العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 09 كانون الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

————————————

سورية في العهد الجديد: مسار العدالة الانتقالية/ إبراهيم دراجي

نشر في 8 كانون الأول/ديسمبر ,2025

الملخص التنفيذي

تقدّم هذه الدراسة قراءة تحليلية للسنة الأولى من مسار العدالة الانتقالية في سورية، عقب سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، في سياقٍ تتقاطع فيه تحديات إعادة بناء الدولة مع إرث طويل من الانتهاكات الواسعة والعنف السياسي الممنهج. وتستند الدراسة إلى المعايير الدولية وإلى تجارب الدول الخارجة من الصّراعات، وذلك بغية تقييم ما تحقّق وما تعثّر، في المرحلة التأسيسية للعملية الانتقالية في سورية.

وفي هذا المسار، صدر الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي رسّخ بعض المرتكزات الأساسية، من خلال إلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية، وتثبيت مبدأ عدم تقادم جرائم التعذيب، وإنشاء هيئات وطنية معنيّة بالحقيقة والمساءلة والمفقودين. وشهدت السنة الأولى إجراءات عملية شملت رفع القيود الأمنية، وإعادة المفصولين، ومعالجة أوضاع الطلبة المنقطعين، والبدء باستعادة الحقوق العقارية والتوثيق المنهجي لملفات المفقودين.

مع ذلك، تكشف الحصيلة عن فجوات بنيوية عدّة، أبرزها غياب قانون شامل للعدالة الانتقالية، وعدم وجود لجنة حقيقة وطنية، ومحدودية مشاركة الضحايا، إضافة إلى ضعف القدرة المؤسساتية وسط بيئة سياسية وأمنية هشّة وأزمة اقتصادية خانقة. وتخلص الدراسة إلى أنّ ما تحقق يشكّل نواة مهمة لمسار واعد، لكنه يحتاج إلى إطار موحَّد ورؤية تنفيذية قابلة للقياس، لضمان انتقال فعلي يطوي صفحة الماضي ويضمن عدم إعادة إنتاجها.

المقدّمة

بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من العنف الممنهج، والقمع السياسي، والانتهاكات الواسعة التي وصلت إلى كلّ بيت سوري تقريبًا؛ دخلت سورية، في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، مرحلة تاريخية جديدة، مع سقوط النظام السابق وبداية تشكّل الجمهورية السورية الجديدة. كان ذلك الحدث، بالنسبة إلى ملايين السوريين، محطة انتقالية معقّدة؛ إذ لم يُنهِ سقوط النظام تلقائيًا آثار ما تراكم من جراح وأضرار، ولم يمحُ ذاكرة الخوف والمآسي التي رافقتهم منذ انطلاق ثورتهم في آذار/ مارس 2011. وقد وجد السوريون أنفسهم أمام حقيقة مزدوجة: تبدّل في البنية السياسية من جهة، وانكشاف حجم المأساة من جهة أخرى، بما تحتويه من مقابر جماعية، وسجون محطمة، ووثائق رسمية تُثبت أن الانتهاكات لم تكن حوادث معزولة، بل سياسة دولة متكاملة.

على هذه الأرضية الثقيلة، برزت العدالة الانتقالية منذ اللحظة الأولى، بوصفها ضرورة مؤسسية وأداة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. ولم تعُد العدالة مطلبًا رمزيًا أو شعارًا أخلاقيًا، بل صارت شرطًا وجوديًا لتأسيس شرعية الجمهورية الوليدة؛ فالمجتمعات الخارجة من العنف الجماعي لا تتعافى تلقائيًا، ولا يمكنها أن تبني مستقبلًا من دون معالجة جذرية لإرث الماضي. وفي سورية تحديدًا، حيث عشرات آلاف المخفيين، ومئات آلاف المعتقلين والناجين من التعذيب، وملايين النازحين واللاجئين، يصبح الحق في الحقيقة وفي الإنصاف وفي ضمانات عدم التكرار جزءًا من النسيج الذي ستتشكل عليه هوية الدولة الجديدة.

ولأنّ السنوات الطويلة من القمع لم تخلّف ضحايا فقط، بل دمّرت مؤسسات الدولة وحرفت وظائفها، فقد جاء الانتقال السياسي محمّلًا بمهمة مزدوجة: استعادة الثقة بالعدالة، وإعادة بناء البنى القانونية والأمنية والإدارية، على أسس مهنية قائمة على سيادة القانون. ومن ثمّ، صار السؤال الأهم في هذه المرحلة: كيف يمكن تحويل العدالة الانتقالية من مطلب مجتمعي إلى منظومة وطنية؟

حملت السنة الأولى بعد سقوط النظام بذور الإجابة: خطوات دستورية، وإحداث مؤسسات جديدة، وفتح الملفات المغلقة للمفقودين، وبرامج أوليّة لجبر الضرر، وإصلاحات في الأمن والقضاء. لكنها كشفت أيضًا عن ثغرات كبيرة وتحديات بنيوية، ستُحدد، في السنوات المقبلة، شكل العدالة الممكنة، وحدود ما تستطيع الدولة والمجتمع إنجازه.

ومن ثم، تتناول هذه الدراسة قراءة شاملة لما تحقق خلال السنة الأولى، وما كان ينبغي تحقيقه وفق المعايير الدولية، وما لا يزال يعوق مسار البناء، في محاولة للاقتراب من السؤال المركزي: كيف تُترجم تضحيات السوريين إلى منظومة عدالة تعيد للناس حقوقهم وللدولة معناها؟

تناقش المادة محاور عدة: الوضع عشية السقوط؛ ما كان ينبغي فعله وفق المعايير والسوابق الدولية؛ ما تمّ القيام به؛ تقييم ما تم القيام به؛ التحديات التي تعوق مسار العدالة الانتقالية؛ ما يفترض القيام به مستقبلًا…

لقراءة المادة كاملة يرجى تحميل المادة

تحميل الموضوع

مركز حرمون

——————————–

العدالة الانتقالية في سوريا بين التعايش القسري وضرورة المساءلة/ فضل عبد الغني

ديسمبر 9, 2025      

انطلاقاً من تجربتي في توثيق الانتهاكات وعملي في مجال العدالة الانتقالية في سوريا، أؤكد أنَّ غياب مسار جدي للعدالة الانتقالية يمكن أن يخلق نمطاً يومياً قاسياً من التعايش القسري بين الضحايا والجناة في الحي الواحد، وأحياناً في المؤسسة نفسها.

 فمع غياب آليات فعالة لكشف الحقيقة والمحاسبة، يواصل بعض الجناة حياتهم في الفضاء العام بلا مساءلة، ما يعمق لدى الضحايا شعور الظلم والعجز ويرسخ ثقافة الإفلات من العقاب بوصفها قاعدة اجتماعية وسياسية. هذا الواقع يضعف الثقة بمنظومة القانون والقضاء، ويدفع بعض الفئات نحو “العدالة الشعبية” أو الانتقام الفردي، بما يحوّل العنف السياسي إلى عنف اجتماعي ممتد ويهدد إمكان بناء هوية وطنية وذاكرة جمعية متماسكة.

ومع الوقت، يصبح حضور المجرمين في المجال العام أمراً “طبيعياً”، أي تطبيعاً للجريمة ذاتها، بما يحمل ذلك من أخطار عميقة على المصالحة واستقرار الدولة الجديدة.

في هذا السياق، تبرز فجوة بنيوية بين أعداد الضحايا الموثقين في قاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان وأعداد الجناة المعروفين بالاسم، الذين يقاربون 16200 شخص؛ فمعظم الانتهاكات في سوريا كانت جماعية وممنهجة، نفذتها أجهزة أمنية وعسكرية تعمل بتسلسل قيادي صارم وبنية مؤسساتية مغلقة، ما يجعل توثيق الضحايا عبر الشهادات والصور والسجلات الطبية أسهل نسبياً من توثيق المسؤولية الفردية لمن أصدروا الأوامر أو نفذوها.

فهذه المهمة تتطلب تراكباً معقداً من الأدلة والمعايير القانونية الدقيقة. ونتيجة لذلك، تبقى أعداد الجناة الموثقين بالاسم، حتى لو بلغت عشرات الآلاف، أقل بكثير من العدد الفعلي، في ظل انعدام الشفافية، وصعوبة الوصول إلى الأرشيف الرسمي، وقيام الأجهزة السابقة بإخفاء الأدلة وترهيب الشهود والتلاعب بالسجلات.

مسارات المساءلة وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع

ينسحب هذا التعقيد على أوضاع مئات الآلاف من أفراد الجيش والأمن الذين خدموا طوال سنوات النزاع. فمن منظور العدالة الانتقالية كما أفهمه وأعمل عليه، لا يمكن التعامل مع هؤلاء بوصفهم مجموعة مجرمة متجانسة، بل يجب اعتماد فرز دقيق يميز بين فئات متعددة. إذ يجب أن يخضع صناع القرار ومن أصدروا أوامر الانتهاكات أو خططوا لها لمسارات قضائية واضحة ويستبعدوا من مؤسسات الدولة الجديدة.

أما المنفذون الذين عملوا تحت الإكراه أو في ظروف لا تتوافر فيها أدلة كافية على تورط شخصي، فثمة حاجة لمقاربة أكثر تعقيداً تراعي المسؤولية الفردية وضغوط البنية السلطوية وإمكانات إعادة الإدماج المشروط ضمن مؤسسات خاضعة لإصلاح بنيوي ورقابة مجتمعية وقضائية.

وفي جميع الأحوال، تبقى ثقة المجتمع مرهونة بعزل كل من تثبت مشاركته في الانتهاكات الكبرى من دون شيطنة جماعية لكل من ارتدى الزي العسكري أو الأمني.

على مستوى الزمن السياسي، يحمل تأخير إطلاق مسار العدالة الانتقالية أخطاراً كبيرة، فكلما طال التأخير ترسخ الإفلات من العقاب، وتعزز شعور الضحايا بالإقصاء، واتسعت الهوة بينهم وبين مؤسسات الدولة الناشئة، بما يغذي نزعات الانتقام ويعيد إنتاج العنف.

ومع مرور الوقت، يتحول المسار من مشروع تحويلي إلى إجراءات رمزية تستخدم لمنح شرعية شكلية من دون المساس بالبنى التي أنتجت الجرائم. لذلك أرى أنَّ التعجيل المدروس في تفعيل آليات العدالة الانتقالية، في التشريع والمؤسسات، ضرورة وطنية، وأنَّ شرعية المؤسسات الجديدة وثقة المجتمع بها مرهونتان بجدية فتح ملفات الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

مقاربة مركّبة لكشف الجناة غير الموثقين

ومن زاوية منهجية، أقترح مقاربة مركّبة لكشف الجناة غير الموثقين وفق معايير العدالة الانتقالية، تقوم على تلازم ثلاث دوائر: الشهادات المجتمعية، والآليات الوطنية المستقلة، والأدوات الدولية المتخصصة.

في المستوى الأول، تفعيل آليات المساءلة المجتمعية عبر استقبال الشكاوى، وتنظيم جلسات استماع آمنة، وتمكين المجتمع المحلي من تسمية الفاعلين وتوثيق الوقائع ضمن منظومة حماية فعالة للشهود والمبلغين، تشجعهم على تقديم المعلومات من دون خوف من الانتقام أو إعادة الوصم.

في المستوى الثاني، تُنشأ أو تعزز هيئات وطنية مستقلة قادرة على إجراء تحقيقات منهجية وتحليل البيانات الواردة من المنظمات الحقوقية والمصادر المفتوحة وربطها بما يتاح من الأرشيفات الرسمية.

أما المستوى الثالث، فيستفيد من الأدوات الدولية كالآليات الأممية، وصور الأقمار الصناعية، والسجلات الطبية، وأرشيفات الأجهزة الأمنية المتاحة، إلى جانب الدور الحيوي للإعلام الاستقصائي وقاعدة بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان في كشف الحقائق وفتح مسارات جديدة للمساءلة.

بهذه الرؤية، أربط بين العدالة وكشف الحقيقة من جهة، وبين إشراك المجتمع وعدم إقصائه عن عمليات الكشف والمحاسبة من جهة أخرى. فالعدالة الانتقالية، في تصوري، ليست مجرد محاكمات جنائية أو إجراءات إدارية لعزل بعض الأفراد، بل هي عملية مجتمعية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الضحية والجاني، وبين الذاكرة الوطنية والمستقبل السياسي.

ومن دون التعامل بجدية مع مأزق التعايش بين الجاني والضحية في ظل الإفلات من العقاب، ومع فجوة التوثيق بين الضحايا والجناة، وتعقيدات المؤسسة العسكرية والأمنية، ومخاطر تأخير العدالة، يظل الانتقال السوري مهدداً بإعادة إنتاج أنماط الاستبداد والعنف التي ثار عليها السوريون في الأصل.

الثورة السورية

——————————–

أدوار الإعلام القانونية والمجتمعية في العدالة الانتقالية السورية/ فضل عبد الغني

03 ديسمبر 2025

يُشكّل انهيار الأنظمة الاستبدادية أو توقّف النزاعات المسلحة تحدّياً كبيراً للمجتمعات يتجاوز بكثير مسألة إعادة بناء البنية التحتية المادية؛ فالنسيج الاجتماعي الذي مزّقته سنوات من العنف والقمع، يتطلّب ترميماً دقيقاً من خلال عملياتٍ تُواجه إرث الانتهاكات الجسيمة، وتُمهّد الطريق للمصالحة واستعادة الروابط المجتمعية. وتُوفّر العدالة الانتقالية الإطار القانوني والأخلاقي الذي يُمكّن الدول من معالجة فظائع الماضي، غير أنَّ نجاحها يعتمد، بدرجة كبيرة، على آلياتٍ غالباً ما لا تحظى بالاهتمام الكافي في الأدبيات الأكاديمية. ومن هذه الآليات، تحتل الصحافة مكانةً حيوية لا غنى عنها؛ إذ تكشف وسائل الإعلام الحقائق المُخبّأة، وتُسهم في تشكيل الوعي الجماعي الداعم للمُساءلة، وتدعو إلى إصلاحاتٍ مؤسّسيةٍ تضمن عدم تكرار الفظائع.

يُقدّم السياق السوري حالةً بالغة الأهمية لفحص هذه الديناميكيات؛ فعلى مدى عقود في حكم الأسدين، ظلّ المشهد الإعلامي خاضعاً لرقابة صارمة، يعمل أساساً جهاز دعاية يُشرعن سياسات الدولة وانتهاكاتها. ومع اندلاع الانتفاضة الشعبية في مارس/ آذار 2011، حدث تحوّل جذري، تمثّل في ظهور مبادرات صحافية مُستقلة وصحافة مواطنة سعت إلى كسر احتكار المعلومات وتوثيق الانتهاكات واسعة النطاق. يبحث هذا المقال في الأدوار المُتعدّدة التي يمكن للصحافة أن تضطلع بها في عملية العدالة الانتقالية في سورية، مُركّزاً على وظائفها الأساسية في كشف الحقيقة ومواجهة ثقافات الإنكار، مع تناول التحدّيات الهيكلية التي تواجه المشهد الإعلامي السوري، واقتراح حلول عملية تمكّنه من المشاركة الفعّالة في توثيق الجرائم، وتعزيز المساءلة، ودعم جهود المصالحة.

يُشير مفهوم الصحافة الانتقالية إلى الدور المُتنامي الذي تضطلع به وسائل الإعلام في أعقاب النزاعات والحروب أو انهيار الأنظمة الاستبدادية، حين تسعى المجتمعات إلى تحقيق العدالة الانتقالية بمختلف أبعادها. ويمكن فهم هذا المفهوم من خلال بُعدين رئيسين: أولاً، تحوّل الصحافة نفسها في سياقات ما بعد النزاع. وثانياً، ارتباطها الوثيق بآليات العدالة الانتقالية باعتبارها جسراً يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.

تُظهِر البيئات الإعلامية في بلدان ما بعد الصراع درجات مُتفاوتة من الهشاشة على مستوى البنية التحتية والمعايير المهنية والأخلاقية؛ فغالباً ما تكون وسائل الإعلام في مثل هذه السياقات، إما مُتواطئة مع السلطة أو خاضعة لها، ما يفضي إلى تغطية غير مُتوازنة وتهميش أصوات الضحايا. وفي هذه المرحلة، يشهد المشهد الإعلامي تحوّلاتٍ عميقة لأسباب مُترابطة عدّة؛ إذ يُشجّع الانفتاح المُفاجئ للمساحات العامة، عقب توقّف العنف المباشر أو تفكيك الأجهزة القمعية، على ظهور منصّات إعلامية مستقلة تسعى إلى تقديم محتوى أكثر موضوعية، بعيداً عن روايات الأنظمة السابقة. وتعمل المؤسّسات الإعلامية في هذه المرحلة الحرجة على استعادة ثقة الجمهور التي تآكلت بفعل عقود من الدعاية والرقابة القسرية.

وفي ظلّ ندرة الموارد المالية والبشرية، يلجأ الصحافيون في بيئات ما بعد الصراع بشكل مُتزايد إلى الأدوات الرقمية ومنصّات التواصل الاجتماعي من أجل جمع المعلومات والتحقّق منها، ما يُعزّز دور صحافة المواطن في سدّ الثغرات الإخبارية، ولاسيما في المناطق التي يصعب على الصحافيين المُحترفين الوصول إليها. وبعد عقود من الصراع أو القمع، تبرز حاجة ملحّة لكشف الانتهاكات، ومحاسبة الجناة، وإسماع أصوات الضحايا. وهكذا، يعمل الإعلام الانتقالي كأداة لكشف العنف الخفي، ونقل شهادات الناجين، وتوثيقها قانونيّاً وتاريخيّاً. ويتجاوز هذا النمط من الإعلام حدود التقارير الإخبارية المبسّطة ليُساهم في صياغة السرديات الوطنية حول جذور الصراع وسبل تجاوزه.

يؤكّد منظرون بارزون في هذا المجال، ومنهم بريسيلا هاينر في دراستها الرائدة حول لجان الحقيقة، ومارثا مينو في بحثها عن الاستجابات للإبادة الجماعية والعنف الجماعي، الصلة الوثيقة بين الصحافة وآليات العدالة الانتقالية، فالإعلام الحر والجريء يُعدّ ركيزة أساسية تعتمد عليها المجتمعات لتحقيق التحوّل الديمقراطي. وتتجلّى هذه العلاقة من خلال أربعة أدوار محورية.

أولاً، في ما يتعلّق بلجان المُساءلة والحقيقة والمصالحة، بصفتها إحدى أبرز آليات العدالة الانتقالية، حيث يلعب الإعلام دوراً حيويّاً في إيصال توصيات اللجان إلى عامة الناس بلغة مفهومة، وتغطية جلسات استماع الضحايا والجناة. ويسهم بثّ هذه الشهادات في كسر جدران الصمت، وتحفيز الذاكرة الجماعية، وتوضيح حجم الظلم، وتحويل التجارب الفردية المعزولة إلى قضايا عامة تتطلّب استجابة مجتمعية وسياسية.

ثانياً، في ما يخصّ الرقابة الشعبية على العمليات القضائية، تُمكّن التغطية الصحافية المواطنين من متابعة المحاكمات ومراقبة نزاهتها، بما يعزّز الثقة في الإجراءات القضائية ويحدّ من احتمالات التدخّل السياسي أو العسكري فيها. أمّا غياب الإعلام المُستقل فيفضي إلى تعتيم على قضايا المحاكم، ويُقوّض فرص تحقيق العدالة والإنصاف للضحايا.

ثالثاً، إن الصحافة الانتقالية وفلسفة المصالحة الوطنية تلتقيان من خلال الإسهام في بناء سرديات جامعة تتجاوز الانقسامات التي خلّفتها النزاعات. فمن خلال منصّات الحوار التي تجمع الضحايا والشهود والخُبراء، تقاوم وسائل الإعلام محاولات إنكار الانتهاكات أو التقليل من شأنها، وتوازن، في الوقت نفسه، بين الحاجة إلى كشف الحقيقة وضرورة تجنّب الخطاب التحريضي الذي يمجّد العنف ويؤجّج الانقسامات.

رابعاً، مع انتهاء النزاعات، تكتسب الصحافة أهمية خاصة في بناء ذاكرة جماعية راسخة من خلال الأرشفة المنهجية للقصص والوثائق والشهادات، بما يُتيح استخدامها لاحقاً في الإجراءات القضائية والتحليلات التاريخية والمناهج التعليمية. ويتجاوز هذا الدور مجرّد حفظ المعلومات إلى إعادة بناء المعنى الإنساني للتجارب المؤلمة، بحيث لا تُختزل مأساة الضحايا في أرقام جامدة وإنما تُقدَّم بوصفها جزءاً من سردية وطنية تهدف إلى عدم التكرار.

التحوّل التاريخي وأبعاده التحليلية

منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في سورية في ستينيات القرن الماضي، شهد المشهد الإعلامي انكماشاً مُتزايداً في الحريات إلى أن اختفت فعليّاً. وفي ظلّ منظومة قانونية قمعية، تحوّلت جميع وسائل الإعلام (من الصحف الرسمية إلى محطات التلفزيون والإذاعة) إلى أبواق لنظام الأسد، خاضعة لرقابة أمنية خانقة. لعقود، انحصر دور الإعلام في تمجيد الرئيس وترويج خطابه السياسي، فيما كانت أيّ محاولة لإنشاء منصّات مستقلة تُواجَه بقمع فوري من خلال الحظر أو الإغلاق أو المُلاحقات الأمنية.

أحدث اندلاع الحراك الشعبي في مارس/ آذار 2011 ثورةً حقيقية في المشهد الإعلامي السوري؛ فقد ظهرت فجأة مبادرات إعلامية مستقلة، وبرزت ظاهرة صحافة المواطن بديلاً ثورياً لنقل الحقيقة. واستغلت هذه المبادرات منصّات التواصل الاجتماعي بوصفها قنوات بديلة لنقل الوقائع بعيداً عن الرقابة الحكومية. ونجحت هذه المنصّات في تقديم صورة أكثر واقعية للأحداث، وتوثيق الأيام الأولى للانتفاضة الشعبية، وكشف الأساليب القمعية للنظام. ورغم حملات القمع العنيفة التي استهدفت الصحافيين المواطنين والإعلاميين المستقلين، استمرّ هذا النموذج الإعلامي الجديد في التوسّع، مُستفيداً من الثورة الرقمية. وهكذا، شهدت سورية تحوّلاً نوعيّاً من فضاء إعلامي مُغلق بالكامل لمصلحة نظام الأسد إلى مشهد أكثر تعدّدية، وإن ظلّ مُثقلًا بالتهديدات الأمنية والضغوط السياسية وأزمات التمويل.

كشفت سنوات النزاع المسلّح عن المعاناة الاستثنائية للصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لنقل الحقيقة؛ فقد شهدت السنوات الأولى من النزاع ارتفاعاً حادّاً في الانتهاكات المنهجية ضدّ الإعلاميين، طاولت عشرات الصحافيين المستقلين. ومن مارس/ آذار 2011 حتى يونيو/ حزيران 2025، تُظهر توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 725 إعلاميّاً، منهم 559 على يد قوات نظام الأسد. ولا يزال ما لا يقل عن 486 إعلاميّاً، بينهم تسع نساء و17 صحافيّاً أجنبيّاً، مُختفين قسراً.

تمثّل نهاية الحقبة الاستبدادية لحظة تاريخية محورية تُتيح للمجتمع السوري إعادة إرساء هياكل ديمقراطية قائمة على العدالة والإنصاف. وفي هذه المرحلة، تتضح خمسة أدوار محورية للإعلام. فبصفته حافظةً للذاكرة الوطنية، ستُتاح للصحافة الاستقصائية فرصة غير مسبوقة لاستكمال توثيق الانتهاكات، مع إمكانية الوصول إلى وثائق حُجبت سابقاً (مثل ملفات المعتقلين، وسجلات الاستجواب السرّية، وأوامر العمليات العسكرية) التي يمكن للصحافيين تحليلها والتحقّق منها باستخدام تقنيات الطب الشرعي الرقمي المتقدّمة.

وبصفته عيناً ساهرةً على مسار العدالة، سيلعب الإعلام الاستقصائي دور الرقيب العام على عملية إعادة بناء المؤسّسات القضائية، من خلال متابعة سير التحقيقات والمحاكمات، والإسهام في كشف الجناة وشركائهم عبر ما يُقدّمه من معلومات إضافية مدعومة بالأدلة. وبصفته منصّةً للحوار الوطني الشامل، ستشهد سورية ما بعد الأسد تدفّقات هائلة من المعلومات وآراء متباينة قد تفتح الباب أمام التضليل والخطاب التحريضي، وهنا يغدو دور الإعلام المهني في توفير محتوى متوازن ومواجهة محاولات تشويه الحقائق أمرًا بالغ الأهمية.

وبصفته حارساً للانتقال السياسي الناشئ، يتجاوز دور الإعلام فضح انتهاكات الماضي ليُصبح خطّ الدفاع الأوّل ضدّ عودة الاستبداد، من خلال مراقبة سلوك السلطات الجديدة، وتسليط الضوء على الانتهاكات، ونشر الوعي بقيم حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، ومكافحة خطاب الكراهية والتحريض، وتعزيز خطاب المواطنة المتساوية والتعايش. وأخيراً، يبقى تفكيك خطاب الإنكار شرطاً أساسيّاً لنجاح العدالة الانتقالية، لأنَّ الاستمرار في تبرير الجرائم أو التقليل من شأنها يُعمّق جراح الضحايا ويُعيق جهود كشف الحقيقة، بينما يسهم الاعتراف العلني بالانتهاكات في إعادة الاعتبار للضحايا ويؤسّس لمصالحة أكثر صدقية.

التحدّيات والحلول ما بعد الاستبداد

تواجه سورية، الخارجة من نير الاستبداد، معضلة مُعقّدة: كيف يمكن بناء مشهد إعلامي قادر على دعم العدالة الانتقالية من دون أن يتحوّل إلى أداةٍ للانقسام؟ تتشابك التحديات القانونية والمؤسسية والمجتمعية لتشكّل عقبات حقيقية أمام نشوء إعلام حر ومسؤول.

لطالما عانت سورية من غياب تشريعاتٍ تحمي حرية الصحافة وتضمن استقلاليّتها. وفي المقابل، وجود منظومة قانونية تُجرّم التعبير النقدي في حين تغضّ الطرف عن التحريض على العنف وتبرير الانتهاكات. هذا الفراغ المُختل يتيح المجال للتلاعب بالمشهد الإعلامي، سواء من خلال الاستغلال السياسي المباشر أو عبر الضغط غير المرئي الذي تمارسه مراكز القوى الناشئة. وقد ورثت وسائل الإعلام السورية في مرحلة ما بعد الأسد إرثًا ثقيلًا من الفساد والرقابة الصارمة وتدمير البنية التحتية الإعلامية خلال سنوات الصراع، وهو ما يعقّد عمل المؤسّسات الإعلامية في أداء دورها المنشود في كشف الحقيقة وتعزيز الشفافية. كما تعاني المنصّات المُستقلة من أزمات تمويل تحدّ من قدرتها على تطوير المُحتوى وتدريب الكوادر وتوفير بيئات عمل آمنة.

إلى جانب ذلك، كشفت سنوات الحرب عن انقسامات طائفية وإقليمية عميقة، ساهمت بعض المنصّات الإعلامية في تعميقها من خلال تبنّي خطاب مُتحيّز ومُستقطِب. ونتيجة ذلك، فقدت شرائح واسعة من الجمهور الثقة في وسائل الإعلام بشكل عام، ممّا أعاق بناء سرديات وطنية شاملة، وهدّد مشاريع المصالحة في جذورها.

يتطلّب التصدي لهذه التحديات وضع خريطة طريق لإعلامٍ في خدمة العدالة الانتقالية؛ ويستلزم إرساء بنية قانونية متوازنة ثورةً تشريعية تُعيد صياغة العلاقات بين الإعلام والدولة والمجتمع. وينبغي أن تضمن القوانين الجديدة حرّية التعبير من دون قيود تعسّفية، مع وضع ضوابط واضحة تُجرّم التحريض على العنف أو إنكار الجرائم ضدّ الإنسانية. ويمكن أن تُشكّل المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر خطاب الكراهية المؤدّي إلى العنف أو التمييز، نموذجاً مرجعيّاً للتشريعات السورية الجديدة في هذا المجال.

ويمثّل بناء قدرات الإعلام المُستقل، من خلال التعاون مع المنظمات الدولية المُتخصّصة، رافعةً أساسيةً لتطوير المشهد الإعلامي، عبر توفير برامج تدريبية على تقنيات التحقيق الرقمي المُتقدّمة، وتقديم منح مالية للمؤسّسات الإعلامية المستقلة، بما يضمن استدامة عملها واستقلاليتها. كما يُعدّ اعتماد مدوّنات سلوك إعلامية تضع معايير واضحة للتغطية الصحافية، وترفض خطاب الكراهية وتبرير الجرائم وانتهاكات خصوصية الضحايا، ضرورةً ملحّة لترسيخ مهنية الصحافة وأخلاقياتها.

ويتطلّب غرس ثقافة العدالة في وعي المجتمع تعاونًا وثيقًا بين وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني لإطلاق حملات توعية واسعة النطاق حول أخطار تبرير الانتهاكات وأهمية المساءلة العادلة، وعلاقة ذلك بمنع تكرار الجرائم. ويمثل تطوير أنظمة لمكافحة المعلومات المُضلّلة، من خلال آليات مُتقدّمة لرصد التضليل الإعلامي، وبرامج تدريب منهجية على تقنيات التحقّق الرقمي، استثمارًا استراتيجيًا في مواجهة الأخبار الزائفة والمحتوى المُضلّل الذي يمكن أن يُقوّض مسار العدالة الانتقالية. وأخيرًا، إنَّ وضع الضحايا في صميم التغطية الإعلامية يعني تبنّي استراتيجيات تحرص على تضخيم أصوات المُتضرّرين وضمان إنصافهم، مع تجنّب الخطاب الذي يُحرّض على الانتقام أو يُعزّز الانقسامات، بما يضمن أن تكون العدالة الانتقالية عمليةً تصالحيةً لا انتقامية.

خاتمة

يصعب تصوّر عدالة انتقالية مكتملة الأركان في غياب صحافة حرّة ومسؤولة؛ فالمؤسسات الرسمية وحدها عاجزة عن تحقيق المساءلة وكشف الحقيقة وتمكين الضحايا من التعبير عن أنفسهم، فضلًا عن تيسير الحوار المجتمعي المُعقَّد اللازم لبناء مصالحة حقيقية. ويبقى تحقيق توازن دقيق بين حرّية التعبير ومنع استغلال المنصّات الإعلامية لترويج الجرائم ضرورةً لا غنى عنها؛ إذ قد يفتح غياب تنظيم متوازن للخطاب الإعلامي الباب أمام المحرّضين لتبرير فظائع الحرب أو إعادة إنتاج الروايات التي غذّت القمع لعقود.

بناء عدالة انتقالية في بلد مزّقته سنوات طويلة من العنف والاستبداد ليس مهمّة يسيرة. ومع ذلك، فإنَّ إعلاماً حرّاً يحظى بحماية قانونية كافية وموارد مُستدامة يبقى صمام أمان للحفاظ على الذاكرة الجماعية ومنع تكرار مآسي الماضي بأشكال جديدة. فمجتمع يضع حقوق الضحايا في صميم اهتماماته يحتاج إلى نظام إعلامي مهني ومُلتزم يعمل بنزاهة وحياد ودقّة، يكون حارسًا للذاكرة، وشاهدًا على الحاضر، وشريكًا فاعلًا في بناء مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.

العربي الجديد

—————————

العدالة الانتقالية ضحية/ غسان المفلح

نوفمبر 28, 2025       

سأبدأ من حيث البحث عن الجدوى العملية، بعيدا عن الشعارات، بسؤال مباشر: هل السلطة في دمشق تمتلك ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي لكي تفتح ملف العدالة الانتقالية وتطبيقه على كامل الأراضي السورية؟

نظريا، قامت النخب السورية المهتمة بهذا الملف بتفكيكه تفصيليا. من ينظر للوحة يرى أن هنالك أيضا شبه إجماع نظري على تطبيق هذه العدالة الانتقالية المنتظرة.

بتقديري أن هذا السؤال مركزي في قضية العدالة الانتقالية، لأنها بالنهاية مهما حاولنا مناقشتها ومن أية زاوية كانت، فإنها تحتاج إلى ميزان قوى داخلي وخارجي. ميزان القوى الداخلي يتعلق بمقدرة السلطة على جلب المطلوبين للعدالة من أي منطقة في سورية. السلطة ليس لديها الإمكانية لذلك، لا في السويداء ولا في الجزيرة السورية ولا في بعض مناطق العلويين، ولا في مناطق ريفية أخرى.

حتى نتحدث بمنتهى الصراحة؛ من أهم أسباب الإشكاليات التي حدثت ولا تزال تحدث في مناطق الساحل والسويداء أن هنالك رفضا شعبيا تجلى منذ أول يوم للتحرير في مناطق العلويين، وخرجت اعتصامات ودعوات من أجل عدم تسليم المطلوبين. إضافة إلى تصريحات الشيخ حكمت الهجري الذي أعلنها أكثر من مرة: أن “هؤلاء أولادنا ونحن نتكفل بهم”. بعض أولاده هؤلاء هم من يقودون بعض فصائله العسكرية الآن. إضافة إلى ذلك، لا توجد إمكانية للسلطة في دمشق لدخول منطقة الجزيرة السورية.

من جهة أخرى، قيادة ردع العدوان عندما دخلت مناطق الساحل أعلنت شعارا: “اذهبوا وأنتم الطلقاء”. فتعاملت مع الملف بوصفه ملف “أهلية بمحلية”. هذا ليس منطق دولة ولا قانون. لكن الناس قبلتها في فضاء التحرير. كلنا يعرف ما جرى بعد ذلك. لا أريد الدخول في تفاصيله.

النخب التي تتحدث عن أن أهل الساحل وبقية مناطق العلويين ليس لديهم مانع من تطبيق العدالة الانتقالية، كلام تنقضه الوقائع على الأرض، خاصة خلال الأشهر الأولى للتحرير. مع ذلك، فالسلطة – وفقا لما تمتلكه – من ميزان قوى محلي، استطاعت جلب الآلاف للسجون ودون أن تجري أية محاكمة لهم حتى اللحظة.

لا شبه إجماع شعبي حول الملف ولا سلطة واحدة على كافة الأراضي السورية. والسلطات التي تتقاسم السيطرة مختلفة في التعامل مع هذا الملف. التظاهرات الأخيرة التي خرجت في الساحل رغم أن كثيرا من مطالبها محقة، إلا أنها خرجت ضمن فضاء حركية فلول الأسد بزعامة الشبيح غزال غزال. فهل يسلم غزال غزال يسلم نفسه وأصدقاءه من رموز الإجرام السابق؟

السؤال: لماذا رضخت السلطة لمطالب الناس بفتح ملف العدالة الانتقالية وشكلت لجنة من أجل ذلك، دون أن يكون لديها إمكانية فعلية لتطبيقها!؟

كتبت منذ الأسبوع الأول للتحرير أنه على الضحايا السوريين من نظام الأسد أن يعضوا على جراحهم، لا عدالة انتقالية حقيقية في الأفق السوري.

نأتي على المستوى الإقليمي في العراق وإيران ودول أخرى وخاصة لبنان، حيث الألوف من المطلوبين من بقايا نظام الإجرام الأسدي، فهل تستطيع السلطة بميزان قواها الحالي استعادتهم؟

على المستوى الدولي، في روسيا أيضا كبار رؤوس الإجرام الأسدي، وهم من يجب أن يحاكموا أساسا. ما هي إمكانية السلطة في استعادتهم أو استعادة بعضهم؟ ماذا تمتلك من ميزان قوى دولي من أجل هذا الهدف؟ حتى تسلم روسيا هؤلاء القتلة يجب أن تتوفر قوة دولية تضغط وقادرة على تحقيق هذا الإنجاز.

هذا لجهة ميزان القوى في تحقيق العدالة الانتقالية. ننتقل لسؤال عملي آخر: هل من مصلحة الدول الوازنة وخاصة أمريكا وأوروبا الغربية في فتح هذا الملف؟ لنلاحظ أن الأمم المتحدة التي هي حاضرة في أي ملف عدالة انتقالية لا تعطي هذا الملف أية أهمية، ولا أجهزتها تحاول أن تطرح حلولا ما أو دعما ما، لأنها في النهاية تعرف موقف الدول الفاعلة في المجتمع الدولي.

من جهة أخرى، بالعودة إلى محاكمات نورنبيرغ التي تمت في عامي 1945 و1946، نجد أنه ترأس خلالها قضاة من القوات المتحالفة، بريطانيا العظمى وفرنسا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، جلسة لسماع اثنين وعشرين من مرتكبي الجرائم العظمى النازية.

منذ هذه المحاكمات، تحدث محاكمات عدالة انتقالية دون تدخل وإشراف دولي في أي بلد حدث فيه انتقال من نظام جرائم أو من حروب أهلية. لكن في دولة مثل ألمانيا، كانت الدول المنتصرة حاضرة حتى بتعيين قضاة.

لنختم هذه العجالة بالتذكير بالترتيب الأوبامي لاحتلال الثورة السورية، وتورط عدة جهات دولية وإقليمية في سورية سواء من خلال دعم نظام الأسد وجزاريه أو من خلال ملف الإرهاب. والتواطؤ الدولي الإقليمي برعاية باراك أوباما من أجل احتلال الثورة من جيوش دول كبرى في العالم، أمريكا وروسيا وإيران وتركيا وقواعد لدول أخرى. قنوات مالية سوداء فتحت من أجل ذلك.

وبالتالي، هل من مصلحة هذه الدول فتح ملف العدالة الانتقالية مع رموز النظام البائد؟ لا مصلحة لها، لنكن واقعيين. لا نريد أن نوهم أهلنا السوريين أن العدالة الانتقالية الفعلية قادمة وعلى الأبواب.

أهلنا السوريين، اعتبروا سقوط النظام البائد والتحرير هو العدالة الأكبر. من تم القبض عليهم هم في الغالب مجرمون صغار ويجب محاكمتهم، لكن العدالة الانتقالية الحقيقية يجب أن تطال رؤوس الإجرام من العائلة الأسدية أولا.

هذا لا يعني أن السلطة لا تريد عدالة انتقالية أو ليس من مصلحتها، بالعكس تماما، من مصلحتها. وباعتقادي هي تريد إنهاء هذا الملف بما يضمن حق الضحايا السوريين، لكنها لا تملك الإمكانية لذلك. إضافة لنقطة أخرى، وهي ما تم من جرائم بحق المدنيين في الساحل والسويداء من قبل قوى مرتبطة بالسلطة جعل الملف أكثر تعقيدا.

لتكتف السلطة بما عندها الآن وتفتح باب المحاكمات، لكن بعد أن يتم الوصول لتفاهمات مع فصائل السويداء وقسد وفصائل تركيا. هذا اقتراحي المتواضع وفق قراءتي للوحة الانتقالية السورية.

الثورة السورية

——————————-

لماذا الخوف من تحوّل العدالة الانتقالية في سوريا إلى “كليشيه” شعاراتي؟

الاثنين 8 ديسمبر 2025

منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، اليوم الذي سقط فيه نظام بشار الأسد وخرج أحمد الشرع “الجولاني” سابقاً، إلى واجهة السلطة رئيساً انتقالياً، والسوريون يعيشون بين لحظتين متناقضتين: لحظة سقوط الطاغية، ولحظة انتظار العدالة.

ففي الخطب الرسمية، وفي بيانات المجتمع الدولي، تتكرر عبارة “العدالة الانتقالية”، أما في بيوت أهالي المعتقلين والمختفين قسراً، فتتكرر العبارة نفسها لكن بنبرة مختلفة؛ نبرة من ينتظر اسماً في قائمة، أو قبراً يمكن وضع اسم صاحبه عليه.

وبين هذين العالمين يبقى السؤال معلّقاً: ماذا تعني العدالة الانتقالية فعلياً في سوريا؟ وأين وصلت بعد عام على سقوط النظام؟

ما الذي نعنيه حين نقول “عدالة انتقالية”؟

في كتابها “العالم العربي في طور الانتقال: طريق العدالة الوعِرة”، تشير الدكتورة ليلى نقولا إلى وجود تعريفات للعدالة الانتقالية تُرى بوصفها مساراً، وأخرى تعد منهجاً للتعامل مع إرث انتهاكات حقوق الإنسان، باعتبارها عنصراً أساسياً في مراحل التحوّل.

تطرح نقولا تعريفاً أكثر بساطة، يربط عبارة “العدالة الانتقالية” بين مفهومين واسعين؛ العدالة والانتقال، لتُفهم على أنّها تحقيق العدالة خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها دولة من الدول.

البلدان التي مرّت بتعذيب ممنهج، وحرب، وقمع، ومجازر، لا تستطيع أن تقول ببساطة: “لنطوِ الصفحة”. فبدون مواجهة الماضي، لا يُبنى مستقبل، ولا تستقرّ دولة. من هنا وُلد مفهوم “العدالة الانتقالية”؛ ليس كترف قانوني، بل كشرط للحياة المشتركة ولاستمرارها وللسلم الأهلي.

على رغم كثرة استخدام المصطلح، لا يوجد تعريف واحد متفق عليه. أحياناً تُقدَّم العدالة الانتقالية بوصفها “مساراً” تسلكه المجتمعات الخارجة من النزاعات لمعالجة إرث الانتهاكات، وأحياناً كـ”منهج” يضع العدالة عنصراً أساسياً في الانتقال السياسي. في الجوهر، هي محاولة لتحقيق قدر من الإنصاف في لحظة هشّة تتحرّك فيها دولة من نظام إلى آخر.

داخل هذا الإطار، يمكن رصد ثلاث ركائز أساسية:

    مجتمع محدّد هو المخاطَب

    أهداف واضحة مثل الحقيقة والمحاسبة وعدم التكرار والمصالحة

    وآليات متعدّدة تمتد من المحاكمات إلى البحث عن الحقيقة، مروراً بجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وحفظ الذاكرة.

لكن السؤال في الحالة السورية لم يعد: ما تعريف العدالة الانتقالية؟ بل: كيف يمكن تحويل هذا المفهوم إلى أدوات تعمل فعلاً في بلد لم يخرج من الحرب تماماً؟

يقول سائد الحاج علي في مقاله “عام بلا الأسد”: “خمسون عاماً من الحكم الأمني انتهت، وكان من المفترض أن تبدأ سوريا فوراً بمسار عدالة انتقالية يكشف الحقيقة، يواجه الانتهاكات، ويعيد للضحايا جزءاً من حقوقهم. إلا أن العام الأول مرّ دون فتح الملفات الثقيلة أو حتى الإحساس بأن الدولة مستعدة للاقتراب منها”.

بحسب الفقه القانوني، فالعدالة الانتقالية التي يطمح لها السوريون ليست قانوناً واحداً ولا هيئة واحدة، بل عائلة من الأدوات التي تحاول الإجابة عن سؤال واحد: كيف نعترف بما حدث، ونحاسب، ونمنع التكرار، من دون أن ندفع البلد إلى حرب جديدة؟

في المسار القضائي، تحتل المحاكمات موقع القلب. محاكمة جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ليست شكلاً من الانتقام، بل إعلان أن هذه الأفعال لم تعد “أدوات حكم” مقبولة. التحقيق مع القادة الأمنيين والعسكريين، ومنح الضحايا فرصة الشهادة، رسالة تقول إن المجتمع قرر وضع حدّ لما تستطيع الدولة أن تفعله بمواطنيها.

إلى جانب ذلك، تظهر أداة شديدة الحساسية: “قوانين العفو”… فبعض الدول استخدمتها لفتح باب التسويات السياسية أو تسهيل الانتقال، لكن في الوقت عينه كثيراً ما حذرت هيئات الأمم المتحدة من “العفو الذي يمنع محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، لأنه يصنع عملياً مناخ إفلات من العقاب، ويقوّض أي حديث جدي عن سيادة القانون”.

الإصلاح المؤسسي والتعويض والذاكرة

الإصلاح المؤسسي بدوره جزء لا يتجزأ من العدالة. بلد خرج من استبداد لا يمكنه أن يبقي على البُنى نفسها التي أدارت التعذيب والاعتقال والفساد. إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، خصوصاً القضاء والبرلمان والأجهزة الأمنية، تعني نزع رواسب الصراع من داخل هذه الأجهزة، وإبعاد المتورطين بانتهاكات عن مواقع النفوذ، وإزالة التمييز الطائفي أو الإثني أو الجندري. من دون ذلك، تتحول المحاكمات إلى جزيرة صغيرة في بحر لم يتغيّر.

برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج للمقاتلين السابقين تأتي من واقعية بسيطة: من يُسرّح من الجيش أو الميليشيا بلا بديل، كثيراً ما يجد نفسه في عالم الجريمة المنظمة. لذلك تحاول هذه البرامج فتح طرق أخرى للحياة عبر التدريب والتعليم المهني ومسارات إدماج اقتصادي، لا كمكافأة على الماضي، بل كوسيلة لمنع ولادة دورة عنف جديدة.

أما جبر الضرر والتعويض، فهو الوجه الأكثر مباشرة للعدالة في عيون الضحايا. هنا لا نتحدث عن صدقات، بل عن حق قانوني معترف به دولياً: للضحايا حق في التعويض عمّا أصابهم، وعلى الدولة، أو الجهة المسؤولة، واجب تحمّل ذلك، مادياً ورمزياً.

على الضفة غير القضائية، تظهر لجان الحقيقة والمصالحة كأدوات حساسة ومركّبة. هذه اللجان لا تُصدر أحكاماً ولا تفرض عقوبات، لكنها تسمح للضحايا أن يرووا قصتهم، وتجمع الروايات في سردية وطنية لا تُدار حصراً من داخل الأرشيف الأمني. “الحق في معرفة الحقيقة” بات حقاً معترفاً به، لا بدافع الفضول، بل كي لا يبقى الماضي شبحاً يحكم الحاضر.

ثم تأتي الذاكرة: وبناء النصب التذكارية، وتشييد الجدران التي تحمل أسماء الضحايا، وتحويل مراكز الاعتقال السابقة إلى فضاءات للذكرى، كذلك الأيام الوطنية التي تستعيد ما حدث. هذه كلها ليست تفاصيل تجميلية، بل جزء من عقد جديد بين الدولة ومواطنيها، يقول إن من ماتوا لن يختفوا من الذاكرة كما اختفوا من الزنازين.

وعود كبيرة وعدالة مؤجلة

البلد يتلمّس طريقه نحو إعادة بناء مؤسساته وترميم مجتمعه المنقسم. لكن في الواقع، يعيش كثير من السوريين شعوراً مزدوجاً: فرحة بسقوط الرأس، ومرارة من بقاء المنظومة بلا تفكيك حقيقي.

كان من المفترض أن تبدأ مسارات واضحة فوراً: فتح الأرشيف الأمني، كشف مصير المعتقلين والمختفين قسراً، محاسبة رموز النظام السابق المتورطين بجرائم جسيمة، بناء قضاء مستقل، وتوثيق الانتهاكات بشكل منهجي. وبعد عام، ما زالت هذه المسارات أقرب إلى وعود معلّقة. العدالة الانتقالية في سوريا اليوم أشبه بملف محفوظ في درج مليء بالملفات العاجلة، لا بعملية جارية يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

ويشير الكاتب عاصم الزعبي في مقال له بعلاقة قوية بين تحقيق هذه العدالة والسلم الأهلي، يقول: “بعد مرور عام على سقوط الأسد المخلوع، لا تزال فكرة المحاسبة قائمة، رغم تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية التي لم تبدأ عملها بعد، ولم تُسنّ قوانين خاصة بها، كما لم تُشكَّل محاكم متخصصة، ولم يُحوَّل مسار العدالة الانتقالية إلى المحاكم العادية بقوانين مخصّصة. هذا التأخير ترك تساؤلات عديدة، وولّد مشكلات مختلفة لدى السوريين، وهو ما استطلعته صحيفة “الثورة السورية” خلال لقائها مع عدد من أهالي الضحايا. وهنا نضع الفاصلة الأولى”.

ويشير مدير الوحدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أُبي كرد علي، في مقالته المعنونة بـ “الأمل الأخير في توسيع مسار العدالة الانتقالية في سوريا” إلى محاولة لوضع إطار قانوني للمرحلة، والإعلان الدستوري الذي صدر في 13 آذار/ مارس 2025. فالمادة 49 منه تبدو للوهلة الأولى خطوة في اتجاه العدالة، إذ تنصّ على استثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين، بما يسمح بمحاكمة هذه الأفعال بأثر رجعي.

لكن طريقة صياغة المادة تثير أسئلة بحسبه. فالنص يفتح نظرياً الباب لعقاب كل الجرائم المذكورة، بغضّ النظر عن مرتكبيها، لكن التركيز السياسي والقانوني الواضح ينصبّ على جرائم نظام الأسد وحده.

في 17 أيار/ مايو 2025، صدر مرسومان رئاسيان اعتُبرا علامة فارقة: إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، وإنشاء “الهيئة الوطنية للمفقودين”. نصّ مرسوم العدالة الانتقالية على أن مهمة الهيئة هي كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تعرّض لها السوريون منذ آذار/ مارس 2011 حتى نهاية 2024، وتوثيقها، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر الضرر، وترسيخ مبدأ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

لكن المرسوم حصر بشكل صريح نطاق عمل الهيئة في الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، مستبعداً الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف أخرى. بعض أعضاء الهيئة تحدّثوا عن ضرورة توسيع التفويض، لكن ذلك لم يُترجم إلى تشريعات أو خطوات عملية حتى الآن.

الأخطر أن هذه الهيئة لم تبدأ عملها الفعلي بعد. لا خطة وطنية متكاملة، لا برامج حقيقية للتعويض، لا تقارير دورية شفافة، ولا تنسيق بنيوي مع القضاء والأجهزة المعنية. المحامي المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، معتصم الكيلاني، يرى أن ما حدث حتى الآن هو “تغيير شكلي”: أسماء جديدة وهياكل جديدة، من دون انتقال حقيقي من منطق الإفلات من العقاب إلى منطق المحاسبة. في هذه الأثناء، يمر الوقت، وتتآكل الأدلة، وتضيع الشهادات، وتفقد المؤسسات الوليدة ما تبقّى من ثقة الناس.

كيف تتخيّل منظمات الحقوق مسار العدالة؟

في مقابل هذا التردد الرسمي، تقدّم جهات حقوقية سورية، وفي مقدمتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، رؤية أكثر تحديداً لمسار العدالة الانتقالية. الفكرة الأساسية هي إنشاء هيئة وطنية مستقلة فعلاً، ذات بنية مرنة تجمع بين مركزية التنسيق ومرونة التعامل مع تعقيدات المحافظات السورية.

في رأس هذه البنية، مجلس إدارة يضم خبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا، يتولّى رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات الاستراتيجية. وإلى جانبه أمانة عامة كجهاز تنفيذي، مع مكاتب محلية في المحافظات وفرق ميدانية مهمتها جمع المعلومات وتعزيز المشاركة المجتمعية.

تشدد هذه الرؤية على استقلال الهيئة عن السلطة التنفيذية، وعلى عملها ضمن قضاء مستقل، وعلى أن يكون لها دور مباشر في تشكيل محاكم خاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما يخلق جسراً بين الحقيقة والمحاسبة، لا مجرد مخزن إضافي للوثائق.

تركّز الرؤية على أربعة أركان: المحاسبة الجنائية، كشف الحقيقة والمساءلة، جبر الضرر وتخليد الذاكرة، وإصلاح المؤسسات، خصوصاً القضاء والأمن والجيش. المحاسبة يجب أن تطال القيادات العليا المتورّطة في الانتهاكات، عبر قوانين تتوافق مع المعايير الدولية ولجان تقصّي حقائق قادرة على جمع الأدلة وإحالتها على محاكم مختصة، قد تكون مختلطة تجمع قضاة سوريين ودوليين.

في ملف الحقيقة، تُطرح لجان متخصصة توثّق شهادات الضحايا والمتورطين، وتبحث عن مصير المفقودين، وتبني ذاكرة وطنية مشتركة، بالتوازي مع مجالس عرفية ولجان مصالحة محلّية حيث يمكن معالجة بعض الملفات بعيداً من منطق الثأر.

في جبر الضرر، يُقترح برنامج يجمع بين الدعم المادي والأولوية في الخدمات، والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني، وتعويضات رمزية مثل الاعتذارات العلنية والنصب التذكارية والأيام الوطنية. وإلى جانب كل ذلك، يُنظر إلى إصلاح المؤسسات بوصفه ضرورة سياسية وأخلاقية، لا بنداً تجميلياً، مع أولوية قصوى لإصلاح القضاء والأجهزة الأمنية، وتأطير عملية إعادة بناء الجيش على المدى الطويل للخروج من منطق الميليشيات إلى منطق الدولة.

حين تُسرَّب ملفات الضحايا… وتُهان كرامتهم من جديد

كل هذا يبدو مرتّباً على الورق. لكن على الأرض، يتعرّض مفهوم العدالة الانتقالية لامتحان قاسٍ. في الأسابيع الأخيرة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي تسريبات لوثائق حساسة تتعلق بضحايا الاختفاء القسري والتعذيب في الحقبة السابقة، من دون أي إعلان رسمي، ومن دون إطار واضح لحماية خصوصية الضحايا وذويهم.

بالنسبة إلى أهالٍ ينتظرون خبراً عن ابن أو ابنة منذ سنوات، رؤية اسم على شاشة هاتف يمكن أن تكون لحظة صاعقة؛ مزيجاً من الأمل والرعب والغضب. لكن الطريقة التي ظهرت بها هذه الوثائق إلى العلن، عشوائية وفوضوية، حوّلتها من خطوة محتملة نحو الحقيقة إلى شكل جديد من انتهاك الكرامة.

هذه الممارسات لا تُضعف الثقة بالمؤسسات الناشئة فقط، بل تعطل مسار العدالة الانتقالية في جوهره، لأنها تقول عملياً إن الدولة لا تمسك بزمام هذا الملف الحساس، وإن أرشيف الضحايا يمكن أن يتحول إلى مادة “ترند”، لا إلى أساس لسياسة عامة وجبر ضرر منظم.

طريق طويل لا يمكن القفز عنه

العدالة الانتقالية في سوريا ليست بنداً يمكن شطبه بحجة “أولوية الاقتصاد” أو “ضرورة الاستقرار”. من دون عدالة، يبقى الاستقرار هشّاً، وتبقى الدولة مهددة بالانفجار من داخلها في أول أزمة جديدة.

بعد عام على سقوط النظام السابق، الصورة معقّدة: إعلان دستوري يحتوي على إشارات مهمة، وهيئات تأسست باسم العدالة الانتقالية والمفقودين، ورؤى مفصّلة من منظمات حقوقية، لكن المسار نفسه لم يبدأ بعد كما يجب. ما زال المطلوب إرادة سياسية حقيقية، واستقلال فعلي للهيئات، وقضاء قوي، وقدرة على الاعتراف بكل الضحايا، لا ضحايا طرف واحد فقط.

فالعدالة الانتقالية، في النهاية، ليست نصاً في مرسوم، بل عملية طويلة تتطلب شجاعة الاعتراف، وجرأة المحاسبة، وتواضع الإصغاء إلى من دفعوا الثمن الأغلى. من دون ذلك، ستبقى سوريا عالقة في منطقة رمادية: لا حرب كاملة، ولا سلم كامل، ولا عدالة تتيح لجيل جديد أن يعيش في بلد لا يخاف من ماضيه.

رصيف 22

—————————

سوريا تترنح بين عدالتين انتقالية وانتقائية/ طارق علي

ميول المكونات الأساسية للاستقلال أو الانفصال أو طلب الفيدرالية في أضعف الأحوال بعد كل الأحداث التي ألمت بهم

الاثنين 8 ديسمبر 2025

تفكيك التركة لم يكن سهلاً على الإطلاق، وبعد مرور عام على سقوط النظام السابق لم تنجح السلطات الجديدة في إحراز تقدم حيوي لافت وصاعد يعتد به على الصعيد الداخلي، بحسب ما يراه مراقبون، خلاف الإنجازات التي حققتها على المستوى الدبلوماسي الخارجي، الذي تمثل بانفتاحات خارجية وقبول دولي مترافق مع ترحاب بالواقع الجديد.

ورثت السلطات السورية الحالية واحدة من أعقد التركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من النظام السابق، تركة قائمة على سيول من الدماء والفساد والمسارات المعقدة وامتهان الكرامات والحقوق والانتهاكات الواسعة والتعسف السلطوي في استغلال المنصب والنفوذ والتجبر لإخضاع الواقع السوري كاملاً تحت إرادة الحكم البعثي المتجذر في أدق مفاصل ومؤسسات ويوميات البلد وسكانها.

تفكيك التركة لم يكن سهلاً على الإطلاق، وبعد مرور عام على سقوط النظام السابق لم تنجح السلطات الجديدة في إحراز تقدم حيوي لافت وصاعد يعتد به على الصعيد الداخلي، بحسب ما يراه مراقبون، خلاف الإنجازات التي حققتها على المستوى الدبلوماسي الخارجي، الذي تمثل بانفتاحات خارجية وقبول دولي مترافق مع ترحاب بالواقع الجديد، وإن كان مع مرور الوقت يتقلص أو يتنامى تبعاً للمتغيرات على الأرض. فالحكام الجدد القادمون من خلفية تجربة الحكم في إدلب شمال غربي سوريا، لم يتمكنوا من التعامل بصورة مثالية مع الواقع الماثل أمامهم على كامل الجغرافيا، وهو ما قادهم لمواجهات دموية مع العلويين غرباً والدروز جنوباً والأكراد شرقاً، ترافقت مع انتهاكات وأحداث عنف يومية لم تتوقف ولم يجد أحد حلاً لها، وهو ما كان يضع شرعية السلطة نفسها على المحك مراراً، وذاك المحك كان بميول المكونات الأساسية للاستقلال أو الانفصال أو طلب الفيدرالية في أضعف الأحوال بعد كل الأحداث التي ألمت بهم.

أحداث الساحل

بين الـ6 والـ10 من مارس (آذار) الماضي أقدمت قوات السلطة السورية بمؤازرة فزعات عشائرية قدر عددها بـ200 ألف شخص، على صد هجوم نفذه نحو 300 ممن يطلق عليهم “فلول النظام السابق” على حواجز الأمن العام، بحسب الرواية الرسمية، لكن حصيلة الرد، وصلت إلى حد الإبادة والتطهير والجرائم ضد الإنسانية بمقتل 1500 علوي وإصابة واختطاف أعداد آخرين، بحسب ما وثقت منظمات حقوقية دولية وتحقيقات صحافية محايدة، بل إن بعضها ذهب إلى أن رقم الضحايا قد يكون مضاعفاً.

تحت الضغط الشعبي الهائل وفداحة الموقف والإنذارات الخارجية، وجهت دمشق بتشكيل لجنة تحقيق محلية بأحداث الساحل في لحظات يشوبها التوتر البالغ. ذلك التشكيل الهدف منه بعث رسائل طمأنة للداخل والخارج حول مسار المحاسبة، وكذلك بعد بدء تداول كميات كبيرة من الصور والمقاطع المرئية لعمليات الإعدام الوحشية على أسس طائفية. حينها أعطت السلطة اللجنة كامل الصلاحيات، ومددت فترة عملها مرتين حتى انتهت في شهر يوليو (تموز) وأصدرت بيانها النهائي.

منذ إعلان أسماء أعضاء اللجنة، بدأت المخاوف تتسلل إلى قلوب المتضررين، فهي لجنة “سلطوية بامتياز”، كما كان يراها الناس، المجتمع الدولي كان يريد لجنة مستقلة وحيادية بصلاحيات مطلقة، وهو ما أشارت إليه صحيفة “الغارديان” في حينه. في النهاية مارست اللجنة المحلية أعمالها، ولكنها أبدت تقصيراً فادحاً في العمل، فلم تستمع لكثيرين ولم توثق كثيراً واستثنت ريف حماه الغربي كاملاً من التحقيقات، باعتباره شهد مجازر مرتبطة بالساحل، وكذلك أكدت أنها خلال ولاية عملها لم تستلم أي إبلاغ عن اختطاف فتيات علويات، فيما عملت “رويترز” على ملف يؤكد أن تلك الفترة شهدت عمليات اختطاف فعلية.

مضمون تقرير اللجنة المحلية

تزامن صدور التقرير النهائي للجنة الساحل بالتزامن مع أحداث السويداء في يوليو، وقد حاول التقرير قدر المستطاع التملص من الأحداث الرئيسة، فرأى أن “الفلول” الذين هاجموا حواجز السلطة كانوا أقل من 300 شخص، وأن المتورطين بأعمال القتل ضد العلويين أيضاً كانوا أقل من 300 شخص.

اللجنة اعترفت في تقريرها بسقوط 1426 مدنياً في أحداث الساحل، فيما قتل 238 من العناصر الأمنية على أيدي من يطلق عليهم “الفلول”، وأشارت إلى أن هذه الانتهاكات لم تكن منسقة تحت مرجعية موحدة، بل اتسمت بالاتساع العشوائي، مؤكدة أن الدوافع الطائفية كانت غالباً ثأرية لا أيديولوجية. كذلك صنفت بعض الانتهاكات بأنها “جرائم قتل عمد ضد مدنيين، فضلاً عن حالات موثقة من السلب والحرق والشتم والتعذيب”.

وأوضحت أنها وضعت تقريرها الموسع بين أيدي رئيس الجمهورية لاتخاذ الإجراءات المناسبة من دون الإفصاح عن أسماء وهويات الجناة لأسباب قضائية، مشيرة إلى أنها زارت في سياق تحقيقاتها 33 موقعاً، واستمعت لـ938 إفادة تتعلق بالقتل أو السلب والسرقة والعنف، وكذلك جرى الاستماع لـ23 إفادة من مسؤولين حكوميين، وأضافت اللجنة أنها تأكدت من أن حركة “الفلول” كانت “تهدف إلى سلخ الساحل عن سوريا وإقامة دولة علوية عبر تنظيم هرمي وأفقي مترابط”.

تلقى أهالي الساحل تقرير اللجنة حينها بعين الريبة والاستغراب، معتبرين إياه بمثابة ذر الرماد في العيون. مأمون حسن كان أحد الناجين من مجازر بانياس قال “الرأي الجماعي هنا أن تلك اللجنة كانت تمارس دوراً وظيفياً لا أكثر ولا أقل، وكانت تعلم ما ستقوله مسبقاً، بل كان مجهزاً، الأمر كله كان محضراً لامتصاص غضب الناس، الفزعات قدمت من كل حدب وصوب، مئات آلاف المسلحين المتطرفين ومعهم قوات السلطة هاجموا قرانا ومدننا، ثم وجدت اللجنة أن من ارتكب بنا كل هذه المجازر والدمار هم 298 مقاتلاً فقط؟ نحن نعلم أنها لن تجرؤ على محاسبة جمهورها وعشائرها ولا مقاتليها الأجانب ولا قادتها، ولا حتى كبدت نفسها عناء إعلان أسماء المتهمين، إذا كان من هاجمنا عددهم يفوق 200 ألف، فماذا فعلوا إن كان من قتلنا فقط 298 شخصاً، هل كان البقية يتفرجون؟ ذلك التقرير مسيس وسخيف، فلول ماذا وهجوم ماذا ودولة علوية ماذا، هل في الساحل أصلاً سلاح ليكون هناك تمرد تقوم بموجبه دولة مستقلة؟”.

التقرير المضاد

في أواسط أغسطس (آب) أصدرت اللجنة الأممية تقريرها في شأن أحداث الساحل، وهو ما أبرز فجوة عميقة الاتساع بين التقرير المحلي والأممي. فالتقرير الدولي تجاهل التقرير المحلي تماماً، مؤكداً وجود نمط واضح لاعتداءات موجهة ضد تجمعات مدنية، وقد نشرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان تفاصيل التقرير كاملاً، الذي شكل ضربة للجنة المحلية من حيث لا تتوقع.

وقال رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينيرو في بيان صدر مع التقرير “إن حجم ووحشية العنف الموثق في تقريرنا أمر مقلق للغاية”. ووثق فريق الأمم المتحدة أعمال تعذيب وقتل وأعمالاً وحشية متعلقة بالتعامل مع جثث القتلى، واستند إلى أكثر من 200 مقابلة مع ضحايا وشهود وزيارات لمواقع مقابر جماعية وصور أقمار اصطناعية ومقاطع فيديو.

وجاء في بيان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان: “أحداث الساحل شملت أعمال العنف التي استهدفت في المقام الأول المجتمعات العلوية، وبلغت ذروتها في مجازر وقعت في أوائل مارس – القتل والتعذيب والأفعال اللاإنسانية المتعلقة بمعاملة الموتى والنهب على نطاق واسع وحرق المنازل، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين. وجرى تصوير بعض هذه الأعمال المروعة ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب لقطات لمدنيين يتعرضون للإساءة والإذلال. وقد ارتكبت هذه الانتهاكات من عناصر قوات الحكومة الموقتة وأفراد عاديين عملوا إلى جانبهم، وكذلك من مقاتلين موالين للحكومة السابقة أو من يطلق عليهم ’الفلول‘. وشملت الانتهاكات أفعالاً قد ترقى إلى جرائم حرب”.

وجاء في التقرير الدولي أنه بداية جرى فصل الرجال العلويين عن نسائهم ومن ثم تصفيتهم مباشرة، قبل تصفية نسوة أيضاً لاحقاً، وكذلك أطفال، كما أجبر المسلحون الأهالي على ترك جثث ذويهم لأيام في الشوارع ومنعهم من إقامة طقوس الدفن أو العزاء، فيما دفن آخرون في مقابر جماعية، مع اكتظاظ هائل بنسبة الجثث في المستشفيات لاحقاً. كذلك أقدم أفراد من فصائل معينة دمجت أخيراً مع قوات الأمن التابعة للحكومة الموقتة، على إعدام مدنيين خارج نطاق القضاء وتعذيبهم وإساءة معاملتهم في عدد من القرى والأحياء ذات الغالبية العلوية بطريقة منهجية وواسعة النطاق.

التقرير الذي اشتمل على عشرات الصفحات دان عناصر السلطة الحالية في مواقع عدة، وتحدث موسعاً عن عدم ضبط الانتهاكات المتنامية وعن فداحة المجازر التي تحصل باستمرار على شكل انتهاكات يومية، ومنها ما يتعلق باختطاف فتيات. وفي الملخص، فإن التقرير الأممي قد يكون تلاقى في بعض الجزئيات مع التقرير المحلي، ولكن الأكيد أنه نسف جوهر رواية الأخير.

ولعل اللافت في كل ذلك، هو أنه مع صدور التقرير الأممي نشرت معرفات وزارة الخارجية السورية رسالة قالت فيها: “رسالة شكر وتقدير من معالي وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إلى رئيس لجنة التحقيق الدولية المعنية بالجمهورية العربية السورية، سعادة السيد باولو سيرجيو بينهيور، على جهوده في إعداد التقرير، مؤكداً أن ما ورد فيه ينسجم مع ما توصلت إليه لجنة تقصي الحقائق الوطنية المستقلة”. وهو ما قرأه متابعون للشأن السوري بعين الغرابة وعدم الفهم ربما، فخلاصة التقرير تدين السلطة لا تؤيد نتائج تحقيقاتها.

لجنة السويداء

على النقيض من لجنة أحداث الساحل التي جاءت في لحظة مركبة سياسياً ومبكرة من عمر السلطة الجديدة، فإن اللجنة الخاصة للتحقيق بأحداث السويداء التي وقعت في يوليو (تموز) الماضي، وبلغت ذروتها يومي الـ15 والـ16، قامت على دروس مستفادة من لجنة تحقيق الساحل، وتحت وابل ضغط مجتمعي ودولي واسع للغاية، خصوصاً أن عدد الضحايا هناك قارب 2000 شخص، بحسب توثيقات حقوقية ومنظمات معنية.

في أواخر يوليو، جرى تشكيل لجنة التحقيق بأحداث السويداء، وكذلك أعطيت الوعود بأن تعمل ضمن صلاحيات مطلقة، وأن تقدم الجناة والمتورطين للمحاكمة. اللجنة مؤلفة من سبعة أشخاص، قاضيان وأربعة محامين وضابط برتبة عميد. وبحسب القرار، تحدد مهمات اللجنة بالكشف عن الظروف والملابسات التي أدت إلى الأحداث في السويداء والتحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون وإحالة من تثبت مشاركته فيها إلى القضاء، وحتى الآن لم يصدر تحقيق اللجنة، لكنه من المتوقع أن يصدر خلال الأيام القليلة المقبلة.

العفو الدولية تقدم روايتها والسلطة ترفضها

مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها عن أحداث السويداء مؤكدة أن “القوات الحكومية والقوات التابعة لها تتحمل مسؤولية إعدام أشخاص دروز خارج نطاق القضاء في الـ15 والـ16 من يوليو في السويداء. وتشمل هذه الأدلة مقاطع فيديو جرى التحقق منها تظهر رجالاً مسلحين يرتدون بذلات أمنية وعسكرية، يحمل بعضها شارات رسمية، يعدمون رجالاً عزلاً في منازل وساحة عامة ومدرسة ومستشفى”.

وأضاف تقرير العفو الدولية “الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان في السويداء ما هي إلا تذكير آخر مرير بالعواقب المميتة للإفلات من العقاب على عمليات القتل الطائفية في سوريا، التي شجعت القوات الحكومية والقوات التابعة لها على القتل من دون خشية المساءلة. وفي أعقاب عمليات القتل غير المشروع لمئات المدنيين من الأقلية العلوية واستمرار غياب العدالة، يترك هذا العنف ضد أبناء الأقلية الدرزية أثراً مدمراً في مجتمع آخر، ويؤجج مزيداً من الاضطرابات، ويقوض الثقة في صدقية الحكومة بالكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة وتقديم التعويضات إلى جميع الأشخاص في البلاد، الذين تحملوا عقوداً من الجرائم المشمولة بالقانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”.

ولكن سرعان ما جاء الرد على تقرير العفو الدولية من لجنة السويداء المحلية، واصفة إياه بـ”المجتزأ والمنافي للمسؤولية القانونية والأخلاقية لعدم تناوله انتهاكات كل الأطراف”. وقال المتحدث الرسمي باسم اللجنة عمار عز الدين، في تصريح صحافي، إنه “كان يتوجب على المنظمة أن تضمن العدالة والموضوعية في تقريرها عبر الإشارة للانتهاكات من كل الأطراف”، مشيراً أنهم في صدد التعاون مع وزير العدل لإعداد رد على تقرير المنظمة.

وائل الحجلي أحد أبناء مدينة السويداء قال “منظمة العفو الدولية قالت الحقيقة كاملة، وكان بإمكانها أيضاً أن تتوسع أكثر وتذكر فظائع لم تصل إليها ربما، كحادثة إلقاء الشبان الأربعة من شرفة الطابق الرابع، وحالات الاغتصاب والاختطاف وأشياء يندى لها الجبين، نحن هنا نرى تقريرها منطقياً، بقدر ما نشكك سلفاً بتقرير اللجنة المحلية التي رأينا نظيرتها ماذا تبين معها في مجازر الساحل، غداً سيقولون إن دروزاً إرهابيين هاجموا بدواً في المدينة، ثم تدخل الأمن ليفض الخلاف فقمنا بقتلهم، نعرف سلفاً ماذا ستقول، لم يعد هناك مكان للتوافق مع سلطة دمشق، هذه قناعة عامة في السويداء”.

المظالم السورية والحقوق المدنية

كان النظام السابق قد صادر آلافاً من ممتلكات السوريين بذرائع مختلفة، وقد أديرت بأشكال مختلفة، منتزعين بذلك الحقوق المدنية الأصلية للمواطن وفق تهم متنوعة، فضلاً عن كل عمليات التزوير والاستملاك بالقوة. اليوم تحاول السلطات الجديدة معالجة هذا الإرث المعقد لكنها تصطدم بالهيكلية القانونية – القضائية الهشة، وبالاستملاك الذي وقع بحكم الأمر الواقع من اختفاء سجلات الملكية الأصلية للعقارات، ومعظم التجارب الدولية الشبيهة تشير إلى أن الأمر يتطلب الدخول في مسارات قانونية تفض النزاعات الأولية عبر تنظيمها ضمن أصول قواعد القضاء المدني، الذي يزيده تعقيداً تشابكه مع محاكم الإرهاب السابقة التي كانت توعز بمصادرة أملاك المتهم أو المدان أو المسجون.

وبحسب المحامي نجيب مالك، فإن مركز التحدي في استعادة الحقوق الملكية يبدأ من الحديث عن الأحكام القضائية التعسفية السابقة ونقص الخبرات القضائية والشرطية الحالية، “يجب تشكيل هيئة وطنية عليا سريعاً لمعاودة النظر في مخلفات الماضي، لئلا يكون الاحتكام الموقت لمذكرات تصحيح قضائية قصيرة الأجل ولو كان بإمكانها إلغاء أحكام غيابية سابقة. اليوم هناك أسماء ما زالت مطلوبة أو ممنوعة من السفر، لأنها مثلاً تخلفت عن الخدمة الإلزامية في العهد السابق. الأمر يحتاج إلى ترتيب وزارياً وعدلياً كاملاً مع هيكلية منظمة وواسعة، ولا بأس بالاستعانة بالخبرات لتشكيل موضع تقويم شامل من الأسفل للأعلى، بعيداً من خسارة كثير من القضاة وظائفهم والاستعانة بشرعيين كثر ليحلوا مكانهم. على العموم، السلطة تحاول لكننا هنا نتحدث عن مئات آلاف الحالات وربما أكثر، لذلك نحتاج إلى وقت كبير جد”.

الواقع والنص بين الماضي والحاضر

خلال نحو عقد ونصف عقد من الحرب السابقة، طغت محاكم الإرهاب والمحاكم الميدانية والأوامر الأمنية والقضائية التعسفية على أفراد المجتمع السوري، وهذه الأمور اليوم تعالج بصورة سليمة في مسار العدالة الانتقالية كأول اختبار حقيقي ملزم لها، فآلاف أوامر مصادرة الأملاك والحجر والتجريد من الحقوق المدنية قد صدرت في حق أناس كثر، هؤلاء المتضررون بأعدادهم الكبيرة ينشدون معالجة سريعة للمسألة، وعليه قررت وزارة الداخلية أخيراً أن تكون المراجعات الأمنية والشرطية المرتبطة بفترة ما قبل 2025 مبسطة وعبر الشرطة لتخفيف العبء والضغط ريثما تعالج فوضى الأعوام الماضية.

كان ذلك عن ضحايا الأمس، أما اليوم بعد انتصار الانتفاضة السورية، بات هناك ضحايا جدد، أولئك الذين يجري الاستيلاء على أملاكهم بقوة السلاح والترهيب، ذلك الاستيلاء يكون إما عبر التهديد المباشر لإرغام المالك على التنازل لصاحب السلاح عن ملكية العقار أو عبر إجباره بقبول البيع برقم لا يعادل شيئاً من ثمن المنزل الأساس، ويحدث ذلك حالياً في أحياء بيت الطويل والورود في حمص. وربما الأخطر هو التهجير بلا تفاوض أساساً، كما حصل عبر تهجير نحو 20 قرية علوية في محافظة حماة وسط سوريا، والاستيلاء عليها لصالح مقاتلين وعائلاتهم، بكل ما في تلك الأراضي من خيرات وفيرة تقوم على زراعة الزيتون والفستق الحلبي.

بين العدالتين الانتقالية والانتقائية

يرى كثيرون من مناصري السلطة الحالية أن مسار العدالة الانتقالية يسير بصورة جيدة، فيما يرى معارضوها، وهم مكونات مجتمعية متكاملة أن تلك العدالة تسير بأسوأ صورها ما دام أنها تعتمد الامتياز الطائفي معياراً.

قبل أيام، روجت وزارة الداخلية لمؤتمر صحافي رفيع يشرح واقع اختطاف الفتيات في سوريا، الفتيات العلويات تحديداً، من دون أن يشار إلى ذلك صراحة، لكن المؤتمر ركز على أن الوزارة تقصت الأمر في حمص وحماه وطرطوس واللاذقية، وخلصت إلى وجود 42 حالة اختفاء، واحدة منها فقط اختطاف، أما الـ41 الباقية فهي إما حالة هرب مع عشيق، أو خلاف أسري، أو دعارة ومخدرات، ليكون المؤتمر صادماً بكل المقاييس، مما دفع بالناشطين على الفور لنشر عشرات أسماء المختطفات مجهولات المصير منذ سقوط النظام وحتى الآن بصورة متواترة ومستمرة. واعتبر سوريون متابعون ذلك المؤتمر بـ”السقطة الفادحة والجارحة لكرامة العوائل السورية في مجتمع محافظ”، خصوصاً أن وكالات أنباء عالمية أفردت مساحات واسعة في أوقات سابقة لتحقيقات صحافية موثقة تتناول عمليات اختطاف النساء.

الحديث عن العدالة الانتقالية في سوريا يطول للغاية، لكن يمكن القول إنها انتقائية في قضايا كثيرة، فهي تقبل مصالحة رؤوس الأموال الذين كانوا أذرع تمويل النظام السابق عسكرياً، كما تقبل أن تقرب منها عرابي مجازر سابقة في حق سوريين، فيما تغض الطرف ملياً عن مدينة اشتعلت الحرب فيها فعلاً، والحديث هنا عن حمص، المدينة التي صارت عبارة عن دراجات نارية بملثمين يقتلون الناس على أسس انتقامية أو ثأرية أو طائفية.

وفي مفهوم العدالة عينه، ليس هناك اليوم في وزارتي الدفاع والداخلية، علوي أو درزي أو مسيحي، ربما قد يكون هناك شخص أو اثنان، والعدالة ذاتها هي التي صادرت سلاح مجتمع غرب سوريا، وتركته متاحاً بمئات آلاف القطع لدى العشائر في المحافظات الأخرى.

وعلى رغم ذلك قد تبدو تلك الأحداث على ضخامتها تفاصيل إذا ما قورنت بأساس المشكلة التي انبثقت من تشكيل اللجنة العليا للعدالة الانتقالية، التي نصت على محاسبة مجرمي عهد الأسد، ليتساءل السوريون ماذا عن مجرمي عهد ما بعد الأسد، خصوصاً مع مجزرتي الساحل والسويداء وتفجير كنيسة دمشق.

يقول القاضي عمران عرب إن سوريا اليوم بحاجة إلى إطار قانوني متكامل ومتوازن ومدروس يحكمه العدل لا رؤية الشيخ، ليؤسس لمسار عدالة انتقالية حقيقية لا يوجد فيها مواطن من عرق صاف وآخر نخب ثان وثالث وعاشر، وأضاف “يجب العمل على رأب الصدع المجتمعي وإطلاق حوار وطني حقيقي وليس استعراضياً كما حصل سابقاً ومعالجة الانتهاكات ومصالحة المكونات وتعديل الإعلان الدستوري وإلغاء التعسف وفرط استخدام القوة وضبط الفصائل وتحديد مهماتها وضمان حقوق جميع السوريين تحت مظلة القانون وإيجاد تشريع مركزي منظم. الدولة حتى اليوم رفضت وترفض استقبال أي وفد من طائفة بعينها، على رغم أنها تستقبل الجميع، الاستعداء يورث أحقاداً تجعل من العدالة الانتقالية بحد ذاتها وبالاً مستقبلياً”.

بدوره يرى الأستاذ الجامعي عبدالرحمن صبوح أن السلطات الحالية تعمل ما بوسعها لتحقق عدالة انتقالية جامعة، لكنها تحتاج إلى وقتها وعلى السوريين الصبر، فإرث عقود من الطغيان لا يمحى بأشهر، “هناك أخطاء نعم وهذا طبيعي، قيادتنا اليوم انتقلت من حالة حصار في محافظة إلى حكم بلد كامل، هي تبلي أفضل بلاء في الخارج وتقدم وعوداً تعمل عليها قدر المستطاع، تواجه سلسلة متشابكة من التحديات التي تمتد من البنية القانونية وصولاً إلى التوازنات المجتمعية والأمنية، وهو ما يجعل مسار الانتقال معقداً وطويلاً”.

ويتابع “المشكلات الرئيسة اليوم تكمن في تشتت السلطة بفعل الضغوط الداخلية والخارجية وضخامة الملفات أمامها، وآخرها الانضمام للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وهذا بحد ذاته موقف معقد جداً داخلياً. هناك مشكلة مع بعض الفصائل المحلية أو قادتها ومع الأجانب أحياناً، ولدينا نقص هائل في الوثائق الرسمية مع سجلات ضائعة أو متضررة بالجملة، وهذا يؤثر كثيراً في المعاملات اليومية، إضافة إلى الإرث النفسي والاجتماعي للصراع السابق، ولربما الأهم هو الجانب الاقتصادي المتهالك، إلى جانب التحديات السياسية والتوازنات الإقليمية والدولية، وكل تلك الأشياء تلعب دوراً في تحديد مسار العدالة وسلوكها، لذا فالأمر ليس كن فيكون”.

————————————

سجن صيدنايا “المسلخ البشري” الذي ابتلع أبناء أم كارم الـ6 وآلاف السوريين

بين فرحة آلاف العائلات السورية برؤية أبنائها يعودون إلى أحضانهم بعد سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فقد أعلنت المعارضة السورية إسقاط حكم عائلة الأسد الذي استمر أكثر من 50 عاما، وبقيت بعض الأمهات على أبواب الانتظار، يحدوهن الأمل في عناق أبنائهن، لكن ذلك الأمل مات قبل أن يولد.

في ريف درعا، تعيش “أم كارم” واحدة من أكثر قصص الفقد والحرمان إيلاما، بعدما خطفت الاعتقالات في زمن نظام الأسد منها ستة أبناء، ولم تر أيا منهم منذ سنوات.

تفاصيل الاعتقال

وتروي أم كارم لمراسل “سوريا الآن” مالك أبو عبيدة تفاصيل تلك المأساة: “أولادي ستة.. ستة الحمد لله رب العالمين، كلهم اعتقلوهم وما طلعوش”.

وتستعيد بصوت منكسر يوما أسود في حياة عائلتها، حين لجأت قوات المعارضة في درعا إلى الوديان، اعتقل النظام أبناءها مع كثيرين كانوا يفرون هربا. ومنذ ذلك اليوم، لم يفرج عن أي منهم.

وتضيف أن جنود النظام حينها كانوا يتركون النساء ويقبضون على الرجال، بذريعة ما سموه “التسويات”، ليقتادوا من يقع في قبضتهم مباشرة إلى السجون.

وتقول إنها زارت أبناءها أربع مرات في بدايات الاعتقال، لكنهم لاحقا اختفوا في سجن صيدنايا، المعروف بـ”المسلخ البشري”، ولم تعد تعرف عنهم شيئا. وفي كل زيارة، كان الرد نفسه: “مش موجودين”.

رسائل من وراء القضبان

وتشير أم كارم إلى أنها كانت تتلقى أخبارا خفية عن أبنائها من معتقلين آخرين، كانوا يرسلون السلامات إلى أهاليهم كإشارة على وجودهم داخل السجن، لكن تلك الرسائل لم تتحول يوما إلى لقاء حقيقي. وتقول بأسى: “ما عادش والله شوفتهم يوم، ما ظل عندي غير رب العالمين. أبوهم انجلط وراهم وتوفى، والبيت اللي كان يعج بالحياة صار فاضي”.

وتفرق أبناء أم كارم بين السجون والمنافي؛ اثنان اعتُقلا في الوادي بريف درعا، واثنان حاولا الهرب عبر مهرب إلى تركيا أو إدلب، لكنهما أُوقفا وأعيدا إلى صيدنايا.

وأحدهم وصل إلى تركيا، لكنه حين عاد لزيارة أمه، أوقفه حرس الحدود وأُرسل مباشرة إلى السجن. أما الآخر، وكان في الصف الحادي عشر، فقد أجبر على الانضمام إلى إحدى الفصائل ثم اعتقل هو الآخر.

الأمل انهار

مع سقوط نظام الأسد، تجدد الأمل لدى أم كارم، فكانت من مئات الأمهات اللواتي انتظرن عند بوابات السجون، يستمعن للأسماء التي تُعلن تباعًا. لكنها لم تسمع أسماء أبنائها، ولم يُفتح لها الباب لرؤيتهم.

اليوم، تقول الأم المكلومة، إنها لم تعد تنتظر لقاءهم على هذه الأرض، بل ترجوه في الآخرة: “إن شاء الله أرتقي أنا وإياهم، بدنا عن النعيم إن شاء الله”.

حكاية أم كارم ليست إلا صورة مصغرة لمأساة آلاف العائلات السورية التي تلاشى حلمها بلقاء أحبائها، بعدما خرج آخر المعتقلين من السجون دون أن يكون أبناؤهم بينهم.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، محمد رضا جلخي، أن عدد الأشخاص الذين فُقدوا خلال عقود حكم عائلة الأسد، وفترة الحرب التي أعقبت الثورة، قد يتجاوز 300 ألف شخص. وأضاف جلخي -رئيس الهيئة التي شُكّلت في مايو/أيار الماضي- أن تقديراتهم تشير إلى أن العدد يتراوح بين 120 و300 ألف شخص، وربما أكثر، نظرًا لصعوبة الحصر، مشيرًا إلى أن صلاحيات الهيئة تمتد من عام 1970 إلى الوقت الراهن، دون إطار زمني محدد لإنهاء عملها.

المصدر: الجزيرة

——————————-

 وضع مسودة قانون العدالة والمحاسبة تحت مظلة القضاء/ منصور حسين

الأحد 2025/12/07

كشف الاجتماع الأخير بين وزارة العدل السورية وأعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عن تقدم ملحوظ في مسار عمل الهيئة التي أنهت تشكيل لجانها، ووضعها المسودة الأولية لمشروع قانون العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب الجديد، بانتظار عقد مجلس الشعب أولى جلساته لتشريعه.

وفي شهر آب/أغسطس الماضي، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم الرقم 149، القاضي بتسمية أعضاء لجان الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف و12 عضواً آخرين، والذي جاء مكملاً للمرسوم الرئاسي رقم 20، الذي صدر في شهر أيار/ مايو الماضي.

وحددت مهام الهيئة بالكشف “عن الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي سببها النظام البائد، ومحاسبة ومساءلة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية”.

وقال رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف إن “الهيئة قد أنهت تشكيل لجانها الست، موزعة على لجنة الحقيقة ولجنة المحاسبة والمساءلة ولجنة الإصلاح ولجنة الذاكرة الوطنية ولجنة جبر الضرر ولجنة بناء السلام والسلم الأهلي”، مشيراً إلى أن قانون العدالة الانتقالية وصل مراحله الأخيرة، وسيعرض على مجلس الشعب فور تشكيله.

مسودة قانون العدالة الانتقالية

وبحسب رئيس لجنة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية رديف مصطفى، فقد أنجزت المسودة الأولية لقانون العدالة الانتقالية والمحاسبة، بالاشتراك مع فريق متخصص من كلية الحقوق في جامعة دمشق، بالاعتماد على المعايير الدولية في ضمان حقوق الضحايا وتجريم الانتهاكات، مع حفظ حق الدفاع المشروع بالنسبة إلى الجناة.

ويوضح مصطفى أن الهيئة تعمل حالياً على افتتاح 7 فروع لتغطية محافظات درعا وحمص وحلب وحماة ودير الزور وريف دمشق، إلى جانب المقر الرئيسي في مركز العاصمة، بالإضافة إلى وجود 5 دوائر قضائية، تمثل محاكم خاصة بالعدالة الانتقالية، وفق خطة عمل جاءت بعد اجتماعات مع منظمات حقوقية ومدنية ودولية، والاستماع إلى الضحايا وفق مبدأ مركزية الضحايا.

ويقول: “لا يمتلك القانون السوري القديم والمترهل، أهلية الاعتماد، بسبب غياب القوانين المجرمة للأعمال العدائية وجرائم الحرب والإبادة وجرائم ضد الإنسانية، وأيضاً غياب التعريف الواضح لجرائم التعذيب من حيثية العقوبات، إلى جانب تغييبه قوانين محاسبة القيادات أو مسؤولية القيادة كما حصل في سوريا، وهذا ما ركزت عليه مسودة القانون الجديد التي تجرم كل الانتهاكات”.

وبموجب القانون الجديد، يضيف مصطفى: “سيجري تأسيس 5 دوائر قضائية، تبدأ عملها فور تشريع البرلمان لقانون العدالة، ويديرها قضاة معروفون بالحيادية والنزاهة، وسيتم تدريبهم، لتكون الدوائر المستحدثة متكاملة بدءً من خطوة العرض على النيابة وصولاً إلى محكمة النقض، تختص بمحاكمة مجرمي الانتهاكات كافة، من جرائم الحرب والابادة وصولاً إلى الجرائم الاقتصادية الكبرى التي تشمل نهب الأموال وغصب الأملاك”.

ويؤكد رديف مصطفى التي ستكون لجنته المختصة بالمحاسبة والمساءلة، المتعاون الرئيس مع محاكم العدالة الانتقالية، باعتبارها لجنة قضائية، أن “الهيئة قد عقدت اجتماعات موسعة مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، كما وقفت على التجربة الراوندية، إلى جانب اطلاعها على الأرشيف الألماني ومسار تخليد الذاكرة الألماني، وغيرها من اللقاءات والتعاون مع العديد من الدول لدعم مسار العدالة وتعزيز شفافيتها ومشروعيتها القضائية”.

محاكم تحت مظلة القضاء

بدوره يؤكد مدير العلاقات العامة في وزارة العدل أحمد الهلالي، أن المحاكمات الخاصة بمجرمي الانتهاكات بحق الشعب السوري من رموز وعناصر النظام البائد “ستجري عبر القضاء السوري، بالرغم من وجود مقترحات وآراء تدعو لتشكيل محاكم خاصة ضمن إطار العدالة الانتقالية”.

ويوضح الهلالي في حديثه لـ”المدن” أنه ” لا يوجد قانون نهائي معلن يخص العدالة الانتقالية، فالهيئة أُنشئت بمرسوم رئاسي، وليس بقانون تشريعي واضح، وبالتالي فإن اعتماد القانون رسمياً من قبل وزارة العدل وإدراجه ضمن القوانين السورية، يكون فور تشريعه من قبل أعضاء مجلس الشعب”.

ويشير إلى أن التعاون بين الوزارة مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في سياق كشف السجون ومراجعة ملفات المعتقلين، باعتبار أن “الهيئة كيان مستقل إدارياً ومالياً، وغير تابعة لأي من فروع الوزارة”.

قانون حماية دائم

ومن المتوقع أن يسد القانون الجديد الثغرات التي يعاني منها القانون السوري، وكانت مدخلاً لكثير من النقاشات حول مسار عمل الهيئة والآليات المتوقع اعتمادها، خاصة وأن سوريا ليست طرفاً في الاتفاقيات الدولية، مثل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أو اتفاقية الاختفاء القسري وغيرها من قبيل البروتوكول الإضافي لمناهضة التعذيب.

وهذا ما يتفق معه عبد الناصر خاني، مدير البرامج في المعهد السوري للعدالة، الذي اعتبر تشريع قانون العدالة والمحاسبة كجزء ثابت من المنظومة القانونية السورية، يمثل ضمانة دائمة للضحايا، ورسالة واضحة بأن سوريا بعد النزاع لن تسمح بالإفلات من العقاب، وأن حماية المدنيين لن تكون مجرد تعهد سياسي، بل نصاً قانونياً ملزماً يحاسب كل من يرتكب الجرائم، مهما كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.

ويقول: “مشروع قانون العدالة والمحاسبة ليس مسألة تقنية أو إجراء قضائي فحسب، بل هو خطوة تأسيسية في بناء دولة سورية جديدة قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، لذلك فإن أهمية إدراجه ضمن التشريعات السورية، تتمثل في أنه يحدد بشكل واضح حقوق الضحايا، وآليات المساءلة عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة، ويضمن عدم ترك مصير العدالة رهناً بالتوازنات السياسية أو التوافقات المرحلية بعد سقوط النظام”.

تؤكد خطوات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية انتهاء أهدافها الأولية، ونقلها ملف المحاسبة إلى البرلمان السوري المنتظر انعقاده، في الوقت الذي تزيد الدعوات الحقوقية والإنسانية بضرورة انضمام سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما لضمان ملاحقة مجرمي الحرب وعدم إفلاتهم من العقاب.

——————————-

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى