الحكومة وخصومها… مسؤولان عن ضبط خطاب مؤيديهما/ ميشال شمّاس

27 يناير 2026
حين يُصبح الجمهور هو من يُحرّض السلطة على العنف، لا العكس، نكون أمام لحظة انهيار أخلاقي تُهدد معنى الدولة. لم تعد السلطة وحدها هي من يُمارس العنف أو يُهدد به، بل بات كثيرون من مؤيديها يُطالبونها علناً بمزيد من الحسم والرد والقسوة. هذا التحول في الخطاب الشعبي الموالي لا يُعبّر عن ولاء سياسي، بل يُعيد إنتاج منطق الإقصاء، ويُحوّل الدولة من مؤسسة تُدير الخلاف إلى أداة لتصفية الخصوم. وهنا لا يعود التحريض على العنف مجرّد انفعال فردي، بل يتحوّل إلى ظاهرة جماعية تستحقّ التفكيك والمساءلة والمواجهة الأخلاقية.
أخطر ما في هذا التحريض يتم تغليفه بشعارات وطنية ويُروَّج له باعتباره “الرد الطبيعي” على من يعارض السلطة. فحين يُطالب مؤيدو السلطة بحسم ملفي السويداء وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالقوة، أو بإلغاء أي صوت معارض، فإنهم لا يُدافعون عن الدولة، بل يُقوّضونها، لأنهم يطالبونها بالتخلي عن القانون والعدالة. الدولة التي تُستدرج إلى العنف بناءً على رغبة جمهورها، تفقد شرعيتها وتتحوّل إلى خصم للمجتمع لا حامٍ له.
تصاعدت في الأشهر الماضية حملات التحريض من جمهور السلطة ضد جماعة حكمت الهجري وأهالي السويداء، في خطاب يُحوّل الاحتجاجات المدنية إلى تهديد أمني ويُمهّد لتبرير أي إجراء عنيف. لم يأت هذا الخطاب فقط من بعض المنصات الإعلامية، بل من بعض جمهور يُفترض أنه داعم للسلطة، لكنه يُطالب السلطة بالتخلي عن الحوار. ومؤسف أن هذا التحريض لا يُقابل بإدانة رسمية، بل يُصمت عنه، وكأن التمييز الطائفي أصبح مقبولاً ضمن منطق الولاء. ولم تسلم “قسد” من هذا الخطاب التحريضي، إذ طالتها حملات تعبئة جماهيرية تُطالب بالحسم العسكري معها، ما يُحوّل النقد المشروع إلى دعوة إلى الإلغاء ويُختزل فيه القانون إلى أداة انتقام. فحين تُصبح السلطة مرتهنة لانفعالات جمهورها، لا نكون أمام دولة، بل أمام جهاز يُعيد إنتاج الانقسام والكراهية.
لا يقتصر التحريض على استهداف جماعة الهجري و”قسد”، بل يمتد ليطال العلويين أنفسهم تحت غطاء “الفلول” أو “بقايا النظام السابق”. هذا الخطاب يُمارس تصفية جماعية ويُحمّل طائفة بأكملها مسؤولية خيارات بعض أفرادها. لا يمكن بناء مستقبل على أساس تحميل جماعي للمسؤولية، ولا مواجهة القمع بإعادة إنتاجه في اتجاه داخلي، لأن ذلك يُحوّل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي ويُهدد إمكانات المصالحة الوطنية.
اللافت أن السلطة لا تُدين هذا التحريض ولا تضبطه، بل تتركه يتفاقم بقصد أو بدونه، أحياناً عبر الإعلام الرسمي وأحياناً بالصمت، وكأنها تُراكم الغضب لتُبرّر به عنفاً قادماً. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تُستدرج السلطة إلى العنف من جمهورها، أم أنها تُوظّف هذا الجمهور لتبرير عنفها؟ في الحالتين النتيجة واحدة: شرعنة القمع وتفكيك المجتمع وتحويل الدولة من ضامن للعدالة إلى أداة انتقام.
ومن جهة أخرى، ليسوا خصوم السلطة أقل مسؤولية منها، فلا “قسد” تُدين خطاب جمهورها حين يُشيطن السلطة، ولا الهجري يراجع نبرة مؤيديه، بل يتفوق عليهم حين يصور السلطة ككيان مطلق الشر. هذا الصمت أمام الجمهور، بل والمزايدة عليه، يُضفي شرعية ضمنية على التحريض، ويحوّله إلى حق غير قابل للنقاش، ما يُغلق باب السياسة، ويُكرّس منطق الحرب بدلاً من التفاوض”.
التحريض، جاء من مؤيد أو معارض، جريمة أخلاقية قبل أن يكون قانونية، وهو تهديد لفكرة الوطن قبل أن يكون تهديداً لفئة بعينها
من هنا، لا تعود مسؤولية الخطاب مقتصرة على السلطة، بل تمتد إلى جمهورها وجمهور خصومها وإلى كل من يُشارك في تشكيل الوعي العام. فالتحريض حين يُمارَس من القاعدة ويُترك بلا مساءلة، يُعيد إنتاج منطق الإلغاء ويُحوّل الدولة من مؤسسة إلى ميليشيا، والمعارضة من مشروع إصلاحي إلى أداة نفي والغاء.
مسؤولية مؤيدي السلطة، في أي نظام سياسي، لا تقتصر على الدفاع عنها، بل تشمل أيضاً ضبط خطابهم وتوجيهه نحو الحوار لا القمع. فالوطن لا يُحمى بالعنف، ولا يُبنى على الإقصاء، بل بالحوار والعدالة والمواطنة المتساوية.
في ظل هذا التواطؤ الجماعي، تبرز مسؤولية النخب الثقافية والإعلامية، التي يُفترض أن تُمارس دوراً نقدياً يُعيد ضبط الخطاب ويفكك منطق التحريض. لكن كثيراً من هذه النخب تكتفي بالمراقبة أو تُعيد إنتاج الانقسام بلغة أكثر تهذيباً. حين تتحوّل النخبة إلى صدى للانفعال لا أداة للتفكير، فإنها تُساهم في تثبيت منطق الإلغاء وتُفرغ السياسة من معناها، وتحرم المجتمع من تحقيق العدالة والمصالحة.
لذلك ليست الدعوة اليوم إلى الحوار والتفاوض ليست ضعفاً، بل هي جوهر السياسة، وهي السبيل الوحيد لحل الخلافات من دون تدمير النسيج الوطني. مؤيدو السلطة، إن أرادوا حقاً حماية الدولة، يجب أن يُشجّعوها على الإصغاء والتفاوض والاعتراف بالآخر، لا على سحقه. يجب أن يُدركوا أن العنف لا يُنتج استقراراً، بل يُراكم الكراهية ويُمهّد لانفجارات قادمة.
والتحريض، سواء جاء من مؤيد أو معارض، هو جريمة أخلاقية قبل أن يكون قانونية، وهو تهديد لفكرة الوطن قبل أن يكون تهديداً لفئة بعينها. من يُمارسه يُقوّض إمكانات التعايش، ويُعيد إنتاج منطق الحرب، ويُغلق باب السياسة ويفتح باب التصفيات. لذلك، مواجهته مسؤولية جماعية، لا تقع على عاتق السلطة وحدها، بل على كل من يكتب ويُعلّق ويُشارك في تشكيل الوعي العام.
في النهاية، لا شرعية لتحريض يُقسّم الوطن، ولا مستقبل لدولة تُبنى على الإقصاء. وسورية التي نحلم بها هي سورية العدالة، لا سورية الولاء. سورية القانون، لا سورية الانتقام. سورية التي لا يُعتدى فيها على شاب لأنه من طائفة معينة، ولا يُعدم فيها آشخاص من دون محاكمة علنية وشفافة، ولا يُحرّض فيها مؤيدو السلطة أو معارضوها على من يخالفهم. سورية التي تُدار فيها الخلافات بالحوار، لا بالعنف. والتي يُمارس فيها النقد من دون خوف، ويُحمى فيها الإنسان، لا يُلغى.
العربي الجديد



