سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

بثّ الحرب… لماذا ينشر الجنود مشاهد انتهاكاتهم؟/ يارا حيدر

03 مارس 2026

بالتزامن مع موجة العنف التي رافقت المرحلة الانتقالية في سورية، والتي لم تقتصر على طرف واحد من أطراف النزاع، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر انتهاكات بحق مدنيين ومحتجزين في أماكن مختلفة، ارتكبها عناصر يُعتقد أنهم تابعون للقوات الحكومية السورية. اللافت في هذه المقاطع تحديداً، ليس محتواها العنيف فحسب، بل حقيقة أنّ بعضها لم يُسرَّب من طرف ثالث، وإنما صُوّر ونشر عمداً من مرتكبي الانتهاكات أنفسهم.

يطرح هذا النمط أسئلة ربما تتجاوز الحالة السورية: إذا كان من المنطقي أنّ الدول، بوصفها كيانات سياسية، غالباً ما تسعى إلى حماية سمعتها دولياً، لماذا قد يتصرف الجنود تبعاً لحسابات مختلفة؟ وهل تمثّل ظاهرة التوثيق الذاتي والنشر المتعمد، استثناء، أم جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الحروب المعاصرة؟

التصوير غنيمة… والتسريب خيانة!

تاريخياً، سُجّلت حالات توثيق ذاتي للانتهاكات العسكرية في نزاعات وسياقات مختلفة في العالم، بعضها لم يُنشر عمداً من المنتهكين أنفسهم، وإنما سُرّب إلى العلن عبر مصدر داخلي أو تحقيقات صحافية، كما في قضية بهاء موسى (عناصر من الجيش البريطاني) وفضيحة سجن أبو غريب (عناصر من الجيش الأميركي) في العراق 2003- 2004، وفيديوهات حقول القتل في الحرب الأهلية السريلانكية عام 2010، وصور فريق القتل (عناصر من الجيش الأميركي) في أفغانستان عام 2011، وفيديوهات مجزرة حي التضامن (مسلّحون يتبعون لنظام الأسد) التي التقطت في سورية عام 2013 وسُرّبت عام 2022، وصور قيصر (أجهزة الأمن التابعة لنظام الأسد) في سورية عام 2014.

باستثناء قضية بهاء موسى وصور قيصر، اللذين لم تكن فيهما الكاميرا أداة للتباهي بل جزءاً من إجراء بيروقراطي داخلي، تندرج بقية الحالات المذكورة سابقاً ضمن ما بات يُعرف بـ Trophy videos بمعنى حرفيّ “مقاطع الغنيمة” أو “التذكار” أو “الجائزة”، للدلالة على عنصر الافتخار بالجريمة، على الرغم من أنّ الجمهور لم يكن متوَقّعاً في هذه السياقات التي حاولت فيها الدول منع تسريب المعلومات، ما يستحضر مفارقة اعتقال صحافيَّي رويترز بتهمة تسريب فيديو مذبحة إن دن، ليقبعا في السجن فترة أطول من تلك التي قضاها مرتكبو الجرائم أنفسهم. وفي معرض حديثه عن حياته المهدّدة بعد الإخلال بوعود السرية، قال جوزيف داربي، الرقيب الأميركي الذي سرّب فضيحة أبو غريب: “كنت جالساً في مقصف عراقي مكتظ بمئات الجنود، وظهر وزير الدفاع رامسفيلد على شاشة التلفزيون ليشكرني بالاسم على تسليم الصور”.

تتقاطع هذه الحالات أيضاً في عنصر الإفلات من العقاب، حتى في تلك التي تلتها محاكمات، لم يُقاضَ سوى أصحاب الرتب المتدنية، وبأحكام لا تعكس فداحة الجرم الذي ارتكبوه، بحسب تقارير حقوقية.

من الصعب حصر جميع الحالات المشابهة ذات التواريخ الأقدم، ولا ربط هذه الحالات بتحولات في شكل العنف وأنواعه، نظراً لأن الأبحاث الحديثة لا تدعم إحصائياً فرضية تفاقم العنف، إنما قد يكون من المنطقي ربط “مقاطع التذكار” ببداية انتشار الهواتف المحمولة المزوّدة بكاميرا، وظهور وسائل التواصل الاجتماعي مطلع القرن الـ 21، ما جعل عملية التصوير والتسريب أكثر سهولة وسرعة.

أول إبادة جماعية تُبثّ على الإنترنت

لا يمكن بدقة تحديد نقطة التحول الثقافي-العسكري من التسريب إلى النشر المتعمد، لكنّ هذا التحول بات أكثر وضوحاً في “مقاطع التذكار” التي نُشرت على نطاق ضيق ثم سُرّبت إلى جمهور أوسع، كما في حالة الجيش النيجيري في حربه على بوكو حرام 2014، الجيش العراقي ومليشيات الحشد الشعبي 2014-2018، الجيش الإثيوبي في حرب تيغراي 2020-2022، الجيش البورمي بعد انقلاب 2021.

في حالة بورما، يمكن ملاحظة التحول بوضوح ما بين سياق 2017 وسياق 2021، إذ بات الجنود أكثر استعداداً لتوثيق أبشع أعمال العنف ضد المدنيين، ونشرها على حسابات “تليغرام” مرتبطة بالجيش، بحسب منظمة العفو الدولية. وفي هذا السياق، تعتبر الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022 من الأمثلة الأكثر فرادة، حيث سميت بـ “الحرب الأكثر توثيقاً في التاريخ”، إذ لم يسبق أن توفرت بهذا الكم الهائل وبهذه السرعة والسهولة، صور وفيديوهات صادمة من ساحة المعركة، تصوّر على هواتف مدنيين وصحافيين وضحايا وعمال إغاثة وجنود، وتنشر على تطبيقات مثل “تليغرام”، حيث يمكن الاحتفاء من دون رقابة بمشاهد الانتهاكات.

شكّل “تليغرام” المملوك روسياً والذي أُطلق عام 2013، جبهة رئيسة في الحرب النفسية، إذ لا تخضع قنواته لآليات الرقابة والتنظيم المطبّقة على العديد من وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تخفيها الخوارزميات، ويمكن تحميلها والوصول إليها كاملة. وفي هذه البيئة التشاركية الجديدة للحرب، تُطمس الفوارق بين الجندي والمدني والصحافي، المدني يشارك في المعركة من وراء الشاشة، ويصبح التوثيق جزءاً من السلوك العسكري وطريقة لاستعراض القوة أو الترهيب أو إيصال رسائل سياسية، بحسب بحث منشور في مجلة American Behavioral Scientist بعنوان: “الحرب الرقمية على مرأى الجميع”.

في حرب غزّة 2023 – 2025 التي وصفت بـأنها “أول إبادة جماعية تُبث على الإنترنت”، نقلت “واشنطن بوست” أقوال عدد من الجنود الإسرائيليين الذين نشروا مقاطع انتهاكات، معظمهم حدد الدافع بـ “الرغبة بالانتقام”، لكنّ ما كان لافتاً أكثر إفادات عن تلقّي أوامر من رتب أعلى، ومقولة أحدهم: ” التقطتها لرفع معنويات الناس في الوطن، ولا أندم على ذلك لحظة واحدة”. فهل يعكس النشر المتعمّد لـ “مقاطع التذكار” تواطؤ بيئات كاملة مع العنف؟ أم تغير حسابات الدول؟ هل يعكس عدم وجود إرادة سياسية دولية لمحاسبة مجرمي الحرب؟

الإفراط في التذكّر يقود إلى النسيان

وثقت منظمة “منيمونيك” غير الحكومية، وعلى مدار عشرة أعوام من الثورة السورية، ما يقارب أربعة ملايين تسجيل تقريباً، بمدة إجمالية تعادل 40 عاماً، في حين جمعت نصف مليون تسجيل، بمعدل عقد كامل من اللقطات المصورة، في أول 80 يوماً فقط من الحرب الأوكرانية.

متى وأين وكيف ومن سيوظف هذا الكمّ الهائل من تدفق التوثيق الذي يشهده العالم المعاصر، والذي يتجاوز قدرة العقل البشري على الاستيعاب والمعالجة؟ توثيقات تتراكم بانتظار أن تُمنح الحقائق معنى، وما كان يعزّز التذكر قد يؤدّي إلى النسيان، كما نظّر الباحثون.

سابقاً، كانت “مقاطع التذكار” التي تُسرّب بشكل محدود، توظّف قدر الإمكان من قبل الجهات الحقوقية، أما اليوم، فهنالك مخاوف حقيقية من أنّ هذا الكمّ الهائل من المحتوى الرقمي المتاح بسهولة (والذي قد يختلط فيه الحقيقي بالمزيف)، وما يرافقه من تطبيع للعنف، قد يحول دون تكوين ذاكرة حقيقية للحروب والانتهاكات، بل وقد يؤدي (أدّى؟) إلى تراجع الاهتمام العالمي بالمحاسبة، وما يتبعه من عدم اكتراث القيادات العسكرية بتقديم “صورة منقّحة”.

معضلة القائد

في كتابه “رجال في مقاومة القتل”، يجادل المؤرخ الأميركي سامويل مارشال بأن أقل من 25% من جنود المشاة، أطلقوا النار على العدو في الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من التشكيك في دقة ادعاء مارشال لاحقاً، إلا أنّ عمله أدى إلى تغييرات جوهرية في تدريبات الجيش الأميركي، من منطلق أنّ حساسية المجندين تجاه فعل القتل قد تشكل عائقاً تكتيكياً في الحروب.

في هذا السياق، تشير عالمة الاجتماع أميليا غرين إلى أنّ المؤسسات العسكرية تسعى بشكل بدهي إلى زيادة ميل المقاتلين إلى العنف، وتقدم الأدلة على أن هذا الميل يتجاوز مع الوقت وبشكل دائم، مثيله في عموم السكان. بناء عليه، يصبح العنف هو الوضع الافتراضي، ويغدو السؤال الأهم: “ما الذي ينتج الانضباط أحياناً”، لا “ما الذي يُنتج العنف؟”.

ولأنّ كلاً من الحساسية تجاه العنف، والإفراط به، مشكلة في القوات المسلحة، تتركز مساعي القادة على تحقيق هدفين قد يبدوان متناقضين: خلق العنف، وترشيده. وعلى الرغم من أن النجاح العسكري يعتمد على “القدرة على اختيار أشكال وكميات محددة من العنف، وتوجيهها ضد أعداء محددين، في أوقات وأماكن محددة”، إلا أن ميول المقاتلين بعد التدريب والقتال، قد تتجاوز ميول القادة. هذا ما اصطلحت له غرين مسمى “معضلة القائد”.

هكذا تحيل غرين العنف غير المشروع، وبالتالي تصويره ونشره ذاتياً، إلى تضارب في المصالح بين الموكل والوكيل، وفشل على مستوى القيادات في اتخاذ خطوات انضباط فعالة.

خاتمة

تقديم الفرضيتين المطروحتين لا يعني أنهما تفسير مطلق، بل يمكن الاستناد إليهما في فتح مسارات بحثية بعيداً عن الاختزال والتسييس.

وبينما يثير السرد التاريخي تساؤلات مشروعة حول ادعاء امتلاك أجزاء محددة من العالم للانضباط والتفوق الأخلاقي، لا سيما في ضوء نشر وثائق إبستين، تكشف الفرضيتان مدى أهمية توسيع إطار التحليل من مجرد إلقاء اللوم على الأفراد بوصفهم “عناصر فاسدين”، إلى مساءلة القيادات العسكرية بل والجهات الدولية الأوسع، حول مدى قدرتها/ رغبتها بضبط إنتاج العنف.

أخيراً؛ يتركنا التراكم غير المسبوق للتوثيق الرقمي أمام أسئلة/ استحقاقات كبرى: هل تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في إنتاج هذا النوع من العنف، أم أنها تضخّم ما هو قائم أصلاً؟ هل يمكن أن تتحول الكاميرا من أداة توثيق إلى أداة لتطبيع العنف؟ وهل يمكن لذاكرة مثقلة بالأدلة، أن تنقلب إلى أداة للنسيان بدل التذكر؟

وآمل أن يتحول البحث الاجتماعي في زمن “بثّ الحرب” إلى أداة ردع، لا إلى خلاصات مستحقة أو نبوءات مؤجّلة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى