الشرق الأوسط بعد سقوط الأسد وانتخاب ترامب/ علي قاسم

السبت 2025/11/22
عام مترع بالأحداث
مع اقتراب نهاية عام 2025، يجد الشرق الأوسط نفسه في مواجهة لحظة مفصلية تجمع بين سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، بعد هجوم خاطف للمعارضة في ديسمبر 2024، وفوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية لولاية ثانية، إلى جانب تغييرات سياسية في كوريا الجنوبية، بعد إقالة الرئيس يون سوك-يول وعودة اليسار إلى الحكم، وتصاعد أزمة داخلية في إيران تتمثل في أزمة المياه التي دفعت الرئيس مسعود بزشكيان إلى الإعلان عن ضرورة نقل العاصمة من طهران، هذا إضافة إلى حرب صامتة للفوز في سباق التكنولوجيا الذكية. هذه الأحداث ليست معزولة، بل مترابطة ضمن ديناميكية دولية تعيد تشكيل موازين القوى، من تراجع النفوذ الإيراني إلى عودة البراغماتية الأميركية، مروراً بتحولات آسيوية تؤثر على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
في خضم هذه الأحداث، يواجه المسؤولون وصنّاع القرار العرب سؤالاً مركزياً: كيف تعيد دولهم تموضعها في ظل أحداث متسارعة، وتحولها إلى مكاسب استراتيجية، وتتجنب الوقوع في فخ الفراغات التي ستُملأ من قبل قوى خارجية؟
نبدأ بسيد الأحداث جميعها: سقوط نظام بشار الأسد والفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه ويجب ملؤه عربياً. فقد سقط الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 بعد هجوم قادته هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى، منهياً أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، وأدى ذلك إلى فرار بشار إلى موسكو وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع. هذا السقوط مثّل ضربة قاصمة لمحور المقاومة الإيراني، حيث خسرت طهران حليفها الرئيسي في المشرق، وتراجع نفوذ حزب الله، بينما فقدت روسيا قواعدها الاستراتيجية جزئياً رغم محاولاتها الاحتفاظ ببعضها.
اللحظة الراهنة تتطلب تجاوز الانقسامات العربية.. سقوط الأسد وانتخاب ترامب ليسا نهاية مرحلة فقط بل بداية عصر يتطلب تأسيس مجلس عربي للتخطيط الاستراتيجي يواكب التحولات ويضع خطط استباقية
لكن الفراغ الذي خلّفه نظام الأسد يحمل مخاطر جسيمة: تحول سوريا إلى ساحة نفوذ متنازع عليها بين تركيا، التي تدعم فصائل شمالية، وإسرائيل التي وسّعت سيطرتها على الجولان والمناطق الحدودية، مع مخاوف من عودة تنظيم الدولة الإسلامية أو انفجار صراعات طائفية. وفي حال لم يُملأ هذا الفراغ سياسياً ومؤسساتياً، قد تتحول سوريا إلى دولة فاشلة تهدد أمن الجوار العربي مباشرة. هنا تبرز الحاجة إلى دور عربي موحد تقوده السعودية والإمارات ومصر والأردن لدعم عملية انتقالية شاملة تشمل كل المكونات السورية، وإعادة إعمار البلاد بعيداً عن المحاور المتصارعة. الاستثمار العربي في سوريا الجديدة ليس خياراً بل ضرورة لاستعادة التوازن الإقليمي.
قبل شهر واحد من سقوط الأسد، شهد العالم حدثاً لا يقل أهمية، وهو عودة ترامب التي أتاحت فرصاً لشراكات براغماتية، لكنها حملت أيضاً مخاطر الانسحابية وعدم الالتزام بالوعود حتى النهاية. فوز ترامب في نوفمبر 2024 أعاد إلى البيت الأبيض رجلاً يفضل “الصفقات الكبرى” على الالتزامات الطويلة. في ولايته الأولى، وقّع ترامب اتفاقيات إبراهيمية، واعتمد سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، ودعم إسرائيل بقوة. واليوم، مع سقوط الأسد، قد يرى فرصة لتوسيع التطبيع، خاصة مع السعودية، مقابل صفقات أسلحة واستثمارات. لكن سياسته الانسحابية قد تقلل الوجود الأميركي في اليمن والعراق، وتترك ملف فلسطين جانباً، مما يعزز موقف نتنياهو.
يكفي هذا ليفرض على الدول العربية بناء استراتيجيات مستقلة لا تعتمد فقط على المزاج الأميركي. الخليج، خاصة، يمكنه الاستفادة من براغماتية ترامب لتعزيز الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، لكن مع ضرورة تنويع التحالفات والاتجاه نحو شرق آسيا وأوروبا.
الشرق الأقصى بدوره شهد أحداثاً ستصل ارتداداتها إلى دول الشرق الأوسط، أبرزها ما صدر عن كوريا الجنوبية، وهي إشارات من الشرق تفتح أبواباً جديدة إذا أُحسن استثمارها وتوظيفها. ففي سيول، أدت إقالة الرئيس يون سوك-يول بقرار قضائي في نيسان/أبريل 2025 إلى انتخابات مبكرة فاز فيها اليساري لي جاي ميونغ، وهو ما قد يخفف التوتر مع الصين وكوريا الشمالية، ويؤثر على سلاسل التوريد التكنولوجية التي تعتمد عليها المنطقة.
التاريخ لن يرحم المتفرقين، والفرص تُملأ بمن يملك الرؤية والجرأة. على صنّاع القرار العرب التحرك فوراً لصياغة مستقبل المنطقة بأدوات حديثة، مستقلة وموحدة
وقبل أن ينقضي عام 2025 بأسابيع قليلة، دفعت أزمة مياه شديدة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الحديث عن نقل العاصمة من طهران، مما يكشف هشاشة النظام أمام الاحتجاجات الداخلية والضغوط الخارجية. هذه التحولات تعيد تشكيل العلاقات الآسيوية-الشرق أوسطية، وتفتح الباب أمام تحالفات جديدة في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا، حيث يمكن للعرب الاستفادة من الخبرة الكورية في مواجهة التحديات المناخية التي تواجه إيران.
سقوط الأسد وعودة ترامب وأزمات إيران وكوريا الجنوبية هي أحداث دراماتيكية مرئية. لكن الذكاء الاصطناعي هو الحدث الصامت الذي سيُعيد كتابة قواعد القوة بشكل جذري، ويجب ألا نغفله. نحن – كعرب – ما زلنا نتعامل معه كـ”ترف تكنولوجي” أو “استثمار جانبي”، بينما هو في الحقيقة سلاح استراتيجي من الجيل الخامس يجمع بين التكنولوجيا الشبحية والذكاء الاصطناعي والقدرة على العمل في بيئات معقدة متعددة المجالات (جو، بحر، فضاء، سيبراني)، يصعب مواجهته بالوسائل التقليدية.
اللحظة الراهنة تتطلب تجاوز الانقسامات العربية وبناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة في الأمن والاقتصاد والمناخ. يجب التفكير في منظومة أمن إقليمي جديدة تشمل ملفات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والسيادة الرقمية. سقوط الأسد وانتخاب ترامب ليسا نهاية مرحلة فقط، بل بداية عصر جديد يتطلب تأسيس “مجلس عربي للتخطيط الاستراتيجي” يواكب التحولات ويضع سيناريوهات استباقية.
التاريخ لن يرحم المتفرقين، والفرص تُملأ بمن يملك الرؤية والجرأة. على صنّاع القرار العرب التحرك فوراً لصياغة مستقبل المنطقة بأدوات حديثة، مستقلة وموحدة.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب



