سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

الصندوق الأسود الشفّاف/ يعرب العيسى

03 مارس 2026

منذ ظهر عبد الحليم خدام على قناة العربية، في اليوم قبل الأخير من العام 2005، ليعلن انشقاقه عن نظام الأسد، رأيت وسمعت أكثر من مئات من “الصناديق السوداء” بحسب أوصاف وسائل الإعلام، خرجوا من سورية يحملون في داخلهم أسرار نظام قمعي ديكتاتوري مغلق، وقرّروا فتحها أمامنا.

حتى منتصف العام 2011، أي لأشهر بعد قيام الثورة، ظل خدّام وحده حاملاً هذا اللقب السحري، بوصفه نائب رئيس جمهورية ووزير خارجية عقوداً طويلة. ثم توسّع اللقب حتى ضم عشرات من المنشقين. أو من ضواحي النظام. حتى جاء 8 ديسمبر، فانفتح باب المستودع في الشركة التي تصنع الصندوق الأسود. وانفجر فيضان من “الخبريات” التي أسموها أسراراً.  واستضافت وسائل الإعلام، تحت هذا الوصف، مسؤولين سابقين، ضباط مخابرات وجيش، أقارب، وزراء، رؤساء وزراء، رجال أعمال، إعلاميين مقرّبين من السلطة، “عدلاء” و”سلايف” و”كناين” وأصهرة، طبّاخين، مخترقي إيميلات، سائقين، مدلّكين، زملاء دراسة، أطباء أمراض زهرية، معدّني عملات رقمية، محمد الجلالي.

تحدّث هؤلاء آلاف الساعات، فتحوا، من الجانبين، الصاج الذي يصفّح ذاكرتهم، تحدّثوا بهدوء وبصوت عميق وحزين، يليق بصندوق أسود، وسفحوا ما يحملون من أسرار على شاشاتٍ، ظلّت أياماً تروّج هذا الحدث الاستثنائي، ثم قطّعته إلى دقائق منفصلة، تصلح كل واحدة منها للتناقل عبر “السوشيال ميديا”، لأنها تحمل تلك العناوين السحرية: أسرار من داخل نظام الأسد. قناة الشاملة تفتح الصندوق الأسود لنظام الأسد. منصّة مرجعيون في لقاء خاص مع خازن أسرار الفرقة الرابعة..

لا مشكلة. هذا مفهوم وطبيعي ومتوقع، ومن حق وسائل الإعلام الكبرى والصغرى أن تعصر آخر نقطة من هذه الحكاية التي سيطويها التاريخ عما قريب، وتسوّق ما يمكن قبل أن يبرد الترند.

المشكلة فقط أن مئات الأشخاص، وآلاف الساعات، لم يقدموا معلومة واحدة لا يعرفها جاري أبو ياسين. وكل ما قالوه أخبرني به في وقته، ويبدو أنه أخبر أقاربي في القرية شرقي حماة أيضاً، وماهر في مقهى الروضة، ومعظم المقيمين في إسطنبول الذين تستضيفهم الفضائيات، وراكبي سرفيس تضامن مسبق الصنع. 

تبين أننا جميعاً كنا نعرف كل شيء، حتى بالأرقام والتواريخ الدقيقة لكل حادثة، من خلاف أسماء الأسد مع رامي مخلوف في عطلة عيد الأضحى 2019، وحتى كمية الدولارات في الحقيبة التي حملها براء القاطرجي إلى أسماء الأسد حين أرادت إطلاق مشروع التكية السليمانية. وتكلفة ديكور مطعم ناش كراي، والمبلغ الذي أخذته لونا الشبل من أبو علي خضر ثمناً له حين ملّت منه (المطعم وبشار الأسد). وقررت نقل أملاكها إلى موسكو. كلنا كنّا نعرف أن لونا تنوي الهروب “سرّاً”، وكلنا عرفنا في اليوم نفسه أن حادث السيارة ليس حادث سيارة، وعرفنا متى غارَ الأسد من النمر وقرّر تحجيمه، وكم كان يأخذ يومياً من إيماتل جمركة موبايلات. وقبلها كنا نعرف أن إبراهيم حويجة هو من نفذ أمر حافظ الأسد باغتيال كمال جنبلاط. حتى إننا نعرف من نفذ قرار قتل غازي كنعان. 

وهكذا، وبعد فتح مئات الصناديق السوداء، لم نسمع جديداً، ونكتشف أن لا صندوق أسود لهذا النظام، وأنه أتفه، أو أوقح من أن يخفي شيئاً. وأن أقصى ما استطاع إخفاءه ملابس داخلية، وحتى هذه توضع عادة في درج خزانة، ولا تحتاج إلى صندوق من أي لون.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى