تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريامحطات

مقالات تناولت العلاقة السورية اللبنانية

 حسد لبناني- سوري متبادل/ عمر قدور

الثلاثاء 2026/02/17

لما يسطّره بعض الأشقاء اللبنانيين منذ سقوط الأسد مكانة خاصة، فاللبنانيون عانوا من وصاية الأسد بما يكفي ليبتهجوا ويحتفلوا بسقوطه، جنباً إلى جنب مع السوريين. إلا أن حفاوة نسبة وازنة من اللبنانيين غير مرتبطة فقط بالماضي، وهناك الكثير من الكتابات التي يغبط أصحابُها السوريين، إذا تحاشينا استخدم كلمة “الحسد”. ومبرر الغبطة هو أن السوريين تخلّصوا من التأثير الإيراني أيضاً، بل من منظومة الممانعة بأكملها، الأمر الذي لم يتحقق في لبنان، ولن يتحقق من دون تفكيك منظومة حزب الله الذي يعيق الجهود الأميركية الحثيثة مع الحكومة اللبنانية بغرض تفكيكه.

عرقلة الحزب المفاوضات بين الإدارة الأميركية والحكومة اللبنانية هي مصدر استياء الكثير من الأشقاء، وتحضر المقارنة (صريحة أو مستترة) مع الوضع في دمشق، حيث صار من المعتاد أن يخرج المبعوث الأميركي توم باراك منها والابتسامة تملأ وجهه. هي مقارنة بين التصلب في الضاحية والمرونة التي تقارب السيلان في دمشق، بخلاف الأمس حيث كان التصلّب سمة مستقرة لسياسة الأسد. هكذا يبدو أن دمشق تخطو إلى الأمام بسرعة شديدة، بينما تتخلّف بيروت عن الركب. ولا ننسى التهديد الإسرائيلي بالحرب التي ستفتقر لأدنى تكافؤ، وهو ما يؤثر بالتأكيد على مواقف العديد من اللبنانيين من المفاوضات الدائرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، وما أعقبه في سوريا.

وإذا تجاوزنا المخاوف الحالية من الحرب، فثمة لدى نسبة كبيرة من اللبنانيين نقمة مصدرها ما يُسمّى سيطرة الحزب على الدولة في لبنان، مع خشية من تفاقم هيمنته متى أتاحت له الظروف ذلك، وبالطبع ينصرف جزء من النقمة في اتجاه الأسد الذي كان عرّاباً لتمكين الحزب في لبنان. لكن، خارج هذا الاعتراض، لا يندر النظر بإعجاب إلى نماذج الدولة القوية، ومنها دولة الأسد لولا دورها في لبنان. ويعرف السوريون الذين عاشوا لأوقات طويلة أو قصيرة في لبنان كيف استنكر أشقاء بسطاء (من خارج الطبقة السياسية والإعلامية) الثورة السورية على الأسد، الذي بحسب ظنّهم يوفّر للسوريين مزايا من قبيل المستشفيات والتعليم المجانيين، وأنواع أخرى من الدعم الحكومي المفتقد في لبنان.

في الجهة المقابلة، لطالما حسد سوريون اللبنانيين على الوفرة التي يعيشونها، في حين كانت سياسة التقشّف والندرة مفروضة عليهم. ولطالما لجأ سوريون إلى لبنان للعيش فيه، طمعاً بسقف أعلى من الحريات السياسية والاجتماعية. ويصحّ على الأخيرين القول إنهم كانوا متضررين من تدخل الأسد ثم وصايته على لبنان، إذ فقدوا ملاذاً ورئة كانوا يتنفسون منها كلما عانوا من حكم العسكر والمخابرات.

حتى أثناء الحرب الأهلية بدا لبنان، كما يُرى من الجهة السورية، مكاناً للعيش على نحو مُفتَقد في سوريا. وما لم يكن حاضراً في وعي الجميع بالضرورة أن ميزة الحرب الأهلية في لبنان هي عدم انخراط الدولة اللبنانية كطرف في الحرب، أي بخلاف ما سيحدث في سوريا منذ اندلاع الثورة، وعلى الضد من الدور الذي لعبته “الدولة السورية” التي يتفق لبنانيون على أن يغبطوا أو يحسدوا السوريين عليها!

السلطة في سوريا مهيمنة على الدولة، بأدواتها الفظة والناعمة، فلم نسمع مثلاً (على غرار ما حدث في سوريا) أن لبنانيين حرمتهم الدولة من الحصول على وثائق سفر، أو منعتهم من السفر، لأسباب سياسية. هذا مثال بسيط على القوة الناعمة، أما الأمثلة على الوحشية فلا حاجة لتكرارها. باختصار، نجا لبنان من “الدولة القوية”، ومن عواقبها على اللبنانيين، وهذا الاختصار لا يهدف إلى هجاء فكرة الدولة، بل إلى التذكير بأن الدولة التي تحتكر العنف من السهل أن تستخدمه داخلياً، ما لم تكن دولة حريات وديموقراطية.

بعبارة أخرى، نموذج الدولة السورية لا يجب أن يكون طموحاً للبناني، حتى بعد إسقاط الأسد، فما ينظر إليه كإنجاز جديد في سوريا مثل حرية الدخول والخروج، أو غياب المخابرات والرقابة… هذا كله متوفر أصلاً للبناني، ولا يراه إنجازاً في بلده. ورغم هيمنة الحزب لم نسمع مثلاً عن تجاوزات للأمن العام بحق اللبنانيين الواصلين أو المغادرين، على غرار تعامل أجهزة المخابرات السورية سابقاً مع المواطنين، وأحياناً مع الغرباء. ثم إن طبيعة المرحلة في سوريا لا تسمح بالجزم بأن المسار الجديد على علاته سيستمر، ولن يكون هناك نكوص عن الظواهر التي تُمتَدح الآن.

يصح القول إن ما يمتدحه أشقاء لبنانيون في سوريا واقعٌ حالياً تحت تأثيرين؛ المقارنة مع عهد الأسد، ولا شك أن ذلك العهد أعطى أفضليات استثنائية لأي عهد لاحق، أما التأثير الآخر فآتٍ من ضغط حزب الله والتخوّفات المتصلة به. وهذا الامتداح يتغاضى عن أمرين؛ أولهما أن ما آلت إليه سوريا، بصرف النظر عن الوضع الانتقالي، ليس نموذجاً مستقراً، ولا نموذجاً يرضي تطلعات اللبنانيين. وحتى الإشادة بمرونة دمشق إزاء واشنطن وتل أبيب لا تكفي، إذا كانت مستحَقّة، للحديث عن نهج سياسي متكامل خارجياً وداخلياً.

الجانب الثاني الذي يتغاضى عنه الامتداح يتعلق بما يريده السوريون، وبما يستحقونه كأي شعب آخر. هنا ثمة إجحاف في النظر إلى ما حصل عليه السوريون بإسقاط الأسد على أنه إنجاز معتبر وكافٍ، مع أنه ضمن بديهيات الدولة، وحتى ضمن بديهيات الدولة اللبنانية. وفيه استمرار للإجحاف السابق، عندما كان يُنظر إلى حصول السوريين على دعم حكومي لبعض السلع والخدمات على أنه بديل كافٍ عن حصولهم على الحقوق السياسية، بل كأن ذلك يبرر ضمناً وقوعهم تحت توحّش نظام مخابراتي.

يمكن سوق مفارقات أخرى على الجانبين، فمنذ سنة تقريباً تصاعدت في سوريا الدعوات التي يسعى أصحابها إلى نوع من المحاصصة أو اللامركزية، لتبدو التجربة اللبنانية (على علاتها) متقدّمة على التجربة السورية، حيث تمتنع الأخيرة عن السير على خطى النموذج اللبناني أو العراقي، وتمتنع في الوقت نفسه عن صياغة نموذج سوري يتجاوزهما. في الواقع، حوالى ثلث السوريين باتوا يرون في المحاصصة مأمناً بالمعنى الأمني المباشر، وحماية من الإقصاء والتهميش الفظَّين والناعمَين، ويحسدون اللبنانيين على نظامهم الذي لم يتمنوا مثله من قبل.

الحسد المتبادل يشي بالأحوال على الجانبين، ويشي أيضاً بأن كلاً منهما لم يصبح بعد سقوط الأسد أكثر معرفة بالآخر، أو أكثر حساسية تجاه متاعبه، مثلما يشير إلى عيوب تجربتي البلدين. وإذا كان التاريخ القريب قد جعل الارتباط بين الجانبين قسرياً، فإن التحلل من تلك الرابطة الإجبارية يساعد على تجاوز سوء الفهم المتبادل، والبدء من عتبة تعلو على المقارنات السابقة للتفكير المشترك في النظام السياسي الأصلح للبلدين اللذين يستحقان قضية مشتركة أعلى من الهمّ المشترك الذي كان يمثّله وجود الأسد.

المدن

———————–

 بعد شمال شرق سوريا.. الأنظار على الساحل والحدود مع لبنان/ أنس وهيب الكردي

السبت 2026/02/14

لم تكد السلطات السورية تستعيد السيطرة على أجزاء واسعة من مناطق شمال شرق سوريا، حتى انطلقت المحركات الإقليمية والدولية باتجاه منطقة جديدة من البلاد: الساحل.

وقبل ساعات من توقيع الحكومة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) الاتفاق النهائي لوقف إطلاق النار الشامل في محافظة الحسكة، حطّت طائرة الرئيس السوري أحمد الشرع في موسكو، ما شكّل إشارة الانطلاق لمباحثات ماراثونية حول الترتيبات الخاصة بمنطقة الساحل.

تكشفت الصورة شيئاً فشيئاً؛ حلّ مسؤولون كبار من شركة “شيفرون” الأميركية، برفقة المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، ضيوفاً على العاصمة السورية من أجل التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن استخراج الغاز من المياه الإقليمية السورية على البحر الأبيض المتوسط. وفي مفاوضات الشرع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كانت القضية الجوهرية هي التوصل إلى اتفاق نهائي يحفظ لروسيا إطلالتها الوحيدة على المياه الدافئة.

أدرك صناع القرار الروس أنهم خسروا نفوذهم التاريخي في سوريا وبلاد الشام، عقب انهيار نظام الأسد الذي ساهم الاتحاد السوفياتي في بنائه وتشكيل مؤسساته الرئيسة، تحديداً الجيش والأجهزة الأمنية. لذلك، وعوضاً عن نفض أيديهم من سوريا، طبقوا استراتيجية الحد الخسائر. جمع الكرملين أوراقه من أجل مفاوضة الشرع. في لحظة حساسة انسحب الجنود الروس من قاعدتهم في مطار القامشلي. حينها أدرك القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي أن الروس ليسوا مهتمين بالقتال الدائر في المنطقة. تخلى الروس عن وجودهم في مدينة القامشلي وعموم شمال سوريا (وهو وجود يهدف إلى جمع معلومات عن تحركات حلف شمال الأطلسي “الناتو” في تركيا)، لكنهم على الأرجح ثبتوا وجودهم العسكري في حميميم وطرطوس، وإن قبلوا بشروط أكثر مراعاة للسيادة السورية من السابق.

في هذه المفاوضات التي تحدد الترتيبات النهائية للساحل، حصل الروس على ما يرضيهم: استمرار وجودهم العسكري. الأرجح أن الأميركيين، المتحكمين بمسارات الأمور المتعلقة بسوريا، غضوا الطرف عن استمرار الوجود الروسي العسكري في الساحل السوري. مع ذلك، لم يعد الروس قادرين على التحكم بقرارات دمشق فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز المدفون في أعماق المياه الإقليمية السورية. كان الروس ليفضلوا أن يظل هذا الغاز مدفوناً لقربه من أوروبا العطشى لمصادر غاز بديلة عن الغاز الروسي، الذي مثّل أداة ابتزاز فعالة بيد الكرملين. تلقف الأميركيون على ما يبدو ورقة الغاز السوري، وإن كان الأوروبيون ما زالوا في خلفية المشهد يستعدون للدخول إلى الساحة.

لم يكن نصيب الأوروبيين قليلاً، لكن الأرجح أن الترتيبات السارية للساحل السوري لم تعجب الكثيرين في القارة العجوز. وافقت السلطات السورية بعد أشهر من سقوط نظام الأسد، على استمرار شركة فرنسية في تشغيل ميناء اللاذقية. كما لم تعترض روسيا على انتقال عقد تشغيل ميناء طرطوس من شركة روسية إلى شركة إماراتية، نظراً للعاقات التجارية المميزة بين الإمارات والدول الأوروبية، وانخراطهما في مشروع “الممر الاقتصادي”، فيمكن النظر إلى تشغيل مجموعة “موانئ دبي العالمية” لميناء طرطوس على أنه يصب في مصلحة تلك الدول.

وعلى الرغم من أن صيانة المصالح الأوروبية الاقتصادية في غربي سوريا تحققت بهذا الترتيب، إلا أن الأوروبيين أظهروا مرارة كبيرة ليس فقط حياله، بل إزاء مجمل الأوضاع في سوريا. فشلت مساعي الأوروبيين الرامية إلى إقناع السلطات السورية بإنهاء الوجود العسكري الروسي غربي البلاد، والذي شكّل رافعة استراتيجية لتوسع نفوذ الكرملين نحو ليبيا، ودول أفريقيا الوسطى والغربية، مستهدفاً المصالح الأوروبية هناك. عامل آخر ساهم في تعميق شعور الأوروبيين بالمرارة، هو استئثار واشنطن بـ”الجائزة السورية” لنفسها، بعدما تحملت الدول الأوروبية تداعيات الحرب السورية المديدة، سواء جراء صعود تنظيم “داعش” أو تكدس مئات آلاف المهاجرين السوريين بين ظهراني مواطنيها.

إضافة إلى ذلك، فقد خرج الأوروبيون، تحديداً الفرنسيون، مما حصل مطلع العام الجاري في شمال شرق سوريا، خاسرين، بعد استعادة السلطات السورية السيطرة على الغالبية العظمى من الأراضي هناك، وإضعاف “قوات سورية الديمقراطية”، التي مثّل دعمها محور الاستراتيجية الأوروبية في المنطقة، وهي استراتيجية جرى وضعها خلال قمة جمعت الرئيس الأميركي براك أوباما بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، ورئيسي الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والإيطالي ماتيو رينزي في مدنية هانوفر الألمانية عام 2016. لم ترضِ الأوروبيين المعادلة الجديدة لمناطق شرق الفرات ما بعد قسد، والتي صاغتها واشنطن بالتعاون مع دمشق وأنقرة. في المحصلة، ثبتت الدول الأوروبية وجودها الاقتصادي على الساحل السوري، إلا أنها لم تتمكن من اكتساب موطئ قدم جيوساسي في سوريا بعد هزيمة قسد. هذا ما يتناغم مع رؤية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدول الاتحاد الأوروبي من أنها قوة اقتصادية فقط، لا قوة عسكرية أو جيوسياسية.

وبالرغم من امتعاض الأوروبيين، إلا أن أبرز المتضررين من الترتيبات الجارية لمسألة الساحل السوري هي: إيران ومن دون منازع. تقلص هذه الترتيبات فرص طهران للعودة إلى الساحل، كما قد تؤدي إلى ضخ كميات من الغاز في سوق الطاقة العالمي ما يساهم في خسارة مواردها الغازية المزيد من المزايا تنافسية. أخيراً، ستكفل هذه التركيبة انتقال مركز الثقل في ساحل بلاد الشام إلى ميناءي طرطوس واللاذقية.

إن العمل الدولي والإقليمي بشأن منطقة الساحل ينتقل أكثر فأكثر باتجاه تصميم ترتيبات داخلية سياسية وأمنية متناغمة مع الترتيبات الدولية التي جرى التوصل إليها مع الأميركيين والروس، خصوصاً توفير حالة أمنية مستدامة من أجل إطلاق عملية البحث عن الغاز في البلوكات البحرية السورية. هناك ترابط بين الساحل ومنطقة الحدود اللبنانية السورية؛ إذ توجد صلات بين قادة المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة السورية والتي تعمل بالخفاء داخل منطقة الساحل وبعض الجهات في لبنان، إضافة إلى انتشار تجمعات لضباط وعناصر من جيش الأسد المحلول في مناطق محمية داخل لبنان وعلى مقربة من حدوده مع سوريا.

نظراً لهذا الترابط، فإن الجهود القائمة بشأن منطقة الساحل، تلحظ في الوقت عينه سبل تأمين الحدود السورية-اللبنانية وقطع الصلات القائمة بين المجموعات المسلحة في الساحل وتلك الموجودة في لبنان، وإبعاد أي مصادر تهديد أو خطر عن المناطق السورية المطلة على المتوسط (تحديداً في محافظة طرطوس)، سواء كانت نابعة من منطقة الساحل أو من لبنان.

ما حققته الحكومة السورية في شمال شرق البلاد، هيأ الفرصة أمامها كي تطلق مفاوضات حول ترتيبات داخلية وخارجية أكثر استدامة للساحل، في مسعى قد يتبلور شقّه المحلي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

المدن

——————————

العلاقات اللبنانية السورية.. إعادة صياغة على أسس سيادية/ نادين الكحيل

18 فبراير 2026

تشهد العلاقات بين لبنان وسوريا تحولات جذرية وعميقة، ما أوجب ضرورة إعادة صياغتها على أسس جديدة ومتينة، قوامها الشراكة الندية، والتعاون المشترك، والاحترام الكامل لسيادة البلدين. فبعد عقود طويلة من التداخلات السياسية والأمنية والاقتصادية، أصبحت الإرادة السياسية متوفرة لدى الطرفين لبناء نموذج سيادي جديد يستجيب لمتغيرات الإقليم، ويواكب التحولات الجيوسياسية في المنطقة، ويحصّن الاستقرار الداخلي في كلا البلدين، ويدفع نحو تطوير العلاقات المؤسساتية عبر تفعيل اللجان المشتركة، وتعزيز التعاون والشراكة الاستراتيجية بما يتلاءم مع مفهوم الدولة الحديثة والسيادة الكاملة، ضمن رؤية مستقبلية مشتركة تضمن مصالح بيروت ودمشق.

ملف السجون والموقوفين… أولوية إنسانية

يشكّل هذا الملف أولوية إنسانية، كونه يتضمن أبعادًا سياسية تعود إلى حقبة مظلمة أدت إلى توقيف أعداد كبيرة نتيجة آرائهم السياسية المعارضة لنظام بشار الأسد. ولا تزال غالبية هؤلاء موقوفين دون محاكمات أو صدور قرارات اتهامية بحقهم، ما يزيد الأمور سوءًا، خاصة في ظل تدهور البنى التحتية للسجون اللبنانية وما تعانيه من اكتظاظ شديد، الأمر الذي يفاقم الأزمة الصحية والإنسانية في آن واحد.

ويأتي توقيع الاتفاقية القضائية بين سوريا ولبنان في إطار العمل المشترك، وتتويجًا لمسار طويل من المباحثات واللقاءات الرسمية بين المسؤولين في البلدين، حيث تنص الاتفاقية على نقل الأشخاص المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلدهم الأصلي، وتُقدَّر أعدادهم بنحو 300 محكوم قضوا 10 سنوات أو أكثر في السجون اللبنانية، على أن تكون مهلة التسليم ثلاثة أشهر. وتمثل هذه الخطوة ثمرة لجهود مشتركة بين الحكومتين السورية واللبنانية، بهدف رفع الظلم وتحقيق العدالة بما يصون كرامة المحكومين وحقوقهم.

ملف النازحين… العودة الطوعية والكريمة

أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد مغادرة أكثر من 500 ألف نازح سوري الأراضي اللبنانية خلال عام 2025، مؤكدة أن الحكومة اللبنانية بدأت منذ آذار/مارس الماضي إعداد خطة عام 2026 عبر لجنة وزارية تهدف إلى إنهاء ملف النزوح كليًا بحلول نهاية عام 2026، من خلال مسار تدريجي يضمن العودة الآمنة والكريمة، بالشراكة مع مفوضية اللاجئين، وبالتنسيق اللوجستي والأمني بين لبنان وسوريا.

في المقابل، تتطلب العودة الكريمة توفير الاحتياجات الأساسية للعائدين، وفي مقدمتها السكن، ما يجعل مشاريع إعادة الإعمار والاستثمارات التي بدأت تتدفق إلى سوريا عاملًا أساسيًا في تسهيل هذه العودة تدريجيًا، بما يضمن احترام الحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية… معضلة تاريخية

يُعد ملف ترسيم الحدود معضلة تاريخية مزمنة تعود جذورها إلى فترة الانتداب الفرنسي، الذي أرسى فصلًا إداريًا بين لبنان وسوريا. ومع الاكتشافات النفطية في شرق المتوسط عام 2000، دخل البلدان مرحلة جديدة من الخلافات الحدودية، خصوصًا بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، حين أعلنت وزارة النفط السورية مزايدة دولية للتنقيب والاستثمار في السواحل السورية، وهو ما اعتبرته الحكومة اللبنانية تجاوزًا لحدودها البحرية.

وفي عام 2011، صعّدت الحكومة اللبنانية موقفها بإصدار المرسوم 6433، الذي حدّد إحداثيات الحدود البحرية الجنوبية والشمالية والغربية، فيما رفضت سوريا هذه الخطوات عام 2014 وأودعت اعتراضها لدى الأمم المتحدة. ويتمحور الخلاف الجوهري حول المنهجية المعتمدة في ترسيم الحدود البحرية، إذ يستند الطرح السوري إلى مبدأ خط العرض، بينما يعتمد الطرح اللبناني على مبدأ الخط الوسطي، ما أدى إلى تداخل بين البلوك السوري رقم 1 والبلوكين اللبنانيين 1 و2.

ولحل هذا النزاع، يمكن اعتماد نقطة وسط بين الطرحين المتنازع عليهما، على غرار ما جرى في “خط هوف” خلال “ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان” عام 2022، مع مراعاة مصالح الأطراف الإقليمية المعنية، مثل تركيا وقبرص.

أما بالنسبة إلى الحدود البرية، فتتفاوت درجة التعقيد بين مناطقها. فالحدود الشمالية واضحة نسبيًا، بينما تبقى الحدود الجنوبية معلّقة بحكم عدم اعتراف إسرائيل بالحدود الدولية، إضافة إلى احتلالها الجولان السوري ومزارع شبعا والنقاط الخمس في جنوب لبنان، فضلًا عن توغلاتها المتكررة في مدينة القنيطرة جنوبي سوريا. وفيما يتعلق بالحدود الشرقية، فتُعد الأكثر حساسية أمنيًا، نظرًا لتداخل أكثر من 15 قرية، والتشابك بين المناطق السكنية والعشائرية، ووجود أكثر من 17 معبرًا غير شرعي، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرار البلدين. ويبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن لدولة لا تملك سيادة كاملة على أراضيها أن ترسم حدودها؟

ورغم التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الجانبين، وتوقيع اتفاقية في آذار/مارس 2025 تؤكد الأهمية الاستراتيجية لترسيم الحدود وتفعيل آليات التنسيق لمواجهة التحديات الأمنية، بما في ذلك ضبط الحدود ومنع تهريب المخدرات والسلاح، تبقى الجغرافيا عامل ضغط دائم على البلدين. فغياب الترسيم الواضح في بعض النقاط، خاصة في المناطق المتداخلة، يفتح المجال أمام توترات أمنية وسياسية واقتصادية، ما يجعل حل هذا الملف ضرورة سيادية واستراتيجية تتطلب مقاربة تدريجية وثنائية، تحول الحدود من مصدر تهديد إلى عامل استقرار.

الشراكة الاقتصادية… فرصة لإعادة البناء

يشكّل ملف إعادة إعمار سوريا أحد أبرز الملفات التي يمكن أن تفتح للبنان نافذة اقتصادية واعدة، بحكم موقعه الجغرافي المجاور لسوريا، إضافة إلى قطاعه المصرفي وخبراته البشرية، ما يؤهله ليكون منصة لوجستية واقتصادية داعمة لعملية الإعمار.

كما أن إعادة تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين، وتطوير شبكات النقل والطاقة والتبادل التجاري، يمكن أن يشكّل رافعة للنمو الاقتصادي، خاصة بعد إلغاء قانون قيصر، شرط أن تقوم هذه الشراكة على أسس شفافة وعادلة. وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون أن “لبنان حريص على بناء علاقات ممتازة مع الجارة سوريا بما يضمن مصلحة البلدين، فازدهار سوريا هو ازدهار للبنان”.

مستقبل الشراكة السيادية المتوازنة

يبقى مستقبل العلاقة اللبنانية–السورية مرهونًا بمدى قدرة الطرفين على الانتقال من منطق التداخل إلى منطق التكامل السيادي، إذ تعني الشراكة الندية الالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام الحدود، وتكافؤ المصالح، والاعتراف المتبادل بخصوصية كل دولة ونظامها السياسي.

وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات الداخلية في البلدين، بما يحدّ من تأثير التوازنات الإقليمية والدولية على مسار العلاقات الثنائية. وعليه، فإن بناء علاقة لبنانية–سورية جديدة، قائمة على التعاون المشترك واحترام السيادة، يمثل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار طويل الأمد، وتحويل الجوار الجغرافي من مصدر توتر إلى مساحة تكامل وتعاون وشراكة سيادية متوازنة.

الترا صوت

—————————————

=========================

\

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى