أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

ديمقراطية الدولة الوطنية/ مالك الحافظ

 

2025.09.13

هل يمكن لسوريا أن تتجاوز أثقال الماضي وانقساماته لتعيد بناء ذاتها على قاعدة دولة وطنية ديمقراطية، أم أننا بصدد إعادة إنتاج الانقسامات والعصبيات القديمة بأقنعة جديدة؟ إنّ هذا السؤال اليوم لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال ترفًا فكريًا، بقدر ما يعدّ سؤالًا وجوديًا يلامس حاضر السوريين ومستقبلهم على حد سواء.

فالتجارب القريبة أظهرت أن أي التفاف على معنى الديمقراطية أو العلمانية سيقود بالضرورة إلى دوامة جديدة من الانقسام وتبرير العنف، ويجعلنا أسرى دوائر مفرغة لا تنتهي.

مؤخرًا، أصدر “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” نتائج المؤشر العربي في سوريا، وهو أكبر استطلاع منهجي للرأي العام يُجرى في البلاد منذ عقود، شمل عيّنة واسعة تمثل مختلف الشرائح الاجتماعية والجغرافية. وقد جاءت إحدى نتائجه بالغة الدلالة؛ إذ أظهر أن 57% من السوريين يفضلون فصل الدين عن السياسة، في مقابل 30% يعارضون ذلك، فيما امتنع 13% عن الإجابة. وفي سؤال آخر، عرّف 67% من المستطلَعين أنفسهم بأنهم متدينون، و21% غير متدينين، بينما وصف 3% أنفسهم بأنهم غير مؤمنين.

إنّ هذه الأرقام تحمل مفارقة جوهرية: فالغالبية متدينة من حيث تعريفها الذاتي، لكنها في الوقت ذاته ترى ضرورة الفصل بين الدين والسياسة. هذه النتيجة تطيح بالفرضية التي روّج لها البعض عن أن المجتمع السوري “غير مؤهل” للعلمانية أو الديمقراطية “المستوردة” بسبب طابعه المتدين. على العكس، تكشف النتائج عن إدراك شعبي بأن التدين لا يتعارض مع إقامة نظام سياسي محايد تجاه الأديان، يحمي المساواة بين المواطنين، ويمنع استغلال العقائد كأداة للصراع السياسي أو وسيلة للإقصاء.

إنّ القيمة التحليلية لهذه الأرقام لا تقتصر على قياس توجهات الرأي العام فحسب، وإنما تكمن في تقديم شهادة اجتماعية صريحة على أن مطلب العلمانية في سوريا ليس صوت فئة معزولة، بل هو توجه راسخ لدى شريحة واسعة من المتدينين أنفسهم. وهو ما يعزز ضرورة طرح العلمانية والديمقراطية معًا كإطار تأسيسي لبناء الدولة الوطنية، بعيدًا عن الأدلجة أو التخويف المصطنع من المفهومين. فالفصل بين الدين والسياسة ليس إقصاءً للدين، بل هو الشرط الوحيد لقيام نظام ديمقراطي متماسك، يحمي المجال العام من التوظيف الطائفي ويصون التعددية في آن.

لم تكن أزمة الدولة السورية أزمة مؤسسات وحسب، بقدر ما كانت أزمة غياب نخبة تاريخية حقيقية قادرة على حمل مشروع جامع. فحركة التاريخ في كل الأمم ارتبطت دومًا بوجود نخبة تتجاوز مصالحها الضيقة لتقود المجتمع نحو أفق أرحب، أكانت هذه الحركة تقدمية أم ارتدادية. لكن في الحالة السورية، ما عُرف بالنخبة لم يكن سوى شتات من “النخبويين” الذين تحركوا في جزر منفصلة، كلٌّ يعبّر عن انتماءاته الضيقة أو مصالحه الخاصة، دون أن تتشكل منهم كتلة تاريخية متماسكة قادرة على إنتاج رؤية وطنية جامعة.

غياب هذه النخبة جعل المجال العام عرضة لهيمنة خطاب المكوّنات الطائفية والعشائرية والإثنية، بحيث صار الصوت الأعلى في الاجتماع السوري هو صوت الانقسام لا صوت الوحدة. وبدل أن يكون النقاش منصبًا على كيفية بناء دولة المواطنة، انشغل الفضاء العام بتوزيع الحصص وتقاسم الولاءات، في ما يشبه إعادة تدوير للمجتمع الأهلي التقليدي ضمن قوالب سياسية حديثة في ظاهرها فقط.

عندما نتأمل مسار الأمم التي تمكنت من تجاوز محنها التاريخية، نجد أن العامل الحاسم كان وجود نخبة قادرة على تحويل الوعي الاجتماعي إلى مشروع سياسي متماسك. ففي أوروبا مثلًا، لعبت النخب الفكرية والسياسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر دورًا محوريًا في صياغة التحولات الكبرى، من صلح ويستفاليا إلى الثورة الفرنسية. هذه النخب جسدت كتلة تاريخية حملت أفكارها من الصالونات إلى الشارع، ومن الشارع إلى مؤسسات الدولة.

في المقابل، شهدت المنطقة العربية تجارب متعثرة مع النخب. ففي مصر أو تونس، حاولت نخب فكرية وسياسية تأسيس مشروع وطني حديث، لكنها كثيرًا ما وجدت نفسها محاصرة بين أنظمة استبدادية لا تسمح بتطور طبيعي، وبين مجتمعات مثقلة بالانقسامات التقليدية. غير أن بعض هذه النخب استطاعت أن تحافظ على حد أدنى من الاستمرارية، ما أتاح لهذه البلدان فرصًا للانتقال السياسي أو الإصلاح، ولو ببطء. بينما في سوريا، كان غياب النخبة الجامعة أكثر حدّة، إذ انقسمت الكتلة المتعلمة والمثقفة نفسها إلى جزر متباعدة، كل منها أقرب إلى نادٍ مغلق منه إلى حامل مشروع وطني.

الانتقال نحو الديمقراطية في أي مجتمع لا يتم فقط عبر المؤسسات أو القوانين، وإنما عبر وجود نخب قادرة على حمل مشروع العقد الاجتماعي الجديد. ففي تجارب أميركا اللاتينية مثلًا، كانت النخب الفكرية والسياسية هي من دفعت باتجاه إنهاء الأنظمة العسكرية، ونجحت في تحويل التحولات الاقتصادية والاجتماعية إلى مطالب سياسية واضحة. هذه النخب لم تدّعِ احتكار الحقيقة، لكنها وفّرت اللغة والمفاهيم التي مكّنت المجتمعات من صياغة بديل وطني جامع.

الانقسامات الإثنية والطائفية والعشائرية ليست قدرًا محتومًا، لكنها تتحول إلى لعنة عندما تصبح هي المرجعية الأولى في تنظيم الاجتماع العام. خطاب المكوّنات كما عرفناه في التجربة السورية، هو مشروع مضاد للمجتمع المدني الحديث. فالجماعة المغلقة على هويتها، أيًا كان نوعها، تظل عاجزة عن إنتاج وطن مشترك. لذلك فإن التذرع بالهويات الضيقة يكرّس الفتنة أكثر مما يبني الثقة، ويجعل كل محاولة لإقامة دولة وطنية رهينة تناقضات أهلية قابلة للاشتعال في أي لحظة. إنّ البديل الوحيد هو خطاب وطني يؤسس على المساواة والعمومية، حيث لا تفاضل بين المواطنين إلا بقدر التزامهم بالقانون والمصلحة العامة.

بعد الحرب العالمية الثانية، وفي ظل التجربة النازية المريرة التي مزجت بين الأيديولوجيا الشمولية والدين والقومية، أعادت ألمانيا صياغة نفسها على أسس جديدة. دستور بون لعام 1949، الذي صار لاحقًا دستور ألمانيا الموحّدة، نصّ على أن الدولة الألمانية ليست ملحدة ولا معادية للدين، بل “محايدة”، وفي الوقت نفسه “إيجابية” في دعمها لحرية المعتقد. فالقانون الأساسي الألماني يضمن لكل فرد حرية ممارسة دينه أو عدمه، ويمنع التمييز على أساس الانتماء الديني، لكنه لا يمنع الكنائس من لعب دور اجتماعي وثقافي وحتى سياسي واسع.

الديمقراطية الألمانية، التي صارت تُعرف بـ”الديمقراطية الحصينة”، جاءت كاستجابة مباشرة لتجربة الفاشية النازية. الفكرة الجوهرية هنا أن الديمقراطية يجب أن تدافع عن نفسها من محاولات الانقلاب عليها عبر أدواتها. هذا المفهوم جعل الديمقراطية الألمانية منظومة قيمية وقانونية تحمي المجتمع من الانزلاق نحو الاستبداد.

إذا أردنا الاستفادة من النموذج الألماني في الحالة السورية، فإن أول ما يلفت النظر هو أن العلمانية لا تعني القطيعة مع الدين، بل يمكن للدولة أن تكون محايدة تجاه مختلف الأديان، وفي الوقت نفسه تتيح لها حضورًا فاعلًا في المجال الاجتماعي والثقافي، شرط أن تقوم هذه العلاقة على المساواة والالتزام الصارم بالقانون. كما تكشف التجربة الألمانية أن الديمقراطية لا يمكن أن تحيا بلا حصانة، فهي تحتاج إلى آليات دستورية وقضائية متينة تحميها من محاولات الانقلاب عليها وتمنع عودة الشموليات أو عسكرة المجتمع من جديد.

ويبرز أيضًا دور اللامركزية الموسعة بوصفها وسيلة ناجعة لتوزيع السلطة بين المركز والأقاليم، بما يضمن تمثيلًا أوسع لمختلف المكونات الاجتماعية، ويخفف من حدّة الاحتقانات الإثنية والطائفية. لكن ربما يبقى الدرس الأعمق في التجربة الألمانية هو قيمة النخبة الحقيقية، تلك التي تتحمل مسؤولية صياغة مشروع جامع وتنقل المجتمع من الدمار إلى البناء. فألمانيا لم تنجُ من أزماتها الكبرى إلا بفضل نخبة مثقفة ومسؤولة قادت عملية إعادة التأسيس، بينما يشكل غياب هذه النخبة في سوريا، أو تفتتها إلى نخبويين متناحرين، واحدًا من أخطر التحديات أمام مشروع الدولة الوطنية.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى