لماذا قتلوا مازن؟… محاولة أخيرة فاشلة لقتل ذاكرة الثورة/ عزيز تبسي

25 نوفمبر 2025
عثر في برادات مشفى حرستا العسكري، بعد أيام من سقوط النظام في ديسمبر/ كانون الأول 2024، على مجموعة من أكياس سوداء، داخلها جثث لرجال لم يمض على قتلهم زمن طويل. رجّح الأطباء بعد معاينتهم، وقوع القتل قبل أيام من دخول قوات عملية ردع العدوان إلى دمشق. ظهر بينهم جثمان مازن الحُمادة، بوجهه الذي يعرفه آلاف السوريين.
للمهتمين بشجرة الأنساب، هو مازن البسيس الهايس الحُمادة الفواز الجابر العُمَر، مواليد دير الزور 1977، من عشيرة البو خابور من قبيلة العكيدات.
ينتمي إلى أسرة كبيرة، اعتقل أحد إخوته في ثمانينيات القرن الماضي، بتهمة الانتماء لتنظيم يساري، قضى خمس سنوات في سجن صيدنايا. عاش في أجواء عائلية منفتحة على الحوار والقراءة. عمل مازن فني ميكانيك في شركة نفط فرنسية، ما منحه قدراً من الرفاهية. انضم إلى بدايات الحراك الشعبي في دير الزور، وشارك في جميع التظاهرات، مأخوذاً بحلم الحرية والعدالة، ليعود بعدها الى بيته ويحمل مقاطع مصورة منها على شبكة الإنترنت.
استنتج في وقت مبكّر “أن الثورة كانت تتقدّم، بينما المعارضة السياسية لا تُواكبها. لم يعط المعارضون السياسيون الشباب فرصة، أغلب الشباب الذين قادوا هذه الثورة كانوا من الجامعيين المثقفين، القادرين على التفكير الناضج، وعلى قيادة البلاد نحو الديمقراطية”.
قرّر في مارس/ آذار 2012، بعد اعتقال أخيه طبيب الأسنان عبد العزيز وإياد وفهد ولديّ إخوته، وداود ابن عمه واستدعاءاته الى أفرع المخابرات لاستجوابه وتهديده، المغادرة الى دمشق، حيث تقيم أختاه مع عائلتيهما، أستعاد هناك نشاطه في الحراك الشعبي، وقبض عليه مع اثنين من أولاد أخوته، بتهمة نقل الحليب والأدوية لأطفال بلدة داريا المحاصرة، بعد حملة عسكرية ومذبحة أودت بحياة أكثر من سبعمائة مدني.
سيقوا جميعاَ إلى أحد مراكز تحقيق المخابرات الجوية، في مطار المزّة العسكري. طلب منه الضابط أن يعترف بامتلاكه أسلحة، لم تكن معه يوماً ولم يحملها ولا يحسن استخدامها، وأنه قتل جنوداً من الجيش، وزرع متفجرات، لكنه لم يعترف إلا بسلاح وحيد امتلكه واستخدمه “كاميرا توشيبا” صور بها التظاهرات.
سيقول بعد سنوات للصحافية الفرنسية غارانس لوكان، إنها محاولة لتفسير إصرار المحققين على هذه الصيغة من الاعتراف “لتلطيخ سمعة الثورة، وليثبتوا أننا إرهابيون”. … هدّده المحققون بقطع قضيبه بعد إدخاله في مشبك معدني، وأدخلوا عصا في مؤخرته، غاب بعدها عن الوعي، وانتهى به الأمر معترفاً بكل ما يرغبون. “التعذيب فنٌّ يرغمك على الاعتراف، ثم يطلب منك التوقيع على إفادتك”.
قضى فيها 15 شهراً، حكى بها مواجعه من التعذيب اليومي وقتل المعتقلين وترك جثثهم بين السجناء، الى ضيق الأمكنة التي تضم من السجناء فوق ما تحتمل “ما من راع يزرب 150 خروفاً في حظيرة سعتها خمسون”، الى الجوع” إذا أخذ جارك كسرة خبزك، تبدأ المشادة. يجوعوننا كي نقتتل، لا دين للجوع، الجوع كافر”، موت المرضى من غياب الطبابة والأدوية، وكبار السن اختناقاً من نقص الأكسجين وشدة الحرارة. “رأيت جثثاً كثيرة في الزنازين. بيد أن الجثة الأولى، التي يكتب عليك حملها الى الخارج، أشبه بنصل يخترقك”.
موت السجين، مناسبة للتفكر ولتلاوة آيات من القرآن ولإخفاء الدموع. وللتأمل في الهشاشة الإنسانية العزلاء، وهي تواجه توحش رجال المخابرات المسلحين بالعصي والكهرباء، وضمائر ميتة مصمّمة بعماء على إيذاء (وقتل) السجناء الذين لم يترك لهم إلا ألبستهم الداخلية، وأصوات احتجاجهم التي يخنقها الشريط اللاصق، وضربات العصي الكهربائية على الرؤوس المحلوقة. نقل الى مشفى المزة العسكري 601 في فبراير/ شباط 2013، بعد تعرّضه لأزمة صحية حادّة، ليستكمل هناك سردية أخرى، تتمم لوحة إرهاب غرف التحقيق والسجون، بإرهاب المؤسسة الطبّية العسكرية. تبدأ بتشارك مريض أو أكثر بسرير واحد، وهم مقيّدون بالسلاسل المعدنية أو الأسلاك البلاستيكية، وسخرية الأطباء والممرّضين من أمراضهم وآلامهم.
دخل عليهم في الليل رجل مخمور، وهو يصرخ: من يريد دواء؟ وحين همس أحد المرضى “أريد دواء” أمسكه الرجل المخمور وانهال عليه بالضرب، وهو يخاطبه “أنا عزرائيل ملاك الموت، حكمت عليك بالموت”، وظلّ يضربه حتى فاضت روحه، وأنزل السخرة الجثة عن السرير وسحبها نحو المرحاض.
وحين ذهب في الصباح الى المرحاض، وجد ثلاث جثث خلف الباب، أغلق الباب وفتح باب مرحاض مجاور، فرأى جثتين أخريين “أرغمت على التبول عليهما”. أخضع بعدها لمحكمة عسكرية، ونقل إلى سجن دمشق المدني القريب من بلدة عدرا. أمضى فيه ثلاثة أشهر إضافية، قبل أن يطلق سراحه، ويعود الى مدينته.
حالما يخطو السجين خارج سور السجن، يرغب بالطيران، كما يحصل بمجاز تخيلي، لكنه يكتشف في أول حركة للتحليق أنه بلا جناحين، وأن عليه متابعة طريقه سيراً على القدمين، متيقّظاً من الحفر، ومن الحواجز العسكرية. “مذ غادرت عدرا، رأيت الخراب بأم عيني وكرهته”.
استوقف مازن الحُمادي أول حاجز عسكري عند مدخل مدينة الرقّة، وتعاقبت عليه حواجز أخرى بطريقه الى دير الزور، حواجز لفصائل عسكرية، استنبتهم الصراع العسكري في السنتين اللتين غابهما في السجن، تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة وقوات سوريا الديمقراطية والحرس الجمهوري ومليشيات عراقية وبقايا الجيش السوري الحر.
رأى الدمار الذي أصابها، وحوّلها مدينة أشباح، تلاشت معظم أماكن ذكريات طفولته وشبابه، دمّر الجيش الجسر المعلق الذي شيد في أثناء الانتداب الفرنسي، ليكون صلة الوصل بين ضفتي المدينة، “كانت الجدّات يحملن أحفادهن وحفيداتهن، قبل أن يبلغن الأربعين يوماً، ويسرن بهم عليه، لتوكيد ما يربط الأجيال بهذه الأرض، وبنهر الفرات العظيم، رحلة أشبه بالمعمودية الاجتماعية، بالموروث” إلى دمار تدمير البراميل مئات العمارات والبيوت، فضلاً عن خراب نفوس البشر والانقسامات إلى طوائف وعشائر وأعراق وفصائل عسكرية، وحين كان يسأل عن أصدقائه، تأتيه الإجابات “ميتٌ، متخف، مهاجر”، لم يبق مكان في المدينة لا لاستئناف النضال السلمي ولا للحياة. قرّر مغادرتها الى تركيا ومنها الى اليونان بقارب مطاطي، ثم سيراً على الأقدام في الغابات، ليصل، في النهاية، إلى هولندا، ويستقر في بيت متواضع في بلدة هيلغوم. لم يأت أحد من المعارضين لاستقباله ومساعدته والسلام عليه، وجد نفسه منبوذاً من المعارضتين، الإسلامية والعلمانية، واختبر بالتجربة أن المعارضة بشقّيها تفتقد الوعي والنضج السياسي.
ألزم نفسه شرح قضية المعتقلين والمغيبين في السجون السورية، وأدلى بشهادته أمام لجان حقوقية عديدة في هولندا وفرنسا وألمانيا وأميركا وإيطاليا وماليزيا: “لقد دمّروا ذاكرتنا، بيد أنني أستمدّ قوتي من ذاكرة وجعي”. … حزم حقيبته في 22 فبراير/ شباط 2020 وعاد إلى سورية، لأسباب مجهولة. حيث قبضت عليه فور وصوله من بيروت المخابرات الجوية، وانضم من حينها إلى 95600 مغيب، كان قد قال قبلها للصحافية الفرنسية: “لو أعود إلى بلدي. احترم الغرب لأنه يحترم شعبه، ولكني لا أحترمه لأنه لا يحترم شعبي. لقد خاننا الغربيون، وصمتوا عن جرائم بشّار، لقد تعرّضنا للأذى، لقد آذونا”.
كان بإمكانهم أن يطلقوا سراحه، أو يتركوا أبواب السجن مفتوحة قبل فرارهم، أو يبقوه مع السجناء الآخرين في زنازينهم، يقاومون مصيرهم، لكنهم لم يفعلوا أياً من ذاك، قتلوه والسجناء الآخرين بدم بارد، وأودعوهم بأكياس سوداء، وكان معهم وقت ليرحّلوهم إلى برّادات مشفى حرستا العسكري، قتلوه لأنهم شعروا بهزيمتهم أمامه.
وصلت رسالة مازن إلى أهلها، وخرجت له جنازة جابت شوارع دمشق، وتحوّلت صوره إلى أيقونة في عموم الفعاليات التي تؤرّخ لكفاح الشعب السوري، وانتقلت كلماته عن الحرية الى الأجيال الشابة، التي راهن على وعيها.
دوّنت سيرته وشهادته الصحافية الفرنسية والمخرجة السينمائية غارانس لوكان، التي أقامت في العالم العربي سنين طويلة وكتبت عن مآسيه، لها كتاب “وثائق قيصر، صور من قلب آلة الموت السورية” 2015 ترجمته ونشرته دار ميسلون، والفيلم الوثائقي “أرواح سورية المفقودة” بالاشتراك مع ستيفان مالتير 2022 وكتاب “لم يعد، سيرة مغيب بالاشتراك مع مازن الحُمادة”.
العربي الجديد



