اللامركزية السوريّة… نقاش حار في بلد متنوع/ قصي جهاد زهر الدين

12 آب 2025
على إثر ما تعيشه سورية من عدم الاستقرار “الجزئي” على المستويات، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، منذ فجر الخلاص من نظام الأسد في 8 ديسمبر (2024)، برز دور الأصوات الوطنية الساعية إلى الحد من انتشار الفوضى و”الفلتان الأمني” في بعض المناطق. منها ما يطالب بالإسراع في تثبيت ركائز الأمن للحد من ظواهر انتقامية كالخطف والقتل. ومنها ما يطالب بالوحدة الحقيقية، والتي لا تعني الوحدة الجغرافية فحسب، وإنما وحدة الشعب السوري على اختلاف مكوناته وانتماءاته. ومنها ما يطالب بتفعيل الحكم اللامركزي. وسواء كانت هذه الأصوات ذات مرجع ديني أو ثقافي أو اجتماعي فإنها تضع السوريين أمام ضرورة فهم اللامركزية بعيداً عن التخوين وإلقاء التهم.
اللامركزية ببساطة نظام إداري وسياسي يتم فيه توزيع الصلاحيات والمهام من الحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية أو الإقليمية، يتضمن تقليص سلطة المركز لصالح كيانات فرعية تكون أقرب إلى المواطن وأكثر قدرة على تلبية احتياجاته ضمن إطار من الوحدة الوطنية. وتأخذ اللامركزية أشكالًا متعددة، منها: اللامركزية الإدارية: توزيع المهام الإدارية مع بقاء القرار النهائي في يد المركز. للامركزية السياسية: منح السلطات المحلية حق التشريع واتخاذ القرارات ضمن حدود معينة. اللامركزية المالية: تمكين الأقاليم من إدارة جزء من مواردها المالية بإشراف الحكومة المركزية التي مركزها العاصمة.
اعتمدت دول عديدة نماذج مختلفة من اللامركزية بنجاح ولو جزئي، أبرزها ألمانيا حيث تتمتع الولايات الـ16 بصلاحيات تشريعية وإدارية واسعة. لعب هذا الدور الكبير في إعادة إعمار ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. والهند، وهي الدولة الأقرب إلى سورية من حيث تعدّد الطوائف والإثنيات، وتعتمد نظاماً لا مركزياً واسعاً على مستوى الولايات والبلديات، ما ساعد على إدارة التنوّع الديني واللغوي والجغرافي وإرساء قواعد الديمقراطية والمشاركة الشعبية والنخبوية فيما يخدم المسار السياسي والاقتصادي.
إسقاط اللامركزية على الوضع السوري
ماذا لو جرى تطبيق هذا النظام اللامركزي في سورية؟ هل سيكون العصى السحرية التي ستنقل سورية نحو تعددية حقيقية أو إحدى فخاخ العولمة؟
يقول المدافعون عن الفكرة إن تبني اللامركزية سيكون ضرورةً لا مجرّد خيار، نظراً إلى التنوع الطائفي والإثني، فسورية تضم طيفاً واسعاً من الهويات، مثل العرب، الكرد، التركمان، الآشوريين، الأرمن. إضافة إلى تنوّع ديني ديموغرافي كبير (سنة، علويون، دروز، مسيحيون إسماعيليون إلخ …) كما أدّت عقود من حكم مركزي قمعي أنهكت العلاقة بين الدولة والمجتمع، إلى انهيار الثقة بين المركز والأطراف، ما يتطلب إعادة بناء من القاعدة إلى القمة.
وتفاوت الدمار والاحتياجات، حيث تختلف أولويات المناطق السورية بعد الحرب مما يستدعي إدارة محلية مرنة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة. إضافة إلى أنه نموذج قد يوفّر الإطار الأفضل لسورية المستقبل سواء من خلال نظام فيدرالي أو لا مركزية موسعة داخل دولة موحدة. وبقراءة سريعة لسورية الجديدة بعد ثمانية أشهر على استلام الحكومة المؤقتة للبلاد نستطيع أن نفرد إيجابيات وسلبيات هذا النموذج إن طبق في سورية، ونبدأ بالإيجابيات:
ـ تعزيز المشاركة السياسية: تتيح اللامركزية للمواطنين الانخراط في إدارة شؤونهم اليومية مما يعيد بناء الثقة مع الدولة.
ـ تحقيق العدالة في توزيع الموارد: تتمكن المجالس المحلية من تحديد أولوياتها الاقتصادية والخدمية مما يقلل من التهميش الذي عانت منه بعض المناطق.
ـ الحفاظ على وحدة البلاد: بعكس ما يعتقد البعض فإن اللامركزية تمنع الانفصال لأنها تمنح الأقاليم شعورًا بالانتماء دون الحاجة للتمرد على المركز.
ـ دعم التعافي وإعادة الإعمار: تساعد اللامركزية في تسريع عمليات إعادة الإعمار من خلال الاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية.
ـ استيعاب التنوّع: تسمح اللامركزية بتطبيق سياسات محلية تراعي الثقافة واللغة والخصوصية المجتمعية كما هو الحال في مناطق ذات أغلبية كردية أو درزية أو آشورية.
ورغم ما سبق، لا يخلو تطبيق اللامركزية في سورية من تحديات وفي مقدّمتها: خطر التفكك إذا غابت المرجعية الوطنية في ظل ضعف مؤسسات الدولة قد تتحول اللامركزية إلى مدخل للانفصال إن لم تكن مرفقة بدستور واضح يضمن وحدة البلاد. هيمنة القوى المحلية المسلحة في بعض المناطق فقد تسيطر الميليشيات أو العائلات النافذة على المجالس المحلية مما يعيد إنتاج الفساد بوجوه جديدة. التفاوت التنموي حيث قد تزيد اللامركزية من الفجوة بين المناطق الغنية (مثل الساحل) والمناطق الفقيرة (مثل دير الزور) ما لم يتم تنظيمها ضمن آليات تضامن وطني. ضعف الكوادر الإدارية بسبب الحرب إذ هاجرت آلاف العقول والكوادر الإدارية مما يضعف قدرة بعض المناطق على إدارة شؤونها بفعالية. صراع الصلاحيات إذا لم تكن الأدوار والمسؤوليات محددة بدقة فقد تحدث نزاعات بين السلطة المركزية والمحلية تُعيق التنمية والاستقرار.
إذا، ليست اللامركزية، حسب المحللين السياسيين، حلاً سحريّاً، لكنها قد تشكّل ركيزة أساسية لإعادة بناء الدولة السورية إثر التحرير شرط أن تُبنى على أساس دستوري واضح وأن تُرافق بإصلاح سياسي شامل ومصالحة وطنية حقيقية واستثمار في القدرات المحلية.
ويقول الأستاذ الجامعي والباحث مجد زاعور: “المجتمع السوري الذي طالما عانى من الإقصاء والتهميش والسلطوية يستحق فرصة جديدة ليقرر مصيره بنفسه وهذه الفرصة تبدأ من القاعدة من البلديات من المجالس من الناس أنفسهم”. مضيفا: “قد تكون اللامركزية حلاً معقولاً لكل السوريين إلا أنه في الوقت ذاته حلاً خطيراً قد يذهب بالبلاد إلى التمزيق السياسي إذا لم يبُنَ على أسس وطنية ودستورية قوية”.
العربي الجديد



