هو أن من يهيمن على دمشق، يفرض هيمنته تلقائياً على لبنان والأردن، وربما العراق. ومع التآكل الاستراتيجي في سيادة الدولة السورية، تتصالب الرماح على جسدها وتنهشه.
منذ السابع من أكتوبر، لم تعد إسرائيل تقبل بأقل من ضمان أمنها بيدها مباشرة، بعيداً عن أي تعهدات أو وكلاء. ولهذا السبب استاءت من الحضور التركي في باكو، وفرضت استبعاده في باكو الثانية، ثم في باريس. فإسرائيل لن تسمح بوجود جيش سلفي جهادي، تعبئة وتسليحاً وتدريباً، تشرف عليه تركيا على حدودها. بل تصرّ على إدارة أمنها واستخباراتها ومعلوماتها داخل الأراضي السورية بنفسها، وهذا هو المحرك الأساسي للجانب الإسرائيلي في المفاوضات.
في المقابل، ترى تركيا أنه من حقها ترسيخ إنجازاتها في سوريا والمنطقة، والحصول على تفويض أمريكي يتيح لها لعب دور رئيسي في عملية التعافي السوري. ورغم الذرائع المُعلنة، فإن المسألة الكردية لم تعد مبرراً كافياً لحسم الوضع شرق الفرات، لا سيما أن أنقرة مضت في مصالحة داخلية مع الأكراد، مانحةً إياهم حقوقاً دستورية وإدارة لا مركزية في شرق تركيا. كما لا يمكن اعتبار العائد الاقتصادي محفزاً رئيسياً، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إعادة بناء الاقتصاد السوري قد تحتاج إلى 15 أو 20 عاماً حتى يعادل اقتصاد محافظة تركية واحدة.
المسألة إذن ذات أبعاد استراتيجية. فبعد أن رسّخت تركيا نفوذها في وسط آسيا، وفي القوقاز، والبحر الأسود، فإن تثبيت وجودها في سوريا يجعلها تمسك بدور “وسيط القوة” الحاكم إقليمياً في صميم الخريطة الجيوسياسية.
لذلك، لا تنظر تركيا بعين الرضا إلى أي مساعٍ لفرض وقف إطلاق نار دائم برعاية إسرائيل، في ظل الضعف السوري. ومن غير المتوقع أن نشهد انفراجاً في التنافس التركي-الإسرائيلي قريباً، إلى أن يتبلور التغيير العميق الذي تشهده المنطقة، ويفضي إلى توزيع جديد للأدوار والثروات بين الطرفين.
أما أوروبا، فقد أدركت، بعد اهتزاز النظام العالمي وتراجع الشعور بالأمان، أنها لا تستطيع تجاهل فضائها الحيوي في شرق المتوسط. وهي تجد نفسها في تناقض استراتيجي مع التوجهات البريطانية والتركية التاريخية بشأن خطوط الهيمنة الإقليمية والبحرية في هذا الفضاء.
وتؤمن فرنسا بأنها تمتلك أوراقاً إضافية على الساحة السورية، بدءاً من علاقاتها التاريخية مع مختلف المكونات، لا سيما الأكراد، وصولاً إلى قلقها من انفلات الوضع الداخلي السوري. وتعتقد باريس أنها يمكن أن تكون شريكاً مفيداً للسياسة الأمريكية، خاصة في ظل التناقض التركي-الإسرائيلي المتزايد. كما لا تُخفي خشيتها من تداعيات الوضع السوري على لبنان، لا سيما مع صعود القوى السلفية الجهادية، وتنامي النفوذ التركي في طرابلس، ضمن مناخ لبناني شديد التوتر بفعل الضغوط الهادفة إلى نزع سلاح حزب الله.
لقد قرعت أجراس الخطر في باريس جراء التحركات التركية. وحمل اللقاء “الافتراضي التعارفي” الذي عُقد قبل أسابيع بين الرئيسين السوري والفرنسي، إلى جانب نظرائهما اليوناني والقبرصي واللبناني، إشارات واضحة للخطوط الحمراء المتعلقة بشرق المتوسط، وموارد الطاقة، والدور التركي. وفي الوقت نفسه، اشتد التوتر بين تركيا من جهة، وإسرائيل وفرنسا وأوروبا من جهة أخرى، بالتوازي مع الضغوط التي مورست على دمشق للموافقة على الشروط الإسرائيلية في مفاوضات باكو.
لكن كانت مذابح السويداء هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير – والبعير هنا هو الثقة الدولية بقدرة الحكومة السورية على التحكم بالعناصر المنفلتة، وإدارة السلم الأهلي، والانخراط الجاد في عملية تفاوض تحقق الشروط الخمسة التي طرحها الرئيس ترامب في قمة الرياض، خصوصاً ما يتعلق بإسرائيل والمصالحة الداخلية، وصولاً إلى عقد اجتماعي جديد يتسع طوعاً لكل السوريين.
وقد تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب بعد تدخل القوات الإسرائيلية لاحتواء الهجوم على جبل العرب، وزادت الأمور تعقيداً تقارير تحدثت عن وجود خبراء أتراك يديرون المسيّرات التي استهدفت القوات المناهضة للحكومة السورية، وكادت أن تحتك بالقوات الإسرائيلية.
عند هذه النقطة، بدأنا نلحظ اختلافاً في الحراك الذي يقوم به باراك عن توجهات وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، تجاه دمشق والوضع في لبنان. فرغم التصريحات الإيجابية التي يدلي بها باراك حول الحكومة السورية، فإن التريّث والشك لا يزالان سيدي الموقف في واشنطن.
ومن جانبه، تحرك الرئيس ماكرون سريعاً لإقناع الإدارة الأمريكية بخطورة منح تفويض مفتوح لتركيا، أو منح الحكومة السورية بطاقة بيضاء قبل التأكد من قدرتها على السيطرة الفعلية وتحقيق شروط ترامب. وزاد من وتيرة تحرك ماكرون شعور فرنسا باحتمال وقوع صدام مباشر بين إسرائيل وتركيا في بيئة دولية بالغة التعقيد.
جاء اجتماع باريس، الذي ضم الوزير الإسرائيلي الموثوق ديرمر، ووزير الخارجية الفرنسي، والمبعوث باراك، والسيد الشيباني، بمثابة تحذير شديد اللهجة للحكومة السورية. رسالته الأساسية: ربط الأقوال بالأفعال. ومحوره الأول هو تركيا، والثاني العقد الاجتماعي الجديد لجميع السوريين.
ورغم موافقة دمشق على إقامة منطقة عازلة واسعة خالية من المقاتلين، والاتفاق على التنسيق الأمني والعسكري مقابل انسحاب جزئي لإسرائيل من مناطق سيطرت عليها بعد سقوط الأسد، فإن هنالك حديثاً عن طلب سوري للمهلة لترتيب الأوضاع الداخلية، ورسم طبيعة العلاقة مع أنقرة. غير أن اللقاء، بلا شك، كان بالغ الحساسية.
خلال مفاوضات سابقة، قال بشار الأسد للوفد المفاوض: “إنها لعبة ميكي ماوس. المهم أن يخرج الطرف الآخر متفائلاً من موقفنا، وبعدها يمكن أن نتحجج بأي ظرف طارئ”.
لكن خوفي أن سوريا لم تعد تملك ترف الوقت، ولا ترف “لعبة ميكي ماوس” هذه المرة. فالدبلوماسية ليست مجرد عبارات منمّقة أو مجاملات لفظية؛ بل هي قرارات استراتيجية مفصلية، لا بد أن تنبع من عمق عربي أصيل.
سوى ذلك، فإن كل التفاهمات والتوافقات لا معنى لها ما لم تُبْنَ على خيار سلمي حيادي، وعلى مصداقية في الفعل قبل القول.
فمن دون بعدها العربي، ستظل سوريا في مهب الريح، في وقتٍ أصبح فيه الإقليم بأسره على كف عفريت.
—————————–
هل تعيد موسكو رسم خرائط النفوذ شرق الفرات؟
مصدر حكومي: روسيا لا تقلقنا ولن نكررعلاقة النظام السابق بها
سلطان الكنج
31 يوليو 2025 م
تجد موسكو الداعم الأول لنظام الرئيس السابق بشار الأسد نفسها اليوم أمام تحدي إعادة صياغة استراتيجياتها في سوريا التي باتت تزدحم بكبار اللاعبين الدوليين والإقليميين.
ومع سيطرة القوات الحكومية إلى حد ما على منطقة الساحل السوري، المجال الحيوي التقليدي للنفوذ الروسي سابقاً، تتجه روسيا للاستثمار في حالة الفراغ السياسي والأمني وغياب الدولة عن محافظة الحسكة، لإعادة بناء مناطق نفوذ جديدة في شمال شرقي سوريا بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من خلال إعادة التموضع عسكرياً في مطار القامشلي الذي يخضع حتى الآن لسيطرة تلك القوات.
سباق مع الزمن
ومع انهيار نظام الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي وخسارة روسيا أحد أهم الحلفاء، ومع واقع تعقيدات التحالف بين الدولة السورية الوليدة وتركيا، اللاعب الإقليمي الأهم في الشمال السوري، والتعارض البيّن بين السياسات الأميركية والتركية فيما يتعلق بمستقبل المنطقة، والموقف من قوات «قسد» الحليف الأوثق للأميركيين، تجد موسكو نفسها في سباق مع الزمن لإعادة ترتيب أوراقها، وبناء تحالفات جديدة من شأنها الحفاظ على نفوذ ما عبر قوى محلية مثل «قسد» أو بقايا النظام السابق، أو حتى البقاء على أنها لاعب فاعل ومؤثر في المشهد السوري عبر دور سياسي يتمثل في لعب دور الوسيط بين «قسد» والحكومة في دمشق، لكن يبقى ذلك سابقاً لأوانه حتى مع بوادر عودة العلاقة الدبلوماسية بين دمشق وموسكو، وتأكيد الأخيرة على دعم «وحدة الأراضي السورية».
وفي مؤشر واضح على كسر الجليد بين البلدين تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو، بعد اتصال هاتفي أجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد فيه على ضرورة الحفاظ على «وحدة أراضي» سوريا، بعد أسبوع على تدخل إسرائيل عسكرياً في جنوب البلاد.
خسارة استراتيجية
وفي حرص روسي واضح على عدم تكبد خسارة استراتيجية، كان بوتين قد مهّد لعودة العلاقات مع سوريا، بأن أجرى منذ فبراير (شباط) الماضي اتصالاً هاتفياً بنظيره السوري أحمد الشرع، أكد فيه دعم روسيا لـ«وحدة وسيادة وسلامة أراضي سوريا»، وأعرب عن استعداد موسكو لمساعدة سوريا في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك تقديم المساعدات الإنسانية. كما شدد بوتين على أهمية تنفيذ سلسلة من الإجراءات لتطبيع الوضع في سوريا، وإحياء الحوار بين السوريين، حسبما أعلن الكرملين.
وبموازاة المبادرات الدبلوماسية، جرت تحركات ميدانية عسكرية وأمنية، حيث أفادت مصادر مطّلعة في شمال شرقي سوريا لصحيفة «الشرق الأوسط» أنّ ضباطاً سابقين في جيش النظام السابق، إضافة إلى عناصر أمنيين، انتقلوا في الأشهر الأخيرة إلى مناطق شرق الفرات برعاية روسية، بعضهم انضم إلى قوات سوريا الديمقراطية، فيما احتفظ آخرون بعلاقاتهم المباشرة مع موسكو. وتؤكد المصادر أن أكبر تموضع للقوات الروسيّة حالياً في مطار القامشلي، في حين تسجّل تحركات غير ثابتة لمجموعات روسية في محيط الرقة. ويُقدر عدد العناصر الروس في شرق الفرات بـ200 عنصر، ما يجعل الوجود العسكري محدوداً مقارنة بالانتشار الأميركي.
وحتى أواخر يوليو (تموز) 2025، انخفض عدد الجنود الأميركيين في سوريا بشكل ملحوظ ضمن سياسة تقليص الوجود العسكري. وكان العدد عند سقوط النظام السابق نحو ألفي جندي موزعين في الشمال الشرقي بين الحسكة ودير الزور، وقاعدة التنف جنوب شرقي سوريا القريبة من الحدود المشتركة مع كل من العراق والأردن.
وخلال الأشهر التالية، بدأت خطة لسحب وإغلاق عدة قواعد عسكرية، ما خفّض العدد إلى نحو 1400 جندي، مع هدف الوصول إلى أقل من ألف جندي بحلول نهاية العام ضمن قاعدتين هما التنف ورميلان بعد أن كان الجنود ينتشرون في ثماني قواعد.
وتشير المصادر الخاصة إلى أن هذا الوجود الروسي ليس جديداً، بل تعود جذوره إلى ما قبل سقوط النظام، حين لعبت موسكو دور الوسيط بين «قسد» والنظام السوري، وسعت إلى بناء قنوات اتصال دائمة بين الطرفين.
لدينا مصالح مع موسكو
قال مسؤول حكومي سوري رفيع لصحيفة «الشرق الأوسط» إنّ دمشق لا تشعر بالقلق من الوجود الروسي في سوريا، مؤكّداً أنّ «روسيا عبّرت في لقاءاتها معنا عن رغبتها في بناء علاقة متوازنة وندية مع الدولة السورية». وأضاف المصدر مفضلاً عدم الكشف عن اسمه: «نعم، لدينا مصالح مع موسكو، سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة في المستقبل، لكنّ علاقتنا بها لن تكون كما كانت عليه في عهد النظام السابق، الذي استقدم الروس لقمع الشعب، ومنحهم كل شيء بلا مقابل ولا حسابات».
وتابع المسؤول: «من مصلحة سوريا اليوم بناء علاقات متوازنة مع الجميع، تقوم على المصالح المتبادلة، والاحترام المتبادل. هذا لا يعني أنّ العلاقة مع موسكو خالية من العقبات أو التباينات، لكنّ المهم هو وجود رغبة جديّة من الجانبين لبناء نموذج جديد من الشراكة».
وشدّد المسؤول السوري على أنّ روسيا في المقابل «تبدي حرصاً واضحاً على وحدة سوريا، وترفض التدخل في شؤونها الداخليّة، ولا يبدو أنّها تدعم أي أطراف سوى الحكومة المعترف بها دولياً، وهو أمر نعتبره إيجابياً (..) حتى الآن، لم نرصد أي ممارسات أو نيات روسية تثير القلق، أو الشكوك».
حجة محاربة «داعش»
يرى رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، مضر الأحمد، أن هناك تنسيقاً وثيقاً بين روسيا وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، خاصة في محيط مطار القامشلي الذي تحوّل، بحسب وصفه، إلى «قاعدة روسية كبيرة». ويؤكد الأحمد أن الدعم الروسي لـ«قسد» يشمل مستويات متعددة، عسكرية وسياسية وأمنية. ويقول الأحمد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن لموسكو «مصلحة كبيرة» في تعزيز علاقاتها مع «قسد»، موضحاً أن روسيا تستخدم ورقة وجودها شرق الفرات، وتحالفها مع القوات الكردية ما يضعف حكومة دمشق. وأضاف: «موسكو تقف إلى جانب (قسد) ضد اندماجها في الجيش السوري، في ظل عدم ممانعة الولايات المتحدة وإسرائيل للوجود الروسي شرق الفرات».
ويعدّ الأحمد أن روسيا ترى في اللامركزية التي تطالب بها «قسد» مدخلاً لضمان مصالحها، ولا سيما في الساحل السوري، حيث تنتشر قواعدها الجوية في بانياس وريف جبلة، وفي مقدمتها قاعدة حميميم. كذلك يشير إلى أن روسيا تستغل ورقة «داعش» لتبرير بقائها العسكري في المنطقة، «إذ تُظهر نفسها على أنها قوة تحارب الإرهاب، وبذلك تشرعن وجودها شرق الفرات». ويضيف: «التحالف مع (قسد) يمثل الورقة الأهم بالنسبة لروسيا في سوريا، ولن تفرط بها، فهي من خلالها تقايض حكومة دمشق لتثبيت قواعدها، وتعزيز وجودها في البلاد». ويختم الأحمد بالقول إن روسيا «ليست من مصلحتها اندماج (قسد) مع الحكومة السورية، لأن بقاء الأخيرة مستقلة نسبياً يضمن في المقابل استمرار الوجود العسكري الروسي».
القامشلي مقابل حميميم
في سياق متصل، يكشف الصحافي السوري من مدينة دير الزور، زين العابدين العكيدي، لـ«الشرق الأوسط» أن تحركات القوات الروسية في شرق الفرات تقوم أحياناً بطلعات جوية، إضافة إلى رحلات لطائرات الشحن العسكرية بين مطاري القامشلي –حيث القاعدة الروسية– وقاعدة حميميم العسكرية في الساحل السوري.
ويؤكد العكيدي أن عمليات نقل ضباط كبار من النظام السوري السابق من الساحل إلى مطار القامشلي بدأت منذ شهر أبريل (نيسان) الماضي، وبدأ حضورهم يصبح ملحوظاً في المنطقة مع قيام بعضهم بنقل عائلاتهم. ويعتقد العكيدي أن موسكو لن تخلي قاعدة القامشلي، معتبراً أنها ورقة أساسية بيدها أمام الأميركيين والأتراك على حد سواء. ويوضح: «حاولت (قسد) إقناع الروس بإقامة قاعدة قرب حقل العمر النفطي المهم، لكن الروس رفضوا العرض، كما رفضوا طلب (قسد) تغيير اسم مطار القامشلي إلى (قامشلو) أو (قابو) بالكردية، قبل أن يسمحوا لاحقاً بوضع إشارة تدل على المطار بأربع لغات من بينها الكردية». ويضيف العكيدي أن روسيا نقلت عدداً كبيراً من ضباط وعناصر النظام الفارين من الحكومة السورية الجديدة، وأرسلتهم إلى أوكرانيا للقتال معها، مقابل عقود تقارب 1000 دولار أميركي شهرياً، مع منحهم إقامات دائمة في روسيا تحميهم من الملاحقة.
موسكو ودمشق رؤية مشتركة
من جهته، قال الباحث في مركز جسور للدراسات فراس فحّام لصحيفة «الشرق الأوسط» إنّ روسيا تستخدم ضباط النظام السابقين وتحتويهم ضمن قواعدها، سواء في حميميم أو القامشلي، أو حتى في قواعدها خارج سوريا، لا سيما في شرق ليبيا. وأضاف أن موسكو تستخدم هؤلاء الضباط غالباً في مهمات لوجستية وأمنية تتعلق بتأمين القواعد الروسية، مثل الحماية، وجمع المعلومات الاستخباراتية.
وأوضح فحّام أن المعطيات الميدانية لا تشير إلى أن روسيا بصدد تشكيل بنية عسكرية موازية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في شرق البلاد، مشيراً إلى أن الوجود الروسي في سوريا يتم بشكل واضح ومنسّق مع حكومة دمشق.
ويرى أن أحد أسباب امتناع روسيا عن الدفاع عن نظام الأسد في أيامه الأخيرة هو لا شك تلقيها تطمينات من أطراف فاعلة محلية وإقليمية بأن وجودها العسكري سيستمر. وأكد أن دمشق لن تفرط في علاقتها مع موسكو قبل اتضاح المسار الغربي حيال سوريا، لا سيما في ظل غياب ثقة دمشق بالتوجهات الأميركية المستقبلية في الملف السوري.
وفي أولى إشارات الانفتاح الرسمي على روسيا بعد سقوط نظام بشار الأسد، حرص الشرع على إرسال رسالة واضحة، مفادها بأن أي علاقة استراتيجية جديدة يجب أن تُبنى على أسس متوازنة. وكان الشرع قال في تصريحات سابقة إن إدارته «حريصة على بناء علاقات استراتيجية متجددة مع روسيا»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «أي شراكة مقبلة يجب أن تُبنى على قاعدة احترام سيادة الدولة السورية، واستقلال قرارها السياسي، وضمن إطار يضمن استقرار البلاد، ووحدتها».
لذا، فإن العلاقة بين موسكو و«قسد» ليست متينة بالشكل الذي قد تبدو عليه بحسب فحّام، لكون موسكو تدعم مبدأ وحدة الأراضي السورية، ما يتناقض مع الرؤية الآيديولوجية لـ«قسد»، ويتقاطع بالمقابل مع الموقف الرسمي لدمشق. وأضاف فحّام أن روسيا استخدمت «قسد» والنظام السوري في مرحلة معينة ورقة ضغط على تركيا، ووسيلة لابتزازها في الملف السوري، بما يفضي إلى تقريب تركيا من النظام، وإبعادها عن المعارضة السورية التي رعتها أنقرة.
واستبعد فحّام أن تُقدم روسيا على بناء منطقة نفوذ مستقلة لها شرق الفرات خارج التنسيق مع دمشق، موضحاً أن موسكو ليست في وارد الصدام مع الحكومة السورية، لأن القواعد الروسية الموجودة على الأراضي السورية باتت فعلياً أشبه بورقة بيد دمشق، ولا يمكن لروسيا المجازفة باستعداء النظام السوري في هذه المرحلة.
وأشار إلى أن موسكو حريصة على الحفاظ على تفاهماتها مع دمشق، لا سيما أنها تتفق مع تركيا على مبدأ وحدة الأراضي السورية، وتُبدي تحفظاً مشتركاً على تنامي النفوذ الإسرائيلي داخل سوريا.
روسيا وعشائر شرق الفرات
ترى قوى محلية فاعلة في مناطق شرق الفرات أنه لا يوجد نفوذ روسي ملموس في هذه المرحلة. وقال الشيخ ناصر الفرج، أحد وجهاء العشائر في شرق الفرات، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لا وجود لنفوذ روسي حقيقي في شرق الفرات اليوم إلا من خلال (قسد)»، مشيراً إلى أنه «لا توجد أي قنوات تواصل أو حوار بين الروس والعشائر بشكل مباشر». وأضاف: «روسيا لم تتبنَّ أي طرف عشائري في شرق الفرات بعد سقوط النظام، قبل سقوط النظام كانت بعض الميليشيات المحلية في تلك المناطق تحظى بدعم أو غطاء روسي، ضمن ترتيبات أمنية ظرفية تعود إلى ما قبل سقوط النظام السوري».
قائد ميداني: روسيا مثل إيران
وقال أبو خالد الحصي، وهو قائد كتيبة في الجيش السوري (الجديد)، وقائد سابق في «حركة أحرار الشام» لـ«الشرق الأوسط»: «إن من حق الحكومة أن تفكر بعقل الدولة، وهذا أمر نفهمه ونتفهمه»، لكنه شدد على أن السوريين «لن ينسوا ما فعلته روسيا في السنوات الماضية».
وأضاف: «قتل أقربائي، مثل كثير من السوريين الذين سقطوا تحت القصف الروسي، حين كانت الطائرات الروسية تستهدف الأسواق والتجمّعات السكنية ومراكز الدفاع المدني». وأضاف: «لن نرى روسيا إلّا عدواً، فهي شريك مباشر في تهجيرنا، وفي قمع الثورة، وفي تمكين النظام من التوحش».
ورأى الحصي أن «روسيا، كإيران، لعبت دوراً أساسياً في قمع السوريين، لا سيما عبر غاراتها الجوية التي امتدّت لأعوام. ورغم أن العالم شهد صراعات تحولت لاحقاً إلى علاقات طبيعية، فإن ذاكرة الشعوب لا تخضع لهذا المنطق».
وختم قائلاً: «الأفضل أن يأتي يوم نفاوض فيه الروس على تسليم بشار الأسد وعدد من ضباط النظام الهاربين إلى روسيا، من خلال ورقة قواعدهم العسكرية في سوريا. هذا حق مشروع، لكنه لا يغير من حقيقة ثابتة هي: إن روسيا ستبقى عدواً في نظر غالبية السوريين».
سجل مثقل بالدم والنار
وكان التقرير السنوي الأخير لعام 2024 الصادر عن «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أورد أن القوات الروسية تسببت بمقتل 6 آلاف و969 مدنياً، بينهم 2055 طفلاً و983 امرأة، بالإضافة إلى مسؤوليتها المباشرة أو غير المباشرة عما لا يقل عن 362 «مجزرة»، منذ بدء تدخلها العسكري في سوريا في 30 سبتمبر (أيلول) 2015. وأظهر تحليل بيانات الشبكة أن العام الأول للتدخل الروسي (2015-2016) شهد أعلى حصيلة من الضحايا، حيث بلغ عدد القتلى المدنيين 3564 شخصاً، وهو ما يمثل نحو 51 في المائة من إجمالي الضحايا خلال السنوات التسع. وسجلت محافظة حلب الحصيلة الأعلى من الضحايا (نحو 41 في المائة من الإجمالي)، تلتها محافظة إدلب بنسبة تقارب 38 في المائة.
وسجّل التقرير أيضاً ما لا يقل عن 237 هجوماً بذخائر عنقودية، إلى جانب 125 هجوماً بأسلحة حارقة شنتها القوات الروسية خلال فترة تدخلها الممتدة حتى 30 سبتمبر 2024. وخلص التقرير إلى أن حجم العنف المتصاعد الذي مارسته القوات الروسية، بالتوازي مع قوات النظام والميليشيات الإيرانية، كان من الأسباب الأساسية في تشريد نحو 4.9 مليون نسمة، كثير منهم تعرّضوا للنزوح القسري المتكرر.
نهج تركي في بناء العلاقات
وعلى ما يبدو، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع يدرك جيداً أن علاقات التعاون المُتزنة مع موسكو تُشكّل ركيزة استراتيجية لتعزيز الموقف السوري، وخلق توازن ما في العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية. وإذ تُستحضر تجربة نظام الأسد الأب الذي ارتكز على الدعم العسكري السوفياتي، ثم اضطر بعد انهيار المعسكر الشرقي إلى انفتاح حذِر على الغرب للحفاظ على المصالح وسط تحوّلات النظام الدولي، فإن الإدارة الحالية تسعى لتجنب تكرار السيناريو ذاته عبر تبني نهج دبلوماسي أكثر توازناً وانفتاحاً على الجميع.
وتُلمّح قراءة نهج الشرع إلى تشابه لافت مع سياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إدارة علاقات بلاده الخارجية، حيث يتبنى سياسةَ تحالفات متعدّدة المحاور تسمح بالتعاون مع روسيا والغرب في آن واحد. يُضاف إلى ذلك العامل الجوهري المتمثل في العضوية الدائمة لروسيا في مجلس الأمن الدولي، مما يُحوّل التعاون معها إلى رافعة دبلوماسية تمنح دمشق أدوات فعّالة لمواجهة التحديات والضغوط الغربية المستقبلية. هذا المسار يُوفّر للحكومة السورية هامشاً أوسع للمناورة في الساحة الدولية، مع واقع وجود مشكلات داخلية عالقة ومعقدة قد يطول حلّها.
الشرق الأوسط
——————————
سيناريوهات متعددة.. طريقة حل المسألة الكردية سوف ترسم خارطة سوريا الجديدة/ سامر سيف الدين
30 يوليو 2025
في آذار/ مارس 2025، وقّع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع اتفاقًا مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة مظلوم عبدي، يقضي باندماج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية، بما في ذلك القوات العسكرية والمدنية، ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض التقسيم. ولكن تسارع الأحداث المفاجئ في الساحل السوري، ومن ثم الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة السويداء خلفت تعقيدات كبيرة جدًا في المشهد السوري، جعل الكثيرين من الأكراد يعيدون النظر بهذا الاتفاق، مما يهدد بأحداث أكثر مأساوية وأكثر خطرًا على مستقبل سوريا، فما هي الاحتمالات المتاحة لتعاطي الحكومة مع ملف الأكراد وما هي ردود الفعل المتوقعة وما الخيارات أمام قسد، وهل سيكون الموقف الأميركي والدولي سبيلًا إلى استقرار سوريا أم سيدفع بالبلاد نحو الهاوية؟
أحداث السويداء تلقي بظلالها القاتمة على المرحلة القادمة
تصاعدت التحديات السياسية والعسكرية والإقليمية التي تواجهها البلاد بعد المعارك الدموية التي شهدتها محافظة السويداء والتي راح ضحيتها عدد كبير من الأشخاص غالبيتهم من الأبرياء، بالإضافة إلى تهجير الآلاف من قراهم نحو القرى الأكثر أمنًا أو حتى الشتات، وعانت المحافظة ومازالت من أزمات خانقة في الماء والكهرباء والوقود والطعام والمواد الطبية، مما ينذر بكارثة إنسانية حسب الممثلة المقيمة لمنظمة الصحة العالمية.
وبالتوازي مع هذه الأزمات أظهرت أحداث السويداء تعقيدات الوضع السوري والعدد الكبير للاعبين الإقليمين والدوليين في هذا الملف، والذين بغالبيتهم يسعون لتحقيق مصالحهم حتى ولو على حساب الدم السوري. كما أظهرت الأحداث خللًا كبيرًا في المؤسستين الأمنية والعسكرية السوريتين وهذا باعتراف وزيري الدفاع والخارجية، اللذين قررا تشكيل لجان للتحقيق في الانتهاكات الفظيعة التي طالت الناس الآمنين في المحافظة.
كل هذه التعقيدات ألقت بظلالها السلبية على سير الاتفاق الموقع مع قسد ورأينا عودة للتأكيد على أن خيار التمسك بالسلاح لا نقاش فيه، وتذرع الكثيرون ممن يتبنون هذا الرأي بأن مصير الكرد لن يكون أفضل من مصير أهل الساحل أو أهل السويداء في حال تم تسليم السلاح دون ضمانات دستورية وقانونية ولوجستية يرضى بها الكرد وتكفل حقوقهم وحياتهم، وهذا ما أكده مدير الدائرة الإعلامية في قسد مؤخرًا.
السيناريوهات المحتملة لتعاطي دمشق مع “قسد”
هناك عدد محدود من السيناريوهات المحتملة لتعاطي الحكومة السورية المؤقتة مع الملف الكردي، الأول هو سيناريو التسوية المستقبلية، حث يستطيع الشرع الموازنة بين المطالب الكردية بالحقوق الثقافية والسياسية (على سبيل المثال اللامركزية الإدارية) والمخاوف التركية، ويمكن لسوريا أن تتحرك نحو نظام لا مركزي يحافظ على الوحدة ويقلل من التوترات العرقية، وهذا يتطلب حوارًا شاملًا ودعمًا وتبنيًا دوليًا لهذا الخيار.
أما السيناريو الثاني فهو سيناريو التصعيد، والذي قد ينتج عن الفشل في إرضاء الأكراد أو تركيا، وهذا السيناريو تدفع به كثير من وسائل الإعلام مدعومة بكتلة من موالي حكومة دمشق الذين يعلنون أن “الجزيرة هي الهدف التالي بعد السويداء”، وهناك الكثير من الرؤوس الحامية المقربة من حكومة دمشق تتبنى هذا الخيار، علمًا بأن الجميع يعي التكلفة الباهظة لهذا السيناريو. وهذا الصراع في الشمال الشرقي، قد يبدأ إذا أطلقت تركيا العمليات العسكرية ضد قسد، أو سُمح للعشائر بمهاجمتها.
ويدعم هذا السيناريو صحفيون مثل آن بارنارد Anne Barnard (صحيفة نيويورك تايمز) وروكميني كاليماشي Rukmini Callimachi (نيويوركر)، مقارنين بين وحشية النظام السابق ضد المعارضة الكردية (على سبيل المثال، قمع الانتفاضات الكردية أثناء حكم حافظ الأسد)، والخطأ الذي قد ترتكبه حكومة دمشق، إذا ما رأت في الإدارة الذاتية الكردية تهديدًا للوحدة. ويتفق معهما محللون وصحفيون عرب يرون أن المناطق التي يديرها الأكراد تعزز المساواة بين الجنسين والحكم العلماني، ما من شأنه أن يصطدم بـ “حكم دمشق الإسلامي المتشدد”.
وهناك أيضًا سيناريو التهميش الكردي، وفيه تعمل حكومة دمشق على تهميش الأكراد وإضعاف قسد، وقد تلجأ لإثارة تمرد كردي أو صنع تحالفات جديدة مع الجهات الفاعلة الخارجية مما يزيد من تعقيد المشهد السوري.
ويحذر المحللون من أن التوترات العربية والكردية يمكن أن تتوهج إذا أعطت الحكومة الشريعة الأولوية للهيمنة العربية السنية، مما سيؤدي إلى الإقصاء القسري وتغذية العنف الطائفي، والذي سيقود البلاد إلى السيناريو الأكثر خطورة وهو دفع البلاد نحو التقسيم بعد معركة قصيرة مع الأكراد، تؤدي إلى مجازر مروعة بحق المدنيين وخسائر كبيرة بين طرفي الصراع مما يجعل العودة إلى طاولة التفاوض شبه مستحيلة. وهذا بالضرورة سيدفع بالكرد إلى المطالبة بحماية دولية والانفصال ووضع البلاد تحت الفصل السابع، متكلينً على دعم شعبي في منطقتي الساحل والسويداء.
وبالإضافة للسيناريوهات قصيرة المدى السابقة هناك سيناريو طويل الأجل وهو سيناريو الجمود، حيث يحتفظ الأكراد بالشمال الشرقي السوري بدعم من الولايات المتحدة، في حين أن دمشق تفتقر إلى القوة لاستعادة ذلك، مما يؤدي إلى صراع مجمد (مثل قبرص أو الصحراء الغربية).
وفي هذا السياق يرى معظم المحللين الصحفيين الأميركيين بأن نظام دمشق سيسعى إلى تفكيك الحكم الذاتي الكردي في شمال شرق سوريا (روجافا). بينما سيقاوم الأكراد، الذين قاموا ببناء نظام علماني لا مركزي إعادة الإلغاء، مما يؤدي إلى التمرد المطول أو الصراع منخفض الكثافة.
الدور الأميركي هو الفصل
إن مستقبل العلاقة بين دمشق والكرد وخاصة الخيار العسكري يحدده بشكل كبير الدعم العسكري الأميركي. يرى ليز سلي من الـ “واشنطن بوست” أن دعم الولايات المتحدة لـ قسد كان شريان الحياة الرئيسي للكرد، وإذا انسحبت واشنطن (كما حدث تقريبًا في عهد ترامب في عام 2019) ، فإن الأكراد سيكونون عرضة لهجوم دمشق أو أنقرة. ويرى الكثير من المحللين أنه طالما بقيت القوات الأميركية في سوريا، يبقى الحكم الذاتي الكردي؛ وإذا غادرت، فمن المحتمل أن ينهار.
بينما يؤكد صحفيون مثل أمبرين زمان (المراقب) على أهمية الدور التركي، حيث تنظر أنقرة إلى الحكم الذاتي الكردي على أنه تهديد وجودي (بسبب العلاقة مع حزب العمال الكردستاني PKK) ويمكنها التعاون مع دمشق لسحقه، أو بدلًا من ذلك، قد تقرر الغزو بقواتها إذا كانت دمشق ضعيفة للغاية.
وتشير التقارير من وول ستريت جورنال ورويترز إلى أن إيران وروسيا قد تفضلان سوريا ضعيفة ولكنها مركزية. ويمكنهم الضغط على الفصائل الكردية لقبول حكم دمشق في مقابل التنازلات البسيطة، ولكن هذا الخيار لم يعد مقبولًا من الطرفين الآن.
الكرة في ملعب حكومة دمشق
سيكون موقف حكومة الشرع من الأكراد عاملًا محددًا في ما إذا كانت سوريا تتحرك نحو الاستقرار أو الصراع المتجدد. ومع أن الاتفاقية الحالية مع قسد خطوة إيجابية، ولكنها تواجه تحديات من عدم الثقة المتبادلة وتراجع دعم الولايات المتحدة. إن تسوية سياسية ناجحة وشاملة تضمن الحقوق الكردية داخل سوريا الموحدة يمكن أن تمهد الطريق للاستقرار. وإذا تمكن الشرع من إقناع تركيا بقبول تسوية سياسية مع الأكراد، فقد يسهم ذلك في تهدئة التوترات وتعزيز الوحدة الوطنية، خاصة إذا ما انسحبت التسوية لتشمل الساحل والسويداء. بينما يهدد فشل الرئيس الشرع في إدارة هذه القضية بإعادة سوريا إلى الصراع الدموي، ويمهد لتقسيم سوريا إلى دويلات مع احتمالية انتقال الصراع والاقتتال إلى دول الجوار، وبالتالي إشعال المنطقة بحروب لن يخرج أحد منها منتصرًا.
الترا سوريا
————————-
مؤتمر الحوار الوطني.. العنوان المخادع/ مصطفى إبراهيم المصطفى
2025.07.31
رغم التسميات المؤثرة والهالات اللامعة التي تحيط بكل ما هو ذو علاقة بالوطن والوطنية والحوار الوطني، ليس بالضرورة أن يكون طرح فكرة “مؤتمر الحوار الوطني” حلاً سحرياً لوقف الهزات الارتدادية التي أربكت المشهد السوري بعد الزلزال الكبير الذي أطاح بنظام البطش الذي جثم على صدور السوريين لما يزيد على نصف قرن. في مقال سابق يحمل عنوان “على السوريين نسيان أطروحات الديمقراطية في الوقت الراهن”، شَكَّك المقال في مقولة الالتجاء إلى الديمقراطية كحل لبلد مكانه الطبيعي غرفة العناية المركزة، والتي تحتاج إلى السرعة في اتخاذ القرار، ولا تحتمل إجراء تجارب نتيجتها الحتمية هي الفوضى العارمة وضعف السلطة. واستناداً إلى المعطيات نفسها، قد ينتج عن مؤتمر الحوار الوطني ما هو أشد سوءاً.
الطريق إلى دولة القانون
مع مرور الزمن، طورت المجتمعات القبلية عدة مؤسسات سياسية، في مقدمتها المصدر المركزي للسلطة، الذي مارس احتكاراً فاعلاً لاستخدام القوة العسكرية فوق قطعة محددة من الأرض، وهذا ما يسمونه الدولة. لم تعد توازنات القوة الغاشمة بين مجموعات الأقارب تحفظ السلم، بل يحفظه جيش الدولة وجهاز شرطتها، اللذان أصبحا الآن قوة منظمة على الأرض تستطيع أيضاً الدفاع عن المجتمع ضد الدول المجاورة. ولم تعد حقوق الملكية محمية بسلطة القرابة، بل بسلطة المحاكم والأنظمة القضائية التي امتلكت حق حل النزاعات والتعويض عن الأضرار والإساءات.
مع مرور الزمن أيضاً، صيغت القواعد الاجتماعية على شكل قواعد مكتوبة بدل تركها عادات وتقاليد وأعرافاً غير رسمية. واستخدمت تلك القواعد الرسمية لتنظيم عملية توزيع السلطة داخل النظام، بغض النظر عن الأفراد الذين يمارسونها، والفترة الزمنية التي يمارسونها فيها. بعبارة أخرى، حلت المؤسسات محل القادة والزعماء الأفراد، ومنحت الأنظمة القضائية والقانونية – في نهاية المطاف – السلطة العليا في المجتمع، وهي سلطة اعتُبرت أعلى من سلطة الحكام الذين يتولون آنياً قيادة قوات الدولة المسلحة وبيروقراطيتها، وهذا ما بات يعرف بحكم القانون.
الفئات الميراثية
استناداً إلى عبارة “مع مرور الزمن”، علينا أن نتصور أن بعض المجتمعات قد وصلت إلى خط النهاية في رحلتها الطويلة نحو دولة القانون، وبعضها ما زال في أول الطريق، والبعض الآخر يتأرجح في المراتب بين هذين الحدين. وفي مجمل الأحوال، لا تأخذ عملية إحلال سلطة القانون محل سلطة الأعراف والتقاليد خطاً متصاعداً بشكل دائم، وإنما غالباً ما تتعرض هذه العملية لارتكاسات مختلفة الشدة. فالبشر بطبعهم لديهم نزعة فطرية لتفضيل الأسرة والأصدقاء والعشيرة، وهو ما يسميه “فوكوياما” “الميراثية”.
هذه النزعة تعيد تأكيد ذاتها باستمرار في غياب حوافز مضادة. مع الزمن، تتخندق الفئات المنظمة – وتتكون غالباً من الأغنياء وأصحاب السطوة والنفوذ – في مواقعها، وتبدأ في مطالبة الدولة بامتيازات خاصة. ولا تنفك الفئات الميراثية الراسخة تسعى إلى توسيع نطاق هيمنتها، أو تمنع الدولة من ردعها باستجابة مناسبة. ويحصل هذا غالباً بعد حقبة سلام واستقرار طويلة تفضي إلى أزمة مالية أو عسكرية. (هل من حالة مشابهة في سوريا اليوم؟ وهل هناك من يسعى لتوسيع نفوذه ويطالب الدولة بالحصول على امتيازات خاصة؟)
تشظي المجتمع
في وصف دقيق للتركيبة السكانية في سوريا، يقول “هينبوش”: إن التركيبة الجغرافية المعقدة لسوريا شكّلت أساساً بيئياً لتعددية اقتصادية اجتماعية عززت بدورها الاختلاف الثقافي. هذه التعددية، والاختراق القبلي المتواصل للمجتمع (بما في ذلك عادات الزواج من الجماعة نفسها)، والإنتاج المحلي القائم على الملكيات الصغيرة، وكذلك بدائية وسائل النقل والتواصل، هذه العوامل مجتمعة ولّدت وحافظت على بنية مجتمعية مجزأة وذات انقسامات عميقة، ولم تولد نظاماً شاملاً موحداً ينتج قوى مكافئة تشاركية.
لم يسلم هذا النسيج الاجتماعي الهش بطبيعته من عبث نظام البعث، الذي دأب على تكريس التشظي وتفخيخ المجتمع ليجعل من نفسه الضامن الوحيد لبقاء الدولة ولاستمرار وحدتها. هذه التركة بدأت تطفو على السطح منذ انطلاقة الثورة السورية، التي ما لبثت أن تحولت إلى قصة حزينة لا يخلو فصل من فصولها من مشاهد العذابات والآلام. وهكذا، كان من الطبيعي أن ينزلق المجتمع الهش أصلاً نحو مزيد من التمزق تحت وطأة عصبيات كامنة انفلتت من كوابحها، وأحالت المشهد إلى بيئة مشحونة بعواطف الشك والتوجس وانعدام الثقة.
مؤتمر الحوار الوطني السوري
إذاً، يريد دعاة المؤتمر الوطني من ممثلي مجتمع بلغ قمة التشظي والتخندق والاستقطاب وفقدان الثقة المتبادل، مجتمعاً يمر بمرحلة الانحطاط السياسي، تسعى القوى الميراثية فيه إلى توسيع نفوذها وتكاد تحيله إلى مجتمعات ما قبل الدولة، يريدون منه أن يُنجز مؤتمراً وطنياً يجترح الحلول لبلد يكاد يحتضر. بلد أكثر ما يحتاجه سلطة بصلاحيات واسعة تجعلها أكثر رشاقة في اتخاذ القرارات وإجراء ما يلزم لإنقاذ البلد الذي تتهدده عشرات المخاطر، ابتداءً بمخاطر المجاعة، مروراً بمخاطر الحرب الأهلية، وانتهاءً بمخاطر التقسيم.
إن موافقة الحكومة على رعاية مؤتمر كهذا سوف تعطيه من الشرعية ما يرقى إلى مستوى شرعية سلطة تشريعية منتخبة، وبناءً على المعطيات السابقة ستتركز جهود بعض الجماعات على الحصول على مزايا تمكنها من التعطيل دون امتلاكها للأكثرية اللازمة، وهي إن لم تحصل على هذا المطلب سوف تنسحب من مؤتمر الحوار كتطبيق فعلي لحق النقض. والنتيجة الحتمية ستكون استقطاباً مجتمعياً أكثر حدة من ذي قبل. بمعنى آخر، إن تورط الحكومة برعاية مؤتمر وطني يتوافق ورؤية القوى المطالبة به؛ سيضعها أمام خيارين: إما مواجهة تبعات الفشل، وإما الاسترضاء الذي سيفضي إلى نموذج مستنسخ عن النموذج العراقي أو النموذج اللبناني.
أخيراً، كل هذا لا يعني أن تنأى الحكومة بنفسها عن إشراك الجميع في العملية السياسية والإدارية، بل على العكس تماماً، فإشراك الجميع في إدارة العملية السياسية هو الحل الأمثل، على أن تكون هذه المشاركة قائمة على مبدأ المواطنة والكفاءة ومراعاة التركيبة السكانية للمجتمع السوري دون الوقوع في فخ المحاصصة المُقننة والمُدسترة.
تلفزيون سوريا
——————————–
مظلوم عبدي: نولي اهتماماً كبيراً للاتفاق مع دمشق ويجب أن تكون للجيش هوية وطنية
2025.08.01
يجب التركيز على مسار واضح لدمج جميع الفصائل العسكرية ضمن الجيش السوري بما يعزز الاستقرار ويمنع الانقسامات
أكد قائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي، أن مذكرة التفاهم الموقعة مع الحكومة السورية، في 10 آذار 2025، تحظى بأهمية كبيرة، مشيراً إلى أن العمل جارٍ حالياً على توسيع الاتفاق وتنفيذه بما يضمن استقرار البلاد ويحول دون استغلال أي فراغ أمني.
وفي تصريحات لموقع “إنديان إكسبريس”، شدد عبدي على ضرورة أن يتمتع الجيش السوري بهوية وطنية تمثل كافة السوريين، مضيفاً أنه “يجب أن يكون دور الجيش هو الدفاع عن الشعب السوري بأكمله، وألا يكون تابعاً لأي مصالح خاصة”.
وأكد عبدي على ضرورة التركيز على مسار واضح لدمج جميع الفصائل العسكرية ضمن الجيش السوري، بما يعزز الاستقرار ويمنع الانقسامات.
“الإدارة الذاتية” نموذج للحكم في سوريا
واعتبر قائد “قسد” أن تجربة “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا يمكن أن تمثل نموذجاً إيجابياً للحكم في سوريا المستقبلية، مشيراً إلى أن هذه الإدارة استطاعت خلال أكثر من عقد من الزمن إعادة بناء المناطق التي دمرتها الحرب ضد تنظيم “داعش”، وإعادة ترسيخ الأمن فيها.
ورأى عبدي أن “سوريا اليوم لديها فرصة حقيقية للانتقال إلى نظام ديمقراطي ولا مركزي”، بعد انهيار “النظام المركزي الدكتاتوري” في عهد نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، مؤكداً أن “المجتمع السوري لا يمكن أن يحقق الديمقراطية إلا من خلال اللامركزية”.
نحو تمثيل شامل لكل المكونات
وعن التوترات التي شهدتها مناطق مختلفة من سوريا مؤخراً، لا سيما في الساحل السوري والسويداء، حمّل عبدي سياسات الحكومة السورية مسؤولية تفجّر هذه الصراعات، مؤكداً أن “سوريا بلد متنوع، ولا يمكن تحقيق الاستقرار فيه إلا بضمان حقوق جميع المكونات ومنحهم دوراً فعلياً في عملية اتخاذ القرار”.
واقترح عبدي إنشاء مجالس محلية منتخبة لتولي إدارة شؤون المناطق المختلفة، مشدداً في الوقت نفسه على أن “الأجهزة الأمنية والجيش يجب ألا يتحولوا إلى أطراف في النزاعات الطائفية أو العرقية”.
لا تهديد لأمن تركيا
وبشأن إعلان زعيم حزب “العمال الكردستاني”، عبد الله أوجلان، حل الحزب، قال عبدي إن هذه المسألة تتعلق بالشأن الداخلي التركي، مؤكداً أن “قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لم تشكل أي تهديد أمني لتركيا”.
وأضاف قائد “قسد” أنه “على العكس من ذلك، نحن من حرر الحدود التركية من تنظيم داعش، وساهمنا في تحقيق الاستقرار على جانبي الحدود”، مشيراً على أن الاعتراف بحقوق الأكراد داخل تركيا يجب أن يقابله اعتراف مماثل بحقوقهم في سوريا.
تلفزيون سوريا
———————————-
الاندماج في الجيش وسجون “داعش” والنفط.. تفاصيل أجندة التفاوض بين الحكومة السورية و”قسد” في باريس وشروط كل منهما
عربي بوست
2025/07/30
في خطوة وُصفت من جانب مصادر سورية مطلعة بأنها واحدة من أبرز المفاوضات الجارية حول مستقبل سوريا، تجتمع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مع ممثلين من الحكومة السورية بوساطة أميركية في العاصمة الفرنسية باريس، لبحث ثلاث ملفات شائكة تتعلق بمستقبل شمال شرق سوريا.
يأتي الاجتماع بدعوة مباشرة من الجانب الأميركي، ويُعقد برعاية دبلوماسية فرنسية غير معلنة رسميًا، وسط حرص من كافة الأطراف على إبقاء مجرياته في دائرة الغموض.
وقالت مصادر سورية مطلعة إن المجتمعين يبحثون بشكل أساسي ثلاثة ملفات:
الاندماج العسكري لقوات “قسد” ضمن الجيش السوري.
إدارة سجون عناصر تنظيم داعش بمشاركة أميركية.
إدخال قوات من وزارة الداخلية السورية إلى مناطق “قسد”، وتنظيم العلاقة معها.
أرضية معقدة
بحسب مصدر سوري قريب من مظلوم عبدي، القائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، فإن النقاشات تنطلق من أرضية معقدة، تعكس تضارب الرؤى حول شكل الدولة السورية، ومستقبل الإدارة الذاتية، وهوية السيطرة الأمنية والعسكرية في المناطق التي تسيطر عليها “قسد”، بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
كان القائد العام لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، قد كشف عن فحوى جولة المفاوضات الجديدة المقررة بين “قسد” والحكومة السورية في العاصمة الفرنسية باريس، وسط تأكيده عزم “الإدارة الذاتية” تطبيق بنود اتفاقية 10 من آذار بين عبدي، والرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في آذار الماضي.
وقال عبدي في تصريحات لقناة “العربية” السعودية، الثلاثاء 29 من تموز، إن قواته ستعمل على تطبيق جميع بنود الاتفاقية قبل نهاية العام.
وأشار عبدي إلى أن جولة المفاوضات المقبلة في باريس ستبحث آلية الاندماج في الجيش السوري، مشيرًا إلى أن “قسد” ستكون جزءًا من وزارة الدفاع السورية.
”متفقون مع الحكومة على وحدة سوريا بجيش واحد وعلم واحد”، أضاف عبدي، الذي قال إن التواصل مفتوح مع الحكومة السورية بشكل يومي، إلا أن اتفاق 10 من آذار يسير ببطء، وأسباب هذا البطء تتعلق بجانبين، لا بجانب واحد.
وأكد عبدي اتفاق الأطراف الكردية على طروحات “قسد”، لافتًا إلى وجود قلق من الاندماج بالجيش السوري من دون ضمانات دستورية، حسب قوله.
اقرأ أيضاً
مصير القواعد الروسية ومحاكمة الأسد والجنوب السوري.. كواليس أول زيارة لوزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو بعد سقوط النظام
مصير القواعد الروسية ومحاكمة الأسد والجنوب السوري.. كواليس أول زيارة لوزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو بعد سقوط النظام
الملف الأول: الاندماج في الجيش السوري.. بين الفيدرالية والوحدة المركزية
أكثر النقاط حساسية في المفاوضات، حسبما قال المصدر المقرب من مظلوم عبدي، هي النقاش حول مستقبل “قسد” ككيان عسكري. فقد رفضت القيادة السياسية لقسد بشكل قاطع فكرة “الاندماج الكامل” في الجيش السوري كأفراد أو كتشكيل ذائب في البنية المركزية الحالية.
وبدلاً من ذلك، وفق كلام المصدر السوري المقرب من مظلوم عبدي، طرحت رؤية مغايرة تنسجم مع نموذج “الفدرلة” العسكرية، أي أن تتحول “قسد” إلى جيش فيدرالي خاص بشمال شرق سوريا، يحتفظ بخصوصيته التنظيمية والقيادية، ويأتمر مباشرة بأوامر القائد العام مظلوم عبدي، الذي سيكون المرجعية السياسية والعسكرية للقوة في كافة الملفات العملياتية.
وتقترح قسد، وفق كلام المصدر المقرب من مظلوم عبدي، أن يتم التنسيق المباشر بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع، الرئيس السوري الحالي، دون المرور بالمؤسسة العسكرية المركزية التقليدية.
وضعية قوات قسد
في سياق مواز، كشف مصدر سوري مقرب من أحد الأجهزة السيادية التابعة لقوات (قسد) عن وجود خلافات كبيرة وعميقة في الاجتماعات الفنية التي تلت الاتفاق السابق بين قائد قسد، مظلوم عبدي، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، حول مستقبل وضعية قوات قسد داخل الجيش السوري.
وأشار المصدر في تصريحات خاصة إلى أن الإشكالية الأساسية التي تعرقل تقدم تنفيذ الاتفاق تكمن في رفض مظلوم عبدي وقادة قسد التخلي عن استقلالية قواتهم، ورفضهم الخضوع المباشر والحيادي للبنية العسكرية المركزية التابعة للجيش السوري.
رغم التصريحات التي تصدر عن عبدي والتي تظهر حرصه على التفاهم والتعاون مع دمشق، إلا أن الواقع على الأرض يبرز تمسكًا واضحًا باستمرار قوات قسد ككيان مستقل نسبيًا، وهو ما يشكل نقطة خلاف جوهرية مع الجانب السوري، الذي يصر على دمج قوات قسد بشكل كامل ضمن الجيش السوري ووضعها تحت إشراف قيادة مركزية موحدة.
أدى هذا الخلاف الكبير إلى توقف المفاوضات الفنية، ما استدعى تدخلًا مباشرًا من الولايات المتحدة، التي بادرت لعقد جلسة حوار وتباحث جديدة في العاصمة الفرنسية باريس بين الطرفين.
وتأتي المبادرة الأمريكية في إطار دور واشنطن كوسيط فاعل يسعى للحفاظ على الاستقرار النسبي في شمال وشرق سوريا، وضمان استمرار التنسيق الأمني، مع تفادي تفجر الخلاف بين دمشق وقسد، خاصة أن واشنطن تعتبر قوات قسد شريكًا رئيسيًا في مكافحة تنظيم الدولة “داعش”.
وأكد المصدر السوري أن مباحثات باريس تمثل فرصة حقيقية لإيجاد صيغة توافقية ترضي الطرفين، حيث تبدو دمشق حريصة على إيجاد حل سريع وعملي لإنهاء الأزمة العالقة، والسير قدمًا في تنفيذ بنود الاتفاق السياسي الذي أُبرم بين الشرع وعبدي في مارس 2025.
رفض من حكومة الشرع
هذا الطرح يلقى رفضًا صريحًا من الجانب الحكومي، الذي عبّر عبر مصدر في وزارة الخارجية عن تمسكه بمبدأ “وحدة الجيش السوري”، واعتبر أن “أي قوة عسكرية عاملة على الأراضي السورية يجب أن تندمج ضمن الجيش العربي السوري، ولا يمكن القبول بتشكيل عسكري مستقل يعمل بأجندة فدرالية”.
مع ذلك، طرحت الحكومة ما يمكن اعتباره “حلًا وسطًا”، حسب كلام مصدر سوري في وزارة الخارجية السورية، يتمثل في تحويل قسد إلى لواء عسكري خاص ضمن بنية الجيش السوري، يتمتع بصلاحيات واسعة في منطقة شمال شرق سوريا، ويخضع لتنسيق مباشر بين مظلوم عبدي ووزير الدفاع السوري، دون أن يتمتع باستقلالية كاملة.
دمشق تحضّر لمقاربة جديدة في باريس
في موازاة ذلك، كشف مصدر سوري يعمل مستشارًا لدى وزارة الدفاع السورية عن ملامح “مقاربة جديدة” تعتزم دمشق تقديمها كحل وسط ينهي الخلاف المزمن حول مصير قسد وقيادتها العسكرية، ويضع حدًا لحالة الازدواج الأمني القائمة في شمال شرق البلاد.
المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أكد أن مظلوم عبدي، القائد العام لقوات قسد، لا يزال متمسكًا بمقترحه القديم الذي ينص على إبقاء قواته كقوة خاصة تتمتع بهيكلية تنظيمية مستقلة، وتخضع لقيادته المباشرة، حتى في حال انضوائها ضمن الجيش السوري. هذا الطرح كان محل نقاش طويل في جولات سابقة من التفاوض بين دمشق و”الإدارة الذاتية”، إلا أن الطرفين فشلا في الوصول إلى صيغة واضحة بشأنه.
رغم توقيع اتفاق سياسي بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ومظلوم عبدي في آذار الماضي، إلا أن البند المتعلق بوضع قوات قسد بقي غامضًا ومعلّقًا. وبحسب المستشار العسكري، فإن الاتفاق نصّ على ترك هذا الملف للجنة فنية مشتركة وللاجتماعات اللاحقة، بالنظر إلى حساسيته العسكرية والسياسية.
عودة إلى المربع الأصعب
مع انطلاق التحضير لجولة المفاوضات الجديدة في باريس، وحسب كلام المصدر، فقد بلورت الحكومة السورية خلال الأسابيع الماضية “مقاربة جديدة” تعتقد أنها قد تُرضي الطرفين، وتحقق الحد الأدنى من الثوابت الوطنية، دون تفجير العملية التفاوضية.
وفقًا للمستشار السوري، تقوم المقاربة السورية على منح مظلوم عبدي وقواته نوعًا من “التحرك المستقل” في منطقة شمال شرق سوريا، لكن ضمن إطار وطني يخضع لإشراف مزدوج. في هذا التصور، تحتفظ قسد بصلاحيات ميدانية محددة تخص الشؤون اليومية والإدارية في المناطق التي تسيطر عليها، لكنها تكون ملزمة بالرجوع إلى وزارة الدفاع السورية في كل ما يخص العمليات العسكرية والانتشار والتسليح.
أما في الشؤون المدنية والخدمية، فستكون قسد مطالبة بالتنسيق مع الحكومة المركزية في دمشق، التي تحتفظ بالسيادة السياسية العامة على كامل الأراضي السورية، بما فيها مناطق الحكم الذاتي السابقة.
المصدر شدد على أن هذا الطرح لا يُمثل صيغة “فيدرالية” بالمعنى الدستوري، بل هو “نموذج مرن للامركزية”، يهدف إلى امتصاص الهواجس الكردية من جهة، والحفاظ على وحدة الدولة السورية من جهة أخرى.
عن الدور الأميركي في هذا السياق، أكد المصدر أن دمشق باتت ترى في واشنطن عنصرًا ضروريًا لإنجاح هذه المقاربة مع مظلوم عبدي. إذ تطالب الحكومة السورية بأن تضطلع الولايات المتحدة بدور “الضامن التنفيذي”، بحيث تتحمل مسؤولية الضغط على قسد في حال أخلّت بأي من بنود الاتفاق، أو حاولت تجاوز الإطار المحدد لها في المناطق الشمالية الشرقية.
ويشير المصدر إلى أن هذا الطرح ليس بعيدًا عن الواقع، خصوصًا أن قسد لا تزال تعتمد في تمويلها وتدريبها على الدعم الأميركي المباشر، وبالتالي فإن مظلوم عبدي لن يكون قادرًا على تجاهل التوجيهات الأميركية، إذا ما قررت واشنطن دعم الاتفاق فعليًا.
في جوهرها، تعكس هذه المقاربة مسعى حكوميًا لتجسير الهوة بين مطلب دمشق بـ”وحدة القرار العسكري”، وبين رغبة قسد في الحفاظ على خصوصيتها التي اكتسبتها خلال سنوات القتال ضد داعش، والتي دعمها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وترى الحكومة السورية، بحسب المصدر، أن تقديم هذا النموذج كـ”تجربة أمنية وإدارية انتقالية” قد يكون كفيلًا بتهدئة التوترات، واحتواء المطالب الفدرالية دون الحاجة إلى تغييرات دستورية جذرية في الوقت الراهن.
الملف الثاني: سجون داعش.. وصاية أميركية ورفض مركزي للتسليم
الملف الثاني لا يقل حساسية عن الأول، ويتعلق بمصير آلاف المعتقلين من تنظيم “داعش” الذين تحتجزهم “قسد” في سجونها المنتشرة في مناطق الجزيرة السورية. وتتمسك “قسد” برفض قاطع لأي انتقال لإدارة هذه السجون إلى الحكومة السورية، وتُصرّ على إبقاء السيطرة بيدها، بمشاركة أميركية تضمن استمرار الرقابة والتمويل والدعم اللوجستي، وذلك وفق المصدر السوري المقرب من مظلوم عبدي.
في هذا السياق، ترى قسد، وفق المصدر السوري القريب من مظلوم عبدي، أن الولايات المتحدة يجب أن تكون الوسيط النزيه بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية في هذا الملف، بما يضمن استمرار التعامل الأمني وفق المعايير التي وضعتها قوات التحالف، ويمنع “تسرّب عناصر داعش أو استخدام الملف كورقة ضغط سياسية”، بحسب وصف أحد ممثلي قسد.
من جهة أخرى، تبرز بعض المرونة في موقف الحكومة السورية، التي أبدت – وفق ما نقله المصدر السوري في وزارة الخارجية السورية – استعدادًا للقبول بحل توافقي يتمثل في نقل عناصر داعش إلى سجون عراقية بالتنسيق مع بغداد، كحلّ ينهي الضغط عن قسد، ويُجنب الحكومة السورية مسؤولية مباشرة عن إدارة هذا الملف المعقد. ويبدو أن هناك تناغمًا مبدئيًا في هذه النقطة، ما يجعل ملف السجون هو الأسهل في الوصول إلى صيغة نهائية.
الملف الثالث: قوات الداخلية السورية في مناطق قسد.. نحو إدارة مشتركة؟
أما الملف الثالث الذي يُناقش في باريس، فيتمثل في إمكانية دخول قوات من وزارة الداخلية السورية إلى مناطق “قسد”، بهدف المشاركة في إدارة المرافق الأمنية والخدمية. وفي حين تُبدي الحكومة استعدادًا لإرسال كوادر أمنية وإدارية للعمل في القامشلي والحسكة وبعض مدن دير الزور والرقة، فإن قسد، وفق المصدر السوري القريب من مظلوم عبدي، تشترط أن تكون هذه القوات جزءًا من نموذج “الإدارة المشتركة”، بحيث لا تنفرد وزارة الداخلية بإدارة المدن، بل يتم اتخاذ القرارات الأمنية والإدارية بالتعاون مع المجالس المحلية التابعة للإدارة الذاتية.
وبحسب المصدر، فإن قسد وافقت مبدئيًا على دخول قوات من وزارة الداخلية السورية، شريطة وجود “آلية تفصيلية” لضمان الشراكة وعدم فرض أي نموذج مركزي بالقوة. كما اشترطت وجود ضمانات أميركية تمنع استخدام هذا التفاهم لتوسيع نفوذ الحكومة تدريجيًا في مناطق شمال وشرق سوريا.
في المقابل، تسعى الحكومة السورية، وفق ما قاله المصدر في وزارة الخارجية السورية، للاستفادة من هذه المفاوضات لإعادة بسط سيطرتها الرمزية على موارد البلاد، وفي مقدمتها النفط والغاز الموجود في دير الزور والحسكة.
وبحسب المصدر السوري في وزارة الخارجية السورية، فإن دمشق مستعدة للقبول بتفاهم حول الإدارة المشتركة الأمنية في مدن الشمال الشرقي، مقابل الحصول على حصة من النفط أو عائداته، أو على الأقل الإشراف على إنتاجه وتصديره ضمن آلية متفق عليها.
ويُعتبر هذا الملف محوريًا في الحسابات الحكومية، إذ ترى دمشق أن القبول بالإدارة الذاتية أو الصيغة الفيدرالية يجب أن يقابله مكاسب استراتيجية تعوّض سنوات القطيعة مع تلك المنطقة، ولا سيما أن معظم الثروات الباطنية السورية تقع تحت سيطرة قسد، وبحماية مباشرة من القوات الأميركية.
الولايات المتحدة: راعٍ وضامن ووسيط
من الملفت في هذه الجولة من المفاوضات أن الدور الأميركي تحوّل من مجرّد دعم لقسد على الأرض، إلى فاعل سياسي مباشر في صياغة التفاهمات بين قسد والحكومة السورية. فالاجتماع في باريس جاء بدعوة أميركية، وتم اختيار العاصمة الفرنسية لعقد الاجتماع بسبب خصوصيتها الدبلوماسية، وكونها مقبولة من الأطراف كافة، على حد وصف المصدر السوري في وزارة الخارجية.
ووفق المصدر السوري، فإن الولايات المتحدة تعهّدت للطرفين بلعب دور الضامن لأي اتفاق نهائي، يتناول مصير قوات قسد، وسجون داعش، والنفط، وشكل العلاقة مع دمشق.
كما تسعى واشنطن – عبر هذا الاتفاق – إلى ضمان استمرار توازن القوى في شرق الفرات، ومنع أي تمدد روسي أو إيراني في المنطقة، خصوصًا في ظل تصاعد الحديث عن احتمال انسحاب جزئي للقوات الأميركية من بعض القواعد.
يظل الدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مصدر توتر رئيسي بين واشنطن والحكومة السورية الجديدة. فقد اعتمدت الولايات المتحدة على قسد كشريك أساسي في محاربة تنظيم الدولة، مقدّمةً دعمًا جويًا ولوجستيًا واستخباراتيًا منذ بدايات الصراع السوري. ورغم سقوط نظام الأسد، تحتفظ واشنطن بحوالي 900 جندي في شمال وشرق سوريا، مما يثير قلق الحكومة الجديدة من مخاطر التفكك الوطني أو محاولات الأكراد إقامة حكم ذاتي خارج سيطرة دمشق.
في مارس 2025، وقّعت قسد والحكومة السورية الانتقالية اتفاقًا تاريخيًا تضمن 8 بنود لإعادة توحيد الأراضي السورية، يقضي بدمج مؤسسات قسد في الدولة، ووضع الموارد الاستراتيجية، كحقول النفط والغاز والمعابر الحدودية، تحت سيطرة الحكومة المركزية. رحّبت واشنطن بالاتفاق، واصفة إياه بـ”خطوة نحو سوريا موحدة”، وكشفت تقارير أنها توسطت لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.
لكن تنفيذ الاتفاق واجه عقبات معقدة. فبينما استلمت دمشق حقولًا مثل العمر والشدادي، وبدأت تنسيقًا أمنيًا مع قسد ضد فلول تنظيم الدولة بدعم أميركي، برزت تحديات تتعلق بدمج الفصائل الكردية في الجيش السوري. تركيا، التي أرسلت وفدًا إلى دمشق، أكدت على ضرورة إخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني وضمان أمن الحدود. داخليًا، شهدت قسد انقسامات، حيث رفض قادة في منبج والقامشلي الاندماج الكامل، مطالبين بالحفاظ على الحكم الذاتي أو مهددين بتعليق التعاون مع دمشق.
عدم وضوح موقف واشنطن بشأن انسحاب قواتها زاد من تعقيد المشهد، إذ تخشى قسد أن تُترك لمواجهة دمشق أو تركيا بمفردها. وفي قمة الرياض، اشترط الرئيس الأميركي ضمانات من الحكومة السورية لإدارة سجون تنظيم الدولة التي تديرها قسد، في إشارة إلى تحول أميركي نحو نقل المسؤوليات الأمنية لدمشق، مما يعكس تراجعًا في أهمية قسد كشريك استراتيجي.
يتضح أن الدور الأميركي في سوريا ما بعد الأسد تحوّل من إدارة الصراع إلى إدارة الانتقال، مع التركيز على التنسيق مع الحكومة السورية الجديدة بدلاً من دعم كيانات غير رسمية.
يتجلى ذلك في ثلاثة محاور:
استخدام العقوبات كأداة مساومة، حيث ربطت واشنطن رفعها بشروط أمنية وسياسية، كموقف دمشق من إسرائيل و”الميليشيات الأجنبية”.
ضبط التصعيد الإسرائيلي لمنع زعزعة الاستقرار السوري.
الدفع نحو دمج قسد مع دمشق، مع اشتراط تحمّل الحكومة السورية مسؤولية سجون تنظيم الدولة، في خطوة تشير إلى التخلي التدريجي عن قسد كشريك سياسي.
الخلافات الجوهرية.. والعقبات أمام الاتفاق
ورغم أن الملفات الثلاثة قد وصلت إلى مراحل متقدمة من النقاش، إلا أن نقطة الجيش لا تزال هي العقبة الأبرز، على حد المصدر المقرب من مظلوم عبدي، ففي حين تصر الحكومة على الاندماج الكامل لقسد ضمن الجيش، وترفض أي طابع فيدرالي للقوات، تتمسك قسد بصيغة “جيش فيدرالي مستقل القرار”، وهو ما يعتبره محللون نوعًا من المناورة السياسية للانتقال من شكل الإدارة الذاتية إلى دولة داخل الدولة.
أما ملف النفط، فرغم أهميته، إلا أنه قابل للتفاوض، ما دامت الحكومة تسعى إلى العودة التدريجية إلى الشمال الشرقي دون صدام مباشر، بينما تميل قسد لقبول ترتيبات مؤقتة، بشرط أن تبقى هي صاحبة الكلمة العليا في ملفات الأمن والاقتصاد.
تُعد مفاوضات باريس إحدى المحطات الفارقة في مسار الأزمة السورية، إذ ترسم ملامح العلاقة المستقبلية بين دمشق وشمال شرق سوريا، وتعيد تعريف مفاهيم السيادة، والشراكة، واللامركزية، ضمن واقع جيوسياسي متغير.
ورغم التعقيدات، إلا أن وجود الولايات المتحدة كوسيط وضامن، إضافة إلى مرونة الحكومة في ملفات النفط والسجون، قد يُفسح المجال أمام تفاهم مؤقت، يشبه “اتفاق طائف مصغّر” ينظّم العلاقة بين المركز والأطراف.
في المقابل، تبقى العقبة الكبرى هي شكل الجيش، وحدود القرار الأمني في الشمال الشرقي، وهي نقاط سيُحدّد مصيرها إما عبر مفاوضات إضافية، أو على الأرض لاحقًا، في مشهد سوري ما زال يبحث عن توازن هش بين مركز قوي وأطراف تطمح إلى الاستقلال.
تفاصيل الاتفاق السابق بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع
الاتفاق بين مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وأحمد الشرع، الرئيس السوري المؤقت بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، هو اتفاق سياسي-عسكري تم التوصل إليه في محاولة لترتيب العلاقة بين الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا و”الجمهورية السورية الجديدة”.
خلفية الاتفاق:
بعد سقوط نظام بشار الأسد، تولّى أحمد الشرع رئاسة الدولة في مرحلة انتقالية مدعومة بتفاهمات دولية. وقد أبدى الشرع انفتاحًا على مكونات شمال وشرق سوريا، بما فيها “قسد” و”الإدارة الذاتية”، ما دفع إلى سلسلة مشاورات غير مباشرة انتهت باتفاق سياسي-أمني مع مظلوم عبدي.
أبرز بنود الاتفاق بين الشرع وعبدي:
ضمان بقاء قسد كقوة عسكرية محلية:
تضمّن الاتفاق عدم تفكيك قوات سوريا الديمقراطية، بل إعادة تعريف دورها ضمن الهيكلية الوطنية السورية.
وافق الشرع مبدئيًا على أن تُعامل قسد كـ”قوة دفاع محلية” ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية والعربية شرق الفرات.
تفاهم على صيغة “جيش فيدرالي”:
اقترح مظلوم عبدي أن تتحول “قسد” إلى جيش فيدرالي خاص بالإقليم الشرقي، يأتمر بأوامره ويحتفظ ببنيته.
الشرع رفض مصطلح “جيش مستقل”، لكنه قبل بصيغة وسط تنص على أن “قسد تُشكّل لواءً خاصًا ضمن الجيش السوري الوطني الجديد”، بقيادة مظلوم عبدي، وتحت إشراف وزارة الدفاع، ولكن بتنسيق مباشر مع رئاسة الجمهورية.
الإبقاء على الإدارة الذاتية بصيغة لا مركزية موسعة:
اتفق الطرفان على إبقاء الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ضمن نظام لا مركزي اتحادي.
يتم الاعتراف بالمجالس المحلية والهيئات المدنية القائمة، مع تعديلات دستورية لاحقة تُحدد الصلاحيات.
شراكة في الثروات النفطية والغازية:
وافق الشرع على مبدأ “الشراكة العادلة” في الموارد، حيث تُوزّع عائدات النفط من الحسكة ودير الزور وفق آلية مركزية-محلية شفافة.
ويُسمح للإدارة الذاتية بالاستثمار المحلي تحت إشراف حكومة مركزية توافقية.
السجون والأمن الداخلي:
تقرر أن تبقى ملفات السجون وأمن المخيمات في يد قسد، مع وجود لجان مشتركة من الحكومة الجديدة لمراقبة الأداء.
ووافقت قسد على إدخال عناصر من وزارة الداخلية الجديدة، شرط أن يكونوا من أبناء المنطقة، وضمن جهاز أمن مشترك.
الدستور المستقبلي:
اتفق الطرفان على أن تُشارك “قسد” وممثلو الإدارة الذاتية في لجنة صياغة الدستور السوري الجديد.
واعتُبر الاتفاق بمثابة “وثيقة تفاهم مبدئية” حول حقوق المكونات الكردية والعربية والآشورية في شرق سوريا.
عربي بوست
——————————
الطريق إلى “قسد”… ملاذ السويداء الأخير/ مصطفى رستم
أنقرة ودمشق تعارضانه… وإسرائيل تشجع فتح “ممر داوود”
الأربعاء 30 يوليو 2025
يرى مراقبون أن مطالبة الهجري بفتح ممر آمن للمساعدات لا طابع سياسياً له، وليس من المفيد تحميله أكثر مما يحتمل (اندبندنت عربية)
ملخص
طالب شيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري بفتح ممرات باتجاه مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بعد معارك قاسية خاضتها ميليشيات محلية في السويداء وجهاً لوجه مع البدو في المحافظة. وتفاقم الأمر واتسع مع وصول الآلاف من مقاتلي العشائر غداة غارات إسرائيلية شنت على مواقع في السويداء والعاصمة دمشق.
بهدوء حذر تلملم مدينة السويداء الجنوبية في سوريا أشلاء أبنائها، وتضمد جروح أثخنتها رصاصات الفتنة على مدى أكثر من أسبوعين من المعارك الدائرة في محيطها التي شهدت اتفاقاً لوقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ.
وساد قرار وقف الحرب في المدينة التي أعلنها ناشطون “منكوبة” مع فقدانها مقومات الحياة وغياب الخدمات الصحية. وتقول الناشطة الحقوقية، رفا أبو صعب إن “الوضع كارثي، والحياة في المدينة شبه معدمة، لقد أسهم أهلي بكمية من مادة المازوت المخزنة لديهم بالبيت لتشغيل مخبز الحي الذي نقطن به”.
ومع ذلك تتواصل قوافل إجلاء المدنيين من ريفي السويداء الشمالي والغربي إلى درعا القريبة. وخرجت أخيراً ست حافلات تقل 500 شخص من أبناء عشائر البدو، في ظل حال احتقان وتوتر طائفي بين مجموعات مسلحة تتبع للطائفة الدرزية وأخرى تابعة للعشائر العربية انتهت إلى هدنة.
فتح الممرات
وكان شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري طالب بفتح ممرات باتجاه مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بعد معارك قاسية خاضتها ميليشيات محلية في السويداء وجهاً لوجه مع البدو في المحافظة. وتفاقم الأمر واتسع مع وصول الآلاف من مقاتلي العشائر غداة غارات إسرائيلية شنت على مواقع في السويداء والعاصمة دمشق، وفي حال ظلت كل الطرق مغلقة فإن هذه المطالبة يمكن أن تنفذ لأسباب سياسية وأمنية وعسكرية.
وكان الشيخ الهجري طالب في بيان له في الـ17 من يوليو (تموز) الجاري بـ”فتح طريق باتجاه الأخوة الأكراد ونتوجه إلى جلالة الملك عبدالله الثاني في المملكة الأردنية الهاشمية التوجيه لفتح معبر حدودي بين السويداء والأردن لما لهذه الطرق من أهمية إنسانية في هذه اللحظات الحرجة، ونأمل اتخاذ خطوات عاجلة تسهل التواصل وتخفف من معاناة المواطنين”.
من جانبه جزم الناطق الرسمي باسم “حركة رجال الكرامة”، باسم أبو فخر لـ”اندبندنت عربية” بأن “أهالي السويداء افتقدوا شريكاً وطنياً حقيقياً يحفظ الدماء والممتلكات، ويحاول الإبقاء على المدينة كجزء من النسيج السوري”، في إشارة إلى السلطة الجديدة في دمشق. وتصرف هذا الطرف حسب قول أبو فخر “برعونة” و”نسف كل المساعي الوطنية، وارتكب المجازر والجرائم”. وأضاف “نحن الآن مقاتلون ندافع عن وجودنا ولسنا طرفاً في المفاوضات، هناك لعبة دولية قذرة وقودها الأبرياء، ونحن براء منها، وكل ما يهمنا هو إعادة القرى لأهلها وإحقاق الأمن والأمان”.
أنقرة ودمشق… والهجري
في الوقت ذاته التقطت أنقرة ودمشق إشارات الشيخ الهجري، وتعويله على فتح ممر يصل إلى مناطق “قسد” في الشمال الشرقي بكثير من الاهتمام، لا سيما تركيا الحريصة على حدودها الجنوبية والساعية إلى وأد المشروع الانفصالي من الجانب الكردي بالتوازي مع تدهور مسار التطبيع بين دمشق وتل أبيب بسبب أحداث السويداء الأخيرة.
في هذا التوقيت سارعت دمشق إلى الطلب من تركيا تعزيز قدراتها الدفاعية، وقالت وزارة الدفاع التركية في بيان، إنه “استجابة لطلب الحكومة السورية نواصل تقديم التدريب والاستشارات، والدعم الفني لتعزيز القدرة الدفاعية لسوريا”.
ولفت الباحث التركي في “مركز تركيا الجديدة للبحوث”، علي أسمر إلى “تزايد التحذيرات في الأوساط السياسية والأمنية التركية من مشروع يعرف باسم ’ممر داوود‘، وهو مخطط يتم الترويج له منذ أشهر تحت ذرائع إنسانية، بينما تجمع التقديرات التركية والسورية على أنه يشكل تهديداً مباشراً لوحدة الأراضي السورية وللأمن القومي التركي على حد سواء”.
وأردف “هذا الممر، الذي يفترض أن يربط جنوب سوريا، وتحديداً مناطق السويداء ودرعا، بشمال شرقي البلاد، مروراً بمناطق ذات حضور درزي وكردي، يعتبر في جوهره مشروعاً جغرافياً أمنياً يهدف إلى إنشاء شريط نفوذ يمتد من الحدود الأردنية إلى شرق الفرات، بطريقة تمنح إسرائيل منفذاً غير مباشر إلى شمال سوريا، بل وتضعها جغرافياً على تماس سياسي وأمني مع الحدود التركية من الجنوب. إنه مشروع تقسيمي مغلف بشعارات حماية الأقليات، لكنه في الواقع محاولة لفرض أمر واقع يخدم مصالح تل أبيب وبعض المجموعات الانفصالية”.
ويعتقد أسمر بأن “بعض الشخصيات المرتبطة بالخارج، مثل الشيخ حكمت الهجري ومحيطه تحاول تسويق هذا الممر بذريعة تقديم الحماية للمكونات الدينية، وعلى رأسها الدروز، إلا أن هذه الحجج لا تقنع تركيا ولا تمر على أنقرة، التي تعتبر هذا الممر مشروعاً صريحاً لإضعاف الدولة السورية وتقويض الاستقرار في المنطقة، فكل محاولة لإقامة ممرات بديلة عن الدولة المركزية، سواء كانت عبر قوات سوريا الديمقراطية أو عبر مجموعات انفصالية درزية أو كردية، ستؤدي إلى تفتيت البنية الوطنية السورية وتعريض الأمن التركي لأخطار استراتيجية”.
ممر آمن للمساعدات
في المقابل، يرى الباحث في مركز راصد لحقوق الإنسان الكردية، جوان اليوسف أن “مطالبة الهجري بفتح ممر آمن للمساعدات لا طابع سياسياً له، وليس من المفيد تحميله أكثر مما يحتمل، والآن بعدما دخلت الهدنة حيز التنفيذ يفترض أن يعود طريق دمشق وهو الأقرب والأكثر إفادة للسكان المحليين للتزود بأسباب الحياة”.
ويرى اليوسف أن “طريق الصحراء الذي يربط السويداء ومناطق شرق سوريا بالضرورة يمر بالمناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية بصورة خاصة بادية حمص، وإذا لم تؤمنه السلطة في دمشق يصبح الأمر غير عملي ولن يفيد. أتمنى أن تستمر الهدنة وتعود الحياة لطبيعتها وتنتهي الأزمة الوطنية في سوريا”.
تصريحات براك
في الموازاة دعا المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك الرئيس السوري، أحمد الشرع إلى تقويم سياساته، وتبني نهج أكثر شمولاً. وقال إنه نصح الشرع بمعاودة النظر في تكوين الجيش الجديد، وتقليص نفوذ المتشددين وطلب المساعدة الأمنية الإقليمية. وأكد براك في مقابلة بثتها وكالة “رويترز” على أنه “من دون تغيير سريع يخاطر الشرع بفقدان القوة الدافعة التي أتت به ذات مرة إلى السلطة”.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتسع رقعة المعارك الطائفية بين السلطة، ومجموعات تتبع للطائفة الدرزية، سبقها في مارس (آذار) الماضي معارك مع مجموعات موالية للسلطة ومجموعات مسلحة ذات غالبية من العلويين في الساحل السوري.
ولعل لجنة تقصي الحقائق وجدت نفسها أمام شبكة معقدة من الانتهاكات والمخططات، بحسب ما وصف المتحدث باسمها، ياسر فرحان، بعدما كشفت التحقيقات عن عشوائية وسلوكيات متباينة خلال أحداث الساحل أفضت إلى سقوط 1426 شخصاً وفقدان 20، مما يرجح حسب متخصصين في الشأن السوري، تأجيل المعركة في مناطق قوات “قسد” بحال لم تندمج مع الجيش السوري الجديد، إلى ما بعد حسم المعركة في السويداء.
في غضون ذلك تشكك أوساط مراقبة بدوافع الشيخ الهجري إلى المطالبة بفتح طريق إلى مناطق “قسد” أي إلى مناطق ضفاف الفرات، حيث يتطابق مع ما طرحته تل أبيب من مشروع “ممر داوود” الذي تسعى إلى تنفيذه عبر ربط مرتفعات الجولان مروراً بالقنيطرة والسويداء ودير الزور بشمال شرقي سوريا، مما يوفر لها نفوذاً أمنياً وعسكرياً وسياسياً واسعاً، وتغلغلاً إضافياً في الجغرافيا السورية.
ويجزم الباحث التركي علي أسمر بأن “أنقرة تدرك أن هذا المشروع لا يمكن أن يقوم من دون دعم لوجيستي وتنسيق بين قوى دولية وإقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك تتحرك على أكثر من مسار لإجهاضه، فمن جهة، هناك توافق تركي – أميركي، تم تأكيده في الأسابيع الماضية، على ضرورة دمج ’قسد‘ ضمن هياكل الحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، وحصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل التراب السوري، ومن جهة أخرى فإن تركيا تنسق مع العشائر العربية في دير الزور والرقة والحسكة، بهدف منع أي مشروع يمر عبر أراضيهم ويهدد النسيج الوطني”. وأضاف أن “فتح ما يسمى ’ممر داوود‘ لن يؤدي فقط إلى تشجيع النزعات الانفصالية في صفوف بعض الأكراد والدروز، بل سيشكل أيضاً منصة لتوسيع التنسيق بين إسرائيل وهذه المكونات، في إطار تحالفات تبنى على حساب سيادة الدولة السورية، وهو ما تعتبره دمشق وأنقرة معاً خطاً أحمر لا يمكن القبول به”.
وعلى رغم تمسك تركيا بالمسار السياسي ودعمها استقرار سوريا من خلال الدولة المركزية، فإن الخيار العسكري يبقى حاضراً على الطاولة، ويعتقد الباحث الأسمر أنه “في حال رصدت تحركات فعلية لفرض هذا الممر، قد تقدم تركيا على تنفيذ عمليات جوية نوعية تستهدف البنية التحتية لهذا المشروع”. ويضيف “بل ومن المحتمل أن نشهد تحركات عسكرية من جانب مكونات محلية متحالفة مع دمشق وأنقرة على طول هذا الطريق، بدعم تركي مباشر، وقد تتطور الأمور إلى عملية عسكرية محدودة في حال اقتضت الضرورة، كما حدث في عمليتي درع الفرات ونبع السلام”.
—————————
رسائل عبدي لاجتماع باريس.. هل تصمد أمام تيارات “قسد”؟/ مصطفى محمد
أشاع حديث قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، عن جيش سوري واحد و”مركزية عسكرية”، جواً من التفاؤل المشوب بالحذر في سوريا التي لا تكاد تخرج من بؤرة توتر حتى تقع في أخرى.
وأكد عبدي قبل يومين، في مقابلة له مع قناة “العربية” السعودية، أن قواته ستندرج ضمن وزارة الدفاع السورية. وقال: “متفقون مع الحكومة على وحدة سوريا بجيش واحد”. وأضاف أن العمل جارٍ على تطبيق جميع بنود اتفاقية آذار/مارس (اتفاق الرئيس السوري أحمد الشرع مع عبدي) قبل نهاية العام الجاري.
تصريحات “إيجابية”
تصريحات عبدي التي وصفت بـ”الإيجابية”، قوبلت بارتياح، بسبب النبرة غير المعتادة لـ”قسد” في حديثها عن الدولة السورية منذ اندلاع التوتر، وبعدها الأحداث الدامية في السويداء، والتي بدأت “قسد” بعدها، تُصعّب من شروط اندماجها مع الجيش السوري، حيث اشترط أكثر من مسؤول فيها، أن لا تتم عملية الاندماج قبل تحقيق الانتقال السياسي في سوريا، وهو ما ترفضه حكومة دمشق، التي تطالب بعدم المماطلة في تطبيق اتفاق آذار.
وفسّر مصدر مقرب من “قسد” لـ”المدن”، نبرة عبدي “المعتدلة” برغبة “قسد” بإفساح المجال أمام نجاح جولة التفاوض مع الحكومة السورية المُزمعة، في العاصمة الفرنسية باريس. وقال إن هناك اعتقاداً لدى “قسد”، بأن ما جرى في السويداء سيدفع الحكومة إلى تقديم تنازلات في التفاوض، وهو ما تطمح إليه، متابعاً: “لذلك لا تريد قسد قطع الطريق على مكتسبات متوقعة في باريس”.
وأشار المصدر إلى التقاء فرنسي-أميركي على ضرورة نجاح المفاوضات، معتبراً أن “عرقلة قسد للمفاوضات يعني إضعاف موقفها أمام الأطراف الداعمة لها”.
لكن مع ذلك، لم يتوقع المصدر أن تشهد مفاوضات باريس تقدما كبيراً، نظراً لتعقيد ملف اندماج “قسد” بالجيش السوري، خصوصاً لجهة اشتراط دمشق ذوبان عناصر التنظيم في تشكيلات الجيش السوري، وهو ما ترفضه “قسد”، التي تطالب بضم عدد كبير من العناصر (100 ألف مقاتل) في تشكيل واحد.
تشكيك بجدية “قسد”
في المقابل، قوبلت تصريحات عبدي بتشكيك، وسط اتهامات باستمرار “قسد” بتبني نهج “المماطلة”، وإصرارها على مطلب “اللامركزية”، وما يدعم ذلك إشارة عبدي إلى أن “المؤسسات السيادية فقط يجب أن تكون مركزية”.
ويقول الكاتب والسياسي الكردي علي تمي، إن تصريحات عبدي هدفها التهرب من الضغط الذي تمارسه واشنطن على “قسد”، حيث تريد الولايات المتحدة نزع فتيل توتر كبير في سوريا، للحيلولة دون اندلاع مواجهات دامية في شمالي شرق سوريا.
ويضيف تمي لـ”المدن”، أن ما جرى في السويداء نبّه “قسد” إلى ضرورة احتواء غضب العشائر العربية. وقال: “في السويداء أثبتت العشائر أنها قادرة على خوض مواجهات شرسة، رغم ضعف حضورها هناك، مقارنة بمناطق سيطرة قسد”.
بذلك، يعتقد تمي أن المواجهة بين الدولة السورية و””قسد قادمة، وقال: “يبدو أن سوريا ذاهبة نحو تكرار تجربة عفرين في شمالي شرق سوريا”.
تيارات داخل قسد
من جهته، يشير المحلل السياسي فواز المفلح، إلى وجود تيارات “متصارعة” داخل “قسد”، موضحا لـ”المدن”، أن “عبدي لا يقود كل قرار التنظيم، وإنما هناك أكثر من جناح يختلف كل منهم في الطريقة التي يريد التعامل بها مع الحكومة السورية”.
ويقول المفلح إن قرار “قسد” بيد تيار “متشدد” يرتبط بحزب “العمال الكردستاني”، وهذا التيار يتبنى خيار المواجهة على تقديم التنازلات. ويضيف “لذلك تُعلن تركيا دائماً جاهزيتها لتعزيز القدرات الدفاعية السورية، وتحذر من مخطط تقسيمي لسوريا”.
وينص اتفاق آذار/مارس على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
———————
وزير الإعلام السوري: أطراف داخلية تخدم إسرائيل لحسابات سياسية ضيقة
31 تموز 2025
دمشق: قال وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى، الخميس، إن إسرائيل لا ترغب بوجود سوريا موحدة ومستقرة، واتهم أطرافا في الداخل بـ “خدمة السياسات الإسرائيلية من أجل حسابات سياسية ضيقة”.
جاء ذلك في مقابلة خاصة مع الأناضول، تطرق خلالها مصطفى إلى وقف إطلاق النار في محافظة السويداء جنوبي سوريا، والاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى المحادثات المتعلقة بالاتفاق بين الحكومة وما يسمى قوات “قسد” (واجهة تنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” .
الدولة لم تتدخل عسكريا بالسويداء
في ما يتعلق بأحداث السويداء في يوليو/ تموز الجاري، أكد مصطفى أن وقف إطلاق النار الذي حصل فيها جاء نتيجة وساطات عدة دول، بينها الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال: “بعد العدوان الإسرائيلي على دمشق، أتيحت مساحة للتحرك نحو الحلول السياسية في السويداء والتي شكلت الخيارات المطروحة من قبل الدولة التي لم تقم بأي عملية عسكرية، ولم تكن لديها نية لذلك”.
وتابع مصطفى أن “الدولة، وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، حاولت إعمال هذه الحلول وتوصلت إلى مجموعة من التفاهمات مع مختلف الفصائل السياسية والعسكرية في السويداء، بما في ذلك الشيخ حكمت الهجري (أحد مشايخ عقل الدروز)”.
وأضاف: “الدولة قدمت تنازلات كثيرة، بما فيها الضابطة العدلية التي أصرّت بعض فصائل السويداء على أن تكون من ضمن المدينة، لذلك، المقاربات والحلول السياسية واضحة وهذا أقصى شيء يمكن الوصول إليه، وأقصى مطالب قدّمتها الفصائل الموجودة داخل السويداء”.
وأشار مصطفى إلى أن “التوترات القديمة بين الدروز والبدو التي تعود إلى عقود مضت، تفجّرت ووضعت الدولة أمام مسؤولية إما أن تستجيب لها وتشكل قوات فصل، أو أن تبقى على الحياد ويؤدي ذلك إلى تراكم المسؤولية عليها”، وأكد أن “التدخل العسكري الذي جرى في السويداء لم يكن عملًا مخططًا له مسبقا”.
ولفت إلى أن وقف إطلاق النار في السويداء هو “نوع من أنواع التفاهمات” أكثر من كونه اتفاقًا مكتوبًا، مبينًا أنه يتكوّن من 3 مراحل.
وبحسب مصطفى، تتمثل المرحلة الأولى في فضّ الاشتباكات وسحب القوات (الحكومية) من مدينة السويداء، وإخراج المجموعات القتالية التابعة للعشائر التي دخلت المدينة، وأن تعيد الدولة انتشارها في الريف من أجل ضمان عدم تجدد الاشتباكات.
وأضاف: “حصل هذا خلال 3 أيام تقريبا، رغم وجود بعض المجموعات الخارجة عن القانون التابعة للهجري التي حاولت في مرات كثيرة خرق اتفاق وقف إطلاق النار أو القيام بإجراءات استفزازية”.
ولفت إلى أن “وقف إطلاق النار كان هشّا عندما بدأ، لكنه تعزّز في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث كانت نتائجه أفضل، ووصلنا إلى حالة من وقف إطلاق النار مقبولة تؤهلنا للدخول بالمرحلة الثانية”.
وأشار إلى أنه نتيجة الاشتباكات، أصيبت السويداء بنقص فيما يتعلق بالاحتياجات الأساسية كالوقود أو الخبز، وتضررت بعض القطاعات الحيوية فيها مثل الاتصالات والانترنت، وانقطاع التبادل التجاري، ما أدى إلى نقص حاد في احتياجات المدن.
وشدد مصطفى على أن “الدولة تقارب مواطنيها بسواسية، ومسؤوليتها تمتد إلى جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم”.
وأكد أن الدولة تتحمل مسؤوليتها لجهة إيصال المساعدات الإنسانية، وهو ما قامت به، وأضاف: “عقلية الدولة مختلفة عن عقلية الفئة وعقلية الجماعة، فلا شك أن جماعة الهجري وجماعات أخرى مشابهة أكبر أو أصغر، تفكر تفكيرا انعزاليًا وفئويا، وتحرص على إيجاد نوع من أنواع الرواية المؤيّدة لها”.
جماعة الهجري تمنع دخول المساعدات
ورأى مصطفى أن الهجري “خاطر أو قامر” بمستقبل السويداء، مبينًا أنه “لا ينبغي أن تكون فكرة وجود حصار مطروحة نهائيًا، وليست في واقع أي سوري وطني”.
وفي هذا السياق، شدد مصطفى على أن الهجري استأثر بالمساعدات التي أدخلتها الدولة، ويحاول أحيانا استخدامها لـ”شراء الولاءات ومعاقبة الخصوم داخل السويداء”.
الوزير السوري أكد “رفض أي دعوات سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو من قبل الخطاب الطائفي والكانتوني الصادر عن جماعات خارجة عن القانون السوري”.
وأفاد أن “خطاب الدولة كان واضحًا يتمثل في أن حياة المدنيين يجب أن تبقى خارج أي توظيف سياسي وأن الخصومة السياسية تفترض تحييدهم”، مؤكدًا أن حمايتهم وتأمين احتياجاتهم في السويداء هي من مسؤولية الدولة.
وفيما يخص مزاعم حصار السويداء، شدد مصطفى على أن الدولة ليست طرفًا في أي شيء يعيق دخول المساعدات الإنسانية إلى السويداء، وأن جماعة الهجري هي من يعيق دخول المساعدات الإنسانية.
نتنياهو يخاطر بالمنطقة
وتطرق مصطفى إلى موقف إسرائيل فيما يخص السويداء، مبينًا أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو “يخاطر بالمنطقة خدمةً لمستقبله السياسي”.
وأشار إلى أن المسألة في غزة وصلت إلى حد الافتراق مع الدول الغربية الحليفة لإسرائيل فيما يتعلق على الأقل بالأزمة الإنسانية.
وقال: “إسرائيل لا تنظر بإيجابية لوجود سوريا جديدة، لذلك تريد جعلها غير مستقرة وممزقة، وللأسف بعض الجهات الداخلية تحاول إعمال حسابات سياسية ضيقة باللعب على الحسابات الإسرائيلية، وهذا بالضبط ما حصل السويداء”.
وأكد أن “إسرائيل لم تتدخل يومًا لحماية الدروز”، وأضاف: “الجميع مطالب أن ينظر إلى وضعية الدروز داخل إسرائيل”، وأشار إلى أنها “لا تدعم الدروز، بل هي تضطهدهم داخل الخط الأخضر”.
وبيّن أن إسرائيل “تريد من خلال هذه الجماعات تطبيق تجربتها فيما يتعلق بالدروز داخل الخط الأخضر على الواقع السوري، وهي تعرف أن الغالبية العظمى من السوريين الدروز عينهم دائمًا باتجاه دمشق، ولا يرون ولم يروا يومًا في إسرائيل إلا احتلالًا”.
دور أمريكي مساعد بالسويداء
وحول الدور الأمريكي، ذكر مصطفى أن الولايات المتحدة مهتمة باستقرار سوريا من أجل مصالح مشتركة مع دمشق، مثل هزيمة تنظيم داعش نهائيًا ومواجهة النفوذ الإيراني.
وقال: “سوريا تحرص دائمًا على إقامة علاقات سيادية مع جميع الأطراف، وتنظر برؤيه منفتحة غير خشبية أكثر مرونة، آخذين بعين الاعتبار أن منطقة الشرق الأوسط صعبة ومليئة بالكثير من الانفجارات والظروف السياسية الدقيقة”.
وتابع أن “الإدارة السياسية هي مسألة سورية- سورية بحتة، لذلك يوجد للولايات المتحدة الأمريكية دور مساعد لا يمكن توصيفه بأكثر من ذلك”.
الحكومة تعترف بأخطائها بشجاعة
وتطرق مصطفى إلى الانتهاكات التي وقعت خلال الاشتباكات بين عشائر البدو وجماعات درزية في السويداء، وقال: “الكثير من المقاطع المصورة تظهر انتهاكات لم ترتكبها القوات الحكومية، لكن القوات الحكومية ارتكبت انتهاكات، ونحن مهتمون بإجلاء الحقيقة لأن كل مواطن وكل فرد سوري يهم سوريا الجديدة”.
وتابع: “الحكومة لديها الشجاعة والقدرة على الاعتراف دائما بأخطائها، وتدرك أن مسألة تحييد الإعلام أو ممارسة الانتقائية في الإعلام قد تنفع على المدى المؤقت لبعض الجماعات، لكن على المدى الطويل لن تنفع ولن تؤتي بنتائج كبيرة”، وأعرب عن إيمان الحكومة بأهمية حرية الإعلام والصحافة.
وأكد مصطفى أن الحكومة تدرك أن سوريا تجتاز مرحلة انتقالية صعبة، وأن هناك تحولات كبيرة على مستوى فكرة بناء دولة وجيش احترافي.
وأشار إلى أن الانقسامات الاجتماعية “ولّدت لكثير من الضغائن والأحقاد”، وأن سوريا في بداية الطريق نحو “جيش محترف”.
وتطرّق الوزير إلى جهود جماعات غير قانونية (لم يحددها) لإقامة كيان كانتوني طائفي، وقال: “الحلول التقسيمية والكانتونية فشلت في التاريخ ولن تنجح، وعزل السويداء عن سوريا تاريخيا وشعبيا يتنافى مع الاتجاه الوطني لسكانها، عدا عن صعوبة التطبيق على أرض الواقع”.
ومنذ مساء 19 يوليو/ تموز الجاري، تشهد السويداء وقفا لإطلاق النار عقب اشتباكات مسلحة دامت أسبوعا بين مجموعات درزية وعشائر بدوية، خلفت 426 قتيلا، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وتحت ذريعة “حماية الدروز” استغلت إسرائيل تلك الأوضاع وصعّدت عدوانها على سوريا، وشنت في 16 يوليو الجاري غارات مكثفة على 4 محافظات، وقصفت مقر هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي في دمشق.
وضمن مساعيها لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة السورية 4 اتفاقات لوقف إطلاق النار بالسويداء، أحدثها مستمر منذ 19 يوليو الجاري.
اندماج شمال شرقي سوريا
بالحديث عن مسألة شمال شرق سوريا، شدد مصطفى على أن محور اجتماعات باريس يمثل بتسهيل أو الضغط على تنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” المسمى “قسد” من أجل الالتزام باتفاق 10 مارس/ آذار الموقع مع حكومة دمشق.
وفي 10 مارس الماضي، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد ما تسمى قوات “قسد”، فرهاد عبدي شاهين، اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، وتأكيد وحدة أراضي سوريا، ورفض التقسيم.
وفي 25 يوليو الجاري، أعلنت الحكومة السورية أنها ستعقد جولة من المشاورات مع ما يسمى قوات “قسد”، في باريس، بأقرب وقت ممكن لاستكمال تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بشكل كامل”.
جاء ذلك في بيان سوري فرنسي أمريكي مشترك نشرته الخارجية السورية عبر منصة إكس.
وفي هذا السياق، ذكر الوزير السوري أن هناك “مجموعة من المبادرات التدريجية التي يجب أن تحصل بموجب الاتفاق”، مؤكدًا أن الدولة السورية أوفت بالتزاماتها كما فعلت في السويداء.
وشدد أن “قسد” تقول إنها “ملتزمة بتطبيق الاتفاق في العموميات، ولكن على أرض الواقع لم يحصل حتى الآن تقدم”.
كما تطرّق إلى موقف تركيا الداعم لوحدة سوريا ومعارضة وجود تنظيم إرهابي شمالي البلاد، وقال: “هذه تصريحات دائمة على لسان الحكومات التركية المتعاقبة”.
وشدد على أن “هناك فرصة سياسية كبيرة بالنسبة لقسد، وهي أن الوصول إلى اتفاقات تضمن وجودا فاعلا لها في مستقبل سوريا يكون ضمن الأعمدة الثلاثة الرئيسية التي لا يمكن التنازل عنها وهي: بلد واحد، وحكومة واحدة، وجيش واحد”.
وأكد مصطفى أن سوريا على مدار الأربعة عشر عاما الماضية “واجهت تحديات كبيرة حتى في كيانها وبقائها كما هي، لأن نظام الأسد كان على استعداد أن يفعل المستحيل من أجل البقاء، بما في ذلك تقسيم البلد أو وهبها لقوة خارجية ودول إقليمية”.
واستدرك: “لكن بفضل التحرير وصلنا إلى فرصة تاريخية تكتنفها الكثير من التحديات، إلا أن وحدة الشعب السوري ووحدة أراضيه ومستقبله المزدهر في بلد واحد وشعب واحد، هذه مسألة حتمية لا يمكن لأحد التنازل عنها”.
واختتم الوزير السوري حديثه بالتأكيد على أن “الحلول السياسية دائمًا هي المفضلة للوصول إلى هذا الحلم، الذي يخص وجود الشعب السوري وسوريا، وليس خاصا بسياسة حكومة ولا باستراتيجية وزير ولا ضمن التفاهمات الدولية”.
(وكالات)
————————————-
400 عائلة عراقية تغادر مخيم الهول بعد ترحيل 36 أخرى سوريّة/ سلام حسن
محمد عماد
31 يوليو 2025
تستعدّ نحو 400 عائلة عراقية، اليوم الخميس، لمغادرة مخيم الهول شرقي مدينة الحسكة شمال شرقي سورية والعودة إلى العراق، ضمن برنامج إعادة الرعايا العراقيين الذي تنفّذه الحكومة العراقية بالتنسيق مع “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سورية بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. وتأتي هذه الخطوة بعد مغادرة 36 عائلة سورية مخيم الهول، أمس الأربعاء، متّجهة إلى مناطق سكنها الأصلية في حلب وريفها، إدلب، الرقة، الطبقة، وذلك ضمن سياسة تفريغ المخيم من السوريين، التي أقرّتها “الإدارة الذاتية” في 23 يناير/ كانون الثاني الماضي، عقب سقوط نظام بشار الأسد. وهذه ثالث دفعة تُرحّل نحو الداخل السوري، والثانية التي تتّجه تحديداً نحو شمال غرب البلاد، وشملت عائلات من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وقال شيخموس أحمد، الرئيس المشارك لمكتب اللاجئين والنازحين في “الإدارة الذاتية”، لـ”العربي الجديد”، إنّ دفعة جديدة من العائلات العراقية، تُقدّر بنحو 400 عائلة، ستغادر مخيم الهول اليوم، في إطار التنسيق الثلاثي بين الإدارة الذاتية والحكومة العراقية والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”. وأشار إلى أنّ الرحلة السورية التي خرجت أمس ضمّت 127 شخصاً، توزّعوا على 36 عائلة، واصفاً إيّاها بـ”بادرة حسن نية” من “الإدارة الذاتية”، موضحاً أنّ العملية جرت برعاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبإشراف منظمات إنسانية.
وأضاف أحمد: “ستُرحَّل خلال الأيام المقبلة دفعة جديدة إلى الداخل السوري، ونعمل على استمرار التنسيق مع الحكومة الانتقالية في دمشق لتسريع تفريغ المخيم”. ولفت إلى أنّ التحديات التي تواجهها “الإدارة الذاتية” “تتعلق بغياب آلية واضحة للتنسيق مع الحكومة الانتقالية السورية، رغم زيارة وفد حكومي للمخيم وفتح نقاش في سبل التعاون”. وذكّر بأنّ آلاف السوريين الراغبين في العودة إلى مناطقهم يعانون غياب البنى التحتية والخدمات، و”هو ما يعقّد عملية العودة”، وفق قوله.
كذلك حذّر من تدهور الأوضاع الإنسانية في المخيم، بسبب توقف الدعم المقدّم من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إلى جانب انسحاب عدد من المنظمات الإنسانية العاملة في الهول، ما فاقم الأزمة الإنسانية، ولا سيّما في ما يتعلق بقطاعَي الصحة والمياه. وأوضح أحمد أنّ “الإدارة الذاتية، رغم التحديات، لا تزال تقدّم الخدمات الأساسية بالتعاون مع المنظمات المتبقية في مخيم الهول، لكنها تواجه نقصاً حادّاً في الأدوية والمواد الطبية، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة والحاجة إلى زيادة إمدادات مياه الشرب”.
وأكد الرئيس المشارك لمكتب اللاجئين والنازحين أنّ “الإدارة الذاتية” ملتزمة منذ عام 2019 واجباتها الإنسانية تجاه النازحين، خصوصاً في مخيم الهول، سواء من خلال تقديم الخدمات أو حماية العائلات من تهديدات خلايا تنظيم “داعش” داخل المخيم، مشدداً على أنّ “المجتمع الدولي مطالب بتحمّل مسؤولياته، ولا سيّما الدول التي توجد رعاياها داخل الهول، عبر تقديم الدعم المباشر للإدارة الذاتية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقوى الأمن الداخلي (الأسايش)”.
كذلك دعا أحمد الحكومة الانتقالية في دمشق إلى ترتيب أوضاع السوريين، سواء الذين عادوا من دول الجوار أو أولئك الموجودين داخل المخيمات، ولا سيّما في شمال وشرق سورية، “حيث تعاني المنطقة من نقص في المواد الأساسية ودمار واسع في البنية التحتية، نتيجة الهجمات التركية”، وفق قوله. وشدد على ضرورة إيجاد آلية تنسيق مشتركة بين الطرفين لتسهيل عودة السوريين من المخيمات إلى مناطقهم.
في السياق، شوهدت مدرّعات أميركية، مساء الأربعاء، تتحرك من مدينة الحسكة باتجاه مخيم الهول، بالتزامن مع إخراج دفعة السوريين. وعلى الصعيد الأمني، أعلنت “وحدات حماية الشعب” الكردية التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، الأربعاء، تنفيذ عملية أمنية دقيقة داخل المخيم، أدت إلى تفكيك خلية تابعة لتنظيم “داعش”. وأوضحت، في بيان، أنّ وحدة العمليات العسكرية (TOL) التابعة لـ”قسد”، وبدعم من التحالف الدولي، نفّذت العملية بتاريخ 28 يوليو/ تموز 2025، وتمكنت من إلقاء القبض على عنصرَين من التنظيم، كانا مسؤولين عن أنشطة أمنية داخل المخيم. ووفق البيان، فإنّ العنصرين ينتميان إلى البنية القيادية للتنظيم، وقد شاركا سابقاً في عملياتٍ في العراق وسورية، وواصلا نشاطهما في المخيم بهدف الحفاظ على نفوذ تنظيم “داعش”.
بغداد مهتمة بحسم ملف العراقيين داخل مخيم الهول
من جهتها، كشفت مصادر أمنية عراقية، لـ”العربي الجديد”، اليوم الخميس، أنّ “الساعات القليلة الماضية شهدت نقل 230 عائلة عراقية من مخيم الهول تضمّ ما يقارب 900 شخص، أغلبهم من النساء والأطفال، إلى مخيم الجدعة جنوبي مدينة الموصل، وسط إجراءات أمنية مشددة”. وأضافت أنّ “عملية نقل العوائل جرت بعد تدقيق أمني استمر لأيام، من خلال جهاز المخابرات العراقي وجهاز الأمن الوطني العراقي، وبالتنسيق مع “قسد” عبر التحالف الدولي. وهذه العملية هي الدفعة العاشرة خلال السنة الحالية 2025″.
وأكدت المصادر أنّ “عملية تدقيق أمني تجري لعدد آخر من العائلات العراقية في مخيم الهول، من أجل الاستعداد لنقلهم عبر دفعات أخرى خلال الأيام المقبلة، فهناك اهتمام حكومي عراقي كبير بحسم ملف العراقيين داخل المخيم، وقد نشهد نهاية العام الجاري انتهاء عملية نقلهم جميعاً من مخيم الهول”.
تأتي عودة العراقيين بعد أيام قليلة من تأكيدات وزارة الهجرة العراقية، أنّها مستمرة في برنامج عودة النازحين من مخيم الهول، مؤكدة إعادة 15 ألف عراقي، بينهم 10 آلاف عادوا إلى مناطقهم. من جهته، تحدث الخبير الأمني العميد المتقاعد عدنان الكناني، لـ”العربي الجديد”، عن “الأهمية القصوى لملف نقل العائلات العراقية من مخيم الهول، لكونه لا يتحمّل التأجيل، لما له من أبعاد أمنية وإنسانية واجتماعية تمسّ الأمن القومي العراقي مباشرةً”. وأوضح أنّ “مخيم الهول أصبح بؤرة لتنامي الفكر المتطرّف، ووجود عشرات الآلاف من النساء والأطفال العراقيين فيه يجعلهم عرضة للتجنيد والاستغلال من قبل التنظيمات الإرهابية، وهو ما يشكل تهديداً مستقبليّاً خطيراً على الاستقرار الأمني في العراق والمنطقة”.
وأضاف الكناني أنّ “استمرار وجود هؤلاء المواطنين خارج سيطرة الدولة يضعف قدرة المؤسسات الأمنية والاجتماعية على إعادة تأهيلهم ودمجهم، لذلك فإن إعادتهم إلى العراق، ضمن برنامج مدروس يشمل التدقيق الأمني والتأهيل النفسي والاجتماعي، هو الحلّ الأمثل لتحجيم أي خطر محتمل، ولهذا الحكومة العراقية، بالتعاون مع المجتمع الدولي، مطالبة بالإسراع في تنفيذ برامج الإعادة وإعادة الإدماج”.
وشدّد الخبير الأمني على أنّ “حماية الأمن القومي تبدأ من تحصين المجتمع وإغلاق الثغرات التي قد تستغلها الجماعات المتطرّفة، ومخيم الهول يمثل اليوم إحدى أبرز هذه الثغرات التي يجب التعامل معها بجديّة وسرعة، وهناك اهتمام حكومي واضح بملف المخيم، ولهذا هناك إسراع في عملية نقل العوائل العراقية”.
ووفق إحصاءات صدرت في فبراير/ شباط الماضي، يضمّ المخيم الواقع على بعد 13 كيلومتراً عن الحدود العراقية، نحو 37 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، من بينهم نحو 16 ألف سوري، و15 ألف عراقي، ونحو ستة آلاف من جنسيات أجنبية مختلفة. وبدأت عمليات إجلاء العائلات العراقية من المخيم عام 2021، ونُقِل نحو 14 ألفاً و500 شخص إلى العراق حتى إبريل/ نيسان الماضي.
وفي 22 يونيو/ حزيران الماضي، غادرت أكبر دفعة من العراقيين مخيم الهول إلى بلادهم بعدد أفراد بلغ 935 شخصاً (236 عائلة). وفي منتصف إبريل الماضي، غادرت المخيم 241 عائلة بعدد أفراد 865 شخصاً، وفقاً لوسائل إعلام محلية. وفي العام الماضي، غادرت 223 عائلة عراقية مكوّنة من 832 شخصاً المخيم، متجهةً نحو الأراضي العراقية وسط إجراءات أمنية مشددة لقوات التحالف الدولي.
العربي الجديد
———————-
“مسد” يحذر من انهيار المرحلة الانتقالية ويطالب بحوار وطني شامل
اللامركزية “أصبحت ضرورة وطنية لضمان وحدة سوريا”
2025-07-30
عقدت الهيئة الرئاسية لمجلس سوريا الديموقراطية (مسد) اجتماعاً طارئاً في مدينة الحسكة أمس الثلاثاء، حذرت خلاله من مخاطر انهيار المرحلة الانتقالية في سوريا، بسبب تعثر المسار السياسي واعتماد مقاربات أمنية تُقصي الحوار الوطني.
وحضر الاجتماع الرئيسة المشاركة للمجلس ليلى قره مان، والدكتور محمود المسلط عبر الفيديو، إلى جانب إلهام أحمد رئيسة دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، وأعضاء الهيئة.
وأكدت قره مان أن “المرحلة الانتقالية باتت عبئاً يطيل أمد الفوضى بدلاً من أن تكون مشروعاً للحل”، محذرةً من سياسات التهميش والإقصاء التي تزيد الانقسام وتقوض الثقة بين المكونات السورية.
وأضافت: “لا يمكن تحقيق انتقال ناجح بغياب الشراكة الحقيقية وهيمنة المنطق الأمني، فالعنف لا يبني دولة، والإقصاء لا يوحد شعباً”.
كما تناول الاجتماع أحداث السويداء، حيث نددت قره مان باستغلال العشائر في صراعات أهلية، مؤكدةً أن ما حدث لا يعبر عن موقفها الوطني. وطالبت بـ”تحقيق شفاف” في انتهاكات حقوق المدنيين، خاصة النساء والأطفال، محذرةً من تكرار مماطلة مماثلة لأحداث الساحل.
وفي إشارة إلى اجتماع باريس الأخير، رأت قره مان أن البيان السوري يعكس إصرار المجتمع الدولي على الحل السياسي، داعيةً النظام إلى “التخلي عن المماطلة والعودة للمسار السياسي بجدية”.
بدورها، أكدت إلهام أحمد أن اللامركزية “أصبحت ضرورة وطنية لضمان وحدة سوريا”، محذرةً من أن استمرار التهميش سيؤدي إلى مزيد من الانهيار.
ودعا المجلس إلى إحياء اتفاق 10 آذار بين قائد قوات سوريا الديموقراطية وأحمد الشرع، كمرجعية للحل، وأعلن عن مبادرة لحوار وطني شامل يضم جميع المكونات لوضع خارطة طريق لسوريا لا مركزية تعدّدية.
وحذر من أن غياب التمثيل العادل يهدد التسوية، مشدداً على أن “الحل لن يكون بالعنف، بل بحوار يعيد الثقة ويؤسس لدولة تحمي التعددية”.
وأكد المجلس التزامه بمساعيه الوطنية، معرباً عن استعداده للتواصل مع كل السوريين لبناء مستقبل ديمقراطي عادل.
+963
—————————-
تحركات مريبة لخلايا «داعش» داخل مخيم الهول السوري
تسريع عمليات ترحيل اللاجئين من مخيمات شرق سوريا
القامشلي شرق سوريا: كمال شيخو
1 أغسطس 2025 م
يشهد مخيم الهول، شرق سوريا، حالةً من التوتر، بعد ورود تقارير أمنية تُفيد بوجود تحركات مريبة داخله تنفذها خلايا نائمة موالية لتنظيم «داعش»، بعد قيام زوجات مسلحي ومقاتلي التنظيم المحتجزات في قسم المهاجرات، بتشكيل ما يُسمى «جهاز الحسبة»، وعمدت إلى حرق مقرات منظمات إنسانية وتخريب مقتنياتها.
وسجّلت إدارة مخيم الهول، الواقع جنوب مدينة الحسكة، تدهوراً في الأوضاع الأمنية داخل القسم الخاص بالمهاجرات الأجانب، إذ شهد سلسلة عمليات تخريب واعتداءات تورطت فيها نساء وعناصر منضوية في خلايا التنظيم النائمة داخل المخيم، حسبما كشفت مديرة المخيم جيهان حنان لـ«الشرق الأوسط».
وقالت إن 3 مراكز تتبع منظمات إنسانية تعرضت للحرق والنهب والتخريب، «علماً بأن هذه المنظمات تُقدم خدماتها لقاطنات قسم المهاجرات، كما تعرضت فرق الإغاثية للهجوم بالحجارة».
وأشارت إلى أن هذه «الأعمال العدائية تسببت في وقف أنشطة تلك المؤسسات نتيجة رفض القاطنات تلقي أي مساعدات».
ويُعد مخيم الهول أكبر المخيمات في سوريا على الإطلاق؛ حيث يضم قرابة 34 ألفاً، موزعين على 13 ألف لاجئ عراقي، ونحو 15 ألف نازح سوري، إلى جانب وجود أكثر من 6 آلاف من نساء وأطفال مسلحي التنظيم الأجانب، فيما غادر قرابة 900 لاجئ عراقي من مخيمات شمال شرقي سوريا، بعد سنوات طويلة قضوها في أماكن مكتظة، بالتنسيق بين الإدارة الذاتية والحكومة العراقية بغية تفريغها وتفكيكها.
وذكرت جيهان حنان أن بعض النساء اللواتي تعرّضن للضرب المتعمد في القسم الذي يضم جنسيات غربية وعربية، مشيرة إلى أن «الخلايا النائمة شكّلت جهاز الحسبة سيئ الصيت».
وأوضحت أن «آخر هذه الحوادث تعرُّض امرأة للضرب المبرح بأداة حادة على رأسها، وبعد أخذ شهادتها ذكرت أن نساء (جهاز الحسبة) عمدن لضربها، إلى جانب كتابة شعارات متشددة للتنظيم وعبارات تحض مواليه على الكرفانات وأسوار القسم، مع زيادة ملحوظة في تلك التحركات. وسادت حالة من التوتر داخل هذا القسم».
وحذّرت مديرة مخيم الهول من مساعي الخلايا النائمة لإعادة تنظيم صفوفها وتجميع مواليها، وأن هذه العمليات تأتي في إطار تحركات منظمة وممنهجة، وتضيف: «هناك أسباب واضحة لهذه التحركات وفق إشارات وتوجيهات متزعمي الخلايا، وعندما يتم الهجوم على مراكز المنظمات نشهد مشاركة أعداد كبيرة من المهاجمات، فهناك خلايا تعمل من الخارج تقوم بتحريك العناصر داخل المخيم»، على حد تعبيرها.
وللحد من هذه التحركات، وتعقب الخلايا النائمة الموالية للتنظيم، نفَّذت «قوات سوريا الديمقراطية» بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي عملية أمنية محكمة داخل مخيم الهول الأربعاء، أسفرت عن إلقاء القبض على كل من قائد العمليات العسكرية للخلايا النائمة، إضافةً إلى المسؤول الأول عن عمليات التجنيد.
وأكد مسؤول عسكري بارز في قوى الأمن الداخلي «توقيف محمود صافي الأول، ويُكنى بأبي البراء، وهو الأمير العسكري للتنظيم، وعبد الرزاق محمود السلامة، الملقب بأبي عبد الرحمن، وهو شرعي ومكلف بتجنيد الأطفال وتنظيم حلقات سرية وتلقينهم الفكر المتطرف».
مغادرة العراقيين
إلى ذلك، غادرت 233 عائلة وعدد أفرادها يفوق 800 لاجئ عراقي، مخيم الهول يوم الخميس، عبر حافلات حديثة، متجهين إلى بلادهم، بعد سنوات طويلة قضوها في هذا المخيم الذي يضم عائلات مرتبطة بالتنظيم، قاصدين مخيم الجدعة في الجانب العراقي الواقع في محافظة نينوى، وهي عبارة عن نقطة عبور لإعادة دمج العائدين قبل انتقالهم إلى مناطقهم الأصلية. وكانت هذه الدفعة الـ11 من نوعها منذ مطلع العام الحالي وسقوط النظام السابق.
كما غادرت 15 عائلة عراقية في اليوم نفسه من مخيم روج الذي يقع في أقصى ريف الحسكة الشمالي الشرقي، تضم 67 شخصاً بالتنسيق بين الإدارة الذاتية ولجنة الهجرة والمهجرين بمجلس النواب العراقي، في إطار عملية أوسع لتسريع عمليات إعادة العراقيين وتفريغ مخيمات شمال شرقي البلاد وتفكيكها.
إفراغ المخيمات
وتعليقاً على تسريع عمليات ترحيل اللاجئين العراقيين، يقول رئيس مكتب شؤون النازحين واللاجئين لدى الإدارة الذاتية، شيخموس أحمد لـ«الشرق الأوسط»، إنهم يعملون على إفراغ هذه المخيمات مع نهاية عام 2025، بالتنسيق مع مفوضية شؤون اللاجئين بالأمم المتحدة، وأضاف: «يجري الإعداد لقوائم تشمل عدداً آخر من العائلات العراقية في مخيم الهول، من أجل الاستعداد لنقلهم عبر دفعات خلال الأيام المقبلة، لحسم ملف العراقيين داخل هذا المخيم».
وتأتي هذه الجهود في إطار تنسيق عملياتي ثلاثي بين الإدارة الذاتية والحكومة العراقية وقيادة التحالف الدولي لمحاربة «داعش».
يذكر أن «الخارجية الأميركية» أعلنت عن إعادة مواطن أميركي قاصر من مخيم نازحين في شمال شرقي سوريا، بهدف لم شمله مع عائلته، وأضافت في بيان لها: «لا يزال نحو 30 ألف شخص من أكثر من 70 دولة يقيمون في مخيمي نازحين في شمال شرقي سوريا، غالبيتهم أطفال دون سن الثانية عشرة، وهم يستحقون فرصة للحياة خارج المخيمات»، مشددة على أن الحل الدائم الوحيد لأزمة مخيمات النازحين في هذه المناطق: «هو أن تستعيدهم دولهم الأصلية».
———————————–
=====================



