في إمكانية رؤية ميكروية للفاعلية السياسية/ حازم السيد

تفكير عياني بآفاق أخرى للفاعلية في لحظات استحالة أشكالها التقليدية
27-06-2025
تسمح هزالة السلطة اليوم للكثير من المدن السورية بعيش لحظات غير مسبوقة من الفراغ يسودها الكثير من مناخات الحرية في التعبير والاجتماع، وهو ما يحاول البعض الاستفادة منه للدفع نحو مرحلةٍ انتقالية تستحق اسمها، يتناقش فيها السوريون في شؤونهم بعمقٍ وشفافية، أملاً بأن يساعد ذلك على انبثاق جمعية تأسيسية ناضجة تكفل تمثيل السوريين في تعدّديتهم وتنتهي إلى تتويج هذه المرحلة الانتقالية بدستور، أو عقد اجتماعي، يعكس قيم السوريين والمبادئ الناظمة لمستقبلهم ويُعلن البداية الرسمية لعهدهم الجديد.
لا يوجد الكثير مما يشير إلى اكتساب هذه المحاولات الزخم اللازم كي تفرض إيقاعها على الفضاء العام، بل يبدو وكأن السوريين باتوا مستعدين للإمضاء على أي عقد يضمن طيّ صفحة الحرب وبعض «الحياة العادية»، حياة ما قبل 2011. للحرب التي حطمت المجتمع السوري دورٌ كبيرٌ في ذلك بكل تأكيد، وللسلطة الحالية والإيقاع الذي فرضته على المرحلة دورٌ كبير أيضاً، ولكن لفكرنا ومخيالنا السياسي نصيبه من المسؤولية أيضاً، وهو ما يجعل محاولة البحث عن أشكالٍ أخرى للفاعلية السياسية مطلباً شديد الحيوية، وبخاصة بعد أن بدأ 8 ديسمبر يفقد بعض سحره.
الفضاء العام، ميدان المعركة أم عنوانها؟
جاءت تطورات الأشهر القليلة الماضية لتُوقظنا وبقسوة على خراب السنوات الماضية، وتُذكّرنا بأن «مقولات المواطن والرأي العام والفضاء العام ليست مفرداتٍ ناجزة وبداهاتٍ وطنية، وإنما عناوين لمعارك طويلة يجب أن نخوضها»، فالفضاء العام الذي يرثه السوريون يعاني من كثيرٍ من الهزال، نظراً لرثاثة النخب والمؤسسات المنتجة لها في سوريا الأسد، وحالة المَوات الطويلة التي عرفتها السنوات الماضية، وانسحاب أطياف وازنة من النخب من الفضاء العام بعد أن أعادت الثورة السورية إحياءه، وتَحوُّل بعضها الآخر إلى بيروقراطية، ثورية أو منظماتية، غير قادرة على خلق أي حيوية.
مؤخراً، اصطدم هذا الفضاء وأصواته الجديدة، الطامحة للتلاقي في نقاشاتٍ جادّة ومنتدياتٍ وأحزاب تشكّل المقدمة اللازمة لإنتاج العقد الاجتماعي الجديد، بنهج السلطة الراغبة بالاستبداد بكل تفاصيل «المرحلة الانتقالية»، كما ظهرت محدودية الاستراتيجية الطامحة إلى بلورة «شراكةٍ نقدية» مع السلطة عبر العمل على تحويل بعض أصوات الفضاء العام إلى «رأي عام» وازن في المعادلات السياسية، فتعقيدُ المشهد وتركةُ النظام السابق وسنواتُ الحرب الطويلة لم تسمح لأصحاب هذه النوايا الطيبة بالاتفاق على رأي، بل وأظهرت هشاشة هذا الفضاء وافتقاده للآليات اللازمة لمقاومة تحوله إلى مضخة هائلة للكراهية والطائفية و«الذباب الإلكتروني» و«النفير العام». بدى واضحاً أيضاً أن الاعتماد على هذا الفضاء كوسيط لمخاطبة السلطة ونقدها يتوقف على رغبتها بالإصغاء إلى هذا «الرأي العام»، وهي إن أظهرت الكثير من الحساسية وسرعة البديهة قبالة بعض الاستحقاقات، أظهرت قبالة استحقاقات أخرى، كمجازر الساحل، قلة حسّها الوطني وعجزها عن الطلاق مع الميليشيات وعوالمها، وعبثية مقاربة هذه السلطات بوصفها سلطات انتقالية. بالمحصلة، وبعد انتعاشة الأشهر الماضية، يتحوّل هذا الفضاء تدريجياً إلى مجرّد منصّة أو سوق لعرض المحتوى وتسويقه بهدف تلبية حاجات الاستهلاك الإخباري الذي استحالت إليه السياسة في هكذا لحظات تأسيسية.
رغم ذلك، يبقى هذا الفضاء العام الوليد، وبكل مشاكله، أحد مكاسب المرحلة الكبرى، التي لا بد من استثمارها عبر انتهاز الفرصة التي تخلقها هزالة هذه السلطة وجنينيتها وعجزها عن ضبطه، بل وتحويله إلى عنوان لمعركة كبرى، يحاول فيها السوريون إعادة اختراعه ورفع سقفه والمساهمة في مُساءلة وإرساء الكثير من تقاليده وأعرافه.
انتعاش الأشهر الأولى والانكفاء الذي تلاها يقول بأن عموم السوريين يبحثون عن مكانهم في هذا الفضاء دون أن يتمكنوا من إيجاده، وهو ما يبدو أقرب لدعوةٍ إلى التفكير في الأشكال والصيغ القادرة على استعادة بعض حيوية الأشهر الأولى. يمكن للفاعلية في مجالات الصحافة وإنتاج المحتوى أن تكون المدخل الأفضل لإحياء هذا الفضاء، ولكنها لا يجب أن تكتفي بالأشكال التقليدية لإنتاج المحتوى وتحسين جودة الاستهلاك الإخباري، ولا بد لها من العمل على تأسيس مبادرات ميكروية، محلية أو تخصصية، نظراً لما يمكن أن يمنحه ذلك من مرونة وخفّة في الحركة وقدرة على المناورة والابتكار والتجريب، وأملاً بأن يساعدها على المساهمة في بث الإيقاع في الفضاء العام وهيكلته وتعزيز لامركزيته، وما يعنيه ذلك من قدرة على مقاومة النزوع السلطوي لاحتكاره وقتل حيويته.
يمكن لهذا الفضاء أن يساعد أبناء الوطنية السورية على صناعة «رأيٍ عام» لمناورة السلطة والضغط عليها ومحاولة التأثير على سلوكها، كما يحدث اليوم، ولكنه يجب أن يساعدهم قبل ذلك على التعارف واللقاء والتواصل والنقاش وتنمية الروابط التي تجمعهم، وهي البديهيات التي لا مفر منها في سبيل إنضاج رؤاهم والتحول إلى قوى سياسية وازنة، لا تهدف إلى التأثير في مرحلة انتقالية لن توجد غالباً أو في الجلوس على طاولة تَعاقُد فات أوانها، وإنما إلى استغلال كل لحظة ممكنة من هذه السنوات الثمينة للتجذّر في الواقع وبناء لغة سياسية جديدة تتجاوز البيانات والمواقف الضميرية وروح الإنشاء التي اعتادها المجتمع السياسي السوري في مراحل سابقة، بما يُعبّر عن قوى تحوّل ديمقراطي تؤمن بقدرتها على تغيير توازن القوى ومعادلاتها وتعمل على هذا المشروع بهدوء وثقة.
بالمقابل، لا بد لهذه المبادرات من التمسك بميكرويتها ومقاومة طموحات التحول إلى مؤسسات وطنية وماكروية، أو إغراءات تمثيل عموم السوريين والتحول إلى شريك أو ممثل شبه رسمي للدولة في واحدة من القطاعات، فالمرونة وخفة الحركة والحالة الغازية التي توفرها الأشكال والبنى الميكروية هي ما يمكن أن يضمن ديمومتها وفعاليتها في هكذا لحظاتٍ ضبابية. محاولة تأسيس صحيفة وطنية سورية، نيويورك تايمز سوريّة مثلاً، بتغطية شاملة ونوعية لمختلف جوانب الحياة السورية تبدو اليوم مسألةً شديدة الإثارة، ولكنها في الوقت نفسه مغامرة شديدة التكلفة والصعوبة وقليلة المردود بما يجعلها شديدة السذاجة أيضاً، فهكذا صحيفة لا يمكن أن تولد إلا في بيئةٍ قادرةٍ على إنتاج مئات الصحفيين المميّزين، أي بيئة متوفرة على جامعة قوية وحيوية، ولا بدّ لها من ميزانية كبيرة يوفرها أثرياءٌ مستنيرون، ولا بد لها قبل ذلك من قانون إعلام معقول ومما يؤكد بأن السلطة ستحترم القوانين التي تصدر عنها. من جهةٍ ثانية، لا يمكن لهكذا صحيفة أن تنتج ما يختلف كثيراً عما ينتجه الإعلام الإقليمي شبه الرسمي، بل وستبدو نظراً لتطلّبها المهني ورصانتها أقل جاذبيةً من هكذا إعلام. بالمقابل يمكن لمبادرات ومؤسسات صحفية صغيرة، بل وقنوات يوتيوب وبودكاستات وصفحات شخصية على الشبكات الاجتماعية، تكريس طاقتها لبعض الجوانب الحساسة ولعب دور نقدي واستقصائي يزداد الطلب عليه ولا يقوم الإعلام الرسمي وشبه الرسمي بتلبيته.
الشتات السوري، قوة اجتماعية؟
إن لم تتمكن هذه المبادرات والمؤسسات من الحصول على التراخيص والموارد التي قد تحتاجها في الداخل في السنوات المقبلة، فإن الشتات السوري في أوروبا يمكن أم يوفّر لها ذلك. يتجاوز هذا الشتات في أوروبا المليون ونصف المليون، وهو مؤلف بدرجة كبيرة من شباب من مختلف شرائح الطبقات الوسطى السورية، ممن اكتسبوا خبرات مهنية ودراسية مميزة، وممن جسدت تطلعاتُ الكثير منهم لحياة كريمة في وطن عصري روحَ الثورة السورية وشعاراتها، وممن قادهم العنف المَهول إلى الانسحاب التدريجي من المشهد، والبحث عن خَلاصٍ فردي، أوصلهم إلى المهجر الأوروبي ليتابعوا بصمت وإحساس بالذنب باقي حلقات تَحطُّم بلدهم، ويُعاينوا في واقعهم اليومي عجزهم عن الانتماء إلى بلدان إقامتهم، وغرقهم التدريجي في عوالم تتنازعها النوستالجيا والاكتئاب وجلد الذات والعدمية.
انهيار النظام اليوم يبدو وكأنه يعطيهم فرصة جديدة للانتماء، ولكن طول مقامهم في أوروبا وتعقيدات العودة ستجعلهم ميّالين إلى عيش انتمائهم هذا عبر العودة في بعض العطل الصيفية، وعبر محاولة الاشتباك بالشأن العام السوري، ولكن عبر الاستثمار أيضاً، سواء كان استثماراً مادياً أو إنسانياً. إن امتلكت هذه الشرائح رؤى سياسية قادرة على تفعيلها وانتشالها من حالة الشتات، يمكن أن تتحول إلى «قوى اجتماعية»، لا تمنعها قلة العدد من إنتاج أشكال جديدة ومبتكرة من الفاعلية السياسية في مهاجرها، أو مساندة هذه الجهود في الداخل.
يمكن لبعض الحواضر الأوروبية أن تتحول إلى بؤر للعمل الصحفي والتوثيق الحقوقي والنقاش السياسي والتعبير الفني وهو ما يمكن أن يتحول إلى باحة خلفية للفضاء العام السوري، قادرة على إنعاشه والمساهمة في تنشيطه وبث إيقاعه وعلى تقديم بعض الحيز والموارد التي قد يحتاجها سوريو الداخل. يمكن لبرلين، على سبيل المثال، أن تستضيف تنويعات جديدة من ظاهرة باسم يوسف، قادرة على المساهمة في إيقاع الفضاء العام السوري وعلى التحول إلى ظاهرة تحسب السلطة حسابها، كما يمكن لبعض المدن الألمانية أن تتحول إلى حواضر لمختلف أشكال الإنتاج الفني الساخر والقادر على التحول إلى أكثر خصوم هذه السلطة جدّية. يمكن لمؤسسات صغيرة، لا يُشغّلها إلا بضعة أفراد، أن تتحول إلى نواة لصحافة استقصائية، أو صحافة رأي، أو صحافة نقدية، أو إلى مراصد حقوقية ومراصد للشفافية، وغيرها من المؤسسات التي يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في إعادة تجذير هذا الشتات في أرض الواقع اليومي، بما يساعده على التواصل مع الداخل وتنمية تطلعاته ومساندته في التأسيس لمشروع مقاومة لهذه السلطة إن جنحت، أو الضغط عليها إن كانت قابلة للإصلاح، وهو ما ظهرت بعض ملامحه في الدور الكبير الذي لعبته بعض المؤسسات الصغيرة في تغطية مجازر الساحل والحملة على الدروز.
بالعودة إلى مثال الصحافة، يمكن على سبيل المثال العمل على بناء نموذجٍ مُبتكَر من الصحافة يحاول الجمع بين قدرة المهجر على بناء وتمويل مؤسسات صحفية، وقدرة الصحفيين والمواطنين الصحفيين، من سوريي الداخل، على المساهمة في هذه المؤسسات ورفدها، ما قد يسمح بالالتفاف على القبضة الأمنية للسلطة الوليدة التي لن تتوقف عن التنامي، وتأسيس نواة إعلام وطني، هدفها تحصين موقعها كسلطة مضادة، لا تقديم ما يكفي من المحتوى الاحترافي للحصول على تمويل المانح الإقليمي.
ولكن، قد تتمكن هكذا مغامرات من استثارة بعض النخب السورية المهاجرة، ممن تسمح لهم مؤهلاتهم وحظوظهم من الاشتباك بالشأن العام، إلا أنها لن تسمح لعموم المهاجرين من إيجاد موطئ قدمٍ لهم، وهو ما قد يمنع هذا الشتات من التحول إلى «قوة اجتماعية». لتلافي هذه الخسارة الهائلة، لا بد من العمل على تنظيم هذا الشتات في جمعيات وروابط وأخويات مرتكزة على أسس الانتماء للمدينة أو البلدة أو الحي أو المهنة أو الهواية بغية حفاظ الشأن العام على عموميته، وتحويل معارف هؤلاء المهاجرين وخبراتهم المهنية والميدانية وشبكة علاقاتهم وتبرعاتهم صغيرة المقدار وكثيرة العدد إلى راعٍ محتمل لمسارٍ لاسلطوي للتعافي، وهو ما قد يتطلب إعادة ابتكار هذا المسار وما يقتضيه من مشاريع ومبادرات.
يمكن لفارق الدخل بين سوريي الداخل والشتات أن يخلق فرصاً اقتصاديةً وازنة، فتعويضات البطالة التي يدفعها مركز العمل الألماني للفرد الواحد قادرة على تمويل ورشة خياطة في سوريا، والتحويلات الصغيرة قادرة على التحوّل إلى كتلة مالية وازنة ومؤثرة إن وَجَّهتها روابط قادرة على تبنّي أجندات تنموية مبتكرة، وإن استلهمت الدور الذي لعبته الفزعة ومبادرات التكافل الاجتماعي في إنقاذ سوريا من الأزمات الإنسانية التي عاشتها أيام الحرب، لإطلاق «فزعات تنموية»، قادرة إن التزمت بأفق ميكروي وبآليات تشاركية قليلة الهرمية على التحوّل إلى ملتقى لأبناء الشتات ومنصة للعمل الجماعي وإلى مدخل شديد الفعالية للانخراط بالشأن العام.
ميكرويةُ هذه الجهود والمبادرات، والتي قد تشكّل أحد أسباب قلة جاذبيتها، يمكن أن تتحول إلى أحد أسباب استدامتها وأحد أهم متطلبات نجاحها، فهذه الفزعات التنموية التي تعجز عن تمويل ما يتجاوز المبادرات والمشاريع الصغيرة، وما يعنيه ذلك من اضطرارها للبقاء في حالة غازية قليلة الاحترافية، ستجبر المعنييّن فيها على الانخراط بكل ما تقتضيه، وبخاصة في مجالات التواصل والإدارة والتنظيم، لتتحول تجربة إنجازها إلى مثالٍ حيّ وعياني على الاشتباك بالشأن العام. من جهةٍ أخرى، يمكن للعلاقات الإنسانية التي قد تنشأ بين أبناء الشتات في إطار هذه المشاريع، أن تكون واحدة من أهم أسباب توازنهم النفسي في مَهاجرهم وإحدى أكثر السبل فاعليةً في تلبية حاجتهم إلى الانتماء والتواصل.
وإن كان مسار إعادة الإعمار يتطلب دولةً واستثماراتٍ دوليةٍ والكثير من الخطط الماكروية فإن مسار التعافي الذي يحتاجه السوريون بعد سنوات الخراب الطويلة، يتطلب عملاً ميكروياً على الإنسان والمجتمع، كل فردٍ على حِدة، وكل بلدةٍ على حدة، وهو ما يمكن للشتات السوري رعايته، وما يبدو الأفق الميكروي أكثر قدرةً على تلبيته. بالإضافة، يمكن لهذه الجهود الميكروية أن تنتظم تدريجياً في إطار لوبي ضغط فعّال، قادر على إسماع صوته في أروقة السلطة، وعلى التحول إلى شريك كامل الأهلية لها إن قبلت منطق الشراكة، أو التحايل عليها عبر إطلاق ديناميات تعافٍ لاسلطوية، تشكل أرضيةً صلبةً وخطوةً أولى لا يمكن دونها مقاومة استبداد هذه السلطة واحتمالها الظلامي. على سبيل المثال، يمكن لهذه الروابط أن تُحوِّلَ مخيال السلطة النيوليبرالي العاشق للخصخصة، إلى مدخل لمقاومتها عبر رعاية مدارس خاصة وتضامنية، قادرة على تقديم نموذج متقدم وعصري وعلى التحوّل إلى لاعب وازن في مسار التعافي وفي المساهمة في تأهيل أجيال سوريا ومستقبلها.
فاعلية ميكروية، قوامها الأخوّة والذكاء الجمعي؟
بالمقابل، تعقيدات الواقع السوري ورثاثة السلطة الحالية تجعل هكذا «سردة» شديدة التعقيد عملياً، وعاجزة عن مغادرة تريندات الشبكات الاجتماعية، فالمُهاجر السوري الذي يراقب بلداً بكل هذه الأسئلة المعقدة وبدولة شبه فاشلة وسلطة رثَّة وبمسار إعادة إعمار فاقد للرؤية، لن يتردد، بعد بضعة أشهر في العودة إلى الشرنقة التي اعتاد العيش فيها، وفي اختصار سوريا بوصفها مكاناً يزوره بين الفينة والأخرى لقضاء بعض حاجات الحنين، والتأكد من أن أنانية خياره كانت أفضل ما فعل.
لمقاومة هذا المَيل، لا بدّ من صقل هذه الأفكار لتنتقل من حيّز الرغبة والإرادة إلى حيّز الحاجة، عبر تحويل هذه المبادرات والمشاريع إلى مغامرات إنسانية قادرة على إشباع حاجات الانتماء والتواصل والمعنى، وإلى «مواطنةٍ فعّالة» قادرة على الاستدامة والتأثير وعلى تقريب من يتبناها، كطريقةٍ في العيش، خطوةً أخرى من العيش الطيّب، بل وعلى بلورة نموذجٍ مُلهِم للسياسة والعمل الجماعي التحرري، على اعتبار أن السياسة، كإحساسٍ بالآخر وفاعلية في فضاء المدينة، هي مما يحتاجه البشر لطيب عيشهم، وأنه لا بد من العودة لبعض مقولات العقلانية الإغريقية وبخاصة أرسطو، الذي حاولت السياسةُ الحديثة نسيانه، لنتذكر بأن الإنسان حيوان سياسي، ولنتمكن من مغادرة المخيال السياسي الحديث واستعصاءاته إلى مخيال أكثر خصوبةً وتركيباً. يتطلب ذلك الكثير من الدهاء والتفكير العملي، بهدف تكييف هكذا نوع من الفاعلية مع نمط الحياة الذي اعتاده سوريو الشتات وقيمه وإيقاعه المختلف عن إيقاع الداخل السوري ونمط حياته، والخروج من الأشكال المألوفة للعمل الجماعي ومن المخيال الوجداني القائم على «حسّ المسؤولية» وعلى ضرورة «الحب لنعمّرها»، العاجز عن استبدال الفزعات بروابط أكثر استدامة وعن إيقاف مسار التخابي التدريجي الذي تعرفه هذه المبادرات، وبخاصة في ظل مشهد لا تتوقف السلطة عن زيادة تعقيداته.
كخطوةٍ أولى، لا بد من التذكر بأن المنظمات غير الحكومية تمتلك كل ما يجب لتكون النموذج الذي لا بد من تجنّبه والتفكير ضد عوالمه وآلياته، وضد محاولة وجوهه للتسرب إلى مغامرات المواطنة الفعّالة وقتل روحها باحترافية، فهذه المنظمات والتي تعتمد في تمويل نشاطاتها على أموال المانحين، وما يتطلبه ذلك من روح امتثالية قليلة الحيلة أمام إملاءات الممولين ودفاتر شروطهم، تعتمد أيضاً في تنظيمها على أشكال وبنى هرمية مستمدة من عوالم البزنس لا السياسة، رغم حاجتها لمهارات سياسية لا يمكن الاستدلال عليها في كثير من الأوقات من خلال شهادات علمية، وما يفرضه ذلك من أجواء مهنية سامة يسهل فيها تغلغل الفساد وتسودها المحسوبية و«طق البراغي». تعتمد هذه المنظمات أيضاً على مناقصات المانحين البيروقراطية وما يتطلبه ذلك من تسيّد الوجوه «الاحترافية»، الأكثر قدرةّ على تَمثُّل اللغة البيروقراطية المعاصرة ورطاناتها المعلبّة والمشتقة من واقع وتجارب المانحين شديدة الاختلاف، لتُحوِّلَ الناشطين العاملين فيها تدريجياً إلى موظفين وتنزع عن اهتمامهم بالشأن العام كل أبعاده السياسية، وتُحوِّلَ أي قضيّة تُهيمن على مشهدها إلى جهاز بيروقراطي يمتص طاقات آلاف الناشطين ويبدّدها.
من جهةٍ أخرى، تبقى المنظمات والمؤسسات والشركات، الأطر الأمثل لتوافق الجماعات على تنفيذ المشاريع، نظراً لقدرة الراتب والهرمية الإدارية على شدّ عصب المَعنيين وضمان سير المخططات باتجاه أهدافها. الجماعات الدينية وشبه الدينية، والتي تلعب فيها الطقوس والشعارات والنصوص المقدسة، وجمال المعنى والتعالي الذي تحيكه بمجموعها،المُحرِّكِ القادرِ على شدِّ عصب الأعضاء وضمان مواظبتهم على ما يمليه عليهم مشروعهم، تُشكِّلُ هي الأخرى مثالاً آخر على منظومة حيوية قادرة على احتضان فاعلية مُستدامة. بكل الأحول، يبدو استنهاض هكذا منظومات مستحيلاً في حالة الشتات السوري، وهي إن وجدت، لا يمكن إلا أن تتسبب بخنق العمل الجماعي أو سلبه بُعده التحرري، وهو ما يجب أن يدفعنا إلى التفكير بمنظومات أخرى، أثبتت بعض المغامرات التاريخية والمعاصرة، كالسان سيمونيين والماسونيين والاشتراكيين الطوباويين والكثير من التجارب الأناركية والإيكولوجية، بل والإسلامية، قدرتها على بعض الاستدامة والفاعلية، بشرط الاستلهام العميق لقيم الأخوة والحفاظ على أفق ميكروي ونهج تجريبي.
ولكن هذه المنظومات لا تنبثق دوماً بطريقة عفوية وتلقائية أو تعاقدية، ولا بد لها كي تقطع لحظات البداية العسيرة من أقلية فاعلة، تتمتع بدرجة عالية من الإحساس بالآخر وبمتانة روحية ونظرية وخبرة عملية تسمح لها بالابتكار والتكيّف وبالصبر على صعوبات التأسيس وخيباته. وكي لا تُصاب هكذا منظومات بأمراض البيروقراطية وعبادة الفرد التي طالما كانت سرطان التجارب التحررية، لا بد من اعتمادها على أفق ميكروي وبنى غازية أو طيّارة، يقتصر دور مؤسسيها وإدارتها على إطلاق الرابطة وبذل الجهد اللازم لتنشيطها في لحظات الموات، واقتراح آليات تسمح بتفعيل الذكاء الجمعي وإدراج ثماره في إطار ريبرتوار تحرري، والعمل على تحويله إلى تقاليد وذاكرة.
لن يسمح نجاح سوريي الشتات والداخل في اختبارات العمل الجماعي بتفعيل طاقاتهم فحسب، وإنما يمكن لهذا العمل أن يشكل حاضنةً هائلةً للتنوع والذكاء الجمعي والذي يمكن أن يساعدهم على سد الفجوة الهائلة التي تشكلها رثاثة النخب ومؤسسات تأهيلها في مجتمع درست أغلب نخبه في جامعات الأسد ومدارسه. بالإضافة، يمكن لنجاحات الذكاء الجمعي ومشاريعه الميكروية أن تتحول إلى نماذج ونجاحات ملهمة وفيروسية، حيث ينسى الكثيرون، في عوالم الإنسانيات أيضاً، بأن المحاكاة ديناميةٌ أساسية من ديناميات الاجتماع الإنساني، كما يقترح رائد علم الاجتماع الفرنسي المنسي جابرييل تراد، وأنها يمكن أن تتحول إلى قوة تاريخية وازنة، وهو ما برهنت عليه ثورات الربيع الأوروبي في منتصف القرن الثامن عشر أو الثورات العمّالية في مطلع القرن الماضي وثورات التحرر الوطني، عدا عن ثورات الربيع العربي.
ديمقراطية محلّية في سوريا لامركزية؟
للتخلص من شبهة السذاجة واكتساب المشروعية، لا يحتاج التفكير الميكروي بالسياسة والفاعلية تفكيراً عيانياً عميقاً بأطره وأشكاله فحسب، ولكنه يحتاج أيضاً لأفق ومشروع سياسي حالم وماكروي، لا يمكن أن يتوقف في الحالة السورية عند إطلاق مسار تعافٍ لاسلطوي أو نسج الروابط بين السوريين والانتقال بهم من آفاقهم الفردية المُذرَّرة إلى قوى وجماعات قادرة على الائتلاف لإسماع صوتها والسيادة على شؤونها.
وإن كان أغلب الكلام الراهن عن اللامركزية يصدر في لحظة يميل فيها ميزان القوى لصالح سلطة دمشق قليلة الاكتراث بتهيئة الأرضية للحظة تعاقدية كبرى، وعن مثقفي مكونات ليعكس رغبتهم بانتزاع حصانة لمكوناتهم تَقيها شرورَ «السلطة الظلامية»، وإن كان هذا الكلام يبدو بالتالي أقرب إلى دعوة لتفخيخ الكيان السوري الهش باحتمال حرب أهلية معممة، على الطريقة اللبنانية، ما يفقده كمونه التحرري، إلا إن اللامركزية تستحق أن تبقى بوصفها واحدةً من أهم ملامح الأفق السياسي الذي يستحق السعي إليه، وأن تتحول إلى شعار سياسي يسمح لعموم السوريين بالانخراط في شؤون مدنهم وتحويل فضاءاتها العامة إلى ساحات للاشتباك بالشأن العام والتحول إلى قوى سياسية، يمكن لبعضها رفد قوة التحول الديمقراطي التي لا بد منها لانتقال ديمقراطي في سوريا.
رغبة هذه السلطات في الاستبداد بزمام الدولة «العميقة» والسياسة، وتَسامُحُها مع رؤية أعيانية تختصر كل مدينة بعدد من أعيانها ووجهائها، يمكن أن تفتح الباب أمام معارك صغرى، يحاول فيها عموم السوريين، وبخاصة في المدن المحسوبة على الثورة، التمرد على السلطة في مدنهم عبر التمرّد على أعيانها، لاستعادة سيادتهم على شؤون مدنهم وبلداتهم، وهو ما يمكن أن يتحول إلى تمارين ومقدّمة شديدة الأهمية على سياسة أكثر طموحاً، وما يمكن أن يمنح سوريي الشتات فُرصة المشاركة واحتمال النضج الذي يقود إليه احتكاكهم بأهل الداخل وتفكيرهم العياني بمدنهم ومشاكلها، ما قد يساهم في تحوّلهم إلى لاعب وازن في تاريخ البلاد، قادر على رعاية بؤر جديدة للسلطة وسلطات مضادة، كما قد يقترح موراي بوكتشين، وعلى تشبيك هذه البؤر والسلطات، بل وعلى استنهاض ديمقراطية محلية أو قاعدية تستحق اسمها، لشعبيتها وتحتيتّها وتاريخيتها، لا ديمقراطية محلية يجري فرضها وفق تعليمات الأب القائد.
لا تحاول هذه السطور اكتساب مشروعيتها النظرية عبر استدعاء بوكتشين ومَجالستيه، وليس الأخيرُ إلا غيضاً من فيض بالغ التنوع والخصوبة، تُشكّل معاودة التفكير به انطلاقاً من واقعنا إحدى أكثر المشاريع راهنيةً، وكل ما تحاوله هذه السطور هو تقديم مجموعة من الأفكار الأولية العيانية والحالمة في الوقت ذاته، بهدف التفكير بسؤال الفاعلية السياسية في لحظات استحالتها، لمن لا يعتقد بجدوى استراتيجيات إعلان الحرب على السلطة أو ممارسة «الشراكة بالنقد»، وذلك عبر استلهام سنوات الجلجلة التي عاشها السوريون في السنوات الماضية ودروسها المريرة وتحويلها إلى لحظة قطيعة، نجبر فيها أنفسنا على مغادرة المخيال السياسي الحديث، سواء كان المخيال الجمهوري التعاقدي، الذي يبدو وكأنه يصدّق فعلاً أن الحب هو ما ينقصنا لنعمرها، أو المخيال الوضعي الذي يعتقد أن الواقع غير المذكور في الكاتالوج لا يمكن أن يوجد، أو المخيال الجمهوري اليعقوبي العاجز عن حمل السلاح، والذي ينتظر أن تقوم دبابة ما بوضعه أمام لوحة قيادة الدولة كي يبدأ فصلاً جديداً من الهندسة الاجتماعية، ويضيف على الخراب فصلاً آخر من الخراب.
موقع الجمهورية



