العدالة الانتقالية تحديث 25 كانون الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
——————————————-
ملف التوقيف دون مذكرات قضائية
محامون: تقييد في الوكالة والزيارة والاطلاع على الضبوط
عنب بلدي – خاص
منذ اليوم التالي لسقوط النظام السابق، دخلت السجون والمحاكم في سوريا مرحلة انتقالية اتسمت بارتباك واضح في إدارة الملفات القضائية، وتداخل الصلاحيات بين الجهات الأمنية والقضائية.
وبينما أعلنت الحكومة الانتقالية نيتها إعادة هيكلة المؤسسات العدلية والجهاز القضائي برمته، بقيت مراكز الاحتجاز تعمل وفق الإجراءات القديمة نفسها، مع استمرار التوقيف دون مذكرات قضائية وتأخر الإحالات إلى النيابة العامة.
وانعكس هذا الاضطراب مباشرة على عمل المحامين، الذين وجدوا أنفسهم أمام جهات قضائية وأمنية وشرطية لا تزال تفرض قيودًا على الزيارة والحضور والوكالة، رغم التغييرات السياسية الحاصلة في البلاد، وفي الوقت الذي بدأت فيه بعض المحاكم بالعودة إلى العمل، بقيت ملفات كثيرة معلّقة، خاصة تلك المرتبطة بالتهريب والانتهاكات من قبل النظام السابق، وسط غياب آليات واضحة لمعالجة الاعترافات القديمة أو مراجعة القرارات الصادرة قبل التغيير السياسي، وفقًا للتصريحات التي حصلت عليها عنب بلدي.
عنب بلدي تسلط الضوء في هذا التقرير على عمل دوائر التوقيف والمخافر الشرطية والإجراءات المتبعة في التعامل مع المحامين وذوي الموقوفين، ومدى تطبيق قانونَي أصول المحاكمات الجزائية والمدنية على أرض الواقع، وحاولت مرارًا الحصول من وزارة العدل على أجوبة عن التساؤلات والشكاوى التي عُرضت عليها، ولكن الوزارة امتنعت عن الإجابة حتى تاريخ نشر التقرير.
وزير العدل يناقش واقع العدليات والعمل القضائي
بمراجعة تصريحات مسؤولي وزارة العدل السورية، يتضح أن هناك اعترافًا من قبل الوزارة بوجود تراكم كبير في القضايا وبطء في الإجراءات القضائية، إلى جانب الحديث الرسمي عن تحسين الخدمات القضائية، لكن دون وجود تفاصيل حول معالجة الاعتقال التعسفي أو منع المحامين من الوصول للموكلين.
بينما ركزت تعميمات الوزارة بعد سقوط النظام على إعادة ضبط السجون أكثر من التركيز على حقوق الدفاع أو ضمانات التوقيف.
في تموز الماضي، وضمن اجتماع موسع مع المحامين العامين ورؤساء العدليات، صرح وزير العدل السوري، مظهر الويس، بالآتي:
المنظومة القضائية تعمل في جميع المحافظات رغم الصعوبات.
هناك تحسن في الخدمات القضائية المقدمة للمواطنين.
حصل “تغيير واضح في ديناميكية العمل والإحساس بالمسؤولية”.
هذه التصريحات جاءت خلال اجتماع رسمي في مبنى الوزارة بدمشق، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، في تموز الماضي، وتركزت مداخلات الحضور على تسريع وتيرة العمل القضائي ومعالجة “تراكم القضايا”.
المحامي ممنوع من الحضور والوكالة والزيارة
المحامي “ع. ز.”، فضل عدم نشر اسمه الصريح، أشار في حديث لعنب بلدي إلى أن المحامي لا يُسمح له بحضور التحقيق في الفروع الأمنية حتى يتم تحويل الموقوف إلى المحكمة، كما يُمنع من الحصول على وكالة من الموقوف إذا كان محتجزًا في الفروع، إلا بإذن من النائب العام، كذلك، يُمنع المحامي من زيارة موكله في هذه الفروع.
وهناك موقوفون لا يعلمون سبب توقيفهم، بحسب المحامي، وقد تطول مدة التوقيف إلى ثلاثة أشهر، بين التحقيق والتوسع فيه، دون وجود وضوح في الإجراءات أو تحديد مصيرهم القانوني.
وأوضح أن المحامي يُمنع أيضًا من رؤية الموقوف في “نظارات” أقسام الشرطة بدمشق وريفها، أو حتى الاطلاع على الضبط، كما لا يُسمح له بالحصول على وكالة منه للدفاع عنه، ويتم الطلب من المحامين مغادرة قسم الشرطة، بل وأحيانًا يُمنع من الدخول من الباب الخارجي للقسم.
المحامي في دائرة التهميش
المحامي “ع. ز.” نوه إلى أن قسم الشرطة يرفض إعطاء أي معلومة للمحامي، وهناك حالة من عدم الشفافية والتعتيم على التوقيفات، ما يعوق عمل الدفاع ويضعف الضمانات القانونية للموقوفين.
وأكد أن من الصعب مراجعة أو مقابلة المحامي العام في القصر العدلي بدمشق، نتيجة وجود ضغط “كبير جدًا” على مكتبه وكثرة المراجعين الشخصيين، ما يجعل الوصول إليه شبه مستحيل في بعض الأحيان.
ويرى المحامي أن هذا الأمر بحاجة إلى تنظيم ومعالجة، لأن عمل المحامي العام يرتبط مباشرة بدوائر التوقيف والسجون، ودور المحامي مهمّش في القصر العدلي ودوائر النيابة العامة، ويجب إعطاؤه الأولوية حتى يتسنى له الدفاع عن حقوق موكله.
“الفلول” خارج التمثيل القانوني
كشف المحامي “م. أ.”، فضل عدم نشر اسمه الصريح، أن المحامين لا يمكنهم الوصول للحصول على وكالة من جميع الموقوفين الذين يُطلق عليهم اسم “الفلول” في سجون فروع الشرطة العسكرية والأمن السياسي، ويُمنع المحامي من الحصول على ضبط التحقيق، أو إذن توكيل، أو متابعة شؤون الموقوف، أو حتى السؤال عنه، حتى لو كان لديه وكالة من ذوي الموقوف.
وتساءل: ما مصير هؤلاء الموقوفين؟ وكيف سيتم البت بأمرهم؟ ومتى سيُحالون إلى القضاء المختص؟ وما مدد التوقيف المسموح بها لهم؟ وعلى أي أساس قانوني تجري عملية التوقيف والتحقيق والمحاكمة؟
كفالات مالية غامضة
تساءلت المحامية “إ. ح.”، فضلت هي الأخرى عدم نشر اسمها الصريح، عن مصير الكفالات المالية التي يتم دفعها من قبل الموقوفين لإخلاء السبيل (تحت المحاكمة) من مراكز التوقيف التابعة للشرطة العسكرية، ولمصلحة مَن يتم جبايتها، وأين يتم إيداع هذه الأموال (وأغلبيتها بالدولار).
كما تساءلت عن المستند القانوني الذي تم تقاضي الكفالة بموجبه، ولماذا لا يتم دفعها في البنك المركزي أو فروعه، ما يثير تساؤلات حول الشفافية والرقابة على هذه الأموال.
لا محاكمات في قضايا التهريب والغرامات مباشرة
أحد المحامين المختصين بالقضايا الجمركية، رفض نشر اسمه، تحدث لعنب بلدي عن هموم التقاضي بالنسبة لمرتكبي جريمة التهريب، وقال إن المحاكم الجمركية فقط تنظر بالقضايا القديمة قبل سقوط النظام، ولم يتم النظر منذ بداية العام الحالي حتى تاريخه بأي من قضايا التهريب الجديدة.
وأوضح أن الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية لم تقم حتى تاريخه بتحويل أي قضية نهائيًا إلى المحكمة الجمركية، بل تقوم عند ضبط قضية تهريب بتنظيم ضبط بالقضية الجمركية بحق الشخص المخالف دون تحويل القضية إلى المحكمة، وإما أن يتم إلزام الشخص بدفع الغرامة ثم يُترك بعد الدفع، أو يبقى موقوفًا.
وأشار إلى أن هناك الكثير من الأشخاص المدّعى عليهم بقضايا تهريب لا علاقة لهم بعملية التهريب، ومن حقهم الدفاع عن أنفسهم أمام القضاء المختص بالنظر بهذه القضايا، ولا يحق لأحد إلزامهم بدفع غرامة مفروضة عليهم دون أن يُسمح لهم بسلوك الطرق القانونية التي من شأنها إعادة الحقوق لهم.
وبقرار من وزارة العدل السورية تم ضم محكمة الاستئناف الجمركية والبداية الجمركية إلى الاستئناف والبداية المدنية، ليصار قبل أيام إلى اتخاذ قرار بدمج المحاكم الجمركية ومحاكم الاستئناف الجمركي ودوائر التنفيذ الجمركي في سائر المحافظات مع المحاكم مثيلتها في عدلية دمشق، واستندت الوزارة في قرارها هذا إلى أحكام قانون السلطة القضائية، بحسب ما ذكرته في نص القرار.
وأضاف المحامي ذاته، أن هذا القرار أدى إلى تغيير في مسار القضايا الجمركية، علمًا أنه يتم تحويل جزء من الموقوفين في قضايا التهريب إلى المحكمة الجزائية وقاضي التحقيق، وليس إلى المحكمة الجمركية.
اعترافات قديمة وأحكام جديدة
أوضح المحامي المختص بالقضايا الجمركية، أن القضايا القديمة المنظمة بشأن البضائع الناجية من الحجز، سواء كانت تتعلق بالسلاح أو المخدرات أو تضم طرفًا عسكريًا، يتم الاستناد فيها إلى اعترافات أمنية قديمة، وتُجرى المحاكمة على أساسها، ما يثير تساؤلات حول عدالة الإجراءات، وكيف يتم الاستناد إلى اعترافات انتزعت من المواطنين تحت التعذيب في فروع أجهزة أمن النظام والأمن الجنائي سابقًا، وكيف يكون منظمو الضبوط السابقون من محققين وجلادين ومتورطين بسفك دماء السوريين خصمًا وحكمًا في الوقت ذاته.
وفيما يتعلق بالقرارات القطعية بالتغريم، يتم الإعفاء من الغرامات دون إسقاط الحق في دائرة التنفيذ، بحسب المحامي، ما يطرح تساؤلًا قانونيًا: ما الضمانات مستقبلًا لعدم إعادة تغريم الشخص على القضية ذاتها، علمًا أنه لم يتم إسقاط الحق قضائيًا؟
مزاجية في التفتيش وتأخر في رفع الحجز
أشار أحد المحامين الآخرين (تحفظ على نشر اسمه لأسباب إدارية) إلى أن هيئة المنافذ البرية والبحرية تتعامل بمزاجية في تفتيش المحامين، حسب العنصر المناوب، في حين أن باب القضاء العسكري لا يشهد مثل هذه الممارسات، ويتم التعامل مع المحامين فيه بكل لباقة واحترام.
كما أشار إلى التأخر في تعميم قرارات رفع الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة، على منظومة الحجز لأكثر من شهرين أو ثلاثة، حيث يتم تحديد موعد رفع الحجز بتاريخ لاحق، مثلًا من 16 تشرين الأول إلى 1 كانون الأول، ما يسبب أضرارًا كبيرة للمواطنين.
وأكد أن التوقيف في قضايا الجمارك يمنع المحامين من الحصول على وكالة من الموقوف، ما يضيف عائقًا جديدًا أمام ممارسة حق الدفاع عنه.
توقيف بلا مذكّرة
“اعتقل شقيقي منذ نحو عام، دون وجود مذكرة توقيف قضائية، ودون إحالته إلى القضاء حتى تاريخه، وبحسب إفادات الجهات المعنية، ما زال قيد التحقيق منذ لحظة اعتقاله، بحسب ما قالته “شيرين عادل” لعنب بلدي، وهو اسم وهمي، مفضّلة عدم نشر اسمها الصريح لأسباب أمنية.
وقالت ابنة مدينة النبك بريف دمشق، إن الأشهر الستة الأولى من الاعتقال مرّت دون أي توضيح رسمي حول سبب التوقيف، قبل أن يُبلّغ ذوو المعتقل لاحقًا من أحد مسؤولي المنطقة بوجود “ادعاء شخصي”، يتم التحقق منه.
إلا أن الجهة المدعية لم تُكشف للأسرة، بذريعة الخوف من تعرّض المدّعي للضغط أو الإكراه لتغيير ادعائه، وفق ما أُبلغت به شقيقة المعتقل.
وأضافت أن النائب العام في محكمة ريف دمشق (حسب التسمية آنذاك) أكد لها في الأشهر الأولى من الاعتقال بأن أي قضية لا تتضمن “تورطًا بالدم” لا يستمر فيها التوقيف لأكثر من ثلاثة أشهر، غير أن هذا التصريح لم يُترجم إلى إجراء قانوني فعلي، إذ استمر احتجاز حرية شقيقها لنحو السنة دون إحالة قضائية، بحسب تعبيرها.
كما تؤكد السيدة أنه لم يُسمح لها أو لعائلتها بتوكيل محامٍ لشقيقها، إذ رفض كل من مدير المجمع الأمني في النبك، ومسؤول السجن، ومسؤول المنطقة، هذا الطلب بحجة أن المعتقل “ما زال قيد التحقيق”، وأن حق التوكيل لا يُمنح إلا بعد تحويل الملف إلى القضاء، وهو ما لم يتم حتى الآن.
“أخي المعتقل تعرض لضرب مبرح وتعذيب جسدي في بدايات اعتقاله، بهدف انتزاع اعترافات منه”، أضافت “شيرين”، معتبرة ذلك “انتهاكًا صارخًا للدستور والقوانين النافذة والمواثيق الدولية التي تحظر التعذيب وتكفل الحق في المحاكمة العادلة”.
وطالبت، من خلال عنب بلدي، بتوجيه دعوة صريحة إلى كل من وزارتي العدل والداخلية لتفعيل التنسيق بين الجهتين، وضمان حق جميع المعتقلين في توكيل محامٍ منذ لحظة التوقيف، والإسراع في إحالة جميع الملفات إلى القضاء المختص دون تأخير، والتأكيد على أن أي اعتقال يجب أن يستند إلى مذكرة توقيف قضائية واضحة لا إلى إجراءات تعسفية.
“الشبكة السورية”: الانتهاكات ناتجة عن عجز المؤسسات
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، قال إن غياب أي إجراء قانوني، مثل التبليغ، أو تحديد هدف ومدة الاعتقال، أو السماح بالتواصل مع محامٍ، يجعل الاعتقال تعسفيًا، حتى وإن غاب شرط واحد فقط من هذه الشروط، وفي كثير من الأحيان تغيب أكثر من خطوة.
وأكد أن الاعتقال يجب أن يتم بموجب مذكرة قانونية، وأن تكون التحقيقات من اختصاص الشرطة، وهو ما لا يحدث في عدد كبير من الحالات.
“الشبكة تصنّف جميع هذه الحالات على أنها اعتقالات تعسفية”، بحسب تعبيره، موضحًا أن أي اعتقال يجب أن يمر بإجراءات قانونية واضحة، وهو ما لا يتحقق في الحالات المذكورة وفقًا للقانون.
وأشار إلى أن “الشبكة” تصدر تقريرًا شهريًا عن حصيلة الاعتقالات التعسفية في الثاني من كل شهر، وتُدرج هذه الحالات جميعها ضمن هذا التصنيف.
لكنه لفت إلى واقع تعاني فيه المؤسسات من ضعف في البناء والقدرات، إذ لا يوجد عدد كافٍ من عناصر الشرطة لإجراء التحقيقات، ولا عدد كافٍ من موظفي النيابة العامة لإصدار المذكرات اللازمة، ما يؤدي إلى أخطاء وانتهاكات.
ويرى أن جزءًا من هذه الانتهاكات ناتج عن عجز مؤسسات الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا لا يغيّر من حقيقة أن هذه الاعتقالات تبقى اعتقالات تعسفية.
وأشار إلى أن الإشكالية تبرز بشكل خاص في حالات توقيف المتورطين بانتهاكات من عناصر الأمن والجيش التابعين للنظام السابق، حيث تجد السلطات نفسها بين خيارين:
تركهم طلقاء داخل المجتمع.
احتجازهم احتياطيًا دون استكمال ملفات قانونية مكتملة.
واعتبر أن هذا الخيار يقع بين “السيئ والأسوأ”، من دون أن يشكل ذلك تبريرًا.
وأكد أن الحكومة قادرة على القيام بإجراءات أفضل رغم التحديات، خاصة بعد تشكيلها في نهاية آذار الماضي، رغم ما رافق ذلك من محاولات إزالة القضاة والمحامين والموظفين الفاسدين أو غير الفاعلين، وما نتج عنه من صعوبات إضافية.
وفيما يخص حقوق الدفاع، شدد عبد الغني على أن من حق المحامين التواصل مع موكليهم والوصول إليهم، والسماح بالاتصال الهاتفي داخل السجون، وزيارات المحامين، ومتابعة الملفات والترافع عنها، معتبرًا أن هذه إجراءات أساسية ويمكن تنفيذها رغم التحديات.
سوريا في المرحلة الانتقالية بحاجة إلى تحسين صورة وزارتي الداخلية والعدل في نظر السوريين، وترميم العلاقة مع هذه المؤسسات، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من المرحلة الانتقالية، أضاف عبد الغني.
ويرى أن الالتزام بإجراءات ومعايير قانونية من شأنه تحسين هذه العلاقة، محذرًا من أن غيابها سيبقي العلاقة متوترة، خاصة في ظل الإرث الثقيل الذي تحمله الوزارتان من عهد نظام الأسد.
مطالب حقوقية
دعا مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وزارتي العدل والداخلية إلى:
إنهاء سياسة الاعتقال دون تقديم أوامر قضائية، وضمان مثول المعتقلين أمام المحاكم خلال فترة زمنية قصيرة بعد القبض عليهم.
ضمان حماية حقوق المعتقلين في الحصول على تمثيل قانوني مستقل ومحاكمات عادلة.
إنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان لضمان عدم تحول عمليات المساءلة إلى أداة لتبرير الاعتقال التعسفي.
عنب بلدي
————————–
سوريا.. نحو “عدالة انتقالية اقتصادية”؟/ مازن الشاهين
العدالة الاقتصادية ومحاربة شبكات الفساد… نحو “عدالة انتقالية اقتصادية”؟
2025-12-17
في المجتمعات التي تمرّ بصراعات أو أزمات اقتصادية طويلة، لا يكون الفساد مجرد خلل إداري أو استغلال نفوذ، بل يتحوّل إلى نظام موازٍ تحكمه شبكات متداخلة، من رجال أعمال مرتبطين بالسلطة، ومؤسسات اقتصادية تموّل ميليشيات أمنية أو عسكرية، وشبكات احتكار وإتاوات، ومنظومات مالية غير رسمية. وعلى مدى سنوات طويلة، بقيت العدالة الانتقالية مفهوماً مرتبطاً بانتهاكات حقوق الإنسان والحروب وتصفية آثار النزاعات، غير أن العالم بدأ يرى شكلاً جديداً من العدالة يفرض نفسه بقوة على الدول الخارجة من الأزمات، وهي “العدالة الاقتصادية”. فالفساد لم يعد مجرد سلوك فردي، بل منظومة متجذّرة تُنتج ظلماً بنيوياً يسرق التنمية ويعمّق الفقر، وهو ما دفع اقتصاديين للتساؤل: هل نحتاج إلى “عدالة انتقالية اقتصادية” لكشف الحقيقة الاقتصادية، ومحاسبة الفاسدين، واسترداد المال العام، وإصلاح المؤسسات، كما حدث في تجارب العدالة الانتقالية التقليدية؟ وإذا كانت العدالة الانتقالية ضرورة للمصالحة السياسية والاجتماعية بعد النزاعات، فهل نحتاج إلى “عدالة اقتصادية انتقالية” لمعالجة الضرر الاقتصادي المتراكم، وضمان مستقبل عادل للأجيال القادمة؟
وماذا عن تجربة جنوب أفريقيا التي قدّمت نموذج “الحقيقة مقابل الاعتراف”، والذي يمكن تطبيقه اقتصادياً عبر السماح لكبار الفاسدين بالكشف عن ثرواتهم مقابل تسويات مالية؟
خبراء اقتصاد وقانونيون يلفتون إلى أن الفساد لا يقتصر تأثيره على الخسائر المالية المباشرة، بل يخلق اقتصاداً موازياً مفضَّلاً للمقرّبين، يحظى بامتيازات غير مستحقة، ويؤكدون أن غياب عدالة اقتصادية انتقالية حقيقية يقوّض أي إصلاح سياسي، لأن المواطنين الذين لا يرون تغييراً ملموساً في مستوى معيشتهم لن يثقوا في الخطاب الرسمي عن “محاربة الفساد”.
من العدالة الانتقالية إلى العدالة الاقتصادية:
تأسست العدالة الانتقالية كمنظومة قانونية وأخلاقية لتضميد جراح المجتمعات بعد الصراعات، عبر المساءلة والاعتراف والتعويض. لكن ماذا لو طُبّق المنهج ذاته في المجال الاقتصادي؟
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور علي الرشيد: في هذه الحالة، لا يعود الفاسد مجرد مخالف للقانون، بل منتهكاً لحق جماعي في التنمية، وتصبح محاربة الفساد عملية مصالحة مجتمعية واقتصادية، تهدف إلى استرداد الثروات المنهوبة، وإصلاح المؤسسات المالية، وإعادة توزيع الفرص بشكل عادل. ويضيف أن تحقيق العدالة الاقتصادية يبدأ حين يعتبر المجتمع الفساد ظاهرة منظَّمة لا فردية، تتطلب تفكيراً شبيهاً بلجان العدالة الانتقالية.
ويرى الرشيد، في تصريح لـ”963+”، أنه إذا كانت العدالة الانتقالية تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم التكرار، فإن تطبيق منطق مشابه في الاقتصاد يعني طرح أسئلة جوهرية: من استفاد من المال العام؟ من استحوذ على الدعم والمناقصات؟ ما حجم الثروات التي تكوّنت عبر نفوذ سياسي غير مشروع؟ وهذا يتطلّب تشكيل لجان حقيقة اقتصادية تراجع العقود والصفقات الكبرى، وتكشف للرأي العام كيف صُنعت الثروات، ومن نهب المال العام، وملاحقات قضائية لا تقف عند “كبش فداء صغير”، بل تصل إلى من اتخذ القرارات ووفّر الحماية السياسية لشبكات الفساد.
كما يتطلّب ذلك وضع آليات واضحة لاسترداد الأموال المنهوبة، وإعادة توجيهها إلى مشاريع تنموية في المناطق الأكثر تهميشاً، باعتبار ذلك شكلاً من أشكال التعويض الجماعي، وإجراء إصلاح تشريعي ومؤسسي يضمن شفافية الصفقات وقابلية تتبع الإنفاق العام، لمنع إعادة إنتاج المنظومة نفسها. ويشمل ذلك إعادة هيكلة القطاع العام، لا عبر الخصخصة العشوائية، بل من خلال إلغاء الامتيازات غير المشروعة، وإصلاح الدعم، وكسر الاحتكارات، وإصلاح قطاع الطاقة.
ويؤكد الرشيد أن أي خارطة طريق نحو عدالة اقتصادية انتقالية يجب أن تمرّ بثلاث مراحل رئيسية: كشف الحقيقة الاقتصادية عبر تدقيق شامل في الصفقات العمومية والممتلكات المجهولة ومسارات الإنفاق العام، ثم المساءلة والمحاسبة بتفكيك شبكات النفوذ التي تحمي الفساد، وأخيراً إعادة الثقة والتعويض عبر سياسات شفافية مالية، وإصلاح النظام الضريبي، وتمكين الفئات المحرومة. فالعدالة الاقتصادية ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل مشروع وطني لإعادة توزيع الكرامة والفرص. وحين يصبح استرداد المال العام فعلاً يعادل استرداد الذاكرة الوطنية، يمكن القول إننا دخلنا مرحلة العدالة الانتقالية الاقتصادية.
الفساد كعنف اقتصادي
يصف الدكتور عدنان السعدون، الخبير في الاقتصاد المؤسسي، الفساد في دول ما بعد الصراع بأنه شكل من أشكال العنف، فيقول: “نحن لا نتعامل مع فساد أفراد، بل مع نظام موازٍ يملك سلطة أكبر من الدولة أحياناً. لذلك، لا تكفي الأدوات التقليدية، بل نحن بحاجة إلى منهجية تشبه العدالة الانتقالية”.
وفي تصريح لـ”963+”، يضيف السعدون: البداية يجب أن تكون بكشف الحقيقة الاقتصادية: من راكم الثروات؟ ومن حصل على الامتيازات؟ وكيف انهارت المؤسسات؟ ففي عالم تتشابك فيه السلطة بالمال، تتحول فيه الأزمات إلى فرص للإثراء السريع، يصبح السؤال ملحّاً: هل يمكن لأي دولة أن تنهض دون عدالة اقتصادية؟ وهل يكفي إسقاط “الفاسدين الصغار” بينما تبقى الشبكات الكبرى محمية؟
ويشير إلى أن الفساد غالباً ما يكون عابراً للحدود، ولا يمكن تفكيكه دون متابعة الحسابات السرية في الخارج، والتعاون الدولي وتبادل المعلومات المالية. فالعدالة الاقتصادية هنا ليست مجرد إصلاح، بل تأسيس لعقد اجتماعي جديد، لأن الفساد لا يسرق المال فقط، بل يقوّض الثقة ويمنع تكافؤ الفرص ويقتل الأمل في التعافي الاقتصادي.
هل العدالة الانتقالية الاقتصادية ضرورة للسلم الأهلي؟
تقدّم الدكتورة مها الخولي، الباحثة في الاقتصاد السياسي، شرحاً واضحاً بالقول إن الفساد يخلق ظلماً طبقياً لا يقل خطورة عن انتهاك الحقوق، إذ يمنح فئة محدودة احتكار السوق، ويغلق الأبواب أمام آلاف الشباب. وتشدد على ضرورة عدم تسييس العملية، لأن تحويل مكافحة الفساد إلى انتقام سياسي يُجهض العدالة قبل أن تبدأ. كما تؤكد أن المستثمر الجاد لا يدخل سوقاً تحكمه الرشاوى والوساطات، وأن نجاح العدالة الاقتصادية يُقاس بقدرتها على جذب الاستثمارات النظيفة.
وتوضح الخولي، في تصريح لـ”963+”, أن تفكيك شبكات الفساد يؤدي إلى عودة الإنتاج، وتحسن العملة، وارتفاع القدرة الشرائية، فالعدالة الاقتصادية شرط للنمو لا ميزة إضافية. وتضيف أن استرداد الأموال المنهوبة لا يتحقق بالعقوبات وحدها، بل عبر تسويات مالية مقابل الإفصاح الكامل عن مصادر الثروة، وهو نهج استردت عبره دول كثيرة مليارات الدولارات.
البعد الاجتماعي.. العدالة الاقتصادية ضرورة إنسانية:
تربط الدكتورة سهام العبود، الخبيرة في الاقتصاد الاجتماعي، بين الفساد والفقر بشكل مباشر، معتبرة أن الفساد جريمة بحق الفقراء، إذ تُنهب الأموال فتنقص التجهيزات عن المدارس، والأدوية عن المشافي، والصيانة عن الطرق. وتؤكد أن الأموال المستردّة يجب أن تُوجَّه لتحسين الخدمات العامة ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وترى العبود، في تصريح لـ”963+”، أن العدالة الاقتصادية شرط جوهري لإعادة بناء الدول بعد الأزمات، وأنها ليست قانوناً فقط، بل إرادة سياسية، ودعماً شعبياً، وإعلاماً حراً، ومؤسسات مستقلة. وإذا كانت العدالة الانتقالية قد داوت جراح الحروب، فإن العدالة الاقتصادية تعالج جراح الفساد والفقر.
وتضع العبود أدوات عملية لتحقيق “عدالة اقتصادية انتقالية”، أبرزها: تشكيل هيئة مستقلة لكشف الثروات المشبوهة، وإقرار تصريح ذمة مالية شامل وعلني، وتأسيس محاكم مالية خاصة، وإنشاء صندوق سيادي للتعويضات الاقتصادية يموَّل من الأموال المستردّة وغرامات الفساد والدعم الدولي، ويُصرف في دعم المشاريع وفرص العمل والخدمات الأساسية.
وتختم بالقول: إن الدول التي تفتح دفاتر الحقيقة وتكسر الاحتكارات وتسترد الأموال، تعيد كتابة تاريخها بيديها، أما الدول التي تؤجّل العدالة، فستواجه انهيارات قاسية، لأن الفساد الذي لا يُحاسَب يتكاثر، والظلم الاقتصادي إذا تُرك بلا علاج يتحوّل إلى نار تأكل كل شيء. فالعدالة الانتقالية الاقتصادية ليست خياراً إصلاحياً، بل خيار وجودي، فإما أن تُبنى الدول على أساس العدالة، أو تبقى معلّقة بلا مستقبل.
+963
———————————–
بطء شديد في مسار العدالة الانتقالية.. هل تم تمييع الملف؟/ محمد كساح
19 ديسمبر 2025
بين انتظار قانون ناظم للمسار وانتقادات تتعلق بالتمييع، تمضي عجلة العدالة الانتقالية في سوريا ببطء شديد. وفيما يتسم التعاطي الحكومي مع واحد من أهم الملفات الإنسانية والحقوقية بالبرود، يفتقد المسار إلى بنى تحتية تؤهله للتفعيل الجاد والحقيقي، مع انتظار انعقاد جلسات البرلمان الذي لم يكتمل بعد، لإعادة تشكيل جزء من هذه البنى بشكلها الصحيح.
إدارة للوقت لا للعدالة
ويرى المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، أنه بعد مضي عام كامل على انتصار الثورة السورية لم يصل مسار العدالة الانتقالية إلى أي مكان حقيقي. مؤكدًا خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن ما يجري حتى الآن هو إدارة للوقت، لا إدارة للعدالة. تشكيل لجنة وطنية دون قانون، ودون محاكم، ودون إرادة سياسية، يعني أننا ما زلنا في مرحلة الخطاب لا الفعل، والضحايا ما زالوا خارج المعادلة.
ويشير الكيلاني إلى أن تعاطي الحكومة مع هذا الملف شكلي، بارد، ومُفرغ من المضمون، وكأن الملف يُدار كعبء سياسي يجب احتواؤه لا كالتزام قانوني وأخلاقي. ويضيف: “اليوم يُدار المسار باتجاهين متوازيين لا يلتقيان: من جهة وزارة العدل التي تتعامل معه كملف تقني مؤجَّل ضمن البيروقراطية التقليدية، ومن جهة أخرى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي تُركت بلا صلاحيات حقيقية أو أدوات تنفيذ. هذا الانفصال يكشف غياب رؤية موحّدة ويحوّل العدالة إلى مسارين معزولين بدل أن تكون سياسة دولة متكاملة”.
وينتقد عدم وجود إطار دستوري وتشريعات ناظمة وقضاء مستقل، وحماية للشهود، مؤكدًا أن كل ذلك يؤدي إلى عدالة مؤجلة عمدًا، تُستخدم كعنوان للاستهلاك السياسي لا كمسار محاسبة فعلي، بينما يبقى الضحايا خارج أي عملية جدّية للإنصاف أو المساءلة.
لماذا تأخر صدور قانون العدالة الانتقالية؟
إلى ذلك، يعزو الكيلاني عدم إصدار قانون حقيقي للعدالة الانتقالية، حتى الآن، إلى أن إصدار القانون يعني فتح ملفات الانتهاكات بلا استثناء، وكسر منطق الإفلات من العقاب، وتهديد مراكز نفوذ سياسية وأمنية قائمة، وهذا ما لا تريده أطراف كثيرة. مؤكدًا أن “التأخير ليس تقنيًا ولا إداريًا، بل قرار سياسي واعٍ”.
ويوضح أنه في حال صدر مثل هذا القانون، فيجب أن يتضمن خطوطًا عرضة تشمل تجريمًا صريحًا لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير الدولية، وإلغاء التقادم عن الجرائم الجسيمة، وإنشاء محاكم وهيئات تحقيق مستقلة ومتخصصة، وضمان استقلال القضاء فعليًا لا شكليًا، وحماية الشهود والضحايا والأدلة، وشمول كل الانتهاكات دون انتقائية أو استثناء أي طرف.
لوضع قطار العدالة الانتقالية على السكة الصحيحة، يوصي الكيلاني بضرورة التوقف عن إدارة الملف أمنيًا وسياسيًا، بالتوازي مع إصدار قانون عدالة انتقالية مستقل وواضح فورًا، وإشراك الضحايا لا تهميشهم، وبناء قضاء مستقل قبل أي حديث عن محاكمات، إضافة لاعتماد الشمولية: لا منتصرين ولا مهزومين أمام العدالة، وفصل العدالة عن الصفقات والتسويات، لأن العدالة لا تُدار بالتراضي السياسي، بل تُفرض بسيادة القانون.
الحاجة ماسة إلى بنى تحتية
من جانبه، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أشار خلال حديث لـ”ألترا سوريا” إلى أن مسار العدالة الانتقالية معقد وصعب وقد تم قطع خطوات عديدة فيه، لكن لا تزال تعوزه خطوات كثيرة، أهمها بناء مؤسسات قضائية وامتلاك عدد كاف من القضاة ذوي الخبرات الكبيرة، ووجود محاكم مؤهلة، وكل هذه البنية التحتية لمسار العدالة الانتقالية يحتاج بناؤها إلى وقت كبير جدًا.
ويضيف بأن المسار لا ينحصر بهيئة العدالة الانتقالية بل هو أوسع من مجرد حصره ضمن مؤسسة واحدة، علمًا ان الهيئة نفسها تحتاج إلى وقت للتشكل ولكتابة نظامها الداخلي، لكن رغم ذلك لا بد من اتخاذ خطوات سريعة بالموازاة مع بناء أدوات ومؤسسات العدالة الانتقالية مثل ملاحقة المجرمين وإصلاح المؤسسات وغيرها.
ويلاحظ عبد الغني أن هناك تحديات عديدة تواجه هذا الملف، أبرزها التحدي الاقتصادي حيث تتطلب عملية البناء والمأسسة لهذا القطاع إلى تمويل ورواتب وميزانية عالية.
هل تم تمييع الملف؟
وفي تعليقه على الانتقادات التي تتحدث عن تمييع العدالة الانتقالية، يؤكد المعتصم الكيلاني أنها “انتقادات في محلها تمامًا”، معتبرًا أن ما يحدث هو تمييع منظم عبر: تحويل العدالة إلى لجنة، وتحويل المساءلة إلى وعود، وتحويل حقوق الضحايا إلى شعارات.
ويؤكد أن انعكاسات ذلك خطيرة كونها تعني تكريس الإفلات من العقاب، وتؤدي إلى فقدان الثقة بين المجتمع والدولة، منا تفتح الباب أمام عدالة انتقامية مستقبلًا، فضلًا عن كونها تهدد أي مصالحة وطنية حقيقية، فالتمييع لا يقتل العدالة فقط، بل يؤسس لصراعات قادمة.
أما فضل عبد الغني فيلفت إلى أن الموضوع لا يتعلق بالرغبة في التمييع بقدر ما هو بحاجة إلى خبرات متراكمة وكبيرة تصمم رؤية للعدالة الانتقالية خاصة مع وقوع أخطاء منذ بداية تفعيل المسار تحتاج إلى تصحيح، مضيفًا أن الهيئات المتعلقة بالعدالة الانتقالية تشكلت بسرعة كبيرة ما أدى إلى حالة الفوضى الحالية.
يؤكد عبد الغني أن التأسيس الصحيح لهذه الهيئات يفترض أن يكون عبر البرلمان الجديد، وهي مسألة بحاجة إلى تصحيح. ويشير أيضًا إلى أن المسار ليس خاصًا بالدولة فقط، بل يجب أن تكون منظمات المجتمع المدني فاعلة فيه، وبشكل مستقل عن مؤسسات الدولة، تلافيًا لأي موقف تسييسي محتمل.
ويلفت إلى دور المجتمع في هذا المسار، عبر رفع قضايا وتوثيق المجرمين حتى مع وجود قسم كبير من أفراد المجتمع السوري كضحايا، فهذا يجعلهم أكثر تحمسًا للمساهمة في العدالة الانتقالية عبر التوثيق والإدلاء بالشهادات أمام المحاكم والهيئات، ما يجعل مسؤولية الدفع بهذا المسار مسؤولية جماعية وإن كانت تتم تحت إشراف الدولة.
الترا سوريا
———————————–
عائلات ضحايا سوريين تلاحق الأسد قضائيا في الأرجنتين
قدم محامون وعائلات ضحايا الاختفاء القسري بسوريا شكوى جنائية أمام القضاء الفدرالي في الأرجنتين ضد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وزوجته أسماء الأسد، وعدد من كبار مسؤولي نظامه.
وأعلن البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP)، في بيان أمس الثلاثاء، أن عائلات ضحايا الاختفاء القسري وناجين من الاعتقال بسوريا قدموا شكوى جنائية ضد الأسد ضمن نظام العدالة الفدرالي في الأرجنتين بتاريخ 5 ديسمبر/كانون الأول الجاري.
وأوضح أن الشكوى طالبت بفتح تحقيق حول مسؤولية الرئيس المخلوع وزوجته، ومسؤولين بارزين في النظام السوري السابق عن جرائم ضد الإنسانية تتمثل في الاختفاء القسري.
وتركز الشكوى على قضية اختطاف الأطفال وإخفائهم، بما يشمل الاحتجاز التعسّفي للأطفال، وانتزاعهم من عائلاتهم، والإخفاء طويل الأمد لهوياتهم ومصيرهم وأماكن وجودهم، وهي قضية لم تتناولها ملاحقات قانونية كثيرة في السابق.
وأكد البرنامج السوري للتطوير القانوني أن الدعوى رُفعت بالتعاون مع رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا ورابطة ميثاق الحقيقة والعدالة، وبدعم قانوني من مكتب دوريو للمحاماة، وهو مكتب أرجنتيني متخصص في القانون الجنائي الدولي والقانون الجنائي الاقتصادي.
ورُفعت القضية استنادا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، إذ تعتمد الأرجنتين مبدأ “الاختصاص العالمي المطلق” بموجب المادة 118 من دستورها، وهو ما يسمح لقضائها بالتحقيق في جرائم الحرب والإبادة الجماعية المرتكبة في أي مكان في العالم. وقد فُتحت بالفعل تحقيقات في قضايا مشابهة مثل قضايا ضد قادة في ميانمار وفنزويلا ونيكاراغوا.
يذكر أن السنوات الأخيرة شهدت عدة محاولات قضائية لملاحقة الأسد. على الصعيد الدولي، قبل مكتب المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية في 2017 شكوى تتعلق بجرائم ارتكبها الأسد وأخوه ماهر، قائد الفرقة الرابعة بالجيش، و126 شخصية أمنية.
ويعد القضاء الفرنسي الأكثر نشاطا في ملاحقة الأسد، إذ أصدر قضاة التحقيق مذكرات توقيف دولية ضد الرئيس السوري المخلوع بتهمة استخدام الأسلحة الكيميائية عام 2013.
وعلى مدار سنوات الثورة السورية، وثّقت تقارير حقوقية حالات اختفاء أطفال وتغيير هوياتهم، بعد اعتقالهم مع ذويهم، إذ نُقل العديد منهم إلى دور رعاية بلا أوراق رسمية، مع تغيير أسمائهم وقطع صلتهم بأسرهم.
وتشير بعض الوثائق إلى أن أسماء الأسد كانت تشرف على توجيه الأطفال إلى مؤسسات محددة بعد انتزاعهم من عائلاتهم في المعتقلات.
المصدر: الجزيرة
—————————
اتحاد المحامين العرب.. صمتٌ يرقى إلى التواطؤ مع جرائم نظام الأسد/ ميشال شماس
2025.12.25
ليس أسوأ من أن تُقتل العدالة باسم القانون، إلا أن يتولّى حراسها التبرير أو الصمت. وهذا تماماً ما فعله اتحاد المحامين العرب طوال السنوات الماضية، حين صمت عن أبشع الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد، ولا سيما تلك التي طالت المحامين في سوريا، فكان صمته انحيازاً فاضحاً للسلطة على حساب الضحايا الذين دفعوا حياتهم ثمناً لممارسة مهنتهم.
في سوريا، خلال عهد نظام الأسد، لم يكن المحامون بمنأى عن آلة القمع. أكثر من أربعين محامياً ومحامية اعتُقلوا تعسفياً وتعرّضوا للتعذيب، وعشرات آخرون قضوا تحت التعذيب. لم تكن التهمة سوى الدفاع عن معتقل رأي، أو رفض سياسة القمع التي انتهجها نظام الأسد، أو التمسّك بأبسط قواعد القانون. وفي مقدّمة هؤلاء يقف اسم خليل معتوق، المحامي البارز الذي اعتُقل عام 2012 ولا يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم، في جريمة مكتملة الأركان بحق الإنسان والقانون معاً. وإلى جانبه، قضى المحامون رجاء الناصر وسامر إدريس وبرهان سقال وغيرهم تحت التعذيب، دون تحقيق أو مساءلة أو حتى اعتراف رسمي باعتقالهم وقتلهم.
هذه الأسماء ليست استثناءات، بل جزء من سياسة ممنهجة استهدفت مهنة المحاماة، والقضاء الذي تحوّل إلى أداة أمنية، والمحامين إلى أهداف مباشرة، لأنهم كانوا في الصف الأول للدفاع عن الحرية. أمام كل ذلك، لم يحرّك اتحاد المحامين العرب ساكناً: لا بيان إدانة، لا وفد تضامن، لا لجنة تقصّي، ولا مطالبة بالكشف عن مصير زملاء قُتلوا لأنهم محامون. بل فعل العكس؛ إذ أعلن جهاراً تضامنه مع نظام الأسد الإجرامي. فعقد اجتماعات مكتبه الدائم في دمشق في حزيران 2021، والتقى برأس النظام في قصره دون أن يسأل عن المحامين المعتقلين أو القتلى تحت التعذيب، أو عن القضاء الذي تحوّل إلى أداة أمنية، وكأن هؤلاء لا ينتمون إلى المهنة ولا إلى العدالة. وأصدر بياناً طالب فيه الجامعة العربية بإعادة سوريا إلى «مقعدها الطبيعي»، ورفع ما سمّاه «الحصار الجائر»، ورفض تطبيق قانون قيصر. الأخطر أن البيان ربط ذلك بما اعتبره «نجاح الشعب السوري في معركة الانتخابات الرئاسية»، مؤكداً أن السوريين «التفّوا حول قائدهم الرئيس بشار الأسد وجددوا له البيعة». وهذه العبارة – «وجددوا له البيعة» – تكشف عمق الانحراف؛ فالانتخابات التي يُفترض أن تُقرأ في سياق قانوني–دستوري، حوّلها الاتحاد إلى طقس ولاء شخصي، يذكّر بثقافة الطاعة لا بثقافة الحقوق. إن وصف الانتخابات بالبيعة لا يكتفي بشرعنة الاستبداد، بل يُسقط عن الاتحاد صفته المهنية، لأنه يضع المحامين في موقع الرعايا لا في موقع المدافعين عن العدالة.
ثم، وبعد سقوط نظام الأسد، يخرج الاتحاد عن صمته، لا للدفاع عن ضحايا المهنة، بل للدفاع عن نقيبي المحامين السابقين. فجأةً صحا ضميره من نومه العميق، لا لأنه اكتشف مظلوميتهم، بل لأنهما من رموز نظام سقط وباتوا عرضة للمساءلة. يتحرّك بسرعة، يرفع نبرة الخطاب، ويستحضر مفردات «الشرعية» و«استقلال النقابات»، وكأننا أمام هيئة يقِظة، لا مؤسسة نامت سنوات طويلة فوق جثث محامين. وأصدر بياناً شكر فيه كل من ساهم بإخلاء سبيلهما، مقدّماً ذلك كله بوصفه نجاحاً نقابياً له يستحق الإشادة.
لكن هذا البيان كشف معيار اتحاد المحامين العرب الحقيقي، بأنه كان قادراً دائماً على التحرك، لكنه اختار أن يفعل ذلك فقط عندما يتعلّق الأمر برموز نقابية مرتبطة بالسلطة، لا من أجل خليل معتوق أو رجاء الناصر أو سامر إدريس أو برهان سقال أو عشرات المحامين الذين مرّوا في المعتقلات وعُذّبوا وقُتلوا. فجأةً صحا ضمير الاتحاد، لا ليقف إلى جانب المظلومين، بل ليحمي رموز سلطة سقطت وباتت من الماضي.
إن ما صدر عن اتحاد المحامين العرب لا يمكن أن يُقرأ إلا كتنكّر صريح للالتزامات والمبادئ التي قام عليها، وفي مقدّمتها الدفاع عن سيادة القانون، وضمان استقلال القضاء، وحماية حقوق الإنسان وكرامة المحامين. اتحاد لم يرفع صوته يوماً للمطالبة بكشف مصير المفقودين أو لإدانة قتل زملاء المهنة، يظهر اليوم ليطالب بالإفراج عن شخصيات نقابية ارتبطت بالسلطة السابقة، في مشهد يفضح ازدواجية المعايير ويهدر مبدأ المساواة أمام القانون.
ومن هنا، فإن الاتحاد مطالب بأن يعيد النظر في سلوكه، وأن يبرهن على التزامه الحقيقي بميثاقه عبر تبنّي مواقف عادلة وموحّدة، تدعم المساءلة وسيادة القانون، وتنصف جميع الضحايا بلا استثناء. وهو مدعوّ لإعلان موقف علني واضح يكرّس الدفاع عن حقوق المحامين السوريين كافة، ويطالب بالكشف عن مصير المغيّبين منهم وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، بما يعيد الاعتبار لدوره المهني ويعيد ثقة المحامين العرب به كإطار مستقل يخدم العدالة لا المصالح السياسية الضيقة.
إن اتحاداً لم يدافع عن خليل معتوق وغيره من المحامين لا يملك شرعية للدفاع عن أحد، واتحاداً تجاهل قتل المحامين لا يحق له الحديث عن استقلال النقابات. العدالة لا تُجزّأ، والكرامة المهنية لا تُستدعى عند الحاجة السياسية فقط. ومن لم يمتلك شجاعة الاعتراف بصمته والاعتذار عنه، فالأجدر به أن يصمت مجدداً؛ فالصمت حين يكون أقل نفاقاً قد يكون أرحم من خطاب عدالة كاذبة، وأقل إهانة لمهنة المحاماة التي تستحق أن تُصان بكرامة، لا أن تُستغل لتبرير القمع.
ما يحتاجه المحامون السوريون اليوم ليس وصاية من اتحادات فقدت بوصلتها، بل تفكيك الإرث النقابي الملوّث، وبناء تمثيل مهني مستقل لا يخضع للأمن، ولا يساوم على الدم، ولا يختزل العدالة في صفقات سياسية أو وساطات شخصية. إن إعادة الاعتبار لمهنة المحاماة في سوريا تبدأ أولاً بكشف هذا الإرث وتسميته باسمه: تواطؤ مهني مع نظام قمعي، وصمت متواطئ على قتل واعتقال زملاء كانوا في الصف الأول للدفاع عن الحرية.
تلفزيون سوريا،
——————————————
العدالة الانتقالية في سوريا: ما الذي لا يحتمل التأجيل؟/ نور عبد الغني عربو
ديسمبر 24, 2025
بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تدخل سوريا مرحلة انتقالية معقّدة تتشابك فيها استحقاقات بناء الدولة، وإعادة الاستقرار السياسي والمؤسسي، ومعالجة إرث واسع من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وإذا كان إسقاط النظام قد مثّل لحظة سياسية وتاريخية فاصلة، فإن إدارة ما بعد السقوط تطرح أسئلة أكثر عمقاً، في مقدمتها كيفية التعامل مع الماضي بكل أبعاده القانونية والإنسانية، وبناء المستقبل دون القفز فوق حقوق الضحايا.
في هذا السياق، برزت العدالة الانتقالية بوصفها أحد الأعمدة المفاهيمية والقانونية للمرحلة الانتقالية، لا باعتبارها أداة للانتقام أو لتصفية الحسابات، بل كإطار حقوقي شامل لمعالجة الانتهاكات، وكشف الحقيقة، وضمان عدم التكرار، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاعتراف النظري بأهمية العدالة الانتقالية، بل في ترجمتها إلى مسار عملي متماسك ومستمر، يراعي تعقيدات الواقع السوري دون التفريط بجوهر العدالة.
في 17 أيار/مايو 2025، صدر المرسوم الرئاسي القاضي بتأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في خطوة شكّلت اعترافاً رسمياً بضرورة معالجة إرث الانتهاكات ضمن إطار مؤسسي مستقل. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت الهيئة عملها في ظروف استثنائية، بوصفها مؤسسة أُنشئت من الصفر، وفي بيئة سياسية وأمنية وتشريعية لم تكتمل معالمها بعد.
ومن الإنصاف، في أي تقييم مهني لمسار الهيئة، النظر لما قامت به فعليا خلال المرحلة التأسيسية. فقد عملت على وضع هيكليتها التنظيمية، وتحديد وحداتها الوظيفية، وبناء تصور أولي لمنهجيات العمل. كما نفّذت جولات ميدانية في عدد من المحافظات، وانخرطت في لقاءات مع منظمات المجتمع المدني، والتقت بضحايا وذويهم، واستقبلت أراء متعددة تعكس تنوّع الانتهاكات والسياقات، وتلقت استشارات تقنية وقانونية تتعلق بتجارب العدالة الانتقالية المقارنة.
غير أن هذا المسار ظلّ، حتى تاريخه، محكوماً بطابعه التحضيري غير التنفيذي، وهو ما يرتبط مباشرة بغياب الإطار التشريعي الناظم. إذ لا يزال قانون العدالة الانتقالية غير مكتمل من ناحية صياغته كتشريع، ومن ثم المراجعة والإقرار من قبل مجلس الشعب، الذي لم ينعقد كذلك حتى اليوم، الأمر الذي يقيّد صلاحيات الهيئة، ويحول دون مباشرتها بآليات ملزمة في ملفات المساءلة، أو جبر الضرر الشامل، أو الإحالات القضائية.
لكن الإقرار بهذه القيود الموضوعية لا يعفي من طرح السؤال الجوهري بعد عام على سقوط النظام: ما الذي لا يحتمل التأجيل في مسار العدالة الانتقالية؟
أول هذه الملفات هو كشف الحقيقة وحمايتها كأولوية عاجلة لا تحتمل التأجيل. فالحقيقة ليست مرحلة لاحقة للمصالحة، بل شرطها الأول. كل تأخير في وضع آليات واضحة وشفافة لتجميع الأدلة وتوثيق الانتهاكات -مثل الاعتقالات التعسفية، الإخفاء القسري، التعذيب، القتل خارج القانون، ومصادرة الممتلكات، وحماية الذاكرة الجماعية- يعرّض هذا الحق لخطر التآكل أو التسييس. التجارب المقارنة تظهر أن ضياع الحقيقة في السنوات الأولى من الانتقال غالباً ما يكون خسارة غير قابلة للتعويض، ويحد من قدرة المجتمع على التعلم من الماضي ومنع تكرار الانتهاكات. وعليه، على الهيئة أن تبدأ بشكل فعلي ومهني بتوثيق الشهادات ووضع أسس للتسجيل الميداني، وهو عمل مستمر وجوهري لضمان حماية الحق في المعرفة وتحقيق العدالة.
أما المساءلة، فهي الاختبار الأكثر حساسية وتعقيداً. فالعدالة الانتقالية لا تقتضي بالضرورة محاكمات فورية وشاملة، لكنها تتطلب، كحد أدنى، رسم مسار واضح للمحاسبة منذ البداية، يحدد المعايير، ويقطع مع الإفلات من العقاب، ويمنع تحويل العدالة إلى أداة انتقائية أو ورقة تفاوض سياسي.مرهونة بالمناخ السياسي. إن غياب هذا المسار، أو تأجيله إلى أجل غير مسمى، يقوّض مصداقية العملية برمتها. وعليه من الممكن أن تبدأ الهيئة بتحديد معايير المساءلة، وإعداد الملفات التحضيرية، بما يضمن قدرة النظام القضائي المستقبلي على التعامل معها بفعالية عند اكتمال الإطار التشريعي.
كذلك، لا يمكن تأجيل مشاركة الضحايا بوصفها عنصرا جوهرياً في تصميم وتنفيذ العدالة الانتقالية. فالضحايا ليسوا موضوعاً للعدالة، بل أصحاب حق فيها. ومشاركتهم الفعلية، لا الرمزية، تشكّل ضمانة أساسية لعدم انحراف المسار عن غاياته الحقوقية، ولتعزيز الثقة المجتمعية في مؤسسات الدولة الناشئة. على الهيئة أن تعزز التواصل مع الضحايا منذ الآن، وتضع آليات عملية لمشاركتهم في اتخاذ القرارات، بما يضمن شمولية وعدالة المسار الانتقالي.
وأخيراً، فإن ضمان عدم التكرار يبدأ في المرحلة الانتقالية نفسها، عبر إصلاح مؤسساتي مبكر، ولا سيما في القطاعين الأمني والقضائي. فالتأجيل في هذا المجال لا يعني الحياد، بل يفتح المجال أمام إعادة إنتاج أنماط الانتهاك السابقة بأشكال جديدة، وهو ما يتعارض مع جوهر العدالة الانتقالية بوصفها مساراً وقائياً، بقدر ما هو تصحيحي.
بعد عام على سقوط النظام، يتضح أن العدالة الانتقالية ليست مساراً ينتظر التشريع فقط، بل عملية حان لها أن تبدأ بخطوات ملموسة. وما لا يحتمل التأجيل هو: كشف الحقيقة، المساءلة والمحاسبة، مشاركة الضحايا، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم التكرار. هذه الملفات تمثل الأساس الذي يبنى عليه العمل الحقوقي والقانوني في سوريا، وتؤكد أن العدالة الانتقالية مسؤولية لا يمكن المماطلة فيها بأي مبرر.
إدارة العدالة الانتقالية كمسار حقوقي جاد، يبدأ مبكراً ضمن حدود الممكن، هي الخيار الوحيد للحفاظ على جوهرها وفعاليتها، وإلا فإن تأجيلها أو تحويلها إلى إطار نظري يُفرغها تدريجياً من مضمونها ويضعف من قدرتها على تحقيق العدالة للضحايا.
الثورة السورية
——————————
أوقفوا العبث بمسارح الجريمة/ بتول الحكيم
24 ديسمبر 2025
تُعدّ المعتقلات ومراكز الاحتجاز التي ارتُكبت فيها انتهاكات جسيمة في سوريا مسارح جرائم دولية وفق القانون الدولي، وأي عبث بمعالمها أو استخدامها لأغراض درامية أو إعلامية دون إطار قضائي أو توثيقي محايد يشكّل مساسًا بمسار العدالة الانتقالية، وطمسًا محتملًا للأدلة، وانتهاكًا لحقوق الضحايا وذويهم في الحقيقة والكرامة، فضلًا عن كونه تشويهًا للذاكرة الجماعية وضمانات عدم التكرار، بما يتعارض مع التزامات الدولة بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الجنائي.
معتقلات الأسد مسارح جريمة
في هذا السياق يؤكد المختص بالقانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المحامي المعتصم الكيلاني، لـ “الترا سوريا”، أن القانون الدولي يعرف مسرح الجريمة بأنه كل مكان يُحتمل أن تكون قد ارتُكبت فيه أفعال تُشكّل جرائم دولية، أو توجد فيه أدلة مادية أو رقمية أو بشرية مرتبطة بتلك الجرائم ويشمل ذلك: أماكن الاحتجاز، السجون الرسمية وغير الرسمية، مراكز التحقيق، المقابر الجماعية، وأي موقع ارتبط بمنظومة الانتهاكات.
ووفق تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا (UN COI)، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وآلية الأمم المتحدة الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، فإن السجون ومراكز الاحتجاز السورية ارتُكبت فيها بشكل منهجي جرائم: تعذيب، اختفاء قسري، قتل خارج نطاق القانون، جرائم ضد الإنسانية، وعليه فإنها تُصنَّف قانونيًا كمسارح جرائم دولية مستمرة الأثر.
العبث بمعالم السجون تقويض لمسار العدالة
وحسب الكيلاني، يصنف القانون الدولي الجنائي منح موافقات رسمية لتصوير أعمال درامية أو إعلامية في هذه المواقع، دون توثيق مهني محايد أو إطار قضائي تحقيقي، على أنه طمس لأدلة محتملة، إذا أدى التصوير إلى تغيير المعالم، إعادة ترتيب الأماكن، إزالة آثار مادية، وقد يرقى إلى عرقلة العدالة، أو استغلال غير مشروع لمسرح جريمة لأغراض درامية أو ترفيهية دون موافقة الضحايا وتجاهل للبعد الحقوقي، ما يعد مخالفة صريحة لمبادئ العدالة الانتقالية.
ويلفت الكيلاني إلى أثر العبث بمعالم السجون والمعتقلات على مسار العدالة الانتقالية، التي تقوم على “الحقيقة، المساءلة، جبر الضرر، عدم التكرار”، فالعبث بهذه المواقع تقويض للحقيقة، وأي تغيير في هندسة الزنازين أو أدوات الاحتجاز أو غرف التحقيق، يؤدي إلى إضعاف الأدلة الجنائية، وتشويه شهادات الضحايا، وإعاقة إعادة بناء الوقائع، وبالتالي يمسّ جوهر الحق في الحقيقة المكفول للضحايا وذويهم.
وينتهك التصوير في هذه المواقع حقوق الضحايا وذويهم، فيما يكرس القانون الإنساني وحقوق الإنسان كرامة الضحايا واحترام المعاناة بما يضمن عدم تحويل الألم إلى مادة استهلاكية، كما ينتهك التصوير ذاكرة الضحايا بشكل صريح، ويكرس للتطبيع مع الانتهاكات وتسطيح الألم، ويمثل إعادة إيذاء الناجين وذوي المفقودين.
الذاكرة الجماعية في مواجهة الدراما
ويشير الكيلاني إلى انعكاس هذه الممارسات على الذاكرة الجماعية والتشويه القانوني، حيث يعتبر الفقه الدولي الذاكرة الجماعية جزءًا لا يتجزأ من ضمان عدم تكرار الانتهاكات، وتحويل مواقع الانتهاكات إلى مواقع تصوير أو منصات ترفيهية، دون إطار توثيقي أو تخليدي، يُعد تشويهًا للذاكرة الجماعية وانتهاكًا للحق في عدم النسيان.
دور الحكومة في المعتقلات والأدلة الجنائية
من جهتها تقول الباحثة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان يمن حلاق لـ”الترا سوريا” إن الأطر القانونية التي تتمثل في قانون حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، تنص على حماية الأدلة ومسارح الجريمة وكذلك آليات الأمم المتحد المطبقة في الدول الخارجة من النزاعات.
وعن دور الحكومة في حماية السجون والمعتقلات بوصفها مسارح جريمة، توضح حلاق أن البديهي والذي كان يجب فعله منذ التحرير هو إغلاق المعتقلات ومراكز الاحتجاز وعدم السماح بدخولها ووضع حراسة لهذه المواقع، وينطبق ذلك أيضًا على المقابر الجماعية المكتشفة والتي لا تزال تكتشف حتى اليوم، مشيرة إلى بعض الممارسات التي جرت في بداية التحرير من دخول لهذه المواقع والتصوير داخلها والعبث بالمحتويات، ما تم تداركه لاحقًا.
وتضيف حلاق أن مهمة الدولة أيضًا التوجه نحو التوثيق الكامل والشامل، وليس الأمر بسيطًا، وتستغرق من أشهر إلى سنوات نظرًا لكثرة عدد المعتقلات وعدم وجود نظام أتمتة، ما يجعل جمع وأرشفة الوثائق أمرًا معقدًا، مشيرة إلى أن بعض هذه الوثائق تعرضت للسرقة والإتلاف المتعمد والإهمال واستيلاء بعض الجهات عليها، ومن الضروري أن تنحصر بيد هيئة مسؤولة عن التوثيق والأرشفة، بالإضافة لاعتماد المركزية في التوثيق، موضحة أن النظام الساقط كان يعتمد على “الرموز” وفي حال أردنا معرفة المسؤولين عن الجرائم، يحتاج ذلك لفك رموز وشيفرات متواجدة في وثائق متراكمة ومحلات متعددة، وأيضًا يطال ذلك بعض المفقودين ذوي الخصوصية.
ومن مسؤوليات الدولة مشاركة الضحايا في هذا المسار، فأهالي المختفين قسرًا وذوي الضحايا لا يزالون يبحثون عن الحقيقة، ويمكن الحصول على مساعدة من جهات دولية للاستفادة من الخبرات والحصول على الدعم، مع التأكيد على السيادة الوطنية في قيادة العملية.
لا لتسليع المعاناة
وتنص القوانين الدولية والمحلية على تجريم العبث بمسارح الجريمة باعتباره طمسًا للأدلة وتخريبًا لمسرح الجريمة وعدم احترام للضحايا، ويشمل ذلك التصوير الدرامي في مراكز الاحتجاز والسجون، لافتة إلى أن البعض يرى في هذه الأعمال شكلًا من أشكال التوثيق أو التعريف بما جرى، إلا أن ذلك يخضع لأسلوب الطرح وكيفيته، فما يندرج تحت إطار الطرح الترفيهي والتقليل مما حدث يفرغ المأساة من مضمونها ويعتبر مرفوضًا شكلًا ومضمونًا.
إن التعامل مع المعتقلات والسجون التي شهدت انتهاكات جسيمة لا يمكن أن يُختزل في بعدها الرمزي أو الدرامي، فهي قبل كل شيء مسارح محتملة لجرائم لم يُحاسَب مرتكبوها بعد، وأي تدخل غير منضبط في هذه الأماكن، مهما كانت دوافعه الفنية أو الإعلامية، قد يؤدي إلى ضياع أدلة حاسمة، ويقوّض حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف والمساءلة.
في السياقات الخارجة من النزاعات، تصبح حماية مسارح الجريمة مسؤولية قانونية وأخلاقية مشتركة، تتقدم فيها العدالة على الصورة، والحقيقة على السرد. فتوثيق الألم يجب أن يكون جسرًا نحو المحاسبة، لا سببًا في طمسها، وأن تُصان الذاكرة الجماعية بما يخدم العدالة الانتقالية، لا بما يعيقها أو يفرغها من مضمونها.
الترا سوريا،
———————————-
========================



