تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت العلاقة السورية-السعودية

 في مستقبل العلاقات السورية الخليجية/ أحمد مظهر سعدو

2025.11.01

تتواصل دينامية العلاقات المتصاعدة يومًا إثر يوم في تمتين وتشبيك العلاقات البينية السورية الخليجية، وخاصة مع كلٍّ من المملكة العربية السعودية ودولة قطر.

ويبدو أن هناك ملامح خطة استراتيجية مدروسة من قبل الدبلوماسية السورية لاستعادة وصل ما انقطع بين سوريا ودول الخليج العربي، باعتبارها عمقًا استراتيجيًا لا يمكن القفز من فوقه، من خلال البناء على علاقات تاريخية، والاتكاء على عمق عربي كان وما يزال الملاذ الجدي وقت المحن، للأخوة العربية التي تجمع بين الأطراف الإقليمية بعمقها الاستراتيجي وبعدها العروبي.

لقد شهدت الأيام والأشهر السابقة مزيدًا من الآليات الجديدة لتمتين هذه العلاقات التي تقوم على الاحترام المتبادل، ثم تعيد إنتاج العلاقة الصحيحة والصحية، الدافعة باتجاه وحدة الرؤى والمصالح السياسية والاقتصادية. ولا شك أنها ستكون بواعث أمل للسوريين بعد حرب عدوانية فاشية شنّها عليهم من كان يمسك بالسلطة مع أبيه لما يزيد على أربعة وخمسين عامًا من القهر والاستلاب وهدر إنسانية الإنسان، ليكون السوري عبر تلك المرحلة الآفلة إنسانًا مهدورًا ومستلبًا، حتى باتت سوريا جمهورية للخوف والقتل والاعتقال السياسي، وإلقاء الكيماوي (السلاح المحرّم دوليًا) على الشعب المدني السوري الأعزل.

ربّ قائلٍ يقول: هل يمكن أن يكون باب الرياض المفتوح على مصراعيه تجاه دمشق مدخلًا مستدامًا لعلاقاتٍ تعود بالنفع على الطرفين؟ أم أنه مجرد شهر عسلٍ أو سنة عسلٍ لا تلبث أن تنتكس وتتراجع حسب الظروف والمتغيرات؟

سؤالٌ لا شك أنه محق ومشروع، لكن الواقع والمستقبل المنشود يشيران بوضوح إلى أهمية وضرورة أن تبقى العلاقات منجدلة ومتماسكة مصلحيًا قبل أن تكون متجسدة عاطفيًا وهياميًا، وأن المصالح الاستثمارية التي سيجنيها الطرفان ستكون متقاربة وضرورية.

وقد أعلن الرئيس أحمد الشرع من الرياض أنه لا يريد مساعدات قد تشجع على الكسل والتواكل، بل يريد استثماراتٍ كبيرة ومهمة تعود بالنفع على الطرفين، المستثمر العربي وسوق العمل السوري والاقتصاد السوري، الذي يحتاج إلى هذه الاستثمارات بكلّيتها وتوسعها وشمولها لكل المفاصل والقطاعات.

نعم، هو المنطق العملي الواقعي المطلوب، إذ الأهم حاليًا أن يدرك السوريون كيف يعيدون بناء الاقتصاد السوري المنهار، الذي وصل على يد نظام الاستبداد الأسدي قبل ٨ كانون الأول/ديسمبر إلى نموذج الدولة الفاشلة. يريد السوريون خدماتٍ حقيقية وفرصَ عملٍ تعود بريعها على عملية رفع الدخل، كي يكون الإنفاق قريبًا من مستوى الدخل على الأقل في المنظور القريب.

إن الاشتغال السوري الآن، بالتعاون مع دول الخليج العربي، بات ضرورةً حياتية، كما هو كذلك بالنسبة للخليجيين. وهو يؤسس لمستقبلٍ مهم في العلاقات البينية لا انفكاك فيه، بل ستكون متصاعدةً نحو الأمام علاقاتٍ متينةً ومستدامةً لا نكوص فيها ولا تراجع. وما يُبنى على المصداقية والشفافية والمنافع المتبادلة لا يمكن أن يسير إلى الخلف، بل يتطلع إلى الأمام والتقدم دائمًا، وهو ما يطمح إليه السوريون ويعملون عليه بدأبٍ وعقلانية.

وهنا لا بد من القول إن العقلانية السياسية والعمق في التفكير يجب أن يستندا بالضرورة إلى رؤية سياسية واضحة تُبنى أساسًا على قوانين استثمارية وتشريعات عصرية تواكب حالة النهوض، ثم تقوم فعليًا ببناء مؤسسات الدولة الوطنية السورية على أسس جديدة خالية من الفساد والإفساد، وشفافة في مساراتها، قادرة على مواجهة التحديات الكثيرة والمتعددة.

إن ولوج سوريا اليوم في علاقاتٍ بينية سوريا/خليجية واضحة وشفافة وذات عمق استراتيجي سوف يؤسس بحقٍّ لديناميات جديدة في بناء مداميك هذه العلاقة المتطلعة نحو خدمة الشعوب، وضمن حالة من الاستمرارية والرؤية الواضحة التي تقوم على مصالح الشعوب لا مصالح الأنظمة أو أدواتها المنتفعة، كما كان يحصل سابقًا مع نظام النهب الأسدي الممنهج.

حين كانت مصالح الأسرة من آل الأسد ومخلوف ومن تحالف معهم تتقدم على مصالح الدولة، كانت أموال السوريين تُنهب على قارعة الطريق ضمن سياساتٍ مبرمجةٍ لإفساد كل شيء في الاقتصاد ومؤسسات الدولة، وكذلك في أنساق المجتمع السوري المقربة من أجهزة الأمن والدولة الأمنية وما لفّ لفها.

لا ضير في أن تكون المهمة صعبةً جدًا ومعقدةً، مع وجود تحدياتٍ كبيرةٍ وجمةٍ، وليس هناك طرقٌ معبّدةٌ وسهلةٌ للعبور عليها. لكن الإيمان بسوريا الوطن، وبقدرات الشعب السوري، والإخلاص لثورة السوريين في الحرية والكرامة، وتضحياتهم التي فاقت عتبة المليون شهيد خلال الثورة المظفرة، كل ذلك مع الجهد الكبير المطلوب يمكن أن يعيد بناء سوريا، ويقيم دولة المواطنة المتساوي فيها جميع المواطنين بلا استثناء.

فهل تشهد الأيام والأشهر القادمة مزيدًا من البناء والعطاء والجهد المتواصل ضمن هذه الظروف الصعبة التي يمر بها السوريون؟ وهل سينعكس ذلك على واقعهم المعيشي الصعب، بعد ما عانوه من جراء ما فعله نظام القهر والفساد الأسدي خلال أكثر من خمسة عقود؟

أسئلةٌ كثيرة تحتاج إلى إجاباتٍ وافيةٍ ومزيدٍ من العمل الجادّ والمستمر، وإلى ممارسة سياسية عقلانية تنعكس بالضرورة على حياة السوريين جميعًا، لبناء سوريا الحديثة الموحدة المتحاورة المنسجمة، خارج سياقات التدخلات الخارجية، الإسرائيلية وغير الإسرائيلية، التي تُقلق السوريين وتمنع وحدتهم وتعاضدهم.

سوريا اليوم لا تريد مزيدًا من التفتت أو التشظي، بل تريد أن تُعلِي سوريا الجديدة، الوطنية الموحدة، بعقدها الاجتماعي المتفق عليه من الجميع، الذي يؤسس بدوره لعلاقات خارجية أكثر قوةً وتفاعلًا.

تلفزيون سوريا

———————-

من الرياض إلى دمشق… نهار عربي جديد/ عالية منصور

آخر تحديث 01 نوفمبر 2025

منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد ووصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، بدا واضحا أن المملكة العربية السعودية اتخذت قرارها بدعم سوريا الجديدة، ودون إنكار الشق العاطفي بالأمر بعدما تكشف للعالم حجم ما عاناه السوريون خلال عقود من حكم الأسدين، إلا أن المملكة أدركت مبكرا أن المنطقة اليوم، وليس سوريا فحسب، أمام فرصة قد لا تتكرر بعقود من الزمن.

سوريا التي تحولت عبر تاريخها الحديث إلى أكبر معمل لإنتاج المخدرات، والمصدر الأول عالميا للاجئين، والممر الإلزامي للسلاح والميليشيات الإيرانية التي لم تتوقف عن زعزعة الاستقرار والأمن في دول الجوار، صار مشروعها الجديد الاستقرار والتنمية، كلمتان فتحتا الأفق أمام القيادة الجديدة للشروع بعلاقات قائمة على التعاون والشراكة والتنسيق مع دول العالم والمنطقة.

“رؤية المملكة العربية السعودية 2030” التي تسعى إلى إرساء الاستقرار والتنمية في المنطقة وتعزيز التعاون الإقليمي، برزت واضحة بالحوار الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش مبادرة “مستقبل الاستثمار” (FII9)، وكان لافتا حضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للجلسة الحوارية مع الشرع ودعمه الواضح.

من هنا يمكن القول إن العلاقة بين السعودية وسوريا، وبين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الشرع، تبرز كحجر أساس في إعادة تشكيل خارطة العلاقات العربية-العربية، والسعودية-السورية، فالرؤية والأولويات المشتركة لدعم الاستقرار في المنطقة هي خطوة أساسية للتنمية الاقتصادية.

المملكة أكدت مرارا على دعمها لوحدة سوريا واستقرارها وأمنها، وفي المقابل أكد الشرع مرارا أنه يسعى لتصفير المشاكل والأزمات بين سوريا ودول المنطقة والعالم، وأن الأولوية هي لوحدة سوريا واستقرارها وازدهارها، وكان للسعودية وولي عهدها الدور الأكبر في رفع العقوبات عن سوريا.

اقتصاديا، الشراكة بين البلدين آخذة في التبلور أكثر فأكثر، الشرع نُقل عنه في الصحافة قوله إن سوريا لا ترغب في طلب المعونات والمساعدات بل تطلب الشراكة والاستثمارات، هذا الكلام الذي كلما كرره أزعج بعض الدول التي اعتادت أن يكون اقتصادها مبنيا على المعونات والهبات، إلا أنه فتح أمام سوريا أفقا جديدا.

في الأيام المقبلة سيزور الشرع الصين وبريطانيا، بعدما زار موسكو، وهناك تسريبات عن زيارة إلى واشنطن ولقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، هي خطوات في الاتجاه الصحيح لإعادة إعمار سوريا ولكن أيضا لإعادة تموضعها على خارطة المنطقة والعالم، ولكن يبقى التحدي الأكبر هو الداخل السوري، فتحقيق رؤيا الاستقرار والتنمية تحتاج أولا إلى بلد آمن يقوم على حكم المؤسسات والقانون، وحل جميع الميليشيات وسحب السلاح من أيدي المجموعات المختلفة، وفتح باب الاستثمارات يحتاج إلى قوانين وتشريعات تحمي المستثمرين كما تحمي مصلحة سوريا، فالاستقرار السياسي هو ما سيحول كل هذه الفرص إلى واقع ملموس، وكل ذلك يجب أن يحصل بالتوازي مع الانفتاح الذي يبديه العالم على سوريا.

استقرار سوريا حجر أساس باستقرار المنطقة، وإن كان من صورة توضح حجم التغير الحاصل في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد، فكل ما علينا فعله  هو أن نتذكر الحديث قبل أعوام عن مشروع إيران لإقامة “أوتوستراد” يربط بين طهران ودمشق مرورا ببغداد، الأوتوستراد الذي تحول إلى رمز لمشروع إيران التوسعي في المنطقة، وبين الحديث اليوم عن محادثات تجري بين الرياض ودمشق لإنشاء خط سكة حديد يربط الرياض بدمشق عبر الأردن.

هذا الطريق المرتبط بالتغيرات الجيوسياسية هو “رمز” لحجم التغير الحاصل في المنطقة، وهو مصلحة استراتيجية لكل من يرغب بالاستقرار والسلام والتنمية لكي يدعم استقرار سوريا كحجر أساس لاستقرار دول الجوار، فإذا ما نجحت عملية إعادة إعمار سوريا وتحقق الاستقرار في سوريا والمنطقة، فستكون العلاقة السورية-السعودية علاقة شراكة ونموذج تتحقق من خلالها رؤية 2030، وتستفيد منها المنطقة إذا ما قرر البعض وضع بعض المصالح والمشاعر الشخصية جانبا لصالح مشروع تكامل عربي قائم على احترام الاختلافات والتنوعات ويصب في مصلحة الاستقرار والتنمية.

المجلة

———————–

 لقاء أمني سعودي- سوري.. ماذا عن كواليسه؟

الجمعة 2025/10/31

في خطوة لافتة تُقرأ في سياق التحوّلات الإقليمية المتسارعة، عُقد اجتماع أمني رفيع المستوى في العاصمة السعودية الرياض بين الرئيس السوري أحمد الشرع وكبار المسؤولين السعوديين، على هامش مؤتمر استثماري يُفترض أن يكون اقتصادياً بحتاً.

لكن طبيعة اللقاء وتوقيته يُخرجانه من سياقه المعلن، ليصبح حدثاً سياسياً وأمنياً ذا دلالة استراتيجية.

لا يُنظر إلى هذا الاجتماع بوصفه مجرد تقارب بروتوكولي؛ بل بوصفه مؤشراً على تغيّر جوهري في مقاربة الرياض لملفّها السوري.

فبعد سنوات من القطيعة، يبدو أن المملكة العربية السعودية تعيد تقييم أولوياتها، وتنظر إلى دمشق اليوم بوصفها شريكاً محتملاً في مواجهة تهديدات مشتركة، أبرزها التمدد الإيراني عبر الميليشيات المسلحة التي استغلّت فراغ الدولة في سوريا لبسط نفوذها. 

عزل دمشق لا يخدم مصالح الرياض الأمنية

ويرى محلّلون أن الرياض، التي لطالما اعتبرت النفوذ الإيراني في سوريا خطاً أحمر، بدأت تُدرك أن استمرار عزل دمشق لن يخدم مصالحها الأمنية؛ بل قد يُعمّق الفراغ الذي تستغله طهران.

ومن هنا، يأتي التنسيق الأمني بوصفه مدخلاً واقعياً لإعادة سوريا إلى الحاضنة العربية، ليس عبر البوابات الدبلوماسية التقليدية؛ بل عبر التعاون الميداني والمخابراتي الذي يُمكن أن يُسهم في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحجيم القوى غير النظامية.

ويقول الباحث والمحلل السياسي ضياء قدور، في حديث لـِ “المدن”: “على الرغم من أن الزيارة تأتي تحت مظلة الاقتصاد والاستثمار، فإن الجمع بين وزيري الخارجية والداخلية في هذا السياق، يمنح الاجتماع دلالة أمنية وسياسية عميقة تؤكد دخول السعودية لتكون شريكاً استراتيجياً في إعادة بناء سوريا الجديدة”.

ويضيف: “تحمل هذه الاجتماعات في طياتها ما هو أبعد من مجرد وعود بالتعاون الاقتصادي، فهي تشير إلى أن الملف الأمني هو المحور الأكثر إلحاحاً في العلاقة الثنائية، حيث تسعى الرياض إلى تنسيق عالي المستوى لمكافحة التحديات الأمنية المشتركة، وفي مقدمتها شبكات تهريب المخدرات (خاصة الكبتاغون)، مما يخدم الرؤية السعودية لاستقرار المنطقة، ويمنع سوريا من “الانزلاق إلى دوامة العنف” مجدداً”.

أهداف استراتيجية أعمق من مجرد تعاون مالي

هذا التوجه الأمني، وفق قدور، يتعمق ليلامس صميم بناء الدولة السورية، حيث تتقاطع التكهنات بشأن إعادة هيكلة الجيش السوري أو تدريب كوادر عسكرية سورية في السعودية مع رغبة الرياض الجادة في بناء مؤسسة عسكرية وطنية قوية ومركزية، وهذا السيناريو إن تحقق، يمثل مشاركة مباشرة وفاعلة في ترسيخ أسس الدولة السورية، وهو هدف استراتيجي أعمق بكثير من مجرد تعاون مالي؛ إنه ربط الدعم الاقتصادي بضمانات أمنية وسياسية تهدف إلى تحقيق الاستقرار المستدام”.

وفي هذا الإطار، يبرز البعد الاستراتيجي الأكبر للانخراط السعودي، والمتمثل في محاولة قطع الطريق على أيّة عودة لنفوذ طهران لا سيما عبر القنوات والشبكات غير النظامية، فبعد التغيير في دمشق، لا تزال المخاوف قائمة من استغلال هذه الميليشيات والأذرع غير الحكومية الموالية لإيران لأي فراغ أمني أو ضعف في مؤسسات الدولة الوليدة (الجيش والأمن) لتصبح قوة موازية تهدد الأمن الإقليمي.

وبناءً عليه، يمكن النظر إلى دعم الرياض لإعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية السورية على أنه مبادرة أمنية-استراتيجية حاسمة لترسيخ أركان الدولة المركزية، وتجفيف البيئة التي قد تسمح للقوى الإقليمية الأخرى بالتمدد والعبث في مستقبل سوريا، وفق وجهة نظر قدور.

الموقف السعودي من ملف المقاتلين الأجانب

وتؤكد مصادر متابعة لـِ “المدن”، أن التعاون الأمني بين السعودية وسوريا لن يقتصر على تبادل المعلومات؛ بل سيشمل تدريب كوادر وزارة الداخلية السورية، مع تركيز خاص على ملف المقاتلين الأجانب.

وتشير إلى أن الحل الأمثل لهذا الملف (ملف المقاتلين الأجانب) يكمن في إعادة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية، وهو موقف تدعمه السعودية وغالبية الدول العربية، انطلاقاً من مبدأ رفض وجود أيّة كيانات خارج سلطة الدولة.

ويقول خالد الحماد، المشرف العام على مركز وسط للبحوث والدراسات الفكرية، من السعودية: “يأتي هذا الاجتماع في إطار العلاقة الأمنية السورية السعودية، والتعاون الأمني، وكذلك تدريب الكوادر الأمنية السورية، وربما لا يشكّل تمدد النفوذ الإيراني في سوريا خطرًا قائمًا حاليًّا، نظرًا لما تعرضت له إيران وأذرعها في المنطقة، لكن هناك هاجسًا أمنيًّا يقلق الجميع، وهو الحالة الفصائلية في سوريا، ومن ضمنها وجود المقاتلين الأجانب، وكذلك تنظيم داعش، الذي نفّذ عدة عمليات في سوريا بلغت حتى شهر أغسطس 116 عملية”.

ويضيف: “سيكون هناك تدريبات موجّهة لوزارة الداخلية، وليس للجيش السوري”، مشيراً إلىً أن “ملف المقاتلين الأجانب يثير قلق جميع الأطراف، وأعتقد أن الحل يتمثل في إعادة هؤلاء المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية، وهو الحل الذي تؤيّده السعودية وأي دولة عربية، وفق قناعتي؛ فينبغي ألا يوجد أي كيان يهدد الاستقرار أو يمارس أي أعمال خارج نطاق الدولة في سوريا”.

الرؤية السعودية: بناء دولة سورية حديثة

من جهته، يرى المحلل عبد الرزاق الحسين، أن المخاوف السعودية من النفوذ الإيراني في سوريا ليست تكتيكية؛ بل وجودية، إذ لا يقتصر الخطر على الاستقرار السوري فحسب؛ بل يمتد ليهدد القيم الاجتماعية والأمن القومي السعودي، خصوصاً في مناطق حيوية مثل المنطقة الشرقية، ولهذا، تركز الرؤية السعودية على بناء دولة سورية حديثة، منظمة رقمياً، وقادرة على مكافحة التهريب والمخدرات، وتأمين حدودها ضد المقاتلين الأجانب وخلايا داعش التي لا تزال نشطة.

ويقول الحسين في حديث لـِ “المدن”: “السعودية تنظر إلى سوريا على أنها بلد امتداد أمني واقتصادي وتجاري، ضمن منظومة جديدة في المنطقة قد يمكن إطلاق مسمى عليها مثل (اتحاد عربي خليجي تركي)، وفي حال نموّه قد يُشبه بداية (النمر الآسيوي) أو الاتحاد الأوروبي”.

ويستطرد: “فكون السعودية دولة تمتلك عمقاً عربياً وإسلامياً رائداً، فإن تراكم الخبرات والتجارب السعودية، والمال المتحرك والمرن، جعل منها مركزًا اقتصاديًّا مهمًّا، فهناك صناديق سيادية بأرقام فلكية، وشركات عملاقة قائدة مثل أرامكو وسابك، وغيرها، إضافةً إلى رأسمال خاص عملاق، هذا من جهة الدولة، ومن جهة أخرى فإن الشعب والتوجه العام ينبعان من محبة لسوريا ونظرة إليها باعتبارها تاريخًا وأمًّا”.

إيران والمخدرات هاجس لدى المملكة

ويتابع قائلاً: “استراتيجيًّا، يُعدّ النفوذ الإيراني وتجارة الممنوعات هاجسًا لدى المملكة، ولا يمكن تجاوزه بمجرد انتهاء النظام البائد، فقد خلقت إيران عناصرَ وشبكاتٍ وبؤرًا للاستمرار في أدائها المخفي، عبر إعادة خلق ساحة مقامرة دولية في أرضٍ أخرى لمصالحها، وسورية اليوم أرضٌ خصبة لذلك، بالرغم من نشاط الحكومة السورية في إنهاء هذه البؤر”.

وتركّز رؤية السعودية في سوريا، وفق الحسين، على نقاط مهمة، مثل: الأمن السيبراني، تنظيم الدولة السورية وفق منظومة حداثية إلكترونية، دعم وتنسيق في مجال مكافحة المخدرات والتهريب، تعاون أمني مباشر، وقد حققت نجاحًا في ذلك، خاصة في ملف انخفاض معدل تهريب المخدرات.

وترى السعودية أن النفوذ الإيراني في سوريا يهدد المجتمع السعودي أخلاقيًّا وقيميًّا، وقد يمتد إلى مناطق مهمة في السعودية ذات ثقل اقتصادي وتجاري، خصوصًا في المنطقة الشرقية مثل الدمام والخبر وغيرها على ساحل الخليج العربي، وما قد ينتج عن ذلك من عمليات إرهابية ومحاولات انفصال قد تحظى في لحظة ما بدعم إقليمي أو دولي قريب منها، وبالتالي فإن الخطر، بما تراه السعودية، هو خطر وجودي عليها، لذلك، حظيت سوريا في دور هذا الاجتماع بأولوية الانخراط، وفق تعبير الحسين.

ووسط كل ذلك، وباختصار، ليس الهدف من هذا اللقاء الاقتصادي؛ بل الأمني والسياسي: فالسعودية تسعى إلى تثبيت وجودها في المعادلة السورية من جديد، في حين تبحث دمشق عن غطاء عربي يُخفّف من اعتمادها على حلفائها الإقليميين. والمشترك بين الطرفين، اليوم، هو القلق من إيران.

المدن

—————————

من الرياض إلى دمشق… نهار عربي جديد/ عالية منصور

آخر تحديث 01 نوفمبر 2025

منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد ووصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، بدا واضحا أن المملكة العربية السعودية اتخذت قرارها بدعم سوريا الجديدة، ودون إنكار الشق العاطفي بالأمر بعدما تكشف للعالم حجم ما عاناه السوريون خلال عقود من حكم الأسدين، إلا أن المملكة أدركت مبكرا أن المنطقة اليوم، وليس سوريا فحسب، أمام فرصة قد لا تتكرر بعقود من الزمن.

سوريا التي تحولت عبر تاريخها الحديث إلى أكبر معمل لإنتاج المخدرات، والمصدر الأول عالميا للاجئين، والممر الإلزامي للسلاح والميليشيات الإيرانية التي لم تتوقف عن زعزعة الاستقرار والأمن في دول الجوار، صار مشروعها الجديد الاستقرار والتنمية، كلمتان فتحتا الأفق أمام القيادة الجديدة للشروع بعلاقات قائمة على التعاون والشراكة والتنسيق مع دول العالم والمنطقة.

“رؤية المملكة العربية السعودية 2030” التي تسعى إلى إرساء الاستقرار والتنمية في المنطقة وتعزيز التعاون الإقليمي، برزت واضحة بالحوار الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش مبادرة “مستقبل الاستثمار” (FII9)، وكان لافتا حضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للجلسة الحوارية مع الشرع ودعمه الواضح.

من هنا يمكن القول إن العلاقة بين السعودية وسوريا، وبين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الشرع، تبرز كحجر أساس في إعادة تشكيل خارطة العلاقات العربية-العربية، والسعودية-السورية، فالرؤية والأولويات المشتركة لدعم الاستقرار في المنطقة هي خطوة أساسية للتنمية الاقتصادية.

المملكة أكدت مرارا على دعمها لوحدة سوريا واستقرارها وأمنها، وفي المقابل أكد الشرع مرارا أنه يسعى لتصفير المشاكل والأزمات بين سوريا ودول المنطقة والعالم، وأن الأولوية هي لوحدة سوريا واستقرارها وازدهارها، وكان للسعودية وولي عهدها الدور الأكبر في رفع العقوبات عن سوريا.

اقتصاديا، الشراكة بين البلدين آخذة في التبلور أكثر فأكثر، الشرع نُقل عنه في الصحافة قوله إن سوريا لا ترغب في طلب المعونات والمساعدات بل تطلب الشراكة والاستثمارات، هذا الكلام الذي كلما كرره أزعج بعض الدول التي اعتادت أن يكون اقتصادها مبنيا على المعونات والهبات، إلا أنه فتح أمام سوريا أفقا جديدا.

في الأيام المقبلة سيزور الشرع الصين وبريطانيا، بعدما زار موسكو، وهناك تسريبات عن زيارة إلى واشنطن ولقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، هي خطوات في الاتجاه الصحيح لإعادة إعمار سوريا ولكن أيضا لإعادة تموضعها على خارطة المنطقة والعالم، ولكن يبقى التحدي الأكبر هو الداخل السوري، فتحقيق رؤيا الاستقرار والتنمية تحتاج أولا إلى بلد آمن يقوم على حكم المؤسسات والقانون، وحل جميع الميليشيات وسحب السلاح من أيدي المجموعات المختلفة، وفتح باب الاستثمارات يحتاج إلى قوانين وتشريعات تحمي المستثمرين كما تحمي مصلحة سوريا، فالاستقرار السياسي هو ما سيحول كل هذه الفرص إلى واقع ملموس، وكل ذلك يجب أن يحصل بالتوازي مع الانفتاح الذي يبديه العالم على سوريا.

استقرار سوريا حجر أساس باستقرار المنطقة، وإن كان من صورة توضح حجم التغير الحاصل في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد، فكل ما علينا فعله  هو أن نتذكر الحديث قبل أعوام عن مشروع إيران لإقامة “أوتوستراد” يربط بين طهران ودمشق مرورا ببغداد، الأوتوستراد الذي تحول إلى رمز لمشروع إيران التوسعي في المنطقة، وبين الحديث اليوم عن محادثات تجري بين الرياض ودمشق لإنشاء خط سكة حديد يربط الرياض بدمشق عبر الأردن.

هذا الطريق المرتبط بالتغيرات الجيوسياسية هو “رمز” لحجم التغير الحاصل في المنطقة، وهو مصلحة استراتيجية لكل من يرغب بالاستقرار والسلام والتنمية لكي يدعم استقرار سوريا كحجر أساس لاستقرار دول الجوار، فإذا ما نجحت عملية إعادة إعمار سوريا وتحقق الاستقرار في سوريا والمنطقة، فستكون العلاقة السورية-السعودية علاقة شراكة ونموذج تتحقق من خلالها رؤية 2030، وتستفيد منها المنطقة إذا ما قرر البعض وضع بعض المصالح والمشاعر الشخصية جانبا لصالح مشروع تكامل عربي قائم على احترام الاختلافات والتنوعات ويصب في مصلحة الاستقرار والتنمية.

المجلة

———————–

=================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى