بين التشديد والتقييد.. قانون H.R.4427 وإشكالية العقوبات على سوريا/ ميسون محمد

27 يوليو 2025
في السادس عشر من تموز/يوليو الجاري، أُعيد تسليط الضوء على الملف السوري من بوابة العقوبات، عبر مشروع قانون جديد حمل الرقم 4427، قدّمه النائب الجمهوري مايك لولر. يضع هذا القانون شروطًا مشددة لرفع العقوبات المفروضة على النظام السوري، ويوسّع من دائرة الرقابة على أي إعفاءات أو تخفيفات محتملة.
ولعل أبرز ما يميزه أنه جاء كرد مباشر على قرار إدارة ترمب في حزيران/يونيو الفائت بإلغاء جزئي لبعض العقوبات، وهو قرار أثار استياء قطاعات واسعة في الكونغرس، وفتح باب الشكوك حول ما إذا كانت السياسة الأميركية تتجه نحو تسوية “ناعمة” مع النظام في دمشق.
القانون لا يكتفي بتعديل قانون قيصر فحسب، بل يسعى لتقنين شروط دقيقة ومُلزمة لرفع العقوبات، تمتد إلى عامين متتاليين من الامتثال. وهو بذلك ينقل مقاربة العقوبات من أداة ضغط عامة إلى سياسة مشروطة بدقة، تسعى إلى توجيه مسار العلاقات مع الدولة السورية وفق اشتراطات مرتبطة بمعايير التحول السياسي والحوكمة الأمنية والالتزامات الإنسانية، دون أن تُغفل رمزية الملف الحقوقي في صياغة الأدوات الأميركية الجديدة.
شروط صارمة أم سقوف وهمية؟
يضع قانون “H.R.4427” سلسلة من الشروط الدقيقة التي تربط رفع العقوبات بخطوات سياسية وأمنية وإنسانية، مثل تحسين أوضاع حقوق الإنسان، وتقييد إنتاج المخدرات، وتهيئة البيئة لعودة آمنة للاجئين، وإشراك المجتمع المدني.
ورغم أن بعض هذه المبادئ تتوافق مع تطلعات عامة لدى السوريين، فإن توقيت القانون وطبيعة صياغته يطرحان تساؤلًا مشروعًا، وهو: هل يُبقي هذا التشريع الأميركي سوريا في حالة “ربط مشروط” مفتوح، بغضّ النظر عن التغيّرات التي طرأت بعد عام 2024؟ وهل يعكس القانون إدراكًا لحقيقة التحول في بنية السلطة ومحاولات الحكومة الحالية تحسين الأداء، أم أنه استمرار لنمط ضغط صُمّم في عهد مختلف، تجاه سلطة اختلفت ملامحها ومقارباتها؟
بمعنى آخر: هذا القانون يخدم من؟ وهل يُعقل أن تُربط حياة السوريين الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليهم بمنظور قانوني لا يُفرّق بين عهدٍ مضى، وعهدٍ يسعى لإعادة ترتيب الأوراق داخليًا وإقليميًا؟ وهل تنجح مثل هذه القوانين في دعم مسار الحل، أم أنها تُطيل أمد الأزمة وتُقيّد فرص التعافي الوطني؟
تحولات موازية
في الوقت الذي يتجه فيه الكونغرس نحو تشديد قبضته التشريعية، كانت الرياض وأنقرة تمضيان في مسار معاكس. السعودية التي أعادت تطبيع علاقاتها مع دمشق، تتابع خطواتها بهدوء نحو دعم مشاريع إعادة الإعمار ومبادرات أمنية مرتبطة بمكافحة المخدرات، لكنها لم تربط هذا الانفتاح بأي مسار سياسي واضح.
تركيا من جهتها، تعيد رسم خطوط تماسها السياسية والأمنية مع النظام الجديد. وهنا يُطرح التساؤل الأهم: هل تتقاطع هذه المسارات مع قانون “H.R.4427″؟ أم أنها تتجاوزه وتتحدى فلسفته؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تريد ربط العقوبات بتحول سياسي، فهل يمكنها أن تحافظ على هذا المسار دون تنسيق حقيقي مع الحلفاء الإقليميين الذين باتوا يعاملون دمشق كأمر واقع؟
السوريون: الضحية الدائمة
وسط هذا التناقض في المقاربات، يبقى الشعب السوري هو الحلقة الأضعف، إذ إن قانون “H.R.4427″، رغم صرامته الظاهرية، لا يتضمن آليات فاعلة لحماية المدنيين من آثار العقوبات على المدى القصير، كما أنه لا يمنح أي تمثيل سياسي أو مدني سوري فرصة للمساهمة في تحديد معايير التقييم أو المراقبة.
في المقابل، لا يبدو أن التفاهمات الخليجية أو التركية تضع السوريين في قلب أولوياتها، بل تتعامل مع الملف من زاوية أمنية أو اقتصادية ضيقة، دون ربطه بسياق العدالة أو الكرامة أو إعادة الحقوق.
لكي تكون أي سياسة عقوبات أخلاقية وفاعلة، يجب أن تستند إلى ثلاثة عناصر متوازنة، وهي: الضغط على مرتكبي الانتهاكات، والتخفيف من معاناة المدنيين، والتنسيق مع الحلفاء. ويأتي قانون “H.R.4427” كمحاولة لتأطير هذه المقاربة، لكنه قد يفقد جدواه إن لم يُدمج ضمن رؤية استراتيجية شاملة تراعي التحولات السياسية الجارية، وتُفسح المجال أمام تجارب الحكم الجديدة لتثبت جدارتها، دون أن تُدان مسبقًا أو تُحاصر بشروط تعجيزية.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تنجح العقوبات؟، بل: هل يُمنح السوريون، بمختلف أطيافهم، فرصة حقيقية لصياغة مستقبلهم؟ ومن يُحاسب الأطراف التي تُفشل المسارات الناشئة؟ ومن يتحمّل مسؤولية استمرار المعاناة حين تتكرس الشروط ولا تتحقق النتائج؟
الترا سوريا



