إلغاء تصنيف “الهلال الأحمر”…جدل يعمّ سوريا

الخميس 2026/04/02
تداول ناشطون في مواقع التواصل، قراراً صادراً عن مديرية التعاون الدولي في وزارة الخارجية السورية، في 17 آذار/ مارس الماضي، يقضي بإلغاء تصنيف كل من “الهلال الأحمر العربي السوري” و”منظمة التنمية السورية” كشريكين وطنيين، مع اشتراط موافقة وزارة الخارجية المسبقة على أيَّة مذكرة تفاهم أو اتفاقية مع الجهات الدولية.
وتفقد المؤسستان بموجب ذلك القرار، حق التوقيع المباشر مع المانحين والمنظمات الدولية، وتدخل آلية العمل الإنساني والتنموي في سوريا مرحلة جديدة تتحكم فيها القناة الحكومية المركزية بمسارات التفاهم والتمويل.
تغيير في آلية التوقيع والحركة
ويضع القرار المؤسستين أمام واقع إداري مختلف، لأن أي تفاهم خارجي يتعلق بالمساعدات أو المشاريع أو التعاون مع المنظمات الدولية، بات يحتاج إلى موافقة مسبقة من وزارة الخارجية، وهو ما يضيق هامش الحركة السابق، ويربط الاتفاقيات بمسار حكومي واحد، ما قد يؤثر في سرعة الاستجابة، وقدرة الجهات المحلية على التحرك في الملفات الإنسانية والتنموية التي تحتاج إلى قرارات سريعة ومرنة.
ويستند هذا المسار إلى البيئة التشريعية السورية الناظمة لعمل الجمعيات، وفي مقدمتها القانون رقم 93 لعام 1958 الخاص بالجمعيات والمؤسسات الخاصة، الذي يمنح السلطات صلاحيات واسعة في التسجيل والإشراف والمتابعة وضبط التمويل الخارجي والعلاقات مع الجهات الدولية. ومن هذه الزاوية، يظهر القرار منسجماً مع منطق الرقابة الإدارية الذي حكم هذا القطاع لعقود، فيما يتركز الجدل حول آثاره العملية، وحول شكل العلاقة التي يجري تثبيتها بين الدولة والمنظمات المحلية والدولية.
النموذج العربي.. تنسيق مع الدولة واستقلالية نسبية
تظهر المقارنة مع جمعيات الهلال الأحمر في بلدان عربية أخرى، أنَّ العلاقة مع الدولة تمثل جزءاً ثابتاً من البنية القانونية والإدارية لهذه المؤسسات، بحكم كونها جهات مساعدة للسلطات العامة في المجال الإنساني، مع احتفاظها، وفق المعايير المعتمدة داخل المنظمة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، بهامش استقلال يضمن الحياد والاستقلال وعدم التمييز.
وتبدو هذه الصيغة واضحة بدرجات متفاوتة في دول مثل الأردن ولبنان ومصر والعراق، حيث تعمل جمعيات الهلال الأحمر ضمن أطر قانونية معترف بها، وتتعاون مع السلطات العامة، وتحافظ في الوقت نفسه على موقعها كمؤسسات إنسانية وطنية ذات شخصية مستقلة نسبياً بحيث لا تجعل كل تفاهم أو اتفاق مع الجهات الدولية مرهوناً حصراً بموافقة مسبقة من وزارة الخارجية بالصورة التي يطرحها القرار السوري، وهو ما يضع الحالة السورية في سياق أكثر تشدداً من مجرد التنسيق الإداري المعتاد.
ردود أفعال متباينة
وفتح القرار باباً واسعاً الجدل، حيث قرأ البعض الخطوة باعتبارها محاولة لسحب امتيازات تراكمت خلال السنوات الماضية، ولإعادة تعريف موقع مؤسسات ارتبط اسمها، في نظر كثيرين، ببنية النظام السابق أو بالشبكات التي حكمت قطاع المساعدات والعمل الأهلي في عهده.
في المقابل، ذهبت قراءات قانونية وحقوقية إلى التحذير من أثر القرار في كفاءة العمل الإنساني وصورة المؤسسات السورية أمام الشركاء الدوليين، لأن نقل سلطة التوقيع والموافقة إلى جهة حكومية مركزية يرفع مستوى الإجراءات المطلوبة، ويضيف طبقة جديدة من البيروقراطية على قطاع يقوم على الحاجة المباشرة وسرعة القرار وثقة الجهات المانحة، وامتد النقاش أيضاً إلى القراءة الاقتصادية والإدارية للقرار، لأن أي تقييد إضافي لآليات التوقيع والتفاهم الخارجي يترك أثره في سرعة تدفق المشاريع وكلفة الإجراءات، وقدرة المؤسسات المحلية على الحركة ضمن بيئة شديدة التعقيد.
ظل “الأمانة السورية للتنمية”
ويكتسب القرار ثقله من ارتباطه بإرث السيطرة على المجال الإنساني في زمن نظام الأسد المخلوع، حين فرضت الدولة قيوداً واسعة على التمويل الخارجي وعلى قدرة المنظمات الدولية والمحلية على العمل المستقل، وتحولت قنوات المساعدات إلى مسارات تمر عبر جهات محددة، في مقدمتها “الهلال الأحمر العربي السوري” و”الأمانة السورية للتنمية”، وقد تحولت الأخيرة إلى مظلة مركزية واسعة النفوذ وارتبط اسمها مباشرة بأسماء الأسد التي كانت تستخدمها لاستجرار الأموال إلى نظام الأسد والالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة آنذاك على سوريا.
وقد تعرض هذا النموذج لانتقادات واسعة من منظمات حقوقية وبحثية دولية، لأن التحكم بمسارات المساعدات وبهوية الشركاء المحليين وأولويات التنفيذ، أضعف استقلالية العمل الإنساني، وربط جزءاً كبيراً منه ببنية السلطة.
وهنا تحضر المقارنة مع المرحلة السابقة بقوة، لأن سحب امتياز “الشريك الوطني” من مؤسستين ارتبطتا بهذا الإرث لا يكفي وحده لإنتاج مشهد مختلف، ما دامت سلطة الموافقة والتوقيع قد انتقلت إلى مركز حكومي واحد يملك القدرة على ضبط التفاهمات الخارجية ومساراتها، فبدلاً من أن يكون الهلال والتنمية هما المظلة الرئيسية، أصبحت إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية هي الآمر والناهي.



