سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

المشهد المرئي السوري… عادات مشاهدة متغيّرة

06 سبتمبر 2025

بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، دخل الإعلام المرئي السوري مرحلة إعادة تشكّل سريعة ومربِكة في آن. فبين محاولات الدولة إعادة بناء ذراعها التلفزيوني بهوية بصرية وخطاب سياسي جديدين، ومراكمة منصات مستقلة لخبرتها ومكتسباتها خلال سنوات الثورة، بدا أن الساحة ستتّسع لمنافسة حقيقية على الثقة والانتشار والتأثير. وفي قلب هذه الخريطة، تتقدّم تجربتان واضحتان: عودة الإخبارية السورية إلى البث الرسمي واجهة للإعلام العام الجديد، وتثبيت تلفزيون سوريا حضوره بوصفه القناة الأكثر تأثيراً، مع توسيع التجربة عبر إطلاق القناة الثانية المتخصصة بالثقافة والمنوعات، في توزيع متعمّد للأدوار بين الخبر والترفيه، بين اللحظة السياسية وذاكرة الدراما.

في 5 مايو/أيار 2025، بدأت الإخبارية السورية بثّها الفضائي رسمياً بعد أشهر من التحضير وتجاوز أعطال تقنية مزمنة وقيود العقوبات. اختارت القناة أن تظهر بهوية بصرية محدّثة، مع بث عبر نايل سات وسهيل سات، إلى جانب المنصّات الرقمية وIPTV، في إشارة إلى رغبة في اللحاق بعادات مشاهدة تغيّرت جذرياً. وقد رافق الانطلاقة خطابٌ يؤكد “بناء نظام عمل قائم على الكفاءة”، وتوسيع هامش حرية التحرير، والتموضع “وسيطاً” بين الدولة والمجتمع؛ أي نقل الأولويات اليومية للناس، لا إعادة تدوير خطاب السلطة.

حتى الساعة، لم تنجح القناة الرسمية في التحوّل إلى القناة الأولى داخل البلاد أو لدى الجمهور الأوسع في الشتات. يعود ذلك لعوامل متشابكة: شيخوخة البنية التقنية والبشرية، هشاشة المعدات، صعوبة استقطاب كفاءات شابة اعتادت العمل في بيئات مرنة، وتردد المعلنين في سوق لم تتبلور قواعده بعد. الأهم ربما هو المنافسة القوية من تلفزيون سوريا الذي انطلق من إسطنبول عام 2018، ونجح خلال سنوات قليلة في بناء هوية تحريرية واضحة، تُزاوج بين تغطية لحظية وشرح معمّق، وتستند إلى شبكة مراسلين في الداخل وإلى حضور رقمي قوي يلتقط تفاعل الجمهور ويغذّيه.

حافظ تلفزيون سوريا على تقدمه في المتابعة الخبرية والتحليل اليومي للشأن السوري، مع تقديم برامج حوارية وتحقيقية ذات إيقاع سريع ولغة قريبة من الجمهور. ومع إطلاق القناة الثانية مطلع رمضان 2025، وسّعت الشبكة حضورها باتجاه المحتوى الثقافي والترفيهي والدراما، في توزيع متوازن للحمولة التحريرية: تبقى القناة الرئيسية مكرّسة للأخبار والتغطيات والتحليلات، فيما تركّز “الثانية” على البرامج الصباحية والثقافية والاجتماعية والفنية، وعلى مسلسلات سورية حديثة وكلاسيكية، بما يعمّق الصلة مع جمهور واسع داخل سورية وفي الشتات. بهذا المعنى، لا يكتفي تلفزيون سوريا بالسيطرة على الشق الإخباري، بل يملأ أيضاً فراغاً عاطفياً وثقافياً خلّفته سنوات الانقطاع بين السوريين وشاشتهم.

بين “الإخبارية” وتلفزيون سوريا، ظهرت إشارة أخرى إلى حركة المشهد: لمّح رجل الأعمال السوري غسان عبود أخيراً إلى إمكانية إعادة بث “أورينت” التي أُغلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد مسيرة قاربت 14 عاماً، مع الإشارة إلى بقاء استوديوهات وأرشيف ضخم وتجهيزات معتبرة. أي عودة محتملة لقناة امتلكت حضوراً معارضاً وإشكالياً طويلين ستضيف تنوّعاً وخبرة تراكمية، لكن ذلك يظل مرهوناً بقرار استثماري وتحريري لم يُحسم بعد، وبسؤال: أي خطاب يلائم لحظة ما بعد النظام السابق؟

وفي منتصف يوليو/ تموز الماضي انطلقت قناة أنا سوريا متبنية خطاً “ترفيهياً عصرياً بمحتوى ثقافي وتفاعلي”، كما تعرف نفسها. ويشار إلى أن مدير عام MTV اللبنانية ميشال المرّ عمل على إطلاق هذا المشروع.

إلى جانب القنوات السورية، أعادت قنوات عربية فتح مكاتب لها في دمشق بعد إزالة قوائم المنع التي راكمها النظام السابق، كما عادت مواقع سورية كانت تعمل من الخارج للحصول على تراخيص محلية. ومع ذلك، لم تُحدِث هذه العودة فرقاً نوعياً حتى الآن، لا في دقة الخبر ولا في عمق التحليل. السبب أن المشكلة لا تختزل في الوجود المادي على الأرض أو الحصول على تصريح، بل في بناء غرف أخبار مهنية قادرة على التحرير السريع الرصين، ووضع بروتوكولات تحقق شفافية، وإنتاج قصص تنبض بتجارب الناس وتتجاوز البيان الرسمي. من دون استثمار حقيقي في الموارد البشرية والمنهجيات، ستبقى العودة مجرّد لافتة.

في هذا الإطار، تواجه وزارة الإعلام اختباراً معقّداً لإعادة تأهيل قطاع تهالك لعقود. المفارقة أن جزءاً من الجهد انصرف إلى رعاية “مؤثّرين” على المنصّات، بوصفهم أسرع جسر إلى الجمهور. لكن هذا الخيار أثار استياء شرائح من الصحافيين والمتلقين الباحثين عن إعلام مهني يواكب التكنولوجيا من دون أن يذوب في وصفاتها السريعة. المطلوب ليس تزييناً بصرياً ولا سباقاً على الترند، بل إعادة تعريف الوظيفة العامة للإعلام: خدمة الحقيقة والمساءلة والنقاش العام، وحماية حق الوصول إلى المعلومات، وتحصين غرف الأخبار من التدخلات التي عطّلت مهنيتها.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى