تاريخسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

من الحماية إلى الفخّ دروس ميشيل سماحة للسوريين/ مالك داغستاني

2025.08.21

صيف عام 2012، تفاجأ لبنان ومجمل المحيط الإقليمي، بخبر اعتقال الوزير السابق ميشيل سماحة. الرجل الذي قضى سنوات يروّج لفكرة أن نظام الأسد هو “حامي الأقليات”. ضبطت القوى الأمنية اللبنانية في سيارته الخاصة شحنة متفجرات، قادمة من أحد مقار المخابرات السورية، بعد أن تسلّمها سماحة من اللواء علي مملوك، أرفع الشخصيات الأمنية السورية حينذاك.

كانت العبوات معدّة لتفجير كنائس وقتل شخصيات دينية مسيحية من بينها البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي. وكان الهدف تنفيذ جريمة تبدو كأنها صنيعة “التطرف” ضد الأقليات، لتغذية رواية أن نظام الأسد يقف في وجه الوحش الطائفي القادم مع ثورة السوريين. قبل القبض على سماحة بفترة تمَّ توزيع منشورات تهديد في عدد من الكنائس تمهيداً لما هو قادم. اعتقل سماحة ولم ينفذ “التكفيريون المتوهمون” تهديداتهم يومها، لأن صانع السيناريو أصبح خلف القضبان.

لولا التسجيلات واللقطات المصوّرة التي وثّقت العبوات الناسفة، واعترافه تالياً، لظنّ كثيرون أن التهمة محض افتراء. إذ كيف يعقل أن يروّج أحدهم لحماية الأقليات عبر قتلهم، وأن يستخدم الدم ليبرّر سردية “المنقذ”؟ المفارقة السوداء، أنّ سماحة كان يطبّق نظرياته على الأرض، بالعامّية الدارجة “الرجل قول وفعل”. يفعلها، ثم يهيئ نفسه ليقف بعد التفجير أمام الكاميرات، مكرراً بصوته المجلجل دروسه عن المؤامرة، ومرشداً الناس إلى “الدليل الحي” على صحة تحذيراته. ولولا أن الخطة كُشفت، لربما بدا المشهد في كتب التاريخ مستقبلاً كمثال عما يمكن وصفها بأنها الجريمة التي صنعت روايتها بنفسها.

هناك قول شهير، يُنسب خطأً للإمام مالك، لكنه يصف تماماً هذا النمط من البشر “إذا رأيت الرجل يدافع عن الحق، فيشتم ويسب ويغضب، فاعلم أنه معلول النية، لأن الحق لا يحتاج إلى هذا”. هذا المعنى والمضمون لا يقتصر على سماحة وحده، بل يتكرر في كل مكان من العالم. واليوم يتصاعد للأسف لدى البعض في سوريا بأشكال جديدة. بعض السياسيين والمحللين يرفعون الصوت حتى الاختناق، يتهمون ويخوّنون، يوزّعون صكوك الوطنية، ويضربون بسيف الأخلاق والإنسانية، فيما أيديهم غارقة في وحل المصالح وربما أشياء أخرى. يتعاملون مع الحق وكأنه سلعة تحتاج إلى صراخ الباعة في سوق شعبي مزدحم، لا إلى وضوح الحجة والبرهان.

في المقابل، هناك صوت آخر، لا يتدحرج إلى منحدر الشتائم والتخوين، ولا يشتغل على الانفعالات والأحقاد، ولا يوظِّف نفسه متحدثاً غريزياً نيابة عن النزعات القومية والطائفية والعشائرية لدى الجمهور، إنما يضع يده على الجرح بصفاء وهدوء، ويشير إلى المشكلة كما هي، ليقترح حلولاً قد تكون بحسب رأيه الأنجع. هذا النمط من الخطاب الذي يبدو أبطأ في الوصول إلى السوريين اليوم، هو بالتأكيد الأرسخ في البقاء مستقبلاً، رغم أن أصحابه ما زالوا قلَّة للأسف. هنا يجب الإشارة إلى أن كلا الصوتين يتوزعان على كل الأطراف السياسية والدينية والعرقية.

يُنسب إلى ونستون تشرشل تعليق شهير، أورده خلال مؤتمرٍ في طهران عام 1943، أثناء الحرب العالمية الثانية، ربما يكون أصله مثلاً روسياً، فقد اعتقد كثيرون أنه كان يغمز به من قناة حليفه ستالين “الحقيقة غالية، لذا تحيط بها سحابة من الأكاذيب”. وبطبيعة الحال، بحسب تشرشل، فإن الأكاذيب تطرق الأبواب بعنف وصخب، وتدخل العقول مستعينة باندفاعات اللحظة الساخنة، لكنها سرعان ما ستسقط حين تهدأ الأصوات. الأمل أن هذا أيضاً ما سوف يحدث في سوريا يوماً ما، أتمنى شخصياً أنه سيكون قريباً، كي نتفادى المزيد من الخسائر.

التاريخ السياسي مليء بأمثلة تؤكد أن الخطاب العقلاني، لا الصاخب، هو الذي يبني الدول. في جنوب إفريقيا، لم ينتصر مانديلا بالصراخ على مناصري الفصل العنصري، بل بالثبات على خطاب متزن عن العدالة والمواطنة، دون أية دعوات للإقصاء أو الثأر أو الانفصال. وفي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم يُحاكَم مجرمو النازية بالصراخ أمام محاكم إعلامية، بل أمام محاكم نورمبرغ التي استندت إلى القانون، فأعطت للأمة الألمانية والعالم دروساً في العدالة بعيداً عن الانتقام والتشفّي.

نعلم جميعاً أن سوريا اليوم تمرّ بمرحلة انتقالية حساسة، لكن للأسف هناك قليلون ممن يعلمون أنها تحتاج إلى هذا النمط من الخطاب الهادئ والبارد، إن جاز التعبير. فالضجيج في المراحل الهشّة لا يحفِّز الحماس الفارغ وحسب، بل يثير إضافةً إلى الخوف عدم اليقين أيضاً، مما يغذّي الانقسام. أما العقلانية، فهي التي تبني الثقة بين مكوّنات المجتمع، وتمنح الناس فرصةً للتصديق أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. إن أخطر ما في خطاب الصراخ أنه لا يكتفي بتشويه الحقيقة، بل يخلق واقعاً على مقاسه، كما حاول ميشيل سماحة أن يفعل. يبدأ بتضخيم الخطر، الموجود أساساً، ثم يفتعل دليلاً عليه، حتى لو لم يكن حقيقياً، ومن ثم يطالب الآخرين بالتصفيق لأنه “كان محقاً”. وحين يرفض البعض تحريك أكفّهم، سيتحول هؤلاء إلى جزء من الخطر المزعوم.

لعلّ من أهم الدروس المُستفادة من سيناريو ميشيل سماحة، أن الخوف إن لم يُعالجَ بعقلانية فغالباً سوف يتحول إلى فخّ. وما نراه اليوم من طروحات البعض في السويداء حول الانفصال، رغم أنه يبدو تعبيراً عن قلق مشروع، بعد ما جرى من مجازر يمكن وصفها بأنها كارثة وطنية، لكنه إذا تُرك ليتحوّل إلى خيار سياسي فهو بالتأكيد سيعزل الجماعة عن محيطها بدل أن يحميها. هنا تبدو مسؤولية النخب والناشطين أساسية، لا أقول في تسويق خطاب الطمأنة السهل، بل في ابتكار مساحات جديدة للحوار والشراكة على أسس العدالة والمحاسبة ومن ثمّ المساواة والوطنية والمواطنة، كي يشعر أبناء المنطقة، وكل منطقة في سوريا، أن حمايتهم لن تتحقق بالعزلة، بل بالمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل سوري آمن وعادل للجميع.

قد يبدو صوت السياسة والعقل، وسط هذا الصخب، ضعيفاً أو مهمشاً. لكن ما آمله أن يكون أشبه بالماء الذي يعمل بصمت فيحفر طريقه ويغيّر المشهد دون إثارة ولا استعراض. مع ذلك، يبقى من المؤلم أن الكثيرين لا يلتفتون إليه إلا بعد أن تفيض بهم الخسائر وتتكسر أوهام الشعارات الزائفة. في المشهد السوري اليوم، نجد نمطاً من “الخطاب السماحي” بنسخ محدثة. هناك من يظهر على الشاشات أو منصات التواصل، يلوّح بالخطر الداهم إن لم يُسمع صوته من الآخرين، ويحمّل خصومه كل الشرور التي تنزّه شخصه عنها، ويكرر أن البديل عن رؤيته هي الفوضى والانهيار والمذابح.

البعض يبالغ في رسم صورة العدو حتى لو اضطر لاختلاق ملامح مشهد غير حقيقي، تماماً كما حاول سماحة اختلاق “الأدلة” على نظريته. في المقابل، هناك محللون وفاعلون سياسيون يفضّلون الجلوس بهدوء إلى الطاولة، يراجعون الحقائق، ويفتحون النقاش مع المختلف قبل المتفق، ويبحثون عن مخارج تحفظ النسيج السوري بدل تمزيقه، لعلمهم أن الحلول والحماية للجميع هي سورية وليست خارجية، كما تعلَّم اللبنانيون (بعضهم على الأقل) من درس سماحة. لكن المفارقة أن الصوت الأول يجد من يصفق له فوراً، بينما يحتاج الثاني إلى زمن وصبر حتى يجد الآذان النظيفة التي تميّز بينه وبين الهراء الانفعالي.

في النهاية، يمكن أن نستلهم من القول المنسوب للإمام مالك درساً بسيطاً: الحق لا يحتاج إلى من يشتم باسمه، ولا إلى من يُفجّر ليبرّر حضوره في المشهد، ولا إلى من يرفع الصوت ليغطي على ضعفه. الحق يحتاج إلى من يحمله بثقة، ويعرضه بهدوء، عارفاً أن خطابه يحمل قوته بذاته، لا في ارتفاع نبرته. ومن نافل القول إن صادق النية حين يدافع عن الحق، لن يتورط في صناعة الباطل أو ترويجه لإثبات هذا الحق، ولن يضخّم الخوف، الموجود أصلاً، لخلق مبرر لحماية “الجماعة” عبر عزلها عن الآخرين، بدل البحث عن طرق ترسيخ العدالة والشراكة داخل الوطن السوري.

درس سماحة رغم قسوته إلا أنه مهم جداً، خصوصاً لبعض النخب السورية التي بلغت بها الخِفّة اليوم كل مبلغ. وهو إضافة إلى أنه امتحان للذكاء، فإنه تجربة حيّة عن كيفية صناعة الفتن، تلفتُ إلى ضرورة عدم التسرع بالحكم على ظواهر الحدث، وعدم الانسياق دون تبصّر مع القطيع الذي استهدفه المخططون، لتفتيت النسيج الوطني وتأجيج الصراع الفتنوي. فيتحول كثيرون، من كل المنابت والأطراف، إلى “ذئاب إلكترونية” أو تلفزيونية مؤثرة، تؤدي دوراً وظيفياً دون أن تدري (ربما تدري أحياناً) لصالح مجرمٍ ما، يشبه سماحة وشريكه السوري علي مملوك.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى