إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر 08 نيسان 2026

تابع مكونات الملف اتبع الرابط التالي:
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
تحديث 08 نيسان 2026
الاستنزاف خارج الإطار الوطني.. لماذا تبقى الدولة ضرورة للسويداء؟/ مها سلطان
أبريل 8, 2026
وضعية الاستنفار الدائم التي تعيشها محافظة السويداء لا تترك مفرا من طرح سؤال مركزي يتجدد مع كل تصعيد داخلي تشهده المحافظة: ماذا بعد؟
السؤال يتعلق بأهل السويداء أكثر من غيرهم، لناحية الاستمرار في ظل أوضاع أمنية واجتماعية منفلتة ومتفلتة من أي معايير أو قواعد للانتظام والانضباط.
بعد اقتحام مديرية التربية في السويداء، الاثنين الماضي، من قبل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون تتبع لـ حكمت الهجري، والاعتداء على موظفيها بالضرب والإهانة وإطلاق الرصاص، بدا المشهد الداخلي في حالة تخبط أشد وأعمق، خصوصا أن هذا الاقتحام تلاه قرار من الهجري بحل ما يسمى “اللجنة القانونية”، وتأسيس “مجلس إدارة” تحت مسمى “إدارة أزمة”، وتكليف القاضي المحال للتحقيق، شادي مرشد بتشكيله.
هذا المجلس، كما هو حال “اللجنة القانونية”، طرح الكثير من التساؤلات حول قانونيته ودوره ومهامه، والأهم هو قدرته على ضبط الانفلات الذي يتعمق بصورة متسارعة، بالتوازي مع الجدل القائم حول الشخصيات التي يتم اختيارها، وآخرها شادي مرشد. وهو، للتوضيح، جدل داخلي يتوسع باتجاه تكريس حالة الانقسام والانفلات والفوضى التي تضرب المحافظة، وتنعكس بتداعيات كارثية على أوضاع أهلها. وسبق لأهالي السويداء أن خرجوا مرات عدة في تظاهرات ضد هذه اللجنة، آخرها الأحد الماضي.
ويبدو أن حجم التداعيات وصل إلى المستوى الذي قاد إلى تشكيل “إدارة أزمة”، في اعتراف واضح بحالة الاستعصاء التي تواجه مجموعات الهجري، فما الذي يمكن أن تحققه هذه “الإدارة” في ظل أن من يرأسها لديه سيرة ذاتية لا تحظى بقبول يعول عليه في عملية ضبط عوامل التصعيد والتأزيم؟ والحديث هنا عن القبول الداخلي وليس العام، فهذا له حديث آخر، مع التوضيح بأن مرشد يتولى قيادة الأمن العام في السويداء بقرار من الهجري، خلفا لشكيب نصر الذي أثار تعيينه جدلا واسعا، علما أن كليهما يتشاركان في خلفية سوداء مرتبطة بخدمة النظام السابق واتهامات بالفساد وارتكاب انتهاكات.
وكان الهجري أعلن، في بيان، أن تشكيل “اللجنة القانونية” كان استجابة لظروف استثنائية في مرحلة سابقة، مؤكدا أن حلها يأتي في إطار الانتقال إلى إدارة جديدة هي بمنزلة “إدارة أزمة” تركز على التعامل مع تداعيات المرحلة الراهنة، بما يشمل تأمين سبل العيش وتعزيز الاستقرار الداخلي.
لنوضح أكثر..
في آب الماضي، برز للسوريين اسم شادي مرشد من بين أسماء عدد من القضاة الذين تم كف يدهم وتحويلهم إلى إدارة التفتيش والتحقيق لمخالفتهم الواجبات الملزمة للقاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية، ولا سيما المواد 78 وما يليها، التي لا تجيز للقاضي الجمع بين الوظائف القضائية وبين مهنة أخرى أو أي عمل تبعي آخر يؤديه بالذات أو بالواسطة، أو الاشتغال بالسياسة. وكان من بين الأسماء مهند أبو فاعور، الذي كان يرأس “اللجنة القانونية”، وأيمن الحرفوش، ومفيد عماشة، وعصام العراوي، ومعتز الصايغ.
حينها، أوضح مصدر في وزارة العدل أن القضاة المشمولين بكف اليد، ومنهم مرشد، باشروا عملا سياسيا محضا يتعارض مع المصالح الوطنية ويثير دعوات التفرقة والتقسيم، وقد باشروه بتكليف من جهة غير مجلس القضاء الأعلى، في إشارة إلى “اللجنة القانونية” آنفة الذكر، وتبعا لقرارات الهجري.
وفي السويداء، يتهمون مرشد، الذي ينحدر من قرية تعارة في ريف السويداء الغربي، بأنه أحد أبرز أدوات النظام السابق في المحافظة من خلال دوره قاضي تحقيق وعضوا في نقابة المحامين، وسبق أن تولى التحقيق مع عشرات الناشطين بتهم “النيل من هيبة الدولة والتخابر مع جهات خارجية”، ومن بينهم ناشطون من السويداء.
وعندما قام الهجري باستبدال شكيب نصر بشادي مرشد، ثارت موجة واسعة من الجدل والاعتراضات، ما تزال قائمة، داخل السويداء وخارجها، على خلفية الاستعانة بشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وورد اسمها في شهادات معتقلين سياسيين تحدثوا عن تعرضهم لانتهاكات جسيمة.
الدولة هي الحل
في كل مرة يطرح سؤال “ماذا بعد؟” المتعلق بأهل السويداء، يتم استدعاء سؤال الدولة وحضورها، كونها ضرورة ملحة لمنع الاحتراب والانقسام. فالدولة ضرورة لا يمكن تحييدها، وهنا يركز المحللون على مسألة النفس الطويل الذي تعتمده الدولة السورية في التعامل مع الملفات الداخلية، ويدللون على ذلك بمثال “قسد”، حيث الحلول السياسية دائما حاضرة رغم الحالة العسكرية التي كانت قائمة. والمسألة مسألة وقت قبل أن تتشكل نتيجة نهائية مفادها أن الدولة هي الحل، وليس الكانتونات وحالة الاستنفار الدائم. ويمكن القول هنا إن تسوية ملف “قسد” لم تستغرق الوقت الذي كان مدرجا على جدول التوقعات، التي اتجه بعضها إلى أنه عصي على الحل وأن الحالة الانفصالية ستغلب في النهاية، فهو ملف طويل وشائك ويتداخل فيه العامل الأميركي الأكثر تأثيرا، لكن الملف تمت تسويته في أقل من ثلاثة أشهر.
والأمر نفسه ينسحب على السويداء، وبالنظر إلى حالة الغضب الشعبي التي تتسع حول مجموعات الهجري الخارجة عن القانون، وما تكرسه من حالة انفلات أمني، فإن المسألة قد تكون مسألة وقت فقط.
إن قراءة مستجدات الأحداث في السويداء بهدوء، بعيدا عن التأجيج والانفعال، تكشف، وفق الكاتب والباحث السياسي ياسر محمد السليمان، أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في حادثة بعينها، بل في اتساع الفراغ الذي تتركه الدولة حين تضعف أو تغيب. ففي مثل هذه الظروف، تبدأ القوى المحلية بمحاولة ملء هذا الفراغ، سواء عبر تشكيل لجان أو مجالس أو هياكل بديلة، وهي خطوات قد تبدو ضرورية في لحظة الأزمة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر التفكك إذا تحولت إلى بدائل دائمة.
ويشدد السليمان، في حديث لـ”الثورة السورية”، على حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وهي أن وجود الدولة ليس ترفا سياسيا، بل هو شرط أساسي لمنع الانزلاق نحو الاحتراب والانقسامات. فالدولة، رغم كل ما قد يعتريها من ضعف أو قصور، تبقى الإطار الجامع الذي يضبط العلاقات ويمنع تضارب السلطات. أما في غيابها، فإن تعدد المرجعيات يفتح الباب أمام صراعات النفوذ، ويحول أي خلاف إلى أزمة قابلة للتصعيد.
ولعل ما يعزز هذه الفكرة هو النظر إلى تجارب قائمة في الجغرافيا السورية، مثل نموذج “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، الذي نجح في بناء إدارة محلية ضمن ظروف خاصة، لكنه في الوقت ذاته واجه تحديات معقدة تتعلق بالاعتراف السياسي والاستقرار طويل الأمد. وهذه التجربة، على خصوصيتها، تظهر أن البدائل المحلية قد تنجح مرحليا، لكنها تبقى محكومة بسياقات استثنائية يصعب تعميمها، ولا يمكن أن تشكل بديلا كاملا عن دولة مركزية ذات شرعية شاملة.
والرسالة الأهم في ظل هذه التطورات، يضيف السليمان، هي أن الحلول السياسية، مهما بدت طويلة وشائكة، تظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بمسارات التفكك. فالتجارب أثبتت أن ما يبنى في ظل التوتر والسلاح يصعب تثبيته، وأن أي “إدارة أزمة” خارج الإطار الوطني تبقى مؤقتة وقابلة للاهتزاز. ومن هنا، يصبح الحفاظ على مرجعية وطنية جامعة ضرورة ملحة، ليس فقط لضبط الأمن، بل لحماية النسيج الاجتماعي من الانقسام.
وبالمحصلة، يرى السليمان أن السويداء تقف أمام مفترق طرق دقيق: إما الانزلاق نحو نماذج محلية متنازعة تدار تحت ضغط القلق والاستنفار، أو التمسك بخيار الدولة والعمل على إعادة تفعيل دورها عبر مسارات سياسية تدريجية. وقد يكون الطريق الثاني أطول وأكثر تعقيدا، لكنه يظل الطريق الأكثر أمانا للحفاظ على وحدة المجتمع ومنع تحول الأزمات الراهنة إلى واقع دائم. والدليل على ذلك الأحداث الأخيرة في السويداء خلال اليومين الماضيين، فأن يتم اقتحام مؤسسة رسمية، هي مديرية التربية، والاعتداء على موظفيها وصولا إلى اختطاف مديرها وإجباره على التنحي، فهذا يعني أن الأزمة في السويداء تجاوزت البعد الخدمي أو المعيشي إلى منحى أكثر خطورة. أما إعلان الهجري تشكيل “إدارة أزمة”، فهو خطوة تعكس محاولة للتعامل مع الواقع المستجد، لكنها تثير، في الوقت ذاته، تساؤلات عميقة حول المسار الذي تتجه إليه الأوضاع الداخلية في المحافظة.
استنزاف وعزلة
السياقات نفسها يتحدث عنها الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، الذي يرى أن التصعيد الحاصل في السويداء سيؤدي إلى شرخ اجتماعي أوسع داخل السويداء نفسها. فالاعتداء على مؤسسة رسمية هو جرس إنذار يشير إلى أن الطريق نحو “الإدارات الذاتية” المنفصلة هو طريق نحو الاستنزاف الدائم وفقدان الهوية الوطنية، فالدولة الموحدة، رغم وجود بعض الثغرات التي من الواجب تلافيها، تبقى المرجعية القانونية والسياسية، والحل دائما يبدأ وينتهي بالحوار والتفاوض، وليس بفوهات البنادق داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها.
ويضيف كويفي، في حديث لـ”الثورة السورية”، قائلا: لعل الدرس المستفاد من تجربة “قسد” يمكن اعتباره نموذجا حيا للمخاطر التي تواجه السويداء اليوم، من حيث الاستنزاف الأمني والنزاعات والاصطدام مع المحيط، والتبعية الخارجية وفق مصالح الدول الداعمة والتوازنات الإقليمية والدولية في سياساتها مع الدولة السورية، والعزلة ضمن تقوقع جغرافي محدد، فمهما بلغت قوة “الإدارات المحلية” تظل عاجزة عن تقديم خدمات سيادية، مثل جوازات السفر والاعتراف بالشهادات التعليمية والتجارة الدولية، بمعزل عن المركز والعاصمة دمشق، إلا عبر توافق وطني سوري شامل.
لا شك أن تهميش محافظة السويداء ضمن مركزية حديدية للنظام المخلوع ومنظومته الأمنية العنيفة خلال عقود من الزمن، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتنمويا، انعكست تأثيراته سلبيا على مسار التقارب والتشاركية مع الحكومة الحالية، وعلى الأخص أن محافظة السويداء وأهلها شاركوا في الثورة السورية ضد النظام المخلوع، ورفضوا التحاق أبنائهم في جيش الأسد، وقاموا باعتصام مدني سلمي في ساحة الكرامة بالسويداء، مطالبين بمطالب الثورة السورية ومنددين بحكم الهارب. ومن هنا تبرز عملية بناء الثقة كضرورة وطنية للحفاظ على سوريا الجديدة، مع ما يوازي ذلك من حوارات مجتمعية وسياسية وتنموية وثقافية تفضي إلى عقد اجتماعي جديد.
ويتابع كويفي: إن منع الانزلاق نحو التفتيت يتطلب وجودا مركزيا للدولة، فغياب مؤسساتها يعني غياب “الناظم” للعلاقات بين الأفراد والجماعات، مما يفتح الباب أمام الاحتراب الداخلي وتصفيات الحسابات الشخصية تحت مبررات متعددة خارجة عن القانون ومنظومة حقوق الإنسان.
فرص تراكمية
هناك مجموعة من الحقائق التي لا بد من الوعي بها، خاصة من أهل السويداء، وعموم السوريين بقواهم الأهلية والمدنية والدينية الفاعلة، وهي، كما يقول الباحث والمحلل السياسي نورس عبد الله، تدور حول مسألة أن الحلول العملية وتجنب كل المخاطر المحتملة يرتبطان بفكرة الدولة نفسها بوصفها مرجعا وطنيا لا يوجد بديل عنه، وأن المشاريع الأخرى تحمل في طياتها الضرر على السويداء، لأن المؤسسات العامة هي القادرة على خدمة الناس بشكل صحيح، ومنع تحويل سوريا إلى كانتونات على أسس عرقية أو طائفية تخضع لأهواء أفراد وميليشيات. كذلك فإن الشرعية القانونية الداخلية والدولية ترتبط بالمؤسسات الرسمية، وهي بذلك القادرة على تقديم الخدمات المستمرة.
ويضيف عبد الله، في حديث لـ”الثورة السورية”، بأن الحلول السياسية الوطنية، حتى وإن كانت بطيئة، واستمرار الجهود لمواجهة مشروع العزل والانعزال، إن صح التعبير، والحفاظ على كل التسهيلات الممكنة لربط أهالي السويداء مع دمشق، هي ضرورة وخيار عقلاني، وتعطي فرصة تراكمية لمعالجة الصدع الحاصل، كما أن نهج التسلط وفرض الخيارات بالقوة، المتبع من هذا التيار في السويداء، تيار الهجري، سيخسر مؤيديه أو المترددين حياله تدريجيا.
ويعتقد عبد الله أن المشهد في السويداء ربما بات أكثر تعقيدا مما كان عليه ملف “قسد”، بفعل مسار استمرار لسياسات “الهجري والحرس الوطني” بتعطيل أي أدوار للمؤسسات العامة، والتصعيد ضد محاولات تنظيم بعض الملفات التي تمس المواطنين في السويداء، كملف التعليم بوصفه ملفا حساسا، وكل ذلك تحت إطار عام وهدف معلن هو ترسيخ فكرة المشروع الانفصالي الذاتي بعيدا عن دمشق، وترسيخا لفكرة القطيعة الكاملة مع محاولات وجهود رسمية وغير رسمية لإبقاء الارتباط النفسي أولا، والخدمي والقانوني للمواطنين، مع الإدارة الحكومية الرسمية.
لكن، في الوقت نفسه، يضيف عبد الله، إن الخطوات المتبعة بالطريقة التي شاهدناها في اقتحام مديرية التربية وإرهاب العاملين فيها تجسد حالة فرض نهج بالقوة، وإخضاع بالقهر لكل الأصوات التي تتعالى بين الحين والآخر في السويداء من المجتمع بضرورة إيجاد حلول وطنية تطوي صفحة الأحداث السابقة وتسمح بتحقيق مصالحة واندماج فعلي للمنطقة وأبنائها، وهي خطوة جديدة في ظل ظروف معقدة تهدف إلى عزل المنطقة اقتصاديا واجتماعيا عن محيطها الوطني.
وعليه، فإن ما أعلنه الهجري من تأسيس مجلس “إدارة أزمة” يخدم الغرض نفسه والسياسة نفسها، وبما يقود إلى نتائج خطيرة، أهمها ترسيخ عملية فرض الإرادة بالقوة، وهو أمر سينعكس في مزيد من الاضطرابات في السويداء نفسها، وسيرفع مخاطر الانتهاكات بحق كل من يريد أن يخالف هذا النهج المفروض.
الثورة السورية
——————————-
السويداء وتقرير الحقيقة الناقصة: شهادات بين التوثيق الدولي وذاكرة الدم/ سامر سيف الدين
7 أبريل 2026
صدر تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول الأحداث في السويداء، بعد أشهر طويلة من التحقيق. وحين بدأ الأهالي بقراءة التقرير، أو سماع خلاصاته، لم يتعاملوا معه كحقيقة نهائية، بل كجزء من صراع أكبر- صراع الروايات. فكل بيت تقريبًا يملك روايته، وكل شارع شهد لحظة لا يمكن اختزالها في فقرة قانونية. ومع ذلك، كان لا بد من الإصغاء.
بين الترحيب الحذر والاتهام بعدم الإنصاف
المحامي محمد.ع، الذي تابع التقرير بدقة، لم يُخفِ تحفظاته. قال بوضوح إن التقرير حاول أن يبدو محايدًا، لكنه- في رأيه- لم يكن منصفًا. بالنسبة له، المشكلة ليست فقط فيما كُتب، بل في السياق الذي كُتب فيه. لجنة منبثقة عن مجلس حقوق الإنسان، كما يرى، لا يمكن فصلها عن التوازنات السياسية التي تحيط بعملها.
يقول محمد: إن ذكر بعض الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الحكومية لا يكفي لإثبات الحياد، لأن طريقة عرض هذه الانتهاكات لم تكن، برأيه، متوازنة. في نظره، بدا التقرير وكأنه يمسك العصا من المنتصف، لكنه يميل في لحظات حاسمة.
هذا الرأي لم يكن معزولًا. الناشط المدني جهاد. ط، يذهب أبعد من ذلك. بالنسبة له، التقرير “غير منصف بالكامل”. قدّم نفسه كوثيقة حيادية، لكنه- كما يقول- لم يعكس الواقع كما عاشه الناس على الأرض. هناك فجوة، كما يراها، بين النص والتجربة.
أما الناشط الإعلامي فادي. ح، فقد توقف عند نقطة محددة: إقرار التقرير بوجود حرق وتهجير. هذه، برأيه، نقطة مهمة، لكنها لا تكفي. المشكلة ليست فقط في ما اعترف به التقرير، بل في ما تجاهله، أو لم يمنحه الوزن الكافي.
في أحاديث أخرى مع سكان من السويداء، برزت ملاحظة متكررة: التقرير ساوى بين أطراف غير متكافئة. وهذه، في بيئة مشحونة كهذه، ليست مجرد مسألة تقنية، بل قضية تمسّ جوهر العدالة.
كيف يمكن- يتساءل البعض- وضع الجميع في إطار واحد، بينما تختلف الأدوار، والقدرات، والمسؤوليات؟
الأكثر إثارة للجدل كان تركيز التقرير على “الإعلام والتحريض”. بالنسبة لكثيرين، بدا هذا التركيز وكأنه انحراف عن لبّ القضية. فالأحداث، كما يقولون، لم تكن مجرد روايات متضاربة، بل وقائع دامية.
“الناس قُتلت فعليًا”، جملة تتكرر كأنها محاولة لإعادة النقاش إلى الأرض، بعيدًا عن اللغة المجردة.
شك عميق في الحياد الدولي
خلف كل هذه الانتقادات، يلوح ظلّ أعمق: فقدان الثقة، ليس فقط في هذا التقرير، بل في فكرة “التقرير الدولي” نفسها. إن سنوات من المتابعة لبيانات أممية، وتقارير لم تُترجم إلى محاسبة، خلقت شعورًا عامًا بأن المجتمع الدولي يراقب أكثر مما يفعل، وأن هناك فجوة بين التوثيق والعدالة.
محمد.ع، يعبّر عن هذا الشك بوضوح، حين يشير إلى أن تمويل اللجان، وتركيبتها، وعلاقتها بمؤسسات دولية، كلها عوامل تجعل من الصعب- في نظره- الحديث عن حياد كامل.
أما جهاد. ط، فيرى أن التقرير ذكر الانتهاكات، لكنه لم يقدّمها بميزان عادل. في حين يشدد فادي ح. على أن مسؤولية الدولة لم تُعرض بالشكل الكافي، وأن جذور التجييش الإعلامي تعود إلى أحداث سابقة في مناطق مثل جرمانا والأشرفية.
واحدة من أكثر النقاط حساسية كانت توصيف ما جرى. التقرير استخدم مصطلح “نزاع مسلح غير دولي”، وهو توصيف قانوني دقيق، لكنه لم يلقَ قبولًا واسعًا.
أما فادي. ح، فيضيف بُعدًا آخر للنقاش، مطالبًا بأن تكون الإحصاءات الواردة في التقرير قائمة على أسماء محددة، لا أرقام عامة، لتعزيز المصداقية.
وفي ملف الأرقام تحديدًا، تتكثف الشكوك، فعدد الضحايا، توصيفهم، وظروفهم- كلها مسائل أثارت تساؤلات. بعض من التقاهم “ألترا سوريا” أو نُقلت آراؤهم المنشورة عبر منصات إعلامية مختلفة، أشاروا إلى أن الأرقام المتعلقة بالضحايا تحتاج إلى تدقيق.
كما أن توصيف بعض الحالات كـ”تهجير” لم يكن، في نظرهم، دقيقًا بالكامل. فهناك من يؤكد أن عمليات الإجلاء التي تمت- بمشاركة الأمم المتحدة ولم تكن دائمًا قسرية، وأن كثيرين منهم ومن أهل السويداء رفضوا مغادرتهم لمناطقهم.( مرة أخرى، تصبح التفاصيل ساحة نزاع).
ما المتوقع بعد هذا التقرير
مع كل هذه الملاحظات، يبرز سؤال لا مفر منه: ماذا بعد التقرير؟
الإجابة، لدى معظم من تحدثوا، تميل إلى الواقعية أو ربما إلى التشاؤم.
المحامي محمد.ع يرى أن دور هذه اللجان يقتصر على التوثيق: تسجيل الانتهاكات، تحليل الأنماط، وتقديم توصيات، ولكنها، في رأيه، لا تملك القدرة على فرض حلول، أو إعادة رسم واقع سياسي.
أما جهاد ط. فيعتقد أن التقرير قد يُستخدم كورقة في مفاوضات مستقبلية، لكنه لا يتوقع أن يؤدي إلى محاسبة مباشرة. أما فادي ح.، فيذهب أبعد، معبّرًا عن فقدان ثقة شبه كامل، حين يشبّه عمل اللجان بعبارة ساخرة: “إذا أردت أن تقتل قضية، فشكّل لها لجنة.”
في النهاية، لا يمكن القول إن أهالي السويداء رفضوا التقرير أو قبلوه. بل قرأوه.
قرأوه بعيون فقدت الثقة، لكنها ما زالت تبحث عن اعتراف. بذاكرة مثقلة بالتجارب، وبحذر من كل ما يأتي من الخارج.
بين ما قاله ويقوله الكثيرون، تتشكل صورة لا عن التقرير نفسه، بل عن العلاقة المعقدة بين الناس والعدالة الدولية. ربما لا تكمن المشكلة في غياب الحقيقة، بل في تعددها.
وفي السويداء، كما في أماكن كثيرة من هذا العالم المضطرب، لا يُطرح السؤال: من قال الحقيقة؟ بل: من يملك الحق في روايتها؟
الترا سوريا
——————————-
حل اللجنة القانونية في السويداء.. إعادة تنظيم أم مؤشرات على خلافات داخلية؟/ باسل المحمد
2026.04.08
في تطور لافت يعكس طبيعة التحولات الداخلية في محافظة السويداء، أعلن حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، أمس الثلاثاء، حلّ ما يُعرف بـ”اللجنة القانونية”، التي كان قد شكّلها سابقاً عقب الأحداث التي شهدتها المحافظة في تموز الماضي.
وجاء القرار وفق بيان نشرته صفحة الرئاسة الروحية التابعة لجماعة الهجري أمس الثلاثاء متضمناً تكليف القاضي شادي فايز مرشد بتشكيل كيان بديل تحت اسم “مجلس الإدارة في جبل باشان”، في خطوة قال إنها تهدف إلى تجاوز المحاصصة واعتماد الكفاءات العلمية في إدارة الشأن المحلي.
ويأتي هذا القرار في سياق محلي معقّد، تتقاطع فيه اعتبارات تنظيمية مع مؤشرات توتر داخلي، خاصة في ظل تزامنه مع حوادث ميدانية بارزة، من بينها واقعة اقتحام مديرية التربية، وما أثارته من تساؤلات حول طبيعة الخلافات داخل البنية القيادية المرتبطة بجماعة الهجري. وبينما يقدَّم القرار بوصفه إعادة هيكلة إدارية، يراه مراقبون مؤشراً محتملاً على إعادة ترتيب موازين القوى داخل الجماعة، أو محاولة لاحتواء تباينات برزت خلال الفترة الماضية.
في هذا التقرير نستعرض دوافع حلّ اللجنة القانونية وتشكيل المجلس الجديد، وعلاقة ذلك بحادثة مديرية التربية، إضافة إلى دلالات الخطوة على تماسك أو انقسام جماعة الهجري، وانعكاساتها المحتملة على المشهد المحلي في السويداء.
تصدير الأزمات والتهرب من المسؤولية
مع تفاقم الأزمات الأمنية والخدمية، وازدياد الانتقادات الموجهة للأداء العام في السويداء، يبدو أن القرار جاء ليؤدي وظيفة سياسية داخلية، تقوم على تحميل جهة محددة مسؤولية التدهور، بما يسهم في امتصاص الاحتقان الشعبي وتخفيف الضغط عن مراكز القرار الفعلية.
وفي هذا السياق يوضح كنان مسعود الناطق باسم “التيار الثالث” في السويداء، أن قرار حلّ اللجنة القانونية جاء وكأنها تمتلك أوراق قوة حقيقية على الأرض، في حين أن واقعها كان مختلفاً تماماً. ويضيف مسعود في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن اللجنة جرى تحميلها مسؤولية مجمل الإخفاقات والأخطاء من قبل جماعة الهجري، وتصويرها على أنها السبب الرئيسي في عجز ضبط الأمن واستقرار الأوضاع في المحافظة.
ويرى مسعود أن هذه الخطوة تهدف بالدرجة الأولى إلى “تصدير الأزمة والهروب إلى الأمام”، مشدداً على أن اللجنة لم تكن سوى واجهة شكلية تفتقر لأي أدوات تأثير فعلية، ما يجعل تحميلها مسؤولية الفشل أمراً غير واقعي، ويعكس محاولة لإعادة توزيع اللوم بدلاً من معالجته.
من جانبه يؤكد مرهف مدير الإعلام في السويداء، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أن الواقع الخدمي والإداري في المحافظة يشهد تدهوراً ملحوظاً على مختلف المستويات، لا سيما في قطاعات التعليم والأفران والكهرباء والاتصالات وخدمات البلديات والنظافة، حيث تراكمت الأزمات دون تحقيق أي تحسن ملموس لصالح المواطنين.
ويشير إلى أن هذا التراجع تفاقم بشكل خاص بعد أن نصّبت اللجنة القانونية نفسها بديلاً عن مؤسسات الدولة، وعطّلت العديد من المبادرات التي كان من شأنها دعم المجتمع وتلبية احتياجاته الأساسية، وذلك على خلفية مواقف سياسية مرتبطة بالأحداث الدامية التي شهدتها السويداء في تموز الماضي.
ويضيف أن تغيير اسم اللجنة أو استبدالها بجسم جديد تحت مسمى “مجلس” لن يغيّر من الواقع شيئاً، في ظل استمرار مظاهر الفساد، حيث تتعرض المساعدات وعمليات التمويل الوافدة إلى المحافظة لعمليات نهب وسوء إدارة.
وكان محافظ السويداء مصطفى البكور قد أوضح يوم الجمعة الماضي الأسباب وراء أزمة الطحين والمحروقات التي تشهدها المحافظة، قائلاً إن هناك تلاعباً واسعاً في توزيع المواد الإغاثية والمحروقات التي تدخل إليها، حيث اعتبر أن أسباب الأزمة “واضحة لمن يريد الحقيقة”.
حادثة التربية.. الشرارة التي فجّرت الأزمة
شكّلت حادثة اقتحام مديرية التربية في السويداء نقطة مفصلية في تصاعد التوترات، إذ اقتحمت مجموعة مسلحة، الإثنين، مبنى المديرية وأغلقت أبوابه بقوة السلاح، مجبرةً مدير التربية الجديد صفوان بلان على الاعتذار عن مهامه، بعد تكليفه من قبل وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو.
وبحسب ما أفاد به ناشط مدني في السويداء، فضّل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، لموقع تلفزيون سوريا، فإن “المجموعة التي يقودها مهند مزهر وطاهر العلي، قامت بتغيير أقفال المكاتب وإطلاق النار في الهواء لترهيب الموظفين، رفضاً لتعيين بلان وتمسكاً بالمديرة السابقة ليلى جهجاه”.
وأضاف أن “عناصر المجموعة اقتادوا المدير الجديد تحت تهديد السلاح إلى مبنى قيادة الشرطة، حيث أُجبر على تقديم اعتذار رسمي عن تولي المنصب تحت الضغط”.
وفي قراءة لدلالات هذه الحادثة، يرى نجيب أبو فخر، مؤسس تيار “سوريون وسنكون”، أن ملف التربية كان “الشعرة التي قصمت ظهر البعير”، وأدى إلى تصاعد حالة السخط الشعبي تجاه الجهات التي تدير المشهد في السويداء.
وأوضح في حديثه لتلفزيون سوريا عبر برنامج “سوريا اليوم” أن ما جرى من تهديد بالسلاح للموظفين وترهيب للمدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال، يعكس بوضوح فقدان السيطرة الإدارية، واللجوء إلى القوة كأداة لفرض القرار، في ظل غياب مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات.
وأشار أبو فخر إلى أن المحافظة تشهد حالة تململ متزايدة، وسخطاً شعبياً على ما وصفه بـ”فشل الإدارة القائمة على منطق القوة”، لافتاً إلى أن عدداً من مدارس السويداء ومعلميها أعلنوا إضرابات مفتوحة، احتجاجاً على إهانة الكادر التعليمي، واستمرار الأزمات المرتبطة برواتب المعلمين وأوضاع الطلاب، إلى جانب المطالبة بفصل الملف الخدمي وإعادته إلى مؤسسات الدولة في دمشق لتحمّل مسؤولياتها.
وتعزيزاً لهذا الطرح أفاد مصدر خاص لموقع تلفزيون سوريا بأن اقتحام مديرية التربية وما رافقه من إجبار المدير الجديد على الاعتذار، دفع أعداداً من الأهالي إلى التوجه نحو مبنى المحافظة، حيث عبّروا عن غضبهم من “اللجنة القانونية”.
وتحت هذا الضغط الشعبي، أعلن حكمت الهجري لاحقاً حلّ اللجنة وتكليف شادي مرشد بتشكيل كيان بديل، في خطوة بدت مرتبطة بشكل مباشر بتداعيات الحادثة.
خطوة نحو دمشق
في موازاة الجدل الداخلي حول دوافع حلّ اللجنة القانونية، تبرز قراءة أخرى ترى في هذه الخطوة مؤشراً على تحوّل تدريجي في خطاب جماعة الهجري، قد يفتح الباب أمام إعادة التموضع باتجاه دمشق.
وفي هذا السياق يقول الناطق باسم التيار الثالث، كنان مسعود، إن مقارنة بيان تشكيل اللجنة القانونية وتشكيل المجلس الجديد تكشف أن الخطاب ركّز على “الإدارة” وليس على “الإدارة الذاتية”، أي على إدارة شؤون المحافظة ضمن سياقها المحلي، ما يمكن قراءته كتنازل واضح من جماعة الهجري عن شعارات الاستقلال والحكم الذاتي، رغم حفاظهم على كلمة “الباشان” كنوع من حفظ ماء الوجه.
ويؤكد مسعود أن الجماعة عملياً لم تعد تطالب بالاستقلال أو الانفصال، وأن الغاية من حل اللجنة القانونية وتشكيل المجلس الجديد كانت إيصال رسالة مفادها “نريد تسوية أمورنا وإعادة ترتيب العلاقة مع المركز”.
من جانبه يضع نجيب أبو فخر هذه التطورات في إطار أوسع، معتبراً أن هناك توجهاً دولياً يدفع باتجاه فتح قنوات حوار حقيقية بين السويداء ودمشق، رغم وجود أصوات محلية ما تزال ترفض هذا المسار. ويرى أن التغييرات الجارية قد تكون جزءاً من تهيئة البيئة السياسية والاجتماعية لهذا التحول.
ويضيف أبو فخر أن حالة من المراجعة بدأت تتشكل داخل المجتمع المحلي، حيث بات كثير من أهالي السويداء يتساءلون عن أسباب الاستماع إلى الأطراف الخارجية مقابل تجاهل مطالبهم، مشيراً إلى أن استمرار حالة الصبر الشعبي يرتبط بتراكم الوعود بإيجاد حل شامل لأوضاع المحافظة، ما يعزز التوقعات بأن المرحلة المقبلة قد تشهد مساراً تصحيحياً في العلاقة مع الدولة.
تلفزيون سوريا
——————————-
=================
تحديث 07 نيسان 2026
——————————
“معاريف”: تفاهمات إسرائيليّة – سوريّة محتملة تعيد رسم لبنان
الاثنين 2026/04/06
نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيليّة تقريرًا جديدًا تحدّثت فيه عن خطوةٍ وصفتها بغير المسبوقة، ترتبط بإسرائيل وسوريا ولبنان، في ظلّ استمرار التوتّر على الجبهة الشماليّة، وتعاظم الشكوك داخل إسرائيل بقدرة الدولة اللبنانيّة على التّعامل مع “حزب الله”. وبحسب التّقرير، فإنّ تقديراتٍ داخل إسرائيل تشير إلى أنّ استمرار فشل الدولة اللبنانيّة في التّعامل مع “حزب الله”، إلى جانب تراجع الثقة الأميركيّة والغربيّة بمؤسّساتها، قد يفتح الباب أمام واقعٍ إقليميٍّ جديد، يقوم على تفاهماتٍ غير مسبوقة بين إسرائيل وسوريا، تتعلّق بإعادة توزيع المسؤوليّات الأمنيّة داخل لبنان، في ظلّ عجز بيروت عن فرض سيادتها على كامل أراضيها.
تراجع الثقة ببيروت
وقالت الصحيفة إنّ هناك اعتقادًا متزايدًا داخل الأوساط الإسرائيليّة بأنّ غياب شريكٍ لبنانيٍّ فعّال، سواء على المستوى السّياسيّ أو العسكريّ، يدفع نحو البحث عن بدائل إقليميّة.
ووفقًا لما نقلته عن مصادر إسرائيليّة، فإنّ خيبة الأمل الأميركيّة تجاه لبنان بلغت مستوىً عميقًا، مع قناعةٍ متزايدةٍ بأنّ الحكومة اللبنانيّة فشلت حتّى في تلبية الحدّ الأدنى من التزاماتها، في حين ينظر إلى الجيش اللبنانيّ على أنّه عاجز، أو في بعض الحالات غير راغب، في مواجهة “حزب الله”. وأضافت أنّ واشنطن باتت تدرك افتقار لبنان إلى آليّةٍ حكوميّةٍ قادرةٍ على تفكيك الحزب، أو إلى قوّةٍ عسكريّةٍ محلّيّةٍ تستطيع فرض واقعٍ جديد، بما يكرّس الانطباع بأنّه “لا يوجد من يمكن التفاوض معه”.
وأشارت “معاريف” إلى أنّ التّقديرات الإسرائيليّة تظهر لهجةً حادّةً في تقييم أداء الجيش اللبنانيّ، إذ يعتقد أنّه يتجنّب المواجهة المباشرة مع “حزب الله”، بل ويعاني أحيانًا من تسرّب عناصر مواليةٍ له إلى صفوفه.
وبناءً على ذلك، ترى إسرائيل أنّ الترتيبات الأمنيّة السّابقة، التي استندت إلى تعهّداتٍ لبنانيّةٍ ودعمٍ دوليٍّ، لم تعد قابلةً للتطبيق. كما تعتبر، وفق التّقرير، أنّ مفهوم الأمن في الشمال لم يعد قائمًا على وعودٍ غير قابلةٍ للتنفيذ، بل على ضرورة فرض واقعٍ جديد، في ظلّ عجزٍ متزايدٍ للمؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة، التي بات وضعها، بحسب هذه التقديرات، يقارن بدور قوّات “اليونيفيل” خلال السّنوات الماضية.
إسرائيل وسوريا الجديدتان
وفي هذا السّياق، يتبلور داخل إسرائيل استنتاجٌ أوسع مفاده أنّ إنهاء التهديد على الجبهة الشماليّة لم يعد ممكنًا من دون معالجةٍ جذريّةٍ لوضع “حزب الله”. وفي القدس، يدور الحديث عن ضرورة نزع سلاح جنوب لبنان بشكلٍ كامل، ومنع أيّ وجودٍ للحزب في مناطق قريبةٍ من الحدود يمكن أن تشكّل تهديدًا للمستوطنات الشماليّة.
وتؤكّد المصادر، بحسب “معاريف”، أنّ الأمر لا يتعلّق بعمليّةٍ عسكريّةٍ محدودة، بل بإعادة تشكيلٍ شاملةٍ للواقع الأمنيّ عبر الحدود.وفي إطار هذا التوجّه، يبرز تقييمٌ أكثر حساسيّة، يفيد بأنّ الطرفين الوحيدين القادرين، من وجهة النّظر الإسرائيليّة، على مواجهة “حزب الله”، هما إسرائيل وسوريا الجديدة بقيادة أحمد الشّرع.
وتوضح المصادر أنّ ذلك لا يعني وجود تحالفٍ تقليديٍّ بين الجانبين، بل تقاطع مصالح، إذ تنظر إسرائيل إلى الشّرع على أنّه خصمٌ لـ”حزب الله”، ما قد يجعله شريكًا محتملًا في إدارة الملفّ اللبنانيّ.
وبحسب هذه التقديرات، فإنّه في حال عدم التوصّل إلى حلٍّ بديل، ومع تراجع الدّور الأميركيّ والغربيّ في الضغط على لبنان، قد يتبلور سيناريو يقوم على تفاهماتٍ بين إسرائيل وسوريا، يتولّى بموجبها الجيش الإسرائيليّ السّيطرة على جنوب لبنان، بينما تنفّذ القوّات السوريّة عمليّاتٍ في شماله ضدّ “حزب الله”.
خيارٌ بديلٌ لا قرارٌ نهائيّ
وتشير المصادر إلى أنّ هذا الطّرح يناقش بوصفه خيارًا بديلًا ناتجًا من فشل المسارات الأخرى، وقد يتضمّن، وفق بعض التقديرات، إثارة قضايا حسّاسة، مثل منطقة جبل الشّيخ السّوري، ضمن إطار تفاهماتٍ أوسع.
ورغم ذلك، تؤكّد المصادر أنّ هذا السيناريو لا يستهدف بالضّرورة إسقاط النّظام اللبنانيّ، بل يركّز على “إزالة تهديد حزب الله وإعادة تشكيل البيئة الأمنيّة”، بما يسمح بفرض واقعٍ جديدٍ داخل لبنان. كما توضّح أنّ الهدف الإسرائيليّ لا يتمثّل في السّيطرة على لبنان، بل في ضمان عدم استخدام أراضيه منصّةً لشنّ هجماتٍ ضدّها.
وفي موازاة ذلك، تشير المعلومات إلى وجود اتصالات، أو على الأقلّ بحثٍ في إمكانيّة إجرائها، بين إسرائيل وسوريا، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وربّما عبر وساطةٍ أميركيّة. وتظهر التقديرات وجود قنوات حوارٍ متعدّدة المستويات، وإن لم تصل بعد إلى مستوى مفاوضاتٍ رسميّةٍ معلنة.
ومع ذلك، تشدّد المصادر على أنّ هذا التوجّه لا يعكس قرارًا نهائيًّا أو خطّةً قسريّة، بل يمثّل محاولةً للبحث عن حلٍّ عمليٍّ في ظلّ غياب بدائل فعّالة. ووفق الرّؤية الإسرائيليّة، فإنّ ظهور تحرّكٍ غربيٍّ جدّيٍّ، يتجاوز الضّغوط السّياسيّة إلى دعمٍ عسكريٍّ مباشر للجيش اللبنانيّ في مواجهة “حزب الله”، قد يغيّر المعادلة ويجعل هذا السيناريو غير ضروريّ. إلّا أنّ التقديرات الحاليّة تشير إلى غياب مثل هذا الدّور، ما يجعل الخيار الإسرائيليّ، السّوريّ أكثر حضورًا في الحسابات.
أمّا على صعيد الموقف الأميركيّ، فتقول مصادر إسرائيليّة إنّ واشنطن تفضّل تجنّب هذا المسار، لكنّها تراجعت إلى حدٍّ كبير عن الرّهان على الحكومة والجيش اللبنانيّين. ويعتقد أنّ الشّعور الأميركيّ بالإحباط ناتجٌ من وعودٍ لم تنفّذ، ما قد يدفع الولايات المتحدة، في حال غياب بديلٍ غربيٍّ فعّال، إلى عدم معارضة هذا التوجّه، بل ربّما القبول به ضمنيًّا في نهاية المطاف
المدن
—————————–
إغلاق معبر المصنع وتصعيد عسكري بالقنيطرة.. هل ترد إسرائيل على المظاهرات السورية؟/ باسل المحمد
2026.04.07
في ظل تصاعد التوتر الإقليمي وتشابك خطوط الاشتباك من جنوبي لبنان إلى الجنوب السوري، يرفع الاحتلال الإسرائيلي من حدة خطابها وتحركاتها الميدانية، ملوّحة باستهداف معبر المصنع الحيوي على الحدود السورية–اللبنانية، في خطوة تتجاوز أبعادها الجانب العسكري لتبعث برسائل سياسية وأمنية.
ويأتي هذا التهديد بالتوازي مع استمرار عمليات إسرائيل ضد حزب الله في الجنوب اللبناني، وتصعيد ميداني في القنيطرة أسفر عن استشهاد شاب برصاص قوات الاحتلال، في مشهد يعكس اتساع رقعة الضغط الإسرائيلي على أكثر من جبهة.
في المقابل يتقاطع هذا التصعيد مع حراك شعبي غير مألوف داخل سوريا، حيث خرجت مظاهرات في عدة مناطق احتجاجاً على إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، لتكون سوريا الساحة العربية الوحيدة التي شهدت هذا النوع من التفاعل الشعبي في الأيام الأخيرة.
وبين تهديد شريان حدودي حيوي، وتصعيد عسكري متدرج، وغضب شعبي متصاعد، يبرز تساؤل ملح: هل تمضي إسرائيل نحو توظيف القوة للرد على هذا الحراك، أم أن ما يجري يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتوجيه رسائل تتجاوز الداخل السوري؟
الضغط على سوريا للتحرك ضد “حزب الله”
لا تبدو التهديدات الإسرائيلية المرتبطة بمعبر المصنع معزولة عن سياق أوسع من الضغوط السياسية، إذ تتقاطع مع مساعٍ لدفع دمشق نحو الانخراط في مسار إقليمي يستهدف حزب الله، سواء عبر التصعيد المباشر أو من خلال تحميلها أدواراً أمنية تتصل بملف سلاحه.
وكان لافتاً في التهديد الإسرائيلي بإخلاء منطقة معبر المصنع على الحدود اللبنانية – السورية، اتهام الناطق باسم الجيش الإسرائيلي لسوريا بأن “حزب الله يستخدم المعبر لأغراض عسكرية وتهريب وسائل قتالية”، على حد زعمه.
وجاء ذلك في بيان نشره المتحدث باسم جيش الاحتلال على منصة “إكس”، السبت الماضي، حذّر فيه جميع الموجودين في منطقة معبر المصنع (الذي يقابله معبر جديدة يابوس من الجانب السوري)، إضافة إلى المسافرين على طريق (M30)، من ضرورة مغادرة المنطقة بشكل فوري.
في هذا السياق يرى الباحث اللبناني صهيب جوهر أن هذه الاتهامات “تفتقر إلى المصداقية”، مرجحاً أن تكون جزءاً من محاولة لتهيئة مبررات لتصعيد محتمل، أو أداة ضغط لدفع سوريا نحو الانخراط في مواجهة مع حزب الله.
ويشير جوهر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إلى أن إسرائيل تسعى، في موازاة ذلك، إلى فرض دور سوري في مسألة نزع سلاح الحزب ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
وبحسب جوهر فإن هذه السردية الإسرائيلية تهدف إلى تقديم سوريا أمام المجتمع الدولي بوصفها طرفاً داعماً للحزب، بما يبرر زيادة الضغوط السياسية عليها، ودفعها للاستجابة لمطالب أميركية وإسرائيلية تتعلق بالتدخل في الملف اللبناني، وهو ما ترفضه دمشق حتى الآن.
إلى جانب ذلك يبدو واضحاً أن الحديث عن تهريب سلاح من سوريا إلى حزب الله “غير واقعي”، في ظل حالة العداء بين الطرفين على خلفية دور الحزب في سوريا خلال سنوات الثورة وما ارتكبه من انتهاكات بحق السوريين.
تصعيد إسرائيلي لفرض وقائع جديدة في سوريا
في ظل اتساع رقعة الحرب في المنطقة، وتكثيف إسرائيل عملياتها في جنوبي لبنان واتهامها المتكرر بوجود مسارات لتهريب السلاح عبر الحدود السورية، يرى مراقبون أن تل أبيب تسعى لتوسيع نطاق المواجهة باتجاه سوريا، مستفيدة من التصعيد الأميركي–الإيراني. ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه دمشق تمسكها بالحياد ورفضها الانخراط في الحرب، ما تعتبره إسرائيل عائقاً أمام استراتيجيتها الإقليمية.
في هذا السياق يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية بشار شلبي أن إسرائيل ماضية في سياسة “العدوان والاستفزاز” تجاه المنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة، مستفيدة من ظروف الحرب الإقليمية والدعم الذي تحظى به من إدارة دونالد ترامب.
ويقول شلبي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إن تل أبيب تسعى إلى إقناع واشنطن بضرورة توسيع العمل العسكري ليشمل سوريا، مستندة إلى ادعاءات تتعلق بإمداد حزب الله بالسلاح، رغم غياب الأدلة على ذلك.
ويتوقع شلبي أن تتخذ المرحلة المقبلة أشكالاً متعددة من التصعيد، من بينها تنفيذ عمليات “مطاردة ساخنة” داخل الأراضي السورية، أو استهداف المدنيين في مناطق الاحتكاك التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية عقب سقوط النظام المخلوع، بهدف استدراج ردود فعل سورية يمكن استثمارها لتوسيع رقعة المواجهة، بما يحقق مكاسب إضافية في سياق مشروع أوسع لتغيير توازنات الشرق الأوسط.
ويؤكد الموقف الإسرائيلي الرسمي هذا التوجه، إذ شدد بنيامين نتنياهو على أن إسرائيل لن تسمح بترسيخ أي وجود عسكري معادٍ في سوريا، وأنها ستعمل على إحباط أي محاولات لنقل السلاح أو فتح جبهات ضدها من الأراضي السورية، في إشارة واضحة إلى استعداد تل أبيب لتوسيع دائرة المواجهة.
التظاهرات تشعل القلق الإسرائيلي وتدفع نحو التصعيد
تفتح موجة التظاهرات التي شهدتها عدة مدن سورية رفضاً لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين باب التساؤل حول ارتباطها بالتصعيد الإسرائيلي الأخير، في ظل مخاوف تل أبيب من تحوّل هذا الحراك إلى عامل ضغط سياسي أو ميداني على حدودها الشمالية.
وامتدت التحركات الشعبية الرافضة لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي، من محافظة درعا في الجنوب السوري إلى العاصمة دمشق، وصولاً إلى مدينة حلب، حيث شهدت هذه المناطق تظاهرات ومسيرات ووقفات رمزية، بعضها نُظم أمام مقار مؤسسات دولية ومرافق تعليمية.
وتزامنت هذه التحركات مع مؤشرات توتر ميداني في المنطقة الجنوبية، إذ أفادت مصادر محلية بإطلاق القوات الإسرائيلية قنابل مضيئة في سماء الشريط الحدودي قرب بلدة الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي، عقب رصد تحركات لمحتجين من درعا والقنيطرة باتجاه مناطق قريبة من خطوط التماس، في سياق احتجاجات داعمة للأسرى الفلسطينيين.
وفي قراءة للعلاقة بين الحراك الشعبي والتصعيد الإسرائيلي، يرى الباحث محمود علوش أن “التصعيد الإسرائيلي يمكن فهمه كرسالة موجهة إلى سوريا، على خلفية المظاهرات التي شهدتها دعماً للأسرى الفلسطينيين”.
ويؤكد علوش في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن استهداف مناطق في ريف القنيطرة “لا يبدو منفصلاً عن هذا الحراك”، بل يندرج ضمن محاولة إسرائيلية لإبقاء الساحة السورية تحت الضغط، ومنع تحوّلها إلى مساحة إسناد سياسي أو حتى ميداني خارج حسابات تل أبيب.
ويشير إلى أن هذا القلق الإسرائيلي تصاعد مع توجه مجموعات من المحتجين نحو المناطق الحدودية، وظهور دعوات للتصعيد من بعض الفعاليات والعشائر، بالتزامن مع تنامي التفاعل الشعبي مع القرار الإسرائيلي، ما يعزز من احتمالات استمرار التوتر في الجنوب السوري خلال المرحلة المقبلة.
بالنهاية يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي الأخير تجاه سوريا -بحسب تقديرات بحثية- ضمن محاولة مستمرة لفرض هذه “الخطوط الحمراء” بالقوة، بما في ذلك توجيه ضربات داخل الأراضي السورية كلما اعتُبر أن هذه الخطوط قد تم تجاوزها، أو حتى لاختبار ردود الفعل السورية واستدراجها إلى معادلة ردع جديدة.
——————————
بعد اقتحام مديرية التربية.. الهجري يحل اللجنة القانونية في السويداء/ حسام رستم
07 ابريل 2026
تشهد مناطق عدة في سورية تطورات أمنية وسياسية متزامنة، أبرزها قرار بحلّ “اللجنة القانونية” في محافظة السويداء جنوبي البلاد، وإسقاط طائرة مسيّرة في أجواء مدينة الحسكة شمال شرقي سورية، إضافة إلى توغلات إسرائيلية جديدة في ريف القنيطرة.
وأعلن الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سورية، حكمت الهجري، اليوم الثلاثاء، حلّ ما يُعرف بـ”اللجنة القانونية”، التي كان قد شكّلها عقب الأحداث التي شهدتها المحافظة في يوليو/تموز الماضي. وجاء في بيان نشرته صفحة الرئاسة الروحية للموحدين الدروز التابعة للهجري، أنه جرى تكليف القاضي شادي فايز مرشد بتشكيل “مجلس الإدارة في جبل باشان”، في إطار هيكل إداري جديد قال البيان إن هدفه الابتعاد عن المحاصصة واعتماد أصحاب الاختصاص العلمي.
ويأتي هذا القرار بعد يوم من اقتحام مجموعة مسلحة تابعة لمليشيا “الحرس الوطني” مبنى مديرية التربية في مدينة السويداء، وإغلاقه بقوة السلاح، ما أجبر مدير التربية الجديد صفوان بلان على الاعتذار عن عدم متابعة مهامه التي كُلّف بها مؤخرا من قبل وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو.
وكانت “اللجنة القانونية العليا” قد شُكّلت في يوليو/تموز من العام الماضي بقرار من الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز، وضمت تسعة أعضاء بينهم ستة قضاة وثلاثة محامين، في خطوة اعتُبرت حينها محاولة لتنظيم شؤون المحافظة محليا في ظل التوترات السياسية والأمنية المتصاعدة في جنوب سورية. كما أعلنت اللجنة في وقت سابق نيتها تشكيل لجان فرعية تُعنى بالإغاثة وتقصّي الانتهاكات ومتابعة ملفات المفقودين والمختفين قسراً، إضافة إلى دعم أسر القتلى والجرحى.
وفي شمال شرق البلاد، أسقطت طائرات تابعة للتحالف الدولي، فجر اليوم الثلاثاء، طائرة مسيّرة في أجواء مدينة الحسكة، وفق ما أفادت به مديرية إعلام المحافظة. وقالت المديرية إن دويّ الانفجار الذي سُمع في المدينة ناجم عن تصدي طائرات التحالف لمسيّرة يُعتقد أنها قادمة من الأراضي العراقية. وبحسب المصادر، سقطت المسيّرة قرب دوار الحمامة على الطريق الواصل بين حيي المفتي وتل حجر داخل مدينة الحسكة، من دون تسجيل أي إصابات بشرية. وترافق الحادث مع تحليق مكثف للطيران الحربي في أجواء المدينة، إضافة إلى تسجيل خرق لجدار الصوت، ما أثار حالة من القلق بين السكان.
وفي سياق متصل، توغلت قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الثلاثاء، في بلدة كودنا بريف القنيطرة الجنوبي، ونفذت عمليات مداهمة وتفتيش لعدد من منازل المدنيين، بحسب ما أفاد الناشط الإعلامي نور الحسن لـ”العربي الجديد”. وأضاف الحسن أن القوات المتوغلة روّعت السكان خلال عمليات التفتيش، قبل أن تعتقل شخصين من منزليهما، ثم تفرج عنهما صباح اليوم.
وكانت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” قد أفادت، أمس الاثنين، بأن قوة إسرائيلية توغلت بعدة آليات عسكرية في قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة، حيث نصبت حاجزاً عند مدخل القرية، بالتزامن مع توغل قوة أخرى في قرية العجرف ونصبها حاجزاً مؤقتاً لتفتيش المارة قبل أن تنسحب من دون تسجيل حالات اعتقال.
كما استهدفت قوات الاحتلال تل الأحمر الشرقي بريف القنيطرة الجنوبي بقذيفة مدفعية مصدرها الجولان المحتل، من دون تسجيل إصابات، فيما توغلت قوة إسرائيلية في وقت سابق بين قريتي رويحينة وزبيدة الغربية ونصبت حاجزاً مؤقتاً على الطريق الواصل بينهما قبل أن تنسحب لاحقا.
——————————
====================
تحديث 06 نيسان 2026
——————————
السويداء تحت ضغط الاحتكار.. مساعدات محتجزة وأسواق منفلتة/ نور الناشط
أبريل 6, 2026
تدخل محافظة السويداء مرحلة معيشية شديدة التعقيد، في ظل تنامي نفوذ مجموعات خارجة عن القانون تتحكم بمفاصل الحياة الاقتصادية، وتفرض واقعاً قائماً على احتكار المساعدات والتدخل في حركة السلع الأساسية، هذا النفوذ انعكس بشكل مباشر على الأسواق، حيث تصل المواد الغذائية بأسعار مضاعفة، أو تُحجب أحياناً لإعادة طرحها وفق شروط وتسعيرات تفرضها تلك الجهات.
وتشهد الأسواق ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار الخضار والفواكه والمواد الأساسية، وسط اتهامات متزايدة بوجود شبكات احتكار تتحكم بالعرض والطلب، وقد دفع ذلك شريحة واسعة من الأهالي إلى تقليص استهلاكهم إلى الحد الأدنى، في ظل تراجع القدرة الشرائية وغياب رقابة فعالة على الأسعار وآليات التوزيع.
ولا تقتصر الأزمة على الغلاء، بل تمتد إلى نقص متكرر في توفر السلع، نتيجة تعقيدات تُفرض على دخول الشاحنات وحركة التوريد من قبل تلك المجموعات، بما في ذلك حالات ابتزاز وفرض إتاوات على الناقلين، ما أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد، وزاد من حالة عدم الاستقرار في السوق.
وفي هذا السياق، برزت أزمة الخبز كأحد أخطر مظاهر التدهور المعيشي، إذ أدى احتكار الطحين والتلاعب بتوزيعه إلى توقف عدد من الأفران عن العمل، وارتفاع سعر ربطة الخبز بشكل ملحوظ، رغم وصول كميات من المساعدات الإنسانية سابقاً، وبات الحصول على الخبز يتطلب وقتاً وجهداً إضافيين، بسبب تحكم جهات محلية بآليات توزيعه وتسعيره.
ارتفاع الأسعار يثقل كاهل الأهالي
تشهد أسواق السويداء ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الغذائية، ولا سيما الخضار والفواكه، ما جعل تأمين الاحتياجات اليومية تحدياً كبيراً للأهالي، فقد وصل سعر كيلو البندورة إلى نحو 17 ألف ليرة، والخيار إلى 18 ألفاً، والكوسا 16 ألفاً، والباذنجان البلدي 17 ألفاً، فيما سجلت الفاصولياء 30 ألف ليرة، والثوم البلدي 35 ألفاً، والفليفلة بأنواعها 25 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد.
أما الفواكه، فقد سجلت أيضاً أسعاراً مرتفعة، حيث بلغ سعر الموز 20 ألفاً، والبرتقال نحو 15 ألفاً، فيما وصلت الفراولة إلى 29 ألف ليرة، والمانغا 30 ألفاً، والأفوكادو إلى 65 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد.
ورغم تسجيل انخفاض طفيف في أسعار الفروج، فإنه لا يزال عند مستويات مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للمواطن، إذ بلغ سعره نحو 47 ألف ليرة بعد موجة ارتفاع سابقة، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على الواقع المعيشي في ظل بقاء الأسعار عند مستويات تفوق قدرة معظم السكان.
ويقول المواطن سامر عبد الباقي، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: “لم نعد نشتري كما في السابق، بل نكتفي بالحد الأدنى، حتى الخضار أصبحت تُشترى بالحبة لا بالكيلو”، ويعكس هذا الواقع تآكلاً واضحاً في القدرة الشرائية، إذ لم تعد الرواتب أو مصادر الدخل كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية.
نقص المواد الأساسية
إلى جانب الغلاء، تعاني الأسواق من نقص متكرر في بعض المواد الأساسية، ويشير الأهالي إلى أن توفر بعض السلع بات متقلباً، حيث تختفي أحياناً من الأسواق قبل أن تعود بأسعار أعلى.
وفي هذا السياق، أوضح محافظ السويداء مصطفى البكور أن آلية دخول السلع الغذائية إلى المحافظة ميسّرة، ولا توجد ضوابط تمنع دخولها، مشيراً إلى أن الشاحنات التجارية تدخل بشكل مستمر ومنتظم.
إلا أنه في المقابل أشار إلى وجود عوامل أخرى تؤثر على الأسعار، منها وجود “جهات متحكمة في الداخل تفرض إجراءات وتعقيدات”، إضافة إلى تعرض بعض الشاحنات لعمليات ابتزاز، مثل إجبارها على سحب كميات من المحروقات، ما يؤدي إلى تحميل هذه التكاليف على أسعار البضائع.
كما لفت إلى وجود مخاوف لدى سائقي الشاحنات من التعرض للخطف أو الابتزاز في بعض المناطق، الأمر الذي ينعكس سلباً على حركة التوريد واستقرار السوق.
وقال البكور: “إلى أهالي محافظة السويداء الكرام، لسنا من أصحاب المصالح الضيقة ولا من الباحثين عن حظوظ النفس، بل من الساعين لحماية قوت الفقير، لقد نادينا بضرورة طلب مخصصات الطحين من المديرية العامة بدمشق حرصاً على ألا يعاني أحد من نقص أو حرمان”.
وأضاف: “لكن للأسف، بدل أن يُستجاب لنداء الحق، خرجت أصوات لا تعبّر إلا عن مصالحها الخاصة، تحاول تعطيل ما فيه خير الناس، اليوم نقولها بوضوح: من يقف في وجه رغيف الفقير هو شريك في تجويعه، من يضيّق على الناس لمصلحة ضيقة يكشف نفسه أمام الجميع، ومن يسعى للمساعدة يعرفه العقلاء ويقدّره الشرفاء، السويداء لا تُدار بالمصالح الشخصية، بل بوعي أبنائها وحرصهم على كرامة الإنسان”.
وتُعدّ أزمة الخبز من أبرز مظاهر التدهور المعيشي في محافظة السويداء، حيث توقفت عدة أفران عن العمل مع بداية شهر نيسان الجاري نتيجة نفاد مادة الطحين، ولا سيما في الأفران الرئيسية في المحافظة.
وأكد مدير الفرن الآلي في السويداء أنس نوفل أن آخر كميات الطحين جرى توزيعها على الأهالي، مشيراً إلى أن الأفران ستتوقف عن العمل في ظل عدم توفر مخزون إضافي، وبيّن أن مادة الطحين كانت تدخل إلى المحافظة عبر المنظمات الدولية، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي، بشكل مجاني، إلا أن ذلك لم ينعكس على سعر الخبز، إذ فرضت جهات محلية، وعلى رأسها ما يسمى بـ”اللجنة القانونية” التابعة لما يُعرف بالحرس الوطني، أسعاراً مرتفعة على ربطة الخبز تراوحت بين 6 آلاف و12 ألف ليرة سورية، ما أثار استياءً واسعاً بين الأهالي.
ومع نهاية شهر آذار، دخلت الأزمة مرحلة أكثر حدة بعد توقف إمدادات الطحين بشكل كامل نتيجة انتهاء العقد مع برنامج الأغذية العالمي، ما أدى إلى نفاد الكميات المتوفرة في الأفران وتوقف عدد منها عن العمل، من بينها أفران صلخد وشهبا وعتيل.
وفي هذا السياق، أوضح محافظ السويداء، أن المدير العام لبرنامج الأغذية العالمي أبلغه بتوقف التوريد مع نهاية شهر آذار بسبب نقص التمويل، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التنسيق مع وزارة الاقتصاد عبر القنوات الرسمية لاستجرار مادة الطحين.
وأضاف أن الخطة المطروحة تقوم على تفعيل التنسيق بين مديرية المخابز في السويداء والإدارة المركزية في دمشق لإدخال الطحين عبر القنوات الرسمية، إلا أن هذه الجهود لم تلقَ أي استجابة حتى الآن.
وحذّر البكور من خطورة المتاجرة برغيف الخبز، مؤكداً أن المواطنين لا علاقة لهم بالتجاذبات السياسية، وأن الفئات الأكثر حاجة يجب تحييدها عن أي ضغوط.
من يحاصر السويداء؟
في معرض الإجابة عن هذا التساؤل، أوضحت مديرية إعلام السويداء أن هناك تسهيلات كبيرة لحركة المدنيين على حاجز المتونة الواقع على طريق دمشق–السويداء، مشيرة إلى لجوء بعض الأهالي إلى شراء الخبز من دمشق بهدف بيعه داخل المحافظة بعد ارتفاع سعر ربطة الخبز في السويداء إلى نحو 13 ألف ليرة سورية من قبل الأفران الخاصة.
وبيّنت المديرية أن استمرار حواجز ما يسمى “الحرس الوطني”، لليوم الثاني على التوالي، في منع خروج الطلاب والموظفين لتأمين احتياجاتهم، يترافق مع تفاقم الحالة الإنسانية داخل المحافظة، في حين تسهم المجموعات المسلحة في الداخل في تعقيد المشهد عبر قطع الطرق أمام حركة المدنيين، والسماح فقط للآليات الفارغة من الركاب بالدخول والخروج.
كما تم تسجيل خروج باصات البولمان دون ركاب نتيجة منع المدنيين من المغادرة، في حين يلجأ بعض السائقين إلى تأمين مادة الخبز من أفران دمشق ونقلها إلى داخل المحافظة.
ولفتت المديرية إلى أن أحد أسباب عدم توفر الطحين يتمثل في منع الأفران من التواصل مع الجهات الرسمية لتأمين احتياجاتها، ما اضطرها إلى تأمين الخبز من أفران دمشق عبر وسائل النقل المختلفة.
وأكدت أن الدولة تقدم تسهيلات على الحواجز التابعة لها على طريق دمشق–السويداء لتأمين الاحتياجات الإنسانية، ولا سيما مادة الخبز، في مقابل ما وصفته بالإجراءات التي تفرضها “الميليشيات المسلحة” داخل المحافظة، والتي تؤدي إلى تضييق غير مبرر على الأهالي.
الثورة السورية
—————————–
إسرائيل نحو محاصرة لبنان.. وسوريا تستعين بتركيا وأوكرانيا/ منير الربيع
الاثنين 2026/04/06
توسع إسرائيل مدى الحرب. تضيق الخناق أكثر على لبنان. تصعّد في إيران ضد مصالح ومرافق حيوية، وتنتقل إلى مسار جديد في المعركة مع حزب الله، إذ تعمّق الضربات وترسم خريطة التطويق والحصار. بذلك لا تستهدف الحزب فقط، بل لبنان كله، وسوريا أيضاً. لم يكن التحذير الإسرائيلي الموجه إلى معبر المصنع واستهداف الطريق الحيوي والأساسي الواصل بين لبنان وسوريا بالأمر التفصيلي، بل هدفه عزل لبنان عن سوريا، وبداية فرض حصار برّي هدفه ليس قطع طريق السلاح لأنه لا يدخل عبر هذا المعبر بالتأكيد، بل خنق لبنان اقتصادياً وغذائياً، والضغط على سوريا.
تحذير معبر المصنع، وتعطيله، سيليه استهدافات أخرى للمزيد من المعابر مع سوريا، كما أنه يشكل تمهيداً لفرض حصار بحري على لبنان من خلال البوارج. ولم يكن حزب الله بعيداً عن هذا الجو، فلجأ الى استهداف بارجة على بعد 125 كلم في عرض البحر، هو ما قد تتخذه إسرائيل ذريعة جديدة لتشديد حصارها البحري على لبنان، خصوصاً في ظل تناقل معلومات على مستوىً ديبلوماسي أن افتعال إسرائيل لمسألة تهريب السلاح من سوريا عبر المعبر الرسمي، يلاقيه افتعال وتسويق لفكرة إدخال حزب الله مواد أولية لصناعة المسيرات أو تطوير الصواريخ والأسلحة عبر المرفأ، وهو ما سترتكز عليه إسرائيل لتشديد حصارها البحري على لبنان وتطويقه بالكامل، في سياق الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها إلى المواجهة مع حزب الله وسحب سلاحه.
تحذير المصنع، له الكثير من الأبعاد، خصوصاً بعد إصرار إسرائيل على تهجير قرى وبلدات في البقاع الغربي، وسعيها الميداني للتقدم باتجاه هذه القرى من القطاع الشرقي في الجنوب، ولفصله بالكامل عن البقاع وقطع طرق الإمداد. يمهد ذلك للمرحلة المقبلة كي تتقدم القوات الإسرائيلية عبر جبل الشيخ داخل الأراضي السورية باتجاه زحلة، أو مناطق أخرى للاقتراب من الحدود اللبنانية وتحقيق الفصل الكامل بين سوريا ولبنان وبين الجنوب والبقاع، ولمحاصرة وتطويق الحزب في جبل الريحان وإقليم التفاح، في موازاة استكمال عمليتها العسكرية البرية في الجنوب والسعي للسيطرة على مجرى نهر الليطاني، أيضاً لتطويق الحزب في جنوب النهر، وتطويقه في شماله كذلك، خصوصاً على الخط الممتد من جبل الريحان إلى الجبل الرفيع فإقليم التفاح وصولاً إلى الساحل. ولم يكن إخلاء بلدة كفرحتى بعيداً عن هذا السياق. ففي حال قررت إسرائيل التقدم من سوريا باتجاه البقاع الغربي، وعملت على تنفيذ إنزالات في جبل الريحان للسيطرة على تلال مرتفعة ومشرفة تكشف إقليم التفاح، ستعمل على تشديد حصارها البحري قبالة شواطئ صيدا أيضاً، لتكون قادرة على تطويق الجنوب بالكامل ومسيطرة عليه بالنار إلى جانب الرصد الجوي المستمر.
لا يبدو أن الضغط الإسرائيلي يقتصر على لبنان، بل يطال سوريا أيضاً، إذ ليس من السهل أن توجه تل أبيب اتهامات مباشرة لسوريا بالسماح بتهريب السلاح للحزب. قبل الاتهام الرسمي، كانت وسائل إعلام إسرائيلي قد ركزت في حملاتها ضد الشرع على اتهامه بتمرير الأسلحة للحزب، وجزء من هذه الاتهامات يأتي في سياق الردّ على رفض الشرع الانخراط في أي مواجهة ضد الحزب، على الرغم من كل الضغوط الإسرائيلية. هذا الضغط الإسرائيلي سيستمر، وعبر المزيد من التوغلات في الأراضي السورية.
الحرب على إيران، يريدها نتنياهو لتغيير الشرق الأوسط، مع ما يعنيه ذلك من تغيير في لبنان، وفي سوريا أيضاً، التي لا يزال يرفض الوصول إلى أي اتفاق أمني أو سياسي مع السلطة فيها. وهذا ما يعني أن تل أبيب لا يزال لديها مشروع غير ظاهر أو غير معلن بما يخص سوريا. وعلى الأرجح أن تستغل إسرائيل حربها على حزب الله لتوسيع عملياتها في جنوب سوريا وربما لتوسيع المنطقة العازلة أو التي تسيطر عليها، سعياً وراء إعادة إحداث تحول في الداخل السوري وفق شروطها، أو في سياق إبقاء سوريا ضعيفة ومستهدفة، على طريق المواجهة التي تتحضر لها تل أبيب مع تركيا بعد إيران.
على وقع كل هذه التطورات، جاءت زيارة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي إلى دمشق، برفقة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. تأتي الزيارة بعد زيارة الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا. ومن هناك كان قد أكد أن القواعد الروسية في سوريا هدفها تدريب القوات السورية وكي تشكل منطلقاً لإعادة الإعمار، وهذا ما يعني أنها لن تكون هجومية ضد الأوروبيين. كذلك لا يمكن إغفال السعي البريطاني الدائم لتعزيز العلاقات مع أوكرانيا وتركيا وسوريا. ويمكن لهذا أن يعطي دفعاً جديداً لمسار التفاوض السوري الإسرائيلي، أو تأمين مظلة حامية لدمشق في مواجهة الضغوط الإسرائيلية المستمرة.
كما أن الزيارة تنطوي على اتفاقات عسكرية، من بينها إدخال منظومات دفاعية تركية إلى سوريا، تترافق مع المزيد من الاتفاقات الدفاعية وصفقات السلاح بين سوريا وأوكرانيا. إذ جرى قبل فترة توقيع اتفاق، حصلت سوريا بموجبه على طائرات أوكرانية مسيّرة. كما أن الزيارة الأخيرة شهدت تعزيزاً للاتفاق لإدخال المزيد من الأسلحة وأنظمة الدفاع الجوي والرادارات، إضافة لإدخال مدرعات تركية متطورة، خصوصاً في حال تدهورت الأوضاع في المنطقة أكثر وطالت سوريا. علماً أن زيلينسكي كان قد زار دول الخليج وعرض عليها علاقات تحالفية ودفاعية تتعلق بمنحهم طائرات أوكرانية مسيّرة مخصصة للتصدي للمسيرات الإيرانية.
ذلك لا ينفصل عن احتمالات دخول دول أو ساحات جديدة إلى هذه الحرب، من خلال الضغط الإسرائيلي على دمشق لدفعها للانخراط ضد حزب الله، بالتوازي مع ضغوط أميركية وإسرائيلية لدفع دول عربية للانضمام إلى الحرب على إيران، والمساهمة في فتح مضيق هرمز. في هذا السياق، كان الشرع وخلال تواصله مع كل زعماء دول الخليج قد شدد على ضرورة بناء تحالف مشترك للتصدي لأي هجمات إيرانية. كما أن الشرع أكد رفضه الانخراط في الحرب ضد إيران أو حزب الله، إلا في حال تعرض لأي هجومات أو ضربات. هنا لا بد من قراءة الضغوط الإسرائيلية على دمشق انطلاقاً من نقطتين، الأولى دفع سوريا للانخراط في الحرب، وفي حال تمنعت ستواصل إسرائيل عملياتها في لبنان وسوريا معاً، وهو ما يدفع دمشق لتعزيز منظومتها الحمائية من خلال العلاقات العربية والإقليمية والدولية.
المدن
———————————
عبث القوة وقوة العبث/ غازي العريضي
الاثنين 2026/04/06
تتوالى التصريحات الإسرائيلية المتناقضة حول مسار الحرب على لبنان “والمهام” التي ينفذها جيش الاحتلال. لكن المؤكد: “لا خلاف على الأهداف”. كل التصريحات تشير إلى “عنصر المفاجأة”، “وعدم تقدير قدرات حزب الله”.
ضباط في الجيش من قيادة المنطقة الشمالية قالوا: “نواجه صعوبة في رصد وتدمير منصات اطلاق الصواريخ. الحزب لديه نحو عشرة آلاف صاروخ – سابقاً قالوا خمسة عشر ألفاً- و 300 منصة إطلاق صواريخ”!
صحيفة “يديعوت أحرونوت” نقلت عن الجيش: “لن ننجح بتجريد حزب الله من سلاحه. هذا مسار بحاجة إلى احتلال كامل للبنان”! والمتحدث باسم الجيش يؤكد “ملتزمون بما يصرّ عليه رئيس الأركان بوجوب تحقيق هدف تجريد الحزب من سلاحه” …
هذه عينات “أمثلة” تصف وقائع الأرض كما يعبّر عنها قادة الاحتلال. السؤال كيف سيتحقق الهدف؟ وهل تقف الأمور عند نزع السلاح؟ هل يمكن احتلال كل لبنان؟ بعد الإقرار بسوء التقدير وعدم إنجاز المهمة حتى الآن؟
الجواب نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”: “تصريحات الغرور من قبل قادة الجيش بشأن هزيمة الحزب توصف بالخفة. نزع السلاح لن يتحقق. لو رفع كاتس وتيرة تصريحاته من خمس في الاسبوع إلى خمس في اليوم التقييمات منذ البداية كانت مفرطة في التفاؤل”.
وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر قال: “لبنان لن يستعيد حريته ما لم يتخذ قراراً بمواجهة إيران وحزب الله”!
بنيامين نتانياهو أعلن: “عقدنا العزم على تغيير الوضع من الأساس في لبنان”. الحقيقة هنا. والسؤال كيف مع الوقائع المذكورة؟ الجواب في “القناة 14 الاسرائيلية”: “إذا لم تواجه الدولة اللبنانية حزب الله فسنبدأ باستهدافها”. ” والقناة 12 تعلن: “الرئيس عون يحتاج في الوقت الراهن إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بشأن الترتيبات الأمنية على الحدود ثم اتفاق سلام لاحقاً”. “على الجيش تبني إصلاحات عميقة وعاجلة تهدف إلى تعزيز قدراته على فرض سيطرته والحد من سيطرة حزب الله”! “على الرئيس إقالة قائد الجيش الذي يرفض مواجهة الحزب نظراً للحاجة الملحة للجيش واتخاذ إجراءات أكثر حزماً”!
هذا هو الهدف الحقيقي. تخريب لبنان. معاقبة قائد الجيش واستهداف المؤسسة بحد ذاتها، التي يطالبونها بدور فاعل ويتحدثون عن تعزيز قدراتها، وقائدها قال أمام مجلس الوزراء وكل الوفود الأجنبية وفي لجنة الميكانيزم ماذا فعل ويفعل الجيش ولم يترك باباً إلا طرقه وكذلك رئيس الجمهورية لتأمين دعم للمؤسسة مفنداً الاحتياجات لاستكمال مهامها في الجنوب وكل لبنان. وهي مهام متعددة ولم يقدم شيئ للجيش. المطلوب كما ذكرنا سابقاً وفقاً لما يقال في أروقة وكواليس الاتصالات الدولية توريط الجيش في مواجهة داخلية، وهي مهمة قال عنها جان ايف لودريان موفد الرئيس الفرنسي: “عجزتم أنتم -اسرائيل- عن انجازها وتطلبون من الجيش تحقيقها خلال أيام”! وهم بما ذكرنا هنا يعترفون اليوم بذلك لكنهم يصرّون على المطلب ذاته: إقحام الجيش في هذه العملية وتنظيم حملة قاسية ضده وضد قيادته لجرّه إلى سياساتهم العبثية ومشروعهم التخريبي التدميري لتغيير لبنان من أساسه! المؤسف في هذا المجال أن ثمة أطرافاً وشخصيات لبنانية تلعب دوراً في هذا الاتجاه. تهاجم الجيش. تنتقد دوره. تحرّض على قيادته داخل أميركا امام شخصيات موتورة هناك، دعت سابقاً إلى محاسبة قائد الجيش وإقالته إذا لم يقدم على استخدام القوة التي فشلوا هم بالاستناد اليها لتحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة! إنها معادلة “قوة العبث وعبث القوة” التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والدمار والتفكك. وأمام ما يجري اليوم في المنطقة وبعد تطيير مؤتمر دعم الجيش، يوضع البلد وقيادته ومؤسسته العسكرية أمام معادلة ثانية ملازمة للأولى”الابتزاز” و”التخلي” تحت عنوان “لسنا مستعدين لتقديم الدعم لكم إذا كنتم غير ملتزمين بأهدافنا وسياساتنا”!
حسناً فعل رئيس الجمهورية مرة جديدة بمناسبة عيد الفصح، وعلى باب بكركي تحديداً عندما أكد الثوابت التي يلتزم بها والمواقف التي صدرت عن الحكومة ورفض في الوقت ذاته المساس بالسلم الأهلي وبالجيش وقيادته لأن في ذلك تخريباً وخدمة لإسرائيل.
وعندما يقول الاسرائيلي إن رئيس الجمهورية بحاجة إلى تفاوض مباشر بشأن الترتيبات الأمنية يطرح السؤال: من رفضه؟ أليست اسرائيل ومن يشاركها الموقف؟ ماذا كانت تفعل لجنة الميكانيزم على مدى اشهر بالتلازم مع عمل الجيش اللبناني على الأرض؟ نسفوا كل شيء ويحمّلون لبنان ورئيسه المسؤولية وهو جدّد التأكيد على خيار التفاوض ولا تجاوب حتى الآن!
إن الخطر الوجودي الذي يهدّد لبنان اليوم يلازمه خطر داخلي. إذ ثمة من لم يتعلّم من تجارب الماضي وتستهويه الاندفاعات غير المحسوبة وتحرّكه الغرائز والحسابات الصغيرة، ويسخر ويضحك عندما تشدّد على أهمية صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، بالرغم من معرفتك بواقع الدولة، وبالخلاف العميق بين اللبنانيين. سابقاً تفككت الدولة وكان انقسام خطير، وأقفلت المناطق على بعضها البعض، وكان ثمة من يعتقد أن الحالة ثابتة وأن التقسيم قائم وسيتكرّس وكنا ننبّه إلى خطر هذا التفكير وندعو إلى التمسّك بوحدة لبنان والعمل معاً لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها. اليوم، أكثر من أي وقت مضى يجب أن تسود هذه القناعة وأن تبذل كل الجهود وتسخّر كل الإمكانات لتقريب الأفكار بين اللبنانيين، والمنطقة تعيش حالاً من الانهيار يعمّها حريق شامل ودمار كامل تؤدي إلى تغييرات دراماتيكية لن تكون في مصلحة أحد من اللبنانيين وواهم من يفكر عكس ذلك. عبث القوة مدمّر. وقوة العبث خطيرة. هذا ما يتعرض له لبنان!
المدن
————————-
تقرير لجنة التحقيق حول أحداث السويداء: رسائل دولية إلى إدارة الداخل/ أحمد الكناني
5 أبريل 2026
أثار التقرير الأخير للجنة التحقيق الدولية بخصوص السويداء ردود أفعال متباينة، فبعضها رحب بما جاء في التقرير، بينما ندد آخرون بالعديد من المصطلحات التي اعتمدها التقرير الدولي في وصف أحداث تموز/يوليو 2025، والتي وصفت بأنها “أعمال عنف وحشية” و”انتهاكات تصل إلى حد جرائم الحرب” و”جرائم ضد الإنسانية”.
على الرغم من الإدانة الأممية في تقريرها للانتهاكات، أعربت وزارة الخارجية السورية عن تقديرها لجهود اللجنة، وأنها تعاملت “بأعلى درجات المسؤولية والشفافية” مع الأحداث منذ اللحظة الأولى، مؤكدة التزام الحكومة بمحاسبة جميع المتورطين، لكن حقوقيين يرون في هذا الموقف محاولة من الحكومة لتفريغ التقرير الأممي من محتواه الرئيسي، الذي اعتبر الحكومة شريكًا في تلك المجازر، عكس ما جاء في تقرير اللجنة المحلية الداخلية والتي اعتبرت ما جرى انتهاكات فردية.
رد فعل دون المستوى
يعتقد المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، أن الحكومة السورية لا تقرأ التقرير بوصفه “معاديًا”، بل على العكس، تعتبره تقريرًا يمكن استيعابه سياسيًا وقانونيًا ضمن الرواية الرسمية، بناءً عليه، تحاول الحكومة نزع الطابع التصادمي عن التقرير، وفي الوقت نفسه تؤطّره ضمن سيادتها وآلياتها الوطنية بدلاً من السماح بتحويله إلى أداة ضغط خارجي مفتوحة.
لكن هذه القراءة الرسمية لا تتطابق بالكامل مع القراءة الأممية، إذ يرى الكيلاني أن التقرير يشير إلى انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، ويترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التحقيق في أفعال قد تصل إلى جرائم ضد الإنسانية من بعض عناصر القوات الحكومية، كما يشير التقرير إلى انتهاكات من جانب مقاتلين عشائريين ومجموعات درزية مسلحة، الأمر الذي يضع الدولة أمام قراءة قانونية أكثر تعقيدًا من القراءة الوطنية التي قدمت الانتهاكات على أنها متعددة الأطراف، حيث وصفها رئيس اللجنة بأنها “أفعال فردية وليست ممنهجة”.
من جانبه، يرى المحامي إبراهيم شاهين أن سرعة الحكومة السورية في تفنيد التقرير الأممي وإعلانها أن التقرير المحلي أكثر دقة وشمولية يعني أن الحكومة لم تكن بمستوى الخطر الذي أشار إليه التقرير، كما عملت على سحب البساط من محتوى التقرير الأممي لصالح التقرير المحلي، خاصة فيما يتعلق بالانتهاكات الممنهجة التي ارتكبتها القوات الحكومية حسب اللجنة الأممية في السويداء، إضافة إلى أن الحكومة السورية في تقريرها المحلي تصر على أن الانتهاكات كانت بأوامر فردية، مما يشكل نقطة خلاف جوهرية حول المحاسبة وتحديد المسؤولين عن الجرائم.
ثغرات تقنية
على الرغم مما وثقه التقرير الأممي حول أحداث السويداء، إلا أنه يقر بأن حجم الانتهاكات الفعلي أكبر مما تم توثيقه بسبب قيود الوقت والموارد وحماية الشهود، كما أن بعض الوقائع لم تُعرض خوفًا من تعريض الأفراد للخطر، كما يشير التقرير أيضًا إلى أن بعض ملفات العنف الجنسي، بما في ذلك تقارير تتعلق برجال، كانت لا تزال قيد التحقيق.
يشير الكيلاني إلى وجود ثغرة في التقرير تتعلق بالقادة المسؤولين عن العملية، حيث لم يتم الكشف عن المسؤولين الكبار علنًا، ولا قدم التقرير خريطة مكتملة لسلسلة القيادة من حيث من أصدر الأوامر ومن سمح ومن تقاعس، كما يلاحظ أنه لم يتم الكشف عن رتب وأدوار المتهمين الحكوميين، ولا يعرف ما إذا كانت هناك مساءلة واضحة لقادة العمليات، وتبقى أيضًا هناك فجوات تتعلق بالعدد الكامل للمفقودين، وبالحصيلة الدقيقة لبعض الفاعلين، وكذلك بعض تفاصيل ما بعد 19 تموز/ يوليو.
كما يشير المحامي شاهين إلى أن اللجنة لم تتمكن من الوصول إلى كافة الأطراف المتضررة، وأنها كانت تفتقر للمعرفة الدقيقة بالوضع الديمغرافي، السكاني، والاقتصادي والاجتماعي في مناطق السويداء، مما جعل من الصعب التنسيق بين الأطراف الحكومية والسكانية في تلك المنطقة، وبالتالي، فإن تحليل الصراع والظروف التاريخية التي أدت إلى تلك الأحداث لم يكن مدروسًا بشكل كامل.
خطوات طارئة
أعلنت وزارة العدل السورية دراستها للتقرير الوطني وإحالة الملفات ذات الصلة إلى النيابة العامة المختصة، وضمان محاكمات عادلة وشفافة، وإدماج النتائج في مسار العدالة الانتقالية، إلا أن هذه الإجراءات، وفقًا لقانونيين، تعتبر منقوصة.
يعتقد الكيلاني أن هذه الإجراءات، وفقًا للمعايير الأممية، غير كافية، حيث يشير التقرير صراحة إلى التزام الدولة بالتحقيق في الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم حرب، ويستوجب ذلك فحص المسؤولية القيادية، بما في ذلك إذا كان القادة قد أمروا بالأفعال أو كانوا على علم بها أو كان ينبغي أن يعلموا، ولم يمنعوا أو يعاقبوا الفاعلين. كما يشير إلى ضرورة توسيع التحقيق ليشمل سلسلة القيادة، ونشر معطيات عن الرتب والمسؤوليات، وحماية الشهود، وتتبع المفقودين، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وتقديم تقارير علنية دورية عن التقدم في التحقيقات.
يضيف المحامي شاهين أن تكرار الأخطاء في الساحل والسويداء يعود إلى غياب الإرادة الفعلية لتحقيق مسار العدالة الانتقالية، وعدم تقديم آلية واضحة لتطبيقها، بما في ذلك غياب مؤتمر وطني حقيقي يجمع كافة الأطياف السورية، إضافة إلى غياب مدونة سلوك تحدد عقدًا اجتماعيًا بين السوريين. كما يشدد على ضرورة اعتراف الحكومة بالمسؤولية والتقصير كخطوة أولى نحو الحل، ومحاسبة المجرمين بشكل حقيقي.
عصا مستقبلية
يشير الخبراء الحقوقيون إلى أن مثل هذه التقارير الأممية تدخل مباشرة في حسابات مجلس حقوق الإنسان، والدول المانحة، ومسارات العقوبات، والاختصاص القضائي العالمي، وأي نقاش مستقبلي حول المساءلة الدولية، كما أن مجرد تثبيت اللجنة لوقوع ثلاث موجات من العنف ضد المدنيين، ونسبتها الانتهاكات الخطيرة لجميع الأطراف، يجعل الملف أكثر حساسية دبلوماسيًا.
لكن، حسب المختص الكيلاني، فإن رد الدولة المتعاون قد يخفف بعض الكلفة السياسية مقارنة بسياسة الإنكار الكامل، كون وزارة الخارجية السورية أعلنت استمرار التعاون، والتقرير الأممي نفسه سجّل أن الحكومة سمحت بوصول فريق اللجنة إلى السويداء، واعترف بوجود خطوات اتخذتها الدولة لتوفير قدر من المساءلة، مثل إنشاء تحقيق مستقل واعتقال بعض المشتبه بهم. لذلك، فالصورة الدولية ليست “إدانة نهائية مغلقة”، بل أقرب إلى قلق قانوني وسياسي مرتفع مع إبقاء نافذة للتعاون مشروطة بجدية المحاسبة.
الترا سوريا
———————————
هل تدخل سوريا الحربَ ضدّ “حزب الله” في لبنان؟/ حسان الأسود
2026.04.06
أدّت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى خلط الأوراق مجدداً، ليس في المنطقة فحسب، بل وفي العالم أجمع، تداعيات هذه الحرب لم تستثنِ دولة من تأثيراتها مهما كانت هامشية، وهذا يؤكّد مجدداً مركزية منطقة الشرق الأوسط في الخارطة الدولية رغم محاولات الإيحاء الأميركية بما يخالف ذلك، كما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركي مثلاً.
يفرض سياق الأحداث، وخاصّة تدخّل “حزب الله” في الحرب الراهنة على إيران، ظلّه على المشهد بشكل لا يمكن تجاهله، يؤكّد هذا التدخّل مجدداً أنّ قرار الحرب والسلم في لبنان ليس بيد الدولة اللبنانية، بل بيد “الحرس الثوري” الإيراني حصراً، الذي أعطى الأوامر للحزب بالمباشرة بإشعال الجبهة اللبنانية، التي لم تهدأ من طرف إسرائيل بكل الأحوال طوال العام الماضي.
وهنا يصبح من الضروري استحضار العلاقة السورية اللبنانية الشائكة إلى الواجهة مجدداً، والبحث في إمكانات التدخل السوري المباشر كما حصل إثر الحرب الأهلية اللبنانية.
لا شكّ بأنّ الظروف قد تغيرت كثيراً، خلال نصف قرن تفصل بين العام 1975 والواقع الراهن اليوم، موازين القوى الآن مختلّة بشكل لا لبس فيه ولا غموض بين إسرائيل من جهة وبقيّة دول المنطقة مجتمعة، وليس بينها وبين سوريا ولبنان فحسب.
يجعل هذا الأمر حسابات الأطراف الفاعلة في المنطقة مختلفة عمّا كانت عليه في ذلك الوقت، وهذا يعيدنا لسؤال الساعة عن مصلحة سوريا في المشاركة بالحرب على “حزب الله” من عدمها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّه لولا نظام الأسد الأب لما كان بالإمكان وجود هذا الحزب بهذا الشكل من أساسه.
إنّ المبررات التي ترجّح هذا الاحتمال ليست بالواهنة ولا الضعيفة، رغم أنّ ما يمكن أن يُساق من حجج تدعم مبدأ النأي السوري بالنفس عن هذا الصراع ليست بالقليلة أيضاً.
انحياز القوى الداخلية اللبنانية الآن بات أكثر وضوحاً تجاه مسألة “الشيعيّة السياسية” إن صحّ التعبير، فهذه الأخيرة أصبحت منذ زمن بعيدٍ سلاحاً إيرانياً يختطف ليس فقط قرار اللبنانيين، بل حياتهم كلها، حاضرهم ومستقبلهم.
من هنا لم تعد تُسمع أصواتُ حتى أقرب المقرّبين من “حزب الله” وحلفائه دفاعاً عنه كما كان الحال في أثناء تدخّله في سوريا وغيرها من البلدان العربية، لكنّ هذا وحده لا يكفي لتبرير التدخل السوري عسكرياً لنزع سلاح الحزب، حتى لو تمّ ذلك بتفويضٍ من الحكومة اللبنانية وبتعاونٍ مع الجيش اللبناني وبغطاء عربي ودولي.
مردّ ذلك ليس فقط للذاكرة اللبنانية الملتهبة والمتقرّحة من ثلاثة عقودٍ مارس فيها جيش الأسد إرهابه ضد المجتمع اللبناني، بل وأيضاً بسبب التخوّف الراهن من طبيعة السلطة الانتقالية في سوريا، وخاصّة خلفيتها المستندة إلى الأكثرية السنية التي تجاهر أطرافٌ كثيرةٌ في لبنان بالعداء لها، حتى من بين خصوم “حزب الله” السياسيين.
ثمّ هناك اختلاف النظرة بين الدول العربية والإقليمية من هذه الحرب، فرغم تأثر دول المنطقة جميعها بشكل مباشر منها، إلّا أنّ بعضها قد يفضّل عدم هزيمة “حزب الله” بشكل عسكريٍ ساحقٍ الآن، لأنّ من شأن ذلك أن يعزز التفوّق الإسرائيلي في المنطقة ويطوّب إسرائيل ونتنياهو عرّابين مهيمنين على دولٍ كبيرة مثل مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية.
هذا السيناريو موجودٌ دون أدنى شكّ على طاولات النقاش في دول المنطقة جميعها، إنّ المصلحة الاستراتيجية في تقليم أظافر إيران الداخلية وقطع أذرعها الخارجية لا تعني بالضرورة أن تُترجم مرحليًا بمصالح آنية تصبّ مباشرة في خانة تقوية إسرائيل وسرديتها عن المنطقة.
في هذا السياق، يجب ألا يغرب عن البال أنّ السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك كان قد صرّح بما لا يدع مجالاً للشك عند تطويبه سوريا شريكاً برقم 90 في حلف محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بأنّ بلاده تتطلّع لدورٍ سوريٍ في محاربة الإرهاب متمثلًا بـ”داعش” و”حزب الله” وحماس، وفق تعبيره.
كذلك لا بدّ من قراءة تصريحات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون مؤخرًا حول موقفه وموقف بلاده من دعم التنسيق بين أعلى المستويات القيادية في سوريا ولبنان بخصوص تعزيز سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها.
وعلى أهميتها الكبرى، فإنّ هذه الإشارات كلها لا تكفي لتبرير التدخل السوري في هذا الصراع، على الأقل من ناحيةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ ستؤثر كثيرًا على سمعة سوريا الخارجة من حرب داخلية امتدّت أربعة عشر عاماً، كان فيها حزب الله طرفًا أساسيًا، رغم المبررات العاطفية التي يمكن سوقها بحجج الثأر من هذا الحزب وما جرّه على السوريين ومدنهم وقراهم بانحيازه الفاضح لنظام الأسد الدموي.
من ناحية ثانية، لا شكّ بأنّ الوضع الداخلي السوري لا يسمح بهذا التدخل، لا على المستوى الأمني ولا العسكري ولا الاقتصادي ولا المجتمعي، وأقلّ ما يمكن قوله هنا هو ما يعبّر عنه المثل الدارج، “راحت تساعد ممدوح وتركت جوزها مطروح”، فلا البنية العسكرية للجيش السوري الحالي، ولا المؤسسة الأمنية السورية الراهنة بحال يسمحان لسوريا بلعب دورٍ حاسمٍ كما كان الأمر عند دخول قوات الردع العربي قبل خمسة عقودٍ خلت.
كذلك فإنّ البنية الاقتصادية السورية لا تسمح بتحمّل هذه الأعباء، ولا البنية الاقتصادية اللبنانية تفتح الشهية السورية لإعادة التفكير بابتلاع لبنان. ناهينا عن تعقيدات المشهد الديني والطائفي والمذهبي في كلا البلدين الجريحين.
ثمّ إنّ إيران التي تجاهد لتبرير استهداف المدن والمنشئات الاقتصادية والأعيان المدنية في الخليج العربي، ستجد في هذا التدخل السوري في لبنان إن حصل، مبرراً كافياً يشفي غلّها بإعادة الدخول إلى الساحة السورية على ظهور الصواريخ البالستية وفرط الصوتية هذه المرّة.
فهل ثمّة بعد هذا كلّه ما يستوجب البحث في مصلحة سورية بالتدخل؟ طبعاً لا يمكن إغفال الرأي القائل بأنّ هذا التدخل قد يكون مخرجاً للسلطة الجديدة في سوريا للهروب إلى الأمام من بعض الاستحقاقات الداخلية فيما يتعلق بملفات شائكة ومعقدة مع الأكراد والدروز والعلويين، أو مع الأصوات الشعبية من الحاضنة العربية السنية التي بدأت تستهجن القفز على ملفات العدالة الانتقالية والمشاركة السياسية والوضع المعيشي الصعب وانعدام الشفافية في إدارة مقدرات البلاد.
لكنّ هذا المخرج المفترض ليس أكثر من غوصٍ في وحل الساحة اللبنانية المعقّدة بما يكفي لإغراق المنطقة كلها وليس لبنان وسوريا وحدهما، وهو بالتالي سيكون بالنسبة لسوريا مدخلاً لورطة جديدة لا باباً للفرج وإعادة التوازن الداخلي.
من الحكمة بمكانٍ أن تنظر القيادة السورية للحرب الدائرة من خلال منظار المصلحة الوطنية السورية كما يفعل الجميع، فقد تعب السوريون كثيرًا من تدخلات النظام البائد بشؤون دول الجوار، وحُقّ لهم أن يلتفتوا لشأنهم الداخلي الآن.
تلفزيون سوريا
——————————
اقتحام مديرية التربية بالسويداء وتهديد الموظفين بعد تعيين مدير جديد
توتر أمني في السويداء عقب إطلاق النار وإغلاق مكاتب مديرية التربية
2026-04-06
شهدت محافظة السويداء اليوم الاثنين حالة من التوتر بعد اقتحام مديرية التربية من قبل مجموعة مسلحة تتبع المكتب الأمني لـ”الحرس الوطني”، وفق ما أفادت مصادر لشبكة “السويداء 24”.
وأكد المصدر أن المهاجمين أطلقوا عيارات نارية في الموقع، وأجبروا الموظفين على إغلاق المكاتب، احتجاجاً على قرار إقالة مديرة التربية السابقة وتعيين الأستاذ صفوان بلان مديراً جديداً للمديرية.
وفي أعقاب الحادث، توجّه عدد من موظفي المديرية إلى مقر قيادة الشرطة “قوى الأمن الداخلي” لتقديم بلاغ رسمي ضد المعتدين، بينما لا تزال المنطقة المحيطة بالمديرية تشهد حالة من التوتر والاحتياطات الأمنية المشددة.
وأعلن صفوان بلان اعتذاره عن أداء مهامه كمدير لتربية السويداء بعد اعتقاله من قبل “الحرس الوطني”.
وكانت قد أكدت وزارة الخارجية السورية في بيان رسمي، على تقديرها لجهود لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، التي أصدرت تقريرها حول أحداث السويداء في تموز/ يوليو 2025.
اقرأ أيضاً: دمشق: تعاملنا بشفافية مع أحداث السويداء ونؤكد التزامنا بالمحاسبة – 963+
وأوضح البيان أن الحكومة تعاملت مع التطورات التي جرت في السويداء منذ اللحظة الأولى بمستوى عالٍ من المسؤولية والشفافية، وشرعت في تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة، بالإضافة إلى إطلاق خارطة طريق لحل الأزمة تضمنت دعوة رسمية للجنة الدولية لمتابعة التحقيقات.
وأشار البيان إلى أن الحكومة لاحظت في التقرير عرضاً للعوامل البنيوية التي أسهمت في تفاقم الوضع، بما في ذلك آثار سنوات النزاع السابقة، وانتشار السلاح، وتنامي نشاطات تهريب المخدرات، فضلاً عن التوترات المجتمعية التي انعكست في حوادث اختطاف متبادلة. كما أشار التقرير إلى أثر الضربات الإسرائيلية التي ساهمت في تعقيد المشهد الميداني وإعاقة جهود التهدئة.
وثمنت الحكومة السورية في الوقت ذاته التعاون الرسمي الذي جرى بين اللجنة الدولية ولجنة التحقيق الوطنية، مؤكدة استعدادها لمواصلة التعاون وتنفيذ التوصيات المتعلقة بعودة الاستقرار، وضمان حماية المدنيين، وتعزيز دور مؤسسات الدولة في المحافظة على الأمن وحقوق السكان.
وفي تقرير لجنة التحقيق الدولية الصادر سابقاً، وثّقت اللجنة وقوع أكثر من 1700 قتيل ونزوح حوالي 200 ألف شخص خلال أسبوع واحد من أعمال العنف، مع تسجيل انتهاكات واسعة ارتكبها مختلف الأطراف، بما فيها القوات الحكومية والمقاتلون المحليون والجماعات المسلحة الدرزية.
وأشار التقرير إلى أن الانتهاكات شملت عمليات قتل، تعذيب، ونهب، وأعمال عنف جنسي، إضافة إلى استهداف المدنيين في المنازل والأماكن العامة.
ولفت التقرير أيضاً إلى أن عمليات النزوح تركزت على عشرات القرى، وأن غالبية المنازل في 35 قرية تعرضت لأضرار أو دُمرت بالكامل، مع استمرار الاشتباكات والانتهاكات بشكل متفرق بعد وقف إطلاق النار في 19 تموز، محذراً من استمرار حالة عدم الاستقرار ما لم تُتخذ خطوات جدية للمحاسبة والتوصل إلى حل سياسي شامل.
وأكدت لجنة التحقيق الدولية على ضرورة معالجة الانتهاكات وضمان تحقيق العدالة للضحايا وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية، بما يسهم في منع تجدد أعمال العنف مستقبلاً
————————————–
اختطاف مدير التربية في السويداء على يد مليشيا الحرس الوطني
نيسان 6, 2026
أقدم مسلحون يتبعون لميليشيا الحرس الوطني في السويداء على اقتحام مبنى مديرية التربية في المدينة صباح اليوم، الإثنين 6 نيسان، واختطاف مدير التربية في السويداء “صفوان بلان”.
وأفاد مراسل الإخبارية بأن المسلحين قاموا بترويع الموظفين في مبنى المديرية واعتدوا عليهم بالضرب والإهانة وأجبروهم على مغادرة مكاتبهم عنوة، ترافق ذلك مع إطلاق أعيرة نارية في المكان.
وذكرت مصادر محلية أن هذا الاعتداء جاء على خلفية قرار تغيير مدير التربية في المحافظة، وأضافت أن الاقتحام سبب حالة من الهلع والارتباك في المديرية وما حولها، في حين رفض الموظفون أوامر المسلحين بمغادرة مكاتبهم ما أدى إلى إخراجهم منها بالقوة.
وشهدت محافظة السويداء، الخميس 26 آذار، إقدام خارجين عن القانون من ميليشيا الحرس الوطني على الاعتداء واعتقال عدد من المشاركين في فعالية إحياء ذكرى وفاة سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا بريف المحافظة.
وتواصل حواجز ميليشيا الحرس الوطني منع خروج الطلاب والموظفين إلى دمشق، حيث تقطع الميليشيا الطريق الرئيسي الذي يعد شريان الحياة للمحافظة، ويقوم عناصرها بتفتيش المركبات، وإفراغ ما فيها من ركاب ومواد ضرورية للحياة ومصادرتها، مما أدى إلى تفاقم ملحوظ في الأوضاع الإنسانية.
المصدر: الإخبارية
——————————
مسلحون يعتدون على موظفين في “التربية“
ضحايا الاعتداء قدموا بلاغاً إلى مقر قيادة الشرطة “قوى الأمن الداخلي” التابع للجنة القانونية العليا
عاد التوتر إلى محافظة السويداء، بعدما أقدمت مجموعة مسلحة تنتمي للمكتب الأمني التابع لـ”الحرس الوطني”، اليوم الاثنين، على اقتحام مديرية التربية والتهجم على الموظفين المدنيين داخلها.
عيارات نارية
فقد أطلق المهاجمون عيارات نارية في الموقع، وأجبروا الكادر الوظيفي على إغلاق المكاتب، وذلك احتجاجاً على قرار إقالة مديرة التربية السابقة وتعيين صفوان بلان مديراً جديداً للمديرية، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية.
في حين توجهت مجموعة من الموظفين إلى مقر قيادة الشرطة “قوى الأمن الداخلي” التابع للجنة القانونية العليا لتقديم بلاغ رسمي ضد المعتدين، وفقاً لوسائل إعلام محلية.
كما انتشرت مقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت الواقعة، حيث خرج الموظفون هاربين على أصوات الرصاص بعد الاعتداء عليهم، وسط حالة استياء واسعة، إذ علا صوت إحداهن تقول باللهجة السورية: “كف بدن يحكمو بلد هدول”، في إشارة إلى العناصر المعتدية، وفق
وأكدت المصادر أن التوتر لا يزال سيد الموقف في المنطقة المحيطة بمديرية التربية.
المتابعات مستمرة
يذكر أن محافظ السويداء مصطفى البكور كان بحث، الأسبوع الماضي، مع مندوب عن مديرية التربية بالمحافظة، أوضاع القطاعين التربوي والتعليمي.
وذكرت محافظة السويداء في صفحتها عبر التليغرام يومها، أنه جرى خلال اللقاء بحث آلية تجديد العقود للمتعاقدين في المديرية، إضافة إلى التوقيع على صرف الرواتب المستحقة للعقود المؤقتة، في خطوة تهدف إلى استقرار العملية التعليمية وتأمين مستحقات الكوادر التربوية.
كما أتى الإجراء ضمن سلسلة من المتابعات التي يقوم بها المحافظ لدعم القطاع التربوي في السويداء، وتذليل العقبات التي تواجه العاملين فيه.
يشار إلى أن السويداء التي تعد معقل الأقلية الدرزية في جنوب البلاد، كانت شهدت بدءاً من 13 يوليو (تموز) 2025، ولمدة أسبوع اشتباكات بين مسلحين دروز ومقاتلين من البدو، قبل أن تتحول إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات الحكومية ثم مسلحين من العشائر الى جانب البدو، ثم تم التوصل لاحقاً إلى وقف لإطلاق النار بدءاً من 20 يوليو، لكن الوضع استمر متوتراً، والوصول إلى السويداء صعب.
أما الحرس الوطني فهو فصيل درزي مسلّح يتخذ من محافظة السويداء مقرا ويتبع للشيخ حكمت الهجري.
——————————
====================
تحديث 05 نيسان 2026
——————————
من جبل الشيخ للبنان: استراتيجية إسرائيل بالتوغل جنوب سوريا/ أحمد الكناني
الأحد 2026/04/05
لا تزال المنطقة الجنوبية في سوريا تشهد بشكل مستمر، توغلاً برياً إسرائيلياً، خصوصاً في الأجزاء الجنوبية الغربية بين محافظتي القنيطرة ودرعا، ومناطق جبل الشيخ بريف دمشق الغربي، وهي المناطق التي اتخذت فيها القوات الإسرائيلية منطلقاً لمسار دورياتها العسكرية وحواجز التفتيش الخاصة بها.
إلا أن اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران غيّر من مسار التوغلات الإسرائيلية في سوريا، وباتت أكثر تقدماً في الخطوط الجغرافية، وبدأت تطال المدنيين بشكل أكبر عبر حواجز التفتيش والدهم والاعتقال، وهو ما برره الإعلام العبري بمخاوف إسرائيلية من استخدام الجنوب كمنصة إرباك للجيش الإسرائيلي من قبل عناصر حزب الله في لبنان.
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجيش الإسرائيلي إلى انطلاق عمليات عسكرية، للمرة الأولى، من “جبل الشيخ” إلى جنوب لبنان، عبر “وحدة الألب” النخبوية في القتال الجبلي التابعة للواء 810، ما يعني تحول الجنوب السوري إلى قاعدة انطلاق عسكرية لعمليات الجيش في لبنان، الأمر الذي قد يعرضه لخطر محتمل في الحرب الإقليمية.
انتشار إسرائيلي موسع
كثّفت وحدات الجيش الإسرائيلي من توغلاتها في ريفي القنيطرة الشمالي والجنوبي، مع تعزيزات عسكرية خاصة في قرية العجرف بريف المحافظة الشمالي، وقريتي رويحينة ورسم الحلبي جنوباً، وإقامة حواجز مؤقتة، وتفتيش المارة والمنازل والطرق الواصلة بين القرى، فيما شهدت محافظة درعا تصعيداً ميدانياً في ريفها الغربي، خاصة في منطقة وادي الرقاد، بعد انتشار عسكري واسع شمل بلدات صيدا الحانوت، وعين ذكر، والمسريتية.
يوضح الباحث السياسي محمد الجابي تصعيد الجيش الإسرائيلي في الجنوب السوري على خلفية الحرب الإقليمية مع إيران، إذ إن إسرائيل لم تعد تتحرك في الجنوب السوري باعتباره ساحة هامشية، بل تنظر إليه كجبهة لا تقل حساسية عن غيرها في حربها الدائرة، خاصة أن السلوك العسكري يأتي في إطار عقيدة أمنية وقائية لتأمين جبهاتها، ومنع تشكّل بيئات معادية على حدودها الشمالية قد تتحول لاحقاً إلى ورقة ضغط عليها في حربها الإقليمية.
فيما يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمد أبو شريفة أن إسرائيل تواصل إنشاء المنطقة العازلة الخاصة بها في الجنوب السوري، مع الحفاظ على أهداف استراتيجية غير معلنة، بالاستحواذ على مصادر المياه في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، والسدود المنتشرة جنوب محافظة القنيطرة، وهي نقاط رئيسية لعمليات التوغل الإسرائيلية في الجنوب السوري.
مفاوضات مؤجلة
لم تُفضِ مخرجات اجتماع باريس مطلع كانون الثاني/يناير هذا العام إلى نتائج علنية أو تفاهمات مبدئية بين الجانبين السوري والإسرائيلي بخصوص المنطقة الجنوبية، رغم الحديث عن تفاهمات أولية لإنشاء آلية تنسيق مشتركة بإشراف أميركي لخفض التوتر في المنطقة، إلا أن مسار التوغلات لا يزال قائماً، كما زادت وتيرته في عمق الأراضي السورية.
ينوه الخبير في الشؤون الإسرائيلية أبو شريفة إلى أن إسرائيل لا تريد التفاوض مع دمشق في المرحلة الراهنة، ولا توحي توغلاتها بأنها تبحث عن تسوية للمنطقة الجنوبية أو اتفاق أمني، إذ تعمل على تنفيذ أجندتها السياسية بتفكيك سلاح حزب الله في لبنان، وإنهاء ملف الحرب مع إيران قبل أي تفاوض فعلي مع الحكومة السورية، لافتاً إلى وجود أزمة تواجه الجيش الإسرائيلي، عبّر عنها رئيس الأركان “إيال زامير”، نتيجة تصاعد العمليات العسكرية، وانخفاض أعداد الجنود، والعجز عن التجنيد.
من جانبه، يرى الباحث السياسي الجابي أن الوضع في جنوب البلاد أشبه بتفاهمات غير معلنة لضبط الاشتباك وتحقيق الاستقرار الأمني، وذلك منعاً لترك المنطقة في حالة فوضى، وعليه لا تزال المفاوضات شبه معلقة، مع هامش دولي للوسطاء في التدخل جنوباً، لافتاً إلى أن المنطقة الجنوبية جزء متكامل لا يمكن فصلها عن ملف السويداء.
عمليات مستمرة
تشير التقديرات العسكرية إلى أن استخدام إسرائيل لقواتها العسكرية في قاعدة جبل الشيخ للتقدم تجاه لبنان لم يعد ضمن مهامها الدفاعية، بل في إطار اعتبار الأراضي السورية مسرحاً جديداً للعمليات العسكرية ضد حزب الله، الأمر الذي يطيل من أمد التوترات في الجنوب السوري.
يؤكد الباحث السياسي الجابي أن إسرائيل تستفيد من حالة الضعف وإعادة التشكل داخل الدولة السورية، حيث ترى أن البيئة الحالية غير المكتملة سيادياً تتيح لها هامش حركة أوسع لفرض قواعدها الأمنية، ومنع أي طرف من ملء هذا الفراغ بطريقة معادية لها، وهي تدرك في المقابل، أهمية سوريا الجيوسياسية، وأن استقرارها الكامل قد يعيد إنتاج توازنات أكثر تقييداً لحركتها.
فيما يشير الخبير في الشؤون الإسرائيلية أبو شريفة إلى مشروع إسرائيلي عسكري قائم على إنشاء منطقة عازلة في الجنوبين السوري واللبناني، وقطع نهر الليطاني، وإمكانية استعادة أجزاء من الأراضي التي حُررت في عام 2006، لأن ثمة أصواتاً داخل حكومة نتنياهو تطالب بذلك.
يأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة الجنوبية تحليقاً مكثفاً للطيران الإسرائيلي، ودوي عدة انفجارات نتيجة لتصدي الدفاعات الجوية الإسرائيلية للصواريخ الإيرانية فوق الأراضي السورية.
———————–
محور جبل الشيخ.. هل تختبر إسرائيل كسر التوازن عبر البوابة السورية؟/ صهيب جوهر
2026.04.05
يبدو أن ما جرى في محور جبل الشيخ لا يمكن قراءته كعملية عسكرية معزولة أو كاستطلاع عملياتي، وبدا أن لبنان وسوريا أمام خطوة تحمل طابعاً اختبارياً لمسار ميداني جديد، يربط بين الساحة السورية والميدان اللبناني، ويعيد طرح سؤال أساسي، هل تحاول إسرائيل نقل مركز الثقل من الجنوب إلى الشرق، أي إلى تخوم البقاع؟
منذ بداية المواجهة، اعتمد جيش الاحتلال الإسرائيلي مقاربة تقوم على الضغط الناري المكثف في الجنوب اللبناني، مع محاولات محدودة للتقدم البري. لكن هذه المحاولات اصطدمت بعوائق ميدانية واضحة، ما دفعها تدريجياً إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر تأثيراً، هنا تحديداً يظهر محور جبل الشيخ كخيار عسكري، لأنه يوفّر ما لم ينجح الجنوب في توفيره، عبر التفاف جغرافي بدل الاختراق المباشر.
وفي السياق نفسه فإن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لم يُخفي هذا التوجه حين تحدث عن نموذج في لبنان شبيه بسوريا وغزة، أي إدارة الصراع عبر مناطق نفوذ وعزل تدريجي، لا عبر حسم سريع. وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً في التفكير العملياتي الإسرائيلي، من معركة “كسر” إلى معركة “استنزاف مُدار”.
من الجنوب إلى الشرق: لماذا تغيّر الاتجاه؟
في الجنوب اللبناني، حاولت إسرائيل تحقيق اختراق ميداني يفرض واقعاً جديداً، لكنها واجهت بيئة قتالية معقدة، قائمة على دفاع مرن وقدرة على امتصاص الضربات. لذلك، لم يعد التقدم المباشر الخيار الأكثر فعالية.
في المقابل، يقدم الشرق اللبناني، وتحديداً محور جبل الشيخ – البقاع الغربي، فرصة مختلفة، حيث الجغرافيا هنا مفتوحة نسبياً، والطرق أقل كثافة سكانية، كما أن الارتباط بين الجبهتين (الجنوب والبقاع) يشكل نقطة ضعف يمكن استهدافها. من هنا، يصبح الهدف ليس السيطرة على البقاع بحد ذاته، بل فصل البقاع عن الجنوب، أي ضرب وحدة الجبهة.
وهذا يفسر لماذا تزامن التحرك عبر جبل الشيخ مع استهداف منهجي للطرق في البقاع الغربي. نحن أمام محاولة مزدوجة، ضغط من الأعلى (المرتفعات) وعزل من الأسفل (الطرق).
جبل الشيخ.. عقدة جغرافية ومفتاح استخباري
أهمية جبل الشيخ لا تكمن فقط في ارتفاعه، بل في كونه نقطة تقاطع بين ثلاث بيئات عملياتية: جنوب لبنان، البقاع، والحدود السورية. السيطرة عليه أو حتى العمل منه، يمنح إسرائيل قدرة على مراقبة الحركة بين هذه المناطق، واستهدافها عند الحاجة.
لكن الأهم هو البعد الاستخباري. فالموقع يسمح برصد تحركات الإمداد، ومتابعة خطوط الاتصال، وحتى مراقبة استخدام المسيّرات. لذلك، فإن العملية التي نُفذت عبر هذا المحور ليست فقط لجمع معلومات، بل لبناء “صورة ميدانية مستمرة”، يمكن استخدامها في مراحل لاحقة، بمعنى آخر، إسرائيل لا تفتح جبهة بعد، لكنها تجهّز لها.
هنا ندخل إلى جوهر المسألة. أي استخدام فعلي لمحور جبل الشيخ باتجاه البقاع لا يمكن أن يتم دون المرور، بشكل أو بآخر، عبر سوريا أو الاعتماد على هامش الحركة داخلها، ولهذا السبب، يصبح موقف دمشق عاملاً حاسماً، وليس تفصيلاً. فبحسب ما نقلته وكالة رويترز، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع رفض الانخراط في أي عمل عسكري ضد حزب الله في البقاع، رغم أن هذا الخيار طُرح ضمن بعض الطروحات الإقليمية، لكن الشرع تمترس خلف موقف سعودي – تركي – قطري رافض لتوريط سوريا.
هذا الرفض يعكس أكثر من مجرد موقف سياسي. هو في الواقع قرار استراتيجي بعدم تحويل سوريا إلى منصة لتغيير موازين القوى داخل لبنان. فدمشق تدرك أن أي انخراط، حتى لو كان محدوداً، سيعني دخولها في مواجهة مفتوحة، ليس فقط مع حزب الله، بل مع بيئة إقليمية معقدة قد يصعب الخروج منها.
سوريا بين الضغط والتموضع.. سياسة “المنع لا المشاركة”
وفق مصدر عسكري لبناني رفيع لـ”تلفزيون سوريا”، فإن ما تقوم به سوريا حالياً يمكن توصيفه بسياسة “المنع لا المشاركة”. فهي لا تنخرط في الحرب، لكنها في الوقت نفسه تعمل على منع توسعها عبر أراضيها. وهذا يظهر في تعزيز الانتشار العسكري على الحدود، وفي ضبط الحركة ضمن المناطق القريبة من خطوط التماس.
وهذا السلوك يعكس محاولة لحماية الداخل السوري من تداعيات الحرب، وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقع سياسي يسمح لدمشق بالبقاء لاعباً إقليمياً دون دفع كلفة عسكرية مباشرة، لكن هذا التوازن هش. لأن أي خطأ في الحسابات، أو أي احتكاك غير محسوب، قد يدفع الأمور نحو تصعيد لا تريده دمشق، ولا يبدو أن أي طرف إقليمي مستعد لتحمل تبعاته حالياً.
في ضوء كل ما سبق، يشير المصدر أنه يمكن القول إن محور جبل الشيخ أصبح فعلياً جزءاً من المعركة، لكن ضمن حدود واضحة. إسرائيل تستخدمه كأداة ضغط واستطلاع، وربما كخيار احتياطي لتوسيع العمليات. لكنها، حتى الآن، لا تملك حرية تحويله إلى جبهة كاملة.
السبب ليس عسكرياً فقط، بل سياسي بالدرجة الأولى. فموقف الرئيس السوري أحمد الشرع يضع سقفاً لأي تحرك عبر هذا المحور، ويحوّل الجغرافيا السورية من مساحة عبور إلى مساحة ضبط.
البقاع لم يعد خارج المعركة، لكنه لم يدخلها بعد. هو اليوم في موقع “الهدف المحتمل”، الذي يجري تهيئة الظروف للوصول إليه، لا أكثر، أما القرار الفعلي بفتح هذه الجبهة، فلا يُتخذ في الجنوب، بل في مكان آخر، هو في دمشق، وطالما أن سوريا ترفض الانخراط، يبقى محور جبل الشيخ أداة ضغط جزئية، لا بداية حرب جديدة، على الأقل في المرحلة الحالية.
تلفزيون سوريا
—————————
معركة ما وراء الحدود: لماذا ترى إسرائيل في سوريا ساحة ضغط على حزب الله؟/ عزيز موسى
3 أبريل 2026
لم تعد الساحة السورية مجرد جغرافيا ثانوية في الحرب الدائرة في الإقليم، بل تحولت إلى ساحة للاختبار السياسي، فبينما تدفع إسرائيل لجرّ دمشق إلى معادلة “المقايضة الصفرية” عبر تكثيف الضغوط العسكرية والاستخباراتية، تبرز قراءة الحكومة لسورية للتحولات بوصفها استدراج ونقل المواجهة من الاستهداف الموضعي إلى استراتيجية “الاستهداف الشامل”، إذ تحاول إسرائيل توظيف الضغط العسكري لجر دمشق نحو اشتباك مع حزب الله في لبنان ضمن إطار استثمار الحدود المشتركة، لتحويلها إلى فرصة لإضعاف الأطراف إلّا أن هذه الحسابات تنطوي عليها العديد من الأهداف والتداعيات التي تحكمها طبيعة التطورات.
التصعيد عبر البوابة السورية
يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية، محمد أبو شريفة، أن التعامل الإسرائيلي تجاه سوريا يأتي ضمن التصعيد في الإقليم نتيجة الحرب الأمريكية- الإسرائيلية مع إيران، إذ أن إسرائيل لا تحتمل حرب استنزاف طويلة ومكلفة، حيث أصبحت المواجهة تقاس بالصبر أكثر من أن تقاس بمعيار القوة، وخيار المواجهة يطغى على خيار التفاوض، وما بينهما ثمة حيثيات تغري إسرائيل باستثمارها على حساب غيرها كأن تفعّل مسار التطبيع بالضغط، والسعي نحو فتح جبهات أخرى خاصة في سوريا لعدة أهداف أهمها مشاغلة حزب الله لتخفيف كثافة النيران التي تتعرض لها من الجنوب اللبناني، كما تريد من هذه الخطوة إضعاف الحكومة السورية، لا سيما أن الدولة السورية حددت نهجها منذ البدايات بعدم التدخل في شؤون الجوار، وأكدت على احترام سيادة لبنان على أرضه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
من جانبه يشير الباحث في الدراسات السياسية، د. عامر محمد، إلى أن إسرائيل تعمل على توظيف قاعدة “القتال بسيف مستعار” من خلال سوريا، فنتيجة للخسائر الاقتصادية التي تكبدتها في الحرب ضد إيران والتي بلغت 3 مليار دولار أسبوعيًا، فضلًا عن الخسائر العسكرية ترى في سوريا منصة انطلاق لتنفيذ ضربات استباقية ضد حزب الله ولبنان، في محاولة منها لمنع إيران من تعزيز قوتها العسكرية، لا سيما وأن روسيا والصين انتقلتا الى مرحلة “الدعم الفتاك” لضمان عدم انكسار حليفهما الإيراني، فضلًا عن أن سوريا تعد في المنظور الإسرائيلي قاعدة جوسياسية متقدمة في تفعيل سياسة “الردع المتدرج” المتمثلة في استخدام أسلحة نوعية ذات فاعلية قصوى في مواجهة حزب الله.
أهداف تتجاوز الردع
تتجاوز الأهداف الإسرائيلية حدود الردع التقليدي لتنتقل إلى مرحلة “الهندسة الجيوسياسية” للمنطقة، مستهدفةً تفكيك حلقات الوصل بين إيران وحلفائها وتغيير قواعد الاشتباك الميداني، ومن هنا تبرز الأجندة الأمنية لتل أبيب في الجبهة الشمالية والعمق السوري كأولوية قصوى تهدف لمحاولة جر الحكومة السورية نحو فخ الاشتباك.
يؤكد أبو شريفة أن إسرائيل لديها مشروع توسعي في المنطقة وتسعى لتحقيقه من خلال الاستثمار في الجبهات المحتدمة، وتوسيع نطاق المواجهات بين الأطراف والسعي نحو إنجاز مكاسب في حال نشبت مواجهة بين القوات السورية وحزب الله، أهمها استنزاف الحزب وتدمير قدراته العسكرية من خلال ضرب سلاسل توريد الأسلحة والدفع به إلى الشمال اللبناني بعيدًا عن الحدود الجنوبية، بما يرتب عليه تقليص التحالف مع إيران إضافة لتهيئة الأجواء لخلق منطقة عازلة تمنع تنفيذ عمليات ضدها، وعمليًا فإن رسائل استهداف المنشآت الحكومية في الجنوب وتوسع التوغل الإسرائيلي يأتي ضمن سياق خدمة مصالحها الأمنية في ظل التصعيد القائم في الإقليم.
فيما يعتقد د. محمد أن الأهداف الإسرائيلية تتمثل بتعزيز الجبهة الشمالية من خلال استهداف البنية التحتية لحزب الله في لبنان من الجانب السوري، إضافة لإعادة الهيكلة العسكرية في الجولان عبر تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في هذه المنطقة التي يعتبرها منطقة دفاعية متقدمة في مراقبة اي تحركات لحزب الله بالقرب من الحدود الاسرائيلية السورية، ثالثًا، جمع المعلومات الاستخباراتية عن تحركات قوات الحزب ومكافحة التمويل، والدعم التسليحي الإيراني لمقاتلي الحزب عبر الأراضي السورية.
فخ الاستنزاف المتبادل
يشير الباحث أبو شريفة إلى أنه ليس بالضرورة أن تنجح الاستراتيجية الإسرائيلية في وضع الحكومة السورية أمام مقايضة صفرية، لأن دمشق تدرك أن هذه الاستراتيجية ما هي إلا تصعيد ممنهج لإثارة حالة عداوة بين الدولة السورية ولبنان، ويتم توظيفها عمليًا في مصلحة عديد القوى التي تسعى إلى تكريس الانقسام، والحفاظ على نفوذها الإقليمي عبر وكلائها وحلفائها.
ويؤكد أن دمشق تقرأ التطورات السياسية في المنطقة بشكل جيد، إذ ترى أن عدم وضع سوريا ضمن قائمة أهداف إيران المباشرة يشكل عامل تمهل واستدراك في الحسابات السورية، ما قد يدفع دمشق إلى غض الطرف عن مواجهة ضد الحزب، قبل أن تتأكد من حجم التراجع في قدرة إيران على الرد، لأن أي دخول سوري مباشر في هذا الملف قد يمنح طهران ذريعة لإعادة إدخال الساحة السورية في الاشتباك، سواء بصورة مباشرة أو عبر الفصائل والأذرع الحليفة لإيران، ومن المرجح أن تبقى سوريا ضمن إطار الضغط السياسي والتشديد الأمني بالحفاظ على أمن الحدود والوقوف بوجه محاولات تصفية الحسابات على أراضيها، وعدم الانتقال إلى دور وتأثير مباشر إلّا إذا نضجت إرادة إقليمية واضحة وغطاء عربي يضمن أن تكون كلفة الدخول أقل من كلفة الصبر وعدم الاشتباك، وهذا ينسجم مع التصريحات الرسمية السورية التي أيدت قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله التي جاءت في سياق سياسي إقليمي، دون أن تعني الاستعداد للتدخل.
أما د. محمد فيرى أن اسرائيل تحاول انتهاج سياسة شد الاطراف بين الجيش السوري وحزب الله معتمدة في ذلك على مبدأ “عدو عدوي هو صديقي”، في محاولة منها لترسيخ سياسة الاستنزاف المتبادل عسكريًا وبشريًا، بالتالي يبدو النجاح العملياتي للاستراتيجية الإسرائيلية صعبًا وفق المقايضة الصفرية لأن إسرائيل تحاول اتباع سياسة الابتزاز والضغط المحكم تجاه الحكومة السورية لادماجها في دائرة القلق المستمر، فاشتباك الجيش السوري مع حزب الله سيجعل إسرائيل وسوريا في مواجهة لهجوم مزدوج مضاعف من قبل إيران وحزب الله، وادخال المنطقة في تصعيد مستدام بحيث تصبح المسافة فيه بلا قيمة من خلال الصواريخ الإيرانية التي ستطال المواقع الحساسة في الجغرافيا السورية وليس فقط إسرائيل، بالتالي لن تتمكن سياسة الضغط الأقصى في دفع دمشق لاحتواء حزب الله ميدانيًا، طالما أن الحزب له خبرة قتالية في إطار المناورة والمراوغة العسكرية في حروبه المتعددة مع إسرائيل.
دمشق بين خيارات المواجهة والحياد
يشدد أبو شريفة على أنه بالرغم من الأجواء التصعيدية في الإقليم إلا أن دمشق تفضّل خيار عدم الانخراط في اشتباك مع حزب الله باعتباره ليس خيارًا حتمياً للطرفين، فالموقف السوري واضح في علاقاته الإقليمية، القائمة على مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة وعدم تصدير الأزمات، إذ عانت سوريا من صراعات طويلة وتسعى إلى التعافي في بناء مؤسساتها وتمكين مجتمعها، من جهة أخرى فإن التضخيم الإعلامي في بناء سرديات تقول بإمكانية دخول الجيش السوري إلى لبنان للمشاركة بنزع سلاح الحزب، تهدف إلى خلق حالة عدائية بين الشعبين، في وقت تحتاج فيه المرحلة إلى بناء جسور الثقة والتعاون، لا تبنّي خطابات تصعيدية الغرض منها تعميق الانقسامات، وضرب الاستقرار في البلدين، والانجرار إلى حرب في المنطقة وتأجيج التوترات الطائفية، وعلى ضوء ذلك تدرك دمشق عدم إغفال التأثير الإقليمي في هذه التوجهات، لأن إيران، ستجد في استمرار التوترات والانقسامات فرصة مناسبة للحفاظ على دور حليفها الأبرز حزب الله، وانطلاقًا من هنا فإن الترويج لمخاطر التدخل السوري قد يسهم في إبقاء البيئة اللبنانية أسيرة الاصطفافات الإقليمية بما يخدم استمرار هذا النفوذ.
ويعتقد أبو شريفة أن السؤل الأهم يبقى: هل يريد حزب الله فتح النار على دمشق؟، هذا السؤال يحمل الكثير من التوقعات لكن الأرجح أن أي خطوة عسكرية من الحزب تجاه سوريا ستعطي القوات السورية مبررًا للبدء بعملية عسكرية وربما تكون مدعومة إقليميًا، لذلك عند التوقف عند اللغة المتبادلة بين الدولة السورية وحزب الله نلاحظ أنها لغة مضبوطة الإيقاع ولا تتعدى كونها رسائل متبادلة، بمعنى أن المؤشرات الحالية تنفي إمكانية الاشتباك الحتمي.
فيما يختم د. محمد بالقول إن الحكومة السورية ستتبع سياسة الحياد الدبلوماسي لتفادي أي صدام مباشر مع حزب الله لا سيما وأنها تبحث عن الاستقرار الاقتصادي، لأن أي مغامرة عسكرية سيكون لها تداعيات كارثية.
ألترا سوريا
—————————————-
جدل واستياء بعد قرار مجلس السويداء التابع لـ”الحرس الوطني” بفرض رسوم شهرية
2026.04.03
أثار إعلان مجلس مدينة السويداء التابع لميليشيا “الحرس الوطني” فرض مساهمات مالية شهرية على الأهالي والفعاليات الاقتصادية موجة استياء واسعة، في وقت تعيش فيه المحافظة أوضاعاً معيشية متدهورة وغياباً شبه كامل لفرص العمل.
وأعلن المجلس إطلاق ما وصفها بـ”مبادرة مجتمعية” تهدف إلى ضمان استمرار الخدمات الأساسية، عبر فرض مساهمة شهرية قدرها 10 آلاف ليرة سورية على كل دفتر عائلة، و25 ألف ليرة على كل نشاط تجاري أو مهني، بغض النظر عن طبيعته.
وبحسب ما نقلته مصادر محلية في السويداء، فإن آلية جمع هذه المبالغ ستتم عبر صناديق توضع في الأحياء، بإشراف لجان محلية من السكان، مع اعتماد “إيصالات رسمية وسجلات موثقة لضمان الشفافية”.
تبريرات حول خطر توقف الخدمات
مجلس المدينة برّر الخطوة بتراجع الموارد إلى مستويات حرجة، مشيراً إلى عدم القدرة على تأمين رواتب العاملين أو صيانة الآليات، ما يهدد بتوقف خدمات أساسية كالنظافة والصرف الصحي.
واعتبر أن هذه المساهمات “رمزية” ولا تندرج ضمن الرسوم الإلزامية، بل تأتي في إطار “المسؤولية المجتمعية” لتفادي انهيار الواقع الخدمي.
رفض شعبي.. “جباية مقنّعة”
في المقابل، عبّر عدد من أهالي السويداء خلال حديثهم لموقع “تلفزيون سوريا”، عن رفضهم لهذه الخطوة، معتبرين أنها شكل من أشكال “الجباية المقنّعة”، تُفرض في ظل ظروف اقتصادية قاسية يعيشها السكان.
وقال أحد الأهالي من مدينة شهبا فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن “فرض أي مبالغ مالية اليوم، حتى لو وُصفت بأنها رمزية، يُعد عبئاً إضافياً على عائلات لا تملك أساساً قوت يومها”، مشيراً إلى أن “شريحة واسعة من الموظفين لم تتقاضَ رواتبها منذ أشهر”.
وأضاف أن “المشكلة لا تتعلق بالمبلغ، بل بغياب مصادر الدخل، في ظل منع الحرس الوطني الأهالي من تسلم رواتبهم الصادرة عن الحكومة السورية”.
كما تساءل بعض السكان عن جدوى هذه المساهمات وآليات صرفها، رغم حديث المجلس عن لجان رقابة، مؤكدين أن “الثقة بالإدارات المحلية تراجعت، في ظل غياب الشفافية الحقيقية”.
جبايات سابقة
قرار مجلس مدينة السويداء بفرض رسوم على الخدمات لم يكن جديد، إذ أطلق المجلس بإشراف ميليشيا “الحرس الوطني” عدد من “المبادرات التطوعية” والتي تحولت إلى ما يشبه الجبايات المفروضة على السكان تحت مسمى “المساهمات المحلية”.
وفي 27 من تشرين الأول الماضي، أطلق مجلس مدينة السويداء حملة جمع تبرعات “لدعم قطاع النظافة”، تقضي بدفع 10 آلاف ليرة سورية من كل عائلة مسجلة داخل المدينة.
وفي موازاة ذلك، أقرّ مجلس مدينة شهبا قراراً جديداً يقضي بفرض رسم قدره 5000 ليرة سورية على كل سيارة تُعبِّئ البنزين عبر البطاقة الخاصة التي أصدرها المجلس قبل نحو شهرين.
وبرّر رئيس المجلس، سامر صيموعة، القرار بأن “المدينة في حالة شلل شبه تام في القطاعات الخدمية، لذلك رأينا ضرورة فرض هذا المبلغ لدعم قطاعات المياه والنظافة والهاتف، بعد غياب الدعم المادي الرسمي”.
وفي مطلع تشرين الأول الماضي، نظم المجلس المحلي في القريا حملة جمع تبرعات من أجل إصلاح مضخات المياه، عبر جمع مبلغ 20 ألف ليرة من كل عائلة.
ومع نهاية تشرين الأول، لم تسفر الحملة عن أي نتائج، إذ يعتبر الأهالي هناك أن الحملة قامت فقط على جمع الأموال لدفع رواتب المجلس المحلي، تحت غطاء إصلاح مضخات المياه والتي ما تزال معطلة.
وتعيش محافظة السويداء أزمة اقتصادية، حيث تتراجع القدرة الشرائية بشكل مستمر، بالتزامن مع انقطاع الرواتب عن فئات واسعة من العاملين، وارتفاع معدلات البطالة، نتيجة منع الأهالي من تسلم رواتبهم والسفر إلى العاصمة دمشق، ما يزيد من حدة الاحتقان الشعبي، ضد ميليشيا “الحرس الوطني” التي تزعمت إدارة المحافظة بعد أحداث السويداء في تموز الماضي.
——————————
احتاجاجات في السويداء ومطالبات بتنحي “اللجنة القانونية العليا“
2026.04.05
شهدت ساحة الكرامة في مدينة السويداء، اليوم الأحد، وقفة احتجاجية شارك فيها عشرات الأهالي، طالبوا خلالها بتنحي ما تُسمى بـ”اللجنة القانونية العليا” التابعة لميليشيا “الحرس الوطني”، على خلفية قرارات أثارت جدلاً واسعاً في المحافظة، أبرزها فرض مساهمات مالية شهرية على السكان والفعاليات الاقتصادية.
وقالت مصادر محلية في السويداء لموقع تلفزيون سوريا، إن الاحتجاجات جاءت عقب إعلان “اللجنة القانونية العليا”، فرض ما وصفه بـ”مبادرة مجتمعية” تهدف إلى تأمين استمرارية الخدمات الأساسية، عبر مساهمات شهرية قدرها 10 آلاف ليرة سورية على كل دفتر عائلة، و25 ألف ليرة على كل نشاط تجاري أو مهني.
كما زاد من حالة الاحتقان موافقة مجلس مدينة القريا، خلال اجتماع عقد يوم أمس السبت ، على تفعيل نظام الجباية، في خطوة اعتبرها الأهالي امتداداً لسياسة فرض الأعباء المالية في ظل أوضاع معيشية متدهورة تعانيها المحافظة.
أسباب متعددة للاحتجاج
ولم تقتصر دوافع الاحتجاج على القرارات المالية، إذ عبّر المشاركون أيضاً عن استيائهم من غياب أي ضمانات حقيقية أو جهود واضحة للحصول على اعتراف رسمي بشهادات الثانوية العامة من وزارة التربية التابعة للحكومة السورية، ما يهدد مستقبل آلاف الطلاب في المحافظة.
واعتبر المشاركون أن “اللجنة القانوية العليا”، فشلت في إدارة الملف الخدمي للمحافظة، ما أدى إلى تردي المستوى المعيشي، كما لم تحرز أي تقدم أي دعم للنازحين من القرى الغربية إلى مدينة السويداء، منتقدين بنيتها التنظيمية القائمة على الولاءات.
رسوم شهرية مقابل الخدمات
وفي 3 من نيسان الحالي، أعلن مجلس مدينة السويداء التابع لـ “ميليشيا الحرس الوطني”، فرض مساهمات مالية شهرية على الأهالي والفعاليات الاقتصادية بقيمة قدرها 10 آلاف ليرة سورية على كل دفتر عائلة، و25 ألف ليرة على كل نشاط تجاري أو مهني، بغض النظر عن طبيعته.
وبحسب ما نقلته مصادر محلية في السويداء، فإن آلية جمع هذه المبالغ ستتم عبر صناديق توضع في الأحياء، بإشراف لجان محلية من السكان، مع اعتماد “إيصالات رسمية وسجلات موثقة لضمان الشفافية”.
وبرر مجلس المدينة قراره بتراجع الموارد إلى مستويات حرجة، مشيراً إلى عدم القدرة على تأمين رواتب العاملين أو صيانة الآليات، ما يهدد بتوقف خدمات أساسية كالنظافة والصرف الصحي.
واعتبر أن هذه المساهمات “رمزية” ولا تندرج ضمن الرسوم الإلزامية، بل تأتي في إطار “المسؤولية المجتمعية” لتفادي انهيار الواقع الخدمي.
——————————
====================
تحديث 03 نيسان 2026
——————————
توتر في جنوب سوريا: تعقيدات إقليمية متشابكة
القنيطرة – نور الحسن
الجمعة 2026/04/03
يشهد الجنوب السوري حالة من التوتر المتصاعد في ظل تعقيدات إقليمية متشابكة، حيث تتلاحق التطورات الميدانية والسياسية بوتيرة سريعة، تاركة آثاراً ثقيلة على واقع المنطقة.
ومع ازدياد حدة العمليات العسكرية الإسرائيلية، تتنامى المخاوف من محاولات لتوسيع نطاق المواجهة، بحيث لا تبقى محصورة في الساحة اللبنانية، بل تمتد إلى الداخل السوري.
في الوقت ذاته، تتصاعد موجة من الغضب الشعبي في مدن وبلدات الجنوب، تعبيراً عن رفض القرارات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين. هذا الحراك يضع المنطقة أمام وضع دقيق، يجمع بين تضامن شعبي مفهوم، واحتمالات استغلال هذا الغضب كذريعة لتبرير تدخلات عسكرية أوسع.
ومن الواضح أن التحركات الإسرائيلية لا تأتي بشكل عشوائي، بل ضمن مسار يسعى إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. فمع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، تبدو سوريا خياراً مطروحاً لتوسيع رقعة الصراع. ويظهر ذلك من خلال تكثيف الضربات ورفع مستوى الجاهزية العسكرية على الحدود، في سياق اختبار مستمر لحدود الردود الممكنة.
تصعيد ميداني
تشهد محافظتا درعا والقنيطرة جنوب سوريا حالة من التوتر المتصاعد، تزامنا مع احتجاجات شعبية اندلعت رفضا لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي، في مشهد يعكس حساسية المنطقة وتشابك العوامل الأمنية والعسكرية فيها.
وبدأت التحركات الاحتجاجية منذ يوم أمس في مدن وبلدات درعا، قبل أن تمتد إلى مناطق متفرقة في ريف القنيطرة، حيث تجمع المتظاهرون في الساحات العامة ومراكز المدن، ثم اتجهت مجموعات منهم نحو القرى المحاذية للشريط الفاصل مع الجولان المحتل.
ومع اقتراب المحتجين من السياج الحدودي، سُجلت حالة استنفار واضحة في صفوف الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة، ما دفع المتظاهرين إلى التراجع تفادياً لأي احتكاك مباشر.
وخلال ساعات الليل، شهدت مناطق ريف القنيطرة تصعيداً لافتاً، حيث أطلقت القوات الإسرائيلية عشرات القنابل الضوئية التي أضاءت سماء المنطقة بشكل مكثف، بالتزامن مع سماع دوي انفجارات ناجمة عن عمليات اعتراض صواريخ، في حين تحدثت مصادر محلية عن إطلاق نار كثيف من قواعد عسكرية إسرائيلية مستحدثة في ريف القنيطرة الأوسط باتجاه الأراضي الزراعية، ما زاد من حالة القلق بين السكان.
انتشار أمني سوري
في المقابل، فرضت السلطات السورية انتشاراً أمنياً مشدداً، تمثل في تعزيز الحواجز والنقاط الأمنية على امتداد الحدود الإدارية بين درعا والقنيطرة، إضافة إلى داخل المدن والبلدات، في محاولة لاحتواء الاحتجاجات ومنع تحولها إلى مواجهات قد تستغلها أطراف أخرى لتصعيد الوضع الميداني.
ومع استمرار الدعوات للتظاهر، اتخذت القوات الإسرائيلية إجراءات إضافية داخل المنطقة المنزوعة السلاح، شملت إغلاق طرق فرعية تؤدي إلى السياج فاصل مع الجولان المحتل ومواقع عسكرية، في خطوة تعكس مخاوف من وصول المتظاهرين إلى نقاط قريبة من مواقعها.
وتزامن ذلك مع تحركات ميدانية سابقة تمثلت في توغلات داخل عدد من القرى، حيث نفذت عمليات تفتيش للمنازل وجمع بيانات شخصية من السكان، وهو ما أثار مخاوف محلية من تكريس واقع أمني جديد في المنطقة.
إجراءات أمنية للاحتلال
وفي سياق متصل، أفادت مصادر محلية بقيام القوات الإسرائيلية بإجراءات ميدانية إضافية شملت إنشاء سياج في مناطق زراعية قرب حوض اليرموك، مع تسجيل تعديات على أراضٍ زراعية، ما يعزز المخاوف من تغييرات تدريجية على الأرض في المنطقة .
كما برز تطور لافت تمثل في إعلان تحرك قوات إسرائيلية عبر مسار يمتد من مناطق الجولان المحتل باتجاه الأراضي اللبنانية مرورا بأراض سورية، وهو ما ينظر إليه كمؤشر على اتساع نطاق النشاط العسكري في المنطقة الحدودية الحساسة.
تعكس هذه التطورات تداخلاً معقداً بين الحراك الشعبي والتصعيد العسكري والإجراءات الأمنية، في منطقة تعد من أكثر مناطق الجنوب السوري هشاشة، ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة لمسار الأحداث في حال استمرار التوترات أو توسع رقعتها.
——————————
====================
تحديث 02 نيسان 2026
——————————
ماذا تكشف تقارير السويداء عن مستقبل العدالة في سوريا؟/ ميشال شمّاس
الأربعاء 2026/04/01
يمكن النظر إلى تقريري أحداث السويداء الصادرين عن لجنة التحقيق الوطنية السورية، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، بوصفهما روايتين متوازيتين عن المأساة ذاتها: الأولى تخرج من داخل الدولة، والثانية تأتي من خارجها. وبين النصَّين تتشكّل مساحة نقدية مهمة، لا لفهم ما جرى في السويداء فحسب، بل لفهم طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا برمّتها: من يحاسب من؟ ومن يعرّف العدل؟ وكيف تُكتب الحقيقة الرسمية؟
على مستوى الوقائع الكبرى، لا يوجد خلاف جذري بين التقريرين. كلاهما يقرّ بأن ما حدث في السويداء في تموز 2025 هي موجة عنف واسعة النطاق، خلّفت مئات القتلى وآلاف الجرحى، ونزوح عشرات الآلاف من الدروز والبدو ومكوّنات أخرى. كلاهما يوثّق عمليات قتل عمد، وخطف متبادل، وسلب مسلح، وحرق وتخريب لمنازل وقرى ومواقع دينية، وهجمات انتقامية متبادلة، وتهجير قسري لقرى بأكملها. كلاهما يعترف بتعدد الفاعلين: فصائل محلية درزية وعشائر بدوية، وعناصر من القوات الحكومية، وجهات مرتبطة بداعش. وكلاهما يحذّر من أن ما جرى يهدد النسيج الاجتماعي، ويغذّي احتمالات التغيير الديموغرافي القسري.
هذه المشتركات مهمة. أن تعترف لجنة وطنية رسمية مشكلة من الحكومة السورية، بأرقام قريبة من تلك التي توثّقها لجنة أممية، وأن تقرّ صراحة بوجود انتهاكات جسيمة وبتورّط أفراد من الجيش والأمن، فهذا بحد ذاته تحوّل مهم مقارنة بثقافة الإنكار في عهد نظام الأسد. لكن ما إن ننتقل من ماذا حدث؟ إلى كيف نقرأ ما حدث؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ حتى تبدأ الفوارق في الظهور بوضوح.
في المؤتمر الصحافي للجنة الوطنية، أكد رئيسها أن الانتهاكات التي ارتُكبت كانت “فردية وليست ممنهجة”، مستنداً إلى تباين سلوك عناصر الجيش والأمن بين حالات قدّموا فيها حماية، وأخرى تورّطوا فيها. هذه الجملة المفتاحية تلخّص زاوية الرؤية الرسمية: المشكلة في أفراد انحرفوا، لا في نمط أو بنية. بناءً على ذلك، يُقدَّم التوقيف المعلن لـ23 من عناصر الأمن والجيش، ومحاكمتهم العلنية، على أنه دليل إرادة جدّية للمحاسبة، فيما تُصوَّر الدولة كطرف حاول احتواء العنف، ومنعه من التفاقم، لكنه اصطدم بكثافة المسلحين وتراخي بعض العناصر وبفوضى السلاح.
بينما لجنة التحقيق الدولية لا تتبنى هذا التخفيف. وصفت أحداث السويداء بأنها موجة عنف “واسعة النطاق”، تحمل طابعاً طائفياً وهويّاتياً واضحاً، ويرى في أنماطها المتكررة – من استهداف على أساس الانتماء، وتهجير شبه كامل للبدو من مناطق معينة، ونهب وحرق شبه شامل لعشرات القرى الدرزية، واستخدام مساجد كمراكز احتجاز – مؤشرات قويّة على جرائم حرب، مع احتمال أن ترقى جرائم ضد الانسانية.. هنا لا يعود الحديث عن “تجاوزات فردية” بل عن بنية عنف سمحت بأن يحدث ما حدث بهذا الاتساع والتركيز.
الفارق بين “فردي” وبين “نَمَطي” كبير. إذا كانت الانتهاكات فردية، فالمطلوب هو تنظيف الجهاز من بعض “العناصر الفاسدة”. أما إذا كانت نمطية، فهذا يعني أن المشكلة أعمق: في آليات القيادة والسيطرة، وفي ثقافة الأجهزة، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وفي طريقة إدارة السلاح والقوة، وفي غياب رادع حقيقي يمنع استخدام العنف على أساس الهوية كلما اختل توازن محلي أو إقليمي.
حاول التقرير الوطني أن يرسم صورة لدور الدولة أقرب إلى “الطرف الضابط”: الجيش والأمن، وفق روايته، حاولا منع وصول مجموعات من العشائر إلى السويداء، لكن كثافة الأعداد وضعف انضباط بعض العناصر حال دون ذلك، وفي حالات أخرى أعاد الأمن العام مجموعات من العشائر من دمشق إلى مناطقها. هذا لا يلغي اعترافه بتورّط أفراد من القوات الحكومية، لكنه يحصره في إطار محدود، ويقدّمه كاستثناء لا كجزء من نمط متكرر.
بينما وثق تقرير اللجنة الدولية أكثر من ذلك. تحدث بالتفصيل عن حرق وتدمير ونهب لقرى درزية في شمال وغرب السويداء، من قبل القوات الحكومية ومقاتلون عشائريون، والشاحنات المحمّلة بالممتلكات المنهوبة كانت تمر على الحواجزالحكومية من دون أن وتوقفها. ووثّق تهجيراً واسعاً للبدو من مقوّس وشهبا وصحوة البلاطة وغيرها، وحرقاً وتخريباً واحتلالاً لمنازلهم من قبل فصائل درزية ومهجرين دروز. ويشير إلى أن البدو، في مناطق معيّنة، ما زالوا ممنوعين من العودة. هذه ليست فقط وقائع جرمية، بل مؤشرات على فشل الدولة أو تقصيرها، أو تواطؤ بعض أذرعها، في القيام بواجبها بحماية المدنيين ومنع التهجير، ووقف النهب المنظّم، وفرض القانون على الجميع بلا تمييز.
تقرير اللجنة الوطنية ربط أحداث السويداء بسياق عام يمتد منذ 2011: انتشار السلاح، ضعف ثقة الناس بالمؤسسات، وجود مجموعات خارج سيطرة لدولة، الجريمة المنظمة وشبكات المخدرات. هذا الربط صحيح ومهم، لكنه يُستخدَم في التقرير غالباً لتفسير تعقيد المشهد وخطورته، أكثر مما يُستخدَم لمساءلة الخيارات السياسية والأمنية التي قادت إلى هذه البنية.
أما لجنة التحقيق الدولية، فذهبت خطوة أبعد من ذلك: فهي ترى السويداء مرآة مكبِّرة لمشكلات بنيوية على مستوى سوريا كلها. تقريرها العام عن سوريا يشخّص جهازاً أمنياً هجينا نشأ من دمج فصائل مسلحة معارضة سابقة، كثير منها يحمل سجلاً ثقيلاً من الانتهاكات، ويفصّل كيف أن الدولة لم تحتكر السلاح بعد، وأن العدالة الانتقالية ما زالت ضعيفة ومحدودة، وأن الإفلات من العقاب مستمرّ بصيغ مختلفة. وما حدث في الساحل، وأحداث السويداء، يدل على أن البنية الأمنية لم تُصمَّم بعد لتمنع العنف القائم على الهوية، بل قد تُعيد إنتاجه بأشكال مختلفة.
ومن منظور العدالة الانتقالية، لا تكمن أهمية تقاطع التقريرين في تكرار الوقائع، بل في ما يفتحه هذا التقاطع من أسئلة حول شكل العدالة الممكنة في سوريا. فالتقرير الوطني يقدّم اعترافاً رسمياً غير مسبوق بحجم الانتهاكات، لكنه يبقى محصوراً في إطار إدارة الأزمة وتحسين الأداء. أما التقرير الدولي، فيضع معياراً أعلى للمساءلة، عبر تشخيصه للطابع البنيوي للعنف ودور الدولة في السماح به أو العجز عن منعه.
ما جرى في السويداء لايمكن احتواؤه بتوقيفات محدودة أو مؤتمر صحافي ناجح، بل كان اختباراً مبكراً للمرحلة الانتقالية بأكملها. فبين تقرير حكومي يقدّم اعترافاً مهماً لكنه يبقى محصوراً في إطار إدارة الأزمة، وتقرير دولي يرفع سقف المساءلة عبر تشخيصه للبنية الأمنية والعدلية، تتكشف أمام السوريين فرصة نادرة لإعادة تعريف الحقيقة نفسها.
والتحدي اليوم ليس في اختيار رواية على حساب أخرى، بل في بناء قدرة وطنية على مواجهة الحقيقة كما هي، بكل ما تحمله من ألم وتعقيد، وتحويل التباين بين التقريرين إلى نقطة انطلاق لنقاش جدي حول إصلاح القطاع الأمني وضمان عدم التكرار.
وعند هذا المستوى من القراءة، يصبح السؤال الحقيقي هو مدى استعداد السوريين لقراءة حاضرهم بشجاعة، وصياغة مستقبل لا تُترك فيه جذور العنف لتتجدد كلما تبدّل ميزان القوة.
المدن
————————
جنوب سوريا.. زراعة متضررة وبيئة مهددة بالانتهاكات الإسرائيلية
تتواصل تداعيات الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا، حيث ألقت بظلالها على قطاعي الزراعة وتربية المواشي في محافظتي القنيطرة ودرعا، وسط قيود متزايدة على وصول السكان إلى أراضيهم وتضرر مساحات واسعة من المراعي والأراضي الزراعية.
وبوتيرة شبه يومية، تتكرر انتهاكات إسرائيل لسيادة سوريا، رغم إعلان دمشق مرارا التزامها باتفاقية فصل القوات لعام 1974، والتي أعلنت تل أبيب إلغاءها بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024.
وتشمل الانتهاكات توغلات برية وقصفا مدفعيا، لا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، واعتقال مواطنين وإقامة حواجز لتفتيش المارة والتحقيق معهم، وتدمير مزروعات.
يأتي ذلك رغم الإعلان في 6 يناير/ كانون الثاني الماضي عن تشكيل آلية اتصال بين سوريا وإسرائيل، بإشراف أمريكي، لتنسيق تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية.
وتقول السلطات السورية إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يحد من قدرتها على استعادة الاستقرار، ويعرقل جهود الحكومة لجذب الاستثمارات وتحسين الوضع الاقتصادي.
وأدت هذه الانتهاكات إلى تقسيم ريف القنيطرة عبر إنشاء عشرات القواعد والنقاط العسكرية، إلى جانب إلحاق أضرار بمئات الدونمات من الأراضي، بما في ذلك اقتلاع وتخريب أشجار.
كما تسببت إقامة قواعد عسكرية في بعض المناطق بتحويل المراعي التي يعتمد عليها مربو الماشية إلى أماكن غير صالحة للاستخدام، ما انعكس سلبا على قطاع تربية الأغنام وغيرها.
ويواجه المزارعون صعوبات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم جراء الاعتداءات الإسرائيلية، في وقت تستمر فيه الأشجار المثمرة، كأشجار الزيتون والعنب، بإنتاجها، دون أن يتمكن أصحابها من جني محاصيلها.
وتسببت هذه الظروف في خسائر اقتصادية مباشرة، إضافة إلى انعكاسات اجتماعية على السكان الذين يعتمدون بشكل رئيسي على الزراعة مصدر دخل.
تحذيرات من أضرار بيئية إضافية
مدير زراعة القنيطرة، محمد رحال يوضح أن الانتهاكات الإسرائيلية “لم تقتصر على العمليات العسكرية، بل شملت أيضا أضرارا بيئية”.
ويقول إن “الانتهاكات على طول خط وقف إطلاق النار وداخل المنطقة أثرت بشكل كبير على المزارعين، حيث تضررت الغابات وتم منع الوصول إلى العديد من الأراضي الزراعية”.
ويضيف أن “مواد كيميائية جرى رشها في بعض المناطق تسببت بأضرار للمحاصيل والمراعي”، موضحًا أن “التحاليل أظهرت أنها مبيدات أعشاب، لكنها ألحقت ضررا كبيرا بالمحاصيل الشتوية والمراعي”.
ويشير رحال إلى أن مربي الماشية يواجهون ظروفًا صعبة، دفعت العديد منهم إلى بيع قطعانهم نتيجة نقص المراعي واستمرار الضغوط.
الوصول إلى الأرض أصبح مخاطرة
من جانبه يقول المزارع محمد الحسن إن “النشاط الزراعي تراجع بشكل كبير وإن الذهاب إلى الأراضي أصبح مخاطرة، فالقوات الإسرائيلية قد تدخل إليها في أي وقت، لذلك لا نذهب ولا نسمح لأطفالنا بالذهاب”.
ويشير إلى أن “عددا من المزارعين لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم”، قائلاً: “كثيرون لم يستطيعوا الوصول إلى أشجار الزيتون والكرز”.
وأكد أن “قطاع تربية المواشي تأثر كذلك بشكل كبير”، موضحا أن “الرعاة لم يعودوا قادرين على استخدام المراعي وسط مخاوف من التعرض لإطلاق نار، ما اضطر بعضهم إلى بيع مواشيهم”.
بدوره، يقول المزارع ومربي المواشي حسين باكير إنهم “باتوا عاجزين عن استثمار أراضيهم”، مضيفًا: “لدينا أراض لكن لا نستطيع الوصول إليها لا للزراعة ولا للرعي، وحتى المرور في الطرق أصبح مقيدا”.
ويشير إلى “تعرض الرعاة لتهديدات متكررة” من جانب القوات الإسرائيلية، مبينا: “يقولون لنا إن هذه الأراضي لهم، لكنها في الواقع أراضينا، ورثناها أبا عن جد”.
ويوضح أنه “لا يستطيع الوصول إلى أرضه التي تبلغ مساحتها نحو 500 دونم”، داعيا “الجهات المعنية إلى إيجاد حل لأن الوضع بات لا يُحتمل”.
ومنذ عام 1967 تحتل إسرائيل معظم مساحة هضبة الجولان السورية، واستغلت أحداث الإطاحة بالرئيس بشار الأسد أواخر 2024 واحتلت مناطق بينها المنطقة السورية العازلة.
——————————
سوريا: تصعيد ميداني خطير في ريف القنيطرة واستهداف صحافيين
القنيطرة – نور الحسن
الخميس 2026/04/02
شهد ريف القنيطرة، يوم أمس الأربعاء، تصعيداً ميدانياً لافتاً تمثل بسلسلة من التحركات والإجراءات العسكرية الإسرائيلية، تزامناً مع حالة توتر شعبي متصاعدة في المنطقة.
وفي أبرز التطورات، تعرض عدد من الصحافيين والإعلاميين لاستهداف غير مباشر أثناء توجههم إلى قرية الصمدانية الغربية بريف القنيطرة الأوسط ، لتوثيق حادثة سقوط طائرة مسيّرة إيرانية، أُسقطت عبر دفاعات جوية إسرائيلية.
قذائف هاون وقنابل مضيئة
وأفادت المعلومات أن القوات الإسرائيلية، التي كانت تجري تدريبات عسكرية في المنطقة، أطلقت ثماني قذائف هاون سقطت بالقرب من موقع تواجد الصحافيين، من دون تسجيل إصابات، ما اضطرهم إلى الانسحاب الفوري حفاظاً على سلامتهم.
وفي سياق متصل، أطلقت القوات الإسرائيلية قنابل مضيئة فوق قرية أم العظام في ريف القنيطرة الأوسط، بالتزامن مع استهداف محيط تواجد كوادر إعلامية بقذائف هاون، في مؤشر واضح على تصعيد ميداني متعمد.
كما أقامت القوات الإسرائيلية حاجزاً عسكرياً مؤقتاً على الطريق الواصل بين قرية الصمدانية الشرقية وبلدة خان أرنبة في الريف الشمالي، حيث تم منع مرور المدنيين بشكل كامل.
وسُجل أيضاً توغل عسكري بين بلدتي رويحينة وزبيدة، تخلله إطلاق نار مباشر وإطلاق خمس قنابل مضيئة، ما يعكس استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
مسيرات ووقفات احتجاجية
ويأتي هذا التصعيد في أعقاب إعلان أهالي محافظتي القنيطرة ودرعا تنظيم مسيرات ووقفات احتجاجية رفضاً لقرارات إسرائيلية، أبرزها تشريع قانون في الكنيست يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين.
وقد اتجهت هذه الاحتجاجات نحو المناطق المحاذية للشريط الحدودي مع الجولان المحتل، ما زاد من حدة الاحتقان الشعبي.
وخلال ساعات الليل، كثفت القوات الإسرائيلية من إطلاق القنابل المضيئة فوق قرى وبلدات ريف القنيطرة، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف من القواعد العسكرية المستحدثة في المنطقة، لا سيما قاعدتي العدنانية والحميدية.
في المقابل، عززت قوى الأمن الداخلي السوري انتشارها على الحواجز عند مداخل محافظة القنيطرة، في محاولة لضبط الوضع الأمني ومنع أي تصعيد داخلي.
كما شهدت أجواء الجنوب السوري تحليقاً مكثفاً للطيران الحربي الإسرائيلي، ترافَق مع سماع دوي انفجارات قوية ناجمة عن عمليات اعتراض وتدريبات عسكرية داخل أراضي الجولان المحتل.
وتبقى المنطقة على صفيح ساخن في ظل استمرار هذه التطورات الميدانية، وسط مخاوف من اتساع رقعة التصعيد خلال الفترة المقبلة
المدن
——————————
====================



