العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 15 نيسان 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

 العدالة الانتقالية.. وهم الاستعجال وخطر الانفجار/ محمد العويد

2026.04.11

لديّ صديق «ربنا فاتح عليه»: منظمات حقوقية، ومؤتمرات، وندوات، وورشات عمل، وسفر دائم، وحضور طاغٍ أمام جمهور السوشال ميديا.

«كل ما دقّ الكوز بالجرة» حول حدث في سوريا، يعيد العبارة نفسها: السبب في كل ما نعيشه هو غياب العدالة الانتقالية، وتأخر تطبيقها منذ بداية العهد الجديد.

هذه البديهية تبدو، في ظاهرها، صحيحة، لكنها في كثير من الأحيان مضلِّلة ومجتزأة من سياق عام تتداخل فيه التفاصيل، ما يخرجها من صوابيتها النظرية إلى الاستثمار الأيديولوجي. فلا يوجد سوري غير راغب في العدالة، حتى خصوم العهد الجديد؛ فكلٌّ يعتقد أنه على حق، وأنه الصواب، وما عداه باطل يستوجب العقاب.

قارب الرئيس أحمد الشرع، خلال حضوره الصحفي في معهد «تشاتام هاوس»، المشهد قانونيًا وسياسيًا بمنظور الدولة وخياراتها الصعبة، بين رغبة الشارع بالاستعجال والخوف من التداعيات والتحديات الماثلة أمام أعقد الملفات في سوريا.

معتبرًا أن العدالة الانتقالية أولوية، لكنها تحتاج إلى بناء مؤسسي ومرجعية قانونية واضحة، قد تتبلور بعد انطلاق أعمال مجلس الشعب السوري، والنظر في العديد من القوانين القديمة. وهذا أحد مرتكزات تحويل المسار من مطلبٍ إلى قابلٍ للتنفيذ والاستمرار والشمولية.

أصحاب الانتهاكات الأخطر في جرائم الحرب التي وقعت على السوريين فرّوا خارج البلاد، من رأس النظام، وقادة الفرق، والأولوية في الجيش، وصولًا إلى رؤساء الأجهزة الأمنية والسجون.

يقول الشرع: «خلال الفترة الماضية، عملت الدولة على تثبيت بعض الأسس: إعادة فتح قنوات دولية، العودة إلى الإنتربول، ملاحقة مطلوبين، ومحاولة الحفاظ على السلم الأهلي».

العدالة فكرة.. والواقع معضلة

غالبًا ما أتحامل «صحفيًا» على صديقي الحقوقي، فأبادره بالسؤال: دعنا نقارب نموذجًا افتراضيًا.

هل يمكن، مثلًا، ألا يتفجر السلم الأهلي إذا اقتربت الدولة من بيئة عائلية في الجنوب السوري؟ العائلات انقسمت هناك بين ثورة ونظام، وقد دفع الجميع أثمانًا طائلة: أولاد العمومة، والإخوة، والبيت الواحد.

ماذا عن المنظومة العشائرية التي تورّط بعض أفرادها في الانتهاكات؟ كيف نضمن ردّة فعل هذه المجتمعات المغلقة بالعصبية القبلية؟

وماذا لو كان معظم المتورطين ينتمون إلى مكونات بعينها؟

هل تضمن أن فتح هذا الملف لن يتحول إلى انفجار طائفي؟

في جرائم الحرب، لا يُحاسَب المنفذ فقط، بل كل من ساهم أو سهّل أو حرّض. وهذا باب واسع، يعني مؤسسات حزبية كانت تمتد بطول البلاد وعرضها، ونقابات مهنية وشعبية أُفرغت من مضامينها وتحولت، مع سنوات الثورة، إلى داعم لنظام الإجرام قولًا أو فعلًا.

فهل تُحاسَب قيادة المنظمة أم الفاعلون، أم القواعد الواسعة فيها؟ أم حتى السائق الذي يوصل رئيسه ويتشارك معه الموقف ونصف الفعل؟

ذاكرة الألم غير المنتهية

في بدايات الشهور الأولى للثورة السورية، شاءت أقداري المهنية أن أكون في تغطية لصالح وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، في مؤتمر سنوي، أو طارئ، للاتحاد العام للفلاحين في سوريا.

قطاع يفترض أن همومه الاقتصادية أولوية، لا سيما أن البلاد شهدت حينها ارتفاعًا في أسعار الطاقة، وانخفاضًا في الهطولات المطرية، وهجرة قاسية للفلاحين، تُرى بالعين، على أطراف المدن.

فئة مهمشة أصلًا، ومعاناتها فاقعة: ديون، تراجع في المحاصيل الزراعية، وألف قصة وقصة.

فجأة تحوّل المؤتمرون إلى دعاة حرب، بفعل التحريض والتعليمات القادمة من القيادة حينها: التصفيق، والهتاف، ودعوة الدولة لمنحهم السلاح للمواجهة، والتصدي «للمؤامرة الكونية».

ربما فعلها بعضهم، وقاتل جاره، أو حتى حفيده.

رحلت حينها هاربًا من موت أخافني، واعتقدته محققًا، فما أوسعه آنذاك في البلاد.

خطف القتلة روح أخي، يزورني معاتبًا كل ليلة. صورة ضحكته البريئة لا تغادر حياتنا. أضمد جراحي، فتؤزّها أمي نحيبًا علقمًا، وتسألني: متى تُحاسب الدولة من سلّمه للقتلة؟

غالبًا ما تسلك والدتي طريقها الدائري حول البلدة، على ما فيه من مشقة وعسر، لاعتقادها أن رائحة الواشي تقطن في وسط البلدة، وأن قلبها وأمومتها كافيان للاستدلال على من كتب التقرير الأمني.

حتى إذا وصلت حاجز الجيش، بدأت رحلة العذاب، لتنتهي بعد سنوات بورقة وفاة تسلمتها من قيود المنطقة.

تطبيق العدالة الانتقالية بشكل واسع ومباشر في سوريا يعني فتح ملفات قد تطول شرائح كبيرة من المجتمع، وهو ما لا يحتمله بلد لم يتعافَ بعد من غياب الأمن والفقر والبطالة وغياب الاستقرار.

كلها عوامل تؤجل العدالة، لكنها في الوقت نفسه تجعل غيابها أكثر خطورة.

سوريا اليوم أمام معادلة لا تقبل التبسيط:

لا يمكن بناء دولة بدون عدالة، ولا يمكن فرض عدالة غير مدروسة دون أن تهدد هذه الدولة نفسها.

مسار طويل وتجارب صعبة التطبيق

المقارنات التي تُطرح في سياق تطبيق العدالة الانتقالية على مرتكبي جرائم حرب سوريين في الغرب لا تتعدى بضعة أشخاص، وتستمر محاكماتهم منذ سنوات، كما هو الحال في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية.

يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال: «إن ما يكون صحيحًا في مكان، قد يكون خطأ في مكان آخر».

وهذا ينطبق تمامًا على العدالة الانتقالية في سوريا.

كل النصائح لا تقترب من عمق الهوة السحيقة ومدى اتساعها، ولا من موازنة بالغة التعقيد.

في مقاله بجريدة «الثورة» السورية، يؤكد وزير العدل مظهر الويس أن «العدالة الانتقالية مبدأ دستوري التزمت به الدولة على كل الصعد، وظهر واضحًا في الإعلان الدستوري، وقد تجسّد هذا الالتزام عمليًا من خلال إجراءات واسعة وواضحة، منها إطلاق هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وملف المفقودين».

كما يؤكد أن «السير الجاد في إصلاح البنية المؤسساتية للقضاء وضمان استقلاله، وإعادة تنظيم المحاكم لضمان الكفاءة واستمرارية العمل القضائي، ركن أساسي».

توضيح الصورة النمطية وتصحيح المفاهيم، كما تراها وزارة العدل، لا يقل أهمية في سياق تطبيق العدالة الانتقالية.

وترى الوزارة أنه من الطبيعي أن «يبقى المسار غير مكتمل ما دامت بعض هذه التحديات قائمة، إذ إن إخضاع الجميع لسلطة الدولة وسيادة القانون يحتاج وقتًا وجهدًا تراكميًا».

الغريب بالنسبة لي ألّا يتفهم صديقي القانوني، وعشرات النخب، دعوة الوزارة إلى التمهل؛ فواجب النخب والمعنيين والمؤثرين مساعدة المؤسسات ودعمها، بدلًا من الضغط والتسرع الذي قد يؤثر على حالة الاستقلالية المطلوبة، ويصنع جوًا من القلق والتحريض غير المقصود.

عدالة تُنصفنا.. لا عدالة تُفجّرنا

لست ضد العدالة الانتقالية، أرجوكم.

أنا فقط أحاول أن أقدم لصديقي الحقوقي وأهلي قراءة متوازنة، ومعرفة حجم التحديات والصعوبات، وأن نضغط على الجراح ولا ننساها.

ولست بوارد البحث عن تبرير لتأجيلها، ولا أملك ترف تجاهل الألم أو تجاوزه. أنا، كغيري من السوريين، أحمل جرحًا مفتوحًا، وذاكرة لا تهدأ، وأسماء لا تغيب. أريد العدالة، بصدق، وبإلحاح، وبحاجة إنسانية لا تقبل المساومة.

لكنني أخاف من عدالة تتحول إلى انتقام، ومن محاسبة تُفتح بلا حساب، فتغرقنا جميعًا في دائرة جديدة من الدم.

الدولة مطالبة اليوم بإصلاح القضاء، وإعداد كل ما يلزم لمساره، وصولًا إلى محاسبة الجميع دون استثناء، وكشف الحقيقة، خاصة في ملف المفقودين وجراح ذويهم النازفة.

لكن المجتمع أيضًا مسؤول، عبر رفض الانتقام، ودعم مسار العدالة، والمطالبة بها بشكل واعٍ، ومراقبة متأنية تُبقي الملف حيًا من دون أن تعجّل بحرقه.. أو حرقنا معه.

تلفزيون سوريا

——————————–

العدالة الانتقالية في سوريا ومعارك الوعي السوري/ سلام اسكيف

حين تصبح العدالة سؤالًا نفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا مرهقًا قبل أن تكون مسارًا قانونيًا وسياسيًا قاتلًا

لم يكن الخبر عابرًا منح ” اللجوء الإنساني” ثم ما يتم تداوله عن “الجنسية الروسية” لبشار الأسد ومن معه ولم يكن تفصيلًا يمكن تمريره لا بسبب مضمونه فقط، بل بسبب ما يكشفه. لأن لحظة منح  الحماية، أو الجنسية أو حتى إعادة التوصيف، ليست لحظة قانونية، بل لحظة يُعاد فيها ترتيب العلاقة بين الجريمة والعالم.

وحين يُنقل من ارتبط اسمه، في وعي وتجربة ملايين السوريين، بأقصى أشكال العنف من موقع يُفترض أن يكون فيه موضع مساءلة نوعية إلى موقع يتمتع فيه بحماية رسمية، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بالإجراء، بل بالمعنى الذي يحمله هذا الإجراء.

في تلك اللحظة، لا يعود السؤال سياسيًا فقط، بل يصبح أعمق من ذلك بكثير: كيف يمكن فهم ما يحدث؟ كيف يمكن لإنسان عاش تجربة فقد، واعتقال، وتعذيب، وموت، وتدمير، أن يعيد ترتيب صورته عن العالم وهو يرى أن العلاقة التي يفترض أن تربط بين الفعل ونتيجته قد انكسرت بهذه الطريقة؟ هذا الانكسار لا يظهر مباشرة، ولا يترجم نفسه دائمًا إلى موقف واضح أو رد فعل صاخب، لكنه يتراكم بصمت، ويبدأ بإعادة تشكيل الداخل.

العدالة، في جوهرها، ليست فقط مؤسسات أو قوانين، بل هي ذلك الإحساس الضمني بأن هناك توازنًا ما، حتى لو لم يكن كاملًا. وعندما يُكسر هذا التوازن بشكل علني، لا يتضرر النظام القانوني فقط، بل يتضرر الإحساس العام بالمعنى. لأن ما يُفهم من ذلك ليس فقط أن العدالة غائبة، بل أن غيابها يمكن أن يُعاد تعريفه كأمر طبيعي، أو حتى مقبول.

ومن هنا، يبدأ التعقيد الحقيقي. لأن ما يبدو كقرار سياسي أو قانوني، يحمل في داخله أثرًا نفسيًا وأخلاقيًا عميقًا. يتحول فيه الأمر من مسألة تتعلق بمن يُحاسب ومن لا يُحاسب، إلى مسألة تتعلق بقدرة الإنسان على الاستمرار في الإيمان بأن المحاسبة ممكنة أصلًا. هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجيًا، عبر تراكمات صغيرة، عبر أخبار تبدو منفصلة، لكنها في مجموعها تعيد تشكيل الصورة الكبرى.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “الواقعية السياسية” أكثر التباسًا. لأن الواقعية، كما تُطرح غالبًا، تقوم على التعامل مع ما هو قائم، مع موازين القوى، مع الإمكانيات المتاحة. لكن المشكلة تبدأ حين يتم اختزال الواقع إلى هذه العناصر فقط، وتجاهل ما سواها. لأن الواقع، في الحالة السورية، لا يتكون فقط من توازنات سياسية أو عسكرية، بل من تجارب معيشة، من ذاكرة مفتوحة، من شعور مستمر بعدم الاكتمال.

سوريا اليوم ليست واقعًا واحدًا يمكن الإمساك به بسهولة، بل طبقات متعددة من الوقائع، متداخلة، ومتباينة. هناك من بقي، وهناك من غادر، هناك من فقد، وهناك من يحاول فقط أن يستمر. وكل واحدة من هذه الحالات تحمل تصورًا مختلفًا لما حدث، ولما يمكن أن يحدث. تجاهل هذا التعدد لا يؤدي إلى تبسيط الواقع، بل إلى تشويهه.

وهنا، تظهر معركة أخرى، أقل وضوحًا لكنها أكثر عمقًا، معركة الوعي. ليس الوعي السياسي بالمعنى الضيق، بل الوعي بالمعنى الأوسع، الذي يتعلق بكيفية فهم ما حدث، وكيفية وضعه ضمن إطار يمكن احتماله. لأن ما لا يُفهم، لا يختفي، بل يبقى كتوتر، كشيء غير محسوم، يعود للظهور في أشكال مختلفة.

في هذا الإطار، لا يبدو التطرف حالة مفاجئة أو منفصلة، بل أحد المخرجات الممكنة لهذا التوتر. حين يشعر الإنسان أن العدالة غائبة، أو أن معناها قد تم تفريغه، يبدأ بالبحث عن بدائل. أحيانًا تكون هذه البدائل في اتجاه الانتقام، وأحيانًا في اتجاه الانسحاب الكامل، وأحيانًا في أشكال أكثر تعقيدًا تجمع بين الاثنين. في كل الأحوال، نحن أمام محاولات لإعادة التوازن، حتى وإن كانت هذه المحاولات تحمل في داخلها اختلالًا جديدًا.

وهذا ما يجعل التعامل مع المسألة من زاوية أمنية فقط، أو من خلال أدوات سياسية تقليدية غير كافٍ ،لأن ما يحدث أعمق من أن يُختزل في سلوك يمكن ضبطه، أو في موقف يمكن تغييره. نحن أمام بنية كاملة من المعاني، تتعرض لإعادة تشكيل مستمرة، في ظل غياب إطار واضح يمكن أن يستوعبها.

في هذا السياق، تصبح العدالة الانتقالية فكرة معلقة بين مستويين: مستوى نظري يبدو متماسكًا، ومستوى واقعي يفتقر إلى الشروط التي تجعله قابلًا للتحقق. لأن الانتقال، في جوهره، يفترض وجود اعتراف، ومساءلة، وإعادة بناء للثقة. لكن كيف يمكن الحديث عن إعادة بناء، في ظل استمرار الأسباب التي أدت إلى الانهيار؟ وكيف يمكن الحديث عن ثقة، في بيئة يُعاد فيها إنتاج الرسائل التي تقوضها؟

هذا التناقض لا يؤدي فقط إلى تعطيل المسار، بل إلى تعقيده أكثر. لأن كل محاولة للتقدم دون معالجة هذه الأسئلة، تضيف طبقة جديدة من الالتباس. ومع الوقت، لا يصبح السؤال فقط عن كيفية تحقيق العدالة، بل عن إمكانية تصورها أصلًا.

وهنا، تتداخل كل المستويات من النفسي، والأخلاقي، والاجتماعي، والسياسي. ليس بشكل منفصل، بل كشبكة واحدة، يؤثر كل عنصر فيها على الآخر. أي خلل في أحدها، ينعكس على البقية. وأي محاولة لمعالجة جانب واحد بمعزل عن الآخر، تبقى محدودة الأثر.

في النهاية، ما يواجهه السوريون اليوم ليس فقط واقعًا سياسيًا معقدًا، بل تحديًا يتعلق بالمعنى نفسه. كيف يمكن الحفاظ على فكرة العدالة، في عالم يبدو وكأنه يعيد تعريفها؟ كيف يمكن الاستمرار في الإيمان بإمكانية المحاسب، في ظل واقع يشير إلى العكس؟ هذه الأسئلة لا تملك إجابات جاهزة، لكنها تظل حاضرة، لأنها ترتبط بشيء أساسي وهو القدرة على الاستمرار.

قد تنجح السياسات في فرض مسارات معينة، وقد تتمكن من خلق أشكال من الاستقرار الظاهري، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بكيفية فهم الناس لما يحدث. وهذا الفهم، بكل ما يحمله من تعقيد، هو ما سيحدد في النهاية شكل المستقبل. لأن ما لم يُفهم، وما لم يُواجه، لا ينتهي، بل يستمر، بأشكال مختلفة، في إعادة إنتاج نفسه.

وفي هذا المعنى، لا تكون العدالة فقط مسارًا قانونيًا يُفترض أن يبدأ في لحظة ما، بل تصبح عملية مستمرة، مرتبطة بالوعي، وبالقدرة على مواجهة ما حدث دون إنكاره أو تبسيطه. وهذه، ربما، هي المعركة الأكثر صعوبة لأنها لا تُخاض في الخارج فقط، بل في الداخل أيضًا!

عنب بلدي

——————————–

هولندا.. محاكمة عنصر بالدفاع الوطني في قوات نظام الأسد بتهم القتل والتعذيب والإخفاء القسري/ هبة محمد

شهدت مدينة لاهاي الهولندية يومي الأربعاء والخميس أولى الجلسات العلنية لمحاكمة المتهم رفيق قطريب، العضو القيادي في ميليشيات الدفاع الوطني في منطقة السلمية بريف حماة، أمام المحكمة الجنائية الهولندية، وذلك بعد توقيفه في كانون الأول/ديسمبر 2023، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تشمل الاعتقال والتعذيب، والقتل والإخفاء القسري والاغتصاب.

وتأتي هذه المحاكمة بعد سنوات من العمل القانوني والتوثيقي الذي قاده المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، بدعم من شهود وضحايا قدموا إفاداتهم حول الانتهاكات المنسوبة للمتهم، وذلك خطوة تعد جزءا من مسار أوسع لمحاسبة المتورطين في الجرائم المرتكبة خلال النزاع السوري أمام القضاء الأوروبي.

وقال المحامي أنور البني في بيان عبر صفحته الشخصية، إن “المتهم رفيق . ق، بصفته عضوا قياديا في ميليشيات الدفاع الوطني في منطقة السلمية – حماة، متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تشمل الاعتقال والتعذيب، والقتل والإخفاء القسري والاغتصاب”. وأوضح أن محاكمته بدأت منذ ستة أشهر.

وبيّن البني أن النظام القضائي الهولندي ينص على أن جلسات الاستماع إلى الشهود والأدلة تكون سرية وغير مفتوحة، على أن تخصص الجلسات الأخيرة لتكون علنية، حيث تتلى فيها التهم والأدلة المقدمة ضد المتهم، وتعرض المطالبات النهائية للنيابة العامة وجهات الادعاء الشخصي، إضافة إلى مرافعة الدفاع، قبل عقد جلسة النطق بالحكم.

وأضاف أن المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية عمل على هذا الملف لمدة خمس سنوات، دعم خلالها الشهود والضحايا الذين بذلوا جهدًا كبيرًا وتحملوا معاناة طويلة في سبيل الوصول إلى العدالة.

من جهته، قال المحامي البارز في قضايا حقوق الإنسان ميشال شماس، في سياق حديثه عن الجلسة الأولى لمحاكمة المتهم في لاهاي، إن المتهم أنكر، كما كان متوقعا، جميع الاتهامات الموجهة إليه، مدعيا أنه لم يسمع يوما بمثل هذه الأفعال، لا في حياته ولا في بيئته.

وخلال الجلسة، قدّم المتهم نفسه للمحكمة باسم “رفيق”، من الطائفة الإسماعيلية، واصفا نفسه بأنه “راعٍ من رعيان العوجة”، واعتبر أن وجوده في هولندا يشبه “أسير حرب يبحث عن الأمان”.

وفي محاولة لإظهار الثبات، استشهد المتهم بقول منسوب لعلي بن أبي طالب: “والله لو تظاهرت العرب على قتالي ما وليت عنها”. كما هاجم الشهود، معتبرا أن شهاداتهم أمام الشرطة الهولندية غير صحيحة، وذهب إلى حد وصف بكائهم بأنه “عار عليهم”.

وحاول المتهم إلقاء المسؤولية على جهات أخرى، ملمحا إلى أن القضية “مفبركة” ومدارة من قبل المحامي أنور البني.

 تفاصيل الجلسات العلنية

وفي سياق متابعة مجريات المحاكمة، تحدثت المحامية رشا شهباز حول ما دار خلال الجلسات العلنية الأولى، مشيرة في حديث مع “القدس العربي” إلى أبرز الوقائع القانونية وسلوك المتهم داخل قاعة المحكمة، وذلك استنادا إلى حضورها وتوثيقها المباشر للجلسات.

وقالت شهباز، إن الجلسات العلنية لمحاكمة المتهم رفيق. ق، بدأت يوم الأربعاء في 8 أبريل/ نيسان 2026 أمام المحكمة الجزائية في لاهاي – هولندا، وهو الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في ميليشيات الدفاع الوطني في منطقة السلمية – حماة، ويواجه اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تشمل الاعتقال والتعذيب، والقتل والإخفاء القسري والاغتصاب. مبينة أن توقيف المتهم جرى في كانون الأول/ديسمبر 2023، بينما بدأت محاكمته قبل ستة أشهر.

وأشارت المحامية أن النظام القضائي الهولندي يعتمد سرية جلسات الاستماع المتعلقة بالشهود والأدلة، في حين تخصص الجلسات الأخيرة لتكون علنية، حيث يتم خلالها عرض التهم والأدلة، والاستماع إلى مرافعات النيابة العامة والدفاع، قبل النطق بالحكم.

وبينت أن الجلستين اللتين عقدتا يومي الأربعاء والخميس، واستمرتا من الساعة التاسعة صباحا حتى الخامسة مساء، شهدتا طرح عدد من النقاط القانونية البارزة. فقد وجّهت النيابة العامة إلى المتهم عدة اتهامات، من بينها التواطؤ في التعذيب بصفة رسمية مع سبق الإصرار والترصد، والتواطؤ في التعذيب كجريمة ضد الإنسانية، والتواطؤ في أشكال متعددة من العنف الجنسي والاغتصاب كجرائم ضد الإنسانية، ارتكبت خلال الفترة بين عامي 2013 و2014، في سياق عمله ضمن قوات الدفاع الوطني في السلمية.

وفيما يتعلق بإجراءات الدفاع، أوضحت شهباز أن محامي الدفاع قدّم اعتراضا جزئيا على تعديل صك الاتهام، بعد إضافة تهمة تتعلق باستخدام المتهم لأشخاص آخرين في تعذيب المعتقلين، وهي تهمة أُضيفت قبل الجلسة بيوم. إلا أن القاضي، وبعد التشاور مع النيابة العامة، قرر قبول تعديل صك الاتهام ورفض اعتراض الدفاع، مستندا إلى أن هذا التعديل مبني على تحقيقات سابقة وشهادة أحد الشهود، إضافة إلى وروده بشكل مختلف في مذكرة الاتهام السابقة، مما لا يقيد إمكانية تعديله وفقا للاجتهاد القضائي الهولندي. وقد تم توزيع النسخة المعدّلة من صك الاتهام على هيئة المحكمة والدفاع والنيابة العامة.

كما طلب الدفاع إعادة سماع شهادة أحد الشهود (S) بشكل تكميلي، إلا أن المحكمة رفضت الطلب، موضحة أن الشاهد طُلب للاستماع إليه أكثر من 15 مرة دون حضوره، وأنها تكتفي بما ورد في شهادته السابقة.

وأشارت شهباز إلى أن المحكمة باشرت بعد ذلك إجراءات الاستجواب، حيث خضع المتهم لاستجواب مطول ودقيق من قبل القاضي، شمل جميع التهم المنسوبة إليه، مع الإشارة إلى رموز الضحايا وأماكن وقوع الجرائم وتواريخها، إضافة إلى عرض الأدلة الوثائقية والمصادر المفتوحة التي استندت إليها التحقيقات.

وخلال تعريفه بنفسه، قال المتهم: “أنا رفيق . ق من السلمية من الطائفة الإسماعيلية، أنا راع من رعيان العوجة، وأسير في هولندا”، في إشارة إلى أنه يعتبر نفسه كـ”أسير حرب”. كما عبّر عن فخره برفع علم “البعث”، مؤكدا أنه العلم الوحيد الذي يرفعه.

إنكار التهم

وبعد تلاوة التهم، بدأ المتهم بنفيها جميعا جملة وتفصيلا، مدعيا عدم معرفته بما ينسب إليه، ومنكرا معرفته بالشهود، بل ذهب إلى القول إنه لا ينكر التهم لأنه لا علم له بها أصلا. كما نفى أي دور له كمحقق ضمن قوات الدفاع الوطني، وادعى أن هذه الاتهامات لم تحدث في بيئته أو ثقافته.

وأوضحت أن المتهم أنكر جميع التهم الموجهة إليه، مدعيا أنه لم يسمع بمثل هذه الاتهامات في حياته أو ضمن محيطه، كما استخفّ بشهادات الشهود، معتبرا أن ما أدلوا به أمام الشرطة الهولندية غير صحيح، وذهب إلى حد وصف بكائهم بأنه “عار عليهم”.

وذكرت شهباز أنه، رغم إقراره بمعرفته ببعض المواقع التي يشتبه استخدامها كمراكز احتجاز وتعذيب، إلا أنه نفى استخدامها من قبل قوات الدفاع الوطني، مدعيا أنها مواقع دينية.

بين ادعاء المظلومية ونفي التهم

كما صرّح المتهم بأنه لو كان في سوريا لما استطاع أحد المساس به، وادعى أن القضية “مفبركة” ومن إخراج المحامي أنور البني، محاولا طوال الجلسة التنقل بين ادعاء المظلومية ونفي التهم، بل والتناقض في مواقفه، إذ صرّح في وقت سابق بأنه يرفع علم البعث، ثم عاد ليقول إنه ضد النظام.

وأضافت أن المتهم لم يكتف بإنكار التهم، بل تعمد الإساءة إلى الضحايا، من خلال ذكر أسمائهم بشكل صريح، وخاصة ضحايا الاغتصاب، رغم تنبيه المحكمة المتكرر بضرورة استخدام الرموز حفاظا على خصوصيتهم، الأمر الذي اعتبرته شهباز محاولة لإلحاق أذى اجتماعي إضافي بهم.

كما حاول، بحسب المحامية، تقديم “نصائح” للمحكمة، مدعيا أن الشرطة الهولندية لا تفهم طبيعة المجتمع السوري، وأن الشهادات المقدمة ضده كاذبة ومبنية على مؤامرة. وذهب إلى اتهام بعض الضحايا بالانتماء إلى جهات سياسية، في محاولة للتشكيك في مصداقيتهم.

وختمت شهباز بالإشارة إلى أن المتهم أظهر خلال الجلسات سلوكا اتسم بالإنكار الكامل، والتناقض، ومحاولات مستمرة للتأثير على مجريات المحاكمة، إلا أن المحكمة واصلت إجراءاتها استنادا إلى الأدلة والشهادات الموثقة.

وانتهت بالقول إنها كانت قد وثّقت في عام 2022 شهادة أحد ضحايا المتهم، في فترة كان فيها نظام الأسد لا يزال قائما، بالتزامن مع محاولات بعض الدول إعادة تعويمه. وأضافت أنه خلال تلك المرحلة، واصل المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية عمله في جمع الشهادات وبناء الملفات القضائية، متنقلا بين المدن الأوروبية لتوثيق إفادات الضحايا وحفظها تمهيدا لملاحقة المتورطين قضائيا.

القدس العربي

——————————–

شهادات من غرف تعذيب “الدفاع الوطني” إلى قفص الاتهام

عنب بلدي تستمع لضحايا رفيق قطريب

نقلت وكالة “رويترز” تفاصيل جلسة المحاكمة التي عُقدت يوم الأربعاء 8 نيسان في هولندا، حيث وقف رجل سوري أمام المحكمة، ووجهت له 25 تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية تشمل تعذيب واغتصاب سجناء، عندما كان يترأس وحدة استجواب تابعة لقوات “الدفاع الوطني” في مدينة السلمية بريف حماة الشرقي عامي 2013 و2014.

وقال المتهم للقضاة إنه “لم يعذب السجناء”، وإن من يقولون إنهم ضحايا له “تآمروا” ضده مع ممثلي الادعاء العام، مضيفًا أن ما قاله من اتهموه بأنه اعتدى عليهم “غير صحيح” حسب “رويترز”.

و في سياق متصل، أجرت “عنب بلدي” لقاءات مع عدد من ضحايا هذا الشخص والناجين من ممارساته، كما استمعت إلى ناشطين من مدينة سلمية، الذين روى بعضهم تفاصيل التعذيب والاعتقال والابتزاز، فيما لا يزال أقرباء لهم مغيبين حتى اليوم.

محاكمة و ملاحقة دولية

تحدث السوري رفيق قطريب (57 عامًا) – والذي عرفته المحكمة فقط باسم “رفيق أ.” – عبر مترجم، نافيًا التهم الموجهة إليه، ومتحدثًا عن “تآمر” ضده من قبل الضحايا والادعاء.

ووفقًا لممثلي الادعاء الهولنديين، كان قطريب يترأس وحدة الاستجواب التابعة “لقوة الدفاع الوطني” في مدينة السلمية، وهو فصيل مسلح كان يقاتل إلى جانب قوات حكومة بشار الأسد، الذي أطيح به في كانون الأول 2024، بحسب “رويترز”.

وألقت الشرطة الهولندية القبض على قطريب في كانون الأول 2023، إذ وصل إلى هولندا عام 2021 كطالب لجوء.

وبموجب مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، يتيح القانون الهولندي الملاحقة القضائية لأجانب عن جرائم ارتكبت في دول أخرى، في حال وجود الجناة أو بعض الضحايا داخل الأراضي الهولندية.

ومن المتوقع أن تستمر جلسات المحاكمة حتى نهاية أيار المقبل، على أن يصدر الحكم في 9 من حزيران 2026.

من محكمة سلمية إلى قفص الاتهام في لاهاي

بدأت المحكمة في لاهاي أولى جلساتها العلنية، وخلال الجلسة الافتتاحية، أنكر قطريب التهم الموجهة إليه ووصفها بأنها “مؤامرة”، مدعيًا أنه كان مجرد موظف مدني في المدينة. لكن شهادات حصرية حصلت عليها “عنب بلدي” من قلب سلمية، تكشف وجهًا آخر تمامًا للحكاية.

الناشط غزوان الميرا، وهو من أبناء مدينة سلمية، يروي لعنب بلدي مسار قطريب: “بدأ عمله كموظف في المحكمة، لكنه مع بداية الأحداث في سوريا انضم إلى قوات الدفاع الوطني ليصبح المحقق وسجان مركز تل التوت بريف سلمية”.

وأضاف الميرا أن قطريب، “تورط في عمليات قتل تحت التعذيب، وعمليات ابتزاز مالي لأهالي المعتقلين، وكان مسؤولًا عن كتابة تقارير كيدية أودت بعشرات الشباب إلى المعتقلات”.

شهادات حية

لم تكن رواية الميرا وحيدة، بل تتطابق مع شهادات حية لناجين من الاعتقال.

علاء سنكري، أحد ضحايا الدفاع الوطني، روي لعنب بلدي تفاصيل عن لحظة اعتقاله: “كنت في المحل، وتم اعتقالي على مقر الدفاع الوطني غرب سلمية. كان المسؤولون عن المقر “علي و” ، “وائل ج” ، ورفيق قطريب”.

و استرجع علاء أيامًا قاسية من التحقيق: “كل أنواع التعذيب مورست علينا، الكهرباء التي لا تزال آثارها على جسدي، الجلد، الصعق، وإطفاء السجائر في جسدي”.

وكشف علاء عن معرفته المسبقة بقطريب الذي “كان موظفًا في المحكمة قبل الثورة”، ويؤكد أنه تمكن من التعرف عليه من تحت عصابة العينين “الطميشة” ومن صوته خلال جلسات التحقيق، موضحًا أن “صغر حجم مدينة سلمية يجعل السكان يعرفون بعضهم البعض جيدًا” بحسب وصف علاء.

أما شقيقه، زياد سنكري، الذي كان مطلوبًا أمنيًا طيلة تسع سنوات، فيصف لعنب بلدي المشهد الأكثر إيلامًا لحظة مداهمة منزل عائلتهم. ويقول: “لم أتعرض للاعتقال في تلك اللحظة وتمكنت من الهرب، لكن إخوتي الثلاثة طارق وعلي وعلاء اعتُقلوا من قبل عصابة الدفاع الوطني”.

وتابع زياد وبينما نجا علاء وعاد “بأعجوبة”، لا يزال طارق وعلي في عداد المغيبين قسريًا حتى اليوم، دون أي معلومة عن مصيرهما، ليظلا شاهدين صامتين على بشاعة ما جرى في معتقل “دير شميل” بريف حماة الغربي، والذي نُقلوا إليه حسب وصف زياد.

أدلة إلى القضاء الدولي

لم تقتصر متابعة القضية على الذاكرة الحية في سلمية، بل امتدت إلى أروقة المحاكم الأوروبية.

أكّد علاء سنكري، أنه على تواصل مع المحققين الهولنديين، الذين جمعوا شهادته وإفادات إخوته عبر اتصالات هاتفية.

أما زياد، فيكشف عن دوره في توثيق الجرائم: “أرسلت بنفسي أدلة ووثائق تتضمن صورًا إلى الأستاذ أنور البني، الذي قام بدوره بتسليمها للشرطة الألمانية، لتصل في النهاية إلى محكمة الجنايات الدولية”.

ويضيف زياد أنه حضر جلسة استجواب قطريب، وشاهده وهو “يكذب وينكر التهم”، بحسب وصفه، مؤكدًا أن “رفيق قطريب كان يحقق معي ومع إخوتي وبقية المعتقلين حتى اللحظات الأخيرة، قبل وصول دورية دير شميل واقتيادنا، لنختفي بعدها”.

اغتصاب وابتزاز

تؤكد مصادر عنب بلدي أن التهم الموجهة لقطريب تتجاوز التعذيب الجسدي.

الناشطة ألمى ناصر من مدينة سليمة قالت لعنب بلدي: “هو متهم بقضايا اغتصاب فتيات من خارج سلمية من العشائر العربية، وعلى أساس هذه القضايا هرب من سوريا”.

وهذه الشهادة تتسق مع لائحة الاتهام الهولندية التي تشمل، ولأول مرة بحسب “رويترز”، تهم “العنف الجنسي والاغتصاب” كجرائم ضد الإنسانية في سوريا على أيدي قوات تدعم ​الحكومة في النظام السابق.

وأضافت ناصر أن قطريب “ساعد في اعتقال الكثير من الأشخاص، من ضمنهم الأخوة من عائلة السنكري”، ما يؤكد أن ملفه في سلمية حافل بالضحايا.

من جهته، يطالب علاء سنكري “الحكومة الهولندية والدول الأوروبية بالانتصار لحقوق الضحايا ومحاسبة المجرمين الذين فروا إلى أوروبا وينعمون الآن بالحرية بعد أن عذبوا الأحرار في سوريا”.

طريق العدالة.. 24 تهمة و9 ضحايا

بدأت الشرطة الهولندية، بحسب ما أعلنت عنه النيابة العامة الهولندية، تعقب قطريب فور وصوله إلى هولندا في تموز 2021، بعد ورود معلومات عن وجود محقق سابق في “الدفاع الوطني” يحمل اسمًا مشابهًا ويقيم في البلاد. وفي 8 كانون الأول 2023، ألقت السلطات القبض عليه في بلدة دروتن، حيث كان يعيش مع عائلته كلاجئ.

تتضمن لائحة الاتهام 24 تهمة جنائية ارتكبت بحق 9 ضحايا، وتستمر جلسات الاستماع حتى أيار 2026، على أن تصدر المحكمة حكمها في 9 حزيران 2026.

“ننتظر العدالة”

وجه علاء سنكري في ختام شهادته، رسالة يختصر فيها معاناة آلاف السوريين: “أنا أؤمن بنزاهة المحاكمات في الدول الأوروبية وقدرتها على تحقيق العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه… أتمنى أن تنال منهم العدالة السماوية إلى جانب عدالة الأرض”.

وبينما تستمر الجلسات في قاعة المحكمة في لاهاي، تبقى مدينة سلمية تترقب، آملة أن تكون هذه المحاكمة بداية طريق طويل لإنصاف الضحايا ومحاسبة كل من لطخت يداه بدماء السوريين.

——————————–

 إدانة لافارج بتهمة تمويل الإرهاب: تقدم في مساءلة الشركات وفشل بإنصاف الضحايا/ فضل عبد الغني

2026.04.13

يُعدّ حكم محكمة باريس الجنائية الصادر في 13 من نيسان/ أبريل 2026 ضد شركة لافارج حدثاً تاريخياً من الناحية القانونية، إلا أنَّه، بالنسبة إلى أكثر من 190 موظفاً سورياً سابقاً شاركوا بصفتهم أطرافاً مدنية، يظل حكماً شكلياً لا يفضي إلى أي تعويض، فقد أُدينت لافارج وأربعة من كبار مسؤوليها التنفيذيين السابقين بتمويل الإرهاب، وتحديداً بدفع ما يقارب 5.5 مليون يورو لجماعات مسلحة، من بينها “تنظيم الدولة”، بين عامي 2013 و2014، بهدف الإبقاء على تشغيل مصنع الشركة للإسمنت شمالي سوريا.

وفرضت المحكمة على الشركة أقصى غرامة، كما قضت بأحكام سجن تراوحت بين ثلاث وست سنوات على المسؤولين التنفيذيين، وتمثل هذه الإدانة سابقة، فهي المرة الأولى التي تُدان فيها شركة فرنسية بتمويل منظمة إرهابية، وكذلك الأولى التي تنظر فيها المحاكم الفرنسية في تمويل للإرهاب بهذا الحجم والطابع المؤسسي. ومع ذلك، غادر الموظفون السوريون السابقون -الذين وصفت المحكمة شهاداتهم بأنَّها “قوية ودقيقة وكريمة وإنسانية” – من دون أي تعويض، إذ لم يوفّر لهم النظام القانوني الذي دان شركتهم أي سبيل للانتصاف.

ويأتي هذا الحكم ضمن منظومة قانونية آخذة في التبلور، وإن ظلت محل جدل. وإلى جانب قانون واجب اليقظة الفرنسي لعام 2017 وتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن العناية الواجبة في مجال استدامة الشركات، المعتمد عام 2024، يمثّل هذا الحكم تطوراً قانونياً متقارباً -وإن ظل غير مكتمل- نحو ترسيخ مبدأ مساءلة الشركات الأم عن سلوك شركاتها التابعة في مناطق النزاع. ومن المرجح أن يُستشهد بحكم لافارج بوصفه نقطة مرجعية في الملاحقات القضائية المستقبلية التي تطول شركات أم أوروبية موّلت شركاتها التابعة منظمات إرهابية مصنفة أو استفادت منها مادياً. ومع ذلك، ينبغي عند تقييم هذا الحكم مراعاة أنَّ الإدانة قابلة للاستئناف -وهو أمر شبه مؤكد بالنظر إلى المخاطر التجارية والسمعة- وأنَّ تقدير آثارها السابقة والردعية لا يمكن أن يتم بثقة إلا بعد استكمال إجراءات الاستئناف.

وتكمن الأهمية القانونية للإدانة أساساً في الكيفية التي عالجت بها المحكمة مسألة إسناد المسؤولية إلى الشركات، فقد رأت أنَّ القرارات المتخذة بصورة مشتركة في المقر الرئيسي لشركة لافارج في باريس وداخل فرعها السوري تشكّل الفعل القانوني الفعلي، مخترقة بذلك الفصل الهيكلي بين الشركة الأم والفرع، وهو الفصل الذي تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات عادة درعاً للوقاية من المسؤولية، ولم تكن المدفوعات نتيجة ارتجال محلي، بل كانت مصرّحاً بها على نحو منهجي، ومجازة مؤسسياً، وموجّهة عبر آليات تعتيم متعمدة صُممت لإخفاء الجهات المستفيدة منها، ويشكّك هذا الاستنتاج مباشرة في الفرضية القائلة إنَّ الشخصية القانونية المستقلة للفرع الأجنبي تنهي البحث في مسؤولية الشركة الأم.

وإلى جانب هذا الاستنتاج المتعلق بالمسؤولية المؤسسية، دانت المحكمة أربعة من كبار المديرين التنفيذيين على نحو فردي، بما يضمن عمل المساءلة الشخصية بالتوازي مع المسؤولية المؤسسية. وتحمل أحكام السجن الصادرة، والتي تراوحت بين ثلاث وست سنوات، بعداً ردعياً لا يمكن لغرامة تُفرض على الكيان القانوني وحده أن تضاهيه.

كما دانت المحكمة فراس طلاس واثنين من مديري الأمن المحليين بصفتهم وسطاء وميسّرين محليين، وتعاملت مع شبكة الدفع بوصفها نظاماً صُمم وأُجيز على مستوى المقر الرئيسي، لكنَّه نُفذ عبر سلسلة من الفاعلين المحليين، ويثير الحكم الصادر بحقهم سؤالاً لم يحسمه بالكامل، يتعلق بالتفاوت بين الأحكام الصادرة بحقهم وتلك الصادرة بحق المسؤولين التنفيذيين الذين أنشأوا هذا النظام، وبمدى جواز تحميل الفاعلين المحليين العاملين داخل هيكل مؤسسي لم يصمموه مسؤولية مماثلة لمسؤولية من أنشأوه، ويؤكد حجم التمويل نفسه الطابع المؤسسي للجريمة، فقيمة 5.5 مليون يورو على امتداد عامين تميّز هذه القضية عن قضايا تمويل الإرهاب السابقة في فرنسا، لا من حيث الكمية فحسب، بل من حيث الطبيعة أيضاً، إذ شكّلت المدفوعات برنامجاً مؤسسياً مداراً، ويُعد تطبيق المادة 421-2-2 من قانون العقوبات الفرنسي على سلوك مؤسسي بهذا العمق سابقة غير مسبوقة.

ويُعدّ تعامل المحكمة مع الموظفين السابقين أبرز أوجه القصور في الحكم، فبموجب القانون الفرنسي، لا تتيح صفة الطرف المدني في الدعاوى الجنائية للمدعين الحصول على تعويضات إلا إذا كان الضرر الذي لحق بهم يندرج ضمن الفئة القانونية المعترف بها للجريمة المنسوبة إليهم، وقد رأت المحكمة أنَّ الأفراد لا يمكن اعتبارهم ضحايا لتمويل الإرهاب وفقاً للتعريف القانوني لهذه الجريمة، وهو ما أدى إلى قطع الصلة السببية بين مدفوعات لافارج لتنظيم الدولة وظروف العمل التي تكبدها هؤلاء الموظفون، من نقاط تفتيش تديرها الجماعات المسلحة، وعمليات خطف، ونيران قناصة، وتهديد دائم بالانتقام، وهي الوقائع التي وصفها الموظفون في شهادات أقرت المحكمة نفسها بمصداقيتها.

وتعكس هذه النتيجة خللاً، فالإجراءات الجنائية وآلية التعويض تسيران وفق مسارين قانونيين مختلفين، ولا يؤدي الحكم الذي يثبت ذنب المؤسسة تلقائياً إلى تعويض المتضررين مباشرة، ويتيح قانون واجب اليقظة الفرنسي، نظرياً، سبيلاً مدنياً للموظفين المتضررين من العمليات الخارجية للشركات الفرنسية متعددة الجنسيات، إلا أنَّه لم يُسجل حتى الآن أي تطبيق ناجح لهذا القانون في سياقات النزاعات خارج الحدود الإقليمية، كما ما يزال نطاقه في بيئات النزاع غير مختبر، وهكذا يغادر الموظفون السابقون هذه الإجراءات بلا تعويض وبلا سبيل محلي واضح للحصول عليه.

وتضطلع منظمات المجتمع المدني بدور أساسي في سد هذه الفجوة، فقد بادرت منظمة شيربا والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان إلى تقديم الشكوى الأصلية عام 2016، وواصلتا جهود المناصرة والمتابعة القضائية على مدى عقد كامل، وقدمتا الدعم للموظفين في جميع مراحل التقاضي، ولا ينتهي دورهما بصدور الحكم، فإذا أخفقت الإجراءات الجنائية في تحقيق الإنصاف للضحايا، تستطيع منظمات المجتمع المدني متابعة دعاوى مدنية موازية، وتوثيق الضرر لاستخدامه في إجراءات بديلة، والضغط من أجل إصلاح تشريعي لإطار الدعاوى المدنية، فالخلل الذي كشف عنه حكم لافارج، والمتمثل في استبعاد الأفراد الأكثر تضرراً مباشرة من سبل الانتصاف بسبب التعريف القانوني للجريمة المنسوبة، هو تحديداً من نوع الفجوات التي تتطلب مناصرة قانونية منظمة لمعالجتها، سواء عبر التقاضي المدني المحلي أو عبر الضغط على السلطة التشريعية لإصلاح الأحكام القائمة.

وما يزال الجانب الأهم في قضية لافارج من دون حسم، فقد استمر التحقيق القضائي في تورط الشركة في جرائم ضد الإنسانية لما يقرب من ثماني سنوات من دون إحالة القضية إلى المحاكمة، ويعكس هذا التأخير مجموعة من العوامل، من بينها تعقيد الأدلة اللازمة لإثبات وجود صلة بين مدفوعات محددة من الشركة وجرائم محددة ارتكبها تنظيم الدولة ضد المدنيين السوريين، ومحدودية موارد القضاء التحقيقي في مواجهة متهم يملك موارد وفيرة، والحذر المؤسسي من توجيه اتهام من دون سابقة راسخة في القانون الفرنسي.

غير أنَّ إدانة تمويل الإرهاب تغيّر هذه المعادلة، إذ تثبت قضائياً أنَّ لافارج موّلت تنظيم الدولة عن علم خلال الفترة التي ارتُكبت فيها الجرائم ضد المدنيين السوريين والطائفة الإيزيدية، وهذا يشكل أساساً واقعياً وثيق الصلة، لكنَّه ما يزيل العقبة الفقهية المركزية، فقد اشترطت المحاكم الفرنسية تقليدياً وجود صلة تسهيل أكثر مباشرة من المعيار الوارد في نظام روما الأساسي بموجب المادة 25(3)(ج)، التي تكتفي بأن يكون المتهم قد قدم مساعدة وهو يعلم أنَّها ستسهم في ارتكاب الجريمة، من دون اشتراط أن يكون قد قصد النتيجة المحددة بالذات، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت المحاكم الفرنسية ستفسر مفهوم التواطؤ على نحو يقترب من هذا المعيار. ومن الضروري أيضاً التمييز بين عناصر المعرفة في الجريمتين، إذ تطلبت تهمة تمويل الإرهاب إثبات علم لافارج بأنَّ الأموال ستُستخدم من قبل منظمة إرهابية، بينما يقتضي التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجود صلة بتسهيل سلوك إجرامي محدد، فالمعياران متداخلان، لكنَّهما غير متطابقين، واعتبار حكم الإدانة في قضية تمويل الإرهاب حسماً نهائياً لمسألة العلم في تهمة الجرائم ضد الإنسانية من شأنه أن يضخم أثره الحقيقي.

وما يتيحه هذا الحكم، إلى جانب الإجراءات الفرنسية، هو مجموعة من النتائج الواقعية الموثقة قضائياً بشأن شبكة الدفع، والظروف التي واجهها الموظفون، وعملية صنع القرار المؤسسي التي أفضت إلى الأمرين معاً، وهي نتائج تملك وزناً إثباتياً أمام آليات المساءلة الأخرى. ويمكن للهيئات الدولية التي تحقق في سلوك الشركات في سوريا، وللولايات القضائية في الدول الثالثة التي تمارس الولاية القضائية العالمية، أن تستند إلى هذه النتائج من دون الحاجة إلى إعادة بحث الوقائع الأساسية، وتكتسب هذه الصلة بين الإجراءات الجنائية المحلية ومسارات المساءلة الدولية أهمية خاصة، لأنَّ التحقيق في الجرائم ضد الإنسانية قد يستغرق سنوات إضافية قبل أن يُحسم، إن وصل أصلًا إلى مرحلة المحاكمة.

لقد انقضت عشر سنوات بين تقديم الشكوى الأصلية وصدور حكم الإدانة بتمويل الإرهاب، وخلال هذه السنوات، شارك الموظفون السوريون السابقون الذين أطلقوا هذه الإجراءات، وأدلوا بشهاداتهم أمام المحاكم، وانتظروا عقداً كاملاً من التحقيق القضائي، ثم غادروا المحكمة من دون تعويض، وكل ما حصلوا عليه هو حكم قضائي يثبت أنَّ الشركة التي وظفتهم موّلت عن علم الجماعات المسلحة التي هددتهم، وهذا حكم بالغ الأهمية من الناحية القانونية، ولن يفقد قيمته، لكنَّه لا يحقق العدالة.

تلفزيون سوريا

——————————–

القضاء الفرنسي يدين لافارج بتمويل متشددين في سوريا

العربية نت – وكالات

14 أبريل ,2026

دانت محكمة في باريس وحدة لافارج لصناعة الأسمنت التابعة لشركة هولسيم بتهم تمويل الإرهاب وانتهاك العقوبات الأوروبية المفروضة على فرعها في سوريا، وذلك بغرض استمرار تشغيل مصنعها في شمال سوريا خلال الحرب الأهلية.

وأُدين ثمانية من الموظفين السابقين في لافارج، من بينهم الرئيس التنفيذي السابق برونو لافونت الذي حُكم عليه بالسجن ست سنوات، وفق ما نقلت رويترز.

فيما أكد محاميه أنه سيستأنف ضد الحكم.

دفع مبالغ مالية

وخلص القضاة إلى أن لافارج دفعت ما مجموعه 5.59 مليون يورو (6.54 مليون دولار) إلى جماعات متشددة منها تنظيم داعش وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في الفترة بين 2013 وسبتمبر أيلول 2014.

من جانبها قالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفو-ديسبير إن المدفوعات التي قدمتها لافارج ساهمت في دعم الجماعات المتشددة التي نفذت هجمات دامية في سوريا وخارجها.

وأضافت “من الواضح للمحكمة أن الغرض الوحيد من تمويل منظمة إرهابية هو استمرار تشغيل المصنع في سوريا لأسباب اقتصادية. ومكّنت المدفوعات المقدمة إلى الكيانات الإرهابية شركة لافارج من مواصلة عملياتها”.

وتابعت قائلة “اتخذت هذه المدفوعات شكل شراكة تجارية حقيقية مع تنظيم داعش”.

في المقابل قالت الشركة في بيان “تقر لافارج إس.إيه بقرار المحكمة الخاص بقضية قديمة تتعلق بسلوك وقع قبل ما يزيد على 10 سنوات ويمثل انتهاكا صارخا لمدونة قواعد السلوك الخاصة بالشركة”.

وأضافت “يمثل القرار علامة فارقة في جهود لافارج إس.إيه لمعالجة هذه القضية القديمة بمسؤولية. وتعكف الشركة حاليا على مراجعة حيثيات قرار المحكمة”.

غرامة مالية

وصدر أمر لشركة صناعة الأسمنت بدفع غرامة قدرها 1.125 مليون يورو (1.32 مليون دولار)، وهي أقصى عقوبة متاحة للشركات بناء على طلب الادعاء العام.

فيما لم يتضح بعد ما إذا كان الموظفون السابقون الآخرون الذين صدرت بحقهم إدانات سيستأنفون على الأحكام بالسجن لمدد تترواح بين سنة وسبع سنوات بالإضافة إلى غرامات مالية.

ويقع مصنع الجلبية في شمال سوريا، واشترته لافارج عام 2008 مقابل 680 مليون دولار، وبدأ تشغيله عام 2010 قبل أشهر من اندلاع الانتفاضة السورية في 2011. وأبلغ الادعاء المحكمة بأن المدفوعات تمت بين عامي 2013 وسبتمبر (أيلول) 2014.

وكان الموظفون يقيمون في مدينة منبج المجاورة ويحتاجون لعبور نهر الفرات للوصول إلى المصنع. ومن بين المدفوعات، خلصت المحكمة إلى أن أكثر من 800 ألف يورو دُفعت مقابل المرور الآمن للموظفين.

وأضافت المحكمة أن 1.6 مليون يورو أخرى استُخدمت لشراء مواد خام من محاجر كانت تحت سيطرة داعش.

“قرار تاريخي”

يشار إلى أن هذه القضية هي الأولى التي تُحاكم فيها شركة في فرنسا بتهمة تمويل الإرهاب.

ووصفت منظمة شيربا والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، وهما المنظمتان اللتان رفعتا الدعوى القضائية الأولية، الحكم في بيان مشترك بأنه “قرار تاريخي لمكافحة إفلات الشركات متعددة الجنسيات من العقاب”.

وانضمت لافارج إلى شركة هولسيم المدرجة في بورصة سويسرا عام 2015.

وفي قضية منفصلة بالولايات المتحدة، أقرت لافارج عام 2022 بأن فرعها في سوريا دفع ستة ملايين دولار لتنظيم داعش وجبهة النصرة للسماح للموظفين والعملاء والموردين بالمرور عبر نقاط التفتيش بعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا.

ودفعت المجموعة 778 مليون دولار في هيئة غرامات وتعويضات بموجب اتفاق الإقرار بالذنب في الولايات المتحدة.

————————————

لماذا تنشغل هيئة العدالة الانتقالية بقانون الجنسية وتترك محاسبة الجناة؟/ حبيب شحادة

14 أبريل 2026

أثار تنظيم هيئة العدالة الانتقالية مؤتمرًا حول قانون الجنسية تساؤلات حول مبدأ الاختصاص النوعي، إذ يحتاج القانون لوجود برلمان وخبراء في القانون الدستوري وقوانين الجنسية المقارنة، بينما نشأت الهيئة بموجب مرسوم يركز على الانتهاكات المرتبطة بالنزاع السوري.

في نهاية آذار/مارس الفائت نظمت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مؤتمرًا بعنوان ‘الثغرات في قانون الجنسية السوري: تحقيق المساواة بين الجنسين في جامعة دمشق، لمناقشة التحديات القانونية المرتبطة بقانون الجنسية السوري، وسبل تطويره بما يحقق مبدأ المساواة ويعزز الحقوق، ضمن إطار إصلاحي ينسجم مع المعايير القانونية والحقوقية.

واعتبرت الهيئة المؤتمر خطوة مهمة نحو إصلاح قانوني يضمن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في سوريا.

وكان قد أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في أيار/مايو 2025 مرسوما بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا.

وتنطوي مهمة هذه الهيئة بحسب مرسوم تشكيلها على كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام السوري السابق، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

لكن، في المقابل هل التزمت هيئة العدالة الانتقالية بالعمل وفقاً لمرسوم تشكيلها؟ أم تركت عملها الأساسي المتعلق بالعدالة الانتقالية وتعمل بما ليس لها، إذ نظمت الهيئة مؤتمراً حول تعديل قانون الجنسية، بينما هناك موقوفون بلا محاكمات منذ أشهر حتى اليوم.

خلل في ترتيب الأولويات

يشمل مسار العدالة الانتقالية، كما تُعرّفه الأمم المتحدة إلى جانب المحاسبة وكشف الحقيقة مسارات أخرى مثل الإصلاح المؤسسي والتشريعي، ما قد يفتح المجال لمناقشة قضايا كقانون الجنسية، كما قال الحقوقي المعتصم كيلاني، موضحاً في حديثه لـ “ألترا سوريا”، أن هذا الطرح في السياق السوري يعكس خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات في ظل وجود مئات آلاف الضحايا من معتقلين ومختفين قسراً دون معالجة جدية أو تقدم ملموس.

كما أن الانشغال بقضايا قابلة للتأجيل قد يُفهم كنوع من تمييع ملف العدالة الانتقالية بدل التركيز على الواجب الأساسي تجاه الضحايا، وفق الحقوقي كيلاني.

قانون الجنسية: ملف تقني

لا يندرج قانون الجنسية ضمن مسار المحاسبة الجنائية المرتبط بالتحقيق في الجرائم الجسيمة مثل التعذيب والإخفاء القسري وجرائم الحرب، وملاحقة المسؤولين عنها قضائيًا، كما قال كيلاني، مؤكداً أنه ينتمي إلى مجال الإصلاح القانوني والتشريعي ويرتبط بمسائل الحقوق المدنية والمساواة والانتماء القانوني للدولة.

وبحسب الكيلاني، ملف الجنسية تقني بامتياز يحتاج إلى خبراء في القانون الدستوري وقوانين الجنسية المقارنة، وهو ما يضيف مستوى آخر من التخصص.

وأشار إلى أن قانون الجنسية يناقش من خلال عملية تشريعية أوسع، ضمن إصلاح دستوري أو عمل مجلس تشريعي منتخب وهو ليس من صلب عمل هيئة يُفترض أن تركّز على المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر. على أن قانون الجنسية مسار منفصل عن العدالة الجنائية رغم ارتباطه بشكل غير مباشر بضمانات عدم التكرار، بحسب كيلاني.

وتابع بأن العدالة الانتقالية تتطلب تمثيلًا واسعًا لمكونات المجتمع، إلا أن الهيئة الحالية لا تمثل إجماعًا وطنيًا حقيقيًا سواء من حيث التشكيل أو من حيث مستوى الخبرات المتخصصة، إلى جانب غياب خبرات دقيقة في القانون الدولي والجرائم الجسيمة وآليات جبر الضرر.

لكن في المقابل يشير كيلاني إلى أن تدخّل هيئة العدالة الانتقالية في ملف أكثر تخصصًا مثل قانون الجنسية يزيد الشكوك حول قدرتها وشرعيتها في معالجة هذا الموضوع، ويعزز الانطباع بأن هذا الدور ليس من صميم اختصاصها، فضلاً عن معاناة الهيئة من نقص أو جدل حول خبراتها في مجالها الأساسي.

من جانبها ترى المحامية والناشطة المدنية نور جزائرلي أنّ قانون الجنسية يأتي في المرحلة النهائية من العدالة الانتقالية، بعد جبر الضرر والمحاسبة والتعويض، مشيرةً في حديثها لـ “ألترا سوريا” إلى أن قانون الجنسية يرتبط في سياق العدالة الانتقالية بوجود نساء متزوجات من مقاتلين أجانب في سوريا وغير قادرات على إعطاء الجنسية لأطفالهن.

وتقول إنه كان الأولى بهيئة العدالة الانتقالية الانتهاء من العمل على مسودة مشروع قانون خاص بالعدالة الانتقالية ريثما يكون هناك مجلس شعب لمناقشته.

جهود مشتتة

فيما يخص انشغال الهيئة بملفات خارج اختصاصها يرى كيلاني أن ذلك يؤدي إلى تشتيت الجهود وإبطاء العمل في القضايا الأساسية، ويُنتج حالة من الإحباط والسخط لدى المتضررين خصوصاً في ظل محدودية الموارد وغياب خطة أولويات دقيقة.

ويصف التوسع في ملفات ليست ضمن صلب اختصاص هيئة العدالة الانتقالية، مع غياب تقدم ملموس في ملفات الضحايا على أنه قد يُفسَّر محاولة للالتفاف على ضعف الأداء في الملفات الجوهرية، عبر الانخراط في قضايا جانبية أقل حساسية من الناحية السياسية.

وأكد بأن التجارب دولية مثل المغرب تُظهر أن نجاح مسارات العدالة الانتقالية كان قائمًا على التركيز الصارم على الضحايا وكشف الحقيقة، دون التوسع في ملفات موازية قبل تحقيق تقدم حقيقي، ما يجعل أي انحراف عن هذا النهج سببًا مباشرًا في تآكل الثقة وفقدان المصداقية، وفق كيلاني.

محكمة جنايات

إلى ذلك، أنشأت وزارة العدل محكمة جنايات رابعة خاصة بالعدالة الانتقالية دون التنسيق مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي تعاني من غياب الاستراتيجية والقانون، بحسب المحامي مازن درويش، مشيراً إلى أن أن تشكيلها جاء كـ”رد فعل” سريع وغير مدروس، ما جعلها تتخبط في أداء مهامها الأساسية وسط غياب الاستقلالية وتضارب المصالح لدى بعض أعضائها الذين يشغلون مناصب متزامنة خارجها، بحسب تعبيره.

وحذّر درويش، في تصريحات صحفية، من أن إدارة المرحلة الحالية تتم بمركزية تعتمد على الولاء والمحسوبيات بدلاً من الكفاءات الوطنية، ما يعطل إنتاج عقد اجتماعي سوري جديد.

أما المحامية جزائرلي فاستنكرت إنشاء وزارة العدل لمحكمة الجنايات الرابعة خارج إطار هيئة العدالة الانتقالية، وذلك لكون قانون العدالة الانتقالية هو من يبحث في إنشاء المحاكم الخاصة بملف العدالة الانتقالية ومحاسبة الجناة.

يبقى السؤال اليوم لمن تعمل هيئة العدالة الانتقالية إذا كانت الملفات الجوهرية كالمحاسبة ورد الاعتبار قد وضعت بمرتبة ثانية لصالح قضايا تشريعية ليست من اختصاصها، وهل يؤدي ذلك إلى ترسيخ سياسة الإفلات من العقاب؟

الترا سوريا

—————————

سوريا… بين الردّة الثورية والعدالة الانتقالية/ يونس العيسى

في كل ثورة لحظةٌ فارقة لا تقل حساسية عن لحظة اندلاعها، فعند سقوط النظام الذي قامت الثورة لإسقاطه، لا تنتهي المعركة، بل تبدأ مرحلة أشد تعقيدا، وهي مرحلة إدارة النصر، عندها يتحرك أزلام العهد البائد لتغيير مواقعهم، وتبدأ محاولات الردّة بأشكال جديدة وأساليب أكثر دهاء.

فالردة لا تأتي دائما على هيئة انقلاب صريح، بل قد تتسلل من داخل صفوف القوى السياسية ذاتها، عبر خلافات تُدار بسوء نية، أو حسابات ضيقة. وقد تنبع من فلول النظام السابق، ممن ما زالوا يتمركزون داخل مؤسسات الدولة أو يتحركون في محيطها، وتتمثل في حملات كراهية منظمة، وبث للشائعات، وتحريضٍ ممنهج، وتحشيد جهوي وطائفي وعرقي، يُراد منه تمزيق النسيج الوطني وإرباك المشهد العام.

مثل هذه المحاولات لا يجدي معها التراجع، أو دفن الرؤوس في الرمال، ولا يصلح في مواجهتها خطاب المجاملة أو الصمت المتواطئ، بل ينبغي أن تكون جرس إنذار يدفع إلى إعادة تنظيم الصفوف، واستنهاض الطاقات، وبلورة اصطفاف وطني واضح المعالم، قادر على التصدي لما يُحاك في الظل وإفشاله قبل أن يتحول إلى واقع مفروض.

ذاكرة الدم… ومحاولة الالتفاف عليها؟

يتوهم أعداء الثورة أن بإمكانهم الالتفاف على تضحيات السوريين، أو إنهاكهم حتى القبول بالأمر الواقع، أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. غير أن الشعب الذي دفع ثمنا باهظا في سبيل حريته لا يُخدع بسهولة، ولا يُستدرج إلى الاستسلام، فقد خاض الشعب الثائر، في سبيل الخلاص من نظام الأسد، بحرا من الدماء والدموع والجراح. لم تكن تلك التضحيات عبثا، ولم تكن الثورة نزهة عابرة في تاريخ البلاد، بل كانت صرخة وجود وكرامة في وجه الاستبداد. وما تزال الجراح مفتوحة، وما تزال العدالة خجولة لإنصاف الضحايا وذويهم، لذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الطغيان، بأسماء جديدة، أو وجوه مموّهة، لن تكون سوى استفزاز لذاكرة الألم، واعتداء على حق السوريين في العدالة وبناء دولة تليق بتضحياتهم.

ما هي الردّة الثورية؟

الردّة الثورية ليست بالضرورة انقلابا مباشرا على الثورة، بل قد تتجلى في تسلل ذهنية النظام البائد إلى البنية الجديدة للدولة، يحدث ذلك حين تُستبدل الأسماء ولا تُستبدل القواعد، أو حين يُعاد تدوير من كانوا في صف النظام السابق على اختلاف درجاتهم الوظيفية، من دون مراجعة حقيقية لمسؤولياتهم وممارساتهم والانتهاكات التي ارتكبها بعضهم. وقد تظهر الردّة في تراجع بعض الثوار أنفسهم عن مبادئ العدالة والحرية، تحت ضغط السلطة، أو إغراء التسويات السياسية والمناصب، فالأنظمة المستبدة لا تسقط دفعة واحدة، بل تتفكك تدريجيا، وتترك خلفها شبكات نفوذ وأجهزة مترابطة قادرة على إعادة التموضع. بعد سقوط النظام وفرار رأسه، أعلن بعض المسؤولين السابقين ولأسباب متباينة أن قناعاتهم كانت متأخرة بعدالة التغيير، داعين إلى قراءة واقعية لموازين القوى، غير أن التمييز بين مراجعة صادقة ومحاولة التفاف انتهازية ليس مهمة عاطفية، بل قانونية وسياسية بامتياز.

دروس من التجارب الدولية

بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار نظام ألمانيا الشرقية، واجهت الدولة الموحدة معضلة التعامل مع كوادر الحزب الاشتراكي وأجهزة الأمن، وعلى رأسها جهاز الشتازي، لم تعتمد ألمانيا سياسة تطهير شامل، لكنها لم تمنح عفوا مطلقا، حيث تم فتح أرشيف جهاز الأمن أمام المواطنين لكشف الحقيقة. إخضاع المتورطين في الانتهاكات لمحاكمات محددة. منع بعض القيادات الأمنية من تولي مناصب عامة. كانت المعادلة واضحة: كشف الحقيقة أولا، ثم محاسبة من تورط، ثم دمج من لم تتلطخ أيديهم بانتهاكات جسيمة. هكذا جرى تفكيك النظام، من دون تفكيك الدولة. أما في جنوب افريقيا، بعد نهاية نظام الفصل العنصري، فقد اختارت جنوب افريقيا نموذج «لجنة الحقيقة والمصالحة»، حيث لم يكن العفو مجانيا، بل مشروطا بالاعتراف الكامل بالانتهاكات أمام الرأي العام، وهذا النموذج لم يُلغِ الألم، لكنه منع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية، وأسس لفكرة أن العدالة قد تأخذ شكلا ترميميا لا انتقاميا. في المقابل، أدت سياسة «اجتثاث البعث» في العراق بعد عام 2003 إلى إقصاء آلاف الموظفين، من دون تمييز دقيق بين من تورط في جرائم ومن كان جزءا إداريا من الدولة. وقد ساهم هذا النهج في خلق فراغ مؤسسي وأزمات سياسية وأمنية ما تزال آثارها مستمرة، وهنا يتضح أن الإقصاء الشامل قد يهدم مؤسسات الدولة، بدل إصلاحها.

بين العفو والعدالة: أين يقف الثوار؟

التسامح السياسي لا يعني طي الصفحة، من دون قراءة، كما أن المحاسبة لا تعني الانتقام، التجارب المقارنة تشير إلى ثلاثة مبادئ أساسية: المساءلة فردية لا جماعية: لا يُحاسب الناس بالانتماء، بل بالفعل. كشف الحقيقة شرط للمصالحة، منع إعادة إنتاج أدوات الاستبداد داخل النظام الجديد. فالثورة التي تتحول إلى عملية تطهير عشوائي قد تقع في منطق الإقصاء ذاته الذي ثارت عليه. والثورة التي تفتح أبوابها بلا شروط قد تفرغ نفسها من مضمونها الأخلاقي، فالخطر الحقيقي يكمن في تغيير الوجوه لا القواعد، والمعيار ليس الماضي وحده، بل السلوك الحالي، والالتزام الفعلي بسيادة القانون، والقبول بالمحاسبة، واحترام قواعد الدولة المدنية.

لماذا تحدث الردّة الثورية؟

الردّة ليست قدرا محتوما، لكنها غالبا نتيجة خلل في إدارة المرحلة الانتقالية. ومن أبرز أسبابها: غياب الرؤية المؤسسية: فحين تسقط السلطة من دون خطة واضحة، يملأ الفراغ أصحاب الشبكات القديمة. ضعف البنية التنظيمية للثوار: إسقاط النظام لا يعني امتلاك أدوات الحكم. تغليب المصالح على المبادئ: تسويات سريعة على حساب أهداف الثورة. التدخلات الخارجية: دعم شخصيات من النظام السابق بحجة الخبرة أو الاستقرار. غياب المساءلة المبكرة: كلما تأخرت المحاسبة، ترسخت شبكات النفوذ القديمة.

كيف نمنع الردّة ونؤسس لعدالة انتقالية حقيقية؟

إطار قانوني واضح ينظم المحاسبة وجبر الضرر وكشف الحقيقة. التفريق بين المستويات: التمييز بين مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، ومن لم يتورطوا مباشرة. الشفافية وفتح الأرشيفات لتعزيز الثقة المجتمعية. مشاركة الضحايا في صياغة مسار العدالة. ضمانات عدم التكرار عبر إصلاح الأجهزة الأمنية وتعزيز استقلال القضاء. خطاب سياسي جامع يؤكد أن العدالة تحمي المستقبل ولا تنتقم من الماضي.

الثورة اختبار أخلاقي مستمر

يقاس نضج الثورات بقدرتها على إدارة الماضي من دون أن تُستعبد له، وبقدرتها على تحويل الغضب إلى عدالة لا إلى ثأر. قبول بعض المنشقين ليس ضعفا إذا كان ضمن إطار قانوني واضح، ورفضهم جميعا ليس قوة إذا كان بدافع الانتقام. فالعدالة الانتقالية ليست تنازلا عن المبادئ، بل الوسيلة الوحيدة لحمايتها من الردّة. لأن الردّة لا تنشأ فجأة، كما أن العدالة لا تُطبق تلقائيا؛ كلاهما نتاج شروط سياسية واجتماعية معقدة.

المعادلة الدقيقة هي: عدالة بلا انتقام، ومصالحة بلا إنكار

الثورة ليست فعلا أخلاقيا مجردا، بل عمل سياسي معقد. والتعامل مع أزلام النظام البائد يجب أن يكون مؤسسيا لا انفعاليا، فلا إقصاء شامل يفتح أبواب الثأر، ولا عفو مطلق يهدر الحقوق. إن نجاح أي ثورة يُقاس بقدرتها على تحويل الغضب إلى عدالة، والقطيعة إلى تأسيس جديد، من دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية أو تسقط في فخ إعادة إنتاج ما ثارت عليه.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————

يحيّر أنصار الثورة.. إسناد وظائف مهمة لرجال من حقبة الأسد/ فراس فحام

دمشقـ جاءت استقالة المسؤول الإعلامي في الشركة السورية للبترول عدنان الإمام لتسلط الضوء من جديد على ملف توظيف “فلول النظام السابق” داخل مؤسسات الدولة، في ظل تزايد التسريبات خلال الأشهر الماضية بشأن إسناد مناصب عامة لشخصيات ارتبطت سابقا بنظام بشار الأسد.

وحظيت استقالة الإمام باهتمام إعلامي وشعبي واسع، بعدما أعلنها عبر بيان رسمي أرجع فيه قراره إلى تعيين شخص يدعى طلال الحلاق مديرا للعلاقات الدولية والاتصال في الشركة.

واتهم الإمام الحلاق بارتباطه في السابق بأفرع المخابرات التابعة للنظام السابق، مرفقا اتهاماته بوثائق قال إنها تظهر اتصالات بين الحلاق وجهات أمنية.

وأثارت هذه القضية مؤشرات جديدة على ما يراه البعض مسارا حكوميا يهدف إلى احتواء شريحة من الموالين السابقين، مع تجاوز ماضيهم الوظيفي، رغم إعلان وزير الطاقة السوري محمد بشير لاحقا إصدار توجيهات بفتح تحقيق للتدقيق في خلفيات الحلاق.

ولا تبدو هذه الحادثة معزولة، إذ تداولت وسائل إعلام سورية وثائق تتهم خالد العليج، مدير مديرية المشاريع المشتركة في الشركة ذاتها، بالتورط في تسهيل سيطرة إيران على حقول نفطية خلال فترة حكم النظام السابق.

وتأتي هذه التطورات في سياق سلسلة وقائع أثارت جدلا مشابها، من بينها إعلان رجل الأعمال محمد حمشو، أحد أبرز الوجوه الاقتصادية للنظام السابق، توصله إلى “اتفاق شامل” مع الحكومة الجديدة لتسوية وضعه القانوني، فضلا عن الجدل الذي رافق ظهور فادي صقر، أحد قادة المليشيات الموالية للنظام السابق، إلى جانب محافظ دمشق ماهر الإدلبي.

ودفع ذلك أعضاء في لجنة السلم الأهلي إلى تبرير هذه الخطوات بوجود تعاون مع بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق في ملفات أمنية، في حين لم تستبعد قيادات سابقة في المعارضة السورية، شاركت في مفاوضات برعاية أممية قبل سقوط النظام، أن يكون هذا المسار جزءا من مقاربة أوسع.

وفي هذا الإطار، رجح قيادي سابق في المعارضة -فضل عدم الكشف عن اسمه- أن تسعى الحكومة السورية إلى إقناع الأمم المتحدة بأنها تمضي في تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالمرحلة الانتقالية، والتي تنص على إشراك مختلف الأطراف السورية.

أسباب ودوافع

في المقابل، نفى الباحث في السياسات العامة وائل ميرزا أن يكون وجود عناصر من النظام السابق داخل مؤسسات الدولة سياسة ممنهجة على نطاق واسع، مشيرا إلى أن الأعداد المتداولة تبقى محدودة مقارنة بحجم الجهاز الإداري في البلاد.

وأوضح ميرزا، في حديثه للجزيرة نت، أن الحديث عن انتشار واسع لتوظيف “الفلول” يفتقر إلى الدقة، مرجحا ألا يتجاوز عددهم في الوظائف العامة بضع عشرات أو نحو 100 شخص في أقصى تقدير، معتبرا أن ذلك يعود جزئيا إلى أخطاء فردية أو ثغرات إدارية، وربما إلى مقاربات حكومية غير واضحة للرأي العام، دون أن يعكس توجها بنيويا عاما.

من جهته، ربط رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني استمرار بعض كوادر النظام السابق في مؤسسات الدولة بجملة من العوامل، في مقدمتها الحاجة الوظيفية.

وأشار عبد الغني، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن الدولة السورية ورثت مئات آلاف الموظفين الذين أداروا قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والبنية التحتية لعقود، في ظل غياب بدائل جاهزة، وهو ما يجعل إعادة دمج جزء منهم ضرورة في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.

كما لفت إلى وجود اعتبارات سياسية تتمثل في تجنب تعميق شعور التهميش لدى بعض المكونات الاجتماعية، لا سيما إذا شمل الإقصاء كوادر تنتمي إلى طيف علوي، مما يدفع الحكومة إلى التعامل بحذر مع هذا الملف، وإعادة دمج من لا يواجهون اتهامات جنائية واضحة، بهدف الحد من الاحتقان الاجتماعي.

وفي المقابل، تبدو الحكومة أكثر تشددا حيال إعادة دمج عناصر النظام السابق في المؤسستين العسكرية والأمنية، إذ فتحت المجال لعودة الضباط المنشقين بين عامي 2011 و2020 إلى وزارة الداخلية، مع فرض قيود على عودة من استمروا في مواقعهم حتى سقوط النظام، خاصة في حال الاشتباه بتورطهم في انتهاكات.

آثار محتملة

وتتجدد مع كل جدل حول هذا الملف التساؤلات بشأن مسار العدالة الانتقالية، ومدى جدية الحكومة في المضي فيه.

وفي هذا السياق، يرى عبد الغني أن هناك مؤشرات رسمية على وجود نية لتطبيق العدالة الانتقالية، لكنها لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظل غياب آليات مؤسسية واضحة وشفافة لفرز الموظفين ومنع بقاء المتورطين في انتهاكات داخل مؤسسات الدولة.

وحذر من أن استمرار هذا الغموض قد ينعكس سلبا على ثقة الضحايا بالمؤسسات الجديدة، مشيرا إلى أن البلاد تواجه اختبارا حاسما بين بناء منظومة موثوقة للفرز والمحاسبة، أو الانزلاق نحو تجارب سابقة أفضت إلى عدم الاستقرار، كما حدث في العراق بعد عام 2003.

وصدرت مؤخرا تحذيرات من نشطاء من احتمالية تصاعد الاحتقان بين الشرائح التي شاركت في الثورة السورية والإدارة الحالية، على وقع التسريبات المتكررة عن تعيينات لمنتسبين للنظام السابق ضمن مؤسسات الدولة، ومنها تكليف هلا حسن بمهام مديرة مكتب وزير السياحة السوري، على الرغم من ارتباطها السابق بحزب البعث الذي احتكر الحياة السياسية في عهد نظام الأسد بحقبتي الأب والابن.

الجزيرة

—————————

الأمم المتحدة: سوريا تحتاج دعماً لضمان استدامة مسار العدالة الانتقالية

مسؤولة أممية: قدرة سوريا على تحقيق العدالة ما تزال محدودة

2026-04-14

أكدت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، أن سوريا أحرزت “تقدماً ملحوظاً” في مجال العدالة الانتقالية خلال العام الماضي، ما يعزز الآمال في تحقيق المساءلة والتعافي بعد أكثر من عقد من الحرب، مشددة في الوقت ذاته على أن استمرار هذا المسار يتطلب دعماً دولياً متواصلاً في ظل التحديات الإنسانية والمؤسساتية القائمة.

وأشارت المنظمة إلى أن إصرار السوريين على إعادة بناء بلدهم عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 حظي باعتراف واسع، غير أن خبراء حذروا من أن الحفاظ على زخم المرحلة الانتقالية يستوجب انخراطاً دولياً مستداماً يواكب هذه الجهود.

ويعمل فريق خبراء تابع للأمم المتحدة معني بسيادة القانون والعنف الجنسي في النزاعات داخل سوريا على دعم المؤسسات الوطنية في التحقيق والملاحقة القضائية لجرائم العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع، إلى جانب تعزيز منظومة سيادة القانون بشكل عام، وفق ما أورده موقع أخبار الأمم المتحدة.

وأوضحت صوفيا كاندياس، المسؤولة في الشؤون القضائية ضمن الفريق، أن ما تحقق خلال عام واحد يعد لافتاً، مشيرة إلى أن السوريين تمكنوا من وضع أسس مهمة في هذا المجال.

ورغم هذا التقدم، لفتت إلى أن الواقع لا يزال هشاً، في ظل ضعف المؤسسات، وانتشار الصدمات النفسية، والحاجة الملحة لتحويل الالتزامات إلى مساءلة فعلية.

وبيّنت أن فريق الخبراء، الذي أُنشئ بموجب قرار مجلس الأمن 1888 عام 2009، بدأ عمله في سوريا عقب سقوط النظام، ونُشر ثلاث مرات، حيث تعاون مع جهات سورية عدة، بينها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وهيئة المفقودين، وعدد من الوزارات، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني، في إطار نهج يركز على بناء الملكية الوطنية مع تقديم الدعم الفني لضمان استدامة جهود العدالة.

وأكدت كاندياس أن منظمات المجتمع المدني تشكل العمود الفقري للعدالة الانتقالية، لكونها الوسيلة الأساسية للوصول إلى الضحايا والاستماع إليهم، مشيرة إلى أن هذه المنظمات وثقت على مدى سنوات انتهاكات حقوق الإنسان، ما قد يشكل قاعدة أدلة مهمة للملاحقات القضائية مستقبلاً.

وفي ما يتعلق بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، أوضحت أن التحدي الأكبر يتمثل في عدم معرفة الحجم الحقيقي لهذه الجرائم، مرجحة أن الصورة الكاملة قد لا تُعرف أبداً، رغم المؤشرات المقلقة التي تؤكد انتشار هذه الانتهاكات بشكل واسع ومنهجي خلال سنوات الحرب، سواء في مراكز الاحتجاز أو عند الحواجز أو خلال النزوح، حيث استُخدم العنف الجنسي كأداة متعمدة للإذلال والعقاب.

وأضافت كاندياس أن عدد الحالات الموثقة لا يعكس الواقع الفعلي، بسبب الوصمة الاجتماعية التي تمنع العديد من الناجين من التقدم للإبلاغ، مؤكدة أن هذه الجرائم لم تكن عرضية بل جزءاً من نهج منظم.

وأشارت إلى أن النساء والفتيات كن الأكثر تضرراً، إلا أن الرجال والفتيان تعرضوا أيضاً لانتهاكات واسعة، لا سيما في مراكز الاحتجاز، حيث أظهرت بيانات إحدى المنظمات الشريكة أن 98 بالمئة من الرجال والفتيان المحتجزين في عينة الدراسة تعرضوا للعنف الجنسي، مع احتمال أن تكون النسبة الحقيقية أعلى من ذلك.

وبيّنت أن الوصمة الاجتماعية تمثل العائق الأكبر أمام تحقيق العدالة، إذ تؤثر على الضحايا على مستويات متعددة، من الشعور الداخلي بالخجل، إلى الرفض المجتمعي، وصولاً إلى الصمت العام، ما يدفع كثيرين إلى عدم الإفصاح عما تعرضوا له.

وشددت على ضرورة توفير بيئة آمنة تشجع الضحايا على طلب المساعدة، تبدأ بالاعتراف العلني بخطورة هذه الجرائم وكونها انتهاكات يعاقب عليها القانون، بما يسهم في تحويل اللوم إلى الجناة، إضافة إلى أهمية إنشاء مساحات آمنة تتيح للناجين الحصول على الرعاية الطبية والدعم النفسي والمساعدة القانونية دون خوف، مع مراعاة خصوصية كل مجتمع.

ورغم التقدم المؤسساتي، أكدت كاندياس أن قدرة سوريا على تحقيق العدالة ما تزال محدودة، نتيجة تدهور الأنظمة الطبية والقضائية والجنائية بفعل سنوات الحرب، ما يعيق جمع الأدلة وحفظها، ويؤثر على قدرة المحققين والمدعين العامين على متابعة القضايا، كما أن غياب الدعم النفسي يقلل من احتمالية إقدام الضحايا على الإبلاغ.

وأوضحت أن الهدف يتمثل في تمكين المواطنين من استعادة حقوقهم، معتبرة أن الناجي ليس مجرد ضحية بل فاعل ومواطن يجب أن يكون قادراً على المطالبة بحقوقه.

كما حذرت من تراجع التمويل الدولي، خاصة الموجه لمنظمات المجتمع المدني التي تقود جهود التوثيق وتقديم الدعم المباشر للناجين، إضافة إلى محدودية التمويل المخصص للمؤسسات الوطنية، معتبرة أن هذا التراجع يهدد بتقويض ما تحقق.

وأشارت إلى أن غياب الموارد قد يؤدي إلى فقدان الأدلة، وانسحاب الضحايا من العملية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الناشئة، ما قد يعيد جهود المساءلة سنوات إلى الوراء.

واختتمت بالتأكيد على أن سوريا تقف أمام لحظة حاسمة، حيث يشكل التقدم السريع في العدالة الانتقالية فرصة نادرة لتحقيق المساءلة، لكنها فرصة هشة تعتمد على استمرار الدعم الدولي، مشددة على أن الوقت الحالي يمثل اللحظة المناسبة للاستثمار في هذه الجهود، وأن الفشل في دعمها قد يبدد ما تحقق حتى الآن.

وقبل أيام، أكد مسؤول الشؤون القضائية بفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالعنف الجنسي أثناء النزاع، محمد يوسف، أن تحقيق العدالة للناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في سوريا يُعد أمراً بالغ الأهمية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، مشدداً على ضرورة توفير دعم شامل يراعي احتياجاتهم ويُمكنهم من اتخاذ قراراتهم بشأن سبل الانتصاف.

وأوضح يوسف، أن عمل الفريق يتركز على دعم الجهود الوطنية ضمن إطار سيادة القانون، وذلك بالتعاون مع المؤسسات السورية المعنية بالعدالة الانتقالية والمجتمع المدني، إضافة إلى الناجين أنفسهم، وفق ما أفاد به موقع أخبار الأمم المتحدة.

وأشار إلى أن الفريق يضم خبراء من مختلف إدارات الأمم المتحدة، ويعمل عن كثب مع مكتب الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي أثناء النزاع، لافتاً إلى أن الفريق أجرى عدة زيارات إلى سوريا، كان آخرها في مطلع العام الحالي، بهدف بحث القضايا المرتبطة بالعنف الجنسي خلال الحرب.

وبيّن يوسف أن الدعم الذي يقدمه الفريق يشمل تعزيز القدرات الفنية داخل أنظمة العدالة والصحة، بما في ذلك تطوير الخبرات في مجال الطب الشرعي، وتدريب المختصين للمساهمة في التحقيقات والإجراءات القضائية، مؤكداً أن الهدف ليس استبدال الخدمات المقدمة للناجين، بل ضمان قدرة المؤسسات على الاستجابة عندما يختار الناجون الانخراط في مسارات العدالة الانتقالية.

وشدد على أهمية إدماج قضايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في تصميم هيكلية العدالة الانتقالية منذ البداية، لتفادي تهميشها لاحقاً، إلى جانب ضرورة ربط إجراءات العدالة بالخدمات المتاحة للناجين بطريقة لا تُلحق بهم مزيداً من الضرر.

—————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى